إلى القصد وهو نصّ الشافعي في "المختصر"، وعن مالك كالروايات الثلاث، واحتج من أطلق بأنه ثبت في العرف والشرع في الأيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، فدل على أنهم استعملوا ذلك في اليمين، وكذا ثبت في اللعان، إلى آخر ما قال الحافظ (١).
وقال العلامة العيني (٢): وللعلماء في هذا الباب أقوال: أحدها: إن "أشهد" و"أحلف" و"أعزم" كلها أيمان تجب فيها الكفارة، وهو قول النخعي وأبي حنيفة، الثاني: إن "أشهد" لا يكون يمينًا حتى يقول: "أشهد بالله" وإلا فليس بيمين. . .، إلى آخر ما ذكر
(١١ - باب عهد الله)
قال القسطلاني (٣): أي: قول الشخص: عليّ عهد الله لأفعلن كذا، ثم قال بعد ذكر الحديث: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "بعهد الله"، فمن حلف بالعهد فحنث لزمته كفارة عند مالك والكوفيين وأحمد، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا إن نواه، قاله ابن المنذر، انتهى.
وقال الحافظ (٤): قال ابن التِّين: هذا لفظ يستعمل على خمسة أوجه: الأول: عليّ عهد الله، والثاني: وعهد الله، الثالث: عهد الله، الرابع: أعاهد الله، الخامس: عليَّ العهد، وقد طرد بعضهم ذلك في الجميع، وفصّل بعضهم فقال: لا شيء في ذلك إلا إن قال: عليّ عهد الله ونحوها، وإلا فليست بيمين نوى أو لم ينو، ثم ذكر مذاهب العلماء نحو ما تقدم عن القسطلاني وزاد: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس: ٦٠]، فمن قال: عليّ عهد الله صدق؛ لأن الله أخبر أنه أخذ علينا العهد فلا يكون ذلك يمينًا إلا إن نواه،
стр. 3449
واحتج الأولون بأن العرف قد صار جاريًا به، فحمل على اليمين، انتهى.
(١٢ - باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه. . .) إلخ
قال الحافظ (١): في هذه الترجمة عطف العام على الخاص، والخاص على العام؛ لأن الصفات أعمّ من العزة والكلام.
ثم قال الحافظ (٢): لمح المصنف بهذه الترجمة إلى ردّ ما جاء عن ابن مسعود من الزجر عن الحلف بعزة الله، ففي ترجمة عون بن عبد الله بن عتبة من "الحلية" لأبي نُعيم عن عون قال: قال عبد الله: لا تحلفوا بحلف الشيطان أن يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] انتهى. وعون عن عبد الله منقطع، انتهى من "الفتح".
وقال القسطلاني (٣): قوله: "وصفاته" كالخالق والسميع والبصير والعليم، "وكلامه" كالقرآن أو بما أنزل الله، انتهى.
قوله: (أعوذ بعزتك) في هامش المصرية (٤): وجه مطابقته للترجمة مع أنه دعاء لا قسم أنه لا يستعاذ إلا بصفة قديمة فالحلف كذلك، انتهى.
ثم انعقاد الحلف بعزة الله متفق بين الأئمة، ففي "الأوجز" (٥): عن ابن قدامة في بحث القسم بصفات الله تعالى كعزة الله تعالى وعظمته وجلاله وكلامه، فهذه تنعقد به اليمين في قولهم جميعًا، وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه من صفات ذاته، ولم يزل موصوفًا بها إلى آخر ما بسط فيه من الكلام على ذلك، ولخص منه في هامش "اللامع" (٦) من كلام الموفق وغيره.
وحاصله: أن القسم بصفات الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 3450
أحدها: ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله تعالى، فذكر ما تقدم آنفًا. والثاني: ما هو صفات للذات ويعبّر به عن غيرها مجازًا كعلم الله وقدرته، فمتى أقسم بها كان يمينًا، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا قال: "وعلم الله" لا يكون يمينًا؛ لأنه يحتمل المعلوم. والثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظًا أو نيةً كالعهد والميثاق والأمانة ونحوها، فهذا لا يكون يمينًا إلا بإضافة أو نية، انتهى مختصرًا.
(١٣ - باب قول الرجل: لعمر الله. . .) إلخ
أي: هل يكون يمينًا؟ وهو مبني على تفسير "لعمر"، ولذا ذكر أثر ابن عباس. قال الراغب: العمر بالضم وبالفتح واحد، ولكن خصّ الحلف بالثاني، وقد اختلف هل تنعقد به اليمين؟ فعن المالكية والحنفية تنعقد؛ لأن معناه بقاء الله، والبقاء من صفات ذاته، وعن مالك: لا يعجبني اليمين بذلك، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنه يطلق على العلم وقد يراد بالعلم المعلوم، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي، انتهى ملخصًا من "الفتح" و"القسطلاني" (١).
وقال الموفق (٢): وإن قال: "لعمر الله" فهي يمين، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن كان قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا، وهو اختيار أبي بكر، ولنا أنه أقسم بصفة من صفات الله فكان يمينًا كالحلف ببقاء الله تعالى، إلى آخر ما في "الأوجز" (٣).
(١٤ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥])
هذه آية البقرة، وقد تقدم آية المائدة في أول "كتاب الأيمان" من باب
стр. 3451
قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ الآية، وقد تقدم هناك الكلام على دفع ما يتوهم من التكرار بين الترجمتين لاختلاف الغرضين، وأن الغرض ههنا الإشارة إلى اختلاف العلماء في تفسير يمين اللغو، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١)، وذكر فيه ثمانية أقوال للعلماء، وذكر مختصرًا في هامش "اللامع" (٢)، وفيه عن تفسير الصاوي (٣): اختلف العلماء في معنى اللغو، فقال الشافعي: هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد عقد اليمين، وقال أبو حنيفة ومالك: هو أن يحلف على ما يعتقد فتبين خلافه، انتهى.
وقول الإمام أحمد يجمعها كما حكى الموفق عن نصِّ الإمام أحمد أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء، انتهى.
وجعل ابن الهمام مذهب أحمد موافقًا للحنفية، ورواية له أخرى موافقة للشافعي، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "البذل" (٤) عن "البدائع" (٥): وحاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، عندنا ليس بلغو وفيها الكفارة، وعنده لغو لا كفارة فيها، ثم قال: المراد من قول عائشة وقول رسول الله ﷺ : أن يمين اللغو ما يجري في كلام الناس: "لا والله، بلى والله" في الماضي، لا في المستقبل، انتهى.
قلت: فعلى هذا حديث عائشة هذا الذي استدل به الشافعية مسلك الحنفية.
стр. 3452
(١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان. . .) إلخ
المسألة التي أشار إليها الإمام البخاري خلافية، قال ابن رُشد في "البداية" (١): إن مالكًا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد، والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا [على] المكره، انتهى.
وقال الموفق (٢): من حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا فلا كفارة عليه، نقله عن أحمد الجماعة إلا في الطلاق والعتاق، فإنه يحنث، هذا ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث في الجميع، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة، وهو قول ربيعة ومالك وأصحاب الرأي، والقول الثاني للشافعي، انتهى.
قلت: وما ذكر الموفق من مذهب الحنفية، هو كذلك كما في "الدر المختار" (٣) إذ قال: وفيه - أي: اليمين المنعقدة - الكفارة ولو مكرهًا أو ناسيًا، انتهى.
وأما غرض المصنف بالترجمة ومطابقة الأحاديث بها فقال الكرماني (٤) تحت حديث ابن عباس: فإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ذكر اليمين؟ قلت: غرضه من الترجمة بيان رفع القلم عن الناسي والمخطئ ونحوهما وعدم المؤاخذة به، فهذا الحديث وما بعده من الأحاديث تناسبها بهذا الوجه، انتهى.
