(٧١ - باب الصبر والأذى وقول الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠])
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "العيني": "الصبر على الأذى"، وفي نسخة "الفتح": "الصبر في الأذى".
قال الحافظ (١): أي: حبس النفس عن المجازاة على الأذى قولًا أو فعلًا، وقد يطلق على الحلم، قال بعض أهل العلم: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها، ويقال فيها، ولهذا شقّ على النبي ﷺ نسبتهم له إلى الجور في القسمة لكنه حلم عن القائل فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرًا من المنفق؛ لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلا من شاء الله أن يزيده، وقد تقدم في أوائل الإيمان حديث ابن مسعود: "الصبر نصف الإيمان"، وقد ورد في فضل الصبر على الأذى حديث ليس على شرط البخاري، وهو ما أخرجه ابن ماجه بسند حسن عن ابن عمر رفعه: "المؤمن الذي خالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، وأخرجه الترمذي من حديث صحابي لم يسم، انتهى.
(٧٢ - باب من لم يواجه الناس بالعتاب)
أي: حياءً منهم، وقوله: "ما بال أقوام؟ " في رواية جرير: "ما بال رجال؟ " قال ابن بطال: هذا لا ينافي الترجمة؛ لأن المراد بها المواجهة مع التعيين كأن يقول: ما بالك يا فلان تفعل كذا، وما بال فلان يفعل كذا، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال العلامة العيني (٣): قال ابن بطال: إنما كان لا يواجه الناس
стр. 3274
بالعتاب إذا كان في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجهال وجفاء الأعراب، ألا يُرى أنه ترك الذي جبذ البردة عن عنقه حتى أثرت جبذته فيه، وأما إذا انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتصّ منه، انتهى.
قلت: وإليه أشار الإمام البخاري من الترجمة التي تأتي بعد بابين، وما حكى الحافظ عن ابن بطال في شرح الترجمة يؤيده ما أخرجه الإمام أبو داود في "سننه" (١) في "باب حسن العشرة" من "كتاب الأدب" عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا"، وأخرج من حديث أنس: "كان رسول الله ﷺ قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه" الحديث.
(٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)
كذا قيد مطلق الخبر بما إذا صدر ذلك بغير تأويل من قائله، واستدل لذلك في الباب الذي يليه، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال العيني (٣): قوله: "بغير تأويل" يعني: في تكفيره، قيّد به لأنه إذا تأوّل في تكفيره يكون معذورًا غير آثم، ولذلك عذر النبي ﷺ عمر ﵁ في نسبة النفاق إلى حاطب بن أبي بلتعة لتأويله، وذلك أن عمر بن الخطاب ظنّ أنه صار منافقًا بسبب ذلك، انتهى.
وقال القسطلاني (٤) في شرح الحديث: كذا حمله البخاري على تحقق الكفر على أحدهما بمقتضى الترجمة، ولذا ترجم عليه مقيّدًا بغير تأويل، وحمله بعضهم على الزجر والتغليظ، فيكون ظاهره غير مراد، انتهى.
стр. 3275
(٧٤ - باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأوّلًا أو جاهلًا)
أي: بالحكم أو بحال المقول فيه، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): قوله: "من قال ذلك" إشارة إلى قوله في الترجمة السابقة: "من كفر أخاه بغير تأويل" يعني: من قال ذلك القول حال كونه متأولًا بأن ظنه كذا، أو قاله حال كونه جاهلًا بحكم ما قاله أو بحال المقول فيه، انتهى.
وهكذا شرح الترجمة العلامة القسطلاني، فظاهر كلام الشرَّاح أن كلا البابين متعلق بمسألة واحدة وهي قول الرجل لآخر: يا كافر، فإن قال ذلك بغير تأويل فهو لا يجوز وهو مؤدّى الباب الأول، وإن قاله متأوّلًا فهو جائز وهو مؤدّى الباب الثاني على رأي الشرَّاح.
وأنت تعلم أن أحدهما مستلزم للآخر فيلزم التكرار بين هذين البابين، وما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أنهما مسألتان مختلفتان، فالباب الأول كما قال الشرَّاح في حق من قال للآخر: يا كافر بغير تأويل في هذا القول، وأما الباب الثاني فمؤدّاه عندي مسألة أخرى، وهي تكفير من قال كلمة الكفر أو فعل فعلًا يوجب الكفر جاهلًا أو متأوّلًا، فمتعلق التأويل ههنا فعل المقول فيه لا فعل القائل بخلاف الترجمة السابقة فإنها على عكس ذلك، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فتأمل فإنه لطيف مناسب لدقائق تراجم البخاري.
ومطابقة حديث الباب أعني قصة حاطب إما على قول الشرَّاح ففي قول عمر: إنه منافق، فإنما قال عمر ما قاله متأولًا، وإما على ما اخترته في معنى الترجمة فالمطابقة في فعل حاطب، فإنه فعل ما فعله متأوّلًا، والله أعلم.
стр. 3276
وترجم الإمام البخاري في "كتاب استتابة المعاندين والمرتدين" بلفظ "باب ما جاء في المتأولين"، وسيأتي شيء من الكلام على المسألة هناك إن شاء الله تعالى.
(٧٥ - باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى أن الحديث الوارد في أنه ﷺ وكان يصبر على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة، انتهى.
(٧٦ - باب الحذر من الغضب لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ الآية [الشورى: ٣٧])
أي: الحذر من الغضب لغير أمر الله لقوله في الترجمة الأولى: "لأمر الله".
(٧٧ - باب الحياء)
قال العلامة القسطلاني (٢): أي: فضل الحياء، وهو تغير وانكسار يعمري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذمّ، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، انتهى.
قلت: وتقدم بعض المباحث المتعلقة بالحياء في "كتاب الإيمان"، وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث عمران بن حصين، وقد أخرجه مسلم أيضًا في "كتاب الإيمان"،
قال الحافظ (٣): وقد ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" لبشير بن كعب
стр. 3277
هذا قصة مع ابن عباس تشعر بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل من لقيه، انتهى.
وأما الحديث الثاني فقد تقدم في "كتاب الإيمان"، وأما الثالث فقد تقدم قريبًا في "باب من لم يواجه الناس بالعتاب" وفي "باب صفته ﷺ ".
(٧٨ - باب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)
كذا في النسخة "الهندية" بإثبات الياء التحتانية، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "إذا لم تستح" بحذف الياء.
قال القسطلاني (١): لم تستح بكسر الحاء، وفي نسخة "الكرماني": "لم تستحي" بإثبات الياء كما في النسخة "الهندية"، وهو القياس فإنه في الأصل تستحيي بيائين، وبدخول الجازم سقطت إحدى اليائين.
قال الكرماني في الباب السابق: قوله: "إنك تستحي" بياء واحدة وبيائين، فإذا جزم يجوز أن يبقى بدونها، انتهى.
قال الحافظ (٢): كذا ترجم بلفظ الحديث، وضمّه في "الأدب المفرد" إلى ترجمة الحياء، ثم قال في شرح الحديث: وقد سبق هذا الحديث في ذكر بني إسرائيل في أواخر أحاديث الأنبياء.
قال النووي في "الأربعين": الأمر فيه للإباحة، أي: إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب والمندوب يستحي من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز وكذا من تركه، فتضمن الحديث الأحكام الخمسة، وقيل: هو أمر تهديد، ومعناه إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت
стр. 3278
فإن الله مجازيك عليه، وفيه إشارة إلى تعظيم أمر الحياء، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي: من لا يستحيي يصنع ما أراد، انتهى.
