← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 3378–3417 · переход к 3383.

стр. 3378

(٢٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. . .﴾ [التوبة: ١٠٣]) إلخ كذا للجمهور، ووقع في بعض النسخ زيادة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، واتفقوا على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء. قوله: (ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه) في هذه الترجمة إشارة إلى ردِّ ما جاء عن ابن عمر أخرج ابن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: "ذكرت رجلًا عند ابن عمر فترحمت عليه، فلهز في صدري وقال لي: ابدأ بنفسك"، وعن إبراهيم النخعي: "كان يقال: إذا دعوت فابدأ بنفسك فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك"، وأحاديث الباب ترد على ذلك، ثم قال: وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أُبي بن كعب رفعه: "أن النبي ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه" وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه: "وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه"، ويؤيد هذا القيد أنه ﷺ دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه، ثم ذكر الحافظ أمثلته من قصة هاجر: "يرحم الله أم إسماعيل. . ." إلخ، وحديث أبي هريرة: "اللَّهم أيده بروح القدس" يريد حسان بن ثابت، وحديث ابن عباس: "اللَّهم فقهه في الدين" وغير ذلك من الأمثال، وقد دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كقوله: "يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، انتهى من "الفتح" (١) ملخصًا. وأما الإمام النووي فقد فصل بين أنواع الأدعية، فقد أجاد ولله درّه، فقال في "شرح مسلم" (٢) تحت حديث خضر المتقدم. قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه، انتهى.

стр. 3379

وفي مبدأ "الحصن الحصين" (١) في بيان أدب الدعاء: وأن يبدأ بنفسه، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): قوله: "بدأ بنفسه" لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، انتهى. قلت: وحديث "كان إذا دعا بدأ بنفسه" أخرجه الإمام أبو داود أيضًا في "أبواب الحروف والقراءات" (٣). (٢١ - باب ما يكره من السجع في الدعاء) السجع بفتح السين وسكون الجيم: كلام مقفى من غير مراعاة وزن، قاله القسطلاني (٤). قال الحافظ (٥): قوله: "ما يكره. . ." إلخ، لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء، قال الداودي: المراد الاستكثار منه، ثم قال: ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، انتهى. قلت: وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" قال ابن رسلان في شرحه كما في هامشي على "البذل" (٦): قيل: المراد به التكلف في السجع، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقيل: أن يأتي بغير جوامع الكلم، وقيل: أن يأتي بغير المأثور من الأدعية، انتهى.

стр. 3380

(٢٢ - باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له) قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهم أعطني إن شئت، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، وظاهره أنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر، وحمله النووي على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة: قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - يعني: من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إِبليس حين قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، انتهى من "الفتح" (١). قال القسطلاني (٢): وفي الترمذي (٣) عن أبي هريرة مرفوعًا: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ"، انتهى. (٢٣ - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل) قال الحافظ (٤) في شرح قوله: "يقول: دعوت فلم يستجب لي": قال ابن بطال (٥): المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء، ثم قال: وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة" الحديث،

стр. 3381

أخرجه الترمذي بسند لين، وقدمت في أول "كتاب الدعاء" الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا تردّ، إلى آخر ما قال. (٢٤ - باب رفع الأيدي في الدعاء) أي: على صفة خاصة، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر. قال الحافظ (١): وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس: "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء" وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، ثم بعد ما ذكر الحافظ الفرق في الرفع في الاستسقاء وغيره، قال: قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح، قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملة، وعقد لها البخاري أيضًا في "الأدب المفرد"، ثم سرد الحافظ بعض تلك الروايات فارجع إليه لو شئت. وأما رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبات فقد تقدم الكلام عليه قريبًا في "باب الدعاء بعد الصلاة". (٢٥ - باب الدعاء غير مستقبل القبلة) قال الحافظ (٢): ووجه أخذه من الحديث من جهة أن الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة وأنه لم ينقل أنه ﷺ لما دعا في المرتين استدار، انتهى. ثم لا يخفى عليك أن هذه الترجمة هكذا وقعت في جميع النسخ الموجودة بتقديم هذه الترجمة على الآتية، وكان الأوجه تأخيرها عن الترجمة الآتية، ويمكن أن يقال في وجه تقديمه: أن الدعاء غير مستقبل

стр. 3382

القبلة لما كان على خلاف آداب الدعاء على الظاهر فكان أحوج إلى البيان، وأما الدعاء مستقبل القبلة فلكونه موافقًا لآداب الدعاء ليس له مزيد احتياج إلى ذكره. (٢٦ - باب الدعاء مستقبل القبلة) استشكلوا مطابقة الحديث بالترجمة. قال القسطلاني (١): قوله: "فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة. . ." إلخ، فقدّم الدعاء قبل الاستقبال، وحينئذ فلا مطابقة بين الترجمة والحديث، لكن قال الإسماعيلي: يحتمل أن البخاري أراد أنه لما تحول وقلب رداءه دعا حينئذ أيضًا، ويحتمل أنه أشار كعادته لما ورد في بعض طرق الحديث مما سبق في "كتاب الاستسقاء" أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وقد ورد في استقبال القبلة عند الدعاء من فعله ﷺ عدة أحاديث، انتهى. (٢٧ - باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر. . .) إلخ قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أنس، وقد مضى قريبًا، وذكره في عدة أبواب، وليس في شيء منها ذكر العمر، فقال بعض الشرَّاح: مطابقة الحديث للترجمة أن الدعاء بكثرة الولد يستلزم حصول طول العمر. قال الحافظ: والأولى أن يقال: إنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه، فأخرج في "الأدب المفرد" من وجه آخر عن أنس، وفيه زيادة قوله: "أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له". فأما كثرة ولد أنس وماله فوقع عند مسلم في آخر هذا الحديث: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم، وتقدم في "كتاب الصوم" في "باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم"

стр. 3383

قول أنس: إني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى يوم مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة، وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيئ منه ريح المسك. وأما طول عمر أنس فقد ثبت في الصحيح أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين قاله خليفة وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه تسعًا وتسعين سنة، انتهى من "الفتح" بإيضاح وتغير، وسيأتي بعض ما يناسبه في "باب الدعاء بكثرة المال مع البركة". (٢٨ - باب الدعاء عند الكرب) الكرب: هو الحزن يأخذ بالنفس. قال العلامة الكرماني (١) في شرح حديث الباب: فإن قلت: هذا ذكر لا دعاء؟ قلت: إنه ذكر يستفتح به الدعاء بكشف كربه، وقال سفيان بن عيينة: أما علمت أن الله تعالى قال: "من حبسه ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، انتهى. وقال العلامة العيني (٢): مطابقته للترجمة في قوله: "يدعو عند الكرب. . ." إلخ، انتهى. قلت: الأمر كما قال الكرماني. (٢٩ - باب التعوذ من جهد البلاء) الجهد بفتح الجيم وبضمها: المشقة، قاله الحافظ (٣).

