وأما وجه مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فذكر الحافظ وجه إدخال هذا الحديث في المصافحة أن الأخذ باليد يستلزم التقاء صفحة اليد بصفحة اليد غالبًا، ومن ثم أفردها بترجمة تلي هذه لجواز وقوع الأخذ باليد من غير حصول المصافحة (١)، انتهى.
قلت: وهذا مبني على ما في نسخة "الفتح"، وسيأتي اختلاف ذكر النسخ في الترجمة الآتية.
(٢٨ - باب الأخذ باليدين وصافح حماد. . .) إلخ
هكذا في النسخ الهندية "اليدين" بصيغة التثنية وهكذا في نسخة "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني"، وأما في نسخة "الفتح" فكما تقدمت الإشارة إليه أن فيها "اليد" بالإفراد، وتقدم توجيهه في كلام الحافظ.
قال العيني (٢): سقطت هذه الترجمة وأثرها وحديثها من رواية النسفي، وقوله: "الأخذ باليدين" رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: "الأخذ باليد" بالإفراد، وما وقع في بعض النسخ "باليمين" فليس بصحيح، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة في قوله: "وكفي بين كفيه" وهو الأخذ باليدين، انتهى.
قلت: وقد تقدم أن في نسخة الحافظ: "الأخذ باليد" بصيغة الإفراد فكان ينبغي للحافظ أن يتعرض للمناسبة بين الحديث والترجمة لكنه سكت عن وجه المطابقة.
والأوجه عندي نسخة "اليدين" بالتثنية لكونه مطابقًا لأثر حماد المذكور في الترجمة وكذا الحديث المرفوع. وأما المطابقة على نسخة الإفراد فإما أن يقال: إن اللام في قوله: "باليد" للجنس فيشمل اليدين، وإما أن يقال: إنه أشار بذلك أن ما ورد في بعض الروايات من الأخذ باليد فالمراد به
стр. 3344
المصافحة المشروعة (١) وهي تكون باليدين فلذا عقبها بأثر حماد، وهذا غاية ما يقال في المطابقة بين الحديث والترجمة، وهذا الوجه الأخير أشار إليه الحافظ (٢) أيضًا مختصرًا كما تقدم في الباب السابق.
ثم لا يتوهم التكرار في هذه الترجمة والترجمة السابقة، وذلك لأن الغرض من الترجمة الأولى بيان مشروعيتها خلافًا لما حكي عن مالك وغيره من الكراهة ذاهبًا إلى أن المراد من المصافحة أن يصفح بعضهم عن بعض، من الصفح وهو التجاوز، كما هو معروف عن الإمام مالك، فأثبت المصنف بالترجمة المصافحة بالمعنى المعروف المتبادر عند الجمهور، ولذا ذكر فيه حديث ابن مسعود: "كفي بين كفيه". وأما هذه الترجمة فأشار بها إلى كيفية المصافحة وهي أن تكون باليدين كما يظهر من أثر حماد وحديث الباب المرفوع، أو يقال: إن الغرض من الترجمة الأولى بيان كيفية المصافحة باليدين، فإن المصافحة باليدين تحتمل صورًا مختلفة كما بسط في "الأوجز" (٣)، والبسط في هامش "اللامع" (٤) فارجع إليه لو شئت. وقد تقدم بحث المصافحة باليد أو اليدين في الباب السابق.
(٢٩ - باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبحت ؟)
هذه الترجمة مشكلة جدًّا، وذلك لأنه ليس في حديث الباب ذكر الجزء الأول من جزئي الترجمة أصلًا، وذكر الثانية بلفظ: كيف أصبح؟ قالوا: وهذا يكفي للمناسبة، وأما الجزء الأول من الترجمة فذكر في حاشية النسخة "الهندية" (٥) أنها ترجمة مستقلة لم يذكر لها الحديث، وكان بين
стр. 3345
الترجمتين بياض لكن جمع بينهما الكاتب، والمناسب له معانقته ﷺ الحَسَنَ كما تقدم في "كتاب البيوع" في "باب ما ذكر في الأسواق"، وكذا تقدم قريبًا في "باب السخاب للصبيان" فكأدن البخاري أشار إلى هذا الحديث وذكر حديث الباب بلفظ "يا أبا حسن" رمزًا إلى الحسن تشحيذًا للأذهان، انتهى.
وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (١): لم يذكر في المعانقة حديثًا بل ذكره في البيع في معانقته ﷺ للحسن، فيحتمل أنه اكتفى هنا بذلك، أو أنه كما قيل: قصد أن يسوقه هنا فلم يستحضر له غير السند السابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السند الواحد، فأدركه الموت قبل أن يقع له ما يوافق ذلك، انتهى.
وأما الشيخ الإمام الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه فإنه قد أثبت جزئي الترجمة بالمقايسة حيث قال (٢): والجزءان من الترجمة يتوقف إثباتهما على نوع مقايسة، فإن المعانقة غاية في المواجهة وأثر يترتب على المخالة، فإذا جازت المواجهة وكانت الخلة باعثة عليها لربما أدّت إلى المعانقة، وأما قولهم: "أصبحت" فإن السؤال لما ثبت عن حال الغائب كان سؤاله عن حال الحاضر المخاطب أظهر في الجواز، وأيضًا فإن السؤال عن حاله ﷺ كان يتضمن المسألة عن حال أهل البيت بأسرهم، ومنهم علي ﵁ وهو المخاطب في هذا الكلام فثبت بالسؤال عن حاله ﵊ جواز المسألة عن حال المخاطب وإن كانت الدلالة عليه تضمنية، انتهى.
وأما حكم المعانقة وهو المقصود من ترجمة الباب فقد تقدم فيه خلاف مالك في "باب المصافحة"، وروي عنه ما يدل على أنه رجع عن القول بالكراهة، فقد قال الحافظ (٣): قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة فكرهها مالك وأجازها ابن عيينة، ثم ساق قصتهما في ذلك، أخرجها ابن عساكر في "تاريخه" قال: استأذن سفيان بن عيينة على مالك
стр. 3346
فأذن له فقال: السلام عليكم، فردّوا عليه ثم قال: السلام خاصّ وعامّ، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته فقال: وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته، ثم قال: لولا أنها بدعة لعانقتك، قال: قد عانق من هو خير منك، قال: جعفر؟ قال: نعم. ثم قال الحافظ: قال الذهبي في "الميزان": هذه الحكاية باطلة وإسنادها مظلم، انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" (١): واختلف العلماء في معانقة الرجل للرجل القادم من سفر، فكرهها مالك وقال: هي بدعة، واستحبها سفيان وغيره وهو الصحيح الذي عليه الأكثرون والمحققون، وتناظر مالك وسفيان في المسألة فاحتج سفيان بأن النبي ﷺ فعل ذلك بجعفر حين قدم، فقال مالك: هو خاص به، فقال سفيان: ما نخصه بغير دليل، فسكت مالك. قال القاضي عياض: وسكوت مالك دليل لتسليمه، قولَ سفيان وموافقته، وهو الصواب، انتهى.
وأما مذهب الحنفية فذكر ابن عابدين (٢): قال في "الهداية": ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه أو يعانقه.
وذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة لما روي "أنه ﵇ عانق جعفرًا حين قدم من الحبشة وقبّله بين عينيه". ولهما ما روي "أنه ﵇ نهى عن المكامعة" وهي المعانقة "وعن المكاعمة" وهي التقبيل، وما رواه محمول على ما قبل التحريم، قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد، أما إذا كان عليه قميص أو جبة لا بأس به بالإجماع وهو الصحيح، انتهى.
(٣٠ - باب من أجاب بلبيك وسعديك)
قال العلامة الكرماني (٣): قال ابن بطال: معنى "لبيك": أنا مقيم على
стр. 3347
طاعتك، من قولهم: لبّ فلان بالمكان: إذا أقام به، وقيل: معناه: إجابة بعد إجابة، ومعنى "سعديك": إسعادًا لك بعد إسعاد، انتهى.