(٧٩ - باب ما لا يستحي من الحق للتفقه في الدين)
هذا تخصيص للعموم الماضي في الذي قبله أن الحياء خير كله، أو يحمل الحياء في الخبر الماضي على الحياء الشرعي، فيكون ما عداه مما يوجد فيه حقيقة الحياء لغة، ليس مرادًا بالوصف المذكور، وذكر فيه ثلاثة أحاديث تقدمت، وهي ظاهرة فيما ترجم له، انتهى من "الفتح" (١).
وقد ترجم على حديث أم سلمة وابن عمر حديثي الباب في "كتاب العلم" "باب الحياء في العلم"، وتقدم هناك آراء المشايخ والشرَّاح في غرض المصنف بالترجمة.
(٨٠ - باب قول النبي ﷺ : يسّروا ولا تعسّروا)
قال الحافظ (٢): أما حديث "يسّروا" فوصله في الباب، وأما الحديث الآخر فأخرجه مالك في "الموطأ" عن عائشة، فذكر حديثًا في صلاة الضحى وفيه: "وكان يحبّ ما خفّ على الناس"، انتهى.
(٨١ - باب الانبساط إلى الناس)
قال العيني (٣): وفي رواية الكشميهني: "مع الناس"، والمراد به أن يتلقى الناس بوجه بشوش وينبسط معهم بما ليس فيه ما ينكره الشرع وما يرتكب فيه الإثم، وكان النبي ﷺ أحسن الأمة أخلاقًا وأبسطهم وجهًا، وقد وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فكان ينبسط
стр. 3279
إلى النساء والصبيان ويداعبهم ويمازحهم، وقد قال ﷺ : "إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا" فينبغي للمؤمن الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه.
قوله: (والدعابة مع الأهل) بالجر عطفًا على الانبساط، وهي من بقية الترجمة، وهي بضم الدال: الملاطفة في القول بالمزاح، من دعب يدعب فهو دعاب، قال الجوهري: أي: لعاب، والمداعبة الممازحة، فإن قلت: قد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس رفعه: "لا تمار أخاك - أي: لا تخاصمه - ولا تمازحه" الحديث.
قلت: يجمع بينهما بأن المنهي عنه ما فيه إِفراط أو مداومة عليه؛ لأنها تؤول إلى الإيذاء والمخاصمة وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فافهم، انتهى.
(٨٢ - باب المداراة مع الناس)
هو بغير همز وأصله الهمز لأنه من المدافعة (١)، والمراد به الدفع برفق، وأشار المصنف بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه، واقتصر على إيراد ما يؤدي معناه، فمما ورد فيه صريحًا حديث لجابر عن النبي ﷺ قال: "مداراة الناس صدقة" أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط"، وحديث أبي هريرة: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس" أخرجه البزار بسند ضعيف.
قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظنّ بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار
стр. 3280
الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العلامة القسطلاني (٢) في تعريف المداهنة: هي معاشرة المعلن بالفسق وإظهار الرضاء بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان ولا بالقلب، انتهى.
(٨٣ - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقال معاوية: لا حلم إلا عن تجربة)
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "الكرماني" و"القسطلاني": "لا حكيم إلا ذو تجربة"، وفي نسخة "الفتح": "لا حكيم إلا بتجربة"، وفي نسخة "العيني": "لا حليم إلا ذو تجربة".
قال العلامة العيني (٣): ومناسبة ذكر أثر معاوية للحديث الذي هو الترجمة هي أن الحليم الذي ليس له تجربة قد يقع في أمر مرة بعد أخرى، فلذلك قيَّد الحليم بذي التجربة، والحلم عبارة عن التأني في الأمور المقلقلة، والمعنى أن المرء لا يوصف بالحلم حتى يجرب الأمور، وقيل: إن من جرّب الأمور وعرف عواقبها آثر الحلم وصبر على قليل الأذى ليدفع به ما هو أكثر منه، انتهى.
وقال الحافظ (٤): وهذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٥) ولفظه: "قال معاوية: لا حلم إلا بالتجارب"، وأخرجه البخاري
стр. 3281
في "الأدب المفرد" (١) من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: "كنت جالسًا عند معاوية فحدث نفسه ثم انتبه فقال: لا حليم إلا ذو تجربة، قالها ثلاثًا"، وأخرج من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا حليم إلا ذو عشرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة"، وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان، قال ابن الأثير: معناه لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها، فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها، وقال غيره: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلا من وقع في زَلّة، وحصل منه خطأ فحينئذٍ يخجل، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فيعفو عنه، وكذلك من جرَّب الأمور علم نفعها وضررها، فلا يفعل شيئًا إلا عن حكمة، انتهى.
قال الكرماني (٢): قوله: "لا يلدغ المؤمن" الحديث، قال الخطابي: "لا يلدغ" خبر ومعناه أمر، يقول: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى عن ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وقد يرويه بعضهم: "لا يلدغ" بكسر الغين في الوصل فيتحقق معنى النهي فيه، انتهى.
قال القسطلاني (٣): نقل النووي عن القاضي عياض: سبب هذا الحديث معروف وهو أنه ﷺ أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فأطلقه، فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أُحد فسأله المنّ فقال ﷺ : "لا يلدغ المؤمن" الحديث، وذكر القسطلاني أيضًا الخلاف في أن هذا القول مثل قديم تمثل به النبي ﷺ أو هو أول من تكلم به فارجع إليه لو شئت.
وفي "فيض الباري" (٤): قوله: "لا يلدغ المؤمن. . ." إلخ، يعني: من شأن المؤمن أن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فكأنه يكون معتبرًا
стр. 3282
من الحوادث لا كالفساق لا يبالي بشيء وإن أفرغت عليه المصائب وأقيمت عليه الحدود ويبتلى بالفتن، فالمؤمن يكون فطنًا متيقظًا يتقي مواضع التهم، وإذا ابتلي مرة بشرّ لا يأتيه ثانيًا حتى لا يكون مطعنًا للناس، وهذا لا ينافي كونه أبله، فإن ترجمته (ساده)، ويقابله (جالاك)، وليست ترجمته (بيوقوف)، فالمؤمن لا يكون خداعًا، انتهى.
وفي حاشية العلامة السندي (١): ولعل هذا الحديث محمول على أمور الدين كما يقتضيه اسم المؤمن، أي: ليس من شأن المؤمن على مقتضى إيمانه أن يصدّق الكاذب الذي ظهر كذبه مرة ثانية فينخدع في المرتين جميعًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وهذا هو مورد الحديث، وأما الانخداع في أمور الدنيا بناءً على قلة التفاته إليها وعدم اهتمامه بها فهو ممدوح مطلوب، وعليه يحمل حديث: "المؤمن غر كريم" فلا تدافع بين الحديثين، انتهى.
(٨٤ - باب حق الضيف)
قد تقدم حديث الباب مشروحًا في "كتاب الصيام"، والغرض منه قوله: "وإن لزورك عليك حقًّا"، والزور بفتح الزاء وسكون الواو: الزائر، انتهى من "الفتح" (٢).
(٨٥ - باب إكرام الضيف)
قال القسطلاني (٣): أي: استحبابه، مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف، أي: إكرام المضيف، "و" استحباب "خدمته إياه بنفسه" من عطف الخاص على العامّ، إذ الإكرام أعم من أن يكون بالنفس أو بأحد، "وقوله" بالجر عطفًا على السابق، " ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، قال
стр. 3283
أبو عبد الله" المؤلف: "يقال" في المفرد: "هو زور" وفي الجمع: "هؤلاء زور" فيستوي فيه الجمع والمفرد، "و" كذا "ضيف ومعناه أضيافه وزواره لأنها مصدر مثل قوم رضى وعدل" يعني: مرضيون وعدول، فالمعنى جمع واللفظ مفرد، انتهى من "القسطلاني".
ثم اعلم أن ما تقدم من قوله: "قال أبو عبد الله" إلى آخره هذا كله ساقط من نسخة "الكرماني"، وموجودة في نسخ الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" في هذا الباب، وأما في النسخة "الهندية" ففيها هذه العبارة في آخر الباب الأول.
