قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "شاهان شاه" الظاهر أنه من التركيب المقلوب كقولهم: "سرا برده"، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو كذلك، أي: أنه من التركيب المقلوب، وما قال الشرَّاح كما تقدم من أن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف فإنما هو في اللغة الهندية، وأما في اللغة الفارسية فليس كذلك، بل القاعدة عندهم تقديم المضاف على المضاف إليه كما هو في اللغة العربية، فتأمل.
(١١٥ - باب كنية المشرك)
قال الحافظ (٢): أي: هل يجوز ابتداء؟ وهل إذا كانت له كنية تجوز مخاطبته أو ذكره بها؟ وأحاديث الباب مطابقة لهذا الأخير ويلتحق به الثاني في الحكم، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): دَفَعَ به مظنة الكراهة لما فيه من الاحترام والإعزاز بحسب الظاهر، انتهى.
قلت: وقد قيّد العلماء جواز تكنية المشرك بالشرائط والمصالح، فقد ترجم الإمام النووي في كتاب "الأذكار" (٤): "باب جواز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة"، ثم ذكر تحت ترجمة الباب: قال تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] واسمه عبد العزى، قيل: ذكر تكنيته لأنه بها يعرف، وقيل: كراهةً لاسمه حيث جعل عبدًا للصنم، وتكرر في الحديث تكنية أبي طالب واسمه عبد مناف، وفي "الصحيح": "هذا قبر أبي رغال"، ونظائر هذا كثيرة، هذا
стр. 3309
كله إذا وجد الشرط الذي ذكرناه في الترجمة، فإن لم يوجد لم يزد على الاسم، إلى آخر ما ذكر.
وتعقب عليه الحافظ في "الفتح" فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال ابن بطال: في الحديث جواز تكنية المشركين على وجه التألف إما رجاءً لإسلامهم أو لتحصيل منفعة منهم (١)، انتهى.
(١١٦ - باب المعاريض مندوحة عن الكذب)
قال الحافظ (٢): "مندوحة" بوزن مفعولة بنون ومهملة، أي: فسحة ومتسع، ندحت الشيء وسعته، وانتدح فلان بكذا اتسع، والمعنى أن في المعاريض من الاتساع ما يغني عن الكذب، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله قال: "صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فما أتى عليه يوم إلا أنشدنا فيه شعرًا، وقال: إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب" وأخرجه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة مرفوعًا ووهّاه.
ثم قال الحافظ: والمعاريض جمع معراض من التعريض بالقول، قال الجوهري: وهو خلاف التصريح وهو التورية بالشيء عن الشيء، وقال الراغب: التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر، قلت: والأولى أن يقال: كلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه، ومما يكثر السؤال عنه الفرق بين التعريض والكناية، وللشيخ تقي الدين السبكي جزء جمعه في ذلك، انتهى.
قال الكرماني (٣): وفي المثل: إن في المعاريض لمندوحة، انتهى.
стр. 3310
وبسط الحافظ (١) الكلام في مطابقة حديثي الباب للترجمة، وقال الكرماني (٢): قال شارح (٣) التراجم: حديث القوارير والفرس ليسا من المعاريض بل من باب المجاز، ولعل البخاري لما رأى ذلك جائزًا قال: فالمعاريض التي هي حقيقة أولى بالجواز، انتهى.
قال القسطلاني (٤): ومحل جواز استعمال المعاريض إذا كانت فيما يخلص من الظلم أو يحصل الحق، وأما استعمالها في إبطال حق أو تحصيل باطل فلا يجوز، انتهى.
(١١٧ - باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: "قول الرجل: ليس بشيء" يعني بذلك أنه لا يعدّ كذبًا، فإن المراد أنه ليس بشيء معتدّ به، وقوله: "قرّ الدجاجة" أي: كما يقرّ الدجاجة النطفة في فرج امرأتها، انتهى.
وهذا المعنى ذكره القاري أيضًا في "المرقاة" (٦)، ولم يذكره شرَّاح البخاري.
(١١٨ - باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ
قال ابن التِّين: غرض البخاري الردّ على من كره أن يرفع بصره إلى السماء، كما أخرجه الطبري عن إبراهيم التيمي وعن عطاء السلمي: أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشعًا، نعم صحّ النهي عن رفع
стр. 3311
البصر إلى السماء في حالة الصلاة، كما تقدم في الصلاة عن أنس رفعه: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" الحديث، والجمع بين الحديثين أن النهي خاصّ بالصلاة (١)، انتهى مختصرًا.
وهكذا في "شرح الكرماني" إذ قال: قال ابن بطال: فيه ردّ على أهل الزهد في قولهم: إنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعًا وتذللًا لله ، انتهى من "الفتح".
وقال القسطلاني (٢): ويحكى أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلّته سحابة فعبدها فتى فلم تظله، فقالت له أمه: لعل فرطة فرطتْ منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرتَ مرةً إلى السماء ولم تعتبر، قال: لعل، قالت: فما أتيت إلا من ذاك، انتهى.
(١١٩ - باب من نكت العود بين الماء والطين)
قال الحافظ (٣): النكت بالنون والمثناة: الضرب المؤثر، ذكر فيه حديث أبي موسى وقد تقدم مطوّلًا في المناقب، وهو ظاهر فيما ترجم له، وفقه الترجمة أن ذلك لا يعدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، انتهى بزيادة من "العيني".
وقال القسطلاني (٤): والنكت بالعصا يقع كثيرًا عند التفكر في شيء لكن لا يسوغ استعماله، إلا فيما لا يضر، فلو ضرّ بجدارٍ أو غيره منع، والحديث مر في المناقب، انتهى.
قلت: ومما يقوي الاحتياج إلى عقد هذه الترجمة ما يتوهم من عدم جوازه لما في "المشكاة" (٥) برواية الترمذي وابن ماجه من حديث
стр. 3312
عقبة بن عامر رفعه: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسَه وملاعبته امرأتَه فإنهن من الحق" الحديث، وذلك لأن اللهو الباطل ما لا منفعة فيه ولا طائل تحته، ووقوع هذا النكت كما تقدم إنما يكون عند التفكر في شيء فلا يعدّ مذمومًا، ويأتي ترجمة المصنف في "كتاب الاستئذان" "باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله. . ." إلخ، ولمح صاحب "الفيض" (١) إلى غرض آخر إذ قال: ولما ثبت عن النبي ﷺ لا يكون مخالفًا للوقار والمتانة، انتهى.
(١٢٠ - باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض)
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁: "اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له"، ومضى بأتم من هذا السياق في تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ﴾، والغرض منه قوله: "ينكت في الأرض بعود"، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وهذا الفعل يقع غالبًا ممن يتفكر في شيء يريد استحضار معانيه، انتهى.
قلت: ولعل التبويب بهذه الترجمة مع أن معناه قد تقدم في الباب السابق إشارة منه إلى مزيد الاهتمام في أمر التفكر والتدبر، وإلا فأصل النكت قد ثبت جوازه في الباب السابق، وقد ورد الحثّ والتحريض في عدة آيات من القرآن في الأمر بالتفكر بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فتأمل فإنه لطيف.
(١٢١ - باب التكبير والتسبيح عند التعجب)
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: التسبيح والتكبير معناه تعظيم الله وتنزيهه من السوء، واستعمال ذلك عند التعجب واستعظام الأمر حسن،
стр. 3313
وفيه تمرين اللسان على ذكر الله تعالى، وهذا توجيه جيد، كأن البخاري رمز إلى الردّ على من منع من ذلك، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): وفي الترجمة دلالة على ردّ ما قال بعضهم: إن من قال لآخر: كل، فقال: اذكروا باسم الله، كفر، ووجه الردّ ظاهر، فإن في الحديث وضع اسم الله موضع كلام الناس كما في مسألة "بسم الله" فافهم، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٢): أباح المصنف إخراج الأذكار عن معناها واستعمالها في غيره، وهو ثابت في السلف ثبوتًا لا مردّ له، وحينئذ ينبغي أن يؤوّل ما في "الدر المختار": أن الطلبة إن اصطلحوا على أن يكبروا أو يسبحوا عند ختم الدرس فهو مكروه؛ لأنه إخراج الذكر عن مدلوله، نعم إن كان إخراجه إلى محل ممتهن فله وجه كما ذكره الحنفية أن السائل إن ذكر اسم الله على الباب لا يقول السامع: " ﷻ " أو كلمة تدل على عظمته تعالى، وإن كان أدبًا في عامة الأحوال، وذلك لأنه قال باسمه في موضع لم يكن له ذلك، انتهى.
