وحكى صاحب "النور الساري" عن تقرير شيخ الهند قُدِّس سرُّه في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] إلخ: هذا الحديث مختصر، وجاء بطريق آخر أن الصحابة لما نزلت هذه الآية قالوا: أينا لم يظلم يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "إن المراد من الظلم الشرك"، وجاء الوحي أن الشرك لظلم عظيم، قيل: ما وجه فزع الصحابة من هذه الآية؟ وما وجه تخطئة النبي ﷺ لهم، وقوله لهم ما قال؟
فالشرَّاح - رحمهم الله تعالى - قالوا: إن الصحابة فهموا ما فهموا من الآية بالنظر إلى القاعدة الكلية، وهو أن النكرة إذا وقعت تحت النفي تفيد العموم والاستغراق والشمول، فالظلم عام شامل للمعاصي والكفر جميعًا، فالتنوين في "ظلم" للتنكير، وما قال النبي ﷺ فهو بناءً على أن التنوين فيه للتعظيم، والظلم العظيم هو الشرك.
لكن قال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: إن هذا التقرير يخل بفصاحتهم وبلاغتهم، وليس من شأنهم كهذا الكلام، ومع هذا فسأل منهم ما وجه عدول النبي ﷺ عن القاعدة الكلية، ولا دليل على ما قال، وهذا بعيد من شأن النبي ﷺ ، ولكن شيئًا آخر كان بينهما فعلًا للمقصود، ولما قال النبي ﷺ ما قال فهموا مطلبه، فقال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: الأَولى والألصق بالقلب أن يقال كما قال مولانا الشاه عبد القادر الدهلوي في ترجمته للكلام المجيد تحت هذه الآية، خلاصته: أن الصحابة فهموا من هذه الآية الإيمان الكامل، فقال النبي ﷺ : "المراد من الظلم الشرك" بناءً على أن المراد من الإيمان التصديق واليقين، فالتباس الظلم به يكون إذا كان يراد منه الشرك.
وقال مولانا قاسم الخيرات - أي: مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي -: إن اللبس في اللغة الاختلاط في محل واحد، والصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وقعوا في هذا، وقالوا ما قالوا؛ لأنهم فهموا معنى اللبس اتصالًا، فقالوا: أينا لم يظلم؟ فقال النبي ﷺ : "إن الشرك لظلم
стр. 369
عظيم" يعني: أن المراد من اللبس هو الجمع في محل واحد، وهو يتحقق إذا كان يراد من الظلم الشرك، فإن للإيمان والشرك محلًّا واحدًا، وإن شئت أن يتيسر لك المقصود فعليك أن تجمع ما قالا بأن تقول: إنهم فهموا اللبس اتصالًا والإيمان كاملًا، وقال النبي ﷺ : إن الإيمان هو الاعتقاد واليقين، واللبس خلط شيئين في محل واحد، والله أعلم بالصواب، انتهى.
وما أفاده حجة الإسلام النانوتوي قد سبقه إلى ذلك العلامة بهاء الدين السبكي في "عروس الأفراح": وكان خطر لي قديمًا أن في الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالظلم فيها الكفر، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾؛ لأن الذي يلبس الإيمان هو الشرك، فإنه كالممازج له ولا تلتبس بالإيمان، وعرضت هذا المعنى على والدي بدرس الشامية بـ "دمشق" فارتضاه وفرح به، انتهى.
قلت: وحاصله: أنه جعل اللبس قرينة على كون المراد بالظلم هو الشرك، فإن الخلط إنما يمكن في محل واحد، ومحل الأمرين هو القلب.
(٢٤ - باب علامة المنافق)
قال الحافط (١): لما قدم أن مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم، أتبعه بأن النفاق كذلك، وقال الشيخ محيي الدين: مراد البخاري بهذه الترجمة أن المعاصي تنقص الإيمان، كما أن الطاعة تزيده، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أن الأعمال الحسنة كما هي مكملات للإيمان وليست الإيمان نفسه، فكذلك مقابلها هذه الأعمال مكملات للكفر ليست هي الكفر نفسه.
وكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): "باب علامة المنافق" سردها ليتجنب عنها المسلم مع ما فيه من الاحتجاج على أن
стр. 370
الاتصاف بها وبالذنوب سوى ذلك لا يوجب الخروج عن الإيمان، وأن النفاق في مثل تلك الروايات إنما هو نفاق العمل، أو تسميته نفاقًا بحسب صورة النفاق لا حقيقته، وذلك لأنه لم يطلق عليه لفظ المنافق، وإنما قال: إنها علامات له، فمن كانت فيه واحدة منها كان فيه من النفاق بقدرها، ومن كانت فيه زيادة منها كانت فيه زيادة منه، ولم يقل إنه منافق، وقد علم أن الإيمان غير مُتَجَزٍّ، فلا يمكن إثبات بعض الإيمان وبعض الكفر في مثل ذلك الرجل الذي فيه علامة أو علامتان أو ثلاث منها، وأيضًا: فقد ذكر فيه ما يدل على أنه لم يخرج بوجود تلك العلامات فيه من الإيمان وهو قوله: حتى يدعها، فعُلم أن نفس الموادعة والترك كافٍ ولا يفتقر إلى تجديد إيمانه، وأيضًا: ففيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه لما اتصف بعلائم المنافقين كان فيه نقص في الإيمان بهذا القدر، فافهم، انتهي.
وقال حضرة شيخ الهند ﵀ في «تراجمه» ما تعريبه: «باب علامات المنافق»، بيَّن المؤلف رحمه الله تعالى النفاق بعد بيان الكفر والمعاصي والشرك، ويظهر من الترجمة أن علامات النفاق متعددة، والغرض بيانها، ثم ذكر في الحديث الأول ثلاثة علامات، وفي الثاني أربعة صراحة، فعُلم أن النفاق له مراتب عديدة أيضًا، ويزيد وينقص مثل الكفر، وما ذكر في الحديث الثاني قوله: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»، يظهر منه الزيادة والنقصان في النفاق ظهور الشمس، ثم يظهر هنا أمران علاوةً على الغرض المذكور:
الأول: أن في هذا الباب تأييد للأبواب السابقة؛ كباب ظلم دون ظلم وغيره.
والثاني: كما أن المعاصي من الأمور الكفرية هكذا الأفعال التي ذكرها لعلامة النفاق هي داخلة في أفعال النفاق.
فكما صح أن يطلق على كفران العشير كفرًا هكذا يجوز أن يطلق على
стр. 371
الكفر والخيانة نفاقًا أيضًا، وما يفعله العلماء الكرام من التأويلات المختلفة للروايات على النفاق في العمل، فبعضهم جعل النفاق قسمين: نفاق في العقيدة ونفاق في العمل، وحمل هذه الروايات على النفاق في العمل، وبعضهم يجعل مجموعة العلامات الثلاثة الموجودة في الحديث الأول ومجموعة العلامات الأربعة الموجودة في الحديث الثاني كل منهما علاقة على حدة، ويقصد أن يثبت له معني خاصًّا فيما ذكرنا لا تبقى الحاجة إلى أي ذلك، فعليك بالتأمل الصادق، والله تعالى أعلم، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش «اللامع» (١)، وفيه:
قال الكرماني (٢): إن جماعة من العلماء عدُّوا هذا الحديث مشکلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم، من أن الإجماع حاصل [على] أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار، انتهى.
قال النووي (٣): ليس في الحديث إشكال؛ لأن معناه: هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين [في هذه الخصال، و] متخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدَّثه ووعده وائتمنه، لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر.
وأجمل الحافظ الكلام على الأجوبة، فقال بعد جواب النووي (٤): ومحصل هذا الجواب في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال کالمنافق، وهو بناءً على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر، وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد به نفاق العمل، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر ﵁ لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: «كان منافقًا خالصًا».
стр. 372
وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، والظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل، كذا قال، والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حدّث يدل على العموم، أي: إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، قال الكرماني (١): ولا شك أدن مثله منافق في الدين.
وقيل: محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادَّعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين، وكان رسول الله ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله ﷺ : "ما بال أقوام يفعلون كذا؟ " فههنا إشارة بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها.
وقيل: ورد في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ ، فحدثوا بإيمانهم فكذبوا، ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا، وائتمنوا في دنياهم فخانوا، وتمسَّك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها تعيَّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، انتهى ما في "الفتح" بزيادة.
