← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 3483–3522 · переход к 3488.

стр. 3483

زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه، انتهى من "الفتح". قوله: (لأوْلى رجل ذكر) قال صاحب "الفيض" (١): اعلم أن العصبة إما بنفسه، أو بالغير، أو مع الغير، فالأول: هو أقرب رجل ذكر إلى الميت، وأما الثاني: فهو الإناث، والغير يكون عصبةً بنفسه، وأما الثالث: فهو والغير كلاهما إناث فيه، فالاستحقاق فيه إنما يأتي من قبل الاجتماع، وإلا فلا عصبية فيه من جهة نفسه، كما في القسم الأول، ولا من جهة الغير، كما في الثاني، انتهى. (٦ - باب ميراث البنات) قال الحافظ (٢): الأصل فيه كما تقدم في أول "كتاب الفرائض" قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى سبب نزولها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات إلى آخر ما ذكر. (٧ - باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن. . .) إلخ أي: للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه، قاله الحافظ (٣). وفي "الفيض" (٤): قوله: "باب ميراث ابن الابن. . ." إلخ، فابن العم محروم عند وجود العم، وذلك لأن العبرة فيه للطبقة، فإذا كان الابن الصلبي موجودًا لا يعبأ بالابن بالواسطة، انتهى. وقال العيني (٥): قوله: "وقال زيد. . ." إلخ، وهذا الذي قاله زيد إجماع، ووصل أثره سعيد بن منصور، انتهى.

стр. 3484

(٨ - باب ميراث ابنة ابن مع ابنة) قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): لا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله، وقال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل سلمان أيضًا رجع كأبي موسى، انتهى. (٩ - باب ميراث الجد مع الأب والإخوة) المراد بالجد هنا من يكون من قبل الأب، والمراد بالإخوة الأشقاء ومن الأب، وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب، انتهى من "الفتح" (٣). وفي "الفيض (٤) تحت ترجمة الباب: والإخوة محرومون عندنا عند وجود الجد، وهو مذهب أبي بكر الصديق، وتجري فيه المقاسمة عند صاحبيه، انتهى. قال العيني (٥): قوله: "الجدّ أبٌ" أي: الجد الصحيح حكمه حكم الأب عند عدمه بالإجماع، والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم، فإذا كان أبا فله أحوال ثلاث: الفرض المطلق، والفرض، والتعصيب المحض، فهو كالأب في جميع أحواله إلا في أربع مسائل، ثم ذكرها العيني فارجع إليه لو شئت. وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٦): لم يصرح المصنف في الباب بما يطابق الترجمة، وحكم الجد، أي: من قبل الأب عند فقده كحكمه

стр. 3485

إذا لم يكن للميت إخوة، ومع الإخوة الأشقاء وللأب أخذ الأكثر من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس الجميع، وأما الإخوة للأم فلا يرثون معه، انتهى. (١٠ - باب ميراث الزوج مع الولد وغيره) أي: من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال، وإنما يحطه الولد عن النصف إلى الربع، قال ابن المنيِّر: استشهاد البخاري بحديث ابن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية، وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة، انتهى من "الفتح" (١). (١١ - باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره) أي: من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال، بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع، ويحط المرأة من الربع إلى الثمن، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: ولفظ الزوج عطف تفسير للمرأة فلا يتوهم بتكرار الترجمة بذكر ميراث الزوج، فافهم. (١٢ - باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة) المراد بالأخوات الأخوات لغير أم. قال القسطلاني (٣): قوله: "الأخوات" أي: للأبوين أو لأب، انتهى. قال ابن بطال (٤): أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتًا وأختًا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ، إلى آخر ما في "الفتح" (٥).