(١٢٢ - باب الخذف)
هكذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الأربعة من "الكرماني" "والفتح" و"العيني" و"القسطلاني": "باب النهي عن الخذف"، وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء، وهو: رمي الحصا بالأصابع، قاله القسطلاني (٣).
وقال تحت حديث الباب: والغرض النهي عن أذى المسلمين، وهو من آداب الإسلام، والحديث مر في الصيد وغيره، انتهى.
قلت: وقد ترجم هناك "باب الخذف والبندقة"، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3314
(١٢٣ - باب الحمد للعاطس)
أي: مشروعيته، فظاهر الحديث يقتضي وجوبه لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على: الحمد لله، كما في حديث أبي هريرة الآتي بعد بابين، وعن طائفة: يقول: الحمد لله على كل حال، قال: وقد جاء النهي عن ابن عمر أخرجه الترمذي قال: "عطس رجل فقال: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ ، فقال ابن عمر: الحمد لله والصلاة على رسول الله ولكن ليس هكذا علّمنا رسول الله ﷺ "، وعند الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال"، ومثله عند أبي داود من حديث أبي هريرة، وعن طائفة: يقول: الحمد لله رب العالمين.
قلت: ورد ذلك في حديث لابن مسعود أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" والطبراني، وورد الجمع بين اللفظين فعنده في "الأدب المفرد" عن علي بلفظ: "الحمد لله رب العالمين على كل حال"، وهذا موقوف رجاله ثقات، إلى آخر ما بسط الحافظ في تلك الروايات وفي آداب العاطس، فارجع إليه لو شئت (١).
وقال العلامة القسطلاني (٢): والحكمة فيه كما قاله الحليمي أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحسّ، وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنه نعمة جليلة يناسب أن تقابل بالحمد لما فيه من الإقرار لله بالحق والقدرة وإضافة الخلق إليه لا إلى الطبائع، انتهى ملتقطًا.
стр. 3315
(١٢٤ - باب تشميت العاطس إذا حمد الله)
قال الحافظ (١): أي: مشروعية التشميت بالشرط المذكور، ولم يعين الحكم، وقد ثبت الأمر بذلك كما في حديث الباب، انتهى.
وقال العلامة الكرماني (٢): التشميت بالمعجمة أصله إزالة شماتة الأعداء، والتفعيل للسلب فاستعمل للدعاء بالخير لا سيما بلفظ: يرحمكم الله، وبالمهملة بكونه على سمت حسن، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٣) في لغته، هل هو بالشين المعجمة أو المهملة، واختلافهم في حكمه وغير ذلك من المباحث، أما حكمه فظاهر الأمر الوارد في الحديث الوجوبُ، وبه قال ابن المزين من المالكية: وبه قال جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين، وقوّاه ابن القيم في حواشي السنن، وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية ورجحه ابن رُشد وابن العربي، وبه قال الحنفية وجمهور الحنابلة، وذهب جماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة وهو قول الشافعية.
وقال العيني: وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة أنه فرض كفاية، انتهى من هامش "اللامع" (٤).
وأما مطابقة الحديث بالترجمة فقال الكرماني (٥): فإن قيل: الترجمة في التشميت للحامد وحديث البراء عامّ؟ قلت: هو وإن كان مطلقًا لكن لا بد من التقييد بالحامد للحديث الذي بعده والذي قبله حملًا للمطلق على المقيد، قال ابن بطال: كان ينبغي للبخاري أن يذكر حديث أبي هريرة في هذا الباب، قال: وهذا الباب من الأبواب التي عجلت المنية عن تهذيبه، لكن المعنى المترجم به مفهوم منه، انتهى.
стр. 3316
(١٢٥ - باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب)
قال العلامة القسطلاني (١): العطاس بضم العين، والتثاؤب بالفوقية ثم المثلثة والواو بغير همز في الفرع وأصله، قال في "الكواكب": وهو بالهمز على الأصح، وهو تنفس ينفتح منه الفم من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواسّ، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال الخطابي: معنى المحبة والكراهة فيها منصرف إلى سببهما، وذلك أن العطاس يكون من خفة البدن وانفتاح المسامّ وعدم الغاية في الشبع، وهو بخلاف التثاؤب، فإنه يكون من علة امتلاء البدن وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، والأول يستدعي النشاط في العبادة والثاني على عكسه، انتهى.
(١٢٦ - باب إذا عطس كيف يشمّت)
بفتح الميم المشددة على صيغة المجهول، ثبت بحديث الباب أنه يقول له: "يرحمك الله".
قال الحافظ (٣): قال ابن بطال: ذهب إلى هذا قوم فقالوا: يقول له: "يرحمك الله"، يخصّه بالدعاء وحده، وقد أخرج البيهقي في "الشعب" وصححه ابن حبان عن أبي هريرة رفعه: "لما خلق الله آدم عطس فألهمه ربّه أن قال: الحمد لله، فقال له ربّه: يرحمك الله"، وأخرج الطبري عن ابن مسعود قال: "يقول: يرحمنا الله وإياكم"، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر نحوه، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن أبي جمرة: "سمعت ابن عباس إذا شمّت يقول: عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله"، انتهى.
стр. 3317
(١٢٧ - باب لا يشمّت العاطس إذا لم يحمد الله)
أورد فيه حديث أنس الماضي في "باب الحمد للعاطس"، وكأنه أشار إلى أن الحكم عامّ وليس مخصوصًا بالرجل الذي وقع له ذلك، وأخرج مسلم من حديث أبي موسى بلفظ: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمّتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه"، قال النووي: مقتضى هذا الحديث أن من لم يحمد الله لم يشمّت، قلت: هو منطوقه، لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه، الجمهور على الثاني، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
(١٢٨ - باب إذا تثاوب فليضع يده على فيه)
قال الحافظ (٢): كذا للأكثر، وللمستملي "تثاءب" بهمزة بدل الواو، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو، وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالهمز والمد أشهر، انتهى.
وأما مطابقة الحديث بالترجمة فقال الكرماني (٣): فإن قلت: أين وجه دلالته على وضع اليد على الفم؟ قلت: عموم الردّ، إذ قد يكون ذلك بالوضع كما يكون بتطبيق الشفة على الأخرى مع أن الوضع أسهل وأحسن، قال ابن بطال: ليس في الحديث الوضع، ولكن ثبت في بعض الروايات: "إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه"، انتهى.
قال الحافظ (٤): وقد وقع في بعض طرقه صريحًا أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه"، ولفظ الترمذي مثل لفظ الترجمة، انتهى.
قال العلامة العيني (٥): فإن قلت: أكثر روايات "الصحيحين" أن التثاوب مطلق وجاء مقيدًا بحالة الصلاة في رواية لمسلم من حديث
стр. 3318
أبي سعيد: "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع".
قلت: قال شيخنا زين الدين ﵀: يحمل المطلق على المقيد، وللشيطان غرض قوي في التشويش على المصلي في صلاته، انتهى.
وقال العلامة القسطلاني (١): ولم يتعرض لأيّ اليدين يضعها، ووقع في "صحيح أبي عوانة" أنه قال عقب الحديث: ووضع سهيل - يعني: راويه عن أبي سعيد عن أبيه - يده اليسرى على فيه، وهو محتمل لإرادة التعليم خوف إرادة وضع اليمنى بخصوصها، انتهى.
وهذا آخر "كتاب الأدب" أدَّبنا الله تعالى بآداب الإسلام بفضله العييم، وعصمنا من نزغات الشيطان وزَلّات الأقدام بلطفه الكريم.