قال الكرماني (٢): فلدفع الإشكال خمسة أوجه؛ لأن اللام فيه إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو المراد الاعتياد أو معناه الإنذار، وإما للعهد من منافقي زمن رسول الله، وإما من منافق خاص، وههنا وجه سادس، وهو أن المراد نفاق العمل لا نفاق الإيمان، وأحسن الوجوه وهو السابع بأن يقال: إن النفاق: شرعي، وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام،
стр. 373
ونفاق عرفي، وهو ما يكون سره خلاف علنه، وهذا هو المراد إن شاء الله، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
قوله: (حتى يدعها) فعلم أن نفس الموادعة كاف ولا يفتقر إلى تجديد إيمان، وأيضًا فيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه لما اتصف بعلائم المنافقين كان فيه نقص في الإيمان بهذا القدر كما تقدم عن "اللامع" (١).
وفي هامشه: وبذلك جزم النووي كما حكاه الكرماني إذ قال: مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض.
وقال النووي (٢): مراد البخاري بذكر هذا الحديث أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده، انتهى.
(٢٥ - باب قيام ليلة القدر)
وفي هامش "اللامع": ذكر المصنف من "باب كفر دون كفر" خمسة أبواب تُضاد الإيمانَ، فبضدها تتبين الأشياء، ثم رجع بعد الخمسة إلى أمور الإيمان من "باب قيام ليلة القدر"، واختلف العلماء في المناسبات فيها بوجوه مختلفة كما ترى في كلام الشيخ وهذه الحواشي.
قال الحافظ (٣): لما بيَّن علامات النفاق وقبَّحها رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسَّنها؛ لأن الكلام على متعلقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادًا، انتهى.
وقال العيني (٤): لما فرغ من الأبواب الخمسة التي هي ضد الإيمان
стр. 374
ذكرها استطرادًا رجع إلى الأول، ولما كان آخر أبواب الإيمان "باب السلام من الإيمان" ذكر ليلة القدر متصلًا لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] فكان إفشاء السلام في ليلة القدر أكثر من غيرها.
قوله: (إيمانًا واحتسابًا) مناسبة الرواية بالترجمة متوقفة على أن أثر الشيء والحاصل به يلحق به، فلما كان القيام مترتبًا على الإيمان مسببًا عنه كان ملحقًا به وجزء منه، وهذا ملحوظ في كثير من التراجم بعده، ولا يبعد أن يقال في مثل هذه التراجم: إنه غير متصد لإثبات الجزئية حتى يتكلف، وإنما قصد أن يثبت ما هو من مسببات الإيمان ومقتضياته ليقبل المسلم عليه ويفعله، كذا في "اللامع" (١).
وفي هامشه: وهذا مما مشى عليه الشيخ من "باب أمور الإيمان" أن غرض المصنف من هذه الأمور تحريض المسلم على الاتصاف بأمور الإيمان وشعبه.
قال الكرماني (٢): قوله: "احتسابًا" أي: إرادة وجه الله تعالى لا الرياء ونحوه، فقد يفعل الإنسان فعل الخير لكنه لا يفعله مخلصًا بل لرياء أو خوف ونحوه، وهو منصوب لأنه مفعول له، أو تمييز، ولا يصح أن يكون حالًا بمعنى مؤمنًا محتسبًا؛ لأنه لا يدل حينئذ على ترجمة الباب، إذ المفهوم فيه ليس القيام إلا في حال الإيمان.
فإن قلت: فالتمييز والمفعول له أيضًا لا يدلان على الترجمة؟ قلت: من للابتداء، فمعناه، أن القيام منشؤه الإيمان، فيكون للإيمان أو من جملة الإيمان، انتهى مختصرًا.
وتعقب كلامه العيني ورجَّح كونهما حالين وقال (٣): الترجمة غير مرتبة عليه، وإنما هي مرتبة على مباشرة عمل هو سبب لغفران ما تقدم من ذنبه،
стр. 375
وهو قيام ليلة القدر، ومباشرة مثل هذا العمل شعبة من شعب الإيمان، انتهى.
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي (١): إذا قيل: قام طوعًا، فمعناه قيامًا تطوعًا، هكذا صام رمضان إيمانًا، وقام ليلة القدر إيمانًا، أي: صومًا هو الإيمان، وقيامًا هو الإيمان، فهو مفعول مطلق لحمله عليه، وإن خالف في المفهوم فطابق الترجمةَ الحديثُ، انتهى.
(٢٦ - باب الجهاد من الإيمان)
قال الحافظ (٢): أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مع أنها في نسق واحد، لنكتة لم أرَ من تعرَّض لها، ثم بسطها، وحاصلها: أن التماس ليلة القدر تستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسب في أن كلًّا منهما مجاهدة، وفي أن كلًّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا.
ثم قال: فذكر المصنف ﵀ فضل الجهاد لذلك استطرادًا، ثم عاد إلى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة لقيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام؛ لأن الصيام من التروك فأخَّره عن القيام لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله أشار إلى أن القيام مشروع في أول ليلة من الشهر خلافًا لبعضهم، انتهى مختصرًا.
(٢٧ - باب تطوع قيام رمضان)
ذكر شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: اختلف العلماء المحدِّثون الكرام وغيرهم الذين جعلوا الأعمال داخلة في الإيمان على قولين: فجماعة
стр. 376
تقول: إن الفرائض فقط دون التطوعات داخلة في الإيمان، والجماعة الثانية تقول: إن الفرائض والنوافل وجملة الأعمال داخلة فيه، والظاهر أن المؤلف ﵀ بإضافة كلمة التطوع في الترجمة أشار إلى رجحان القول الثاني.
(٢٨ - باب صوم رمضان. . .) إلخ
ذكر مولانا فخر الدين في "القول الفصيح": أخَّرَه عن قيام رمضان مع أن الصوم فرض وقيام رمضان تطوع؛ لأن الصوم من التروك وقيام رمضان من الأفعال؛ ولأن القيام أول عمل الشهر بعد دخوله؛ ولأنه عمل الليل؛ ولأنه تقدمة للصيام بمنزلة السنن المؤكدات قبل الفرائض؛ ولأن بالقيام قبل الصيام دخولًا في فرض الصوم من باب السُّنَّة، قال النبي ﷺ : "فرض الله عليكم صيامه وسننتُ لكم قيامه" (١) أو كما قال ﵇.
ثم بين قيام رمضان وقيام ليلة القدر فرق، فقيام رمضان لرمضان خاصة ليس من أجل ليل القدر، بخلاف قيام ليل القدر فإنه قيام من أجل تلك الليلة المباركة فلا يختص برمضان، فقد تكون في غير رمضان أيضًا، نعم أكثر ما تكون تلك الليلة في رمضان في العشرة الثالثة في أوتارها، إلى آخر ما بسط.
(٢٩ - باب الدِّين يسر)
ذكر شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: أن ترجمة الباب ومفهوم الحديث والتوافق بينهما ظاهر جدًّا، ولكن مع هذا تظهر فيه إشارة إلى أن الأعمال داخلة في الإيمان كما يفهم من الأبواب السابقة اللاحقة، كما أن فيه تعريضًا إلى تشديدات المعتزلة والخوارج أيضًا، انتهى.
قلت: الأوجه عندي: أن هذا الباب رد على الخوارج خاصة.
стр. 377
وأجاد الحافظ (١) إذ قال بعد ذكر الحديث: ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمَّنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبيِّن أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان فقال: باب الصلاة من الإيمان، انتهى.
(ولن يشاد الدين. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ الدهلوي في "تراجمه" (٢): أي: أخذه بالشدة بترك الأرفق الأيسر، وكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أي بالتزام ما هو أعلى مراتب العزيمة إلا غلبه الدين بأن لا يمكنه الجري على ما التزمه، وذلك لما في العزيمة من عسر يشق الدوام عليها مع أن مراتب العزيمة متفاوتة، ففوق كل مرتبة مزيد، وفيه دلالة على تفاوت الإيمان زيادةً ونقصانًا، فإن من تخير أعلى مراتب العزيمة كان أقواهم إيمانًا كالأنبياء، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه على شرح قول "اللامع"، وفيه: قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطِّع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته؛ كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، ويستفاد من الحديث الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية،
стр. 378
فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع؛ كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي إلى الضرر.
قوله: (قاربوا وأبشروا) قال شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" (١): أي: خذوا العمل القريب من الطاقة، وأبشروا، أي: بالثواب على العمل وإن قَلَّ، وكذا في "الفتح" (٢) أيضًا.
وقال التيمي: و"قاربوا"، إما أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها، فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، وإما أن يكون معناه ساعدوا، يقال: قاربت فلانًا إذا ساعدته، أي: ليساعد بعضكم بعضًا في الأمور، والأول أليق بترجمة الباب، كذا في "الكرماني" (٣).