стр. 3384

وقال القسطلاني (١): البلاء بفتح الموحدة مع المد ويجوز الكسر مع القصر: وهو الحالة التي يمتحن بها الإنسان وتشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها، وعن ابن عمر: جهد البلاء قلة المال وكثرة العيال، انتهى. قوله: (ودرك الشقاء. . .) إلخ، قال القاري في "المرقاة" (٢): الشقاء بفتح الشين بمعنى الشقاوة نقيض السعادة، ويجيئ بمعنى التعب كقوله تعالى ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢]، إلى آخر ما بسط في شرح هذا اللفظ. قلت: وكذا ضبط لفظ الشقاء بفتح الشين في كتب اللغة. (٣٠ - باب دعاء النبي ﷺ : اللَّهم الرفيق الأعلى) وهكذا في نسخة الشروح سوى نسخة الحافظ، فإن فيها بابًا بلا ترجمة. قال العيني (٣): ووقع في رواية الأكثرين لفظ "باب" مجردًا عن الترجمة، وفيه: "اللَّهم الرفيق الأعلى"، والرفيق منصوب على تقدير: اخترتُ الرفيقَ الأعلى، وقال الداودي: الرفيق الأعلى الجنة، وقيل: جماعة الأنبياء الذي يسكنون أعلى عليين، انتهى. وقال الكرماني (٤): أي: اخترت الموت المؤدّي إلى رفاقة الملأ الأعلى من الملائكة أو الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، انتهى. وتقدم الكلام على هذا الحديث في آخر "المغازي" في "باب آخر ما تكلم النبي ﷺ ".

стр. 3385

(٣١ - باب الدعاء بالموت والحياة) قال القسطلاني (١) تبعًا للعيني: أي: ذكر كراهية الدعاء بالموت والحياة إذا كانت الحياة شرًا للداعي، انتهى. (٣٢ - باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم) قال الحافظ (٢): ورد في فضل مسح رأس اليتيم حديث أخرجه أحمد والطبراني عن أبي أمامة بلفظ: "من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمرّ يدُه عليها حسنة"، وسنده ضعيف، ولأحمد من حديث أبي هريرة: "أن رجلًا شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبه فقال: أطعم المسكين وامسح رأس اليتيم"، وسنده حسن، انتهى. (٣٣ - باب الصلاة على النبي ﷺ -) هذا الإطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها، والاقتصار على ما أورده في الباب يدل على إرادة الثالث، وقد يؤخذ منه الثاني، انتهى من "الفتح" (٣). وقال العيني (٤): أي: هذا باب في بيان كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، وقال بعضهم: هذا الإطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها، قلت: حديثا الباب يقيدان هذا الإطلاق لأنهما ينبئان عن الكيفية، والمطابقة بين الترجمة والحديث مطلوبة، ولا تجيئ المطابقة إلا بما قلنا، انتهى. قال الحافظ (٥): أما حكمها فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:

стр. 3386

أولها: قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبات، وادّعى الإجماع على ذلك. ثانيها: مقابله، وهو نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة. ثالثها: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما. رابعها: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه. خامسها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه. سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر. سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية. ثامنها: كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري. تاسعها: في كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشري. عاشرها: في كل دعاء، حكاه أيضًا. وأما محلها فيؤخذ مما أوردته من بيان الآراء في حكمها. وبسط أيضًا الكلام في معنى الصلاة، وقال في بحث كيفية الصلاة عليه ﷺ (١): قال النووي في "شرح المهذب" (٢): ينبغي أن يجمع ما في

стр. 3387

الأحاديث الصحيحة فيقول: "اللَّهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك" مثله، وزاد في آخره: "في العالمين"، وقال في "الأذكار" مثله، وزاد: "عبدك ورسولك" بعد قوله: "محمد" في "صل"، ولم يزدها في "بارك"، وقال في "التحقيق" و"الفتاوى" مثله إلا أنه أسقط "النبي الأمي" في "وبارك"، وفاته أشياء لعلها توازي قدر ما زاده أو تزيد عليه، ثم ذكرها الحافظ. قلت: قال النووي: في "الأذكار" (١): والأفضل أن يقول: "اللَّهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد"، روينا هذه الكيفية في "صحيحي البخاري ومسلم" عن كعب بن عجرة مرفوعًا إلا بعضها فهو صحيح من رواية غير كعب، انتهى. ثم ما يستشكل ههنا في التشبيه بالصلاة الإبراهيمة؟ أجاب عنه الحافظ بعشرة أوجه، فارجع إليه لو شئت (٢). (٣٤ - باب هل يصلى على غير النبي ﷺ -؟) أي: استقلالًا أو تبعًا، ويدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون، ثم بسط الحافظ الكلام على ذلك (٣). وقال القسطلاني (٤) تحت حديث ابن أبي أوفى: تمسك بذلك من جوّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا، وهو مقتضى صنيع المصنف رحمه الله تعالى لأنه صدَّر بالآية ثم بالحديث الدالّ على الجواز مطلقًا، انتهى.

стр. 3388

وفي "الأوجز" (١): قال العيني (٢): احتج به (بالحديث المذكور) من جوّز الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاستقلال، وهو قول أحمد أيضًا، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالًا، ولكن يصلى عليهم تبعًا. والجواب عن هذا الحديث أن هذا حقه ﵊، له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز". (٣٥ - باب قول النبي ﷺ : "من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة ") قال العلامة القسطلاني (٣): وفي "مسلم": "اللَّهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته"، ومن طريق أخرى عن أبي هريرة: "اللَّهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته"، وفي أخرى: "فأي مؤمن آذيته أو شتمته"، وفي أخرى: "اللَّهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر"، ومن حديث عائشة: قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشيء، لا أدري ما هو، فأغضباه فسبّهما ولعنهما فلما خرجا قلت له فقال: "أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللَّهم إنما أنا بشر" الحديث، ثم قال: وفي الحديث كمال شفقته على أمته وجميل خلقه ﷺ ، وجزاه عنّا أفضل الجزاء بمنّه وكرمه، وأماتنا على محبته وسُنَّته، انتهى. قلت: آمين ثم آمين. (٣٦ - باب التعوذ من الفتن) ستأتي هذه الترجمة وحديثها في "كتاب الفتن"، قاله الحافظ (٤)