وأما براعة الاختتام فقال الحافظ: البراعة في قوله: "فليرده ما استطاع"، وعندي في قوله: "يرحمك الله" فإنه كالنص على ذلك لما في حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري لما قال النبي ﷺ لعامر بن الأكوع: "يرحمه الله"، قال رجل من القوم: "وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به"، وهكذا في العرف لفظ المرحوم يختص بالميت (٢).
* * *
стр. 3319
٧٩ - كتاب الاستئذان
قال العلامة القسطلاني (١): وهو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن، وقد أجمعوا على مشروعيته، وتظاهرت به دلائل القرآن والسُّنَّة، انتهى.
قال القاري في "المرقاة" (٢): الاستئذان بسكون الهمز ويبدل ياء، ومعناه: طلب الإذن، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الآيات، انتهى.
قلت: هذه الآية واقعة في أول سورة النور وفيها في الاستئذان آية أخرى في آخر تلك السورة وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآيات [النور: ٥٨]، قال صاحب "تَارِيْخ الخميس" (٣) في هذه الآية الثانية: أنها نزلت في السنة العاشرة من الهجرة، وذكر الروايات في شأن نزولها، والظاهر أن الآية الأولى نزلت قبل ذلك، لكن لم أر التصريح بذلك، وفي "التفسير الكبير" ما يؤيد هذا، إذ قال في ذيل تفسير الآية الثانية (٤): ومن الناس من قال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٧] فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وصار ذلك منسوخًا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، انتهى.
قال ابن كثير (٥): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الآية،
стр. 3320
هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، انتهى.
وأما أحكام الاستئذان وفروعه فسيأتي في الأبواب الآتية.
ثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن "كتاب الاستئذان" ليس بكتاب مستقل، بل هو جزء من "كتاب الأدب"، ولك أن تقول: إنه كتاب في كتاب بمنزلة الاصطلاح المعروف: باب في باب، كما تقدم في أصول التراجم مفصلًا، فإن الاستئذان أيضًا أدب من الآداب، ولذا ذكره مسلم في "كتاب الآداب"، وعلى هذا لا يرد على المصنف ما أوردوا من الأبواب الآتية في أواخر هذا الكتاب من "باب الاحتباء باليد" و"باب السرير والقائلة بعد الجمعة" وغير ذلك، وعلى هذا لا يحتاج إلى ما في حاشية النسخة "الهندية" (١) عن"الخير الجاري" إذ قال: ولا يخفى أنه ذكر في هذا الكتاب أمورًا سوى الاستئذان، فالأول أن يقدر ههنا: كتاب الاستئذان وما يناسبه، أو ما هو في حكمه، وعليك الاعتبار بمثله في مثله، وليكن هذا أصلًا من أصول هذا الكتاب، انتهى. والبسط في هامش "اللامع" (٢).
(١ - باب بدء السلام)
قال الحافظ (٣): "بدء" بفتح أوله والهمز بمعنى الابتداء، أي: أول ما وقع السلام، وإنما ترجم للسلام مع الاستئذان للإشارة إلى أنه لا يؤذن لمن لم يسلم، وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش: "حدثني رجل أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيته فقال: أألج؟ فقال لخادمه: اخرج لهذا فعلّمه فقال: قل: السلام عليكم أأدخل؟ " الحديث، انتهى.
стр. 3321
قلت: ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية، وهي هل يبدأ بالسلام ثم يستأذن أو بالعكس؟ قال النووي في "الأذكار" (١): والسُّنَّة أن يسلّم ثم يستأذن لحديث أبي داود وهو الصحيح، وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا، والثاني: عكسه، والثالث: إن وقع عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدّم الاستئذان، انتهى مختصرًا.
وإلى تقديم السلام مال الطحاوي في "مشكله" (٢)، ورجحه ابن القيم في "الهدي" (٣).
قوله: (خلق الله آدم على صورته. . .) إلخ، بسط الكلام في شرح هذا الحديث في "فيض الباري" (٤) وهامشه أشدّ البسط.
(٢ - باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا .. . .﴾ [النور: ٢٧]) إلخ
تقدم في أول الكتاب أن هذه الآية هي الأصل في مسألة الاستئذان.
قال الحافظ (٥): المراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الاستئذان بتنحنح ونحوه عند الجمهور، وقد تقدم في أواخر النكاح في حديث عمر الطويل في قصة اعتزال النبي ﷺ نساءه وفيه: "فقلت: أستأنس يا رسول الله! قال: نعم"، وحكى الطحاوي أن الاستئناس في لغة اليمن الاستئذان، وجاء عن ابن عباس إنكار ذلك، فأخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في "الشعب" بسند صحيح أن ابن عباس كان يقرأ: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا) ويقول: أخطأ الكاتب، وكان يقرأ على قراءة
стр. 3322
أُبي بن كعب، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: في مصحف ابن مسعود: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا)، إلى آخر ما بسط الحافظ.
(٣ - باب السلام اسم من أسماء الله. . .) إلخ
هذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع، له طرق ليس منها شيء على شرط المصنف في "الصحيح"، فاستعمله في الترجمة، وأورد ما يؤدي معناه على شرطه وهو حديث التشهد، وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، انتهى من "الفتح" (١).
وأما مناسبة الآية بالترجمة فبأن المراد بالتحية في الآية السلام خاصة خلافًا لما حكي عن المالكية أن المراد بها الهدية، كما في "الحاشية الهندية" (٢) عن العيني وبسطه الحافظ (٣)، وتعقب على من قال: إنه قول المالكية، وقال: بل هو قول الحنفية.
قلت: وهو كذلك فإن الجصاص في "أحكام القرآن" (٤) حملها على الهدية، ثم حكى الحافظ (٥) عن مالك: أن المراد من الآية تشميت العاطس ثم تعقب عليه، فارجع إليه لو شئت. فكأن البخاري أشار بذكر الآية في "باب السلام" إلى أن المراد منها هو السلام، وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه ههنا وجهًا آخر، وهو أدقّ وأتقن حيث قال (٦): ولعل الوجه في إيراد الآية في هذا الباب أن المأمور به من التحية ما فيه حسن سواء كان الحسن قليلًا أو كثيرًا، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فإن صيغة التفضيل مشعرة بزيادة الحسن في هذا الردّ، فكان دليلًا على أصل الحسن في التحية، وليس في قولهم: "السلام على الله" حسن، لانقلاب المعنى فلم
стр. 3323
يكن قائله آتيًا بالمأمور به لأن المأمور به إنما يتأدّى إذا تضمن الحسن ولو أقل مما في ردّها، انتهى.
(٤ - باب تسليم القليل على الكثير)
هو أمر نسبي يشمل الواحد بالنسبة للاثنين فصاعدًا، والاثنين بالنسبة لثلاثة فصاعدًا وما فوق ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢) في شرح الحديث: وهو من باب التواضع لأن حق الكثير أعظم، فإن قلت: المناسب أن يسلّم الكثير على القليل لأن الغالب أن القليل يخاف من الكثير؟ أجاب في "الكواكب" بأن الغالب في المسلمين أمن بعضهم من بعض، فلوحظ جانب التواضع الذي هو لازم السلام، انتهى.
(٥ - باب يسلم الراكب على الماشي)
قال الحافظ (٣): في رواية الكشميهني: "تسليم الراكب. . ." إلخ، على وفق الترجمة التي قبلها، انتهى.
قال القسطلاني (٤): قال في "شرح المشكاة": وإنما استحب ابتداء السلام للراكب لأن وضع السلام إنما هو لحكمة إزالة الخوف من الملتقيين إذا التقيا أو من أحدهما في الغالب، أو لمعنى التواضع المناسب لحال المؤمن، أو للتعظيم لأن السلام إنما يقصد به أحد أمرين: إما اكتسابُ ودّ أو استدفاع مكروه، قاله الماوردي، وقال ابن بطال: تسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وقال المازري: لأن للراكب مزيةً على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأه الراكب احتياطًا على الراكب من الزهو، انتهى.