قوله: (واستعينوا بالغدوة. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ الدهلوي في "تراجمه" (٤): الغدوة: السير أول النهار، والروحة: السير بعد الزوال، والدُّلجة: السير آخر الليل، والمعنى: استعينوا، أي: واظبوا على الطاعات في هذه الأوقات، انتهى.
وقال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: "استعينوا بالغدوة. . ." إلخ، أي: فلما لم يبق التزام أعلى مراتب العزيمة لم يجز الترك بالكلية، بل ينبغي التزام ما يمكن الدوام عليه من كثرة النوافل وغيرها من القربات في تلك الأوقات، ووجه تخصيصها غير خفي، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" أشد البسط، وفيه: الغدوة - بفتح الغين - ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والرَّواح من زوال الشمس إلى الليل، والدُّلجة - بفتح الدال وضمها - من الإدْلاج - بسكون
стр. 379
الدال - السير أوَّل الليل، ومن الإدِّلاج - بالدال المكسورة المشددة - سير آخر الليل.
وأما الرواية فهو بضم الدال، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] كأنه ﷺ خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر، بل على الحقيقة: الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبَّه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم، إلى آخر ما بسط فيه.
وفي "فيض الباري" (١): وكان مولانا قطب العالم الشيخ الكَنكَوهي ﵀ يؤوِّله بالذكر في الغدوة والروحة وشيء من الدلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد، انتهى.
(٣٠ - باب الصلاة من الإيمان)
لما ذكر في الحديث السابق الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، والصلاة أفضل العبادات، نبَّه بذلك على الصلوات الخمس، فإن الفجر: الغدوة، والظهرين: الروحة، والعشائين: شيء من الدلجة، كذا في العيني (٢) مختصرًا.
قوله: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. . .) إلخ، [البقرة: ١٤٣]، قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أيَّد به الترجمة لما فيه من إطلاق الإيمان على الصلاة إطلاق الكل على جزئه، ففيه دخول الصلاة وهي من الأعمال في الإيمان مع أن مراتب المصلين بحسب تفاوت صلواتهم في الحسن والقَبول متفاوتة، فيتطرق بذلك تفاوت في مراتب الإيمان، ولعل غرضهم - رضي الله تعالى عنهم - ليس هو السؤال عن نفس الأجر، بل المسألة إنما وقعت لأنهم لمَّا علموا أن الناسخ خير من المنسوخ
стр. 380
أو مثله، وقد علموا أيضًا أن إكمال الدين يومًا فيومًا يقتضي أن يكون الحكم الآتي بعد حكم أكمل منه وأفضل عند الله، وكان النبي ﷺ يحب أن يحوَّل إلى الكعبة، فكان ذلك أول دليل أيضًا على فضل الصلاة إليها، فاشتبه أمر الثواب المرتب على صلاتهم إلى بيت المقدس هل يساوي أجور صلاتنا إلى الكعبة أو يكون دون ذلك؟ انتهى.
قوله: (عند البيت) وقال شيخ الهند في "تراجمه": الذي يحتاج إلى البيان والتوضيح هو قوله: "عند البيت" فإنه مما يختلج في القلب، ولذا حمله بعض الشرَّاح على التصحيف، وأَوَّلَه بعض المحققين بما لا يخلو عن تكلف، والأحسن عندنا أن لا يتكلف بأيّ تأويل، بل يجعل الظرف متعلقًا بالصلاة على ما هو الظاهر، ويكون التقدير: صلاتكم إلى البيت المقدس.
وإنما كنا نحتاج إلى التأويل أو دعوى التصحيف لو كان المصنف قال: إلى البيت، وأما قوله: "عند البيت" فقرينة على أن تلك الصلوات لم لكن إلى البيت، فإذا لم تكن إلى البيت فلا بد أن تكون إلى البيت المقدس، وهذا مما لا شك فيه، ولما كانت الصلوات التي صُلِّيت قبل الهجرة عند البيت الحرام إلى البيت المقدس كثيرة، مع كونها أُدِّيت في المسجد الحرام الذي هو مقام مقدس ومكان أفضل، فيستبعد جدًّا ضياعها، فلذا وقع التصريح بها بخلاف الصلوات التي صُلِّيت إلى البيت المقدس بعد الهجرة فإنها لم تكن بتلك الكثرة، وأيضًا ما صليت في المسجد الحرام، فلم يقع الاحتياج إلى الإشارة إليها، وأيضًا هذا أوفق وألصق بشأن النزول، فتأمل ولا تعجل، انتهى.
وقيل: هو تصحيف، والصواب: إلى غير البيت، فإنها كانت إلى بيت المقدس، وقال الحافظ (١): لا تحريف بل المقصود دقيق، وهو أن الصلاة إلى غير البيت مع كونه عند البيت إذا لم تضع فهي مع البعد عنه إلى غير
стр. 381
البيت كيف تضيع، كذا في "القسطلاني"، انتهى. والبسط في هامش "اللامع" (١).
وقيل: المراد بالبيت مكة، وكانت الصلاة عنده إلى بيت المقدس، كذا في "الكرماني" (٢).
وقال السندي (٣): الظرف ليس متعلقًا بالصلاة حتى يرد أنه تصحيف، والصواب: صلاتكم لغير البيت، بل هو متعلق لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان الله ليضيع صلاتكم قبل استقبال البيت، أي: لا يبطل الله صلاتكم حين استقبلتم البيت، فإن استقبال البيت خير، فلا يترتب عليه فساد الأعمال السابقة، والله أعلم.
(أول صلاة صلاها) قال الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): والذي استظهرت عليه الروايات أن التحويلة إنما وقعت في صلاة الظهر، وباقي الروايات مؤولة، فإما أن يقال: إن راوي العصر لم يصل معه الظهر، فظن أن العصر أول صلاة صلاها إلى الكعبة، أو يكون المعنى: أول صلاة صلاها من صلوات العصر لا مطلقًا، أو غير ذلك من التأويلات، انتهى.
قلت: واختلفت الروايات في ذلك كثيرًا، بُسطت في هامش "اللامع"، والبسط منه في "الأوجز" (٥).
والحاصل: أنه اختلفت الروايات في تعيين الصلاة: أهي الظهر أو العصر؟ وفي الموضع الذي وقع فيه التحويل: أهو المسجد النبوي، أو مسجد بني سلمة مسجد القبلتين؟
واختار الواقدي، ومحمد بن حبيب الهاشمي، وابن الجوزي في
стр. 382
"التلقيح": أن التحويل وقع في مسجد بني سلمة في صلاة الظهر، وقيل: وقع في المسجد النبوي في صلاة الظهر.
وقال الحافظ ابن كثير (١): المشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ ابن حجر (٢): التحقيق أن أول صلاة صلاها في مسجد بني سلمة - لما مات بشر بن البراء بن معرور - الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، انتهى.
والأوجه عندي: أن أول صلاة صلاها هي العصر، وكتب مولانا الشيخ محمد حسن المكي من تقرير الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه كما في هامش "اللامع" (٣): أن ما اشتهر أن تحويل النبي ﷺ كان في وسط الصلاة فكذب وغلط فاحش، بل نزل التحويل أولًا، ثم صلى الصلاة إلى البيت، انتهى.
قوله: (وأهل الكتاب): وفي هامش الهندية بالرفع عطفًا على اليهود من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد النصارى، وفيه نظر؛ لأنهم لا يصلون قِبَلَ بيت المقدس، فكيف تعجبهم؟ قاله السيوطي في "التوشيح" (٤)، قال القسطلاني (٥): وإعجابهم ليس لكونه قبلتهم بل بطريق التبعية لهم، انتهى.
قال الحافظ (٦): وفيه بُعد؛ لأنهم أشد الناس عداوة لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع، أي: يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس.
стр. 383
(٣١ - باب حسن إسلام المرء)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "فحسن إسلامه"، وكذلك قوله: "إلى سبعمائة ضِعف" يدلان على زيادة الإيمان ونقصه حيث كان الحُسن متفاوتًا، وكذلك تفاوت ما بين أجور الحسنات من العشرة إلى سبعمائة ضعف ينبئ عن ذلك، وكذلك في قوله تعالى من الباب السابق: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، دلالة على تفاوت مراتب الإيمان حسب تفاوت مراتب الصلاة في الحسن والقبول، فإن الصلاة لما كانت إيمانًا كان تفاوت درجاتها تفاوتًا في درجات الإيمان ومراتبه، وتفاوت ما بين المصلين مستغن عن البيان، انتهى.