стр. 3389

وقال القسطلاني (١): الفتن جمع فتنة وهي اسم للامتحان والاختبار، انتهى. (٣٧ - باب التعوذ من غلبة الرجال) أي: قهرهم وتسلطهم واستيلائهم هرجًا ومرجًا، وذلك كغلبة القوّام، قاله الكرماني. وعن بعضهم: قهر الرجال هو جور السلطان، انتهى من "القسطلاني" (٢). (٣٨ - باب التعوذ من عذاب القبر) تقدم الكلام عليه في أواخر "كتاب الجنائز". (٣٩ - باب التعوذ من فتنة المحيا والممات) " المحيا" زمن الحياة، "والممات" زمن الموت من أول النزع وهلمّ جرًّا، قال ابن بطال (٣): هذه كلمة جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربّه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوّذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم؛ ليبين لهم صفة المهم من الأدعية، انتهى من "الفتح" (٤). وقال الكرماني (٥): المحيا: إما مصدر أو اسم زمان، والممات، أي: زمان الموت، أي: بعده، أو وقت النزع، انتهى. (٤٠ - باب التعوذ من المأثم والمغرم) المأثم: ما يقتضي الإثم، والمغرم: ما يقتضي الغرم، انتهى من "الفتح" (٦).

стр. 3390

قال القسطلاني (١): المغرم: الدين فيما لا يجوز، انتهى. وقال الكرماني (٢): المأثم بمعنى الإثم، والمغرم بمعنى الغرامة، وهي ما يلزمك أداؤه كالدين والدية، انتهى. وقال العلامة السندي (٣): اعلم أنه جاء في بعض الروايات هكذا: "من شر فتنة الغنا ومن شر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح"، بلفظ زيادة الشر في الكل، وفي بعضها بإثباته في البعض دون البعض، والظاهر أن الفتنة تحمل على معنى الاختبار عند زيادة لفظ الشر، والاختبار له طرفان خير وشر، والتعوذ إنما وقع من شرهما لا خيرهما، وعند عدم لفظ الشر، فالفتنة بمعنى الافتتان في الدين نعوذ بالله منه، وهو شر كله، فإذا ثبت في بعض دون بعض فما ثبت فيه يحمل الفتنة على المعنى الأول، وما لا فيحمل على المعنى الثاني، والله تعالى أعلم، انتهى. (٤١ - باب التعوذ من الجبن والكسل) قال الحافظ (٤) في شرح الحديث: تقدم شرح هذه الأمور الستة، ومحصله: أن الهَمَّ لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم، والجبن ضد الشجاعة، انتهى. (٤٢ - باب التعوذ من البخل) قال الواحدي: البخل في كلام العرب عبارة عن منع الإحسان، وفي الشرع: منع الواجب، وقد تكرر ذمُّ البخل في الحديث، وصح: "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق" (٥)، انتهى من "القسطلاني" (٦).

стр. 3391

(٤٣ - باب التعوذ من أرذل العمر) قال العيني (١): هو الهرم زمان الخرافة وحين انتكاس الأحوال، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، قيل: ليس في حديث الباب لفظ الترجمة فلا مطابقة، قلت: تؤخذ المطابقة من قوله: "وأعوذ بك من الهرم" لأنه يفسّر بأرذل العمر، كما مرّ آنفًا، انتهى. (٤٤ - باب الدعاء برفع البلاء والوجع) أي: برفع المرض عمن نزل به سواء كان عامًّا أو خاصًّا، وقد تقدم بيان الوباء وتفسيره في "باب ما يذكر في الطاعون" من "كتاب الطب"، وأنه أعم من الطاعون، وأن حقيقته مرض عام ينشأ عن فساد الهواء، وقد يسمى طاعونًا بطريق المجاز، وأوضحت هناك الردّ على من زعم أن الطاعون والوباء مترادفان بما ثبت هناك أن الطاعون لا يدخل المدينة، وأن الوباء وقع بالمدينة كما في قصة العرنيين، انتهى من "الفتح" (٢). (٤٥ - باب الاستعاذة من أرذل العمر) كذا في النسخة "الهندية"، وزاد في نسخ الشروح الأربعة: "ومن فتنة الدنيا وفتنة النار" وهو الأوجه، وبهذه الزيادة يزول إشكال تكرار هذه الترجمة بالترجمة السابقة قبل الباب المتقدم. وفي هامش النسخة "الهندية" (٣) عن "الخير الجاري": مغايرة هذه الترجمة بالترجمة السابقة باعتبار زيادة الجزء الأخير، ومن عادته أنه ربما يذكر مجموع الأمور التي أراد ذكرها في باب واحدٍ، ثم يذكر واحدًا منها في بابٍ بابٍ، فيعقد لكل منها بابًا مستأنفًا؛ ليكون كل منها مستقلًا بالإفادة، انتهى.

стр. 3392

(٤٦ - باب الاستعاذة من فتنة الغنى) قال القسطلاني (١): هو كصرف المال في المعاصي، انتهى. (٤٧ - باب التعوذ من فتنة الفقر) قال القسطلاني (٢): المراد الفقر المدقع لأنه الذي يخاف من فتنته كحسد الغنى والتذلل له بما يتدنس به عرضه وينثلم به دينه وتسخطه وعدم رضاه بما قسم الله له، إلى غير ذلك مما يذمّ فاعله ويأثم عليه، انتهى. (٤٨ - باب الدعاء بكثرة المال مع البركة) فيه وكذا في الترجمة الآتية إشارة إلى أن هذه الأمور إن كانت مع البركة تكون خيرًا وإلا فتكون موجبًا للفتنة. قوله: (اللَّهم أكثر ماله وولده) قال القسطلاني (٣): فكان أكثر الصحابة أولادًا، قاله النووي. وقال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا وهو المهلب بن أبي صفرة، انتهى. (٤٩ - باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة) تقدم بيان كثرة أولاده في الباب المتقدم، وأيضًا قبله بعدة أبواب. (٥٠ - باب الدعاء عند الاستخارة) أي: طلب الخيرة بكسر الخاء وفتح التحتية بوزن العنبة، اسم من قولك: اختار الله له، وقال في "النهاية": الاستخارة: طلب الخير في