стр. 3324
(٦ - باب يسلم الماشي على القاعد)
لحديث الباب شاهد من حديث عبد الرحمن بن شبل بزيادة أخرجه عبد الرزاق وأحمد بسند صحيح بلفظ: "يسلم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر، فمن أجاب كان له ومن لم يجب فلا شيء له" (١)، انتهى.
(٧ - باب يسلم الصغير على الكبير)
قوله: (والمارّ على القاعد. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هو أشمل من رواية ثابت التي قبلها بلفظ الماشي؛ لأنه أعم من أن يكون المارّ ماشيًا أو راكبًا، وقد اجتمعا في حديث فضالة بن عبيد عند البخاري في "الأدب المفرد" والترمذي وصححه بلفظ: "يسلّم الفارس على الماشي، والماشي على القائم"، وإذا حمل القائم على المستقر كان أعم من أن يكون جالسًا، أو واقفًا أو متكئًا أو مضطجعًا، وإذا أضيفت هذه الصورة إلى الراكب تعددت الصور، وتبقى صورة لم تقع منصوصة، وهي ما إذا تلاقى مارّان راكبان أو ماشيان، وقد تكلم عليها المازري (٣) فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدرًا في الدين إجلالًا لفضله؛ لأن فضيلة الدين مرغّب فيها في الشرع، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، انتهى مختصرًا من "الفتح" والبسط فيه.
(٨ - باب إفشاء السلام)
الإفشاء: الإظهار، والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سُنَّة، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن ابن عمر: "إذا سلّمت فأسمع فإنها تحية من عند الله" قال النووي: أقله أن يرفع صوته
стр. 3325
بحيث يسمع المسلّم عليه، فإن لم يُسْمِعُه لم يكن آتيًا بالسُّنَّة، انتهى.
قال الحافظ: واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سرًّا بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب، ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه، وقد أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه: "لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف"، ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه ﷺ ردّ السلامَ وهو يصلي إشارة، انتهى كله من "الفتح" (١).
(٩ - باب السلام للمعرفة وغير المعرفة)
أي: من يعرفه المسلم ومن لا يعرفه، وصدر الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن ابن مسعود: "أنه مر برجل فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فردّ عليه ثم قال: إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة"، وأخرجه الطحاوي بلفظ: "إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة"، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٠ - باب آية الحجاب)
الظاهر من كلام الشرَّاح أن المقصود بيان سبب نزولها.
قال القسطلاني (٣): أي: باب ذكر نزول آية الحجاب، ولأبي ذر عن الكشميهني: "علامة الحجاب" بدل "آية الحجاب"، انتهى.
والأوجه عندي: أن الغرض بيان مصداق آية الحجاب وتعيينها، وقد تقدم المباحث المتعلقة بهذا المقام في تفسير سورة الأحزاب مبسوطًا، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3326
(١١ - باب الاستئذان من أجل البصر)
أي: شرع من أجله لأن المستأذن لو دخل بغير إذن لرأى بعض ما يكره من يدخل إليه أن يطلع عليه، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (فقال: لو أعلم أنك تنتظر لطعنت به في عينك. . .) إلخ، وفيه مسألة وهي حكم من أصيبت عينه أو غيرها بسبب ذلك، سيأتي في الديات إن شاء الله تعالى إذ قد ترجم المصنف هناك بـ "باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه".
(١٢ - باب زنا الجوارح دون الفرج)
قال القاري (٢): قال ابن الهمام: الزنا مقصور في اللغة الفصحى لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويمد في لغة نجد، انتهى.
قال الحافظ (٣): أي: أن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره، وفيه إشارة إلى حكمة النهي عن رؤية ما في البيت بغير استئذان لتظهر مناسبته للذي قبله، انتهى.
قوله: (والفرج يصدّق ذلك ويكذبه) ذكر الشرَّاح له معنى، ويخطر ببالي من قديم الزمان له معنى آخر إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وهو أن معنى تصديق الفرج وتكذيبه أن الفرج إن كان يتأثر بزنا العين كالقبلة وبزنا اليد كاللمس ونحوهما بأن يحصل في الفرج شيء من الحسّ والحركة والانتشار تكون هذه الأمور، أي: زنى الجوارح المذكور في الحديث في حكم الزنا، وإن لم يتأثر الفرج ولم تنتشر الآلة فلا تكون هذه الأمور في حكم الزنا بل أدنى منه جريمة، والله تعالى أعلم.
стр. 3327
(١٣ - باب التسليم والاستئذان ثلاثًا)
أي: سواء اجتمعا أو انفردا، وحديث أنس شاهد للأول، وحديث أبي موسى شاهد للثاني، وقد ورد في بعض طرقه الجمع بينهما، واختلف هل السلام شرط في الاستئذان أو لا؟ فقال المازري (١): صورة الاستئذان: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم هو بالخيار أن يسمي نفسه أو يقتصر على التسليم، كذا قال، وسيأتي ما يعكر عليه في "باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا"، انتهى من "الفتح" (٢).
وفيه أيضًا: واختلف فيمن سلم ثلاثًا فظنّ أنه لم يسمع فعن مالك: له أن يزيد حتى يتحقق، وذهب الجمهور وبعض المالكية إلى أنه لا يزيد اتباعًا لظاهر الخبر، انتهى.
(١٤ - باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن)
أي: قبل أن يدخل أم لا، بل يكتفي بقرينة الطلب؟ قوله: "وقال سعيد عن قتادة. . ." إلخ.
قال القسطلاني (٣): هذا التعليق وصله المؤلف في "الأدب المفرد" وأبو داود، وزاد أبو داود: "إلى طعام"، ثم قال: لم يسمع قتادة من أبي رافع. قال في "الفتح": وقد ثبت سماعه منه في الحديث الآتي في "كتاب التوحيد" من رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أبا رافع حدثه، انتهى.
قلت: وأشار المصنف بلفظ "هل" في الترجمة إلى اختلاف الروايات.
قال الحافظ (٤): ثم أورد المصنف طرفًا من حديث مجاهد عن أبي هريرة وفيه: "قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم"، وظاهره يعارض الحديث الأول، ومن ثم لم يجزم بالحكم، وجمع المهلب وغيره
стр. 3328
بتنزيل ذلك على اختلاف الحالين: إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة إلا لم يحتج إلى استئناف إذن، وقال ابن التِّين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط، وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان، وبهذا جمع الطحاوي، انتهى.
وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): أن الإذن على نوعين: الإذن لأجل الدخول في البيت والإذن لأجل الستر والحجاب، والشخص المدعو وإن لم يفتقر إلى الإذن لأجل الدخول لكون الدعوة كافية في ذلك لكنه لا يستغني من الإذن لأجل الستر، فلو دعا أحد أحدًا وهو في مكان لا يفتقر فيه إلى ستر فحينئذ لا يحتاج إلى الإذن مطلقًا، انتهى ملخصًا.
(١٥ - باب التسليم على الصبيان)
قال الحافظ (٢): وكأنه ترجم بذلك للردّ على من قال: لا يشرع؛ لأن الردّ فرض وليس الصبي من أهل الفرض، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال: كان الحسن لا يرى التسليم على الصبيان، وعن ابن سيرين: أنه كان يسلّم على الصبيان ولا يسمعهم، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال: إنه ترجم بذلك من حيث إنه يخالف في بادئ الرأي ما تقدم قريبًا بقوله: "باب تسليم الصغير على الكبير" قال ابن بطال: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وفيه طرحُ الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب.
قلت: ويستثنى من السلام على الصبي ما لو كان وضيئًا وخشي
стр. 3329
من السلام عليه الافتنان، فلا يشرع، ولا سيما إن كان مراهقًا منفردًا، انتهى من "الفتح".
(١٦ - باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال)
قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال، وهو مقطوع أو معضل، والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة، وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما، وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد: "مرّ علينا النبي ﷺ في نسوة فسلّم علينا" حسّنه الترمذي، وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه، وأخرج أبو نعيم في "عمل اليوم والليلة" من حديث واثلة مرفوعًا: "يسلّم الرجال على النساء ولا تسلّم النساء على الرجال" وسنده واهٍ، ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفًا عليه وسنده جيد.