قلت: اختلفوا في غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة، والأوجه عندي ما قاله ابن المنيِّر (٥): إن غرض البخاري بالترجمة جمع أدلة الفريقين كما تقدم نظيره في "كتاب الشروط" في قصة جمل جابر، فإنه ذكر فيه
стр. 3453
أحاديث الاشتراط والهبة، وحاول الحافظ (١) أن غرض البخاري تأييد مسلكه وأول الروايات إليه مع بُعد التأويل في بعضها.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا الكلام على هذا الباب إذ قال (٢): وجملة ما ساقه ههنا من الروايات لا يدلّ شيء منها على نفي الكفارة، فإن أراد إثبات أنه لا كفارة في هذا الحنث فغير مسلم لعدم الثبوت، وإن أراد إثبات أنه لا معصية فيه فهو مسلم، وإثبات ذلك بالروايات موجه، إلى آخر ما بسط في مطابقة الأحاديث بالترجمة.
(١٦ - باب اليمين الغموس. . .) إلخ
بفتح المعجمة وضم الميم الخفيفة وآخره مهملة، قيل: سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، فهي فعول بمعنى فاعل، وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جفنةً فجعلوا فيها طيبًا أو دمًا أو رمادًا، ثم يحلفون عندما يدخلون أيديهم فيها؛ ليتم لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا.
ثم قال الحافظ: نقل ابن المنذر وابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس، واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر، وأجاب من قال بالكفارة كالأوزاعي والشافعي بأنه أحوج للكفارة من غيره، إلى آخر ما ذكر الحافظ (٣).
قلت: وإلى مسلك الجمهور ميل المصنف، وقال القسطلاني (٤): واليمين الغموس: أن يحلف على الماضي متعمدًا للكذب كأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا نفيًا وإثباتًا، وهو يعلم أنه ما فعله أو فعله، أو أن يحلف كاذبًا ليذهب بمال أحد، انتهى.
стр. 3454
(١٧ - باب قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧])
أشار المصنف بذلك كما في الحاشية (١) عن العيني (٢) تأكيد مسلك الجمهور أن لا كفارة في يمين الغموس إذ المذكور في الآيات والروايات الإثم لا غير، قوله: "على يمين صبر" في هامش النسخة المصرية بالإضافة، أي: التي تصبر، أي: يلزم بها الحالف ويحبس عليها، ومنهم من نَوَّن يمين، أي: يمينٌ مصبورةٌ على التجوز إذ المصبور في الحقيقة صاحبها، أو المراد أن الحالف هو الذي صبر نفسه وحبسها على هذه اليمين، فاليمين مصبورة، أي: مصبور عليها، انتهى.
(١٨ - باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه ثلاثة أحاديث يؤخذ منها حكم ما في الترجمة على الترتيب، وقد تؤخذ الأحكام الثلاثة من كل منها، ولو بضرب من التأويل، وقد ورد في الأمور الثلاثة على غير شرطه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم" أخرجه أبو داود، وفي بعض طرقه عند أبي داود أيضًا: "ولا في معصية"، وللطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رفعه: "لا يمين في غضب" الحديث، وسنده ضعيف.
وبسط الحافظ وغيره من الشرَّاح فيما قصد المصنف بهذه الترجمة، وكذا تكلموا في مناسبة أحاديث الباب بالترجمة.
وكتب مولانا محمد حسن المكي في "التقرير" (٤): غرضه أن اليمين
стр. 3455
في هذه الثلاثة لا ينعقد أصلًا. وقوله: "فحلف أن لا يحملنا ثم حَمَلَنا" فعلم أن اليمين لم تكن منعقدة لعدم الإبل في ملكه حين الحلف. وقوله: "فرجع إلى مسطح النفقة" فعلم أن اليمين لم تكن منعقدة، قلنا: قد كفر، انتهى.
قلت: وهذا مبني على تبويب البخاري ومسلكه وإلا فالمسألة في الكفارة في هذه الأمور خلافية، وما أفاده الشيخ المكي من قوله: "قلنا: قد كفر" به جزم الصاوي على "الجلالين".
وأفاد العلامة الكرماني (١) في غرض الترجمة غير ما أفاده الشيخ المكي إذ قال: فإن قلت: كيف دلَّ الحديثان على الجزئين الأولين من الترجمة؟ قلت: لعله قاسهما على الغضب، فإن قلت: فما حكمهما هل ينعقد اليمين وتجب الكفارة فيهما؟ قلت: مختلف فيه، وميل البخاري إلى الانعقاد والوجوب حيث سلكهما في مسلك الغضب، انتهى.
وأما تفصيل مذاهب الأئمة في هذه الأمور الثلاثة ففي "الأوجز" (٢): قال الموفق (٣): أما نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعًا، ويجب على الناذر كفارة يمين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنه لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، انتهى.
وأما اليمين فيما لا يملك فقال العلامة العيني (٤): وفي "التوضيح" (٥): إذا حلف الرجل بعتق ما لا يملك إن ملكه في المستقبل، فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلةً أو جنسًا لزمه العتق، وإن قال: كل مملوك أملكه أبدًا حر، لم يلزمه عتق، وكذلك في الطلاق إن عين قبيلة أو بلدةً أو صفة ما، لزمه الحنث، وإن لم يعين لم يلزمه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه
стр. 3456
الطلاق والعتق سواء عمّ أو خصّ، وقال الشافعي: لا يلزمه خصّ أو عمّ، انتهى.
قلت: وهذا الخلاف فيما إذا علَّق العتق أو الطلاق على سبب الملك كما هو مصرّح في كلام العيني هذا، وإلا فالتعليق غير معتبر عند أحد، بل هو حينئذٍ كالتنجيز، فكما أن تنجيز العتق فيما لا يملك غير صحيح عند الكل، فكذا هذا التعليق.
وأما الجزء الثالث من الترجمة فقال العيني (١) أيضًا: وجمهور الفقهاء يلزمون الغاضب الكفارة، ويجعلون غضبه مؤكِّدًا ليمينه، وروي عن ابن عباس: أن الغضبان يمينه لغو ولا كفارة فيها، وروي عن مسروق والشعبي وجماعة: أن الغضبان لا يلزمه شيء، ولا طلاق ولا عتاق لقوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاق" ثم قال العيني: وهذا الحديث أخرجه أبو داود وقال: أظنه في الغضب، وقال غيره: الإِغلاق الإكراه، لكن هذا حديث ليس بثابت، انتهى من "العيني" بتغيير.
(١٩ - باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم. . .) إلخ
قوله: (فهو على نيته. . .) إلخ، قال الكرماني (٢): يعني إن قصد بالكلام ما هو كلام عرفًا لا يحنث بهذه الأذكار والقراءة والصلاة، وإن قصد الأعم يحنث بها، انتهى.
قال الحافظ (٣): ولم يتعرض لما إذا أطلق، والجمهور على أنه لا يحنث، وعن الحنفية يحنث، وفرّق بعض الشافعية بين القرآن، فلا يحنث به ويحنث بالذكر، وحجة الجمهور أن الكلام في العرف ينصرف إلى كلام الآدميين وأنه لا يحنث بالقراءة والذكر داخل الصلاة فليكن كذلك خارجها، وقال ابن المنيِّر: معنى قول البخاري: "هو على نيته" أي: العرفية، قال:
стр. 3457
ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يحنث بذلك إلا إن نوى إدخاله في نيته فيؤخذ منه حكم الإطلاق، انتهى.
وفي العيني (١): قال أصحابنا: حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن في صلاته أو سبح لم يحنث، وإن قرأ في غير الصلاة يحنث، خلافًا للشافعي، والقياس أن يحنث فيهما، انتهى.
قلت: والظاهر أن ميل البخاري إلى أن القراءة والتسبيح وغيرهما كلام، أي: عند الإطلاق وعدم النية، ويستأنس ذلك مما أورده في هذا الباب.
(٢٠ - باب من حلف أن لا يدخل على أهله شهرًا. . .) إلخ
أي: ثم دخل فإنه لا يحنث، هذا يتصور إذا وقع الحلف أول جزء من الشهر اتفاقًا فإن وقع في أثناء الشهر ونقص هل يتعين أن يلفق ثلاثين أو يكتفي بتسع وعشرين؟ فالأول قول الجمهور، وقالت طائفة، منهم ابن عبد الحكم من المالكية بالثاني، انتهى من "الفتح" (٢).