стр. 3486

وفيه ولم يخالف في شيء من ذلك إلا ابن عباس فإنه كان يقول: للبنت النصف وما بقي للعصبة، وليس للأخت شيء، فإذا لم تكن عصبة ردّ الفضل على البنت أو البنات، ولم يوافقه على ذلك أحد إلا أهل الظاهر، انتهى مختصرًا من "الفتح". (١٣ - باب ميراث الإخوة والأخوات) قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول "كتاب الفرائض"، والغرض منه قوله: "إنما لي أخوات" فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد، واستنبط المصنف الإخوة بطريق الأولى، انتهى. (١٤ - باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]) قال العلامة العيني (٢): وإنما ترجم بهذه الآية لأن فيها التنصيص على ميراث الإخوة، انتهى. وهكذا في "الفتح" (٣)، وزاد: وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد، واختلف في بنت وأخت هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب فلا ترث معه الإخوة؟ انتهى. (١٥ - باب ابني عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج. . .) إلخ صورتها أن رجلًا تزوّج امرأة فأتت منه بابن، ثم تزوّج أخرى فأتت منه بآخر، ثم فارق الثانية فتزوّجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني

стр. 3487

لأمه وابنة عمه، فتزوّجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها ثم ماتت عن ابني عمها، انتهى من "الفتح" (١). قلت: ومثالها أن زيدًا وعمرًا مثلًا كانا أخوين ولزيد بنت تسمى هندًا، ولعمرو ابن يسمى خالدًا، فتزوّجت هند بابن عمها خالد، ثم مات زيد فتزوّجت زوجته أم هند بحموها عمرو فولد ولدًا آخر بكرًا ثم ماتت هند، فتركت ابني عمها أحدهما خالد وهو زوجها، والثاني بكر وهو أخوها لأم، فهذه صورة المسألة، فقال علي ﵁: النصف للزوج وهو خالد، والسدس لأخ لأم وهو بكر، وهذان النصيبان للفرضية، والثلث الباقي لخالد وبكر للعصوبة لكونهما ابني عمها. قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): وافق عليًا زيد بن ثابت والجمهور، وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعني: الذي يبقى بعد نصيب الزوج - للذي جمع القرابتين، فله السدس بالفرض، والثلث الباقي بالتعصيب، وهو قول الحسن وأبي ثور، انتهى. (١٦ - باب ذوي الأرحام) أي: بيان حكمهم هل يرثون أو لا؟ وهم عشرة أصناف: الخال، والخالة، والجد للأم، وولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم للأم، وابن الأخ للأم، ومن أدلى بأحد منهم، فمن ورثهم قال: أولاهم أولاد البنت، ثم أولاد الأخت وبنات الأخ، ثم العم والعمة، والخال والخالة، وإذا استوى اثنان قدّم الأقرب إلى صاحب فرض أو عصبة، انتهى (٤). وقال القسطلاني (٥): قوله: "ذوي الأرحام" وهو كل قريب ليس بذي

стр. 3488

سهم ولا عصبة، واختلف هل يرثون أم لا؟ وبالأول قال الكوفيون وأحمد محتجين بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وذوو الأرحام هم أصناف، فذكر نحو ما تقدم عن الحافظ. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): أراد المصنف بذلك معنى أعم من معناه المتعارف بين أصحاب الفرائض، انتهى. وفي هامشه: أراد الشيخ بذلك إثبات المطابقة بين الحديث والترجمة إذ ليس في حديث الباب ما يدل على ذوي الأرحام المعروفين عند الفقهاء، وذلك لأن الوارد في حديث الباب قوله: "دون ذوي رحمه" وليس المراد بذلك ذوي الأرحام المعروفين، بل الأقارب مطلقًا سواء كانوا من ذوي الفروض أو العصبة أو ذوي الأرحام، وهو أوجه مما قاله العيني (٢)، إذ قال: مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] لأن الموالي الورثة، وكذا فسر ابن عباس في هذا الحديث لأنه ذكره في الكفالة بقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، الحديث، ولفظ الورثة يطلق على ذوي الأرحام، إلى آخر ما في هامش "اللامع". قوله: (نسختها ﴿والذي عاقدت أيمانكم﴾) ذكر العلامة العيني (٣) وغيره من الشرَّاح اختلافهم في تعيين الناسخ والمنسوخ أيهما هو، تقدم البسط في ذلك في "كتاب الكفالة" في "باب قول الله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. والأوجه عندي: أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ بيان للضمير المنصوب في نسختها.