قال العلامة العيني (١): وهذا من المصادر التي حذف فعلها لكونه وقع مثنى، وذلك يوجب حذف فعله قياسًا؛ لأنهم لما ثنوه صار كأنهم ذكروه مرتين فكأنه قال: لبًّا لبًّا، وأما سعديك فمعناه في العبادة: أنا متبع أمرك غير مخالف لك فأسعدني على متابعتك إسعادًا بعد إسعاد، وأما في إجابة المخلوق فمعناه: أسعدك إسعادًا بعد إسعاد، أي: مرة بعد أخرى، انتهى.
وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولعل الغرض منه الردّ لما حكي عن مالك من كراهة ذلك كما في "الشرح الكبير" (٢)، وأوَّلَه بأن مراده استعمال تلبية الحج لا مطلق لبيك، وترجم الإمام أبو داود في "سننه" (٣) على هذا المعنى بقوله: "باب الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك".
(٣١ - باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه)
هكذا ترجم بلفظ الخبر، وهو خبر معناه النهي، وقد رواه ابن وهب بلفظ النهي: "لا يقم" وفي رواية عند مسلم "لا يقيمنّ" بلفظ النهي المؤكد، انتهى من "الفتح" (٤).
قال الكرماني (٥): وهو نفي في معنى النهي، فقيل: إنه للتحريم، وقيل: للتنزيه، وهو من باب الآداب ومحاسن الأخلاق، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٦): وظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنه مخصوص بالمجالس المباحة كالمساجد ومجالس الحكام والعلم وغيرها، وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3348
(٣٢ - باب قول الله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ. . .﴾ [المجادلة: ١١]) إلخ
كذا في النسخة "الهندية" والشروح الثلاثة سوى نسخة "الكرماني"، فإن فيها: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بلفظ الجمع.
قال القسطلاني (١): وقرأ عاصم ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع اعتبارًا بأن لكل واحد مجلسًا، والمراد مجلس رسول الله ﷺ ، ثم ذكر شأن نزول الآية.
وقال أيضًا: وعن ابن عباس: هي مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. قال الحسن: كانوا يتشاحُّون على الصف الأول فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة، فنزلت، والظاهر أن الحكم يطرد في مجالس الطاعات وإن كان السبب خاصًا، انتهى.
(٣٣ - باب من قام من مجلسه أو بيته. . .) إلخ
لم يتعرض الشرَّاح عن غرض الترجمة (٢) وكذا لشرح الترجمة إلا العلامة العيني فإنه قد شرح ألفاظ الترجمة إذ قال (٣): أي: هذا باب يذكر فيه من قام من مجلسه وكان عنده ناس أطالوا الجلوس عنده فاستحيى أن يقول لهم: قوموا، وهو معنى "لم يستأذن أصحابه"، وقوله: "أو تهيأ" أي: تجهز للقيام حتى يرى من عنده أنه يريد القيام ليقوموا معه، وهذه الترجمة مسبوكة من معنى حديث الباب، انتهى.
وقال العلامة القسطلاني (٤) تحت حديث الباب: وفيه أنه لا ينبغي لأحد أن يطيل الجلوس بعد قضاء حاجته التي دخل لها، ولصاحب الدار أن يظهر له أن يقوم من عنده ويظهر التثاقل به، انتهى.
стр. 3349
وأما الغرض من الترجمة فما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى جواز ما ذكره في الترجمة لئلا يتوهم أن هذا القيام من غير استئذان، وإظهار التثاقل عند الضيف ينافي ما ورد من قوله ﷺ : "إن لزورك عليك حقًّا"، وأمثال هذا الحديث الواردة في مكارم أخلاقه ﷺ ، وذلك لأن التنبيه على سوء صنيع الضيف لا ينافي مكارم الأخلاق الذي بعث ﷺ لأجل تكميلها وتتميمها.
(٣٤ - باب الاحتباء باليد)
وفي هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (١): أي: باليدين بأن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويدير يديه مثلًا على ساقيه ويمسك إحديهما بالأخرى، انتهى.
قال العلامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان أمر الاحتباء باليد، ولم يبين حكمه اكتفاءً بما دل عليه حديث الباب، والاحتباء مصدر احتبى يحتبي: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامة، قاله الكرماني.
وفسره البخاري بقوله: "وهو القرفصاء"، وأخذه من كلام أبي عبيدة فإنه قال: القرفصاء جلسة المحتبي ويدير ذراعيه ويديه على ساقيه. والقرفصاء بضم القاف وسكون الراء وفتح الفاء وضمها ممدودًا ومقصورًا: ضرب من القعود وهو أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذه ببطنه ويحتبي بيديه فيضعهما على ساقيه، وقيل: جلسة الرجل على أليتيه، انتهى.
قلت: الاحتباء قد يكون بالثوب وقد يكون باليد كما في "الفتح" وغيره، ففي "المجمع" (٣): الاحتباء أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون باليدين، انتهى.
стр. 3350
وأما القرفصاء فهي تكون باليد ففي "المجمع" (١): والقرفصاء هي جلسة المحتبي بيديه، انتهى.
فعلى هذا هي أخص من الاحتباء لكن لا يشكل تفسير المصنف أحدهما بالآخر؛ لأنه قيد الاحتباء بقوله: باليد، ولا شك أنه القرفصاء.
وقال العيني (٢) تحت حديث الباب: قوله: "محتبيًا بيده" الاحتباء قد يكون باليد وقد يكون باليدين، فظاهر هذا الحديث أنه كان باليد، وأما باليدين فقد رواه أبو داود من حديث أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس احتبى بيديه" ورواه البزار وزاد: "نصب ركبتيه"، وروى البزار أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: "جلس عند الكعبة وضمَّ رجليه فأقامهما واحتبى بيديه"، انتهى.
ثم اعلم أنه قد تقدم في "كتاب اللباس" ترجمة المصنف بقوله: "باب الاحتباء في ثوب واحد"، وقد تقدم هناك أن المصنف أشار بقوله: "في ثوب واحد" إلى محمل النهي، وهو أن المنع محمول على ما إذا كان عليه ثوب واحد، وأخرج المصنف هناك حديث أبي هريرة: "نهى رسول الله ﷺ عن لبستين: أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء" الحديث، وثبت بحديث الباب ههنا جلوسه ﷺ محتبيًا بيده، والجمع بينهما هو ما تقدم من أن النهي مقيد بما إذا كان عليه ثوب واحد.
قال العلامة النووي في "شرح مسلم" (٣): وكان الاحتباء عادة العرب في مجالسهم، فإن انكشف معه شيء من عورته فهو حرام، والله أعلم، انتهى.
وهكذا ذكر الحافظ (٤) من أن النهي مقيد بما إذا لم يكن على الفرج شيء، أي: يستره، ومقتضاه أن الفرج إذا كان مستورًا فلا نهي، انتهى.
стр. 3351
وفي "المشكاة" (١) من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد احتبى بيديه" رواه رزين، ولما ثبت الاحتباء منه ﷺ فأقل مراتبه الجواز بل قيل: إنه سُنَّة، قال القاري في "المرقاة" (٢) تحت حديث ابن عمر حديث الباب: المراد به سُنِّية الاحتباء في الجلوس، ذكره ابن الملك، والظاهر أن سُنِّيته لا تحصل بمجرد هذا الفعل، بل هو بيان الجواز ودليل الاستحباب، انتهى.
(٣٥ - باب من اتكأ بين يدي أصحابه. . .) إلخ
قال العيني (٣): قيل: الاتكاء: الاضطجاع، وفي حديث عمر ﵁: "وهو متكئ على سرير" أي: النبي ﷺ مضطجع على سرير بدليل قوله: "قد أثّر السرير في جنبه"، وقال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكن منه فهو متكئ، انتهى.