(٢١ - باب إن حلف أن لا يشرب نبيذًا. . .) إلخ
بسط الكلام على شرح هذه الترجمة وبيان الغرض منها من كلام الشرَّاح، ومن تقارير الشيخ الكَنكَوهي في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ (٤): قال المهلب: الذي عليه الجمهور أن من حلف أن لا يشرب النبيذ بعينه لا يحنث بشرب غيره، ومن حلف لا يشرب نبيذًا لا يخشى من السكر به فإنه يحنث بكل ما يشربه مما يكون فيه المعنى المذكور، فإن سائر الأشربة من الطبيخ والعصير تسمّى نبيذًا لمشابهتهما له
стр. 3458
في المعنى، فهو كمن حلف لا يشرب شرابًا، وأطلق فإنه يحنث بكل ما يقع عليه اسم شراب.
قال ابن بطال (١): ومراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومن تبعه، فإنهم قالوا: إن الطلاء والعصير ليسا بنبيذ؛ لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه، فأراد البخاري الردَّ عليهم، إلى آخر ما ذكر الحافظ من كلام ابن بطال. ثم قال: وزعم ابن المنيِّر أن الشارع بمعزل عن مقصود البخاري هنا، قال: وإنما أراد تصويب قول الحنفية، ومن ثم قال: لم يحنث، ولا يضره قوله بعده: "في قول بعض الناس"، فإنه لو أراد خلافه لترجم على أنه يحنث، وكيف يترجم على وفق مذهب ثم يخالفه، انتهى.
قال الحافظ: والذي فهمه ابن بطال أوجه وأقرب إلى مراد البخاري، انتهى.
قلت: ومذهب الحنفية ما في "البدائع" (٢) كما في هامش "اللامع" (٣): لو حلف لا يشرب نبيذًا فأيّ نبيذ شرب حنث لعموم اللفظ، وإن شرب سكرًا لا يحنث لأن السكر لا يسمى نبيذًا؛ لأنه اسم لخمر التمر، وهو الذي من ماء التمر إذا غلا أو اشتد وقذف بالزبد أو لم يقذف على الاختلاف، وكذا لو شرب فضيخًا لأنه لا يسمى نبيذًا، انتهى.
وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": وحاصل استدلال المؤلف أن التفاوت بين الطلاء والسكر وبين النبيذ ليس أكثر من التفاوت بينه وبين النقيع، فلما ورد في الرواية إطلاق لفظ النبيذ على النقيع فأولى أن يتناول لفظه السكر والطلاء، والله أعلم بمراد عباده، انتهى.
стр. 3459
(٢٢ - باب إذا حلف أن لا يأتدم فأكل تمرًا بخبز. . .) إلخ
أي: هل يكون مؤتدمًا فيحنث أم لا؟ واختلفوا في مراد البخاري هل هو موافق للحنفية أو مخالف لهم؟ مال الحافظ إلى الثاني، والأوجه عندي الأول لذكره حديث أكله ﷺ : "الخبز بالتمر" ثم حديث عائشة بنفي الائتدام.
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر (٢) وغيره: مقصود البخاري الردّ على من زعم أنه لا يقال: ائتدم إلا إذا أكل بما اصطبغ به، قال: ومناسبته لحديث عائشة أن المعلوم أنها أرادت نفي الإدام مطلقًا بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم، فدخل فيه التمر وغيره.
وقال الكرماني (٣): وجه المناسبة أن التمر لما كان موجودًا عندهم، وهو غالب أقواتهم، وكانوا شباعًا منه علم أن أكل الخبز به ليس ائتدامًا، قال: ويحتمل أن يكون ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأدنى ملابسة، وهو لفظ المأدوم لكونه لم يجد شيئًا على شرطه.
قال الحافظ: والأول مباين لمراد البخاري، والثاني هو المراد، لكن بأن ينضم إليه ما ذكره ابن المنيِّر، انتهى من "الفتح".
وتعقب العلامة العيني (٤) كلام الحافظ، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: الوجه الأول، وما قال الحافظ من أنه مباين لغرض الإمام البخاري ليس بوجيه، فإنه لم يفصح بمراده بل ذكر في الترجمة الشرط بغير جزاء، ولما ذكر في حديث عبد الله بن سلام أكله ﷺ الخبز بالتمر ونفت عائشة رضي الله تعالى عنها الأكل بالإدام، فالظاهر أنها لم تعد التمر إدامًا لعدم العرف بذلك.
стр. 3460
وتلخيص مذهب الحنفية في ذلك ما في "الدر المختار" (١): والإدام ما يصطبغ به الخبز إذا اختلط به كخل وزيت لا اللحم والبيض، وقال محمد: هو ما يؤكل مع الخبز غالبًا، فما يؤكل وحده غالبًا كتمر وزبيب وبطيخ وسائر الفواكه ليس إدامًا إلا في موضع يؤكل تبعًا للخبز غالبًا اعتبارًا للعرف، انتهى.
وبقول محمد قالت الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأحمد كما قال العيني، كذا في هامش "اللامع" (٢).
وقال الحافظ (٣): ومن حجة الجمهور حديث عائشة في قصة بريدة: "فدعا بالغداء فأتي بخبز وإدام من أدم البيت"، الحديث، وترجم له المصنف في الأطعمة "باب الأدم"، قال ابن القصار: وقال الكوفيون: الإدام اسم للجمع بين الشيئين، فدلّ على أن المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعًا له بأن تتداخل [أجزاؤه] في أجزائه، وهذا لا يحصل إلا بما يصطبغ به، انتهى.
قال العيني (٤): فإن قلت: معنى ما يصطبغ به ما يختلط به الخبز، فكيف يختلط الخبز بالملح؟ قلت: يذوب في الفم فيحصل الاختلاط، انتهى.
(٢٣ - باب النية في الأيمان)
قال العيني (٥): قال المهلب وغيره: إذا كانت اليمين بين العبد وربه لا خلاف بين العلماء أنه ينوي ويحمل على نيته، وإذا كانت بينه وبين آدمي وادعى في نيته غير الظاهر لم يقبل قوله، وحمل على ظاهر كلامه إذا كانت عليه بينة بإجماع، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3461
(٢٤ - باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة)
أي: تصدق بماله أو جعله هدية للمسلمين، وهذا الباب هو أول أبواب النذور، انتهى من "الفتح" (١).
وتقدم الكلام على معنى النذر في أول الكتاب، وقد اختلف العلماء فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على اثني عشر مذهبًا كما بسط في "الأوجز" (٢)، فارجع إليه لو شئت، ومذاهب الأئمة الأربعة أنه يجب عليه الثلث عند مالك وأحمد والكل عند الشافعي إن نذر على وجه التبرر كإن شفى الله مريضي، وإن كان النذر لجاجًا وغضبًا مثل أن يقول: إن فعلت كذا فهو بالخيار إن شاء فعل ذلك وإن شاء كفر كفارة يمين، وعند الحنفية يجب التصدق بجميع ماله من جنس الزكاة، أي جنس كان بلغ نصابًا أو لا، ولا يدخل فيه المال غير الزكوي.
(٢٥ - باب إذا حرم طعامًا. . .) إلخ
كأن يقول: طعام كذا حرام عليّ، أو نذرت لله، أو لله عليّ أن لا آكل كذا، أو لا أشرب كذا، وهذا من نذر اللجاج، والراجح عدم الانعقاد إلا إن قرنه بحلف فيلزمه كفارة يمين، انتهى من "القسطلاني" (٣)، وكذا في "الفتح" (٤).
وزاد فيه (٥): قال ابن المنذر: اختلف فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا يحل، فقالت طائفة: لا يحرم عليه وتلزمه كفارة يمين، وبهذا قال أهل العراق، وقالت طائفة: لا تلزمه الكفارة إلا إن حلف، وإلى ترجيح هذا القول أشار المصنف بإيراد الحديث لقوله: "وقد حلفت" وهو قول مسروق والشافعي ومالك، لكن استثنى مالك المرأة فقال: تطلق، ولو قال
стр. 3462
لأمته من غير أن يحلف فلا تحرم عليه أمَتُه، وقال الشافعي: لا يقع عليه شيء إذا لم يحلف إلا إذا نوى الطلاق فتطلق، أو العتق فتعتق، وعنه يلزمه كفارة يمين، انتهى.