وفي هامشه: قوله: تفاوت ما بين المصلين إلخ، ففي "أبي داود" (٢) من حديث عمار بن ياسر رفعه: "إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، وثمنها" الحديث، وما أفاده الشيخ من قوله: كان الحُسن متفاوتًا إلخ، كتب في هامش "اللامع": بذلك جزم الحافظ دون العيني، قال القسطلاني (٣): قول الحافظ (٤): إن الحديث يرد على من أنكر الزيادة النقص في الإيمان؛ لأن الحُسن تتفاوت درجاته، تعقبه العيني (٥) بأن الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقص، قابلية الذات، إلى آخر ما ذكره.
وفي "القول الفصيح": ثم لا يخفى أن الصلاة في أوقاتها آية باهرة لحسن إسلام المرء ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، فجاء تعقيب الصلاة بباب حسن إسلام المرء في غاية الحسن واللطافة، انتهى.
قلت: لما ذكر في الباب الأول حرص الصحابة على دينهم وشفقتهم
стр. 384
على إخوانهم حيث اغتموا على صلواتهم السابقة، وكذا على إخوانهم الذين ماتوا على الصلاة إلى البيت المقدس قبل التحويل، وكذا وقع له نظير ذلك في تحريم الخمر، فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] ذكر هذا الباب، فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها، كذا في "الفتح" (١).
وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٢) على حديث الباب، وفيه الكلام أيضًا على أن الكافر هل يثاب على حسناته إذا أسلم؟ كما مال إليه إبراهيم الحربي من الحفاظ من أصحاب أحمد بن حنبل، وابن بطال، والسهيلي، والقرطبي، وابن المنيِّر من المالكية، وجزم به النووي من الشافعية، قال في "شرح المهذب" (٣): والصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة، وقد نقل الإجماع عليه، ومن أطلق بخلاف ذلك فهو غالط مخالف للسُّنَّة الصحيحة التي لا معارض لها، انتهى.
وهكذا نقل عن اللقاني من الحنفية.
(٣٢ - باب أحب الدين إلى الله أدومه)
والمراد الدوام على الأعمال، ففيه إطلاق الدين على الأعمال، كذا في "شرح النووي" (٤)، أو الدوام قابل للقلة والكثرة فهو غرض الترجمة، كذا في "القسطلاني" (٥)، انتهى.
стр. 385
قال الحافظ (١): مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تطيقون"، لأنه لما قدَّم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبِّه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في "باب الدين يسر"، انتهى.
وفي "اللامع" (٢): قوله: "أحب الدين. . ." إلخ، والحب مختلفة مراتبه، فكذا الإيمان لترتبه عليه في الرواية، وباقي المعنى ظاهر.
وفي هامشه: قوله: "أحب الدين"، قال الكرماني (٣): أي أحب الأعمال، إذ الدين هو الطاعة، ومناسبة الكتاب من جهة أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وقال الخطابي (٤): أحب الدين أحب الطاعة، والدينُ في كلامهم الطاعةُ، ومنه الحديث في صفة الخوارج: "يمرقون من الدين" (٥)، أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يكون أراد بذلك أحب أعمال الدين بحذف المضاف.
(٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه)
قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٦): أراد بذلك الزيادة والنقصان بحسب تزايد المؤمن به وتناقصه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإن هذا الإكمال لم يكن إلا إكمال الأحكام والشرائع، وهو حق لا ريب فيه، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وذلك لأنه كلما نزل حكم آمنوا به، فكانت في إيمانهم زيادة بحسب زيادة
стр. 386
الأحكام، وكذلك يراد بقول المؤلف: إنه كلما ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، أن الدين لما كان كاملًا إذ ذاك كان الإيمان بما دونه ناقصًا نسبة إلى ذلك الذي استقر عليه الأمر وقت الإكمال وإن كان كاملًا في نفسه، فلا يلزم نقصان إيمان من مات منهم قبل إكمالها، والله أعلم، وهذا نسبة إلى الإيمان التفصيلي، فلمن آمن بعد إكمال الشرائع مزية على المؤمنين الذين ماتوا قبل الإكمال.
وأما الإيمان الإجمالي، فكلهم سواء فيه حيث آمن الأولون بعين ما آمن به الآخرون، نعم لا ينطبق على هذا المعنى للترجمة ما أورد فيه من الرواية؛ لأنه لا يمكن التفريق والتفاوت بين المؤمنين باعتبار المؤمن به، فكيف يمكن أن يقال في قوله: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" (١): إنه تقليل باعتبار قلة المؤمن به؟ وذلك لأن الإيمان بالبعض دون البعض مما أُمرنا أن نؤمن به عين الكفر، فلا جواب إلا باعتبار التفاوت في الأعمال.
فيكون حاصل الرواية: أن المؤمنين بعد ما آمنوا بما أمروا بالإيمان به، يتفاوتون بينهم تفاوتًا كثيرًا، فمنهم من ليس له من الخير إلا ذرة، ومنهم من له فوق ذلك، فأما إذا عمَّم في الترجمة بحيث يشمل الزيادة والنقصان بحسب الكيفية، والتفاوت بحسب المؤمن به، فالتطبيق بين الترجمة والرواية سهل، فإن مراتب الكيفيات ودرجات التصديق متفاوتة، فمنهم من أشد استيقانًا ومنهم من دون ذلك، إلا أن الكل منهم متصفون بالإيمان المتوقف عليه النجاة من الخلود في النار، وهذه المراتب من الذرة أو ما فوقها فيما فوق ذلك، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامشه، وفيه:
قال الحافظ (٢): تقدم قبلُ بستة عشر بابًا "باب تفاضل أهل الإيمان في
стр. 387
الأعمال"، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده ههنا، فتعقب عليه بأنه تكرار، وأجيب عنه بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخصَّ حديث أبي سعيد بالأعمال، لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبُرة والذَّرة.
قال ابن بطال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرة أو شعيرة، إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل مؤمن لا يجوز عليه النقصان، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، انتهى.
وقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه:
لقد ذكر المؤلف ﵀ في الترجمة الأولى من كتاب الإيمان قوله: "يزيد وينقص"، ثم أوضح تفاوت مراتب الإيمان في التراجم المتعددة بالعناوين المختلفة، وقد تقدم الكلام عليها في مواقعها، والآن هنا ترجم أيضًا بالزيادة والنقصان في الإيمان، ومفهومه أيضًا مفهوم الترجمة الأولى، بل إنه لم يغير العنوان أيضًا فهو تكرار الترجمة بعينها، لذا أقول: إنه قد تقدم في الأبواب السابقة أن المؤلف ﵀، أثبت في الباب الأول الزيادة والنقصان في الإيمان الكامل، يعني: مجموعة التصديق والأعمال، وفي هذا الباب يظهر بعد التأمل الشديد أنه أثبت بزيادة الشرائع والأحكام، يعني: الزيادة والنقصان في الإيمان باعتبار المؤمن به، ويمكن تصديق ما قلنا - إن شاء الله - من التعمق والخوض في الآيات والأحاديث المذكورة في الباب.
والحاصل: أن نفس الإيمان والأعمال ومجموعهما، والمؤمن به، لكل من هذه الوجوه أثبت المؤلف التفاوتَ في الإيمان والزيادةَ والنقصانَ فيه في الأبواب المختلفة بالنصوص الصحيحة، وراعى في ذلك الاحتياط واتباع السلف، والله تعالى أعلم، انتهى.
стр. 388
وبسط الكلام في هامش "اللامع" (١) على تلك المسألة، وفيه على قول الشيخ قُدِّس سرُّه: "وأما إذا عمَّم في الترجمة. . ." إلخ: وحاصل ما أفاده الشيخ أن الزيادة في ترجمة الباب تَعمّ زيادة المؤمن به كما هو نص آية الإكمال وزيادةَ التصديق القلبي كما مال إليه الحافظ تحذرًا عن تكرار الترجمة، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يبقى إشكال تكرار الترجمة، ولا إشكال عدم التوافق بين الترجمة والآية والرواية.
قوله: (في قلبه وزن ذرة من خير) قال السيوطي (٢): الذرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس، وقيل: النملة الصغيرة، قال ابن بطال: قال المهلب: الذرة أقل الموزونات، وهي في الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي زيادة من الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة في نفس التصديق.