وقد بسط الحافظ (٤) الكلام في تفسير الاتكاء والفرق بينه وبين الاضطجاع، وفي هامش المصرية عن "شرح شيخ الإسلام" (٥): والاتكاء ههنا بقرينة حديث الباب الاضطجاع على الجنب، وفي حديث "لا آكل متكئًا" الاستواء قاعدًا متمكنًا، قال ابن الأثير: المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطاء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مَالَ في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، قال: ومعنى حديث "لا آكل متكئًا" أي: إذا أكلت لم أقعد متكئًا مثل من يريد الاستكثار منه، ولكن آكل بُلْغَةً فيكون قعودي له مستوفزًا، انتهى.
وقال الحافظ (٦): نقل ابن العربي عن بعض الأطباء أنه كره الاتكاء، وتعقبه بأن فيه راحة كالاستناد والاحتباء، قال المهلب: يجوز للعالم
стр. 3352
والمفتي والإمام الاتكاءُ في مجلسه بحضرة الناس لألمٍ يجده في بعض أعضائه، أو لراحة يرتفق بذلك، انتهى.
(٣٦ - باب من أسرع في مشيه لحاجة)
أي: لسبب من الأسباب.
وقوله: (أو قصد) أي: لأجل قصد شيء معروف، والقصد هنا بمعنى المقصود، أي: أسرع لأمر مقصود، قال ابن بطال: في الحديث جواز إسراع الإمام في حاجته، وقد جاء أن إسراعه ﵊ في دخوله إنما كان لأجل صدقة أحبّ أن يفرقها في وقته.
ثم قال الحافظ (١): وقوله في الترجمة: "لحاجة أو قصد" يشعر بأن مشيه لغير الحاجة كان على هينته، ومن ثم تعجبوا من إسراعه فدل على أنه وقع على غير عادته، فحاصل الترجمة أن الإسراع في المشي إن كان لحاجة لم يكن به بأس، وإن كان عمدًا لغير حاجة فلا، انتهى.
قلت: وعندي أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن الإسراع في المشي إذا كان لحاجة لا ينافي الوقار والتؤدة.
(٣٧ - باب السرير)
قال العلامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان حكم اتخاذ السرير، وهو معروف، قال الراغب: إنه مأخوذ من السرور لأنه في الغالب لأولي النعمة، انتهى.
والظاهر أن المصنف أشار به إلى أن اتخاذ السرير لا ينافي الزهد.
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث عائشة وهو ظاهر فيما ترجم له، قال ابن بطال: فيه جواز اتخاذ السرير والنوم عليه، انتهى.
стр. 3353
(٣٨ - باب من ألقي له وسادة)
قال الحافظ (١) في شرح الحديث: قوله: "فألقيت له وسادة" قال المهلب: فيه إكرام الكبير، وجواز زيارة الكبير تلميذه، وتعليمه في منزله ما يحتاج إليه في دينه، وإيثار التواضع وحمل النفس عليه، وجواز ردّ الكرامة حيث لا يتأذى بذلك من تردّد عليه، انتهى.
(٣٩ - باب القائلة بعد الجمعة)
أي: بعد صلاة الجمعة، وهي النوم في وسط النهار عند الزوال وما قاربه من قبلُ أو بعدُ، ويقال لها أيضًا القيلولة، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال العيني (٣): قال ابن الأثير: المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، انتهى.
قال الحافظ (٤): وأخرج ابن ماجه وابن خزيمة من حديث ابن عباس رفعه: "استعينوا على صيام النهار بالسحور، وعلى قيام الليل بالقيلولة"، وورد الأمر بها في الحديث الذي أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث أنس رفعه قال: "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" وفي سنده كثير بن مروان وهو متروك، وأخرج سفيان بن عيينة في "جامعه" من حديث خوات بن جبير ﵁ موقوفًا قال: "نوم أول النهار حرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق"، وسنده صحيح، انتهى.
(٤٠ - باب القائلة في المسجد)
قال الحافظ (٥) تحت حديث الباب: قال المهلب: فيه جواز النوم في المسجد من غير ضرورة إلى ذلك، وعكسه غيره، وهو يظهر من سياق القصة، انتهى.
стр. 3354
قلت: والمسألة خلافية تقدمت المذاهب فيها في أبواب المساجد، فقد ترجم المصنف هناك "باب نوم الرجال في المسجد"، وجملة المذاهب فيه ما قال النووي في "شرح مسلم" (١): يجوز النوم عندنا في المسجد، نصّ عليه الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم"، قال ابن المنذر: رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي.
وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدًا، وروي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه للصلاة فلا بأس، وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد، وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر، ثم ذكر قول أحمد مثل قول مالك. وأما عندنا الحنفية فقد عدّ صاحب "الدر المختار" في ما يكره في المسجد النومَ لغير المعتكف.
(٤١ - باب من زار قومًا فقال عندهم)
من القيلولة، أي: نام عندهم نصف النهار، ومطابقة حديثي الباب بالترجمة ظاهرة، وأشار العلامة السندي (٢) إلى غرض الترجمة فقال: أي: قوله تعالى ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وإن كان بحسب الظاهر مطلقًا لكنه مقيد معنىً بحال عدم الداعي ونحوه، انتهى.
(٤٢ - باب الجلوس كيفما تيسر منه)
قال العلامة العيني (٣): أي: بيان جواز الجلوس كيفما تيسر، ويستثنى منه ما نهي عنه في حديث الباب على ما يأتي الآن، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): مطابقة الحديث لما ترجم من حيث إنه خص النهي بحالتين، فيفهم منه أن ما عداهما ليس منهيًّا عنه؛ لأن الأصل عدم
стр. 3355
النهي فالأصل الجواز، نعم نقل ابن بطال عن ابن (١) طاوس أنه كان يكره التربع ويقول: هي جلسة مهلكة. لكن عورض "بأن رسول الله ﷺ كان إذا صلى الفجر تربّع في مجلسه حتى تطلع الشمس" رواه مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة، انتهى.
وتعقب العلامة السندي (٢) كلام القسطلاني في بيان المطابقة إذ قال: وفيه أنه ﷺ نهى عن حالتي اللبس لا عن حالتي الجلوس حتى يحسن الاستدلال على جواز ما عدا حالتي الجلوس، وأيضًا لم يرد النبي ﷺ الحصر، ولا في الحديث ما يدل عليه، كيف وقد نهى عن البيعتين مع أن المنهي عنه من البيوع أكثر من أن يحصر، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الحافظ الكلام في وجه المطابقة.
(٤٣ - باب من ناجى بين يدي الناس. . .) إلخ
قال العلامة العيني (٣) في شرح ترجمة الباب: "ومن لم يخبر" أي: في بيان من لم يخبر بسر صاحبه في حياة صاحبه إلخ.
والحاصل: أن هذه الترجمة مشتملة على شيئين لم يوضح الحكم فيهما اكتفاء بما في الحديث، أما الأول فحكمه جواز مساررة الواحد بحضرة الجماعة، وليس ذلك من نهيه عن مناجاة الاثنين دون الواحد؛ لأن المعنى الذي يخاف من ترك الواحد لا يخاف من ترك الجماعة، وذلك أن الواحد إذا سارّوا دونه وقع بنفسه أنهما يتكلمان فيه بالسوء، ولا يتفق ذلك في الجماعة.
وأما الثاني فحكمه أنه لا ينبغي إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسرّ، إلى آخر ما ذكر، ثم قال: وهذا حاصل معنى الترجمة المذكورة، وبه يتضح أيضًا معنى الحديث، انتهى.