وهكذا قال العيني إذ قال: ولم يذكر جواب "إذا" على عادته، وهو أنه ينعقد يمينه، وعليه كفارة يمين إذا استباحه، لكن إذا حلف، وهو الذي ذهب إليه البخاري، فلذلك أورد حديث الباب لأن فيه: قد حلفت، ثم ذكر المذاهب نحو ما تقدم، وقد تقدم الكلام مبسوطًا على هاتين المسألتين أعني تحريم الرجل امرأته على نفسه، وتحريم الطعام والشراب في "كتاب الطلاق"، فكن منه على ذكر، وحققت هناك أن ميلَ المصنف في المسألة إلى مسلك الإمام مالك.
(٢٦ - باب الوفاء بالنذر)
أي: حكمه وفضله، قاله الحافظ (١). وذكر المصنف فيه كلا النوعين ما يدلّ على المدح بوفاء النذر، وما يدل على المنع عن النذر، وسيأتي توجيه ذلك من كلام الحافظ. وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ يؤخذ منه أن الوفاء به قربة للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة، انتهى من "الفتح".
وقال العلامة العيني (٢): أورد هذه الآية إشارةً إلى أن الوفاء بالنذر مما يجلب الثناء على فاعله، ولكن المراد هو نذر الطاعة لا نذر المعصية، وقام الإجماع على وجوب الوفاء إذا كان النذر بالطاعة، واختلف في ابتداء النذر فقيل: إنه مستحب، وقيل: مكروه، وبه جزم النووي، ونصَّ الشافعي على أنه خلاف الأولى، وحمل بعض المتأخرين النهي على نذر اللجاج، واستحب نذر التبرر، انتهى.
ولم يذكر العيني مذهب مالك، وذكره الحافظ (٣): إذ قال بعد نقل
стр. 3463
نصّ الشافعي: إن النذر مكروه، وكذا نقل عن المالكية، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، انتهى.
قال القسطلاني (١): والذي رأيته في "شرح مختصر الشيخ خليل" للشيخ بهرام المالكي: أن النذر المطلق وهو الذي يوجبه الإنسان على نفسه ابتداء شكرًا لله تعالى مندوب، قال ابن رُشد: وهو مذهب مالك، وأما المكرر وهو ما إذا نذر صوم كل خميس أو كل اثنين أو نحو ذلك فهو مكروه، قال في "المدونة": مخافة التفريط في الوفاء به، إلى آخر ما قال.
ثم قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر (٣): مناسبة أحاديث الباب للترجمة في قوله: "يستخرج به من البخيل"، وإنما يخرج البخيل ما تعين عليه إذ لو أخرج ما يتبرع لكان جوادًا، قلت: ويحتمل أن يكون البخاري أشار إلى تخصيص النذر المنهي عنه بنذر المعاوضة واللجاج بدليل الآية، فإن الثناء الذي تضمنته محمول على نذر القربة كما تقدم أول الباب، فيجمع بين الآية والحديث بتخصيصر كل منهما بصورة من صور النذر، فكأن البخاري رمز في الترجمة إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك، انتهى ملتقطًا من "الفتح".
قوله: (نهى النبي ﷺ عن النذر) في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (٤): علل بأن الناذر لما لم يبذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب، وإلى ذلك أشار بقوله: "إنه لا يرد شيئًا"، والنهي للتنزيه إذ لو كان للتحريم لبطل النذر، وسقط لزوم الوفاء به، ولا ينافي ذلك قول أصحابنا: إن النذر قربة، ولهذا لا تبطل به
стр. 3464
الصلاة؛ لأن النهي: محمول على من ظنّ أنه لا يقوم بما التزمه، أو أن للنذر تأثيرًا كما يلوح به الحديث أو على المعلق بشيء، فالقول بأنه قربة محله في غير ذلك، وبذلك علم ضعف إطلاق قول الكرماني: المكروه التزام القربة لا القربة إذ ربما لا يقدر على الوفاء، انتهى.
(٢٧ - باب إثم من لا يفي بالنذر)
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر وسقط لغيره لفظ "إثم"، انتهى.
ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، قال ابن بطال (٢): سوّى بين من يخون أمانته ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا، انتهى من "الفتح".
(٢٨ - باب النذر في الطاعة. . .) إلخ
أي: حكمه، ويحتمل أن يكون "باب" بالتنوين ويريد بقوله: "النذر في الطاعة" حصر المبتدأ في الخبر فلا يكون نذر المعصية نذرًا شرعًا، انتهى (٣).
(٢٩ - باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم)
أي: هل يجب الوفاء عليه؟ والمراد بالجاهلية جاهلية المذكور، وهو حاله قبل إسلامه، قال ابن بطال: قاس البخاري النذر على اليمين وترك الكلام على الاعتكاف، ذكر فيه حديث ابن عمر في نذر عمر الجاهلية أنه يعتكف، والحديث سبق في آخر الاعتكاف، وسبق في غزوة حنين تعيين زمن سؤال عمر، ولفظه: "لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر
стр. 3465
كان نذره في الجاهلية اعتكاف ليلة" قال ابن بطال: وبوجوب هذا النذر يقول الشافعي وأبو ثور، كذا قال، والمشهور عند الشافعية أنه وجه لبعضهم، وأن الشافعي وجلّ أصحابه على أنه لا يجب بل يستحب، وكذا قال المالكية والحنفية، وعن أحمد في رواية يجب، وبه جزم الطبري والبخاري وداود.
قال الحافظ: إن وجد عن البخاري التصريح بالوجوب قبل، وإلا فمجرد ترجمته لا تدل على الوجوب، انتهى من "الفتح" (١) و"القسطلاني" (٢).
قوله: (أوف بنذرك. . .) إلخ، قال القسطلاني (٣): تمسّك به من قال بصحة نذر الكافر، ومن منع وهو الصحيح يحمل الحديث على أنه ﷺ لم يأمره بالاعتكاف إلا تشبيهًا بما نذر، لا عين ما نذر، وتسميته بالنذر من مجاز التشبيه أو من مجاز الحذف، انتهى.
(٣٠ - باب من مات وعليه نذر. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أي: هل يقضى عنه أو لا؟ والذي ذكره في الباب يقتضي الأول، لكن هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ خلاف يأتي بيانه، ثم قال فيما يأتي: وعند الظاهرية ومن وافقهم أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات، وذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر مالي أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقًا، انتهى ملتقطًا من "الفتح".
وتقدّم ذكر الخلاف في المسألة في آخر "كتاب الحج" من "باب الحج والنذر عن الميت" (٥).
стр. 3466
(٣١ - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية)
تقدم ذكر المذاهب في "باب اليمين فيما لا يملك".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): لم يذكر في الباب ما يدلّ على الجزء الأول، وكأنه أدخل الجزء الأول في الثاني، فإن نذر المرء فيما لا يملكه هبة أو صدقة أو عتاقة يشبه نذره بمعصية في امتناعه من التمكن من إتيانه، فافهم، انتهى.
وبما وجّهه الشيخ جزم ابن المنيِّر كما في هامش "اللامع"، وفيه: قال الحافظ (٢): تقدم التنبيه في "باب من حلف بملة سوى الإسلام" على الموضع الذي أخرج البخاري فيه التصريح بما يطابق الترجمة، وهو في حديث ثابت بن الضحاك بلفظ: "وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك".
ثم بسط الحافظ عدة روايات في هذا المعنى، وحديث ثابت بن الضحاك الذي [أشار إليه الحافظ تقدم في البخاري في "باب ما ينهى من السباب واللعن" من "كتاب الأدب"، فلا يبعد عندي] أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بالترجمة على عادته إلى هذا الحديث، انتهى من هامش "اللامع".