стр. 3393

الشيء، وهي استفعال من الخير ضد الشر، فالمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما. قوله: (يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) خصّه في "بهجة النفوس" بغير الواجب والمستحب، فلا يستخار في فعلهما، والمحرم والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح أو المستحب إذا تعارض فيه أمران أيهما يبدأ به أو يقتصر عليه، وألحق به في "الفتح" الواجب والمستحب المخير وفيما إذا كان موسعًا، قال: ويتناول العموم العظيم والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم، انتهى كله من "القسطلاني" (١). قوله: (ويسمي حاجته) في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (٢): أي: ينطق بها بعد الدعاء وينويها بقلبه عنده، انتهى. قال الحافظ (٣): قال النووي في "الأذكار": يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح به صدره، ويستدل له بحديث أنس عند ابن السني: "إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبعًا، ثم انظر إلى الذي يسبق في قلبك، فإن الخير فيه"، وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واه جدًا، والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر حديث أبي سعيد: "ولا حول ولا قوة إلا بالله"، انتهى. (٥١ - باب الوضوء عند الدعاء) هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الأربعة: "باب الدعاء عند الوضوء". قال العلامة العيني (٤): وفي بعض النسخ: "باب الوضوء عند الدعاء"،

стр. 3394

والأول هو المناسب للحديث، وإن كان للثاني أيضًا وجه، والحديث طويل أخرجه في المغازي في "باب غزوة أوطاس" بهذا الإسناد بعينه، انتهى. قلت: بل الأولى والأوجه عندي ما في النسخ الهندية أي: الوضوء عند الدعاء، والفرق بين اللفظين ظاهر، والدليل على ما اخترته سياق الحديث، فقد تقدم الحديث في الباب المذكور بلفظ: "قال (أي: أبو عامر): قل له ( ﷺ ): استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه" الحديث، فهذا يدلّ على أن الوضوء إنما كان لقصد الدعاء، فالغرض من الترجمة بيان أدب من آداب الدعاء. (٥٢ - باب الدعاء إذا علا عقبة) كذا ترجم بالدعاء، وأورد في الحديث التكبير، وكأنه أخذه من قوله في الحديث: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا" فسمى التكبير دعاءً، انتهى من "الفتح" (١). (٥٣ - باب الدعاء إذ هبط واديًا فيه حديث جابر) والمراد بحديث جابر ما تقدم في الجهاد في "باب التسبيح إذا هبط واديًا" من حديثه بلفظ: "كنا إذا صعدنا كبّرنا وإذا نزلنا سبّحنا"، انتهى من "الفتح" (٢). (٥٤ - باب الدعاء إذا أراد سفرًا فيه يحيى بن أبي إسحاق عن أنس) مما وصله في الجهاد في "باب ما يقول إذا رجع من الغزو"، وفيه: "فلما أشرفنا على المدينة قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون"، انتهى من "القسطلاني" (٣).

стр. 3395

(٥٥ - باب الدعاء للمتزوج) قال العلامة النووي في "الأذكار" (١) بعد ذكر حديث الباب: وروينا بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" و"الترمذي" و"ابن ماجه" وغيرها عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا رفَّأ الإنسان، أي: إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ويكره أن يقال له: بالرِّفاء والبنين إلى آخر ما قال. (٥٦ - باب ما يقول إذا أتى أهله) ذكر فيه حديث ابن عباس، وفي لفظه ما يقتضي أن القول المذكور يشرع عند إرادة الجماع، فيرفع احتمال ظاهر الحديث أنه يشرع عند الشروع في الجماع، وقد تقدم شرحه مستوفى في "كتاب النكاح"، انتهى (٢). (٥٧ - باب قول النبي ﷺ : "آتنا في الدنيا حسنة ") قال الحافظ (٣): قد اختلفت عبارات السلف في تفسير الحسنة، ثم قال بعد ذكر عدة أقوال: قال الشيخ عماد الدين بن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجةٍ حسنةٍ وولدٍ بارٍّ ورزقٍ واسعٍ وعلمٍ نافعٍ وعمل صالحٍ ومركبٍ هنيءٍ وثناءٍ جميلٍ، إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة، وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات، انتهى.

стр. 3396

(٥٨ - باب التعوذ من فتنة الدنيا) تقدمت هذه الترجمة ضمن ترجمة، وذلك قبل اثني عشر بابًا، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وهو "باب الاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا. . ." إلخ، كما تقدم في محله مع ذكر اختلاف النسخ، وتقدم تفسيره في "باب التعوذ من البخل" بقوله: يعني فتنة الدجال. قال الحافظ (٢): وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي أمامة وفيه: "أنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال"، أخرجه أبو داود وابن ماجه، انتهى. (٥٩ - باب تكرير الدعاء) أي: ينبغي التكرار فإنه ﷺ لما احتاج إلى تكريره فما بال غيره. وقال القسطلاني (٣): "باب تكرير الدعاء" مرة بعد أخرى لإظهار الفقر والحاجة إلى الرب تعالى خضوعًا وتذللًا [له]، انتهى. وزاد العلامة العيني (٤): وقد روى أبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁: "أن النبي ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا"، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، انتهى. وذكره الجزري في "الحصن" (٥) من جملة آداب الدعاء. قال الحافظ (٦): ورواية عيسى بن يونس تقدمت موصولةً في الطب، وهو المطابق للترجمة بخلاف رواية أنس بن عياض التي أوردها في الباب،

стр. 3397

فليس فيها تكرير الدعاء، ووقع عند مسلم في هذا الحديث: "فدعا ثم دعا ثم دعا"، انتهى. قلت: وتقدم توجيهه في أبواب السحر من آخر "كتاب الطب". (٦٠ - باب الدعاء على المشركين) ذكره ههنا مطلقًا، وذكر في "كتاب الجهاد" "باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة"، ومطابقة أحاديث الباب بالترجمة ظاهرة (١). (٦١ - باب الدعاء للمشركين) قال العلامة العيني (٢): وقد تقدمت هذه الترجمة في "كتاب الجهاد"، لكن قال: "باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم"، ثم أخرج حديث أبي هريرة الذي هو حديث الباب، فوجه البابين أعني "باب الدعاء على المشركين" و"باب الدعاء للمشركين" باعتبارين، ففي الأول مطلق الدعاء عليهم لأجل تماديهم على كفرهم وإيذائهم المسلمين، وفي الثاني الدعاء بالهداية ليتألفوا بالإسلام، انتهى. قال الحافظ (٣): وحكى ابن بطال: أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قال: والأكثر على أن لا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام، إلى آخر ما قال. وفي "الفيض" (٤) تحت ترجمة الباب: المراد به الدعاء له للإسلام، أما الدعاء بالنفع الدنيويّ لهم، فهو أيضًا جائز، انتهى.