(٨٦ - باب صنع الطعام والتكلف للضيف)
ذكر فيه حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء وهو ظاهر فيما ترجم له، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): مطابقة الحديث بالترجمة في قوله: "فصنع له طعامًا"، انتهى.
وأنت خبير بأن الترجمة مشتملة على جزئين: صنع الطعام والتكلف للضيف.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): ولعله قصد إثبات الجزء الثاني بقوله: "كُلْ فإني صائم" فإنهم لما كانت عادتهم الصوم والتبذل فالظاهر أنهم لم يكونوا يصنعون طعامًا بالنهار وكانوا يكتفون بطعام الليل فكان صنع الطعام الجديد له تكلفًا.
ولا يبعد أن يستنبط التكلف من قوله: "فأكل"، فإنه لما اعتاد الصوم والتزمه كان الإفطار لأجل الضيف احتمالًا للكلفة من غير شك، انتهى.
стр. 3284
قال الحافظ (١): أشار المصنف بالترجمة إلى حديث يروى عن سلمان في النهي عن التكلف للضيف ولفظه: "نهانا رسول الله ﷺ أن نتكلف للضيف" أخرجه أحمد والحاكم بسند لين، وفيه قصة سلمان مع ضيفه حيث طلب منه زيادة على ما قدّم له فرهن مطهرته بسبب ذلك، ثم قال الرجل لما فرغ: "الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة"، والجمع بينهما أنه يقرّب لضيفه ما عنده ولا يتكلف ما ليس عنده، فإن لم يكن عنده شيء فيسوغ حينئذٍ التكلفُ بالطبخ ونحوه، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): وقد كان سلمان إذا دخل عليه رجل دعا بما حضر خبزًا أو ملحًا وقال: لولا أنا نهينا أن يتكلف بعضنا لتكلفت لك، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام على الخلاف في التكلف للضيف في "باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه" من "كتاب الأطعمة"، ثم إنه يشكل ههنا في بادئ الرأي التكرار في الترجمة، ويمكن التفصي عنه باختلاف الكتابين؛ لأنه ذكره هناك لكونه من فروع الأطعمة، وذكره ههنا لكونه من جملة الآداب، وله نظائر كثيرة في "صحيح البخاري"، وأوجه منه أن يقال في الفرق بينهما نظرًا إلى حديثي البابين واختلاف ألفاظ الترجمتين: أنه أثبت في الباب الأول التكلف للضيف المدعوّ، وأثبت ههنا التكلف للضيف الوارد غير المدعوّ، ثم إن حديث الباب قد تقدم في "كتاب الصوم" في "باب من أقسم على أخيه ليفطر".
(٨٧ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في قصة أضياف أبي بكر، وقد تقدم شرحه في "علامات النبوة" من الترجمة
стр. 3285
النبوية، وأخذ الغضب منه من قول عبد الرحمن: "فعرفت أنه يجد علي" وهي من الموجدة وهي الغضب، وقد وقع التصريح بذلك في الطريق التي بعد هذه حيث قال فيه: "فغضب أبو بكر"، انتهى.
قلت: ولا يخفى عليك أن ما ذكره الحافظ فيه إثبات الغضب وترجمة الإمام البخاري بكراهة الغضب، ومقتضاه نفي الغضب لا إثباته، ولذا قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "باب ما يكره من الغضب. . ." إلخ، دلّ عليه قوله: "لم أر في الشرّ كالليلة" وقوله: "الأولى من الشيطان"، فإن مقالته هذه دلّت على أنه عدّ غضبه وحلفه وجميع ما جرى شرًا ومن أمر الشيطان، انتهى.
ويترتب على هذا كراهة الغضب وهو الترجمة، فللّه درّ الشيخ قُدِّس سرُّه.
(٨٨ - باب قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل. . .) إلخ
لم تقع هذه الترجمة ولا هذا التعليق في رواية أبي ذر، وإنما ساق قصة أضياف أبي بكر تلو الطريق التي قبلها، وهي من هذا الوجه مختصرة، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال العيني (٣): ولم تقع هذه الترجمة ولا التعليق المذكور في رواية أبي ذر، وإنما ساق هذا الحديث الذي في هذا الباب عقيب الحديث الذي في الباب السابق، انتهى.
(٨٩ - باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال)
المراد الأكبر في السنّ إذا وقع التساوي في الفضل، وإلا فيقدّم الفاضل في الفقه والعلم إذا عارضه السنّ، ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة
стр. 3286
ورافع بن خديج في قصة محيصة وحويصة، وسيأتي شرحه في "كتاب القسامة"، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٠ - باب ما يجوز من الشعر والرجز)
قال العلامة القسطلاني (٢): أي: ما يجوز أن ينشد من الشعر وهو الكلام المقفى الموزون قصدًا، والتقييد بالقصد مخرج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمى شعرًا، قوله: "الرجز" أي: وما يجوز من الرجز وهو بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوع من الشعر عند الأكثر، فعلى هذا يكون عطفه على الشعر من عطف الخاصّ على العامّ، واحتج القائل بأنه ليس بشعر بأنه يقال فيه: راجز لا شاعر، وسمي رجزًا لتقارب أجزائه واضطراب اللسان به، يقال: رجز البعير إذا تقارب خطوه واضطرب لضعف فيه.
وفي "المجمع" (٣): الرجز بحر من البحور ونوع من أنواع الشعر، يكون كل مصراع منه مفردًا، وتسمى قصائده أراجيز جمع أرجوزة، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجزًا كتسمية قائل بحور الشعر شاعرًا، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): "و" ما يجوز من "الحداء" بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين، يمد ويقصر: سوق الإبل بضرب مخصوص من الغناء، ويكون بالرجز غالبًا، ويلحق به غناء الحجيج المشوق للحج بذكر الكعبة البيت الحرام وغيرها من المشاعر العظام، وما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكيت الولد في المهد، "و" بيان "ما يكره" إنشاده "منه" من الشعر، والجائز من الشعر ما لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن الهجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض فالتغزل بمعين لا يسوغ، انتهى.
стр. 3287
وزاد الحافظ (١): وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، واستدل بأحاديث الباب وغيرها، قلت: وقد جمع ابن سيد الناس شيخ شيوخنا مجلدًا في أسماء من نقل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبي ﷺ خاصة، وقد ذكر في الباب خمسة أحاديث دالة على الجواز بعضها مفصل لما يكره مما لا يكره، وترجم في "الأدب المفرد": "ما يكره من الشعر"، وأورد فيه حديث عائشة مرفوعًا: "إن أعظم الناس فرية الشاعر يهجو القبيلة بأسرها" وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: "أعظم الناس فرية رجل هاجى رجلًا فهجا القبيلة بأسرها" وصححه ابن حبان.
وقال الحافظ أيضًا: ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، واستدل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنصب وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقًا بالألحان التي تشتمل عليها المُوسِيقَى، وفيه نظر، وقال الماوردي: اختلف فيه فأباحه قوم مطلقًا، ومنعه قوم مطلقًا، وكرهه مالك والشافعي في أصح القولين، ونقل عن أبي حنيفة المنع وكذا أكثر الحنابلة إلى آخر ما ذكر.
وقال بعد ذكر حديث الباب: قال الطبري: في هذا الحديث ردّ على من كره الشعر مطلقًا واحتج بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان، وعن أبي أمامة رفعه: "إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر"، ثم أجاب عن ذلك بأنها أخبار واهية، وهو كذلك، فحديث أبي أمامة فيه علي بن يزيد ألهاني وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه، كما سيأتي تقريره
стр. 3288
بعد باب، ويدل على الجواز سائر أحاديث الباب، إلى آخر ما بسط الحافظ.