(٣٢ - باب من نذر أن يصوم أيامًا فوافق النحر أو الفطر)
أي: أيامًا معينة فوافق النحر أو الفطر، أي: هل يجوز له الصيام أو البدل أو الكفارة؟ انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعًا ولا عن نذر سواء عينهما أو أحدهما بالنذر أو وقعا معًا أو أحدهما اتفاقًا، فلو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة
стр. 3467
فقال: لو أقدم فصام وقع ذلك عن نذره، وقد تقدم بسط ذلك في أواخر "الصيام"، انتهى (١).
قلت: تقدم في الصيام "باب صوم يوم الفطر" و"باب صيام أيام التشريق"، وبسط الكلام عليه هناك.
وفي هامش "اللامع" (٢): ومسالك الأئمة في ذلك كما بسط في "الأوجز" (٣) أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز صوم هذين اليومين، أي: الفطر والأضحى، لا نفلًا ولا قضاءً ولا نذرًا، واختلفوا في صحة النذر بصومهما، فيصحّ النذر عند الحنفية، ويجب القضاء، وهو الأصح من قولي أحمد كما جزم به في "نيل المآرب"، ولا يصح النذر عند الشافعي فلا قضاء عليه، وقال مالك: إن نذرهما بعينهما بأن نذر صوم يوم الأضحى مثلًا فلا يصح النذر، وإن نذر يومًا وافق يوميهما مثل إن نذر صوم قدوم فلان فقدم يوم النحر فهذا النذر يصح عنده، ويجب القضاء، انتهى.
قلت: وعن الإمام أبي حنيفة فيه ثلاث روايات، وظاهر الرواية عنه هو ما ذكر، أعني: صحة النذر مطلقًا.
(٣٣ - باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم. . .) إلخ
يعني: هل يصح اليمين أو النذر على الأعيان؟ فصورة اليمين نحو قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن هذه الشملة لتشتعل عليه نارًا"، وصورة النذر مثل أن يقول: هذه الأرض لله نذرًا، ونحوه، انتهى من "العيني" (٤)، وكذا في "الفتح" (٥)، وعزاه إلى الكرماني (٦)، ثم قال: والذي فهمه ابن بطال أولى، فإنه أشار إلى أن مراد البخاري الردّ على من قال: إذا حلف أو نذر
стр. 3468
أن يتصدق بماله كله اختص ذلك بما فيه الزكاة دون ما يملكه مما سوى ذلك، ونقل محمد بن نصر المروزي في "كتاب الاختلاف" عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدق بماله كله: يتصدق بما تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه من الأرضين والدور ومتاع البيت والرقيق والحمير ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء، ثم نقل بقية المذاهب على نحو ما قدمته في "باب من أهدى ماله"، فعلى هذا فمراد البخاري موافقة الجمهور، وأن المال يطلق على كل ما يتمول، انتهى.
وكذا قدمنا بقية المذاهب في الباب الذي أشار إليه الحافظ.
ثم إن الحافظ ﵀ جعل "كتاب الكفارات" كتابًا مستقلًا؛ ولذا ذكر براعة الاختتام هنا في آخر "كتاب الأيمان" إذ قال: والبراعة في قوله: "فجاءه سهم عائر فقتله"، انتهى (١).
وهو كذلك عندي، وسيأتي بيان اختلاف النسخ.
* * *
стр. 3469
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان
(١ - باب كفارات الأيمان)
كذا في نسخة "الفتح" و"العيني" بلفظ "كتاب"، وأما في النسخ الهندية ففيها بلفظ باب.
قال العلامة العيني (١): هكذا في رواية أبي ذر عن المستملي، وفي رواية غيره "باب"، والكفارات جمع كفارة على وزن فعالة بالتشديد من الكفر، وهو التغطية، ومنه قيل للزارع: كافر؛ لأنه يغطي البذر، وكذلك الكفارة؛ لأنها تكفر الذنب، أي: تستره، ومنه تكفر الرجل بالسلاح إذا تستر به، وفي الاصطلاح: الكفارة ما يكفر به من صدقة ونحوها، انتهى.
وقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. . .﴾ إلخ [المائدة: ٨٩] ذكر الشرَّاح في ضمن هذه الترجمة عدة فروعاتٍ خلافيةً.
قال الحافظ (٢): وقد تمسك به من قال بتعين العدد المذكور، وهو قول الجمهور خلافًا لمن قال لو أعطى ما يجب للعشرة واحدًا كفى، وهو مروي عن الحسن، ولمن قال كذلك، لكن قال عشرة أيام متوالية، وهو مروي عن الأوزاعي.
قوله: (وما أمر النبي ﷺ . . .) إلخ، يشير إلى حديث كعب بن عجرة الموصول في الباب.
قوله: (ويذكر عن ابن عباس) أما أثر ابن عباس فوصله سفيان الثوري في "تفسيره" (٣)، قال: كل شيء في القرآن أو نحو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فهو فيه مخيَّر، وما كان ﴿فَمَنْ لَمْ
стр. 3470
يَجِدْ﴾ فهو على الولاء، أي: على الترتيب، وأما أثر عطاء فوصله الطبري (١) قال ابن بطال (٢): هذا - أي: التخيير - متفق عليه بين العلماء، وإنما اختلفوا في قدر الإطعام، ثم ذكر الاختلاف في ذلك، قلت: وقد تقدم عدة أبواب في فدية المحرم إذا حلق في "كتاب الحج"، وتقدم هناك مبسوطًا اختلاف العلماء في مقدار الطعام، وكذا في التخيير بين هذه الأشياء، فارجع إليه لو شئت، ثم إنهم أجمعوا على أن الحانث مخيَّر في الثلاثة من الإطعام والكسوة والتحرير، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وفيه خلاف لابن عمر حيث جعل "أو" ههنا للتنويع، كما بسط في "الأوجز" (٣).
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): وإنما ذكر البخاري حديث كعب هنا من أجل آية التخيير فإنها وردت في كفارة اليمين كما وردت في كفارة الأذى، وتعقبه ابن المنيِّر فقال: يحتمل أن يكون البخاري وافق الكوفيين في هذه المسألة، فأورد حديث كعب لأنه وقع التنصيص فيه على نصف صاع، ولم يثبت في قدر طعام الكفارة فيحمل المطلق على المقيد، إلى آخر ما في "الفتح".
(٢ - باب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢])
هكذا في النسخ الهندية، وكذا في أكثر نسخ الشروح سوى نسخة "الفتح" ففيه: "باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير؟ وقول الله تعالى. . ." إلخ.
قال الحافظ (٦): وسقط لبعضهم ذكر الآية، وأشار الكرماني إلى
стр. 3471
تصويبه فقال: قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: تحليلها بالكفارة، والمناسب أن يذكر هذه الآية في الباب الذي قبله.
ثم قال الحافظ: قال ابن المنيِّر (١): مقصوده أن ينبِّه على أن الكفارة إنما تجب بالحنث كما أن كفارة المواقع إنما تجب باقتحام الذنب، وأشار إلى أن الفقير لا يسقط عنه إيجاب الكفارة؛ لأن النبي ﷺ علم فقره وأعطاه مع ذلك ما يكفِّر به، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) قوله: "ومتى تجب الكفارة" أي: حيث وجد، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، انتهى.
قلت: وعلى هذا الغرض من الترجمة عندي أنه هل يجب أداء الكفارة على الفور أم على التراخي، وهذا أوجه عندي مما نقله الحافظ عن ابن المنيِّر من أن الكفارة إنما تجب بالحنث لا قبل الحنث، لكن لم أجد المسألة التي ذكرها الشيخ نصًّا في الكفارة، نعم الاختلاف في قضاء رمضان هل هو على الفور أو التراخي مشهور، ويستنبط منه الاختلاف في الكفارة أيضًا كما ذكر في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه لو شئت.
(٣ - باب من أعان المعسر في الكفارة)
قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبل، وهو ظاهر فيما ترجم له، فكما جاز إعانة المعسر بالكفارة عن وقاعه في رمضان، كذلك تجوز إعانة المعسر بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيه، انتهى.