стр. 3356
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من الجزء الأول من جزئي الترجمة بيان أن النجوى والمساررة بواحد إذا كان بمحضر من الجماعة فلا ينافي إكرامهم، وليست هذه الترجمة من قبيل مناجاة الاثنين دون الواحد كما ذكره العيني، وحكاه الحافظ أيضًا عن ابن بطال، وذلك لأن ما ذكره الشرَّاح ههنا في بيان الغرض سيأتي مستقلًا بعد ثلاثة أبواب، وهو قوله: "باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمساررة" إلخ، فتأمل فإنه لطيف.
(٤٤ - باب الاستلقاء)
قال الحافظ (١): هو الاضطجاع على القفا، سواء كان معه نوم أم لا، وقد تقدمت هذه الترجمة وحديثها في آخر "كتاب اللباس" قبيل "كتاب الأدب"، انتهى.
قلت: فعلى هذا يشكل التكرار ولم يتعرض الشرَّاح للجواب عنه، وعندي يمكن أن يقال في وجه الفرق بينهما: أن المصنف ذكره سابقًا لمناسبة اللباس لاحتمال الكشف في هذه الصورة، وههنا ذكره لبيان الجواز لورود النهي عنه، ويمكن أيضًا أن يقال: إن المقصود في الترجمة السابقة هو الجزء الثاني من الترجمة، وهو وضع الرجل على الأخرى، والمقصود ههنا نفس الاستلقاء، وقد تقدم أيضًا في أبواب المساجد "باب الاستلقاء في المسجد"، وتقدم هناك الكلام على الجمع بين الروايات المختلفة الواردة في ذلك، وكذا ذكر مذاهب العلماء فيه.
(٤٥ - باب لا يتناجى اثنان دون الثالث. . .) إلخ
أي: لا يتحدّثان سرًّا، وسقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، وأشار بإيراد الآيتين إلى أن التناجي الجائز المأخوذ من مفهوم الحديث مقيد بأن
стр. 3357
لا يكون في الإثم والعدوان، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وهكذا قال العيني وتبعهما القسطلاني، لكن ما أفاده هؤلاء الشرَّاح هو يتعلق بالآية الأولى فقط، ولا ينطبق على الآية الثانية وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية [المجادلة: ١٢] كما لا يخفى، وقد تعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) فأجاد حيث أفاد: ومناسبة الآيتين بالترجمة خفية إلا أن يقال: إنّ تناجي اثنين إذا كان سببًا لمساءة الثالث كان ذلك تناجيًا بالإثم والعدوان وهو منهي عنه، فكان إيراد الآية ههنا تعميمًا لها حتى يدخل فيه تلك الجزئية، وأن التناجي لا بد وأن يكون على حسب قواعده المقررة وآدابه المعلومة دل عليه الآية الثانية، فإن خصوص تقديم الصدقة وإن كان منسوخًا، غير أن ما تضمنته هذه الآية من كون النجوى على حسب الآداب غير منسوخ، سواء كانت النجوى بالرسول ﷺ أو غيره، انتهى.
وذكر في هامش "الكوكب الدري" (٣) في شرح حديث الباب سبعة أبحاث: الأول: علة النهي. والثاني: ما قال بعضهم: إن هذا الحكم منسوخ. والثالث: ما قال الجمهور: لا فرق في ذلك بين السفر والحضر. والرابع: أن ذكر الاثنين في أحاديث الباب ليس بقيد احترازي. والخامس: أن النهي إذا كان بغير رضا الثالث. والسادس: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. والسابع: هل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ بسط الكلام على هذه المباحث في هامش "الكوكب"، فارجع إليه لو شئت.
(٤٦ - باب حفظ السر)
أي: ترك إفشائه لأنه أمانة وحفظها واجب، وعند ابن أبي شيبة من حديث جابر مرفوعًا: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة"،
стр. 3358
وعند عبد الرزاق من مرسل أبي بكر بن حزم: إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحد أن يفشي على صاحبه ما يكره، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٤٧ - باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة)
بتشديد الراء "والمناجاة" من بعض دون بعض؛ لعدم توهم الحاصل بين الثلاثة، قاله القسطلاني (٢).
وقال في شرح الحديث: والغرض من الحديث قوله: "فأتيته وهو في ملأ فساررته"؛ لأن فيه دلالة على أن أصل المنع يرتفع إذا بقي جماعة لا يتأذون بالسرار، نعم إذا أذن من بقي ارتفع المنع، وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في المنع بين السفر والحضر وهو قول الجمهور، وخصّ ذلك بعضهم بالسفر في الموضع الذي لا يأمن فيه الرجل على نفسه، فأما في الحضر والعمارة فلا بأس، وقيل: إن هذا كان في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن الناس سقط هذا الحكم، والصحيح بقاء الحكم والتعميم، والله أعلم، انتهى.
(٤٨ - باب طول النجوى)
قال القسطلاني (٣): في "اللباب": النجوى يكون اسمًا ومصدرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: متناجون، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] قوله: "والمعنى يتناجون" وقال الأزهري: أي: هم ذو نجوى، انتهى.
стр. 3359
(٤٩ - باب لا تترك النار في البيت عند النوم)
قول: (لا تترك) بضم الفوقية مبني للمفعول، و"النار" رفع نائب عن الفاعل، قوله: "في بيوتكم حين تنامون" قيد به لحصول الغفلة به غالبًا، نعم إذا أمن الضرر كالقناديل المعلقة فلا بأس.
قال النووي تحت قوله: "وأطفئوا المصابيح" إلخ: وهذا الأمر عام يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٥٠ - باب إغلاق الأبواب بالليل)
كذا في النسخة "الهندية" ونسخ الشروح سوى "الفتح"، فإن فيها: "غلق الأبواب".
قال الحافظ (٢): الإغلاق هو الفصيح، وقال عياض: هو الصواب، قلت: لكن الغلق ثبت في لغة نادرة، انتهى.
قال القسطلاني (٣): قوله: "وغلقوا الأبواب" حراسةً للأنفس والأموال من أهل الفساد ولا سيما الشيطان، قوله: "أوكئوا الأسقية" صيانة من الشيطان، فإنه لا يكشف غطاء ولا يحلّ سقاء، واحترازًا من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة من السماء كما روي، وقيل: إنها في كانون الأول، انتهى.
قلت: وقد تقدم في بدء الخلق زيادة في هذا الحديث لم تذكر ههنا وهي قوله: "فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا"، قال القاري في "المرقاة" (٤): قوله: "لا يفتح بابًا مغلقًا" أي: بابًا أغلق مع ذكر اسم الله عليه كما في
стр. 3360
رواية، والمعنى أنه لا يقدر على فتحه لأنه غير مأذون فيه، بخلاف إذا كان مفتوحًا أو مغلقًا لكن لم يذكر اسم الله عليه، قال ابن الملك: وعن بعض الفضلاء أن المراد بالشيطان شيطان الإنس لأن غلق الأبواب لا يمنع شياطين الجن، وفيه نظر؛ لأن المراد بالغلق الغلق المذكور فيه اسم الله تعالى، فيجوز أن يكون دخولهم من جميع الجهات ممنوعًا ببركة التسمية، وإنما خص الباب بالذكر لسهولة الدخول منه، فإذا منع منه كان المنع من الأصعب بالأولى. ثم رأيت في "الجامع الصغير" برواية أحمد عن أبي أمامة مرفوعًا وفيه: "فإنه لم يؤذن لهم بالتسور عليكم"، انتهى.
(٥١ - باب الختان بعد ما كبر)
وفي نسخة الحافظ: "بعد الكبر"، والكبر بكسر الكاف وفتح الموحدة.
قال الكرماني (١): وجه مناسبة هذه الترجمة بـ "كتاب الاستئذان" أن الختان يستدعي الاجتماع في المنازل غالبًا، قاله الحافظ.
وقد تقدم الكلام على وجه إدخال مثل هذه التراجم في هذا الكتاب في مبدء "كتاب الاستئذان".