فإن قيل: لما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب دلَّ على أنها زائدة من التصديق لا من الأعمال، والجواب: أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون بنية وإخلاص من القلب، جاز أن ينسب العمل إلى القلب، إذ تمامه بتصديق القلب، وقد عبَّر عن هذه الأجزاء من الأعمال مرة بالخير ومرة بالإيمان، وكل شائع سائغ.
وقال غير المهلب: ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها [التي] في القلب ثلاثتها من نفس التصديق؛ لأن قول لا إله إلا الله، لا يتم إلا بتصديق القلب، والناس يتفاضلون في التصديق، إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم لقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وكذا بزيادة المعاينة لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ
стр. 389
الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧]، حيث جعل له مزية على علم اليقين، كذا في "الكرماني" (١).
قلت: ومال إلى الزيادة في نفس التصديق النووي (٢)، والسيف الآمدي، والصفي الهندي، وصحَّحه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وقال: وهو أصح الروايتين عن أحمد بن حنبل، وجمهور المتكلمين على أن نفس التصديق لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو المشهور عن الحنفية، وقالوا: لئن سلمنا الزيادة في نفس التصديق فلا نسلم أنه بمقومات الماهية بل بغيرها، وقد صرَّح القاضي عياض بأن هذه المراتب من الشعيرة والبُرة والذرة إنما هي لشيء زائد على مجرَّد الإيمان؛ لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزُّؤ لشيء زائد عليه من عمل صالح، أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، أو نية صادقة، والله أعلم.
قوله: (لو نزلت علينا هذه الآية) قال القسطلاني (٣) في أول "كتاب الاعتصام": قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، انتهى.
وما أورد عليه القاري في "الحظ الأوفر" ليس بوجيه عندي.
وفي هامش "اللامع" (٤) قوله: "قد عرفنا. . ." إلخ، وفي تقرير مولانا الشيخ محمد حسن المكي رحمه الله تعالى، عن الشيخ الكَنكَوهي قال: يعني: قد جعل الله لنا ذلك اليوم عيدًا، يعني: العيد يكون بجعل الله لا باتخاذنا كما هو زعمكم وفعلكم، انتهى.
стр. 390
قلت: ويؤيد ذلك ما قال الحافظ في "الفتح" (١) في جواب من قال: كيف طابق الجواب السؤال في جواب عمر بمعرفة الوقت والمكان؟ فقال: عندي أن في هذه الرواية اكتفى بالإشارة؛ لأن في رواية الطبري في "التفسير" والطبراني في "الأوسط": "نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، وفي أخرى لهما: "وهما لنا عيدان"، وفي "الترمذي" من حديث ابن عباس: "نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة".
قال الحافظ: فإن قيل: كيف دلَّت هذه القصة على ترجمة الباب؟ أجيب: من جهة أنها بيَّنت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم، وقد جزم السدي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام، انتهى.
(٣٤ - باب الزكاة من الإسلام)
وفي الحاشية الهندية (٢): قوله: " ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ " [البينة: ٥] أي: المذكور من الأشياء دين الملة المستقيمة، ووجه قيام الآية بالترجمة أن الآية دلَّت على أن الزكاة من الدين، والدين عند الله الإسلام، فيكون الزكاة من الإسلام، كذا في "التوضيح".
قال الحافظ (٣): ويأتي فيه ما مضى في "باب الصلاة من الإيمان"، والآية دالة على ما ترجم له؛ لأن المراد بقوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دين الإسلام، والقيِّمة المستقيمة، وإنما خص الزكاة بالترجمة؛ لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى، انتهى.
قوله: (لا أزيد على هذا. . .) إلخ، اختلف في توجيهه على أقوال بسطت
стр. 391
في الصيام من "اللامع" (١)، والصلاة من "الأوجز" (٢).
والأوجه عندي: أن ما سيأتي في صيام البخاري من قوله: "والله لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض" (٣) ينافي التأويل المشهور من التبليغ، واختلفوا في جوابه أيضًا، والأوجه فيه عندي: أن المقتصر على الواجبات دون الآتي بالتطوعات ناج بلا ريب كما صرح بذلك النووي، وسيأتي في الصيام من كلام الحافظ، ومع هذا لما كانت التطوعات مكملات للفرائض فلا بد من إتيانها، فإن إتيان الصلاة بآدابها وبكمالها عسير جدًا.
وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ "الحديث، أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي (٤)، واللفظ له، بسط الكلام على الحديث أيضًا في "الأوجز" (٥).
(٣٥ - باب اتباع الجنائز من الإيمان)
قال الحافظ (٦): ختم به المصنف معظم التراجم التي وقعت له في شُعب الإيمان؛ لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، وإنما أخَّر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سنذكره، انتهى.
قلت: لم نجد ما وعده الحافظ نوَّر الله مرقده من سبب تأخير باب أداء الخمس. . . إلخ فيما وعده، ومثل هذا يقع كثيرًا في "الفتح" أن قدوة
стр. 392
المحدثين الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده كثيرًا ما يَعِدُ ذكر بعض الأبحاث في موضع ثم لا نجده فيها، والظاهر أن هذا من قصور تتبعنا، ولا يبعد أنه رضي الله تعالى عنه يريد ذكره، ولما وصل إلى الموضع الموعود نسيه.
(٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله)
قال النووي في "شرحه" (١): فيه رد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيئًا من أعماله، وأن إيمان المطيع والعاصي سواء، وذكر أقوال الصحابة والتابعين الخائفين عن ذلك، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): لا يقال في الباب تقوية لمذهب الإحباطية القائلين بإحباط الأعمال بالسيئات، وحكموا على العاصي بالكفر؛ لأن مراد المصنف إحباط الثواب فقط، انتهى.
بسط الشيخ قُدِّس سرُّه على هذا الباب في "اللامع" (٣) كلامًا طويلًا لا يسعه هذا المختصر، وكذا بسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ وتوضيح أقوال السلف، وجملة ما قال الشيخ: أشار المؤلف بذلك إلى أن المؤمن ليس من شأنه أن يأمن على نفسه الحبط والكفر، فإن المرء ما دام حيًّا يُخاف عليه الفتنة، فلا بد له من دوام المراقبة.
ثم إن للحبط مراتب: أدناها: أن لا يقع عمله على أفضل ما ينبغي أن يقع عليه، وأوسطها: أن لا يكون له قبول، وأعلى مراتب الحبط: سلب الإيمان والتأدية إلى الكفر، وبحسب هذه المراتب يتفاوت الإيمان قوة وضعفًا، وإن لم يكن لأحد من المؤمنين أمن من مراتب الحبط كلها، إلا أن غالب حاله الكون في مرتبة من تلك المراتب، وبحسبه يختلف اتصافه
стр. 393
بالإيمان، وكذلك التشبيه بإيمان جبرئيل لما لم يثبت من الصحابة علم أن بين المؤمنين بحسب إيمانهم تفاوتًا، فمن مؤمن إيمانه في أعلى مراتب اليقين، ومنهم دون ذلك، وكذلك الإصرار على الكبيرة لما كان مفضيًا إلى الكفر وحبط الأعمال كان الأبعد من الإصرار أبعد من الكفر وأقوى إيمانًا ممن هو أقرب إلى الكفر بإصراره على الكبيرة.
والرواية التي أوردها في الباب محمولة على ما وضع عليه الترجمة، فكانت الترجمة بيانًا لما هو المراد بالكفر في الرواية، وإذا خيف على المؤمن حَبْطُ أعماله بأنواعه التي ذكرت فكان الإصرار على الكبائر مفضيًا إلى الكفر كان ذلك ردًّا على المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يضر معه معصية، فكأن الباب مقصود له كما تدل عليه الرواية الموردة في الباب، انتهى.
وقال شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه:
ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب ترجمتين: الأولى: خوف المؤمن، والثانية: ما يحذر، [و] ذكر لإثبات الترجمة الأولى أقوال إبراهيم التيمي وغيره من التابعين، وللترجمة الثانية الآية القرآنية، ثم أورد روايتين يظهر علاقتهما بالترجمة الثانية واضحًا، والظاهر أن الغرض من الترجمة الأولى: هو أن المؤمن ينبغي له أن يكون خائفًا من النفاق، ومن الترجمة الثانية: المقصود فيه صريح وهو التخويف عن المعاصي.
والحاصل: أنه بعد الفراغ من أجزاء الإيمان ومكملاته أراد بيان المفسدات والمضرات الإيمانية، وهي شيئان:
الأول: النفاق، والثاني: المعاصي مع الإصرار بدون توبة. ولما لم يكن في روايات الباب ذكر الإصرار بغير توبة ذكر الآية في الترجمة لإثباته، وحصل إبطال المرجئة أيضًا، والرواية الأولى صريحة في ذلك، انتهى.