ثم قال الحافظ تحت الحديث الثاني من حديثي الباب: حكى ابن التِّين أن الداودي اعترض فقال: لا يقال للملائكة رجال، ولكن الله ذكرهم بالتذكير. والجواب أن جبريل كان يأتي النبي ﷺ على صورة الرجل، انتهى من "الفتح".
وقال السندي (٢) تحت الترجمة: كأنه أراد به تسليم أحد الجنسين المتغايرين على الآخر، فلذلك ذكر في الباب حديث سلام جبريل على عائشة وذكر وجوهًا أخر، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3330
وقال الحافظ (١): وقال ابن بطال (في مسألة الباب): فرق المالكية بين الشابّة والعجوز سدًّا للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقًا، وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها، انتهى.
قلت: وما حكى ابن بطال من مذهب الإمام مالك صرّح به مالك في "الموطأ"، وقال النووي كما في "الأوجز" (٢): أما النساء فإن كن جمعًا سلّم عليهن، وإن كانت واحدة سلّم عليها زوجها ومحرمها، وأما الأجنبي فإن كانت عجوزًا لا تشتهى استحب له السلامُ عليها واستحب لها السلام عليه، وإن كانت شابة أو عجوزًا تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه، ومن سلّم منهما لم يستحق جوابًا ويكره جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): نظم جمع فيه كل من يكره السلام عليه وفيه:
كذا الأجنبيات الفتيات أمنع
قال ابن عابدين: ومفهومه جوازه على العجوز، بل صرحوا بجواز مصافحتها عند أمن الشهوة، وفيه أيضًا في موضع آخر (٤): ولا يكلم الأجنبية إلا عجوزًا عطست أو سلّمت فيشمتها ويردّ السلام عليها وإلا لا. قال ابن عابدين: أي: هي إن لم تكن عجوزًا بل شابة لا يشمتها ولا يردّ السلام بلسانه بل ردّ عليها في نفسه، وقال أيضًا: وتقدم في شروط الصلاة أن صوت المرأة عورة على الراجح، انتهى.
стр. 3331
(١٧ - باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا)
قال الحافظ (١): وكأنه لم يجزم بالحكم لأن الخبر ليس صريحًا في الكراهة، انتهى.
وقال العيني (٢): تحت ترجمة الباب: ولم يذكر الحكم اكتفاءً بما في حديث الباب. ثم قال في شرح الحديث: مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.
قلت: وهو كذلك، وما تقدم من كلام الحافظ من أنه لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب ليس صريحًا في الكراهة فهذا إنما هو على بادئ الرأي، وإلا فالشرَّاح قاطبة اتفقوا أن مقصوده ﷺ الإنكار على جابر، وإن اختلفوا في وجه الإنكار كما هو في الشروح، وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في "شرح مسلم" (٣) بقوله: "باب كراهة قول المستأذن: أنا"، وقال القاري في "شرح المشكاة" (٤): قوله: "فقال: أنا أنا" مكررًا للإنكار عليه. قال الطيبي: أي: قولك: "أنا" مكروه فلا تعد، والثاني تأكيد، انتهى.
(١٨ - باب من ردّ فقال: عليك السلام. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): ظاهر صنيعه أنه لا فرق عنده بين تقديم السلام على كلمة "على" وتأخيره عنه، وإن أشار بذكر الرواية إلى أن تقديم الجار هو الغالب في الردّ، انتهى.
قلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر فإنه ذكر في الترجمة قول الملائكة وهو بتقديم لفظ السلام، وذكر الرواية المرفوعة وفيه عكس ذلك، فثبت الوجهان. وبما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه جزم الكرماني (٦) إذ قال: واعلم أن مقصود البخاري من هذا الباب أن ردّ السلام ثبت على نوعين:
стр. 3332
بتقديم السلام على "عليك"، وبالتأخير عنه، وكلاهما جواب، والله أعلم، انتهى.
وفي الترجمة وجوه أخر بسطها الحافظ، إذ قال (١): يحتمل أن يكون أشار إلى من قال: لا يقدَّم على لفظ السلام شيء بل يقول في الابتداء والردّ: السلام عليك، أو من قال: لا يقتصر على الإفراط بل يأتي بصيغة الجمع، أو من قال: لا يحذف الواو بل يجيب بواو العطف فيقول: وعليك، أو من قال: يكفي في الجواب أن يقتصر على "عليك" بغير لفظ السلام، أو من قال: لا يقتصر على "عليك السلام" بل يزيد: ورحمة الله، وهذه خمسة مواضع جاءت فيها آثار تدلّ عليها، ثم ذكرها، ولعل متمسّك من قال بالوجه الأول من تلك الوجوه هو ما روى أبو داود من حديث أبي جري جابر بن سليم وفيه: "قلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى" الحديث.
(١٩ - باب إذا قال: فلان يقرئك السلام)
بضم التحتية من أقرأ، ولأبي ذر عن الكشميهني: "يقرأ عليك السلام" بفتح التحتية، انتهى من "القسطلاني" (٢).
قال القاضي: يقال: أقرأته السلامَ وهو يقرئك السلامَ بضم الياء رباعيًّا لا غير، وإذا قلت: يقرأ عليك فبالفتح لا غير، وقيل: هما لغتان، انتهى. كذا في النسخة المصرية لمسلم.
وقال الحافظ (٣): قال النووي: في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام، ويجب على الرسول تبليغه لأنه أمانة، وتعقب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة وإلا فوديعة، والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شيء، انتهى.
стр. 3333
قلت: ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى ما ورد في ذلك من اختلاف الروايات، فقد ترجم الإمام أبو داود أيضًا بعين هذه الترجمة، وذكر فيه حديثين وفي أحدهما: "فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام، فقال: عليك وعلى أبيك السلام"، ثم ذكر الإمام أبو داود حديث عائشة المذكور في هذا الباب. قال الشيخ في "البذل" (١): وفي هذا الحديث اقتصر في الجواب على أصل المسلّم، وفي الحديث الأول شمل المبلغ أيضًا فالأمران جائزان، انتهى.
قال الحافظ (٢): وفي الحديث إذا أتاه شخص بسلام من شخص أو في ورقة وجب الردّ على الفور، ويستحب أن يردّ على المبلّغ، كما أخرج النسائي عن رجل من بني تميم: "أنه بلّغ النبي ﷺ سلام أبيه فقال له: وعليك وعلى أبيك السلام"، وقد تقدم في المناقب (٣): أن خديجة لما بلّغها النبي ﷺ عن جبريل سلامَ الله عليها قالت: "إن الله هو السلام، ومنه السلام، وعليك وعلى جبريل السلام"، ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردّت على النبي ﷺ فدلّ على أنه غير واجب، انتهى.
(٢٠ - باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين)
قال النووي: السُّنَّة إذا مرَّ بمجلس فيه مسلم أو كافر أن يسلّم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم، قال ابن العربي: ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السُّنَّة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظلمة، وبمجلس فيه محبّ ومبغض، واستدل النووي على ذلك بحديث الباب، وهو مفرع على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد النهي عنه صريحًا، وقالت طائفة: يجوز
стр. 3334
ابتداؤهم بالسلام فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]، وأجاب عياض عن قول إبراهيم ﵇ لأبيه بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة لا التحية، انتهى من "الفتح" (١).
(٢١ - باب من لم يسلّم على من اقترف ذنبًا ولم يردّ سلامه حتى تتبين توبته)
قال الحافظ (٢): أما الحكم الأول فأشار إلى الخلاف فيه، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق والمبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلّم سلّم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال ابن وهب: يجوز ابتداء السلام على كل أحد ولو كان كافرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو وفحش القول والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء ونحو ذلك، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): ويكره السلام على الفاسق لو معلنًا وإلا لا. قال ابن عابدين: ويسلم على قوم في معصية وعلى من يلعب بالشطرنج ناويًا أن يشغلهم عما هم فيه عند أبي حنيفة، وكره عندهما تحقيرًا لهم، انتهى.