стр. 3398

(٦٢ - باب قول النبي ﷺ : "اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ") قال الحافظ (١): كذا ترجم ببعض الخبر، وهذا القدر منه يدخل فيه جميع ما اشتمل عليه؛ لأن جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الأمرين، انتهى. (٦٣ - باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة) وقد ترجم في "كتاب الجمعة" "باب الساعة التي في يوم الجمعة"، ولم يذكر في البابين شيئًا يشعر بتعيينها، وقد اختلف في ذلك كثيرًا، واقتصر الخطابي منها على وجهين: أحدهما: أنها ساعة الصلاة، والآخر: أنها ساعة من النهار عند دنو الشمس للغروب. واستوعبت الخلاف الوارد في الساعة المذكورة، فزاد على الأربعين قولًا، واتفق لي نظير ذلك في ليلة القدر، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: وتقدم شيء من الكلام على هذا في "كتاب الجمعة". (٦٤ - باب قول النبي ﷺ : "يستجاب لنا في اليهود". . .) إلخ أي: لأنا ندعو عليهم بالحق وهم يدعون علينا بالظلم، انتهى من "الفتح" (٣). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": وذلك لأن اليهود قصدوا الدعاء بالموت في هذا الآن، وظاهر أنه لم يستجب، وأما النبي ﷺ فلم يقصد في دعائه إلا أن يموتوا في وقت موتهم، إلى آخر ما ذكر.

стр. 3399

وفي هامشه: ويحتمل أن يقال: إن الدعاء على النبي لا يقبل، كما بسط الروايات ابن كثير في قصة بلعام أنه كان إذا دعا على موسى وقومه لم يقبل، بل وقع على قوم بلعام، وإذا دعا لقومه بخير جرى على لسانه لقوم موسى، فلما رأى قومه قالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت على موسى أيضًا ما استجيب لي، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع". (٦٥ - باب التأمين) يعني قول "آمين" عقب الدعاء، وورد في التأمين مطلقًا أحاديث منها حديث عائشة مرفوعًا: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام (١) والتأمين" رواه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وزاد في رواية لابن ماجه: "فأكثروا من قول آمين"، ولأبي داود من حديث أبي زهير النميري قال: وقف النبي ﷺ على رجل قد ألحَّ في الدعاء، فقال: "أوجب إن ختم" فقال: بأي شيء؟ قال: "بآمين" الحديث، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: فلعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى تقوية هذه الروايات. (٦٦ - باب فضل التهليل) أي: قول لا إله إلا الله، قال القسطلاني (٣): وهي الكلمة العليا التي يدور عليها رحى الإسلام والقاعدة التي تبنى عليها أركان الدين، وانظر إلى العارفين وأرباب القلوب كيف يستأثرونها على سائر الأذكار، وما ذاك إلا لما رأوا فيها من الخواص التي لم يجدوها في غيرها، انتهى.

стр. 3400

(٦٧ - باب فضل التسبيح) قال الحافظ (١): يعني قول: "سبحان الله"، ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به الصلاة النافلة، وأما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها، انتهى. قال القسطلاني (٢) تحت حديث الباب: وقد يشعر هذا بأن التسبيح أفضل من التهليل من حيث إن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل، وأجيب بأن ما جعل في مقابلة التهليل من عتق الرقاب يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا، إذ ورد أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا مع زيادة مائة درجة، إلى آخر ما ذكر. وبسط الكلام عليه أيضًا الحافظ أشدّ البسط. (٦٨ - باب فضل ذكر الله تعالى) باللسان بالأذكار المرغب فيها شرعًا، والإكثار منها كالباقيات الصالحات، والحوقلة والحسبلة والبسملة والاستغفار وقراءة القرآن بل هي أفضل والحديث ومدارسة العلم ومناظرة العلماء، وهل يشترط استحضار الذاكر لمعنى الذكر أم لا؟ المنقول أنه يؤجر على الذكر باللسان وإن لم يستحضر معناه، نعم يشترط أن لا يقصد به غير معناه، والأكمل أن يتفق الذكر بالقلب واللسان، وأكمل منه استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه من تعظيم المذكور ونفي النقائص عنه تعالى. وقسم بعض العارفين الذكر إلى أقسام سبعة: ذكر العينين بالبكاء،

стр. 3401

والأذنين بالإصغاء، واللسان بالثناء، واليدين بالعطاء، والبدن بالوفاء، والقلب بالخوف والرجاء، والروح بالتسليم والرضاء، ذكره في "الفتح"، انتهى من "القسطلاني" (١). وقال صاحب "الفيض" (٢): وراجع معنى التفضيل من رسالة الشاه عبد العزيز (٣) في "تفضيل الشيخين"، فإنه قد كفى وشفى، انتهى. (٦٩ - باب قول "لا حول ولا قوة إلا بالله ") بسط العلامة القسطلاني في وجوه إعرابه الخمسة المقررة في كتب العربية، فارجع إليه لو شئت (٤). (٧٠ - باب "لله تعالى مائة اسم غير واحد ") أفاد صاحب "الفيض" (٥): إنما نقص واحد من المائة إبقاءً للوترية، انتهى. قال العلامة القسطلاني (٦): ولم يقع في شيء من طرق الحديث سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، والطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيها اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص، ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالث عند الحاكم في "مستدركه". واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج؟ إلى آخر ما ذكر القسطلاني، ثم قال: وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في التسعة والتسعين، قال القرطبي: ويدلّ عليه أن أكثرها صفات، وصفات الله تعالى لا تتناهى، إلى آخر ما بسط.

стр. 3402

وفي هامش "الفيض" (١) ملخصًا عن كلام الحافظ: ليس المراد بذكر تلك الأسماء حصرَها في هذا العدد، فحكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم: أن لله ألفَ اسم، ونقل الفخر الرَّازي عن بعضهم: أن لله تعالى أربعة آلاف اسم، استأثر بعلم ألف منها، وأَعْلَمَ الملائكةَ بالبقية، والأنبياءَ بألفين منها، وسائرَ الناس بألفٍ، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، خلافًا للجمهور، وأجاب عنه الجمهور بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد المذكور في حفظها، انتهى. (٧١ - باب الموعظة ساعة بعد ساعة) قال الحافظ (٢): مناسبة هذا الباب بـ "كتاب الدعوات" أن الموعظة يخالطها غالبًا التذكير بالله، وقد تقدم أن الذكر من جملة الدعاء، وختم به أبواب الدعوات التي عقبها بـ "كتاب الرقاق" لأخذه من كل منهما شوبًا، انتهى. وعندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة وحديثها إلى أنه ينبغي الاحتراز عن الملال في الدعاء، فإنه لما يحترز عنه في التذكير وهو أهم ففي الدعاء بالأولى، فلا ينبغي التطويل في الدعاء حتى يؤدي إلى الملال، وليس المراد كراهة الطول مطلقًا، بل الطول المؤدي إلى الملال والسآمة، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" (٣). وأما براعة الاختتام ففي لفظ "الساعة" المذكور في الترجمة، وفي قوله: "أدخُل فَأُخرج"، وهل هذا غير منظر القبر، وكذا لفظ السآمة أذكر للسام بدون الهمز وهو الموت (٤).