ثم قال الحافظ (٢) تحت حديث الباب: يستدل بقصة إبراهيم ﵇ لمشروعية الختان حتى لو أخّر لمانع حتى بلغ السنَّ المذكور لم يسقط طلبه، وإلى ذلك أشار البخاري بالترجمة، وليس المراد أن الختان يشرع تأخيره إلى الكبر، انتهى.
ثم اختلفوا في حكم الختان فقال الحافظ (٣): وقد ذهب إلى وجوب الختان الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى لو أسلم
стр. 3361
الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض، وعنه سُنَّة يأثم بتركه، انتهى.
وفي "الدر المختار" (١): والأصل أن الختان سُنَّة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر، وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى.
وفي "المغني" (٢) لابن قدامة: واجب عند الشافعي وأحمد، ولذا يجوز له كشف العورة، سُنَّة عند مالك وأبي حنيفة، انتهى.
قلت: وما قال الموفق في تأييد مسلكه من قوله: ولذا يجوز له كشف العورة، يستفاد جوابه من جانب الحنفية مما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) إذ قال: قوله: "بعد ما كبر. . ." إلخ، فيه دلالة على أن فرض الستر ساقط عند ذاك بإجازة الشرع كما يدل عليه استمرار عادات الصحابة ﵃ أجمعين، ونظير سقوط الستر لعذر الختان سقوطه عند الولادة والعلاج وغير ذلك مما ليس شيء منها واجبًا ولا فرضًا، انتهى.
قوله: (ونتف الإبط) قال الشيخ في "البذل" (٤): أي: قلع شعره بحذف المضاف، وعلم منه أن حلقه ليس بسُنَّة، وقيل: النتف أفضل لمن قوي عليه، قال في "الدر المختار" و"شرحه": وتنظيف بدنه بنحو إزالة الشعر من إبطيه، ويجوز فيه الحلق، والنتف أولى، انتهى.
وفي هامش "البذل": قال ابن رسلان: حكي عن يونس قال: دخلت على الشافعي وعنده من يحلق إبطه فقال: أَعْلَم أن السُّنَّة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع، انتهى.
стр. 3362
(٥٢ - باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله)
أي: كمَنِ الْتَهى بشيء من الأَشياء مطلقًا سواء كان مأذونًا في فعله أو منهيًا عنه، كمن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذكر أو تفكر في معاني القرآن مثلًا حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمدًا، فإنه يدخل تحت هذا الضابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها، ثم قال: أول هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه: "كل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله" الحديث، وكأنه لما لم يكن على شرط المصنف استعمله لفظ ترجمة.
ثم قال الحافظ في شرح الحديث: قال الكرماني: وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة والترجمة بالاستئذان أن الداعي إلى القمار لا ينبغي أن يؤذن له في دخول المنزل، ومناسبة بقية حديث الباب للترجمة أن الحلف باللات لهو يشغل عن الحق بالخلق فهو باطل (١)، انتهى.
(٥٣ - باب ما جاء في البناء)
أي: من منع وإباحة، والبناء أعم من أن يكون بطين أو مدر أو بخشب أو من قصب أو من شعر.
قوله: (قال أبو هريرة. . .) إلخ، وقد تقدم هذا الحديث موصولًا مطولًا في "كتاب الإيمان"، وأشار بإيراد هذه القطعة إلى ذمّ التطاول في البنيان، وفي الاستدلال بذلك نظر، وقد ورد في ذم تطويل البناء صريحًا ما أخرج ابن أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر: "إذا رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع نودي: يا فاسق إلى أين؟ " وفي سنده ضعف مع كونه موقوفًا، وأخرج الترمذي وصححه من حديث خباب رفعه: "يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا
стр. 3363
التراب، أو قال: البناء"، وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "مر بي النبي ﷺ وأنا أطين حائطًا فقال: الأمر أعجل من ذلك"، وصححه الترمذي وابن حبان، وأخرج أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه: "أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا" أي: إلا ما لا بد منه، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "البذل" (٢) في شرح قوله: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك": كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في تقريره: ليس فيه نهي عما كانوا فيه من الإصلاح، بل المقصود تذكيرهم المنية والتنبيه على أن المرء لا ينبغي له أن يلهو بشيء من المشاغل عن مصيره وعاقبته، انتهى.
وأما مطابقة الحديث بالترجمة فما في هامش "اللامع" (٣) من "تقرير المكي": قوله: "بنيت بيدي. . ." إلخ، إشارة إلى صغر ذلك البنيان لأنه إذا بناه بيده وحده ولم يشاركه أحد في بنائه فما ظنك بأنه لا يكون صغيرًا، انتهى.
وقال الحافظ (٤): قوله: "ما أعانني عليه أحدٌ" هو تأكيد لقوله: "بنيت بيدي"، وإشارة إلى خفة مؤنة، انتهى.
ثم ما وقع في الحديث من التعارض في قوله: "والله لقد بنى. . ." إلخ، ذكر الكلام عليه في "اللامع" (٥) وهامشه فارجع إليه.
ثم البراعة في قوله: "منذ قبض النبي ﷺ " (٦).
* * *
стр. 3364
٨٠ - كتاب الدعوات
قال الحافظ (١) في ذكر مناسبة الترتيب بين الأبواب والكتب: ولما كان السلام والاستئذان سببًا لفتح الأبواب السفلية أردفها بالدعوات التي هي فتح الأبواب العلوية، ولما كان الدعاء سبب المغفرة ذكر الاستغفار، ولما كان الاستغفار سببًا لهدم الذنوب قال: باب التوبة، ثم ذكر الأذكار الموقتة وغيرها والاستعاذة، انتهى من مقدمة "اللامع" (٢).
قال الحافظ (٣): الدعوات بفتح المهملتين جمع دعوة بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة، والدعاء الطلب، والدعاء إلى الشيء الحثُّ على فعله، ويطلق أيضًا على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣]، ويطلق الدعاء أيضًا على العبادة، والدعوى بالقصر الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ١٠]، انتهى.
قال القاري في "المرقاة" (٤): والدعاء طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئًا على جهة الاستكانة، انتهى.
وفي "الفيض" (٥): الدعاء في عرف القرآن والحديث أطلق على معنيين: الأول: ذكره تعالى، ثم اشتهر في زماننا في طلب الحاجة. والثاني: هو الدعوة مطلقًا كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، ثم إن باب الأدعية لا يزال يجري حتى في الجنة أيضًا، أما الأحكام فإنها تنتهي بانتهاء نشأة الدنيا، فكم من فرق بين الفاني والباقي، وأنَّى يلتقي السهيل مع السُّها، والثريا مع الثرى، انتهى.
стр. 3365
(١ - باب قول الله تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠])
هكذا في النسخة "الهندية"، وعليه علامة النسخة، وليس في شيء من نسخ الشروح الأربعة ولا النسخة المصرية لفظ "باب"، وهو الأظهر؛ لأن المصنف لم يذكر فيه حديثًا.
قال الحافظ (١): وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دلّ على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، واستدلوا بحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ الآية" أخرجه الأربعة والحاكم، وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كالحديث الآخر: "الحج عرفة" أي: معظم الحج وركنه الأكبر، إلى آخر ما ذكر الحافظ من الروايات الواردة في ذلك.
ثم قال الحافظ (٢): وحكى القشيري في "الرسالة" الخلاف في المسألة فقال: اختلف أيّ الأمرين أولى: الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل، ويصح أن يقال: ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل، وعبّر ابن بطال (٣) عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
وقال القاري (٤): قال النووي: أجمع أهل الفتاوى في الأمصار في جميع الأعصار على استحباب الدعاء، وذهب طائفة من الزهاد وأهل
стр. 3366
المعارف إلى أن تركه أفضل استسلامًا، وقال جماعة: إن دعا للمسلمين فحسن وإن خصّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد باعثًا للدعاء استحب وإلا فلا، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسُّنَّة والأخبار الواردة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، انتهى.