стр. 3489

(١٧ - باب ميراث الملاعنة) قال الحافظ (١): المراد بيان ما ترثه من ولدها الذي لاعنت عليه، ثم ذكر تفصيل الخلاف في المسألة إذ قال: وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه، فجاء عن علي وابن مسعود أنهما قالا في ابن الملاعنة: "عصبته عصبة أمه يرثهم ويرثونه"، وبه قال النخعي والشعبي، وجاء عن علي وابن مسعود أنهما كانا يجعلان أمه عصبة وحدها فتعطى المال كله، فإن ماتت أمه قبله فماله لعصبتها، وبه قال جماعة منهم أحمد في رواية، وجاء عن علي أن ابن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها، فإن فضل شيء فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار، قال مالك: وعلى هذا أدركت أهل العلم، إلى آخر ما بسط في الدلائل. وفي "الأوجز" (٢) بعد ذكر مسلك الجمهور عن صاحب "المحلى": قال أبو حنيفة: للأم فرضها، والباقي يرد عليها، وإن كان معها صاحب فرض آخر يرد الفضل عليهم على قدر سهامهم، ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود: "ميراث ولد الملاعنة كله لأمه"، ومن المرفوع ما رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع: "تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت منه"، انتهى. قلت: وحاصل المذاهب أنه ينقطع التوارث بينه وبين أبيه إجماعًا، وترث الأم حقها، والباقي لها ولأهل الفروض بالردّ عند أبي حنيفة، وللأم للعصبية في إحدى الروايتين عن أحمد، والأخرى له لبيت المال، وهو قول مالك والشافعي، والبسط في "الأوجز".

стр. 3490

(١٨ - باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة) أي: سواء كانت المستفرشة حرة أو أمة. قال العلامة القسطلاني (١): وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء بالزنا، فمن اعترفت الأم أنه له ألحق به، ولم يقع إلحاق ابن وليدة زمعة في الجاهلية، انتهى. قلت: ولعل مناسبة هذه الترجمة بكتاب الفرائض من حيث إنه أراد المصنف بذلك أنه لا فرق في توريث الابن بين كون أمه حرة أو أمة، والله تعالى أعلم. وبسط الحافظ (٢) الكلام على شرح الحديث وتحقيق لفظ الفراش والمراد منه، وقال أيضًا (٣): قال ابن عبد البر: هو من أصح ما يروى عن النبي ﷺ جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة إلى آخر ما ذكره الحافظ عمن روى هذا الحديث من الصحابة وفي ذكر من أخرجه. (١٩ - باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط) وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٤): بالرفع معطوف على ما قبله، واللقيط صغير أو مجنون منبوذ لا كافل له، انتهى. قال الحافظ (٥): هذه الترجمة معقودة لميراث اللقيط، فأشار إلى ترجيح قول الجمهور إن اللقيط حر، وولاؤه في بيت المال، وإلى ما جاء عن النخعي أن ولاءه للذي التقط، واحتج بقول عمر لأبي جميلة في الذي التقطه: "اذهب فهو حر، وعلينا نفقته، ولك ولاؤه"، وتقدم هذا الأثر معلقًا بتمامه في أوائل الشهادات، انتهى.