стр. 3403

٨١ - كتاب الرقاق اختلفت النسخ، ففي النسخ الهندية كما ترى، وهكذا في نسخة "العيني"، وفي نسخ الشروح الأخر "كتاب الرقاق، الصحبة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة". قال العلامة القسطلاني (١): والرقاق: جميع رقيق وهو الذي فيه رقة، وهي الرحمة ضد الغلظة، انتهى. وفي نسخة "الكرماني" (٢): الرقائق بدل الرقاق، وقال: هي جمع الرقيقة، وهي مشتقة من الرقة ضد الغلظة، أي: كتاب الكلمات المرققة للقلوب، وقيل: من الرقة بمعنى الرحمة، وفي بعضها: كتاب الرقاق، وهو جمع الرقيق، انتهى. قال العيني (٣): وسميت أحاديث الباب بذلك؛ لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٤): قال القاري: الرقاق جمع رقيق، وهو الذي له رقة، أي: لطافة قاله شارح. والظاهر ما قاله السيوطي من أن المراد بها الكلمات التي ترق بها القلوب إذا سمعت، وترغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها، انتهى.

стр. 3404

(١ - باب قول النبي ﷺ : "لا عيش إلا عيش الآخرة ") وفي نسخة "العيني" (١): "باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة". (٢ - باب مثل الدنيا في الآخرة، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية [محمد: ٣٦]) هذه الترجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن المستورد بن شداد رفعه: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع" وسنده إلى التابعي على شرط البخاري؛ لأنه لم يخرج للمستورد، واقتصر على ذكر حديث سهل، والمراد بذلك في الحديث التمثيل والتقريب، وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢). (٣ - باب قول النبي ﷺ : "كن في الدنيا كأنّك غريب. . .") إلخ قال الحافظ (٣): هكذا ترجم ببعض الخبر إشارةً إلى ثبوت رفع ذلك إلى النبي ﷺ وأن من رواه موقوفًا قصر فيه، انتهى. (٤ - باب في الأمل وطوله. . .) إلخ الأمل - بفتحتين -: رجاء ما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى، وهو قريب المعنى من التمني، ثم ذكر الحافظ (٤) الفرق بين الأمل والتمني. وقال العيني (٥): أي: هذا باب في بيان إلهاء الأمل عن العمل،

стр. 3405

والأمل مذموم لجميع الناس إلا العلماء فلولا أملهم وطوله لما صنّفوا ولما ألّفوا، وقد نبّه عليه ابن الجوزي: وآمال الرجال لهم فضوح … سوى أمل المصنف ذي العلام انتهى. وقال الكرماني (١): فإن قلت: ما وجه مناسبة الآية الأولى للترجمة؟ قلت: صدرها، وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]، أو عجزها وهو ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو ذكر لمناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] إذ في تلك الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] والله أعلم، انتهى. وحكاه الحافظ أيضًا عن الكرماني. (٥ - باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر. . .) إلخ قال الحافظ (٢): وفي رواية النسفي: "يعني الشيب"، وقد اختلفوا في تفسير النذير، فالأكثر على أن المراد به الشيب، وقال علي: المراد به النبي ﷺ ، وعن زيد بن علي: القرآن، واختلفوا أيضًا في المراد بالتعمير في الآية على أقوال، أحدها: أنه أربعون سنة، والثاني: ست وأربعون سنة، روي ذلك عن ابن عباس، [والثالث]: وعنه أيضًا أنه سبعون سنة، والرابع: ستون سنة، وتمسك قائله بحديث الباب، انتهى من "الفتح" بزيادة من "العيني" (٣).

стр. 3406

(٦ - باب العمل الذي يبتغى به وجه الله. . .) إلخ أي: يطلب به "وجه الله" أي: ذاته، لا للرياء والسمعة، قاله العيني (١). (٧ - باب ما يحذر من زهرة الدنيا) على صيغة المجهول من الحذر، وفي بعض النسخ بالتشديد من التحذير، وزهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها. (والتنافس فيها) من النفاسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في الشيء منافسةً ونفاسةً ونفاسًا، ونفس الشيء بالضم نفاسةً صار مرغوبًا فيه، انتهى من كلام العيني (٢). وفسّر الكرماني والقسطلاني (٣) المنافسة بالرغبة، وقال الراغب في "المفردات" (٤) والمنافسة: مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره، انتهى. وبسط الكلام في نقل معناه صاحب "المجمع" (٥)، وفيه النفاسة بفتح نون: الحسد، وقال أيضًا: والنفاسة قريب من معنى الحسد، والمنافسة المغالبة على الشيء، وفي الحديث: "ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا" أي: ترغبوا على وجه المعارضة والانفراد فيها، وقال أيضًا: ومنه تنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون، انتهى. قلت: ويستفاد من هذا الحديث أن التنافس من مقدّمات الحسد.

стр. 3407

(٨ - باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: ٥]) مناسبة الآية كتاب الرقاق ظاهرة، ولذا ترجم بذلك. قال القسطلاني (١): أي: فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتّع والتلذّذ بزهرتها ومنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله، انتهى من "القسطلاني". (٩ - باب ذهاب الصالحين) أي: ذكر ذهاب الصالحين، أي: موتهم، وذهاب الصالحين من أشراط الساعة وقرب فناء الدنيا، انتهى من كلام "العيني" (٢). (١٠ - باب ما يتقى من فتنة المال. . .) إلخ قال العيني (٣): ومعنى الفتنة في كلام العرب الاختبار والابتلاء، والفتنة الإمالة عن القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي: ليميلونك، والفتنة أيضًا الاحتراق، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يحرقون، والابتلاء والاختبار يجمع ذلك كله، انتهى. (١١ - باب قول النبي ﷺ : "هذا المال حلوة خضرة. . .") إلخ قال العلامة العيني (٤): قوله: "خضرة" التاء للمبالغة، أو باعتبار أنواع المال، وكذا الكلام في: حلوة، انتهى. وزاد القسطلاني (٥): أو صفة لمحذوف كالبقلة، انتهى.