وفي "النور الساري": المناسبة بين هاتين الترجمتين بأن الترجمة
стр. 394
الأولى فيه أن يخاف المؤمن من حبط الأعمال، وليس فيه وجه الحبط، ولعل في الترجمة الثانية بيان سبب حبط الأعمال ووجهه، وهو الإصرار على التقاتل والعصيان، ويحتمل أن يقال: إن الترجمة الثانية عام والأولى فرد منها، وإنما أفرد الأولى بالذكر لاهتمام شأنه، والله أعلم، انتهى.
قال الحافظ: (١) قوله: "ما يحذر" هذه ترجمة أخرى، فصل بين الترجمتين بآثار لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان فالأول منهما يتعلق بالثانية، والثاني بالأولى، ففيه لف ونشر غير مرتب، انتهى.
قوله: (وهو لا يشعر. . .) إلخ، كأنه أشار إلى مسألة خلافية.
قال النووي: المراد بالإحباط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر؛ لأن الرجل لا يكفر إلا بما يفعل شيئًا عالمًا أنه الكفر، ورد عليه الكرماني (٢)، وقال: الجمهور على أنه يكفر بموجب الكفر وإن لم يعلم أنه كفر.
وقال ابن عابدين (٣): قال في "البحر": والحاصل: أن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده، كما صرَّح به في "الخانية"، ومن تكلم بها اختيارًا جاهلًا بأنها كفر ففيه اختلاف، انتهى.
قوله: (ابن أبي مليكة. . .) إلخ، كتب شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه: وأما قول ابن أبي مليكة: "ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرئيل وميكائيل"، فالمراد منه أن السلف لم ينقل منهم مثل هذه الكلمات، ويخشى منها المغالطة أيضًا فينبغي الاحتراز عنها، فإن الإمام أبا حنيفة ﵀ عند ما قال بذيل تحقيق مسألة الإيمان: إيماني كإيمان جبرئيل، أضاف بعدها: ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبرئيل، فسدَّ بذلك باب المغلطة.
стр. 395
والإمام محمد ﵀ عندما رأى حال الناس فأوضح وقال: لا أقول: إيماني كإيماني جبرئيل، بل أقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، ولم يتركوا شيئًا من الاحتياط إلا وأخذوا به، ومن لم يفهم مع ذلك أيضًا فحسيبه الله.
وانظروا الإمام البخاري نفسه مع احتياطه الكامل في مسألة خلق القرآن كم لاقى من مخالفيه ومعترضيه، وما ورد في منقبة القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فقد حصل لهؤلاء الأكابر بسبب الحسَّاد من هذه المنقبة نصيبهم، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (١): قال صاحب "الدر المختار" (٢) في مسألة الطلاق: إن الكاف للتشبيه في الذات، و"مِثْلٌ" للتشبيه في الصفات، ولذا قال أبو حنيفة: إيماني كإيمان جبرئيل لا مثل إيمان جبرئيل، كذا في "البحر".
قال ابن عابدين: لزيادته في الصفة من كونه عن مشاهدة فيحصل به زيادة الاطمئنان، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]، وبه يحصل زيادة القرب ورفع المنزلة، لكن ما نقل عن الإمام هنا يخالفه ما في "الخلاصة" من قوله: قال أبو حنيفة: أكره أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبرئيل، ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبرئيل، وكذا ما قاله أبو حنيفة في كتاب "العالم والمتعلم": إن إيماننا مثل إيمان الملائكة؛ لأنا آمنَّا بوحدانية الله تعالى وربوبيته وقدرته، وما جاء من عند الله تعالى بمثل ما أقرت به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل، فمن ههنا إيماننا مثل إيمانهم؛ لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الملائكة مما عاينته من عجائب الله ولم نعاينه نحن، ولهم بعد ذلك علينا فضائل في الثواب على الإيمان وجميع العبادات، ولا يخفى أن بين هذه العبارات
стр. 396
الثلاث تخالفًا بحسب الظاهر، ويمكن التوفيق بحمل الأولى على العالِم، والثانية على غيره لقوله: أكره أن يقول الرجل، والثالثة على ما إذا فصَّل وصرَّح بالمؤمن به وإن كان بلفظ المثلية لعدم الإبهام بعد التصريح، فيجوز للعالم والجاهل، انتهى.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) في شرح قول ابن أبي مليكة فقال: وقيل: هذا رد على الإمام الهمام قدوة الأنام أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، فيما قاله من أن إيماني كإيمان جبرئيل، فإن كان الأمر على ما زعمه صاحب القيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فإن الإمام رضي الله تعالى عنه لم يرم في مقالته هذه شططًا، ولم يركب فيها زيغًا عن المحجة ولا غلطًا.
أما أولًا: فلأن المقالة المعزية إليه في بعض التصانيف هي هذه: إيماني كإيمان جبرئيل، ولا أقول: مثل إيمان جبرئيل، وقد عُرف الفرق بينهما، فإن الأول: يقتضي مشاركة في أي وصف كان، والثاني يستدعي المماثلة والمساواة، وعلى هذا فلا ضير في تشبيه إيمانه بإيمانه باعتبار اتحاد المؤمَن به فيهما، فإن جبرئيل مؤمن بعين ما آمن به كل مؤمن، فالإيمان الإجمالي يتَّحد منهم أجمعين، وإنما الفرق والتفاضل بحسب تفاصيله، ولم يشبه إيمانه التفصيلي بإيمانه التفصيلي.
وأما ثانيًا: فلأن الإيمان متزايد بتزايد مراتب اليقين ومتناقص بتناقصه، وهذا بعد أن يكون داخلًا في الحدِّ المعتبر شرعًا للإيمان، وأما ما دونه الذي لم يدخل تحت التصديق واليقين فلا كلام فيه، وإنما الكلام ههنا في مراتبه، فنقول: إذا كان المناط في قوة الإيمان وضعفه هو اليقين، فأي استحالة في بلوغ أحد من العباد المؤمنين ما بلغه الملائكة من الإذعان واليقين، والفرق بين علم اليقين وعين اليقين وإن كان كثيرًا شائعًا إلا أنه
стр. 397
لا منع عن بلوغ بعض درجات علم اليقين من بعضهم حدًا ينتهي إليه يقين المشاهدة والعيان من الآخرين.
ويؤيده قول علي ﵁: لو كُشف الغطاء لما ازددت يقينًا، فإن ورد شيء عليه رضي الله تعالى عنه في مقالته هذه لكان وروده مسلمًا على مقالة الإمام أيضًا، إلى آخر ما بسط فيه بستة وجوه في توضيح كلام الإمام الأعظم.
وفي هامشه: أن الإيراد المذكور على الإمام أبي حنيفة منقول عن بعض مشايخ الدرس، ولم يقل أحد من الشرَّاح المعروفين من النووي والكرماني والحافظَين - ابن حجر والعيني - والقسطلاني وغيرهم، أنه ردٌّ على الإمام أبي حنيفة، ويدل على ذلك أيضًا أن المنقول في كلام الإمام البخاري: إيماني كإيمان جبرئيل وميكائيل، وليس لفظ ميكائيل في شيء من الكتب عن الإمام أبي حنيفة، ولا يبعد أن يكون هذا قول أحد من معاصري الإمام البخاري.
(٣٧ - باب سؤال جبرئيل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي ﷺ له. . .) إلخ
قال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه:
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الترجمة ثلاثة أمور:
الأول: سؤال جبرئيل وهي الأسئلة الأربعة، وقد أجاب الرسول ﷺ عن الأربعة كلها،
والثاني: أمره ﷺ لوفد عبد القيس بالإيمان وشرح الإيمان لهم.
والثالث: قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
أما مقصود المؤلف ﵀ من الأمر الأول فقد أوضحه بقوله: "فجعل ذلك كله دينًا" يعني: أن الأصول والفروع، والعقائد والأعمال، والإيمان
стр. 398
والإسلام، والإخلاص والأخلاق، كل ذلك داخل في الدين، وهذه الترجمة الأولى هي غرض المؤلف من التراجم الثلاثة، وهي التي ذكر لها الحديث المسند، فكل الأمور المذكورة في الأبواب السابقة المتفرقة جاءت في هذا الباب الواحد مع بعض الزيادة.
والمراد بالإيمان في هذا الحديث التصديق القلبي، والمراد بقوله: "أن تعبد الله" التوحيد باللسان، وتدخل فيه كلمة الشهادة كما صرَّح العلامة السندي (١).