стр. 3491

وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ولعل الوجه في إيراد اللقيط فيه أنه ليس معتقًا لأحد وهو ظاهر، فلا يكون لأحد عليه ولاء العتاقة، ولا هو ممن له ذو قرابة فيحوزوا تركته، فلم يبق إلا بيت المال، انتهى. قلت: ويستفاد من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أن المقصود بهذه الترجمة هو بيان الولاء للمعتق، كما هي مسألة إجماعية، ولما كان يتوهم في بادئ الرأي أنه ينبغي أن يرث اللاقط اللقيط لكونه بمنزلة المعتق في حق اللقيط، فإنه صار سببًا لحفظ دمه وماله، فأشار المؤلف بذكر اللقيط في الترجمة إلى دفع هذا التوهم، ويؤيده أيضًا أن المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا مرفوعًا يدلّ على حكم اللقيط في توارثه وعدمه، فلا حاجة حينئذ إلى الاعتذار الذي ذكره الشرَّاح ههنا في عدم إيراد المصنف ما يدلّ على حكم اللقيط، فللّه در الشيخ قُدِّس سرُّه. قال الكرماني (٢): فإن قلت: أين ذكر ميراث اللقيط؟ قلت: هو مما ترجم عليه ولم يتفق له إلحاق الحديث به، انتهى. وقال العيني: قوله: "ميراث اللقيط" لم يذكر شيئًا فيه، ثم قال بعد نقل كلام الكرماني المذكور: الظاهر أنه اكتفى بأثر عمر ﵁ فإن فيه بيان حكمه، انتهى. والمسألة خلافية قال العيني (٣): قال عمر: اللقيط حر فإذا كان حرًّا يكون ولاؤه في بيت المال، وإليه ذهب مالك والثوري والشافعي وأحمد، وقال شريح: إن ولاءه لملتقطه، وبه قال إسحاق بن راهويه، وقال أبو حنيفة: له أن ينقل بولائه حيث شاء فإن عقل عنه الذي والاه جناية لم يكن له أن ينقل ولاءه عنه ويرثه، انتهى. وفي "البدائع" (٤) في أحكام اللقيط: ومنها: أن نفقته من بيت المال؛

стр. 3492

لأن ولاءه له، وقد قال ﵊: "الخراج بالضمان"، ومنها: أن عقله لبيت المال؛ لأن عاقلته بيت المال فيكون عقله له، ومنها: أن له أن يوالي من شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال، فليس له أن يوالي أحدًا؛ لأن العقد يلزم بالعقل، انتهى مختصرًا كذا في هامش "اللامع" (١). (٢٠ - باب ميراث السائبة) بمهملة وموحدة بوزن فاعلة، وهو العبد الذي يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه، وأنْ لا ولاء لأحد عليه، وقد يقول له: "أعتقتك سائبة" أو "أنت حر سائبة"، ففي الصيغتين الأوليين يفتقر في عتقه إلى نية، وفي الأخريين يعتق، واختلف في الشرط فالجمهور على كراهيته، وشذّ من قال بإباحته، واختلف في ولائه، وسأبينه في الباب الذي بعده، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العلامة العيني (٣): واختلف العلماء في ميراث السائبة، فقال الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق: ولاؤه لمعتقه، واحتجوا بحديث الباب، وقالت طائفة: ميراثه للمسلمين، روي ذلك عن عمر وعمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك وهو مشهور مذهبه، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٤): لأحمد في ذلك روايتان: إحداهما: وهو المنصوص عنه: أنه لا ولاء له عليه، وما رجع من ميراثه ردّه في مثله يشتري به رقابًا يعتقهم، والرواية الثانية: عنه أن الولاء للمعتق، انتهى. وأما مطابقة الحديث بالترجمة فهو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" حيث قال: دلالة الرواية عليه من حيث إنها مصرحة بكون الولاء لمن أعتق، سواء سيّبه مولاه أو لم يسيب، انتهى.

стр. 3493

قلت: وبه جزم الكرماني إذ قال (١): فإن قلت: ما وجه مناسبته بالترجمة؟ قلت: لما كان الولاء للمعتق استوى فيه السائبة وغيرها، انتهى. (٢١ - باب إثم من تبرأ من مواليه) قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث، أخرجه أحمد والطبراني من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه مرفوعًا قال: "إن لله عبادًا لا يكلمهم الله تعالى" الحديث، وفيه: "ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم"، انتهى. قلت: وأما مناسبة الباب بـ "كتاب الفرائض" فلأجل أنه يتفرع عليه حق التوارث. قال الحافظ (٣): وفي الحديث أن انتماء المولى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام؛ لما فيه من كفر النعمة وتضييع حق الإرث بالولاء والعقل وغير ذلك، انتهى. (٢٢ - باب إذا أسلم على يديه. . .) إلخ قال العلامة العيني (٤): واختلف العلماء فيمن أسلم على يديه رجل من المسلمين، فقال الحسن والشعبي: لا ميراث للذي أسلم على يديه، وولاؤه للمسلمين إذا لم يدع وارثًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري ومالك والشافعي وأحمد، وحجتهم حديث الباب، وروي عن النخعي: أن ولاءه للذي أسلم على يديه، وأنه يرثه ويعقل عنه، وله أن يحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، انتهى مختصرًا. وبسط العلامة العيني الكلام على استدلال الفريقين فارجع إليه لو شئت.