стр. 3408

وقال الحافظ (١): ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمي كل شيء مشرقٍ ناضرٍ أخضر، وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه، كأنّه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، إلى آخر ما ذكر. (١٢ - باب ما قدم من ماله فهو له) الضمير للإنسان المكلّف، وحذف للعلم به وإن لم يجر له ذكر، قال ابن بطال وغيره: في الحديث التحريض على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبر، ولا يعارضه قوله ﷺ لسعد: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" لأن حديث سعد محمول على من تصدق بماله كله أو معظمه في مرضه، وحديث ابن مسعود في حق من يتصدق في صحته وشحّه، انتهى من "الفتح" (٢). (١٣ - باب المكثرون هم الأقلون. . .) إلخ كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: "هم المقلون". قال الحافظ (٣): كذا للأكثر، وللكشميهني: "الأقلون"، وقد ورد الحديث باللفظين، ووقع في رواية المعرور عن أبي ذر: "الأخسرون" بدل "المقلون" وهو بمعناه بناءً على أن المراد بالقلة في الحديث قلة الثواب، وكل من قلّ ثوابه فهو خاسر بالنسبة لمن كثر ثوابه، انتهى. (١٤ - باب قول النبي ﷺ : "ما أحب أن لي أُحدًا ذهبًا ") هكذا في "الهندية"، وفي نسخة "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني" بلفظ: "ما أحب أن لي مثل أُحدٍ ذهبًا" بزيادة لفظ "مثل"، وأما في

стр. 3409

نسخة "الفتح" ففيه بدله: "ما يسرّني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا". (١٥ - باب الغنى غنى النفس) أي: سواء كان المتصف بذلك قليل المال أو كثيره، والغنى بكسر أوله مقصور، وقد مدّ في ضرورة الشعر، وبفتح أوله مع المدّ هو الكفاية، قاله الحافظ (١). وقال العلامة العيني (٢): وحاصل معناه: ليس الغنى الحقيقي المعتبر من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا، ولذا ترى كثيرًا من المتمولين فقير النفس مجتهدًا في الزيادة، فهو لشدة شرهه وحرصه على جمعه كأنّه فقير، وأما غنى النفس فهو من باب الرضا لقضاء الله لعلمه أن ما عند الله لا ينفد، انتهى. قال الحافظ (٣): قال الطيبي: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل: ومن ينفق الساعات في جمع ماله … مخافة فقر فالذي فعل الفقر أي: ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرًا، انتهى. قال الحافظ: وهذا وإن كان يمكن أن يراد لكن الذي تقدم أظهر في المراد، انتهى. (١٦ - باب فضل الفقر) قال العيني (٤): والمراد به الفقر الذي صاحبه راضٍ بما قسّم الله له وصابر على ذلك، ولا يصدر من قوله وفعله ما يسخط الله تعالى، ولا يترك التكسب، وأما فقراء هذا الزمان فإن أكثرهم غير موصوف بهذه الصفات،

стр. 3410

وأما الخلاف في أن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فهو مشهور، انتهى. وبسط الحافظ (١) الكلام على مسألة التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، فارجع إليه لو شئت. (١٧ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه. . .) إلخ أي: في حياته، (وتخليهم عن الدنيا) أي: عن ملاذِّها والتبسط فيها، ذكر فيه ثمانية أحاديث، قاله الحافظ (٢). قلت: وقد أخرج الإمام أبو داود في "باب الإمام يقبل هدايا المشركين" من "كتاب الخراج" حديثًا طويلًا في بيان معيشة النبي ﷺ ونفقته من حديث عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالًا مؤذنَ رسول الله ﷺ بحلب فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له ﷺ شيء، كنت أنا الذي أَلِيْ ذلك [منه] منذ بعثه الله تعالى حتى توفي ﷺ ، فذكر حديثًا طويلًا فيه قصة، فارجع إليه لو شئت (٣). (١٨ - باب القصد والمداومة على العمل) القصد: سلوك الطريق المعتدلة، أي: استحباب ذلك، وسيأتي أنهم فسّروا السداد بالقصد، وبه تظهر المناسبة، قاله الحافظ (٤). وقال أيضًا: ذكر المصنف فيه ثمانية أحاديث أكثرها مكرر، وفي بعضها زيادة على بعض، ومحصل ما اشتملت عليه الحثّ على مداومة العمل الصالح وإن قلّ، وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله، وقصة رؤية النبي ﷺ الجنة والنار في صلاته، والأول هو المقصود

стр. 3411

بالترجمة، والثاني ذكر استطرادًا، وله تعلق بالترجمة أيضًا، والثالث يتعلق بها أيضًا بطريق خفي. ثم قال في آخر أحاديث الباب: وفي الحديث إشارة إلى الحثِّ على مداومة العمل؛ لأن من مثل الجنة والنار بين عينيه كان ذلك باعثًا له على المواظبة على الطاعة والانكفاف عن المعصية، وبهذا التقريب تظهر مناسبة الحديث للترجمة، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (سددوا) في هامش المصرية عن"شيخ الإسلام" (٢): من السداد بالمهملة، وهو القصد من القول والعمل. وقوله: (وقاربوا) أي: لا تبلغوا النهاية في العمل بل تقربوا منها لئلا تملوا، انتهى. وقال القسطلاني (٣): قوله: "سددوا. . ." إلخ، أي: اقصدوا السداد، أي: الصواب، انتهى. (١٩ - باب الرجاء مع الخوف) عندي هما باعثان على مداومة العمل، ولذا عقب الأولى بهما. وقال الحافظ: أي: استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم، انتهى من "الفتح" (٤). (٢٠ - باب الصبر عن محارم الله) قال الحافظ (٥): يدخل في هذا المواظبة على فعل الواجبات والكف عن المحرمات، وذلك ينشأ عن علم العبد بقبحها، وأن الله حرمها صيانةً لعبده عن الرذائل، فيحمل ذلك العاقل على تركها ولو لم يرد على فعلها

стр. 3412

وعيد، وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن (١) المكروه وعقد اللسان عن الشكوى والمكابدة في تحمله وانتظار الفرج، انتهى. (٢١ - باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]) استعمل لفظ الآية ترجمة لتضمنها الترغيب في التوكل، وكأنه أشار إلى تقييد ما أطلق في حديث الباب قبله، وأن كلًّا من الاستغناء والتصبر والتعفف إذا كان مقرونًا بالتوكل على الله فهو الذي ينفع وينجع، والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلّت عليه هذه الآية ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي ﷺ : "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي"، قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم، انتهى من "الفتح" (٢). (٢٢ - باب ما يكره من قيل وقال) قال القسطلاني (٣): بفتحهما في الفرع كأصله، ثم قال في شرح الحديث: قوله: "ينهى عن قيل وقال" بفتحهما فعلان ماضيان، الأول مجهول، وهو حكاية أقاويل الناس: قال فلان كذا وفلان كذا، وقيل كذا أو كذا، ولأبي ذر: "قيلٍ وقالٍ" بالتنوين فيهما اسمان، يقال: قَالَ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، أي: نهى عن الإكثار مما لا فائدة فيه من الكلام، انتهى. وبسط الحافظ (٤) الكلام في شرح الحديث وبيان معناه.