قال الحافظ (٤): وأما الحكم الثاني فاختلف فيه أيضًا فقيل: يستبرئ حاله سنةً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: خمسين يومًا كما في قصة كعب، وقيل: ليس لذلك حدّ محدود، بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مدعاه في توبته، ويختلف ذلك باختلاف الجناية والجاني، انتهى.
стр. 3335
قلت: وقد تقدم شيء من الكلام على هذه المسألة في "اللامع" (١) وهامشه في "كتاب الشهادات" تحت قول البخاري: وكيف تعرف توبته؟ ثم قد ظهر من كلام الحافظ أنه جعل للترجمة جزئين، وكذا يستفاد من كلام العيني، وذلك لأنهما جعلا السلام وردّه في حكم واحد، لكن يظهر من كتب فقهنا الفرق بين حكم السلام وحكم الردّ، فعلى هذا صار للترجمة ثلاثة أجزاء، ففي حاشية ابن عابدين (٢) تفريعًا على كلام صاحب "البحر": ومفاده أن كل محل لا يشرع فيه السلام لا يجب ردّه، وذكر أمثلته، ثم قال: وينبغي وجوبُ الردّ على الفاسق لأن كراهة السلام عليه للزجر فلا تنافي الوجوب عليه، تأمل، انتهى.
(٢٢ - باب كيف الردّ على أهل الذمة السلام)
قال الحافظ (٣): في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا منع من ردّ السلام على أهل الذمة فلذلك ترجم بالكيفية، ودل الحديث على التفرقة في الردّ على المسلم والكافر، قال ابن بطال: قال قوم: ردُّ السلام على أهل الذمة فرض لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وثبت عن ابن عباس أنه قال: من سلّم عليك فردّ عليه ولو كان مجوسيًا. وبه قال الشعبي وقتادة، ومنع من ذلك مالك والجمهور، وقال عطاء: الآية مخصوصة بالمسلمين فلا يردّ السلام على الكافر مطلقًا، فإن أراد منع الردّ بالسلام وإلا فأحاديث الباب ترد عليه، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): قال النووي: اتفقوا على الردّ على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقال لهم: عليكم فقط أو: وعليكم، انتهى.
стр. 3336
قلت: وهكذا في "شرح الإقناع" (١): "وروضة المحتاجين" يعني: إنكار الشافعية الزيادة على لفظ: وعليك. وبسط القاري في "شرح المشكاة" الروايات في أنه لا يزيد على: وعليك.
وفي "الدر المختار" (٢): ويسلم المسلم على أهل الذمة لو له حاجة إليه وإلا كره، وهو الصحيح، كما كره للمسلم مصافحة الذمي، ثم قال (٣): ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي على مسلم فلا بأس بالردّ، ولكن لا يزيد على قوله: وعليك، قال ابن عابدين: قوله: فلا بأس بالردّ، المتبادر منه أن الأولى عدمه، "ط". لكن في "التتارخانية": وإذا سلم أهل الذمة ينبغي أن يردّ عليهم الجواب وبه نأخذ، انتهى.
(٢٣ - باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره)
قال العلامة العيني (٤): أي: هذا باب في بيان جواز من نظر في كتاب من يحذر على صيغة المجهول من الحذر، أي: الخوف، وقال الجوهري: الحذر المحرز.
قوله: (ليستبين) أي: ليظهر أمره. فإن قلت: أخرج أبو داود من حديث ابن عباس: "من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في النار"، قلت: يخص منه ما يتعين طريقًا إلى دفع مفسدة هي أكبر من مفسدة النظر على أن هذا حديث ضعيف، انتهى.
وهكذا في "القسطلاني" ولفظه في الجواب عن الحديث المذكور (٥): إنما هو في حق من لم يكن متهمًا على المسلمين، وأما من كان متهمًا فلا حرمة له، انتهى.
стр. 3337
وقال الحافظ (١) في الغرض من الترجمة: كأنه يشير إلى أن الأثر الوارد في النهي عن النظر في كتاب الغير يخص منه ما يتعين طريقًا إلى دفع مفسدة هي أكثر من مفسدة النظر، انتهى.
ذكر المصنف فيه حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وتقدم في تفسير سورة الممتحنة وغيره في عدة مواضع.
(٢٤ - باب كيف يكتب إلى أهل الكتاب)
قال العيني (٢): أي: هذا باب في بيان كيفية الكتاب إلى أهل الكتاب، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة في قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله" إلخ، فإن فيه إعلامًا كيف يكتب إلى أهل الكتاب، انتهى.
وقال الحافظ (٣): ذكر فيه طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو واضح فيما ترجم له، قال ابن بطال: فيه جواز كتابة بسم الله الرحمن الرحيم إلى أهل الكتاب، وتقديم اسم الكاتب على المكتوب إليه، قال: وفيه حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة، انتهى.
ثم تعقب عليه الحافظ وكذا القسطلاني (٤) إذ قال: لا يصح الاستدلال بذلك، ذلك لأنه لم يسلم فليس هو ممن اتبع الهدى فهو سلام مقيد، انتهى. مختصرًا.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى هذا بأن يكتب إليهم: السلام على من اتبع الهدى، لا بلفظه المعروف بلفظ الخطاب: السلام عليكم، قال القاري في "المرقاة" (٥) في شرح حديث هرقل: قال النووي: وفي هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد،
стр. 3338
منها قوله: "سلام على من اتبع الهدى" فيه دليل لمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الكافر لا يبدأ بالسلام. قال القاري: ما أظن فيه خلافًا، انتهى.
(٢٥ - باب بمن يبدأ في الكتاب)
أي: بنفسه أو بالمكتوب إليه، قاله الحافظ (١).
في هامش المصرية عن "شرح شيخ الإسلام" (٢): أي: هل يبدأ بالكاتب أو بالمكتوب إليه، وكل سائغ، ولكن جرت العادة في الرسائل بالابتداء بالكاتب، انتهى.
وقال الحافظ (٣): ذكر فيه طرفًا من حديث الرجل من بني إسرائيل الذي اقترض ألف دينار، وكأنه لما لم يجد فيه حديثًا على شرطه مرفوعًا اقتصر على هذا، وهو على قاعدته في الاحتجاج بشرع من قبلنا إذا وردت حكايته في شرعنا ولم ينكر، ولا سيما إذا سيق مساق المدح لفاعله، وعند أبي داود من طريق ابن سيرين عن أبي العلاء بن الحضرمي عن العلاء: "أنه كتب إلى النبي ﷺ فبدأ بنفسه" وعن نافع: كان عُمّال عمر إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم. قال المهلب: السُّنَّة أن يبدأ الكاتب بنفسه، انتهى.
وكتب الشيخ في "البذل" (٤) تحت حديث هرقل: إن الاستدلال به على تقدم ذكر الكاتب على المكتوب إليه على العموم فمحل نظر؛ بل الحديث يدل على أن الأعلى إذا كتب إلى الأدنى يبدأ باسم نفسه قبل المكتوب إليه، وذلك لأن رسول الله ﷺ كان أعلى باعتبار الدين والدنيا من هرقل، فإنه وصف نفسه بكونه رسول الله ووصف هرقل بكونه عظيمَ الروم، ثم دعاه إلى الانقياد والاستسلام.
فهذا يدل ظاهرًا أن رسول الله ﷺ أعظم من ملك الروم فبدأ بنفسه،
стр. 3339
وكذلك من يكون أعظم من المكتوب إليه يبدأ بنفسه، وأما إذا كان المكتوب إليه أعظم كالولد يكتب إلى والده أو الرجل يكتب إلى شيخه فينبغي حينئذ أن يبدأ باسم المكتوب إليه لا باسمه، وأما حديث العلاء بن الحضرمي فإنه بدأ باسمه في كتابته إلى رسول الله ﷺ اتباعًا واقتداءً برسول الله ﷺ . وأما تقريره ﷺ فلأجل بيان الجواز، قال المنذري: فيهما - أي: في روايتي ابن العلاء - مجهول. قال بعضهم: يبدأ الكتاب باسمه فيقول: من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، انتهى.