(٩١ - باب هجاء المشركين)
الهجاء والهجو بمعنى، وأشار بهذه الترجمة إلى أن بعض الشعر قد يكون مستحبًّا، وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أنس رفعه: "جاهدوا المشركين بألسنتكم"، انتهى من "الفتح" (١).
وكذا حمله القسطلاني (٢) على الاستحباب، وحمله العيني (٣) على الجواز إذ قال: أي: هذا باب في بيان جواز الهجاء للمشركين، انتهى. لكن اختار هو أيضًا بعد ذلك الاستحباب لحديث أبي داود المذكور في كلام الحافظ.
(٩٢ - باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر. . .) إلخ
أشار المصنف بهذه الترجمة إلى محمل روايات النهي والذمّ.
قال الحافظ (٤) تحت ترجمة الباب: هو في هذا الحمل متابع لأبي عبيد، انتهى.
(٩٣ - باب قول النبي ﷺ : "تربت يمينك" و"عقرى حلقى")
كأنه أراد جواز استعمال مثل هذه الألفاظ إذا لم تكن محمولة على حقيقة معناها، أي: الدعاء عليه.
стр. 3289
(٩٤ - باب ما جاء في زعموا)
قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى حديث أبي قلابة قال: "قيل لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: بئس مطية الرجل" أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ، وفيه قولها: "زعم ابن أمي" فإن أم هاني أطلقت ذلك في حق عليّ، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، والأصل في "زعم" أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته، وقال ابن بطال (٢): معنى هذا الحديث أن من أكثر من الحديث بما لا يتحقق صحته لم يؤمن عليه الكذب، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٣): وذلك لأن الإنسان إذا أراد أن يتكلم بأمر يعلم أنه كذب يصدّره بتلك الكلمة ويقول: زعم الناس كذلك، كأنه لا يحمله على نفسه ويعزوه إلى الناس احترازًا عن صريح الكذب والزور، فالمعنى أن تلك الكلمة آلة لإشاعة الزور، كما أن المطية آلة لقطع السفر، فإذا أراد الرجل أن لا يمشي على أقدامه ركب راحلته وذهب، كذلك إذا أراد أن يتكلم بالكذب ولا يحمله على نفسه قال: زعموا، فأجرى الكذب بين الناس، انتهى.
قال القسطلاني (٤) وفي المثل: زعموا مطية الكذب، انتهى.
قلت: فأشار المصنف بالترجمة وبإيراد الحديث تحته إلى جواز استعمال هذا اللفظ، خلافًا لما يتوهم من حديث أبي داود المتقدم، وذلك لأن هذا اللفظ كثيرًا ما يستعمل بمعنى القول.
قال الحافظ (٥): وقد وقع في حديث ضمام بن ثعلبة الماضي في
стр. 3290
"كتاب العلم": "زعم رسولك"، وقد أكثر سيبويه في كتابه من قوله في أشياء يرتضيها: زعم الخليل، انتهى.
(٩٥ - باب ما جاء في قول الرجل: ويلك)
لعله رمز إلى تضعيف الحديث الوارد عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ قال لها في قصة: لا تجزعي من الويح فإنه كلمة رحمة، ولكن اجزعي من الويل" أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" بسند واه، وهو آخر حديث فيه.
وذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث تقدمت كلها، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وأفرد المصنف لهذا اللفظ بابًا مستقلًا مع أنه قد أثبت قبل باب جواز استعمال مثل هذه الألفاظ من قوله: "تربت يمينك" و"عقرى حلقى" إما لأنه ورد في منعه حديث أو لأنه أشدّ من تلك الألفاظ من حيث المعنى.
(٩٦ - باب علامة الحبّ في الله لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ. . .﴾ [آل عمران: ٣١]) إلخ
ذكر فيه حديث: "المرء مع من أحب".
قال الكرماني (٢): يحتمل أن يكون المراد بالترجمة محبة الله للعبد أو محبة العبد لله أو المحبة بين العباد في ذات الله بحيث لا يشوبها شيء من الرياء، والآية مساعدة للأولين، واتباع الرسول علامة للأولى لأنها مسببة للاتباع، وللثانية لأنها سببه، انتهى.
ولم يتعرض لمطابقة الحديث للترجمة، وقد توقف فيه غير واحد، والمشكل منه جعل ذلك علامة الحبّ في الله، وكأنه محمول على الاحتمال
стр. 3291
الثاني الذي أبداه الكرماني، وأن المراد علامة حبّ العبد لله، فدلّت الآية أنها لا تحصل إلا باتباع الرسول، ودلّ الخبر على أن اتباع الرسول وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به أنه قد يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك، وإن لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه، دل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة والكون مع العاملين بذلك لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم، والمحبة من أعمال القلوب، فأثاب الله محبهم على معتقده، إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، وليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات، ثم ذكر الحافظ الاختلاف في سبب نزول الآية (١).
وأجاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" (٢) إذ قال: قال الزركشي: وجه مطابقة الأحاديث لباب علامة الحب غير ظاهر.
قلت: الترجمة تحلّ محلّ التفسير للحديث، فأفاد أن محبّ النبي ﷺ يعرف بالاتباع كأنه قال: علامة الحبّ في الله الاتباع لقوله تعالى إلخ، انتهى.
فكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تقييد الروايات بالاتباع، وأنه لا يكفي مجرد دعوى المحبة، فإن المحب لمن يحبّ مطيع.
(فائدة): قال الحافظ (٣): قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث، يعني: "المرء مع من أحب" في جزء سماه "كتاب المحبين مع المحبوبين"، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ أنس الآتي، أي: "أنت مع من أحببت"، انتهى.
стр. 3292
(٩٧ - باب قول الرجل للرجل: اخسأ)
قال ابن بطال: اخسأ زجر للكلب وإبعاد له، هذا أصل هذه الكلمة، واستعملتها العرب في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي له مما يسخط الله، انتهى من "الفتح" (١).
وقال الكرماني (٢): قيل: هو زجر للكلب وإبعاد له، قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، أي: ابعدوا بُعدَ الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، وكل من عصى الله سقطت حرمته، فجاز خطابه بنحوه من الغلظة والذمّ ليرجع عن ذلك، انتهى.
فغرض الترجمة إثبات جواز هذا القول لمن كان أهلًا له، وهو المستفاد من حديث الباب.
(٩٨ - باب قول الرجل: مرحبًا. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): كذا للأكثر، وفي رواية المستملي: "باب قول النبي ﷺ : مرحبًا" قال الأصمعي: معنى قوله: مرحبًا: لقيت رحبًا وسعة، وقال الفراء: نصب على المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرحب والسعة، وقيل: هو مفعول به، أي: لقيت سعة لا ضيقًا، انتهى.
(٩٩ - باب يدعى الناس بآبائهم)
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "الفتح": "باب ما يدعى الناس بآبائهم".
قال الحافظ (٤): كذا للأكثر، وذكره ابن بطال بلفظ: "هل يدعى الناس" زاد في أوله: هل، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع لأم (٥) الدرداء
стр. 3293
أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان ولفظه: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم" ورجاله ثقات إلا أن في سنده انقطاعًا بين عبد الله بن أبي زكريا راويه عن أبي الدرداء [وأبي الدرداء] فإنه لم يدركه، واستغنى المصنف عنه لما لم يكن على شرطه بحديث الباب وهو حديث ابن عمر لقوله فيه: "غدرة فلان ابن فلان" فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم.
وقال ابن بطال (١): في هذا الحديث ردّ لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترًا على آبائهم قلت: هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف جدًا، قال ابن بطال: والدعاء بالآباء أشدّ في التعريف وأبلغ في التمييز، انتهى ملتقطًا.