стр. 3494

وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "باب إذا أسلم. . ." إلخ، أراد بذلك أن ينفي ولاء الموالاة، وأنت تعلم أن الروايات التي سردها إنما نفت نوعًا من الولاية خاصًا، أي: ولاية العتاقة، ولا يلزم أنه لا ولاية سوى ذلك، انتهى. وبسط الكلام على شرح هذا الباب وتوضيح مسالك الأئمة في هذه المسألة في هامش "اللامع". (٢٣ - باب ما يرث النساء من الولاء) وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٢): "من" بمعنى الباء، إذ الولاء لا يورث وإنما يورث به، انتهى. قال ابن بطال (٣): هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى، وهو مجمع عليه، وأما جر الولاء فقال الأبهري: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلا ما جاء عن مسروق أنه قال: لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم، بل الذكور والإناث فيه سواء كالميراث، إلى آخر ما ذكر الحافظ (٤). وهكذا في "القسطلاني" (٥) ولفظه: وليس بين الفقهاء خلف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره إليهن من أعتق بولادة أو عتق، انتهى. (٢٤ - باب مولى القوم من أنفسهم) أي: عتيقهم في النسبة إليهم والميراث منه. قوله: (وابن الأخت) أي: "منهم" لأنه ينسب إلى بعضهم، وهي أمه فيرثهم توريث ذوي الأرحام على القول به، انتهى من "القسطلاني" (٦).

стр. 3495

قال الحافظ (١): واستدل بحديث الباب من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث العصبات، وحمله من لم يقل بذلك على أن المراد بقوله: "من أنفسهم" أي: في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك، لا في الميراث، وكأنّ البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث؛ لأنه لو صح الاستدلال بقوله: "منهم" على إرادة الميراث لصحّ الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورود مثله في حقه، فدلّ على أن المراد بقوله: "منهم" ما قلنا، انتهى ملتقطًا بتغير. ثم قال الحافظ: قال ابن أبي جمرة (٢): الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلًا عن أولاد الأخوات، فأراد بهذا الكلام التحريض على الألفة بين الأقارب، انتهى. (٢٥ - باب ميراث الأسير) أي: المأسور في يد عدوِّنا كذا في هامش المصرية. وقال الحافظ (٣): أي: سواء عرف خبره أم جهل، قال ابن بطال (٤): ذهب الجمهور إلى أن الأسير إذا وجب له ميراث أنه يوقف له، وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الأسير في أيدي العدو، قال: وقول الجماعة أولى؛ لأنه إذا كان مسلمًا دخل تحت عموم قوله ﷺ : "من ترك مالًا فلورثته"، وإلى هذا أشار البخاري بإيراد حديث أبي هريرة، وأيضًا فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يخرج عن ذلك إلا بحجة كما أشار إليه عمر بن عبد العزيز، انتهى من "الفتح".