стр. 3413

قلت: ومناسبة الباب بالكتاب لعله من جهة أن كثرة الكلام بما لا فائدة فيه مما يورث القساوة في القلب. (٢٣ - باب حفظ اللسان. . .) إلخ أي: عن النطق بما لا يسوغ شرعًا مما لا حاجة للمتكلم به، وقد أخرج أبو الشيخ في "كتاب الثواب" والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي جحيفة رفعه: "أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان"، انتهى من "الفتح" (١). (٢٤ - باب البكاء من خشية الله) أي: بيان فضله، قاله العيني (٢). (٢٥ - باب الخوف من الله) قال العيني (٣): أي: في بيان شدة الاعتناء بالخوف من الله ، والخوف من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] انتهى. قال الحافظ (٤): وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية مما دونه، انتهى. (٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي) أي: تركها أصلًا ورأسًا، والإعراض عنها بعد الوقوع فيها، انتهى من "الفتح" (٥).

стр. 3414

(٢٧ - باب قول النبي ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا. . ." إلخ) قال الحافظ (١) ﵀: والمراد بالعلم ههنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف، انتهى. (٢٨ - باب حجبت النار بالشهوات) فمن هتك الحجاب بارتكاب الشهوات المحرمة كالزنا وغيره مما منع الشرع منه كان ذلك سببًا لوقوعه، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنه وكرمه، قاله القسطلاني (٢). ثم قال في شرح الحديث: قوله: "حجبت. . ." إلخ، ولمسلم: "حفت" بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة المشددة في الموضعين من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجي منها إلا بترك الشهوات، وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ وبديع بلاغته في ذمِّ الشهوات وإن مالت إليه النفوس، والحضِّ على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشقّت عليها، انتهى. وفي شرح هذا الحديث قولان، أحدهما: شرح الجمهور، والثاني: ما اختاره أبو بكر ابن العربي كما بسط في الشروح، وذكرهما صاحب "الفيض" (٣) أيضًا، وقال بعد ذكر القولين: والظاهر عندي أن الشرحين صحيحان باعتبارين مختلفين، وإن كان الأسبق إلى الذهن شرح الجمهور فشرحهم أسبق، وشرح القاضي ألطف، انتهى. فارجع إليه لو شئت.

стр. 3415

(٢٩ - باب الجنة أقرب إلى أحدكم. . .) إلخ قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء، وتقدم في هذا المعنى قريبًا حديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" الحديث، فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها، وقال ابن الجوزي (٣): معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية، انتهى. قال السندي (٤): قوله: "الجنة أقرب إلى أحدكم. . ." إلخ؛ لأن حصول كل منهما يكون منوطًا بكلمة لا يبالي بها المتكلم، وأي شيء أقرب إلى الإنسان مما شأنه ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى. ذكر المصنف فيه حديثين، ومناسبة الأول بالترجمة ظاهرة، وأما الثاني فخفية، قال القسطلاني (٥): ومطابقته للترجمة من حيث إن كل شيء ما خلا الله في الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله تعالى ولا يقرب منه إذا كان باطلًا يكون الاشتغال به مبعدًا من الجنة مع كونها أقرب إليه من شراك نعله، قاله العيني. وقال: إنه من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطره، وقال في "فتح الباري": مناسبته للترجمة خفية، وكأن الترجمة لما تضمنت ما في الحديث الأول من التحريض على الطاعة ولو قلّت، والزجر عن المعصية ولو قلّت،

стр. 3416

تضمنت أن من خالف ذلك إنما يخالفه لرغبة في أمر من أمور الدنيا، وكل ما في الدنيا باطل، كما صرّح به الحديث الثاني، فلا ينبغي للعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي، انتهى. (٣٠ - باب لينظر إلى من هو أسفل منه. . .) إلخ قال القسطلاني (١): قال ابن بطال: لا يكون أحد على حالة سيئة من الدنيا إلا يجد من أهلها ما هو أسوأ حالًا منه، فإذا تأمل ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير إبراز (٢) حبه فيعظم اغتباطه بذلك، نعم ينظر إلى من هو فوقه في الدين فيقتدي به فيه، انتهى. وقال الحافظ (٣): والترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم بنحوه بلفظ: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم"، انتهى. (٣١ - باب من همّ بحسنة أو سيئة) قال الحافظ (٤): الهمّ: ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا، أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب، ثم بسط الكلام في شرح الحديث. قوله: "ومن همّ بسيئة فلم يعملها. . ." إلخ، ولا يخفى أن الترك الذي يثاب عليه ما يكون لوجه الله لا لأمر آخر. قال الخطابي (٥): هذا إذا تركها مع القدرة عليها إذ لا يسمى الإنسان تاركًا للشيء الذي لا يقدر عليه، انتهى، كذا في الحاشية (٦).

стр. 3417

قلت: فعلى هذا لا منافاة بينه وبين ما في أبي داود (١) من قوله ﷺ : "إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها". (٣٢ - باب ما يتقى من محقرات الذنوب) بفتح القاف المشددة وهي التي يحتقرها فاعلها، انتهى من "القسطلاني" (٢). وقال الحافظ (٣): وعند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا" وصحّحه ابن حبان، انتهى. (٣٣ - باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها) قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء، وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك: رأيت رجلًا قتل ظلمًا فقلت في نفسي: أنا أفضل من هذا، فقال: أمنك على نفسك أشدّ من ذنبه، قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء، انتهى. (٣٤ - باب العزلة راحة من خلاط السوء) قال الحافظ (٦): لفظ هذه الترجمة أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر أنه قاله، لكن في سنده انقطاع، و"خلاط" بضم
следующие страницы →