وقال القسطلاني (٢): وفي الحديث العمل بظواهر الأمور، قال في "فتح الباري": وهو يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على من هو في نفس الأمر وهو المعتمد، انتهى.
(١٠٠ - باب لا يقل: خبثت نفسي)
بفتح الخاء المعجمة وضم الموحدة، ويقال: بفتح الموحدة، والضم أصوب، قال الراغب (٣): الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال.
قلت: وعلى الحرام والصفات المذمومة القولية والفعلية، قال الخطابي (٤) تبعًا لأبي عبيد (٥): لقست وخبثت بمعنى واحد، وإنما كره ﷺ من ذلك اسم الخبث فاختار اللفظة السالمة من ذلك، وكان من سُنَّته تبديل الاسم القبيح بالحسن، وقال غيره: معنى لقست غثت بغين معجمة ثم
стр. 3294
مثلثة، وهو يرجع أيضًا إلى معنى خبثت، وقيل: معناه ساء خلقها، قال ابن أبي جمرة (١): النهي عن ذلك للندب، والخبث واللقس وإن كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما لكن لفظ الخبث قبيح، ويجمع أمورًا زائدة على المراد بخلاف اللقس فإنه يختص بامتلاء المعدة، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٠١ - باب لا تسبوا الدهر)
قال العلامة العيني (٣): أي: هذا باب فيه المنع عن سبّ الدهر، وذكره في الترجمة بقوله: "لا تسبوا الدهر" فإنه في لفظ مسلم هكذا، ولفظه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"، وروى مسلم هذا الحديث بطرق مختلفة ومتون متباينة، انتهى.
قلت: وهو آخر حديث من "سنن أبي داود".
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على شرح هذا الحديث في "البذل" (٤).
(١٠٢ - باب قول النبي ﷺ إنما الكرم قلب المؤمن. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): غرض البخاري أن الحصر ليس على ظاهره، وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يرد أن غيره لا يسمى كرمًا كما أن المراد بقوله: "إنما المفلس من ذكر"، ولم يرو أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسًا، وبقوله: "إنما الصرعة" كذلك، وكذا قوله: "لا ملك إلا الله" لم يرد أنه لا يجوز أن يسمى غيره ملكًا، وإنما أراد الملك
стр. 3295
الحقيقي، وإن سمي غيره ملكًا، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ [النمل: ٣٤]، وفي القرآن من ذلك عدة أمثلة.
ثم قال الحافظ (١) في شرح الحديث: وقد أخرج الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه: "إن اسم الرجل المؤمن في الكتب: الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة، وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم" الحديث، قال الخطابي ما ملخصه: إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في تبقية هذا الاسم لها تقريرًا لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا، وقال: "إنما الكرم قلب المؤمن" لما فيه من نور الإيمان وهدى الإسلام، وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري: أنهم سموا العنب كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحثّ على السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق، فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم، انتهى إلى آخر ما بسطه الحافظ.
(١٠٣ - باب قول الرجل: فداك أبي وأمي. . .) إلخ
قال العلامة العيني (٢): أي: هذا باب في ذكر قول الرجل بين كلامه: "فداك أبي وأمي"، الفداء بكسر الفاء والمد وبفتح الفاء ويقصر، يعني: أنت مفدى بأبي وأمي. والفداء: فكاك الأسير، يقال: فداه يفديه فداء وفدىً وفاداه يفاديه مفاداة إذا أعطى فداءه وأنقذه، وفداه بنفسه فداء إذا قال له: جُعِلْتُ فداك، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): "باب قول الرجل" لغيره "فداك" بفتح الفاء والقصر "أبي وأمي"، انتهى.
قال الكرماني (٤): الفداء إذا كسر أوله يمدّ ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، انتهى.
стр. 3296
فعلى هذا يجوز أن يكون المذكور في الترجمة من لفظ فداك بفتح الفاء وكسرها، فلا وجه لقول القسطلاني: "بفتح الفاء" نظرًا إلى الضابطة المذكورة.
وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، وتعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ قال: قوله "باب قول الرجل. . ." إلخ، بيَّنه لما في ظاهره مظنة الكراهة لترك حرمة الأب ولأنه لا يملكه حتى يفديه، انتهى.
وفي هامشه: قال النووي: فيه جواز التفدية بالأبوين، وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام وإلطاف وإعلام لمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا، انتهى.
نعم قد تعرض الحافظ وغيره من الشرَّاح لغرض الترجمة الآتية وذكروا فيها الخلاف كما سيأتي، وكأنهم جعلوا حكم ما ذكر في الترجمتين واحدًا، يعني: جعلوا تفدية الرجل بنفسه وبأبويه في حكم واحد.
(١٠٤ - باب قول الرجل: جعلني الله فداك)
أي: هل يباح أو يكره؟ وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ولكبيره ولذوي العلم ولمن أحب من إخوانه، غير محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبي ﷺ قائلَ ذلك ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره.
وقد ترجم أبو داود نحو هذه الترجمة وساق حديث أبي ذر: "قلت
стр. 3297
للنبي ﷺ : لبيك وسعديك، جعلني الله فداك" الحديث، وكذا أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" في الترجمة، قال الطبراني: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فضالة عن الحسن قال: "دخل الزبير على النبي ﷺ وهو شاكٍ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك، قال: ما تركت أعرابيتك بعد"، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة وإما بالدعاء والتوجع.
قال الحافظ: ويمكن أن يعترض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي ﷺ أن يسوغ لغيره لأن نفسه أعز من أنفس القائلين وآبائهم، والجواب أن الأصل عدم الخصوصية، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
وقال العلامة الكرماني (٢) بعد ذكر حديث الباب: قال ابن بطال: فيه ردّ قول من لم يجوِّز تفدية الرجل بنفسه أو بأبويه، وزعم أنه إنما فدى النبي ﷺ سعدًا بأبويه لأنهما كانا مشركين، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك، انتهى.
(١٠٥ - باب أحبّ الأسماء إلى الله، وقول الرجل لصاحبه: يا بني)
كذا في النسخة "الهندية" بزيادة: "قول الرجل. . ." إلخ، ولم يذكره هذه الزيادة في نسخة من نسخ الشروح، ولا في المتون المصرية الأخر الموجودة عندنا، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، وليس له ذكر في حديث الباب، فالظاهر أنه من تصرف النساخ، والله أعلم بحقيقة الحال.
والأوجه عندي على ثبوت هذه النسخة أنه من الأصل الثامن والثلاثين
стр. 3298
من أصول التراجم، وهذا أصل مطرد تقدمت نظائره في "مقدمة اللامع"، فكأنه أشار بذلك إلى روايات وردت في ذلك، وقد ترجم الإمام الترمذي في "جامعه": "باب ما جاء يا بني"، وذكر فيه حديث أنس: "أن النبي ﷺ قال له: يا بني".
وكتب الشيخ في "الكوكب" (١) تحت ترجمة الباب: يعني أنه ليس سبًّا إنما هي كلمة ترحم وتلطف تكلم بها النبي ﷺ ، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٢).
قال الحافظ (٣): قوله: "أحب الأسماء إلى الله. . ." إلخ، ورد بهذا اللفظ حديث أخرجه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رفعه: "إن أحبّ أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن"، قال القرطبي: يلتحق بهذين الاسمين ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الصمد، وإنما كانت أحبّ إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله، وما هو وصف للإنسان وواجب له وهو العبودية، ثم أضيف العبد إلى الربّ إضافة حقيقة، فصدقت أفراد هذه الأسماء وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة، وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال في آية أخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقد أخرج الطبراني من حديث [أبي] زهير الثقفي رفعه: "إذا سميتم فعبِّدوا"، ومن حديث ابن مسعود رفعه: "أحبّ الأسماء إلى الله ما تعبد به"، وفي إسناد كل منهما ضعف، انتهى.