قلت: وأجاد شيخنا حضرة الحاج مولانا خليل أحمد نوّر الله مرقده في رسالة "إتمام النعم في ترجمة تبويب الحكم" باللغة الأردية، وكذا شارحه مولانا عبد الله الكَنكَوهي في شرح هذه الرسالة المطبوعة باسم "إكمال الشيم" الكلام على الفرق بين دعاء العارفين وبين دعاء غيرهم من عامة الناس.
(٢ - باب ولكل نبي دعوة مستجابة)
كذا في النسخة "الهندية"، وهكذا في نسخة "الفتح"، وأما في نسخة "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني" ففيها بدون لفظ "باب".
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وسقط لفظ "باب" لغيره، فصار من جملة الترجمة الأولى، ومناسبتها للآية الإشارة إلى أن بعض الدعاء لا يستجاب عينًا. ثم قال في شرح الحديث: وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ﷺ ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب، إلى آخر ما ذكر من الأقوال في شرح الحديث.
стр. 3367
وقال القاري في "المرقاة" (١): قوله: "لكل نبي دعوة مستجابة. . ." إلخ، أي: في حق مخالفي أمته جميعهم بالاستئصال، وقيل: معناه أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة بخلاف بقية دعواته فإنها على طمع الإجابة، انتهى.
(٣ - باب أفضل الاستغفار. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): سقط لفظ "باب" لأبي ذر، ووقع في شرح ابن بطال بلفظ: "فضل الاستغفار"، وكأن المصنف أراد إثبات مشروعية الحثِّ على الاستغفار بذكر الآيتين، ثم بيَّن بالحديث أولى ما يستعمل من ألفاظه، والترجمة بالأفضلية، ووقع الحديث بلفظ السيادة، وكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية، ومعناها الأكثر نفعًا لمستعمله، انتهى.
(٤ - باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة)
قال الحافظ (٣): أي: وقوع الاستغفار منه، أو التقدير مقدار استغفاره في كل يوم، ولا يحمل على الكيفية لتقدم بيان الأفضل، وهو لا يترك الأفضل، انتهى.
وقد تكلم الحافظ ههنا على شرح ما وقع عند مسلم وأبي داود من حديث: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة"، ثم قال الحافظ (٤) بعد شرح هذا الحديث: وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، فارجع إليه لو شئت.
(فائدة): أفاد العلامة الزرقاني (٥) في شرح قوله: فقال: "لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر" الحديث، قوله:
стр. 3368
غفر الله لك، أي: ستر وحال بينك وبين الذنب، فلا يقع منك ذنب أصلًا؛ لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب وإما بين الذنب وعقوبته، فاللائق بالأنبياء الأول وبأممهم الثاني، فهو كناية عن العصمة، وهذا قول في غاية الحسن، انتهى.
(٥ - باب التوبة)
أشار المصنف بإيراد هذين البابين وهما الاستغفار ثم التوبة في أوائل كتاب الدعاء إلى أن الإجابة تسرع إلى من لم يكن متلبسًا بالمعصية، فإذا قدم التوبة والاستغفار قبل الدعاء كان أمكن لإجابته، وما ألطف قول ابن الجوزي إذ سئل: أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور، والتوبة ترك الذنب على أحد الوجه، وفي الشرع: تركُ الذنب لقبحه، والندمُ على فعله، والعزمُ على عدم العود، وردُّ المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها، ثم حكى الحافظ عن القرطبي كلامًا مبسوطًا في شرح حقيقة التوبة (١).
(٦ - باب الضجع على الشق الأيمن)
الضجع بفتح أوله وسكون الجيم مصدر، يقال: ضجع الرجل يضجع ضجعًا وضجوعًا، فهو ضاجع، والمعنى وضع جنبه بالأرض، وفي رواية "باب الضجعة" وهو بكسر أوله؛ لأن المراد الهيئة، ويجوز الفتح، أي: المرة. ذكر فيه حديث عائشة وقد مضى في "كتاب الصلاة"، وترجم له "باب الضجع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر"، وذكر المصنف هذا الباب والذي بعده توطئة لما يذكر بعدهما من القول عند النوم، انتهى من "الفتح" (٢).
стр. 3369
ويشكل ههنا أن من حق هذا الباب أن يذكر في "كتاب الآداب"؟
قال الكرماني (١): فإن قلت: ما وجه تعلقه بـ "كتاب الدعوات"؟ قلت: يعلم من سائر الأحاديث أنه كان يدعو عند الاضطجاع.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا الباب وأمثاله - من "باب إذا بات طاهرًا"، و"وضع اليد تحت الخد"، و"النوم على الشق الأيمن" - لها تعلقًا خاصًّا بـ "كتاب الدعوات"، وهو التنبيه على أن الهيئات الواردة في الحديث في الأدعية المخصوصة مقصودة ليست باتفاقية، ونظيره في حديث البراء في الباب الآتي أنه ﷺ أمر البراء ﵁ بلفظ: "نبيك الذي أرسلت" وغيّره البراء ﵁ وقت الاستذكار به بقوله: "ورسولك الذي أرسلت"، فأنكر عليه النبي ﷺ مع كون الرسول أفضل من النبي، فكما أن للألفاظ المنقولة بلسانه الشريف ﷺ خصيصة فكذا للهيئات المخصوصة في الأدعية المخصوصة أثر خاص في تأثير هذه الأدعية، انتهى.
(٧ - باب إذا بات طاهرًا وفضله)
وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث ليست على شرطه، منها حديث معاذ رفعه: "ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة فيتعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة نحوه، وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر رفعه: "من بات طاهرًا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللَّهم اغفر لعبدك فلان" (٢).
ثم قال الحافظ (٣) في شرح الحديث: قال النووي: في الحديث ثلاث سنن مهمة: إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضيًا كفاه لأن
стр. 3370
المقصود النوم على طهارة. ثانيها: النوم على اليمين. ثالثها: الختم بذكر الله، انتهى من "الفتح".
وقال الكرماني (١): وفيه استحباب الوضوء عند النوم ليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلاعب الشيطان به، وأما كون النوم على الأيمن فلأنه أسرع إلى الانتباه، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): والأمر للندب لئلا يأتيه الموت بغتة فيكون على هيئة كاملة، ثم ذكر ما تقدم عن الكرماني.
وقال الحافظ (٣): وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على من قال "الرسول" بدل "النبي" أن ألفاظ الأذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، انتهى.
(تنبيه): قلت: وما اشتهر بينهم من كون النوم مستقبل القبلة وعدُّوه من جملة الآداب المستحبة لم يتعرض له الشرَّاح ههنا ولا النووي في "الأذكار" ولا الجزري في "الحصن" ولا ابن القيم في "الهدي" ولا الزرقاني في "شرح المواهب" ولا شارح "الإحياء"، وقد ترجم الإمام أبو داود في آخر السنن بقوله: "باب كيف يتوجه الرجل عند النوم"؟ وأورد فيه عن أبي قلابة عن بعض آل أم سلمة قال: "كان فراش النبي ﷺ نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره، وكان المسجد عند رأسه" (٤).
وفي "هامشه" عن "فتح الودود": قوله: "نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره" أي: على هيئة وضع الإنسان في القبر، انتهى.
قال صاحب "عون المعبود" (٥): وأورد السيوطي هذا الحديث برواية المؤلف في "الجامع الصغير" بلفظ: "نحوًا مما يوضع الإنسان في قبره"
стр. 3371
وقال العلامة العزيزي في شرحه: "مما يوضع" أي: من الفراش الذي يفرش للميت في قبره، وقد وضع في قبره ﷺ قطيفة حمراء كان فراشه للنوم نحوها، انتهى.