(٤ - باب يعطى في الكفارة عشرة مساكين. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): أما العدد فبنصِّ القرآن في كفارة اليمين، وقد ذكرت
стр. 3472
الخلاف فيه قريبًا، وأما التسوية بين القريب والبعيد فقال ابن المنيِّر (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبله، وليس فيه إلا قوله: "أطعمه أهلك"، لكن إذا جاز إعطاء الأقرباء، فالبعداء أجوز، وقاس كفارة اليمين على كفارة الجماع في الصيام في إجازة الصرف إلى الأقرباء، قلت: وهو على رأي من حمل قوله: "أطعمه أهلك" على أنه في الكفارة، وأما من حمله على أنه أعطاه التمر المذكور في الحديث لينفقه عليهم، وتستمر الكفارة في ذمته إلى أن يحصل له يسرة فلا يتجه الإلحاق، وكذا على قول من يقول تسقط عن المعسر مطلقًا، ومذهب الشافعي جواز إعطاء الأقرباء إلا من تلزمه نفقته، انتهى.
قلت: وأورد في الحاشية (٢) أنه لا وجه لذكر العشرة في الترجمة؛ لأن العشرة في كفارة اليمين، وحديث الباب في كفارة الوقاع فلا مطابقة بينهما إلى آخر ما ذكر في الحاشية من الجواب، قلت: إنما ذكر العشرة في الترجمة؛ لأن الترجمة من كتاب الأيمان وكفارة اليمين كذلك على أن مقصد الاستدلال تعميم القريب والبعيد لا العدد الوارد في الحديث، فإن عدد الستين إنما هو في كفارة الصيام، وقد تقدّم في "كتاب الصوم" "باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج"، وتقدم هناك في مراد قوله ﷺ : "أطعمه أهلك" واختلاف العلماء في صرف الكفارة إلى العيال، فارجع إليه لو شئت.
(٥ - باب صاع المدينة ومد النبي ﷺ وبركته)
قال الحافظ (٣): أشار في الترجمة إلى وجوب الإخراج في الواجبات بصاع أهل المدينة؛ لأن التشريع وقع على ذلك أولًا، وأكَّد ذلك بدعاء النبي ﷺ لهم بالبركة في ذلك.
стр. 3473
قوله: (وما توارث أهل المدينة. . .) إلخ، أشار بذلك إلى أن مقدار المد والصاع في المدينة لم يتغير لتواتره عندهم إلى زمنه، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): وحاصل الترجمة أن العبرة لمكيال المدينة؛ لأنه كان هو الشائع حين أمر النبي ﷺ بأداء ما يؤدى من المكيلات، فيكون هو المراد لا غير، ثم ذكر الشيخ في "اللامع" توضيح قول السائب: "كان الصاع على عهد النبي ﷺ مدًّا. . ." إلخ، وفي هامش "اللامع" عن"المشكاة" برواية أبي داود (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة"، انتهى.
قلت: وترجم على هذا الحديث الإمام أبو داود "باب قول النبي ﷺ المكيال مكيال المدينة".
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٣) في معنى الحديث، وقال القاري في "شرحه" (٤): لأن أهل المدينة أصحاب زراعات فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أهل تجارات فعهدهم بالموازين وعلمهم بالأوزان أكثر، انتهى.
قلت: واختلفوا في مقدار المد، فالمد رطل وثلث عند مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أبي يوسف المرجوع إليه على المشهور، وقيل: لا يصح الرجوع، ورطلان عند أبي حنيفة ومحمد، والبسط في "الأوجز" (٥)، وفيه أيضًا: مذهب الشافعي وأحمد اختيار المد الأصغر رطل وثلث، ومذهب الحنفية اختيار المد الأكبر رطلان، وفرّق مالك فقال في الظهار بالمد الأكبر، وفي غيره بالمد الأصغر كما في "الأوجز"، ففي "الموطأ" (٦): قال
стр. 3474
مالك: والكفارات كلها وزكاة الفطر وزكاة العشور كل ذلك بالمد الأصغر مد النبي ﷺ إلا الظهار فإن الكفارة فيه بالمد الأعظم مد هشام، انتهى.
وذكر في "الأوجز" (١) في "باب زكاة الفطر" الاختلاف في مقدار مد هشام.
(٦ - باب قول الله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢])
يشير إلى أن الرقبة في آية كفارة اليمين مطلقة بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان، قال ابن بطال (٢): حمل الجمهور ومنهم الأئمة الثلاث المطلق على المقيد، وخالفهم الكوفيون فقالوا: يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور وابن المنذر، واحتج له في كتابه "الكبير" بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين، ومن ثم اشترط التتابع في صيام القتل دون اليمين.
قوله: (وأي الرقاب أزكى؟) كأنه رمز بذلك إلى موافقة الكوفيين؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي الاشتراك في أصل الحكم، انتهى من "الفتح" (٣).
(٧ - باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب. . .) إلخ
ذكر فيه حديث جابر في عتق المدبر، وقد تقدم شرحه مستوفى في "كتاب العتق"، وبيان الاختلاف فيه، والاحتجاج لمن قال بصحة بيعه، وقضية ذلك صحة عتقه في الكفارة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (٤).
قلت: وقد تقدم الاختلاف وبيان المذاهب في بيع المدبر وأم الولد والمكاتب في "كتاب العتق".
وقال القسطلاني (٥) تحت حديث الباب: ووجه المطابقة قال الكرماني: لأنه إذ جاز بيع المدبر جاز إعتاقه، وقاس الباقي عليه، انتهى.
وقال العلامة العيني (٦): وأما عتق ولد الزنا في الرقاب الواجبة فيجوز عند الجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال عطاء
стр. 3475
والشعبي والنخعي والأوزاعي: لا يجوز عتقه، فإن قلت: روي عن أبي هريرة مرفوعًا: "أنه شر الثلاثة"، قلت: روي عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك، انتهى مختصرًا.
قلت: وهذا الحديث الذي أشار إليه العلامة العيني أخرجه الإمام أبو داود (١) بلفظ: "ولد الزنا شر الثلاثة"، وقد تكلموا عليه كما أشار إليه العيني، وقد تعرّض الحافظ لإدخال المصنف عتق ولد الزنا في هذا الباب، وعن وجه مناسبته، وذكر بعض آثار الصحابة مما يدلّ على منع عتقه.
(٨ - باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر أو أعتق في الكفارة لمن ولاؤه)
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح هما بابان مستقلان هكذا: "باب إذا أعتق. . ." إلخ، لكن لم يذكر فيه حديث، ثم ترجم "باب إذا أعتق في الكفارة. . ." إلخ.
قال الحافظ (٢): قوله: "باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر" ثبتت هذه الترجمة للمستملي وحده بغير حديث، فكأن المصنف أراد أن يثبت فيها حديث الباب الذي وحده من وجه آخر فلم يتفق، أو تردّد في الترجمتين فاقتصر الأكثر على الترجمة التي تلي هذه، وكتب المستملي الترجمتين احتياطًا، والحديث في الباب الذي يليه صالح لهما بضرب من التأويل، وجمع أبو نعيم الترجمتين في باب واحد.
ثم قال الحافظ: ذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة مختصرًا، وفي آخره: "فإنما الولاء لمن أعتق"، وقضيته أن كل من أعتق فصحّ عتقه كان الولاء له، فيدخل في ذلك ما لو أعتق العبد المشترك فإنه إن كان موسرًا صحّ وضمن لشريكه حصته، ولا فرق بين أن يعتقه مجانًا أو عن الكفارة،
стр. 3476
وهذا قول الجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة: لا يجزئه عتق العبد المشترك عن الكفارة؛ لأنه يكون أعتق بعض عبد لا جميعه؛ لأن الشريك عنده يخيَّر أن يقوم عليه نصيبه وبين أن يعتقه هو وبين أن يستسعى العبد في نصيب الشريك، انتهى.
قلت: ومبنى الخلاف هو ما قد تقدّم مبسوطًا في "كتاب العتق" هو اختلافهم في تجزي الإعتاق وعدمه، فإن الإعتاق متجز عند أبي حنيفة مطلقًا في حالتي اليسر والعسر، وغير متجز مطلقًا عند صاحبيه، وعند الأئمة الثلاثة متجز في حالة العسر دون اليسر كما تقدم.