стр. 3299
(١٠٦ - باب قول النبي ﷺ : سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي)
قال العلامة القسطلاني (١): قوله: "لا تكتنوا" بسكون الكاف وفتح الفوقية وضم النون، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: "ولا تكنوا" بفتح الكاف والنون المشددة على حذف إحدى التائين أو بسكون الكاف وضم النون، "بكنيتي" بالياء.
قال في "الفتح" (٢): وللأصيلي: "بكنوتي" بالواو بدل التحتية وهي بمعناها، تقول: كنيته وكنوته بمعنى، والكنية ما أوله أب أو أم، والاسم ما عري عنه، "قاله أنس. . ." إلخ، فيما سبق موصولًا في البيوع وصفة النبي ﷺ بلفظ: "سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي"، انتهى بزيادة من "الفتح".
وأما حديث الباب أعني حديث جابر فقد تقدم في "أبواب الخمس"، وما قاله القسطلاني تقدم موصولًا في "صفة النبي ﷺ "، قاله تبعًا للحافظ، وهو زَلَّة قلم والصواب بدله: في "باب كنية النبي ﷺ ".
ومسألة الباب خلافية شهيرة، تقدمت الإشارة إليها في الباب المذكور، قال النووي: اختلف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: الأول: المنع مطلقًا سواء كان اسمه محمدًا أم لا، ثبت ذلك عن الشافعي، والثاني: الجواز مطلقًا ويختص النهي بحياته ﷺ ، والثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا هو الأصح لأن الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار، وتعقب النووي كلام الرافعي هذا كما في "الفتح".
قال الحافظ: وبالمذهب الأول قال الظاهرية، وبالغ بعضهم فقال: لا يجوز لأحد أن يسمي ابنه القاسم، وحكى الطبري مذهبًا رابعًا وهو المنع من التسمية بمحمد مطلقًا، وكذا التكني بأبي القاسم مطلقًا، ثم ساق
стр. 3300
من طريق سالم بن أبي الجعد: كتب عمر: لا تسموا أحدًا باسم نبي، واحتج لصاحب هذا القول بما أخرجه عن أنس رفعه: "يسمونهم محمدًا ثم يلعنونهم" وهو حديث أخرجه البزار وأبو يعلى أيضًا وسنده لين. وحكى غيره مذهبًا خامسًا وهو المنع مطلقًا في حياته، والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد فيمتنع وإلا فيجوز، إلى آخر ما بسط الحافظ في الدلائل والروايات الواردة فيه، ثم قال: وفي الجملة أعدل المذاهب المذهب المفصل المحكيُّ أخيرًا مع غرابته، انتهى كله من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): والأصح أن النهي مقيَّد بزمان حياته ﷺ ، انتهى.
وفي هامشه: وهو مختار صاحب "الدر المختار" إذ قال (٣): ومن كان اسمه محمدًا لا بأس بأن يكنى أبا القاسم لأن قوله ﷺ : "سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" قد نسخ؛ لأن عليًّا كنى ابنه محمد ابن الحنفية: أبا القاسم، انتهى.
وقال القاضي في "الشفاء" (٤): حمل محققو العلماء نهيه ﷺ على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة، وللناس فيه مذاهب، وما ذكرنا هو مذهب الجمهور، والصواب إن شاء الله تعالى، انتهى.
قال النووي (٥): هذا مذهب مالك، انتهى.
(١٠٧ - باب اسم الحزن)
بفتح المهملة وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض وهو ضدّ السهل، واستعمل في الخلق يقال: في فلان حزونة، أي: في خلقه غلظة وقساوة، قاله الحافظ (٦).
стр. 3301
(١٠٨ - باب تحويل الاسم إلى اسم هو أحسن منه)
قال الحافظ (١): هذه الترجمة منتزعة مما أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عروة: "كان النبي ﷺ إذا سمع الاسم القبيح حوَّله إلى ما هو أحسن منه" وقد وصله الترمذي من وجه آخر عن هشام بذكر عائشة فيه، وقال أيضًا: وقد ورد الأمر بتحسين الأسماء وذلك فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي الدرداء رفعه: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم" (وقد تقدم مفصّلًا في "باب ما يدعى الناس بآبائهم")، قال أبو داود: وقد غيَّر النبي ﷺ العاصَ وعتلةَ - بفتح المهملة والمثناة بعدها لام - وشيطان وغراب وحباب - بضم المهملة وتخفيف الموحدة - وشهاب وحرب وغير ذلك، ثم ذكر الحافظ تعيين هؤلاء، وقال في آخره: وأسانيدها مبينة في كتابي في الصحابة، انتهى.
(١٠٩ - باب من سمى بأسماء الأنبياء)
قال الحافظ (٢): في هذه الترجمة حديثان صريحان: أحدهما: أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم"، وثانيهما: أخرجه أبو داود والنسائي والمصنف في "الأدب المفرد" من حديث أبي وهب الجُشَمِي رفعه: "تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام"، وكأنّ المؤلف ﵀ لما لم يكونا على شرطه اكتفى بما استنبطه من أحاديث الباب، وأشار بذلك إلى الردّ على من كره ذلك كما تقدم عن عمر أنه أراد أن يغير أسماء أولاد طلحة وكان سماهم بأسماء الأنبياء، انتهى.
قال الحافظ (٣) أيضًا في "باب قول النبي ﷺ : سموا باسمي. . ."
стр. 3302
إلخ: أخرج أحمد والطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أرسل عمر إلى بني طلحة وهم سبعة يغيِّر أسماءهم فقال له محمد وهو كبيرهم: والله لقد سمّاني النبي ﷺ محمدًا، فقال: قوموا فلا سبيل إليكم" قال الحافظ: فهذا يدلّ على رجوعه عن ذلك، انتهى.
وفي "القسطلاني" (١): كره مالك التسمية بأسماء الملائكة كجبريل، وقال أيضًا: وفي هذه الأحاديث جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وقد ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال: أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء، انتهى.
قوله: (ولو قضى أن يكون. . .) إلخ، كتب الشيخ قدس سره في "اللامع" (٢): وهذا حكم منه بحسب ظنه لما تفرس في إبراهيم من أمارات النجابة وخلال السعادة، فحاصله أنه لو كان بعده نبي لكان إبراهيم، لا أنه لو كان إبراهيم حيًّا لكان نبيًّا لا محالة فإن العكس غير لازم، انتهى.
وبسط العلامة السندي (٣) أيضًا الكلام على شرح هذا الحديث فارجع إليه لو شئت.
(١١٠ - باب تسمية الوليد)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): يعني بذلك جواز تسمية المسلم بشيء من أسماء أهل الشرك إذا لم يتضمن شيئًا من المعاني القبيحة، انتهى.
قال الحافظ (٥): ورد في كراهة هذا الاسم حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود: "نهى رسول الله ﷺ أن يسمي الرجل عبده أو ولده
стр. 3303
حربًا أو مُرّة أو وليدًا" الحديث، وسنده ضعيف جدًا، وورد فيه أيضًا حديث آخر مرسل أخرجه يعقوب بن سفيان في "تاريخه" والبيهقي في "الدلائل" من طريقه عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة ولد فسماه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : "سميتموه بأسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه"، ثم بسط الحافظ الكلام على ثبوت هذا الحديث وعدمه، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات".
وقال العلامة القسطلاني (١): وفي حديث معاذ بن جبل عند الطبراني أيضًا قال: خرج علينا رسول الله ﷺ : فذكر حديثًا فيه قال: "الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته"، وسنده ضعيف جدًا، وفسر بالوليد بن يزيد بن عبد الملك لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه، وانفتحت الفتن على الأمة بسبب ذلك، انتهى.