وفي حديث عبد القيس سمَّى هذه الأمور إيمانًا، وفي الآية الكريمة أطلق على الإسلام دينًا، فثبت بهذه النصوص أن الإسلام والإيمان والدين يصح إطلاق أحدهما على الآخر، والسلف كانوا يحبون اتباع الإطلاقات الواردة في النصوص، ولا يرغبون إلى المباحث الكلامية التي استخرجها المتأخرون، كما صرَّح بها الشرَّاح، فظهر بهذا الباب صحة كل الأبواب السابقة التي وردت فيها مثل هذه الإطلاقات، والله تعالى أعلم.
قوله: (كأنك تراه. . .) إلخ، أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢) إذ كتب: وهذا جامع لمراتب الإحسان، فكلما زادت المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" بيَّنه الشارحون بحيث يكون مرتبته أدوَن من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنه يراك، وهذا بعيد.
أما أولًا: فلأن المراقبة في ذلك أشد؛ لأنه ﵎ لما كان ناظرًا إليه ورائيًا حاله، وراقب العبد ذلك، اشتد أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنه يكون مرتبة دونى (٣) نسبة إلى الأولى.
وأما ثانيًا: فلأن المناسب حينئذ هو أن يقال: كأنه يراك، وهذا غير
стр. 399
صحيح، بل الرؤية منه سبحانه محققة قطعيَّة، إلا أن يقال: المقصود أنه تعالى وإن كان رائيًا حاله إلا أن الواجب على العابد مراعاة رؤيته، والمراعاة غير محققة قطعًا، ومع ذلك ففيه بُعد كما لا يخفى، فقوله هذا ليس دليلًا إلا على القول الأول، يعني: أن المرء إذا استبعد رؤيته الرب ﵎، قال النبي ﷺ : اعبد الله كأنك تراه؛ لأنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فكيف تغفل [عنه]؟ وكيف تصلي وقلبك في مكان وجسمك في مكان؟ وكيف تسبِّح الله بلسانك وقلبك مشغول بفلان وفلان؟ انتهى.
وذكر القسطلاني ههنا كلامًا دقيقًا مفيدًا فقال (١): هذا من جوامع كلمه ﵊، إذ هو شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة، ويتضح ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات:
الأول: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التكليف باستيفاء الشرائط والأركان.
الثاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ﷺ كما قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٢)، لحصول الاستلذاذ بالطاعة والراحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب واشتغال السر به، ونتيجة نسيان الأحوال من المعلوم واضمحلال الرسوم.
الثالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة، وقوله: "فإن لم تكن تراه" نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية فاعبده وأنت بحيث إنه يراك، وكل من المقامات الثلاث إحسان، إلا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول؛ لأن الإحسان بالآخرين من صفة
стр. 400
الخواص ويتعذر من كثيرين، وإنما أخَّر السؤال عن الإحسان لأنه صفة الفعل أو شرط في صحته، والصفة بعد الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأبي، انتهى.
وبسط الكلام على معناه على طريق الصوفية في "الأَمم لإيقاظ الهمم" في أسانيد الكردري.
إلى هنا انتهى استماع تراجم البخاري في المدينة المنورة يوم الخميس في الخامس والعشرين من أول الربيعين، سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف، ثم بُدئ بعد الرجوع إلى سهارنفور يوم الجمعة في السادس عشر مضت من آخر الربيعين.
(٣٨ - باب)
بغير ترجمة، قال شيخ الهند نوَّر الله مرقده في "تراجمه" ما تعريبه: ذكر المؤلف ههنا بابًا بدون ترجمة، وذكر فيه جزءًا مختصرًا من حديث هرقل المذكور مطولًا في بدء الوحي، وهو قوله: "سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوبَ لا يسخطه أحد" (١).
وقد ذكر الشرَّاح الكرام في هذا أقوالًا مختلفة وهي موجودة في شروحهم، والمناسب المفيد في رأينا بأن المؤلف رحمه الله تعالى، قد أخاف من النفاق والحبط قريبًا في "باب خوف المؤمن. . ." إلخ، حتى إنه ذكر أن الاعتماد على إيمان نفسه من علامات النفاق، فأراد الآن مكافأة لذلك أن يبين أن الذي يرسخ في قلبه الإيمان مرة وينشرح صدره فهو مأمون العاقبة إن شاء الله، ولا يحصل الخلل في إيمانه، ولا يرتد إلا من لم يثبت
стр. 401
الإيمان في داخل قلبه، وبعد شرح الصدر يأمن من الارتداد أيضًا بإذن الله، لكن المؤلف لم يصرح بذلك احتياطًا وسدًّا للذريعة، ولا يبعد أنه فعل ذلك لغرض التشحيذ والاحتياط.
فالآن لو جعلت ههنا ترجمة جديدة كما ذكرنا في الأصول بذيل الأبواب بدون التراجم فالأحسن أن نجعل آية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أو آية: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]، ترجمة، فإنه يناسب المقام ونهج المؤلف.
ثم إنه ذكر في كلام هرقل لفظة: "وكذلك الإيمان" في موضعين، والمراد به في الأول: الدين، وفي الثاني: التصديق القلبي، فما أثبته المؤلف في الباب السابق يؤيده قول هرقل ههنا، وبهذا يمكن أن نعد هذا الباب من متعلقات الباب السابق أيضًا، ويمكن أن يكون هذا أيضًا في نظر المؤلف، وصار تعدد الفوائد موجبًا لترك الترجمة، والله أعلم، انتهى.
وهذا الباب ذكره شيخ الهند في الجدول الرابع في الأبواب الخالية عن التراجم ورقم عليه نقطة واحدة، وقد تقدم أن النقطة الواحدة إشارة إلى أن حذف الترجمة للتمرين وتشحيذًا للأذهان.
وقال الحافظ (١): هكذا بلا ترجمة في رواية كريمة وغيرها، وسقط الباب من رواية أبي ذر وغيره، ورجّح النووي الأول قال: لأن الترجمة السابقة - يعني: سؤال جبرئيل - لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه، قال الحافظ: نفي التعلق لا يتم بهذا؛ لأن الباب بلا ترجمة كالفصل للسابق، فلا بد له من تعلق فيقال: إنه يتعلق بقوله في الترجمة السابقة: "وجعل ذلك كله دينًا"، فسمَّى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيتم مراد المصنف بكون الدين هو الإيمان، انتهى.
وأجاب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) عما يرد على الإمام البخاري
стр. 402
أنه كيف استدل بقول هرقل وهو كافر بأنه صار حجة لتقرير ﵊؛ لأن الظاهر أن أبا سفيان حكاه بحضرته، انتهى.
وأجاب الحافظ (١): بأنه قاله عن استقراء كتب الأنبياء، وأيضًا قاله بلسانه الرومي، وعبَّر عنه أبو سفيان بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس - وهو من علماء اللسان - فرواه عنه ولم ينكره، فدل على أنه صحيح لفظًا ومعنى، انتهى.
(٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه)
أفاد شيخ الهند نوَّر الله مرقده أن المصنف خَوّف أولًا من الإصرار عن المعاصي، فترقَّى منه إلى درجة أخرى فوق الأولى، وهي الاحتراز عن المشتبهات لحفظ الدين مع ما فيه من إشارة لطيفة إلى أنه لا ينبغي أن يرتكب أحد المعاصي اعتمادًا على التوبة، انتهى.
وفي "اللامع" (٢): والاستبراء متفاوت فيتفاوت الإيمان.
وفي هامشه: قال الحافظ: (٣) كأن المصنف أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، ولهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان، إلى آخر ما فيه، ويحتمل أن المصنف أراد بذلك تعليم طريق الإحسان بأنه يحصل بمراعاة أحوال القلب والاحتراز عن الشبهات قاصدًا بذلك اتباع الدين لا كما يفعله من لا دين عنده من الجوكَية وغيرهم، ويكون الباب أيضًا كالتكملة لما تقدم، والله أعلم.
قوله: (ألا وهي القلب) قال القسطلاني (٤): وهو محل العقل عندنا، وهو قول جمهور المتكلمين خلافًا للحنفية، انتهى.
قلت: واختلف في محل العقل، فقال جمهور الفلاسفة ورئيسهم
стр. 403
أرسطو: إنه القلب، وبه قال القاضي أبو زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي وأحمد في رواية، وترجم البخاري في "الأدب المفرد" (١) "باب العقل في القلب" وأخرج بسند حسن عن عياض بن خليفة عن علي ﵁ أنه سمعه بصفين يقول: إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة.
وذهب الأطباء إلى أن محله الدماغ، ويُحكى عن أبي حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو المعين النسفي الحنفي، وعزاه صدر الإسلام إلى عامة أهل السُّنَّة والجماعة.
وسبب نقل هذا القول عن أبي حنيفة ومالك ومحمد ما قالوا فيمن ضرب رأس رجل فأفسد عقله أن فيه الدية، وأجاب عنه ابن أمير الحاج الحنفي بأنه لا يمتنع زوال العقل وهو في القلب لفساد الدماغ لما بينهما من الارتباط، كما لا يمتنع عدم نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين لما بينهما من الارتباط، وبنحوه أجاب أبو عبد الله الأبي المالكي، وقد نقل ابن تيمية عن طائفة من أصحاب أحمد أن أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ، والله أعلم.
(٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان)
وفي "تراجم شيخ الهند": لقد مرَّت مثل هذه الأبواب بكثرة في مواضع مختلفة، ولا يظهر في هذا الباب جديد أمر، بل غاية ما في الباب أن يكون قد أشار بلفظ الأداء إلى أنه كما مر "الصلاة من الإيمان" و"الزكاة من الإسلام" وغيرهما من الأبواب، يضاف إليها لفظ مناسب كلفظ الأداء ههنا، ولذا ترى أن حديث عبد القيس المذكور في هذا الباب ذكر في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان صراحة، والله أعلم.
стр. 404
ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر وعد في "باب صلاة الجنائز من الإيمان" أنه يذكر وجه تأخير هذا الباب عن الباب المذكور في هذا الباب، ولم أجد هذا في كلامه، وقد يوجّه - والله أعلم - أن الخمس يؤخذ من الغنائم، وحصولها لا تخلو عن سبق شهادة لرجل مجاهد، فكأن هذا الحال بعد الموت وأقرب أحوال الموت التي تكون بعده صلاة الجنازة، فلذا أخَّر عنه هذا الباب، ولكن لا يخفى أنه كان ينبغي على هذا أن يؤخِّر "باب الجهاد من الإيمان" أيضًا، فإنه لا تخلو عن موت وشهادة عادة، إلا أن يجاب بأن الجهاد سابق على صلاة الجنائز، وقسمة الغنائم يؤخر عن صلاة الجنازة لأنها مما أمر بالإسراع إليها بخلاف قسم الغنيمة، والله أعلم.
وفي "اللامع" (١): قوله: "أن تعطوا من المغنم الخمس" أدخله في الإيمان، فعلم زيادة الإيمان بزيادة الأعمال، وهذا على رأي من جعل الأمور المذكورة تفسيرًا للإيمان، وأن الثلاثة الباقية غير مذكورة ههنا، والمذكورة تفسير للإيمان الذي هو أحد الأربعة، انتهى.
وبسط في هامشه اختلافهم أن هذه المذكورة تفسير للإيمان أو غيره.
قوله: (أقم عندي) ذكر بين سطور الكتاب: لأنه كان يترجم لابن عباس الفارسية، انتهى.
والأوجه عندي: أن ذلك لرؤيا رآها أبو جمرة كما سيأتي النص بذلك في "كتاب الحج" في "باب التمتع والإقران" بلفظ: "قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" (٢)، وستأتي الرؤيا في الباب المذكور.
قوله: (فأمرهم بأربع) فيه إشكال معروف أن المفسر خمسة.
وأجيب في هامش "اللامع" (٣) عن هذا الإشكال بسبعة وجوه
стр. 405
مبسوطة، وهكذا في "الكوكب" (١) وهامشه، وما سيأتي من الروايات المصرحة بأنه ﷺ عقد واحدة على شهادة أن لا إله إلا الله تعيّن أنها واحدة كما سيأتي في "باب وجوب الزكاة"، ومن "كتاب الجهاد" في "باب أداء الخمس من الدين"، وفي "باب عبد القيس" من "كتاب المغازي"، ويشكل عليه ترجمة الإمام البخاري، وأجاب عنه ابن رُشيد: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس والأعمال التي تدخل بها الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان، ويشكل على الحديث أيضًا عدم ذكر الحج فيه، وأجيب عنه أيضًا بأجوبة ذكرت في هامش "اللامع" منها: أنه لم يكن فرض حينئذ، واعتمده الحافظ ابن حجر (٢).
(٤١ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية)
اختلفوا في غرض الترجمة، قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان هو القول باللسان دون عقد القلب، كذا نقله الكرماني (٣).
وذكر شيخ الهند ما تعريبه: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بابين بعد الفراغ من الإيمان والأعمال والاجتناب عن المعاصي، وجملة الأمور المتعلقة بالإيمان، والظاهر أن غرضه من الباب الأول أن جملة أعمال الخير المذكورة سابقًا - ويدخل فيه الإيمان أيضًا - مدارها على النيَّة الخالصة لوجه الله تعالى، وكذا الاجتناب من المعاصي وترك المنكرات المطلوب منه ما كان ابتغاءً لوجه الله، وبدون النية الصالحة الصادقة لا يفيد أي عمل ولا يعد من الطاعات، فإن الاهتمام بالنية أهم من كل الأمور، والله أعلم.
стр. 406
وأفاد الحافظ وتبعه القسطلاني (١) وغيره: أن كون الإيمان محتاجًا إلى النية إنما هو على رأي البخاري من أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نيَّة كسائر أعمال القلوب من خشية الله وعظمته والتقرب إليه؛ لأنها متميزة لله تعالى فلا تحتاج لنية تميزها؛ لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياءً، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحِمْية، ويظهر من كلام العلامة السندي (٢) أن هذا الباب ذكره البخاري استطرادًا فإنه قال: وكأنه ذكره ههنا لتعلق النية بالقلب الذي هو محل الإيمان، انتهى.
وفي "اللامع" (٣): قوله: إن الأعمال بالنية، يعني: بذلك ثوابها، انتهى.
وفي هامشه: لله در الشيخ ما أجاد في هذه الجملة وملأ بحرًا عميقًا في كوزة، فأشار بالكلمة الواحدة إلى أبحاث طويلة، والمعنى: أن الإمام البخاري يريد بهذا الباب أن ثواب الأعمال بالنية كما هو رأي السادة الحنفية - شكر الله سعيهم - فإنهم قالوا: إن الثواب منوط بحسن النية، ولا يثاب الرجل على عمل بدونه، وهو الذي أراد الإمام البخاري ههنا، ولذا فسَّر النية بالحسبة.
ولله در الحنفية إذ فرقوا في الأعمال فقالوا: الأعمال التي هي عبادة محضة لا تصح بدون النية؛ لأن الأجر هو المقصود منها، والأعمال التي فيها معنى آخر غير التعبد تصح بدون النية كالوضوء وغيره، ألا ترى أن الوقف والعتق وغيرهما تصح من الكافر ولا نية له أصلًا.
قال الحافظ (٤): المراد بالحسبة طلب الثواب، وأيَّد الإمام البخاري
стр. 407
مراده بالآية بقوله: "شاكلته: نيته"، وبقوله ﷺ : "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة"، ولذا ذكره في الترجمة تنبيهًا على مقصده، ثم ذكره في الروايات حجةً وإثباتًا لمرامه، ولا يمكن أن يراد في هذا الباب صحة الأعمال لحديث النفقة، أفترى من أنفق على أهله رياءً وفخرًا أفلا تسقط عنه النفقة الواجبة؟
وأما اختلاف العلماء في صحة الأعمال على النية، فبمعزل عن هذا الباب يشير إليه الإمام البخاري في مواضعها، فإن الإمام ذكر حديث الأعمال بالنيات في سبعة مواضع من "صحيحه" كما تقدم ذكرها، فيظهر من النظر على هذه المواضع كلها أن المصنف يستدل بها تارة على الحسبة وأخرى على صحة الأعمال، وأراد ههنا الحسبة انتهى. وإليه أشار الشيخ.
وقال العيني (١): المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة، ولا يكون العمل عملًا إلا بالنية والإخلاص، فلذا ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور، انتهى.
والفروع التي أشار إليها البخاري في الترجمة خلافية شهيرة بسطت في محلها، وجملتها أن قوله: (والوضوء) أشار به إلى خلاف من لم يشترط فيه النية كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وخالفهم الجمهور.
(والصلاة) لا خلاف في اشتراط النية فيها.
(والزكاة) قال النووي في "شرح المهذب": لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها، وبوجوبها قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وجماهير العلماء، وشذ عنهم الأوزاعي وقال: لا تجب ويصح أداؤها بلا نية، انتهى.