(٩ - باب الاستثناء في الأيمان)
أي: هذا باب في بيان أحكام الاستثناء في الأيمان، والاستثناء في الاصطلاح: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بإلا وأخواتها، وتطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، أو لا أفعل كذا إن شاء الله تعالى فقد استثنى، واتفق العلماء على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ، وذكر عياض فيه عن بعضهم خلاف مالك، لكن نقل في "التهذيب" أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفظ، انتهى ملخصًا من "الفتح" (١).
وفيه (٢) بعد ذكر الحديث: قال أبو موسى المديني في كتابه "الثمين في استثناء اليمين": لم يقع قوله: "إن شاء الله" في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وسقط لفظ "والله" من نسخة ابن المنيِّر، فاعترض بأنه ليس في حديث الباب يمين، وليس كما ظن بل هي ثابتة في الأصول، وإنما أراد البخاري بإيراده بيان صيغة الاستثناء بالمشيئة، وأشار أبو موسى المديني في
стр. 3477
الكتاب المذكور إلى أنه ﷺ قالها للتبرك لا للاستثناء، وهو خلاف الظاهر.
وقال الحافظ (١) تحت الحديث الثاني من حديثي الباب: قد جزم جماعة أن سليمان ﵇ كان قد حلف كما سأبينه، والحق أن مراد البخاري من إيراد قصة سليمان في هذا الباب أن يبين أن الاستثناء في اليمين يقع بصيغة "إن شاء الله"، فذكر حديث أبي موسى المصرح بذكرها مع اليمين، ثم ذكر قصة سليمان لمجيء قوله ﷺ فيها تارة بلفظ: "لو قال: إن شاء الله"، وتارة بلفظ: "لو استثنى" فأطلق على لفظ إن شاء الله أنه استثناء، فلا يعترض عليه بأنه ليس في قصة سليمان يمين، انتهى.
(١٠ - باب الكفارة قبل الحنث وبعده)
قال العلامة السندي (٢) في مطابقة الحديث بالترجمة: وفيه ذكر قوله: "إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" كأنّه أخذ من الواو الإطلاق؛ لأنه لمطلق الجمع، فالأصل الجواز كيف ما كان مقدمًا على الحنث أو مؤخرًا، ومن يدعي أحدهما فعليه البيان، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٣): اعلم أن للكفارة ثلاث حالات: إحداها: قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا، ثانيتها: بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقًا، ثالثتها: بعد الحلف وقبل الحنث فاختلف فيها، فقال مالك وسائر فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة: تجزئ قبله، لكن استثنى الشافعي الصيام، فقال: لا يجزئ إلا بعد الحنث؛ لأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة، والخلاف كما قال القاضي عياض مبني على أن الكفارة لحل اليمين أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها
стр. 3478
رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبل وبعد، نعم استحب مالك والشافعي تأخيرها، انتهى.
وفيه (١) أيضًا: واختلف هل كفَّر ﷺ عن يمينه المذكورة كما اختلف هل كفَّر في قصة حلفه على شرب العسل أو على غشيان مارية، ثم ذكر فيه أقوال العلماء.
وأما براعة الاختتام فما تقدم في مقدمة "اللامع" (٢) من كلام الحافظ أنها في قوله: "إذا سهم عائر فقتله" وفي آخر الكفارة: "وكفِّر عن يمينك"، انتهى.
قلت: وهذا مبني على نسخة الحافظ، وأما على النسخ الهندية فالكفارات فيها مندرج في "كتاب الأيمان"، وفي آخرها: قوله: "كفِّر عن يمينك" كما تقدم في كلام الحافظ، ولا يبعد عندي أنها في قوله: "فأت الذي هو خير" فإنه استعداد للموت أو في قوله: "ابن حرب".
* * *
стр. 3479
٨٥ - كتاب الفرائض
قال الحافظ (١): الفرائض جمع فريضة؛ كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخوذة من الفرض، وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا، أي: قطعت له شيئًا من المال، قاله الخطابي (٢). وقال الراغب (٣): قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] أي: مقدرًا أو معلومًا أو مقطوعًا عن غيرهم، انتهى.
وفي "الأوجز" (٤): الفرض لغة التقدير، وشرعًا نصيب مقدّر للوارث، وهي ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
وقال الدردير (٥): ويسمى بعلم الفرائض وعلم المواريث، وهو علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث، وموضوعه التركات، وغايته إيصال كل ذي حق حقه من التركة، انتهى.
وقال القسطلاني (٦): قيل: إن هذا العلم ينقسم إلى ثلاثة علوم: علم الفتوى، وعلم النسب، وعلم الحساب، انتهى.
(١ - باب قول الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيتين [النساء: ١١])
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح بغير لفظ "باب".
وأما الغرض من الترجمة فما في هامش "اللامع" (٧) من أنه أشار
стр. 3480
بذلك إلى مبدأ هذا الحكم كما يدل عليه حديث جابر الوارد في الباب من قوله: "فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث"؛ ولذا قدمه على " باب تعليم الفرائض "، فهذا الباب عندي من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وقد تقدم البحث في المراد بآية الميراث الواقع في حديث جابر في "كتاب التفسير" فارجع إليه لو شئت، وفي هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (١): نزول آية المواريث في جابر لا ينافي ما روي أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص لاحتمال أن بعضها نزل في هذا أو بعضها نزل في ذلك، أو أنها نزلت فيهما معًا في وقت واحد، انتهى.
(٢ - باب تعليم الفرائض)
أي: بيان الحثّ على تعليمها لما سيأتي من حديث الترمذي وغيره.
قوله: (وقال عقبة بن عامر. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هذا الأثر لم أظفر به موصولًا، قال ابن المنيِّر (٣): وإنما خصّ البخاري قول عقبة بالفرائض لأنه أدخل فيه من غيرها؛ لأن الفرائض الغالب عليها التعبد وانحسام وجوه الرأي، بخلاف غيرها من أبواب العلم، فإن للرأي فيها مجالًا والانضباط فيها ممكن غالبًا.
قال الحافظ: وقد ورد في الحثِّ على تعلم الفرائض حديث ليس على شرطه أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصحّحه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإِني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما"، إلى آخر ما في "الفتح" من الكلام على الحديث.
قلت: ولعل المصنف أشار إلى هذا الحديث.
стр. 3481
(٣ - باب قول النبي ﷺ : لا نورث. . .) إلخ
الراء من قوله: "لا نورث" بالفتح في الرواية، ولو روي بالكسر لصحّ المعنى أيضًا، وقوله: "صدقة" بالرفع، أي: المتروك عنا صدقة، وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن "ما" نافية، ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزل فيجوز النصب على تقدير حذفٍ تقديره: ما تركنا مبذول صدقة، قاله ابن مالك (١).
وينبغي الإضراب عنه والوقوف مع ما ثبتت به الرواية، انتهى من "الفتح" (٢)، والحديث قد سبق في الخمس.
وقال الحافظ (٣): تقدّم الكلام على المراد بقوله: "عاملي" في أوائل فرض الخمس، وحكيت فيه ثلاثة أقوال، ثم وجدت في "الخصائص" لابن دحية حكاية قول رابع أن المراد خادمه، وعبّر عن العامل على الصدقة بالعامل على النخل، وزاد أيضًا: وقيل: الأجير، ويتحصل من المجموع خمسة أقوال: الخليفة، والصانع، والنظار، والخادم، وحافر قبره ﵊، وقد ترجم المصنف عليه في أواخر الوصايا "باب نفقة قيم الوقف"، وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر، انتهى.
وبسط الكلام على شرح الحديث ومباحثه في الجزء السادس من "الأوجز" (٤)، وفي هامش المصرية: استشكل طلبهما الأرض بعد أخذهما لها على الشرط المذكور، وأجيب بأنهما اعتقدا أن قوله: "لا نورث" مخصوص ببعض ما يخلفه، وأما مخاصمتهما فلم تكن في الميراث بل طلبا أن يقسما بينهما ليستقل كل منهما بالتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، وربما يطول الزمان فيظن أنه ملكهما، قاله الكرماني (٥)، انتهى.