(١١١ - باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفًا)
كذا اقتصر على حرف، وهو مطابق لحديث عائشة في عائش، ولحديث أنس في أنجش، وأما حديث أبي هريرة فنازع ابن بطال في مطابقته فقال: ليس من الترخيم، وإنما هو نقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير، وذلك أنه كناه أبا هريرة، وهريرة تصغير هرة، فخاطبه باسمها مذكرًا فهو نقصان في اللفظ وزيادة في المعنى.
قلت: وهو نقص في الجملة لكن كون النقص منه حرفًا فيه نظر، وكأنه لحظ الاسم قبل التصغير وهي هرة، فإذا حذفت التاء الأخيرة صدق أنه نقص من الاسم حرفًا، وقد ترجم في "الأدب المفرد" مثله، لكن قال: "شيئًا" بدل "حرفًا"، إلى آخر ما ذكر الحافظ في "الفتح" (٢).
стр. 3304
(١١٢ - باب الكنية لصبي قبل أن يولد للرجل)
قال العلامة السندي (١): وفي نسخة: "قبل أن يلد الرجل" والمعنى، أي: قبل أن يصير رجلًا فيولد له أو فيلد، والله أعلم، انتهى.
وقال الحافظ (٢): ذكر فيه قصة أبي عمير وهو مطابق لأحد ركني الترجمة، والركن الثاني مأخوذ من الإلحاق بل بطريق الأولى، وأشار بذلك إلى الردّ على من منع تكنية من لم يولد له مستندًا إلى أنه خلاف الواقع، فقد أخرج ابن ماجه وأحمد والطحاوي وصححه الحاكم من حديث صهيب: "أن عمر قال له: ما لك تكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ قال: إن النبي ﷺ كناني"، وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: "كان رجال من الصحابة يكتنون قبل أن يولد لهم"، انتهى.
وتعقب العيني (٣) قول الحافظ: أن الركن الثاني مأخوذ بالإلحاق، إذ قال: هذا كلام غير موجه لأن جواز التكني للصبي لا يستلزم جواز التكني للرجل قبل أن يولد له، فكيف يصح الإلحاق به فضلًا عن الأولوية؟! والظاهر أنه لم يظفر بحديث على شرطه مطابق للجزء الثاني، فلذلك لم يذكر له شيئًا، انتهى.
وحكى القسطلاني تعقبَ العيني وسكت عليه.
قلت: والتعقب ليس بوجيه عندي، وسبق إلى وجه المطابقة الذي ذكره الحافظ ابن بطال أيضًا، قال الكرماني (٤): قال ابن بطال: بناء الكنية إنما هي على معنى التكرمة والتفاؤل له أن يكون أبا وأن يكون له ابن، وإذا جاز للصبي في صغره فالرجل قبل أن يولد له أولى بذلك، انتهى.
قال القسطلاني: وحديث الباب فيه فوائد جمعها أبو العباس بن القاصّ
стр. 3305
من الشافعية في جزء مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرازي أحد أئمة الحديث، ثم الترمذي في "الشمائل"، ثم الخطابي، انتهى.
قلت: ووجهه ما ذكره الحافظ في "الفتح" إذ قال: ذكر ابن القاصّ في أول كتابه: أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثل ذلك لحديث أبي عمير هذا قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهًا، ثم ساقها مبسوطة.
قال الحافظ: فلخصتها مستوفيًا مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه ثم ذكرها، فارجع إليه لو شئت (١).
(١١٣ - باب التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى)
قال الحافظ (٢): ذكر فيه قصة علي بن أبي طالب في ذلك، وقد تقدمت بأتم من هذا السياق في مناقبه، وفيه بيان الاختلاف في سبب ذلك وأن الجمع بينهما ممتنع، ثم ظهر لي إمكان الجمع، وقد ذكرته في بابه من "كتاب الاستئذان"، انتهى.
وقال في "المناقب": ظاهره أن ذلك أول ما قال له ذلك، وروى ابن إسحاق من طريقه وأحمد من حديث عمار بن ياسر قال: "نِمت أنا وعلي في غزوة العسيرة في نخل، فما أفقنا إلا بالنبي ﷺ يحركنا برجله يقول لعلي: قم يا أبا تراب، لما يُرى عليه من التراب"، وهذا إن ثبت حمل على أنه خاطبه بذلك في هذه الكائنة الأخرى، إلى آخر ما ذكر.
وذكره الحافظ ههنا أيضًا في آخر الباب وزاد: وغزوة العشيرة كانت
стр. 3306
في أثناء السنة الثانية قبل وقعة بدر، وذلك قبل أن يتزوج عليّ فاطمة، فإن كان محفوظًا أمكن الجمع بأن يكون ذلك تكرر منه في حق علي، ثم قال: ويستفاد من الحديث جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية، وذكر فوائد أُخر.
قال العلامة العيني (١): مطابقة الحديث للترجمة في آخر الحديث، انتهى.
قلت: أي: في قوله: "اجلس يا أبا تراب"، وأوضحه الكرماني (٢) فقال: فإن قلت: ما وجه دلالته على الكنيتين وهو الجزء الآخر من الترجمة؟ قلت: أبو الحسن هو الكنية المشهورة لعلي ﵁ فلما كني بأبي تراب صار ذا كنيتين، انتهى.
قلت: ويخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أن المصنف أشار بالجزء الأول من الترجمة إلى جواز التكني بأبي تراب دفعًا لما يتوهم أن فيه نوع مذلة.
(١١٤ - باب أبغض الأسماء إلى الله ﵎
قال الحافظ (٣): كذا ترجم بلفظ "أبغض" وهو بالمعنى، وقد ورد بلفظ "أخبث" بمعجمة وموحدة ثم مثلثة، وبلفظ "أغيظ"، وهما عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، ولابن أبي شيبة عن مجاهد بلفظ: "أكره الأسماء"، ونقل ابن التِّين عن الداودي قال: ورد في بعض الأحاديث: "أبغض الأسماء إلى الله خالد ومالك" قال: وما أراه محفوظًا لأن في الصحابة من يسمى بهما، قال: وفي القرآن تسمية خازن النار مالكًا، قال: والعباد وإن كانوا يموتون فإن الأرواح لا تفنى، انتهى كلامه.
فأما الحديث الذي أشار إليه فما وقفت عليه بعد البحث، ثم رأيت
стр. 3307
في ترجمة إبراهيم بن الفضل المدني أحد الضعفاء من مناكيره عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "أحب الأسماء إلى الله ما سمي به، وأصدقها الحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك، وأبغضها إلى الله ما سمي لغيره" فلم يضبط الداودي لفظ المتن أو هو متن آخر اطلع عليه، وأما استدلاله على ضعفه بما ذكر من تسمية بعض الصحابة وبعض الملائكة فليس بواضح لاحتمال اختصاص المنع بمن لا يملك شيئًا، وأما احتجاجه لجواز التسمية بخالد بما ذكر من أن الأرواح لا تفنى، فعلى تقدير التسليم فليس بواضح أيضًا؛ لأن الله قد قال لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والخلد: البقاء الدائم بغير موت، فلا يلزم من كون الأرواح لا تفنى أن يقال صاحب تلك الروح: خالد، انتهى.
قوله: (تفسيره شاهان شاه) قال الحافظ (١): وقد تعجب بعض الشرَّاح من تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظة العجمية، وأنكر ذلك آخرون، وهو غفلة منهم عن مراده، وذلك أن لفظ "شاهان شاه" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر، فنبّه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمّه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدّى معناه بأيِّ لسان كان فهو مراد بالذمّ، ويؤيد ذلك أنه وقع عند الترمذي: "مثل شاهان شاه"، وقوله: "شاهان شاه" هو المشهور في روايات هذا الحديث، وحكى عياض عن بعض الروايات "شاهٍ شاه" بالتنوين بغير إشباع في الأولى والأصل هو الأولى، وهذه الرواية تخفيف منها، وزعم بعضهم أن الصواب "شاه شاهان"، وليس كذلك لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم قالوا: "موبذان موبذ"، فموبذ هو القاضي وموبذان جمعه، فكذا شاه هو الملك وشاهان هو الملوك، انتهى.