ولفظ حديث الكتاب وما قال في "فتح الودود" يناسب تبويب المؤلف والله أعلم، انتهى.
قلت: وتبويب الإمام أبي داود صريح في أنه حمل الحديث على بيان الهيئة، وأنه كان كهيئة الاضطجاع في القبر، فصار هذا الحديث أصلًا للنوم مستقبل القبلة.
(٨ - باب ما يقول إذا نام)
قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة لبعضهم وثبتت للأكثر، انتهى.
(٩ - باب وضع اليد تحت الخد اليمنى)
قال الإسماعيلي: ليس في الحديث ذكر اليمنى، وإنما ذلك وقع في رواية شريك ومحمد بن جابر عن عبد الملك بن عمير.
قلت: جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، فطريق شريك هذه (أي: التي أشار إليها الإسماعيلي) أخرجها أحمد من طريقه، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال الكرماني (٣): فإن قلت: الترجمة مقيدة باليمنى فمن أين استفاده؟ قلت: إما من حديث صريح به لم يكن بشرطه، وإما مما ثبت أنه كان يحبُّ التيامن في شأنه كله، انتهى.
стр. 3372
(١٠ - باب النوم على الشق الأيمن)
الفرق بينه وبين ما تقدم من "باب الضجع على الشق الأيمن" ما أفاده الحافظ (١): من أن: بين النوم والضجع عموم وخصوص وجهي.
وقال أيضًا: وخص الأيمن لفوائد: منها أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم، ومنها ما قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نصّ الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن [ساعة] ثم ينقلب إلى الأيسر؛ لأن الأول سبب لانحدار الطعام والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٢): والضجع على الشق الأيمن من نوم الأنبياء ﵈ لأن القلب في الشق الأيسر فلا يزال يتعلق في تلك الضجعة ولا يغرق في النوم، وأما الأطباء فاختاروا النوم على الشق الأيسر فإنه أنفع للصحة. ولما كان نظر الأنبياء ﵈ في عالم الآخرة اختاروا ما كان أنفع فيه، وكان همّ الأطباء في صحة البدن فقط، انتهى مختصرًا.
وقال القاري في "المرقاة" (٣): قيل: أنفع هيئات النوم الابتداءُ بالأيمن، ثم الانقلاب إلى اليسار ثم إلى اليمين، وفيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ؛ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم، بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب يستقر فتكون الاستراحة له بطئًا للانتباه، انتهى.
قلت: هكذا قالوا من أنه ينقلب إلى اليسار بعد الاضطجاع على الأيمن، لكن ظاهر الأحاديث العموم، أي: النوم على الشق الأيمن مطلقًا، ويؤيده أيضًا ما حكى القاري من المصلحة من أن القلب حينئذ يكون معلقًا فيكون أسرع إلى التيقظ فإنه لا يحصل في صورة الانقلاب إلى الأيسر، فتأمل.
стр. 3373
(١١ - باب الدعاء إذا انتبه من الليل)
وفي نسخة "القسطلاني" و"العيني": "بالليل".
قال القسطلاني (١): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: "من الليل".
قوله: (وقال كريب: وسبع في التابوت. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني (٢): أي: سبع من الكلمات أو الأنوار في الصدر الذي هو وعاء القلب تشبيهًا بالتابوت الذي يحرز فيه المتاع، أو التابوت الذي كان لبني إسرائيل فيه السكينة، أو الصندوق، أي: سبع مكتوبة عند كريب لم يحفظها ذلك الوقت، أو المراد بالتابوت حينئذ أن السبعة بجسد الإنسان لا بالمعاني كالجهات الست.
قوله: (وذكر خصلتين) أي: العظم والمخ كما قاله السفاقسي والداودي، وقال في "الكواكب": لعلهما الشحم والعظم، انتهى.
(١٢ - باب التسبيح والتكبير عند المنام)
قال الحافظ (٣): أي: والتحميد، انتهى. وكذا قال القسطلاني.
وقال العيني (٤): وكان ينبغي أن يقول: والتحميد أيضًا؛ لأن حديث الباب يشمل هذه الثلاثة، انتهى.
(١٣ - باب التعوذ والقراءة عند النوم)
ذكر فيه حديث عائشة في قراءة المعوذات، وقد تقدم شرحه في "كتاب الطب"، وبينت اختلاف الرواة في أنه كان يقول ذلك دائمًا أو بقيد الشكوى، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3374
(١٤ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للأكثر من غير ترجمة وسقط لبعضهم، وعليه شرح ابن بطال، والراجح إثباته، ومناسبته لما قبله عموم الذكر عند النوم، وعلى إسقاطه فهو كالفصل من الباب الذي قبله؛ لأن في الحديث معنى التعويذ وإن لم يكن بلفظه، انتهى.
قلت: قوله: وعلى إسقاطه فهو كالفصل إلخ، هكذا في نسخة "الفتح" الموجودة عندنا، وفيه تخليط لأن في صورة إسقاط لفظ الباب لا يترتب عليه قوله: فهو كالفصل من الباب الذي قبله، فتأمل.
(١٥ - باب الدعاء نصف الليل)
أي: بيان فضل الدعاء في ذلك الوقت على غيره إلى طلوع الفجر، قال ابن بطال: هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه، فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤلهم وغفران ذنوبهم، وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دلَّ على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه، فلذلك نبَّه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت، انتهى من "الفتح" (٢).
قال الكرماني (٣): فإن قلت: في الترجمة نصف الليل وفي الحديث الثلث؟ قلت: حين يبقى الثلث يكون قبل الثلث، وهو المقصود من النصف، انتهى.
وقال العيني (٤) بعد ذكر قول العلامة الكرماني: وقال ابن بطال: عدل
стр. 3375
المصنف لأنه أخذ الترجمة من دليل القرآن وذكر النصف. وقيل - القائل الحافظ ﵀ -: أشار البخاري إلى الرواية التي وردت بلفظ النصف، وقد أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "نصف الليل أو ثلث الليل الآخر"، انتهى.
(١٦ - باب الدعاء عند الخلاء)
أي: عند إرادة الدخول، ذكر فيه حديث أنس، وقد تقدم شرحه في "كتاب الطهارة"، وفيه ذكر من رواه بلفظ: "إذا أراد أن يدخل"، انتهى من "الفتح" (١).
وتقدم الكلام على الخلاف في المسألة في "كتاب الطهارة".
(١٧ - باب ما يقول إذا أصبح)
ذكر فيه ثلاثة أحاديث، وقد ورد فيما يقال عند الصباح عدة أحاديث ذكرها الحافظ، منها حديث عبد الله بن غنام البياضي رفعه: "من قال حين يصبح: اللَّهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته"، انتهى من "الفتح" (٢). ويقول في المساء: "اللَّهم ما أمسى" بدل "ما أصبح".
(١٨ - باب الدعاء في الصلاة)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، وقد تقدم الكلام على حديث أبي بكر الصديق في "باب الدعاء قبيل السلام" في أواخر صفة الصلاة قبيل "كتاب الجمعة"، انتهى.
стр. 3376
(١٩ - باب الدعاء بعد الصلاة)
قال الحافظ (١): أي: المكتوبة، وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة: "كان النبي ﷺ إذا سلَّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت "أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه"، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه.
قال ابن القيم في "الهدي النبوي": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السُّنَّة بعدهما، قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهذا اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه، ثم يسأل إذا انصرف عنه، ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر لا لكونه دبر المكتوبة.
ثم قال الحافظ: قلت: وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل: "أن النبي ﷺ قال له: يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"
стр. 3377
أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: "قيل: يا رسول الله، أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات" وقال: حسن، وغير ذلك من الأحاديث ذكرها الحافظ.