стр. 3482
وتقدم شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع" (١) في "كتاب المغازي"، وأجاد الكلام على مباحث الحديث شيخنا ومرشدنا في "بذل المجهود" (٢)، وفيه: قال الإمام أبو داود وبعد تخريج هذا الحديث: أراد عمر ﵁ أن لا يوقع عليه اسم قسم، انتهى.
(٤ - باب قول النبي ﷺ : "من ترك مالًا فلأهله ")
قال الحافظ (٣) في شرح الحديث: قوله: "فعلينا قضاؤه" وهل هذا من خصائصه ﷺ أو يجب على ولاة الأمر بعده؟ الراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح، ونقل ابن بطال (٤) وغيره أنه كان ﷺ يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على من بعده، وعلى الأول قال ابن بطال (٥): فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة؛ لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلًا، انتهى.
قوله: (من ترك مالًا فلورثته) وهذا بالإجماع، قاله القسطلاني (٦).
(٥ - باب ميراث الولد من أبيه وأمه)
قال القسطلاني (٧): قوله: "الولد" ذكرًا كان أو انثى ولدًا أو ولد ولد وإن سفل، انتهى.
قال الحافظ (٨): لفظ "الولد" أعمّ من الذكر والأنثى، ويطلق على الولد للصلب وعلى ولد الولد وإن سفل، قال ابن عبد البر: أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول
стр. 3483
زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه، انتهى من "الفتح".
قوله: (لأوْلى رجل ذكر) قال صاحب "الفيض" (١): اعلم أن العصبة إما بنفسه، أو بالغير، أو مع الغير، فالأول: هو أقرب رجل ذكر إلى الميت، وأما الثاني: فهو الإناث، والغير يكون عصبةً بنفسه، وأما الثالث: فهو والغير كلاهما إناث فيه، فالاستحقاق فيه إنما يأتي من قبل الاجتماع، وإلا فلا عصبية فيه من جهة نفسه، كما في القسم الأول، ولا من جهة الغير، كما في الثاني، انتهى.
(٦ - باب ميراث البنات)
قال الحافظ (٢): الأصل فيه كما تقدم في أول "كتاب الفرائض" قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى سبب نزولها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات إلى آخر ما ذكر.
(٧ - باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن. . .) إلخ
أي: للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه، قاله الحافظ (٣).
وفي "الفيض" (٤): قوله: "باب ميراث ابن الابن. . ." إلخ، فابن العم محروم عند وجود العم، وذلك لأن العبرة فيه للطبقة، فإذا كان الابن الصلبي موجودًا لا يعبأ بالابن بالواسطة، انتهى.
وقال العيني (٥): قوله: "وقال زيد. . ." إلخ، وهذا الذي قاله زيد إجماع، ووصل أثره سعيد بن منصور، انتهى.
стр. 3484
(٨ - باب ميراث ابنة ابن مع ابنة)
قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): لا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله، وقال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل سلمان أيضًا رجع كأبي موسى، انتهى.
(٩ - باب ميراث الجد مع الأب والإخوة)
المراد بالجد هنا من يكون من قبل الأب، والمراد بالإخوة الأشقاء ومن الأب، وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب، انتهى من "الفتح" (٣).
وفي "الفيض (٤) تحت ترجمة الباب: والإخوة محرومون عندنا عند وجود الجد، وهو مذهب أبي بكر الصديق، وتجري فيه المقاسمة عند صاحبيه، انتهى.
قال العيني (٥): قوله: "الجدّ أبٌ" أي: الجد الصحيح حكمه حكم الأب عند عدمه بالإجماع، والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم، فإذا كان أبا فله أحوال ثلاث: الفرض المطلق، والفرض، والتعصيب المحض، فهو كالأب في جميع أحواله إلا في أربع مسائل، ثم ذكرها العيني فارجع إليه لو شئت.
وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٦): لم يصرح المصنف في الباب بما يطابق الترجمة، وحكم الجد، أي: من قبل الأب عند فقده كحكمه
стр. 3485
إذا لم يكن للميت إخوة، ومع الإخوة الأشقاء وللأب أخذ الأكثر من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس الجميع، وأما الإخوة للأم فلا يرثون معه، انتهى.
(١٠ - باب ميراث الزوج مع الولد وغيره)
أي: من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال، وإنما يحطه الولد عن النصف إلى الربع، قال ابن المنيِّر: استشهاد البخاري بحديث ابن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية، وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة، انتهى من "الفتح" (١).
(١١ - باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره)
أي: من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال، بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع، ويحط المرأة من الربع إلى الثمن، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: ولفظ الزوج عطف تفسير للمرأة فلا يتوهم بتكرار الترجمة بذكر ميراث الزوج، فافهم.
(١٢ - باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة)
المراد بالأخوات الأخوات لغير أم.
قال القسطلاني (٣): قوله: "الأخوات" أي: للأبوين أو لأب، انتهى.
قال ابن بطال (٤): أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتًا وأختًا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ، إلى آخر ما في "الفتح" (٥).
стр. 3486
وفيه ولم يخالف في شيء من ذلك إلا ابن عباس فإنه كان يقول: للبنت النصف وما بقي للعصبة، وليس للأخت شيء، فإذا لم تكن عصبة ردّ الفضل على البنت أو البنات، ولم يوافقه على ذلك أحد إلا أهل الظاهر، انتهى مختصرًا من "الفتح".
(١٣ - باب ميراث الإخوة والأخوات)
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول "كتاب الفرائض"، والغرض منه قوله: "إنما لي أخوات" فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد، واستنبط المصنف الإخوة بطريق الأولى، انتهى.
(١٤ - باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦])
قال العلامة العيني (٢): وإنما ترجم بهذه الآية لأن فيها التنصيص على ميراث الإخوة، انتهى.
وهكذا في "الفتح" (٣)، وزاد: وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد، واختلف في بنت وأخت هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب فلا ترث معه الإخوة؟ انتهى.
(١٥ - باب ابني عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج. . .) إلخ
صورتها أن رجلًا تزوّج امرأة فأتت منه بابن، ثم تزوّج أخرى فأتت منه بآخر، ثم فارق الثانية فتزوّجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني
стр. 3487
لأمه وابنة عمه، فتزوّجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها ثم ماتت عن ابني عمها، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ومثالها أن زيدًا وعمرًا مثلًا كانا أخوين ولزيد بنت تسمى هندًا، ولعمرو ابن يسمى خالدًا، فتزوّجت هند بابن عمها خالد، ثم مات زيد فتزوّجت زوجته أم هند بحموها عمرو فولد ولدًا آخر بكرًا ثم ماتت هند، فتركت ابني عمها أحدهما خالد وهو زوجها، والثاني بكر وهو أخوها لأم، فهذه صورة المسألة، فقال علي ﵁: النصف للزوج وهو خالد، والسدس لأخ لأم وهو بكر، وهذان النصيبان للفرضية، والثلث الباقي لخالد وبكر للعصوبة لكونهما ابني عمها.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): وافق عليًا زيد بن ثابت والجمهور، وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعني: الذي يبقى بعد نصيب الزوج - للذي جمع القرابتين، فله السدس بالفرض، والثلث الباقي بالتعصيب، وهو قول الحسن وأبي ثور، انتهى.
(١٦ - باب ذوي الأرحام)
أي: بيان حكمهم هل يرثون أو لا؟ وهم عشرة أصناف: الخال، والخالة، والجد للأم، وولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم للأم، وابن الأخ للأم، ومن أدلى بأحد منهم، فمن ورثهم قال: أولاهم أولاد البنت، ثم أولاد الأخت وبنات الأخ، ثم العم والعمة، والخال والخالة، وإذا استوى اثنان قدّم الأقرب إلى صاحب فرض أو عصبة، انتهى (٤).
وقال القسطلاني (٥): قوله: "ذوي الأرحام" وهو كل قريب ليس بذي