стр. 3496

(٢٦ - باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) هكذا ترجم بلفظ الحديث ثم قال: "وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث"، فأشار إلى أن عمومه يتناول هذه الصورة، فمن قيّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، وحجة الجماعة أن الميراث يستحى بالموت، فإذا انتقل عن ملك الموت (١) بموته لم ينتظر قسمته؛ لأنه استحق الذي انتقل عنه ولو لم يقسم المال، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: ولما كانت هذه المسألة الثانية متفرعة على السابق ذكرها البخاري بعده، وقال القسطلاني (٣): قوله: "فلا ميراث له" وذلك لأن الاعتبار بوقت الموت لا بوقت القسمة عند الجمهور، ثم قال تحت حديث الباب: وذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب إلى أنه يرث منه لقوله ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، وأجابوا عن حديث "الإسلام يعلو" بأن معناه فضل الإسلام، وليس فيه تعرض للإرث فلا يترك النص الصريح بذلك، انتهى. وبسط الكلام على المسألتين المذكورتين في الترجمة في هامش "اللامع" (٤)، وفيه: لا يذهب عليك أن صاحب "مظاهر حق" الشرح الهندي "لمشكاة المصابيح" حكى مذهب الإمام مالك موافقًا لمن قال: يرث المسلم الكافر، ويوهم كلامه أنه أخذه عن النووي، وليس كذلك، فإن النووي لم يذكر فيه خلاف مالك، بل ذكر مذهبه موافقًا لمسلك الجمهور، انتهى. (٢٧ - باب ميراث العبد النصراني) قال القسطلاني (٥): ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق؛ لأن ملك العبد غير صحيح فيستحقه السيد لا بطريق الميراث،

стр. 3497

وأما المكاتب فإن مات قبل أداء كتابته، وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته، فما فضل فلبيت المال، وأما إثم من انتفى من ولده ففي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنسائي وصحّحه ابن حبان والحاكم: "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه"، ولم يذكر المؤلف حديثًا هنا، ولعله أراد أن يلحق فيه ما هو على شرطه فاخترمته المنية قبل، انتهى. (٢٨ - باب من ادعى أخًا أو ابن أخ) اعلم أنه اختلفت النسخ في ذكر هذه التراجم الثلاثة هذه والتي قبلها والآتية بعدها، ففي نسخ الشروح الثلاثة "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني" مثل ما في النسخ الهندية، وأما في نسخة "الفتح" فترتيب التراجم فيها هكذا، فذكر أولًا "باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني"، وليس فيه حديث ثم ثنى بـ "باب إثم من انتفى من ولده"، وثلّث بـ "باب من ادّعى إلى غير أبيه". قال العلامة العيني (١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دعوى أخ ودعوى ابن أخ، وهو ظاهر، انتهى. قال الكرماني (٢): فإن قلت: ههنا ثلاث تراجم متوالية "باب ميراث العبد النصراني" ثم ذكر الأخريين، فالحديث لأيِّ ترجمة من التراجم؟ قلت: الحديث ظاهر في "باب من ادعى أخًا" وهذا مما يؤيد ما ذكروا من أن البخاري ترجم الباب، وأراد أن يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له، وخَلَّى بين الترجمتين بياضًا والنقلة ضمّوا البعض إلى البعض.

стр. 3498

(٢٩ - باب من ادعى إلى غير أبيه) قال العيني (١): أي: هذا باب في بيان إثم من انتسب إلى غير أبيه، وجواب "من" محذوف يظهر من الحديث، انتهى. (٣٠ - باب إذا ادّعت المرأة ابنًا) قال ابن بطال (٢): أجمعوا على أن الأم لا تستلحق بالزوج ما ينكره، فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته، فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا ابني، ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه، ونازعه ابن التِّين فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط، وقد استنبط النسائي في "السنن الكبرى" من هذا الحديث أشياء نفيسة، ثم ذكرها الحافظ (٣)، والحديث سبق في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء، انتهى. قوله: (فقضى به للكبرى) في هامش المصرية: أي: لأنه كان في يدها، ولا بينة للصغرى، انتهى. قوله: (فقضى به للصغرى. . .) إلخ، قال الكرماني (٤): فإن قلت: كيف نقض سليمان حكم داود؟ قلت: حكما بالوحي، وحكومة سليمان كانت ناسخة، أو بالاجتهاد، وجاز النقض بدليل أقوى على أن الضمير في "فقضى" يحتمل أن يكون راجعًا إلى داود، فإن قلت: لما اعترف الخصم بأن الحق لصاحبه كيف حكم بخلافه؟ قلت: لعله علم بالقرينة أنه لا يريد حقيقة الإقرار، قال النووي: استدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمه، ولعل الكبرى أقرّت بعد ذلك به للصغرى، انتهى.