قال العلامة النووي في "شرح مسلم" (١) في قصة خضر مع موسى تحت قوله ﷺ : "رحمة الله علينا وعلى موسى - وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه -. . ." الحديث، قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، واختلف العلماء في الابتداء في عنوان الكتاب؟ فالصحيح الذي قاله كثير من السلف وجاء به الصحيح أنه يبدأ بنفسه فيقدمها على المكتوب إليه فيقول: من فلان إلى فلان، واستدل عليه من حديث هرقل، ثم قال: وقالت طائفة: يبدأ بالمكتوب إليه فيقول: إلى فلان من فلان، قالوا: إلا أن يكتب الأمير إلى من دونه أو السيد إلى عبده أو الوالد إلى ولده، انتهى.
(٢٦ - باب قول النبي ﷺ : قوموا إلى سيدكم)
هذه الترجمة معقودة لحكم قيام القاعد للداخل، ولم يجزم فيها بحكم للاختلاف بل اقتصر على لفظ الخبر كعادته، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (٣): أي: بيان مشروعية قيام القاعد للداخل احترامًا له، انتهى.
قال العيني (٤): وفي الحديث أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد
стр. 3340
من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه، وقد منع من ذلك قوم واحتجوا بحديث أبي أمامة رواه أبو داود وابن ماجه قال: "خرج النبي ﷺ متوكأً على عصا فقمنا له فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم" قال الطبري: هذا حديث ضعيف مضطرب السند، فيه من لا يعرف، وقال أيضًا: وفيه أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل والإمام العادل والمتعلم للعالم مستحب، وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات، وعن أبي الوليد بن رشد: أن القيام على أربعة أوجه، ثم ذكرها.
وبسط الحافظ (١) الكلام أيضًا على روايات الباب إثباتًا ونفيًا أشدّ البسط فارجع إليه.
وفي "الدر المختار" (٢): يجوز بل يندب القيام تعظيمًا للقادم كما يجوز القيام، ولو للقارئ بين يدي العالم. قال ابن عابدين: أي: إن كان ممن يستحق التعظيم، وفي "مشكل الآثار": القيام لغيره ليس بمكروه لعينه، إنما المكروه محبة القيام لمن يقام له، إلى آخر ما ذكر.
وبسط الشيخ الكلام عليه في "البذل" (٣)، وفيه عن "اللمعات": اختلفت فيه الروايات، والصحيح أن احترام أهل الفضل من أهل العلم والصلاح والشرف بالقيام جائز، وما جاء من كراهته ﷺ قيام الصحابة له فهو من جهة الاتحاد الموجب لرفع التكلف لا للنهي.
وقال النووي (٤): القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاءت فيه أحاديث، ولم يصحّ في النهي عنه شيء تصريحًا.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في التقرير: القيام جائز في نفسه
стр. 3341
ما لم يعترِه عارض يخرجه من الجواز إلى الكراهة. . .، إلى أن قال: وأما الذي أورده المؤلف من الروايات فليس شيء منها كافيًا لإثبات المدعى؛ لأن القيام فيها ليس بقيام تعظيم، وفيه الكلام، وإنما هو قيام إعانة وإمداد في الأول، وقيام معانقة في الثاني، إلى آخر ما ذكر.
(٢٧ - باب المصافحة)
قال العلامة القسطلاني (١): أي: مشروعية المصافحة، وهي الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد أخرج الترمذي بسند ضعيف من حديث أبي أمامة رفعه: "تمام تحيتكم بينكم المصافحة"، وأخرج المصنف في "الأدب المفرد" وأبو داود بسند حسن عن أنس رفعه: "قد أقبل أهل اليمن وهم أول من حيّانا بالمصافحة"، وفي "جامع ابن وهب" من هذا الوجه: "وكانوا أول من أظهر المصافحة"، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهته.
وقال النووي: المصافحة سُنَّة مجمع عليها عند التلاقي، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن البراء رفعه: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا"، وقال ابن عبد البر: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى هذا سحنون وجماعة، وقد جاء عن مالك جواز المصافحة، وهو الذي يدل صنيعه في "الموطأ"، وعلى جوازه جماعة العلماء سلفًا وخلفًا، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
وقال صاحب "الفيض" (٣): اعلم أن كمال السُّنَّة في المصافحة أن تكون باليدين، ويتأدى أصل السُّنَّة من يد واحدة أيضًا، وقد بَوَّب البخاري بُعَيده "باب الأخذ باليدين"، ثم الذين يدّعون العمل بالحديث ينكرون
стр. 3342
التصافح باليدين، ولما لم يكن في ذلك عند المصنف حديث على شرطه أخرج حديث ابن مسعود في التشهد، فاكتفى عن الاستشهاد على النوع بالاستشهاد على الجنس، فإن التصافح في حديثه كان عند التعليم دون التسليم، وهذا غير ذاك، نعم أخرج لها أثرين، ثم للتصافح باليدين حديث مرفوع أيضًا كما في "الأدب المفرد".
وأراد المدرسون أن يستدلوا عليه بحديث ابن مسعود هذا فقالوا: أما كون التصافح فيه باليدين من جهة النبي ﷺ فالحديث نصّ فيه، وأما كونه كذلك من جهة ابن مسعود فالراوي وإن اكتفى بذكر يده الواحدة إلا أن المرجو منه أنه لم يكن ليصافحه بيده الواحدة والنبي ﷺ قد صافحه بيديه الكريمتين؛ فإنه يستبعد من مثله أن لا يبسط يديه للنبي ﷺ ، وقد يكون النبي ﷺ بسط له يديه، غير أن الراوي لم يذكره لعدم كون غرضه متعلقًا بذلك، انتهى.
قلت: وفي "تذكرة الخليل" (١): أنه قد اتفق لشيخنا الفقيه الكبير والمحدث الجليل مولانا خليل أحمد قُدِّس سرُّه أنه صافحه أحد ممن يدعي العمل بالحديث بيد واحدة وصافحه الشيخ بيدين، فاعترض على الشيخ واستدل بحديث ابن مسعود هذا فإنه صافح بيد واحدة، فأجاب شيخنا قُدِّس سرُّه على الفور متبسّمًا بقوله: فنحن على السُّنَّة أم أنتم؟ فبُهِتَ. وأراد الشيخ بذلك أن المصافحة باليدين موافق لفعله ﷺ ، وأما المصافحة بيد واحدة فكان من فعل ابن مسعود ﵁.
وكتب الشيخ في "الكوكب" (٢): قوله: "الأخذ باليد" اللام فيه للجنس فلا تثبت الواحدة، والحق فيه أن مصافحته ﷺ ثابتة باليد وباليدين إلا أن المصافحة بيد واحدة لما كانت شعار أهل الأفرنج وجب تركه لذلك، انتهى.
стр. 3343
وأما وجه مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فذكر الحافظ وجه إدخال هذا الحديث في المصافحة أن الأخذ باليد يستلزم التقاء صفحة اليد بصفحة اليد غالبًا، ومن ثم أفردها بترجمة تلي هذه لجواز وقوع الأخذ باليد من غير حصول المصافحة (١)، انتهى.
قلت: وهذا مبني على ما في نسخة "الفتح"، وسيأتي اختلاف ذكر النسخ في الترجمة الآتية.
(٢٨ - باب الأخذ باليدين وصافح حماد. . .) إلخ
هكذا في النسخ الهندية "اليدين" بصيغة التثنية وهكذا في نسخة "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني"، وأما في نسخة "الفتح" فكما تقدمت الإشارة إليه أن فيها "اليد" بالإفراد، وتقدم توجيهه في كلام الحافظ.
قال العيني (٢): سقطت هذه الترجمة وأثرها وحديثها من رواية النسفي، وقوله: "الأخذ باليدين" رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: "الأخذ باليد" بالإفراد، وما وقع في بعض النسخ "باليمين" فليس بصحيح، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة في قوله: "وكفي بين كفيه" وهو الأخذ باليدين، انتهى.
قلت: وقد تقدم أن في نسخة الحافظ: "الأخذ باليد" بصيغة الإفراد فكان ينبغي للحافظ أن يتعرض للمناسبة بين الحديث والترجمة لكنه سكت عن وجه المطابقة.
والأوجه عندي نسخة "اليدين" بالتثنية لكونه مطابقًا لأثر حماد المذكور في الترجمة وكذا الحديث المرفوع. وأما المطابقة على نسخة الإفراد فإما أن يقال: إن اللام في قوله: "باليد" للجنس فيشمل اليدين، وإما أن يقال: إنه أشار بذلك أن ما ورد في بعض الروايات من الأخذ باليد فالمراد به
стр. 3344
المصافحة المشروعة (١) وهي تكون باليدين فلذا عقبها بأثر حماد، وهذا غاية ما يقال في المطابقة بين الحديث والترجمة، وهذا الوجه الأخير أشار إليه الحافظ (٢) أيضًا مختصرًا كما تقدم في الباب السابق.
ثم لا يتوهم التكرار في هذه الترجمة والترجمة السابقة، وذلك لأن الغرض من الترجمة الأولى بيان مشروعيتها خلافًا لما حكي عن مالك وغيره من الكراهة ذاهبًا إلى أن المراد من المصافحة أن يصفح بعضهم عن بعض، من الصفح وهو التجاوز، كما هو معروف عن الإمام مالك، فأثبت المصنف بالترجمة المصافحة بالمعنى المعروف المتبادر عند الجمهور، ولذا ذكر فيه حديث ابن مسعود: "كفي بين كفيه". وأما هذه الترجمة فأشار بها إلى كيفية المصافحة وهي أن تكون باليدين كما يظهر من أثر حماد وحديث الباب المرفوع، أو يقال: إن الغرض من الترجمة الأولى بيان كيفية المصافحة باليدين، فإن المصافحة باليدين تحتمل صورًا مختلفة كما بسط في "الأوجز" (٣)، والبسط في هامش "اللامع" (٤) فارجع إليه لو شئت. وقد تقدم بحث المصافحة باليد أو اليدين في الباب السابق.
(٢٩ - باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبحت ؟)
هذه الترجمة مشكلة جدًّا، وذلك لأنه ليس في حديث الباب ذكر الجزء الأول من جزئي الترجمة أصلًا، وذكر الثانية بلفظ: كيف أصبح؟ قالوا: وهذا يكفي للمناسبة، وأما الجزء الأول من الترجمة فذكر في حاشية النسخة "الهندية" (٥) أنها ترجمة مستقلة لم يذكر لها الحديث، وكان بين
стр. 3345
الترجمتين بياض لكن جمع بينهما الكاتب، والمناسب له معانقته ﷺ الحَسَنَ كما تقدم في "كتاب البيوع" في "باب ما ذكر في الأسواق"، وكذا تقدم قريبًا في "باب السخاب للصبيان" فكأدن البخاري أشار إلى هذا الحديث وذكر حديث الباب بلفظ "يا أبا حسن" رمزًا إلى الحسن تشحيذًا للأذهان، انتهى.
وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (١): لم يذكر في المعانقة حديثًا بل ذكره في البيع في معانقته ﷺ للحسن، فيحتمل أنه اكتفى هنا بذلك، أو أنه كما قيل: قصد أن يسوقه هنا فلم يستحضر له غير السند السابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السند الواحد، فأدركه الموت قبل أن يقع له ما يوافق ذلك، انتهى.
وأما الشيخ الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه فإنه قد أثبت جزئي الترجمة بالمقايسة حيث قال (٢): والجزءان من الترجمة يتوقف إثباتهما على نوع مقايسة، فإن المعانقة غاية في المواجهة وأثر يترتب على المخالة، فإذا جازت المواجهة وكانت الخلة باعثة عليها لربما أدّت إلى المعانقة، وأما قولهم: "أصبحت" فإن السؤال لما ثبت عن حال الغائب كان سؤاله عن حال الحاضر المخاطب أظهر في الجواز، وأيضًا فإن السؤال عن حاله ﷺ كان يتضمن المسألة عن حال أهل البيت بأسرهم، ومنهم علي ﵁ وهو المخاطب في هذا الكلام فثبت بالسؤال عن حاله ﵊ جواز المسألة عن حال المخاطب وإن كانت الدلالة عليه تضمنية، انتهى.
وأما حكم المعانقة وهو المقصود من ترجمة الباب فقد تقدم فيه خلاف مالك في "باب المصافحة"، وروي عنه ما يدل على أنه رجع عن القول بالكراهة، فقد قال الحافظ (٣): قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة فكرهها مالك وأجازها ابن عيينة، ثم ساق قصتهما في ذلك، أخرجها ابن عساكر في "تاريخه" قال: استأذن سفيان بن عيينة على مالك
стр. 3346
فأذن له فقال: السلام عليكم، فردّوا عليه ثم قال: السلام خاصّ وعامّ، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته فقال: وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته، ثم قال: لولا أنها بدعة لعانقتك، قال: قد عانق من هو خير منك، قال: جعفر؟ قال: نعم. ثم قال الحافظ: قال الذهبي في "الميزان": هذه الحكاية باطلة وإسنادها مظلم، انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" (١): واختلف العلماء في معانقة الرجل للرجل القادم من سفر، فكرهها مالك وقال: هي بدعة، واستحبها سفيان وغيره وهو الصحيح الذي عليه الأكثرون والمحققون، وتناظر مالك وسفيان في المسألة فاحتج سفيان بأن النبي ﷺ فعل ذلك بجعفر حين قدم، فقال مالك: هو خاص به، فقال سفيان: ما نخصه بغير دليل، فسكت مالك. قال القاضي عياض: وسكوت مالك دليل لتسليمه، قولَ سفيان وموافقته، وهو الصواب، انتهى.
وأما مذهب الحنفية فذكر ابن عابدين (٢): قال في "الهداية": ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه أو يعانقه.
وذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة لما روي "أنه ﵇ عانق جعفرًا حين قدم من الحبشة وقبّله بين عينيه". ولهما ما روي "أنه ﵇ نهى عن المكامعة" وهي المعانقة "وعن المكاعمة" وهي التقبيل، وما رواه محمول على ما قبل التحريم، قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد، أما إذا كان عليه قميص أو جبة لا بأس به بالإجماع وهو الصحيح، انتهى.
(٣٠ - باب من أجاب بلبيك وسعديك)
قال العلامة الكرماني (٣): قال ابن بطال: معنى "لبيك": أنا مقيم على
стр. 3347
طاعتك، من قولهم: لبّ فلان بالمكان: إذا أقام به، وقيل: معناه: إجابة بعد إجابة، ومعنى "سعديك": إسعادًا لك بعد إسعاد، انتهى.
قال العلامة العيني (١): وهذا من المصادر التي حذف فعلها لكونه وقع مثنى، وذلك يوجب حذف فعله قياسًا؛ لأنهم لما ثنوه صار كأنهم ذكروه مرتين فكأنه قال: لبًّا لبًّا، وأما سعديك فمعناه في العبادة: أنا متبع أمرك غير مخالف لك فأسعدني على متابعتك إسعادًا بعد إسعاد، وأما في إجابة المخلوق فمعناه: أسعدك إسعادًا بعد إسعاد، أي: مرة بعد أخرى، انتهى.
وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولعل الغرض منه الردّ لما حكي عن مالك من كراهة ذلك كما في "الشرح الكبير" (٢)، وأوَّلَه بأن مراده استعمال تلبية الحج لا مطلق لبيك، وترجم الإمام أبو داود في "سننه" (٣) على هذا المعنى بقوله: "باب الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك".
(٣١ - باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه)
هكذا ترجم بلفظ الخبر، وهو خبر معناه النهي، وقد رواه ابن وهب بلفظ النهي: "لا يقم" وفي رواية عند مسلم "لا يقيمنّ" بلفظ النهي المؤكد، انتهى من "الفتح" (٤).
قال الكرماني (٥): وهو نفي في معنى النهي، فقيل: إنه للتحريم، وقيل: للتنزيه، وهو من باب الآداب ومحاسن الأخلاق، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٦): وظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنه مخصوص بالمجالس المباحة كالمساجد ومجالس الحكام والعلم وغيرها، وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها، إلى آخر ما ذكر.