وهكذا قال الكرماني (٢) حيث قال: معناه ملك الملوك، لكن في
стр. 3308
قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "شاهان شاه" الظاهر أنه من التركيب المقلوب كقولهم: "سرا برده"، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو كذلك، أي: أنه من التركيب المقلوب، وما قال الشرَّاح كما تقدم من أن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف فإنما هو في اللغة الهندية، وأما في اللغة الفارسية فليس كذلك، بل القاعدة عندهم تقديم المضاف على المضاف إليه كما هو في اللغة العربية، فتأمل.
(١١٥ - باب كنية المشرك)
قال الحافظ (٢): أي: هل يجوز ابتداء؟ وهل إذا كانت له كنية تجوز مخاطبته أو ذكره بها؟ وأحاديث الباب مطابقة لهذا الأخير ويلتحق به الثاني في الحكم، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): دَفَعَ به مظنة الكراهة لما فيه من الاحترام والإعزاز بحسب الظاهر، انتهى.
قلت: وقد قيّد العلماء جواز تكنية المشرك بالشرائط والمصالح، فقد ترجم الإمام النووي في كتاب "الأذكار" (٤): "باب جواز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة"، ثم ذكر تحت ترجمة الباب: قال تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] واسمه عبد العزى، قيل: ذكر تكنيته لأنه بها يعرف، وقيل: كراهةً لاسمه حيث جعل عبدًا للصنم، وتكرر في الحديث تكنية أبي طالب واسمه عبد مناف، وفي "الصحيح": "هذا قبر أبي رغال"، ونظائر هذا كثيرة، هذا
стр. 3309
كله إذا وجد الشرط الذي ذكرناه في الترجمة، فإن لم يوجد لم يزد على الاسم، إلى آخر ما ذكر.
وتعقب عليه الحافظ في "الفتح" فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال ابن بطال: في الحديث جواز تكنية المشركين على وجه التألف إما رجاءً لإسلامهم أو لتحصيل منفعة منهم (١)، انتهى.
(١١٦ - باب المعاريض مندوحة عن الكذب)
قال الحافظ (٢): "مندوحة" بوزن مفعولة بنون ومهملة، أي: فسحة ومتسع، ندحت الشيء وسعته، وانتدح فلان بكذا اتسع، والمعنى أن في المعاريض من الاتساع ما يغني عن الكذب، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله قال: "صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فما أتى عليه يوم إلا أنشدنا فيه شعرًا، وقال: إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب" وأخرجه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة مرفوعًا ووهّاه.
ثم قال الحافظ: والمعاريض جمع معراض من التعريض بالقول، قال الجوهري: وهو خلاف التصريح وهو التورية بالشيء عن الشيء، وقال الراغب: التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر، قلت: والأولى أن يقال: كلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه، ومما يكثر السؤال عنه الفرق بين التعريض والكناية، وللشيخ تقي الدين السبكي جزء جمعه في ذلك، انتهى.
قال الكرماني (٣): وفي المثل: إن في المعاريض لمندوحة، انتهى.
стр. 3310
وبسط الحافظ (١) الكلام في مطابقة حديثي الباب للترجمة، وقال الكرماني (٢): قال شارح (٣) التراجم: حديث القوارير والفرس ليسا من المعاريض بل من باب المجاز، ولعل البخاري لما رأى ذلك جائزًا قال: فالمعاريض التي هي حقيقة أولى بالجواز، انتهى.
قال القسطلاني (٤): ومحل جواز استعمال المعاريض إذا كانت فيما يخلص من الظلم أو يحصل الحق، وأما استعمالها في إبطال حق أو تحصيل باطل فلا يجوز، انتهى.
(١١٧ - باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: "قول الرجل: ليس بشيء" يعني بذلك أنه لا يعدّ كذبًا، فإن المراد أنه ليس بشيء معتدّ به، وقوله: "قرّ الدجاجة" أي: كما يقرّ الدجاجة النطفة في فرج امرأتها، انتهى.
وهذا المعنى ذكره القاري أيضًا في "المرقاة" (٦)، ولم يذكره شرَّاح البخاري.
(١١٨ - باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ
قال ابن التِّين: غرض البخاري الردّ على من كره أن يرفع بصره إلى السماء، كما أخرجه الطبري عن إبراهيم التيمي وعن عطاء السلمي: أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشعًا، نعم صحّ النهي عن رفع
стр. 3311
البصر إلى السماء في حالة الصلاة، كما تقدم في الصلاة عن أنس رفعه: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" الحديث، والجمع بين الحديثين أن النهي خاصّ بالصلاة (١)، انتهى مختصرًا.
وهكذا في "شرح الكرماني" إذ قال: قال ابن بطال: فيه ردّ على أهل الزهد في قولهم: إنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعًا وتذللًا لله ، انتهى من "الفتح".
وقال القسطلاني (٢): ويحكى أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلّته سحابة فعبدها فتى فلم تظله، فقالت له أمه: لعل فرطة فرطتْ منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرتَ مرةً إلى السماء ولم تعتبر، قال: لعل، قالت: فما أتيت إلا من ذاك، انتهى.
(١١٩ - باب من نكت العود بين الماء والطين)
قال الحافظ (٣): النكت بالنون والمثناة: الضرب المؤثر، ذكر فيه حديث أبي موسى وقد تقدم مطوّلًا في المناقب، وهو ظاهر فيما ترجم له، وفقه الترجمة أن ذلك لا يعدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، انتهى بزيادة من "العيني".
وقال القسطلاني (٤): والنكت بالعصا يقع كثيرًا عند التفكر في شيء لكن لا يسوغ استعماله، إلا فيما لا يضر، فلو ضرّ بجدارٍ أو غيره منع، والحديث مر في المناقب، انتهى.
قلت: ومما يقوي الاحتياج إلى عقد هذه الترجمة ما يتوهم من عدم جوازه لما في "المشكاة" (٥) برواية الترمذي وابن ماجه من حديث
стр. 3312
عقبة بن عامر رفعه: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسَه وملاعبته امرأتَه فإنهن من الحق" الحديث، وذلك لأن اللهو الباطل ما لا منفعة فيه ولا طائل تحته، ووقوع هذا النكت كما تقدم إنما يكون عند التفكر في شيء فلا يعدّ مذمومًا، ويأتي ترجمة المصنف في "كتاب الاستئذان" "باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله. . ." إلخ، ولمح صاحب "الفيض" (١) إلى غرض آخر إذ قال: ولما ثبت عن النبي ﷺ لا يكون مخالفًا للوقار والمتانة، انتهى.
(١٢٠ - باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض)
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁: "اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له"، ومضى بأتم من هذا السياق في تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ﴾، والغرض منه قوله: "ينكت في الأرض بعود"، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وهذا الفعل يقع غالبًا ممن يتفكر في شيء يريد استحضار معانيه، انتهى.
قلت: ولعل التبويب بهذه الترجمة مع أن معناه قد تقدم في الباب السابق إشارة منه إلى مزيد الاهتمام في أمر التفكر والتدبر، وإلا فأصل النكت قد ثبت جوازه في الباب السابق، وقد ورد الحثّ والتحريض في عدة آيات من القرآن في الأمر بالتفكر بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فتأمل فإنه لطيف.
(١٢١ - باب التكبير والتسبيح عند التعجب)
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: التسبيح والتكبير معناه تعظيم الله وتنزيهه من السوء، واستعمال ذلك عند التعجب واستعظام الأمر حسن،