وقال صاحب "الفيض" (١): لا ريب أن الأدعية دبر الصلوات قد تواترت تواترًا لا ينكر، أما رفع الأيدي فثبت بعد النافلة مرة أو مرتين، فألحق بها الفقهاء المكتوبة أيضًا، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى كونه بدعة، بقي أن المواظبة على أمر لم يثبت عن النبي ﷺ إلا مرة أو مرتين كيف هي؟ فتلك هي الشاكلة في جميع المستحبات، فإنها تثبت طورًا فطورًا ثم الأمة تواظب عليها، نعم نحكم بكونها بدعة إذا أفضى الأمر إلى النكير على من تركها، انتهى.
وقال أيضًا في موضع آخر (٢): واعلم أن الأدعية بهذه الهيئة الكذائية لم تثبت عن النبي ﷺ ولم يثبت عنه رفع الأيدي دبر الصلوات في الدعوات إلا أقل قليل، ومع ذلك وردت فيه ترغيبات قولية، والأمر في مثله أن لا يحكم عليه بالبدعة، فهذه الأدعية في زماننا ليست بسُنَّة بمعنى ثبوتها عن النبي ﷺ ، وليست ببدعة بمعنى عدم أصلها في الدين، فقد هدى إلى الرفع في قوليات كثيرة؛ وفعله بعد الصلاة قليلًا، فإن التزم أحد منا الدعاء بعد الصلاة برفع اليد فقد عمل بما رغب فيه وإن لم يكثره بنفسه، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: قلت: ونحوه فعله ﷺ في صلاة الضحى، فإنها وإن ثبتت في بعض الروايات لكنه أقل قليل حتى إن بعضهم ذهب إلى إنكار ثبوتها فعلًا، والصحيح أنها ثابتة ولو قليلًا، انتهى مختصرًا.
وقد تقدم أيضًا شيء من الكلام عليه قبيل "كتاب الجمعة" وسيأتي ترجمة المصنف بعد أربعة أبواب بـ "باب رفع الأيدي في الدعاء".
стр. 3378
(٢٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. . .﴾ [التوبة: ١٠٣]) إلخ
كذا للجمهور، ووقع في بعض النسخ زيادة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، واتفقوا على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء.
قوله: (ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه) في هذه الترجمة إشارة إلى ردِّ ما جاء عن ابن عمر أخرج ابن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: "ذكرت رجلًا عند ابن عمر فترحمت عليه، فلهز في صدري وقال لي: ابدأ بنفسك"، وعن إبراهيم النخعي: "كان يقال: إذا دعوت فابدأ بنفسك فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك"، وأحاديث الباب ترد على ذلك، ثم قال: وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أُبي بن كعب رفعه: "أن النبي ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه" وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه: "وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه"، ويؤيد هذا القيد أنه ﷺ دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه، ثم ذكر الحافظ أمثلته من قصة هاجر: "يرحم الله أم إسماعيل. . ." إلخ، وحديث أبي هريرة: "اللَّهم أيده بروح القدس" يريد حسان بن ثابت، وحديث ابن عباس: "اللَّهم فقهه في الدين" وغير ذلك من الأمثال، وقد دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كقوله: "يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، انتهى من "الفتح" (١) ملخصًا.
وأما الإمام النووي فقد فصل بين أنواع الأدعية، فقد أجاد ولله درّه، فقال في "شرح مسلم" (٢) تحت حديث خضر المتقدم. قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه، انتهى.
стр. 3379
وفي مبدأ "الحصن الحصين" (١) في بيان أدب الدعاء: وأن يبدأ بنفسه، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): قوله: "بدأ بنفسه" لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، انتهى.
قلت: وحديث "كان إذا دعا بدأ بنفسه" أخرجه الإمام أبو داود أيضًا في "أبواب الحروف والقراءات" (٣).
(٢١ - باب ما يكره من السجع في الدعاء)
السجع بفتح السين وسكون الجيم: كلام مقفى من غير مراعاة وزن، قاله القسطلاني (٤).
قال الحافظ (٥): قوله: "ما يكره. . ." إلخ، لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء، قال الداودي: المراد الاستكثار منه، ثم قال: ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، انتهى.
قلت: وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" قال ابن رسلان في شرحه كما في هامشي على "البذل" (٦): قيل: المراد به التكلف في السجع، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقيل: أن يأتي بغير جوامع الكلم، وقيل: أن يأتي بغير المأثور من الأدعية، انتهى.
стр. 3380
(٢٢ - باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له)
قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهم أعطني إن شئت، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، وظاهره أنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر، وحمله النووي على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة: قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - يعني: من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إِبليس حين قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، انتهى من "الفتح" (١).
قال القسطلاني (٢): وفي الترمذي (٣) عن أبي هريرة مرفوعًا: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ"، انتهى.
(٢٣ - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل)
قال الحافظ (٤) في شرح قوله: "يقول: دعوت فلم يستجب لي": قال ابن بطال (٥): المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء، ثم قال: وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة" الحديث،
стр. 3381
أخرجه الترمذي بسند لين، وقدمت في أول "كتاب الدعاء" الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا تردّ، إلى آخر ما قال.
(٢٤ - باب رفع الأيدي في الدعاء)
أي: على صفة خاصة، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر.
قال الحافظ (١): وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس: "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء" وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، ثم بعد ما ذكر الحافظ الفرق في الرفع في الاستسقاء وغيره، قال: قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح، قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملة، وعقد لها البخاري أيضًا في "الأدب المفرد"، ثم سرد الحافظ بعض تلك الروايات فارجع إليه لو شئت. وأما رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبات فقد تقدم الكلام عليه قريبًا في "باب الدعاء بعد الصلاة".
(٢٥ - باب الدعاء غير مستقبل القبلة)
قال الحافظ (٢): ووجه أخذه من الحديث من جهة أن الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة وأنه لم ينقل أنه ﷺ لما دعا في المرتين استدار، انتهى.
ثم لا يخفى عليك أن هذه الترجمة هكذا وقعت في جميع النسخ الموجودة بتقديم هذه الترجمة على الآتية، وكان الأوجه تأخيرها عن الترجمة الآتية، ويمكن أن يقال في وجه تقديمه: أن الدعاء غير مستقبل
стр. 3382
القبلة لما كان على خلاف آداب الدعاء على الظاهر فكان أحوج إلى البيان، وأما الدعاء مستقبل القبلة فلكونه موافقًا لآداب الدعاء ليس له مزيد احتياج إلى ذكره.
(٢٦ - باب الدعاء مستقبل القبلة)
استشكلوا مطابقة الحديث بالترجمة.
قال القسطلاني (١): قوله: "فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة. . ." إلخ، فقدّم الدعاء قبل الاستقبال، وحينئذ فلا مطابقة بين الترجمة والحديث، لكن قال الإسماعيلي: يحتمل أن البخاري أراد أنه لما تحول وقلب رداءه دعا حينئذ أيضًا، ويحتمل أنه أشار كعادته لما ورد في بعض طرق الحديث مما سبق في "كتاب الاستسقاء" أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وقد ورد في استقبال القبلة عند الدعاء من فعله ﷺ عدة أحاديث، انتهى.
(٢٧ - باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أنس، وقد مضى قريبًا، وذكره في عدة أبواب، وليس في شيء منها ذكر العمر، فقال بعض الشرَّاح: مطابقة الحديث للترجمة أن الدعاء بكثرة الولد يستلزم حصول طول العمر.
قال الحافظ: والأولى أن يقال: إنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه، فأخرج في "الأدب المفرد" من وجه آخر عن أنس، وفيه زيادة قوله: "أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له".
فأما كثرة ولد أنس وماله فوقع عند مسلم في آخر هذا الحديث: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم، وتقدم في "كتاب الصوم" في "باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم"