← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 3413–3452 · переход к 3418.

стр. 3413

قلت: ومناسبة الباب بالكتاب لعله من جهة أن كثرة الكلام بما لا فائدة فيه مما يورث القساوة في القلب. (٢٣ - باب حفظ اللسان. . .) إلخ أي: عن النطق بما لا يسوغ شرعًا مما لا حاجة للمتكلم به، وقد أخرج أبو الشيخ في "كتاب الثواب" والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي جحيفة رفعه: "أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان"، انتهى من "الفتح" (١). (٢٤ - باب البكاء من خشية الله) أي: بيان فضله، قاله العيني (٢). (٢٥ - باب الخوف من الله) قال العيني (٣): أي: في بيان شدة الاعتناء بالخوف من الله ، والخوف من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] انتهى. قال الحافظ (٤): وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية مما دونه، انتهى. (٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي) أي: تركها أصلًا ورأسًا، والإعراض عنها بعد الوقوع فيها، انتهى من "الفتح" (٥).

стр. 3414

(٢٧ - باب قول النبي ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا. . ." إلخ) قال الحافظ (١) ﵀: والمراد بالعلم ههنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف، انتهى. (٢٨ - باب حجبت النار بالشهوات) فمن هتك الحجاب بارتكاب الشهوات المحرمة كالزنا وغيره مما منع الشرع منه كان ذلك سببًا لوقوعه، أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنه وكرمه، قاله القسطلاني (٢). ثم قال في شرح الحديث: قوله: "حجبت. . ." إلخ، ولمسلم: "حفت" بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة المشددة في الموضعين من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجي منها إلا بترك الشهوات، وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ وبديع بلاغته في ذمِّ الشهوات وإن مالت إليه النفوس، والحضِّ على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشقّت عليها، انتهى. وفي شرح هذا الحديث قولان، أحدهما: شرح الجمهور، والثاني: ما اختاره أبو بكر ابن العربي كما بسط في الشروح، وذكرهما صاحب "الفيض" (٣) أيضًا، وقال بعد ذكر القولين: والظاهر عندي أن الشرحين صحيحان باعتبارين مختلفين، وإن كان الأسبق إلى الذهن شرح الجمهور فشرحهم أسبق، وشرح القاضي ألطف، انتهى. فارجع إليه لو شئت.

стр. 3415

(٢٩ - باب الجنة أقرب إلى أحدكم. . .) إلخ قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء، وتقدم في هذا المعنى قريبًا حديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" الحديث، فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها، وقال ابن الجوزي (٣): معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية، انتهى. قال السندي (٤): قوله: "الجنة أقرب إلى أحدكم. . ." إلخ؛ لأن حصول كل منهما يكون منوطًا بكلمة لا يبالي بها المتكلم، وأي شيء أقرب إلى الإنسان مما شأنه ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى. ذكر المصنف فيه حديثين، ومناسبة الأول بالترجمة ظاهرة، وأما الثاني فخفية، قال القسطلاني (٥): ومطابقته للترجمة من حيث إن كل شيء ما خلا الله في الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله تعالى ولا يقرب منه إذا كان باطلًا يكون الاشتغال به مبعدًا من الجنة مع كونها أقرب إليه من شراك نعله، قاله العيني. وقال: إنه من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطره، وقال في "فتح الباري": مناسبته للترجمة خفية، وكأن الترجمة لما تضمنت ما في الحديث الأول من التحريض على الطاعة ولو قلّت، والزجر عن المعصية ولو قلّت،

стр. 3416

تضمنت أن من خالف ذلك إنما يخالفه لرغبة في أمر من أمور الدنيا، وكل ما في الدنيا باطل، كما صرّح به الحديث الثاني، فلا ينبغي للعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي، انتهى. (٣٠ - باب لينظر إلى من هو أسفل منه. . .) إلخ قال القسطلاني (١): قال ابن بطال: لا يكون أحد على حالة سيئة من الدنيا إلا يجد من أهلها ما هو أسوأ حالًا منه، فإذا تأمل ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير إبراز (٢) حبه فيعظم اغتباطه بذلك، نعم ينظر إلى من هو فوقه في الدين فيقتدي به فيه، انتهى. وقال الحافظ (٣): والترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم بنحوه بلفظ: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم"، انتهى. (٣١ - باب من همّ بحسنة أو سيئة) قال الحافظ (٤): الهمّ: ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا، أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب، ثم بسط الكلام في شرح الحديث. قوله: "ومن همّ بسيئة فلم يعملها. . ." إلخ، ولا يخفى أن الترك الذي يثاب عليه ما يكون لوجه الله لا لأمر آخر. قال الخطابي (٥): هذا إذا تركها مع القدرة عليها إذ لا يسمى الإنسان تاركًا للشيء الذي لا يقدر عليه، انتهى، كذا في الحاشية (٦).

стр. 3417

قلت: فعلى هذا لا منافاة بينه وبين ما في أبي داود (١) من قوله ﷺ : "إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها". (٣٢ - باب ما يتقى من محقرات الذنوب) بفتح القاف المشددة وهي التي يحتقرها فاعلها، انتهى من "القسطلاني" (٢). وقال الحافظ (٣): وعند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا" وصحّحه ابن حبان، انتهى. (٣٣ - باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها) قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء، وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك: رأيت رجلًا قتل ظلمًا فقلت في نفسي: أنا أفضل من هذا، فقال: أمنك على نفسك أشدّ من ذنبه، قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء، انتهى. (٣٤ - باب العزلة راحة من خلاط السوء) قال الحافظ (٦): لفظ هذه الترجمة أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر أنه قاله، لكن في سنده انقطاع، و"خلاط" بضم

стр. 3418

المعجمة وتشديد اللام للأكثر، وهو جمع مستغرب، وذكره الكرماني بلفظ "خلط" بغير ألف وهو بضمتين مخففًا كذا ذكر الصغاني في "العباب"، قال الخطابي: جمع خليط، ويجمع أيضًا على خلط بضمتين مخففًا قال: والخِلاط بالكسر والتخفيف المخالطة، قلت: فلعله الذي وقع في هذه الترجمة، انتهى. (٣٥ - باب رفع الأمانة) هي ضدّ الخيانة، والمراد برفعها إذهابها بحيث يكون الأمين معدومًا أو شبه المعدوم، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (فيظل أثرها مثل أثر الوكت) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لعل المراد بذلك تصوير الخيانة وتمثيل أثرها في القلب، فإنها في أول الوهلة أقل منها في الثانية، كما أن الوكت وهو السواد الحاصل بدوام العمل بفأس ونحوه أقلّ من المجل، ويمكن أن يكون المراد تمثيل بقاء أثر الأمانة إلى آخر ما ذكر، فارجع إليه لو شئت. وفي "الفيض" (٣): الوكت "سياه داغ"، والمجل "آبله"، ثم اعلم أن النبي ﷺ ضرب له مثلًا لرفع الأمانة أولًا ثم ذكر مثالًا لإيضاح تمثيله، فقال: كجمر دحرجته. . . إلخ، ثم اختلف الشارحون أن التشبيه للأمانة الزائلة أو الباقية، وهما وجهان، وراجع الطيبي (٤)، انتهى. (٣٦ - باب الرياء والسمعة) الرياء: مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها، والسمعة: بضم المهملة مشتقة من سمع، والمراد بها

стр. 3419

نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر، انتهى من "الفتح" (١). (٣٧ - باب من جاهد نفسه في طاعة الله) المراد بالمجاهدة كفّ النفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة، وبهذا تظهر مناسبة الترجمة لحديث الباب، قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها، وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك، انتهى من "الفتح" (٢). (٣٨ - باب التواضع) مشتق من الضعة بكسر أوله وهي الهوان، والمراد بالتواضع إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه، وقيل: هو تعظيم من فوقه لفضله، انتهى من "الفتح" (٣). قال القسطلاني (٤): قال الجنيد: هو خفض الجناح ولين الجانب، انتهى، وأورد على حديثي الباب بعدم المطابقة بالترجمة كما ذكرت في هامش "اللامع". وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): ودلالة الرواية الأولى عليه من حيث إنها دلّت على أنه لا شيء في مخلوقاته تعالى إلا وعليه فضل لخلق آخر من خلقه، وأيضًا فإن قوله ﷺ : "إن حقًا على الله. . ." إلخ، دلّ على هذا المعنى، فعلم بكل منهما أن لا ينبغي لشيء من الخليقة أن يعدّ لنفسه فضلًا وأن يتكبر على أحد، وأما الرواية الثانية فدلالتها على الترجمة

стр. 3420

من حيث إن العبادات لا سيما الصلاة غاية في الخضوع والتواضع، وقد تبين فيها ما يترتب على هذا التواضع من علو المرتبة والقبول في حضرة الرب ﵎، انتهى. قلت: والأوجه عندي في مناسبة الحديث الثاني بالترجمة أنها في قوله: "من عادى لي وليًا" فإن المتواضع لا يعادي أحدًا فضلًا عن الأولياء. (٣٩ - باب قول النبي ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين. . .") إلخ قال القسطلاني (١): بنصب الساعة، وقوله: "كهاتين" أي: كما بين هاتين الأصبعين السبّابة والوسطى، انتهى. وذكر العلامة الكرماني (٢) بالرفع والنصب. وبسط الحافظ الكلام على إعرابه فارجع إليه لو شئت (٣). وأما مناسبة الباب بالكتاب فبما ذكره الحافظ حيث قال: ولما أراد البخاري إدخال أشراط الساعة وصفة القيامة في "كتاب الرقاق" استطرد من حديث الباب الذي قبله المشتمل على ذكر الموت الدال على فناء كل شيء إلى ذكر ما يدلّ على قرب القيامة، وهو من لطيف ترتيبه، انتهى. ثم بسط الحافظ والقسطلاني ههنا الكلام على مدة بقاء الدنيا. وبسط الكلام في الروايات الواردة في ذلك، فارجع إليه لو شئت (٤). (٤٠ - باب) بغير ترجمة، قال الحافظ (٥): كذا للأكثر بغير ترجمة، وللكشميهني "باب طلوع الشمس من مغربها"، وكذا هو في نسخة الصغاني، وهو مناسب، ولكن الأول أنسب؛ لأنه يصير كالفصل من الباب الذي قبله،

стр. 3421

ووجه تعلقه به أن طلوع الشمس من مغربها إنما يقع عند إشراف قيام الساعة كما سأقرره، انتهى. قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف ذكره بغير ترجمة لمناسبة قوله تعالى - في الباب السابق -: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ الآية [النحل: ٧٧]، لما ذكر في حديث الباب من أمور تدل على فجأة القيامة كقوله ﷺ : "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان" الحديث. ثم إن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه أفاد ههنا في شرح حديث الباب نكتة بديعة لم أر من تعرّض لها من الشرَّاح حيث قال: قوله: "آمنوا أجمعون. . ." إلخ، ربما يختلج أن خوارق العادات من كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء وآيات قدرة العزيز سلطانه ﵎ من لدن عهد آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام متكاثرة، إلا أنه لم يصر شيء منها سببًا لإسلام الخلق وإيمانهم كافة فكيف آمنوا بتلك الآية أجمعون، ولعل الوجه في ذلك أن الشياطين والمردة امتنعوا عند ذلك من الإغواء والإضلال لعلمهم أن الإيمان لا يفيد بعد ذلك، فلا حاجة إلى الصدّ عنه، فكان امتناعهم عن الإضلال سببًا ظاهرًا للإيمان، وأيضًا فإن الله جعل الغفلة مانعةً عن قبول الحق ليظهر من آمن بالغيب ممن لم يؤمن به، وهذا أوان انكشاف المغيبات، فلم يبق المانع عن قبول الحق حتى ينحجزوا عنه، انتهى من "اللامع" (١). (٤١ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) هكذا ترجم بالشقِّ الأول من الحديث الأول إشارةً إلى بقيته على طريق الاكتفاء، قال العلماء: محبة الله لعبده إرادته الخير له وهدايته إليه وإنعامه عليه وكراهته له على الضد من ذلك، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 3422

قوله: (وعرفت أنه. . .) إلخ، أي: الأمر الذي حصل [له] هو "الحديث الذي كان يحدثنا به"، وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط حتى يخير، انتهى من "القسطلاني" (١). وكتب العلامة السندي (٢): الظاهر أن هذا كان من عائشة على وجه الظن والتخمين، وإلا فمعلوم أنه ﷺ قد خيّر قبل ذلك بزمان حتى إنه خطب بعد أن خيّر فقال: "إن عبدًا خيّره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر، والله تعالى أعلم، انتهى. (٤٢ - باب سكرات الموت) بفتح المهملة والكاف جمع سكرة، قال الراغب وغيره: السكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر، ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس والغشي الناشيء عن الألم، وهو المراد هنا، وقال أيضًا تحت شرح الحديث: وفي الحديث أن شدة الموت لا تدلّ على نقصٍ في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته، وبهذا التقرير تظهر مناسبة أحاديث الباب للترجمة، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: ولا يبعد عندي أن تكون الترجمة من الأصل الثامن عشر، أي: إرادة العام بترجمة خاصة. (٤٣ - باب نفخ الصور) بضم الصاد المهملة وسكون الواو، وليس هو جمع صورة كما زعم بعضهم، أي: ينفخ في الصور الموتى والتنزيل يدلّ عليه قال تعالى: ﴿ثُمَّ

стр. 3423

نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، فعلم أنه ليس جمع صورة، انتهى من "القسطلاني" (١). قلت: وتقدم قول البخاري في تفسير سورة الأنعام: الصور: جماعة صورة مع الإيراد عليه، وتقدم الكلام أيضًا على عدد النفخات في كتاب التفسير تحت قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية في تفسير سورة الزمر [٦٨]. (٤٤ - باب يقبض الله الأرض. . .) إلخ قال الحافظ (٢) ﵀: لما ذكر ترجمة نفخ الصور أشار إلى ما وقع في سورة الزمر قبل آية النفخ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧]، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤] ما قد يتمسك به أن قبض السماوات والأرض يقع بعد النفخ في الصور أو معه، انتهى. (٤٥ - باب كيف الحشر) كذا في أكثر النسخ، وفي نسخة الحافظ: "باب الحشر". قال القرطبي: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا أحدهما: المذكور في سورة (٣) الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رفعه: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات" فذكره، وفي حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعًا: "تخرج نار قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس" الحديث، وفيه: "فما تأمرنا؟ قال:

стр. 3424

عليكم بالشام"، وفي لفظ آخر: "ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر"، والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعًا إلى الموقف، قال الله : ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، والرابع: حشرهم إلى الجنة أو النار، انتهى ملخصًا من "الفتح" (١). ثم قال الحافظ: قلت: الأول ليس حشرًا مستقلًا، فإن المراد حشر كل موجود يومئذٍ، والأول إنما وقع لفرقة مخصوصة، وقد وقع نظيره مرارًا، تخرج طائفة من بلدها بغير اختيارها إلى جهة الشام، كما وقع لبني أميّة أوّل ما تولَّى ابن الزبير الخلافة، فأخرجهم من المدينة إلى جهة الشام، ولم يعدّ ذلك أحد حشرًا، انتهى مختصرًا. (٤٦ - باب ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . .﴾ [الحج: ١]) إلخ قال القسطلاني: قيل: هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة؛ لأنها من أشراطها، انتهى. ووجه إدخال هذه الترجمة في هذا الكتاب قد تقدمت الإشارة إليه في "باب بعثت أنا والساعة كهاتين" من كلام الحافظ - قُدِّس سرُّه (٢) -. (٤٧ - باب ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤، ٥]) أي: فيسألون عمّا فعلوا في الدنيا، فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على قبائح الأفعال، روي أن ابن عمر قرأ سورة التطفيف حتى بلغ هذه الآية ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فبكى بكاءً شديدًا ولم يقرأ ما بعدها، انتهى من "القسطلاني" (٣).

стр. 3425

(٤٨ - باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة. . .) إلخ قال العلامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان كيفية القصاص يوم القيامة، والقصاص بكسر القاف مأخوذ من القص وهو القطع، أو من اقتصاص الأثر وهو تتبّعه؛ لأن الذي يطلب القصاص يتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها، انتهى. قلت: ولا يخفى أن بيان كيفية القصاص الواقع يوم القيامة مما يرقّق القلب. (٤٩ - باب من نوقش الحساب عذب) المراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة، قاله الحافظ (٢). (٥٠ - باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب) فيه إشارة إلى أن وراء التقسيم الذي تضمنته الآية المشار إليها في الباب الذي قبله أمرًا آخر، وأن من المكلفين من لا يحاسب أصلًا، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم من يناقش الحساب، انتهى من "الفتح" (٣). ثم قال الحافظ (٤): أحاديث الباب تخص عموم الحديث الذي أخرجه مسلم (٥) "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين

стр. 3426

اكتسبه وفيم أنفقه"، قال القرطبي (١): الحديث مخصوص بمن يدخل الجنة بغير حساب وبمن يدخل النار من أول وهلة، انتهى. (٥١ - باب صفة الجنة والنار) تقدم هذا في بدء الخلق في ترجمتين، ووقع في كل منهما: "وأنها مخلوقة"، وأورد فيهما أحاديث في تثبيت كونهما موجودتين، وأحاديث في صفتهما أعاد بعضها في هذا الباب، وقال أيضًا: ذكر المصنف في الباب ثلاثة وعشرين حديثًا، انتهى (٢). قوله: (جيء بالموت ثم يذبح. . .) إلخ، بسط الحافظ (٣) الكلام في الجواب عن الإيراد المشهور على هذا الحديث فارجع إليه لو شئت. ثم قال الحافظ: قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها وأنها تبقى خالية أو أنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السُّنَّة. قال الحافظ: جمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال، ثم ذكرها الحافظ. قوله: (ما بين منكبي الكافر. . .) إلخ، قال السندي (٤): قيل: هو من قبيل الانتفاخ لا الزيادة من خارج؛ لئلا يلزم تعذيب الأجزاء الغير العاصية، وقد يقال: هو قادر على أن يحفظ غير العاصي من الأجزاء عن العذاب مع الزيادة تقبيحًا في الصورة وتشديدًا في العذاب، وذلك بأن يجعل الأجزاء الزائدة طريقًا لوصول العذاب إلى الأصلية مع عدم الوصول إلى الزائدة، فتأمل، انتهى.

стр. 3427

(٥٢ - باب الصراط جسر جهنم) أي: الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة، وهو بفتح الجيم ويجوز كسرها، وقد وقع في حديث الباب لفظ الجسر، وفي رواية شعيب الماضية في "باب فضل السجود" بلفظ: "يضرب الصراط" فكأنه أشار في الترجمة إلى ذلك، انتهى (١). * * *

стр. 3428

٨١ م - كتاب الحوض هكذا في النسخة "الهندية"، وهكذا هو في متن ضمن شرح الكرماني، وأما في بقية الشروح ففيها "باب في الحوض" من غير تسمية. قال العلامة العيني (١): وفي بعض النسخ: "كتاب في الحوض" وقبله البسملة، وقال أيضًا: أي: هذا باب في ذكر حوض النبي ﷺ ، والحوض الذي يجمع فيه الماء، ويجمع على أحواض وحياض، والأحاديث التي وردت فيه كثيرة بحيث صارت متواترة من جهة المعنى، والإيمان به واجب، وهو الكوثر على باب الجنة، يسقى المؤمنون منه، وهو مخلوق اليوم، انتهى. وكذا قال الكرماني (٢)، وقال: وهو الكوثر، انتهى. وسيأتي أن الصواب أن اسم أحدهما الكوثر وهو نهر في الجنة واسم الآخر الحوض وهو في الموقف. قلت: والروايات فيهما كثيرة جدًا بحيث صارت متواترة معنى، عدَّ العيني من رواه من الصحابة فأوصلهم إلى الخمسين (٣). قال القسطلاني (٤): وقد تواتر حديث الكوثر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، انتهى. قال النووي (٥): قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أحاديث

стр. 3429

الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السُّنَّة والجماعة، لا يتأوّل ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة إلى آخر ما ذكر من أسماء الصحابة. قال النووي: وقد جمع ذلك كلّه الإمام البيهقي في كتابه "البعث والنشور" بأسانيده وطرقه المتكاثرات، انتهى. وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، والمعروف أنه من خواص نبينا ﷺ ، لكن أخرج الترمذي عن سمرة مرفوعًا: "إن لكل نبي حوضًا" فإن ثبت فالمختص بنبينا ﵊ نهر الكوثر الذي يصبّ منه في حوضه، كذا في هامش النسخة "الهندية" (١). وهو الظاهر عندي من أن المختص هو نهر الجنة، والمشترك بين الأنبياء حوض المحشر، فقد تقدّم في "كتاب التفسير" في تفسير سورة الكوثر الروايات الكثيرة الصريحة في أن الكوثر نهر في الجنة يصبّ منه الماء في حوض المحشر، وإطلاق الحوض على هذا النهر في بعض الروايات مجاز. قال الحافظ (٢) نقلًا عن القرطبي: والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما: في الموقف، والآخر: داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرًا. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصبّ في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه، انتهى. وفي "العقائد النسفية" (٣): والحوض حق، قال التفتازاني في شرحه: لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال محشيه العلامة الخيالي: يشير إلى أن الكوثر هو الحوض، والأصح أنه غيره، وأنه - أي: الكوثر - في

стр. 3430

الجنة، والحوض في الموقف، انتهى من هامش "اللامع" (١) بزيادة واختصار. ثم قال القسطلاني (٢): واختلف في حوضه ﷺ هل هو قبل الصراط أو بعده؟ قال القابسي: الصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي في "تذكرته": والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم، وقال آخرون: إنه بعد الصراط، وصنيع البخاري في إيراده لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة بعد نصب الصراط مشعر بذلك إلى آخر ما ذكر من دلائل الفريقين، فارجع إليه لو شئت. قلت: والراجح عندي قول من قال: إنه قبل الصراط لأنه إن كان بعد الصراط فكيف وصل إليه المرتدون الذين يحال بينه وبينهم ولم لم يسقطوا في جهنم. (٥٣ - باب قول الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. . .) إلخ تقدّم بيان اختلاف النسخ، وأن في أكثر النسخ "باب في الحوض، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. . ." إلخ. قال الحافظ (٣): أشار إلى أن المراد بالكوثر النهر الذي يصبّ في الحوض فهو مادة الحوض كما جاء صريحًا في سابع أحاديث الباب، انتهى. قال العلامة القسطلاني (٤): الكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة، واختلف في تفسيره، فقيل: نهر في الجنة وهو المشهور المستفيض عند السلف والخلف، وقيل: أولاده؛ لأن السورة نزلت ردًّا على من عابه

стр. 3431

بعدم الأولاد، وقيل: الخير الكثير، وقيل: غير ذلك مما ذكرته في كتابي "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (١)، انتهى. ثم البراعة في قوله: "أن نرجع على أعقابنا" قاله الحافظ (٢). قلت: في حديث الحوض إذ هو أشدّ ذكرًا للموت والآخرة (٣). * * *

стр. 3432

٨٢ - كتاب القدر كذا في النسخ الهندية ونسخ الشروح أيضًا. قال الحافظ: (١) زاد أبو ذر عن المستملي فقال: "باب في القدر"، وكذا للأكثر دون قوله: "كتاب القدر"، والقدر بفتح القاف والمهملة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] قال الراغب: القدر بوضعه يدلّ على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلًا والقول نقلًا، وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢): قال في "شرح السُّنَّة": الإيمان بالقدر فرض لازم وهو أن يعتقد أن الله خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب، والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، إلى آخر ما بسط فيه. ثم إنهم فرّقوا بين القضاء والقدر، قال العلامة القسطلاني (٣): قال الراغب: فيما رأيته في "فتوح الغيب": القدر: هو التقدير، والقضاء: هو التفصيل والقطع، فالقضاء أخصّ من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر كالأساس، والقضاء هو التفصيل والقطع، فذكر بعضهم أن القدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر ﵁

стр. 3433

لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفرّ من القضاء؟ قال: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفع الله، فإذا قضي فلا مدفع له، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] و ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] تنبيهًا على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه، انتهى. قال الحافظ (١): وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، وقال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله، انتهى. وهذا عكس ما تقدم عن القسطلاني. وفي "فيض الباري" (٢): اعلم أن القدر حصل من مجموع الإرادة والقدرة، والإرادة عند المتكلمين عبارة عن تخصيص بعض المقدورات ببعض الأوقات، وأنكرها الفلاسفة، وما ذكره الصدر في "الأسفار" وابن رُشد في "التهافت": أن الفلاسفة أيضًا قائلون بصفة الإرادة، فإنه تمويه بلا مرية، وخداع بلا فرية، إلى آخر ما ذكر، ثم إن العبد عند أهل السُّنَّة مختار، وإن كان مجبورًا في وصف الاختيار، فإنه مودعٌ فيه كالماء في القمقمة، انتهى. (١ - باب جفّ القلم على علم الله. . .) إلخ أي: فرغت الكتابة إشارة إلى أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها، وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم. قال الطيبي: هو من إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عن مداده، قلت: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت

стр. 3434

من أمدٍ بعيد، انتهى من "الفتح" (١). (٢ - باب الله أعلم بما كانوا عاملين) الضمير لأولاد المشركين، كما صرّح به في السؤال، قاله الحافظ (٢). وفي "الفيض" (٣): وقد تقدم أن ابن تيمية نسب إلى البخاري أنه قائل بنجاتهم، واستدل له بهذه الترجمة، قلت: بل هي دالة على نقيضه؛ لأن ظاهرها أنه اختار التوقف، انتهى. قوله: (إلا يولد على الفطرة. . .) إلخ، قال السندي (٤): الظاهر أن المراد سلامة الطبع بحيث لو عرض عليه الإسلام لَمَالَ إليه، لا نفس الإسلام إذ هو لا يناسب قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" فتأمّل، انتهى. (٣ - باب قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]) أي: حكمًا مقطوعًا بوقوعه، والمراد بالأمر واحد الأمور المقدرة، ويحتمل أن يكون واحد الأوامر؛ لأن الكل موجود بـ "كن"، قاله الحافظ (٥). (٤ - باب العمل بالخواتيم) قال الحافظ (٦): لما كان ظاهر حديث علي يقتضي اعتبار العمل الظاهر أردفه بهذه الترجمة الدالة على أن الاعتبار بالخاتمة، انتهى. (٥ - باب إلقاء النذر العبد إلى القدر) هكذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخ الشروح سوى نسخة

стр. 3435

الحافظ ففيها: "إلقاء العبد النذر إلى القدر" وهو نسخة الحاشية. قال الكرماني (١): فإن قلت: الترجمة مقلوبة إذ القدر يلقي العبد إلى النذر لقوله - في الحديث -: "يلقيه القدر" قلت: هما مترادفان إذ بالحقيقة القدر هو الموصل وبالظاهر هو النذر، لكن كان الأولى في الترجمة العكس ليوافق الحديث إلا أن يقال: هما متلازمان، انتهى. قال العلامة العيني (٢): والمعنى أن العبد إذا نذر لدفع شر أو لجلب خير، فإن نذره يلقيه إلى القدر الذي فرغ الله منه وأحكمه، فمهما قدره الله هو الذي يقع، ولهذا قال ﷺ في حديث الباب: "إن النذر لا يردّ شيئًا"، انتهى. بسط شيء من الكلام على هذه الترجمة في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه لو شئت، وسيأتي الكلام على حكم النذر وأنواعه في "كتاب الأيمان والنذور" إن شاء الله تعالى. (٦ - باب لا حول ولا قوة إلا بالله. . .) إلخ قال الحافظ (٤): ترجم في أواخر الدعوات "باب قول لا حول" بالإضافة، واقتصر هنا على لفظ الخبر، واستغنى به لظهوره في أبواب القدر؛ لأن معنى "لا حول" لا تحويل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله، انتهى. قلت: ولا توفيق إلا بالقدر، فناسب الباب الكتاب. (٧ - باب المعصوم من عصم الله. . .) إلخ أي: من عصمه الله بأن حماه من الوقع في الهلاك أو ما يجر إليه، يقال: عصمه الله من المكروه: وقاه وحفظه، واعتصمت بالله: لجأت إليه،

стр. 3436

وعصمة الأنبياء - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - حفظهم عن النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة، والفرق بينهم وبين غيرهم أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب وفي حق غيرهم بطريق الجواز، انتهى من "الفتح" (١). (٨ - باب قول الله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) إلخ وفي نسخة "الفتح": "وحِرْمٌ على قرية" قال الحافظ: كذا لأبي ذر، وفي رواية، غيره: "وحرام" بفتح أوله وزيادة الألف، والقراءتان مشهورتان، قرأ أهل الكوفة بكسر أوله وسكون ثانيه، وقرأ أهل الحجاز وغيرهم بفتحتين وألف، وهما بمعنى كالحلال والحل، ثم قال بعد ذكر الآيتين: ودخول ذلك في أبواب القدر ظاهر، فإنه يقتضي سبق علم الله بما يقع من عبيده، انتهى من "الفتح" (٢). (٩ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ الآية [الإسراء: ٦٠]) والمناسبة في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا﴾ لأنه هو التقدير. قاله الحافظ (٣): وجه دخوله في أبواب القدر من ذكر الفتنة، وأن الله هو الذي جعلها، وقد قال موسى ﵊: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. قال ابن التِّين: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله تعالى قدَّر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق، إلى آخر ما ذكر.

стр. 3437

(١٠ - باب تحاج آدم وموسى عند الله تعالى) ولفظ قوله: "عند الله" زعم بعض شيوخنا أنه أراد أن ذلك يقع منهما يوم القيامة، ثم ردّه بما وقع في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه أبو داود من حديث عمر قال: قال موسى: "يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم، فقال: أنت أبونا" الحديث، قال: وهذا ظاهره أنه وقع في الدنيا، انتهى. وفيه نظر: فليس قول البخاري: "عند الله" صريحًا في أن ذلك يقع يوم القيامة، فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان، والذي يظهر لي أن البخاري لمح في الترجمة بما وقع في بعض طرق الحديث، وهو ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة بلفظ: "احتج آدم وموسى عند ربهما" الحديث، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في وقت هذه المحاجة وتعيين زمانه. وبسط الكلام على شرح الحديث أشدّ البسط (١). (١١ - باب لا مانع لما أعطى الله) هذا اللفظ منتزع من معنى الحديث الذي أورده، قاله الحافظ (٢) (١٢ - باب من تعوذ بالله من درك الشقاء) تقدم شرح ذلك في أوائل الدعوات (٣). (١٣ - باب يحول بين المرء وقلبه) كأنّه أشار إلى تفسير الحيلولة التي في الآية بالتقلب الذي في الخبر أشار إلى ذلك الراغب، وقال: المراد أنه يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 3438

(١٤ - باب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا. . .﴾ [التوبة: ٥١] قضى) إلخ فسّر "كتب" بقضى، وهو أحد معانيها، وبه جزم الطبري في تفسيرها، وقال الراغب: ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضي كقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] أي: فيما قدره، ومنه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، انتهى من "الفتح" (١). (١٥ - باب قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. . .﴾ [الأعراف: ٤٣]) إلخ قال القسطلاني (٢): وجواب لولا مدلول عليه بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديره لولا هداية لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقد دلّت على أن المهتدي من هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، ومذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله في حق الأنبياء والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق، وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه، فكان يجب عليه أن يحمد نفسه؛ لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنة وخلَّصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه البتة إنما حمد الله تعالى فقط، علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى، انتهى. ثم براعة الاختتام عند الحافظ (٣): في قوله: "إذا أرادوا فتنة أبينا". وعند هذا العبد الضعيف (٤) في قوله: "يوم الخندق"، وكذا في قوله: "وثبت الأقدام. . ." إلخ، فإنه يذكر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧].

стр. 3439

٨٣ - كتاب الأيمان والنذور بسط الكلام على معناهما لغة وشرعًا في هامش "اللامع" (١)، وفيه: وعرفت اليمين شرعًا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى، والنذر أصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرّفه الراغب بإنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، انتهى. وقال القسطلاني (٢): والنذر مصدر نَذَرَ بفتح الذال المعجمة يَنْذُرُ بضمها وكسرها، في اللغة: الوعد بخير أو شر، وشرعًا: التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع، وزاد بعضهم مقصودة، وقيل: إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، ومنهم من قال: أن يلزم نفسه بشيء تبرعًا من عبادة أو صدقة أو نحوهما، وأما قوله ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" فإنما سمّاه نذرًا باعتبار الصورة، انتهى. وذكر فيه أيضًا أنواع الأيمان والنذور، فالأول على خمسة أنواع، والثاني على سبعة أنواع، وسيأتي بعض تلك الأنواع في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى. (١ - باب قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]) وكذا في نسخة "العيني" بإثبات لفظ الباب، وفي نسخة بقية الشروح سقط لفظ "باب". قال الحافظ (٣): "كتاب الأيمان والنذر، وقول الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ

стр. 3440

اللَّهُ﴾. . ." إلخ، كذا للجميع بغير لفظ "باب" وهو مقدر، وثبت لبعضهم كالإسماعيلي، انتهى. قلت: ولم يتعرض الشرَّاح لغرض الإمام البخاري بهذه الترجمة، ولم يأتوا بما يتعلق بالغرض، ولا بمطابقة أحاديث الباب بالترجمة بشيء يشفي العليل ويروي الغليل، وفي هامش "اللامع" (١): ويرد في بادئ الرأي على الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - أنه ترجم بهذه الآية التي في سورة الأنعام، وسيعيد الترجمة بعد اثني عشر بابًا بآية سورة البقرة، ومؤدى الآيتين واحد، فيوهم تكرار الترجمة، وجوابه عندي أن مقصود البابين مختلف، فالمقصود من الباب الأول أن ظاهر الآية يدلّ على أن إبرار القسم واجب، ولا يجوز الحنث بحال لأجل المؤاخذة لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]، فنبَّه المؤلف بإيراد الروايات الواردة في الباب على أن الحنث قد يكون أولى من الإبرار وأوكد منه، بل قد يكون اللج بيمينه آثم من الحنث، ومقصود الباب الآتي الإشارة إلى اختلافهم في تفسير يمين اللغو كما يدلّ عليه الروايات الواردة في الباب هناك، انتهى. (٢ - باب قول النبي ﷺ : وأيم الله) بكسر الهمزة وبفتحها والميم مضمومة، وحكى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور وحرف عند الزجاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، إلى آخر ما بسط الحافظ (٢) في تحقيقه أشدّ البسط. وقال العلامة القسطلاني (٣): قوله: "وأيم الله" من ألفاظ القسم كقولك: لعمر الله وعهد الله، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، أي:

стр. 3441

قسمي أو يميني أو لازم لي، وفيها لغات كثيرة، وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع، ونحاة الكوفة يقولون: إنها جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسم موضوع للقسم، ثم ذكر الخلاف في ذلك، فقال: قال المالكية والحنفية: إنها يمين، وقال الشافعية: إن نوى اليمين انعقد، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أطلق فوجهان أصحّهما لا ينعقد، وعن أحمد روايتان أصحّهما الانعقاد، انتهى. (٣ - باب كيف كان يمين النبي ﷺ . . .) إلخ أي: التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر، وجملة ما ذكر في الباب أربعة ألفاظ: أحدهما: والذي نفسي بيده، وكذا نفس محمد بيده، فبعضها مصدر بلفظ "لا"، وبعضها بلفظ "أما" وبعضها بلفظ "أيم"، ثانيها: لا ومقلب القلوب، ثالثها: والله. رابعها: ورب الكعبة. والأول أكثرها ورودًا. ثم ذكر الحافظ (١) اختلاف الفقهاء في تعيين ما يقسم به من أسماء الله وصفاته، فارجع إليه لو شئت. فائدة: أفاد الحافظ ابن القيم (٢) في بيان قصة الحديبية من جملة الفوائد الفقهية المستفادة منها فقال: ومنها جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا، وأمره الله تعالى بالحلفِ على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في سورة يونس، وسبأ، والتغابن، انتهى. (٤ - باب لا تحلفوا بآبائكم) ويستفاد بما ذكرت من نقول الفقهاء في "الأوجز" (٣): أن الحلف بالآباء والأمهات لا ينعقد يمينًا عند الأئمة الأربعة، وفيه: قال ابن قدامة (٤):

стр. 3442

لا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق: كالكعبة، والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا: الحلف برسول الله ﷺ يمين موجبة للكفارة، انتهى. وجزم الدردير المالكي بأنه لا ينعقد بالنبي، ولا بالكعبة، والركن، والمقام، والعرش، إلى آخر ما ذكر، وفي "البدائع" (١): لو حلف بشيء من ذلك له لا يكون يمينًا؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، انتهى. قال الحافظ (٢): قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز الكراهة أعمّ من التحريم والتنزيه، والمسألة خلافية قولان عند المالكية، والمشهور عندهم الكراهة، والمشهور عند الحنابلة التحريم، وبه جزم الظاهرية، وهكذا الخلاف موجود عند الشافعية من أجل قول الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشار بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه. ثم قال الحافظ: قال العلماء: السر في النهي [عن الحلف بغير الله] أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، انتهى ملخصًا. ثم إنهم استشكلوا مطابقة حديث زهدم الحديث الرابع من أحاديث الباب بالترجمة كما ذكر في هامش النسخة "الهندية" (٣). وكذا بسط في هامش "اللامع" (٤)، وفيه: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذكر الكفارة في حديث زهدم وعدم ذكرها في حديث الحلف بالآباء أنه لا تكون الكفارة في الحلف بالآباء،

стр. 3443

والمسألة إجماعية كما تقدمت آنفا، وقال السندي (١) في هامشه: قيل في وجه مطابقة حديث أبي موسى للترجمة أنه ﷺ حلف بالله مرتين، فعلم أن الحلف بغير الله لا يحسن، قلت: والأحسن من ذلك أن يقال: إن قوله ﷺ : "لا أحلف على يمين" لا يدل على أن يمينه كانت منعقدة، واليمين بغيره تعالى لا تنعقد، فكان يمينه مطلقًا بالله لا بغيره تعالى، انتهى. (٥ - باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت) إنما أفرده بالذكر لشدة كراهة الحلف بذلك. قال الحافظ (٢): أما الحلف باللات والعزى فذكر في حديث الباب، وأما الطواغيت فوقع في حديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: "لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم"، وفي رواية مسلم وابن ماجه: "بالطواغي" وهو جمع طاغية، والمراد الصنم، وأما الطواغيت فهو جمع طاغوت، وقد تقدم بيانه في تفسير سورة النساء. قال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله ولا كفارة عليه، وعن الحنفية: تجب الكفارة، انتهى. قلت: وهكذا ذكر الشراح من الحافظ والنووي وهكذا العلامة الباجي مذهب الحنفية في هذه المسألة، والعجب من العلامة العيني إذ حكى قول النووي ولم يتعقبه، ولا يصح النقل عن الحنفية، وذلك لأنه لا يجب الكفارة عندنا في الحلف باللات ونحوها، صرّح به ابن الهمام وغيره من أصحاب الفروع، انتهى من "الأوجز" (٣).

стр. 3444

(٦ - باب من حلف على الشيء وإن لم يحلّف) وقد أطلق بعض الشافعية أن اليمين بغير استحلاف تكره فيما لم تكن طاعة، والأولى أن يعبّر بما فيه مصلحة، قال ابن المنيِّر (١): مقصود الترجمة أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: على أحد التأويلات فيها لئلا يتخيل أن الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النهي، فأشار إلى أن النهي يختص بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم؛ كالذي ورد في حديث الباب من منع لبس خاتم الذهب، انتهى من "الفتح" (٢). وأبدى بعض الشرَّاح لحلفه ﷺ وجهًا وجيهًا حكاه القسطلاني (٣) إذ قال: قال المهلب: إنما كان ﷺ يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من فتواه متبرعًا بذلك لنسخ ما كانت عليه الجاهلية في الحلف بآبائهم وآلهتهم؛ ليعرّفهم أن لا محلوف به سوى الله تعالى؛ وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغيره تعالى، انتهى. (٧ - باب من حلف بملة سوى الإسلام. . .) إلخ قوله: (بملة) هي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب كاليهودية والنصرانية ومن لحق بهم من المجوسية والصابئة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وغيرهم، ولم يجزم المصنف بالحكم هل يكفر الحالف بذلك أو لا؟ لكن تصرفه يقتضي أن لا يكفر بذلك؛ لأنه علّق حديث: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" ولم يذكر كفارة، قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر بالله ونحو ذلك إن فعلت ثم فعل، فقال جمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافرًا إلا إن أضمر ذلك بقلبه، وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين،

стр. 3445

وعليه الكفارة، انتهى مختصرًا ملخصًا من "الفتح" (١). (٨ - باب لا يقول: ما شاء الله وشئت. . .) إلخ هكذا بتّ الحكم في الصورة الأولى، وتوقف في الصورة الثانية، وسببه أنها وإن كانت وقعت في حديث الباب الذي أورده مختصرًا وساقه مطولًا فيما مضى، لكن إنما وقع ذلك من كلام الملك على سبيل الامتحان للمقول له، فتطرق إليه الاحتمال، انتهى من "الفتح" (٢). قال الكرماني (٣): فإن قلت: ليس في الباب ما يدلّ عليه؟ - أي: على الجزء الأول من الترجمة -. قلت: يروى عن المستملي أنه قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله كان عند الفربري فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، فيها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض، إلى آخر ما قال. - قلت: وقد تقدّم أمثال هذا الاعتذار من قبل البخاري في مقدمة "لامع الدراري" (٤). وقال الحافظ (٥): قال المهلب: إنما أراد البخاري أن قوله: "ما شاء الله ثم شئت" جائز مستدلًا بقوله: "أنا بالله ثم بك"، انتهى. ثم قال الحافظ (٦): مناسبة إدخال هذه الترجمة في "كتاب الأيمان" من جهة ذكر الحلف في بعض طرق حديث ابن عباس، ومن جهة أنه قد يتخيل جواز اليمين بالله ثم بغيره على وزان ما وقع في قوله: "أنا بالله ثم بك"، فأشار إلى أن النهي ثبت عن التشريك، وورد بصورة الترتيب على

стр. 3446

لسان الملك، وذلك فيما عدا الأيمان، أما اليمين بغير ذلك فثبت النهي عنها صريحًا فلا يلحق بها ما ورد في غيرها، والله أعلم، انتهى. (٩ - باب قول الله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ. . .﴾ [الأنعام: ١٠٩]) إلخ أي: حلف المنافقون بالله، وهو جهد اليمين؛ لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين، وعن ابن عباس ﵄: من قال: بالله، فقد جهد يمينه، انتهى من "القسطلاني" (١). وأما الغرض من الترجمة فما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) إذ قال: يعني بذلك أن القسم يمين أيضًا، انتهى. وقد ترجم الإمام أبو داود (٣) بقوله: "باب في القسم هل يكون يمينًا" وذكر فيه قصة الرؤيا من حديث ابن عباس الذي علّقه البخاري ههنا، وسيأتي مطولًا في "كتاب التعبير"، والمسألة خلافية كما سيأتي. وقال الحافظ (٤): والغرض منه هنا قوله: "لا تقسم" موضع قوله: "لا تحلف"، فأشار إلى الرد على من قال: إن من قال: "أقسمت" انعقدت يمينًا، ولأنه لو قال بدل "أقسمت": "حلفت" لم تنعقد اتفاقًا إلا إن نوى اليمين أو قصد الإخبار بأنه سبق منه حلف، وأيضًا فقد أمر ﷺ بإبرار القسم، فلو كان "أقسمت" يمينًا لأبر أبا بكر حين قالها، ومن ثمّ أورد حديث البراء عقبه.

стр. 3447

ثم قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر (٢): مقصود البخاري الردّ على من لم يجعل القسم بصيغة: "أقسمت" يمينًا، انتهى. قلت: ما ذكره الحافظ هو مذهب الشافعي: وما أشار إليه ابن المنيِّر هو مذهبنا الحنفية، والعجب أن الحديث مستدل الفريقين كليهما، ففي "البذل" (٣): قال الخطابي (٤): فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينًا بمجرده حتى يقول: "أقسمت بالله"، وذلك أن النبي ﷺ قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان "أقسمت" يمينًا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا على وجه آخر، فيقول: لولا أنه يمين ما كان النبي ﷺ يقول: "لا تقسم" وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى. وقال الحافظ (٥): قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: "أقسمت بالله" أو "أقسمت" مجردة، فقال قوم هي يمين وإن لم يقصد، وبه قال النخعي والثوري والكوفيون، وقال الأكثرون: لا تكون يمينًا إلا أن ينوي، وقال مالك: "أقسمت بالله" يمين، و"أقسمت" مجردة لا تكون يمينًا إلا إن نوى، وقال الشافعي: المجردة لا تكون يمينًا أصلًا ولو نوى، و"أقسمت بالله" إن نوى تكون يمينًا، وقال إسحاق: لا تكون يمينًا أصلًا، وعن أحمد كالأول، وعنه كالثاني، انتهى. (١٠ - باب إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله) أي: هل يكون حالفًا؟ وقد اختلف في ذلك فقال الحنفية والحنابلة: نعم، والراجح عند الحنابلة ولو لم يقل بالله أنه يمين، وعند الشافعية لا يكون يمينًا إلا إن أضاف إليه بالله، ومع ذلك فالراجح أنه كناية، فيحتاج

стр. 3448

إلى القصد وهو نصّ الشافعي في "المختصر"، وعن مالك كالروايات الثلاث، واحتج من أطلق بأنه ثبت في العرف والشرع في الأيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، فدل على أنهم استعملوا ذلك في اليمين، وكذا ثبت في اللعان، إلى آخر ما قال الحافظ (١). وقال العلامة العيني (٢): وللعلماء في هذا الباب أقوال: أحدها: إن "أشهد" و"أحلف" و"أعزم" كلها أيمان تجب فيها الكفارة، وهو قول النخعي وأبي حنيفة، الثاني: إن "أشهد" لا يكون يمينًا حتى يقول: "أشهد بالله" وإلا فليس بيمين. . .، إلى آخر ما ذكر (١١ - باب عهد الله) قال القسطلاني (٣): أي: قول الشخص: عليّ عهد الله لأفعلن كذا، ثم قال بعد ذكر الحديث: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "بعهد الله"، فمن حلف بالعهد فحنث لزمته كفارة عند مالك والكوفيين وأحمد، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا إن نواه، قاله ابن المنذر، انتهى. وقال الحافظ (٤): قال ابن التِّين: هذا لفظ يستعمل على خمسة أوجه: الأول: عليّ عهد الله، والثاني: وعهد الله، الثالث: عهد الله، الرابع: أعاهد الله، الخامس: عليَّ العهد، وقد طرد بعضهم ذلك في الجميع، وفصّل بعضهم فقال: لا شيء في ذلك إلا إن قال: عليّ عهد الله ونحوها، وإلا فليست بيمين نوى أو لم ينو، ثم ذكر مذاهب العلماء نحو ما تقدم عن القسطلاني وزاد: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس: ٦٠]، فمن قال: عليّ عهد الله صدق؛ لأن الله أخبر أنه أخذ علينا العهد فلا يكون ذلك يمينًا إلا إن نواه،

стр. 3449

واحتج الأولون بأن العرف قد صار جاريًا به، فحمل على اليمين، انتهى. (١٢ - باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه. . .) إلخ قال الحافظ (١): في هذه الترجمة عطف العام على الخاص، والخاص على العام؛ لأن الصفات أعمّ من العزة والكلام. ثم قال الحافظ (٢): لمح المصنف بهذه الترجمة إلى ردّ ما جاء عن ابن مسعود من الزجر عن الحلف بعزة الله، ففي ترجمة عون بن عبد الله بن عتبة من "الحلية" لأبي نُعيم عن عون قال: قال عبد الله: لا تحلفوا بحلف الشيطان أن يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] انتهى. وعون عن عبد الله منقطع، انتهى من "الفتح". وقال القسطلاني (٣): قوله: "وصفاته" كالخالق والسميع والبصير والعليم، "وكلامه" كالقرآن أو بما أنزل الله، انتهى. قوله: (أعوذ بعزتك) في هامش المصرية (٤): وجه مطابقته للترجمة مع أنه دعاء لا قسم أنه لا يستعاذ إلا بصفة قديمة فالحلف كذلك، انتهى. ثم انعقاد الحلف بعزة الله متفق بين الأئمة، ففي "الأوجز" (٥): عن ابن قدامة في بحث القسم بصفات الله تعالى كعزة الله تعالى وعظمته وجلاله وكلامه، فهذه تنعقد به اليمين في قولهم جميعًا، وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه من صفات ذاته، ولم يزل موصوفًا بها إلى آخر ما بسط فيه من الكلام على ذلك، ولخص منه في هامش "اللامع" (٦) من كلام الموفق وغيره. وحاصله: أن القسم بصفات الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 3450

أحدها: ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله تعالى، فذكر ما تقدم آنفًا. والثاني: ما هو صفات للذات ويعبّر به عن غيرها مجازًا كعلم الله وقدرته، فمتى أقسم بها كان يمينًا، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا قال: "وعلم الله" لا يكون يمينًا؛ لأنه يحتمل المعلوم. والثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظًا أو نيةً كالعهد والميثاق والأمانة ونحوها، فهذا لا يكون يمينًا إلا بإضافة أو نية، انتهى مختصرًا. (١٣ - باب قول الرجل: لعمر الله. . .) إلخ أي: هل يكون يمينًا؟ وهو مبني على تفسير "لعمر"، ولذا ذكر أثر ابن عباس. قال الراغب: العمر بالضم وبالفتح واحد، ولكن خصّ الحلف بالثاني، وقد اختلف هل تنعقد به اليمين؟ فعن المالكية والحنفية تنعقد؛ لأن معناه بقاء الله، والبقاء من صفات ذاته، وعن مالك: لا يعجبني اليمين بذلك، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنه يطلق على العلم وقد يراد بالعلم المعلوم، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي، انتهى ملخصًا من "الفتح" و"القسطلاني" (١). وقال الموفق (٢): وإن قال: "لعمر الله" فهي يمين، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن كان قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا، وهو اختيار أبي بكر، ولنا أنه أقسم بصفة من صفات الله فكان يمينًا كالحلف ببقاء الله تعالى، إلى آخر ما في "الأوجز" (٣). (١٤ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]) هذه آية البقرة، وقد تقدم آية المائدة في أول "كتاب الأيمان" من باب

стр. 3451

قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ الآية، وقد تقدم هناك الكلام على دفع ما يتوهم من التكرار بين الترجمتين لاختلاف الغرضين، وأن الغرض ههنا الإشارة إلى اختلاف العلماء في تفسير يمين اللغو، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١)، وذكر فيه ثمانية أقوال للعلماء، وذكر مختصرًا في هامش "اللامع" (٢)، وفيه عن تفسير الصاوي (٣): اختلف العلماء في معنى اللغو، فقال الشافعي: هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد عقد اليمين، وقال أبو حنيفة ومالك: هو أن يحلف على ما يعتقد فتبين خلافه، انتهى. وقول الإمام أحمد يجمعها كما حكى الموفق عن نصِّ الإمام أحمد أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء، انتهى. وجعل ابن الهمام مذهب أحمد موافقًا للحنفية، ورواية له أخرى موافقة للشافعي، انتهى من هامش "اللامع". وفي "البذل" (٤) عن "البدائع" (٥): وحاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، عندنا ليس بلغو وفيها الكفارة، وعنده لغو لا كفارة فيها، ثم قال: المراد من قول عائشة وقول رسول الله ﷺ : أن يمين اللغو ما يجري في كلام الناس: "لا والله، بلى والله" في الماضي، لا في المستقبل، انتهى. قلت: فعلى هذا حديث عائشة هذا الذي استدل به الشافعية مسلك الحنفية.

стр. 3452

(١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان. . .) إلخ المسألة التي أشار إليها الإمام البخاري خلافية، قال ابن رُشد في "البداية" (١): إن مالكًا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد، والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا [على] المكره، انتهى. وقال الموفق (٢): من حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا فلا كفارة عليه، نقله عن أحمد الجماعة إلا في الطلاق والعتاق، فإنه يحنث، هذا ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث في الجميع، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة، وهو قول ربيعة ومالك وأصحاب الرأي، والقول الثاني للشافعي، انتهى. قلت: وما ذكر الموفق من مذهب الحنفية، هو كذلك كما في "الدر المختار" (٣) إذ قال: وفيه - أي: اليمين المنعقدة - الكفارة ولو مكرهًا أو ناسيًا، انتهى. وأما غرض المصنف بالترجمة ومطابقة الأحاديث بها فقال الكرماني (٤) تحت حديث ابن عباس: فإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ذكر اليمين؟ قلت: غرضه من الترجمة بيان رفع القلم عن الناسي والمخطئ ونحوهما وعدم المؤاخذة به، فهذا الحديث وما بعده من الأحاديث تناسبها بهذا الوجه، انتهى. قلت: اختلفوا في غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة، والأوجه عندي ما قاله ابن المنيِّر (٥): إن غرض البخاري بالترجمة جمع أدلة الفريقين كما تقدم نظيره في "كتاب الشروط" في قصة جمل جابر، فإنه ذكر فيه
следующие страницы →