стр. 3499

(٣١ - باب القائف) قال العيني (١): وهو على وزن فاعل من القيافة، وهي معرفة الآثار، وفي اصطلاح الفقهاء: هو الذي يعرف الشبه ويميّز الأثر، وسمي بذلك لأنه يقفو الأشياء، أي: يتبعها، ويجمع القائف على القافة، قيل: لا وجه لذكره في "كتاب الفرائض"، وأجيب بجواب لا يمشي إلا على مذهب من يعمل بالقافة، وهو الردّ على من لا يعمل بها، ويلزم من قول من يعمل بها التوارث بين الملحق والملحق به، فله تعلق بالفرائض من هذا الوجه، انتهى. قال القسطلاني (٢): وفي الحديث العمل بالقافة لتقريره ﷺ ، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وقال الحنفية: الحكم بها باطل لأنها حدس، وذلك لا يجوز في الشريعة، وليس في حديث الباب حجة في إثبات الحكم بها لأن أسامة كان قد ثبت نسبه قبل ذلك، فلم يحتج الشارع في إثبات ذلك إلى قول أحد، وإنما تعجب من إصابة مجزز، انتهى. وبراعة الاختتام لم يذكرها الحافظ، وعندي ما كتبه في مقدمة "اللامع" (٣) وهو أن "كتاب الفرائض" كله مذكر للموت، وأيضًا في آخره قوله: "وهو مسرور" وهو يذكر قوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] وأيضًا قوله: "قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما" فكان هذا هو كفن شهداء أُحد، انتهى. * * *

стр. 3500

٨٦ - كتاب الحدود قال الحافظ (١): أصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدًّا لكونها تمنعه المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع، وللإشارة إلى المنع يسمى البوّاب حدادًا، قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعلى فعل فيه شيء مقدر، ومنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢) عن"الهداية" (٣): الحد لغة: المنع، ومنه الحداد للبواب، وفي الشريعة: هو العقوبة المقدرة حقًّا لله تعالى، حتى لا يسمى القصاص حدًّا لأنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير، والمقصد الأصلي من شرعه الانزجار عما يتضرر به العباد، والطهارة ليست أصلية فيه بدليل شرعه في حق الكافر، انتهى. قال الحافظ (٤): والمذكور فيه نصًّا حدّ الزنا والخمر والسرقة، وقد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئًا، ثم ذكرها الحافظ، فارجع إليه لو شئت. (١ - باب ما يحذر من الحدود) كذا في النسخة "الهندية"، وهكذا في نسخة "الفتح" و"العيني"، وفي نسخة "الكرماني" و"القسطلاني": "كتاب الحدود، وما يحذر من الحدود" قال

стр. 3501

القسطلاني (١): أي: كتاب بيان أحكام الحدود وبيان ما يحذر من الحدود، ثم قال بعد ذكر اختلاف النسخ: ولم يذكر البخاري هنا حديثًا، انتهى. (٢ - باب الزنا وشرب الخمر) وهكذا في نسخة "الفتح"، وفي نسخ الشروح الباقية الثلاثة من "الكرماني" و"العيني" و"القسطلاني": "باب لا يشرب الخمر". قال الحافظ (٢): "باب الزنا وشرب الخمر" أي: التحذير من تعاطيهما، انتهى. (٣ - باب ما جاء في ضرب شارب الخمر) اعلم أن ههنا عدة مسائل مما يتعلق بالخمر وغيرها من أنواع الأشربة، تقدم الكلام عليها في "كتاب الأشربة"، ومنها اختلافهم في مقدار حدِّ الخمر، وهو المذكور ههنا في الترجمة، وظاهر لفظ الترجمة أن المصنف على أن النبي ﷺ لم يجعل فيها حدًّا معلومًا. قال الحافظ (٣): والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال: الأول: أن النبي ﷺ لم يجعل فيها حدًا معلومًا، بل كان يقتصر في ضرب الشارب بما يليق به، قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم: أتي النبي ﷺ بسكران، فأمرهم بضربه وتبكيته، فدلّ على أن لا حدّ فيه، بل فيه التنكيل والتبكيت، قال الحافظ: وأظن أن هذا هو رأي البخاري فإنه لم يترجم بالعدد أصلًا، ولا أخرج ههنا في العدد الصريح شيئًا، ثم ذكر الحافظ ما بقي من الأقوال الخمسة في ذلك. قال النووي في "شرح مسلم" (٤): واختلف العلماء في قدر حد الخمر، فقال الشافعي وأبو ثور وأهل الظاهر: حده أربعون، قال الشافعي:

стр. 3502

وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات، ونقل القاضي عن الجمهور من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وأنّ فعل النبي ﷺ لم يكن للتحديد، وحجة الشافعي وموافقيه أن النبي ﷺ إنما جلد أربعين كما صرّح به في الرواية الثانية - عند مسلم -، وأما زيادة عمر فهي تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة، فرآه عمر ففعله، ولم يره النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا علي فتركوه، وأما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بدّ منه، انتهى مختصرًا. قلت: وعن أحمد فيه روايتان ففي "الأوجز" (١): قال الموفق (٢): عن الإمام أحمد في قدر الحد روايتان، إحداهما: أنه ثمانون، بهذا قال مالك وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة في زمن عمر، والرواية الثانية: أن الحد أربعون، وهو مذهب الشافعي، انتهى مختصرًا. (تنبيه): أفاد العلامة السندي (٣) في الباب الآتي تحت قول علي: "وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه" ظاهره أنه لم يعين قدرًا معينًا، بل كان يضرب فيه ما بين أربعين إلى ثمانين، وعلى هذا فحين شاور عمر الصحابة اتفق رأيهم على تقرير أقصى المراتب، فاندفع توهم أنهم زادوا في حد من حدود الله مع عدم جواز الزيادة في الحد، والله تعالى أعلم، انتهى. (٤ - باب من أمر بضرب الحد في البيت) يعني خلافًا لمن قال: لا يضرب الحد سرًّا، قاله الحافظ (٤). وفي "القسطلاني" (٥) تحت حديث الباب: وفيه جواز ضرب الحد في

стр. 3503

البيوت سرًّا خلافًا لمن منعه محتجًا بظاهر ما روي عن عمر في قصة ولده عبد الرحمن أبي شحمة لما شرب بمصر فحدّه عمرو بن العاص في البيت أن عمر ﵁ أنكر عليه، وأحضر ولده أبا شحمة وضربه الحد جهرًا، كما رواه ابن سعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطولًا، والجمهور على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرًا، انتهى. (٥ - باب الضرب بالجريد والنعال) قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى أنه لا يشترط الجلد، وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال، وهو أوجه عند الشافعية، أصحها: يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدي والنعال والثياب، ثانيها: يتعين الجلد، وثالثها: يتعين الضرب، انتهى. وفي "الأوجز" (٢): قال الموفق (٣): والضرب بالسوط ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في غير حد الخمر، فأما حد الخمر فقال بعضهم: يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه، ولنا أن النبي ﷺ قال: "إذا شرب فاجلدوه" والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط، إلى آخر ما في "الأوجز". (٦ - باب ما يكره من لعن شارب الخمر. . .) إلخ يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه وما تضمنه حديث الباب الأول: "لا يشرب الخمر وهو مؤمن"، وأن المراد به نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 3504

وقال القسطلاني (١): والكراهة للتنزيه عند قصد محض السبب، وللتحريم عند قصد معناه الأصلي، وهو الإبعاد من رحمة الله، انتهى. قال صاحب "الفيض" (٢): قوله: "وأنه ليس بخارج من الملة. . ." إلخ، انظر إلى جلالة المصنف أنه لم يتكلم بهذا الحرف في "كتاب الإيمان"؛ لأنه ادّعى فيه جزئية الأعمال للإيمان، واختار أن كفرًا دون كفر، وصدع اليوم أن مرتكب الكبيرة ليس خارجًا عن الملة، وغير داخل في حد الكفر، وقد كان هذا التعبير يضرّه في ما ادّعاه في "كتاب الإيمان"، فكيف أغمض عنه ههنا، كأنه ليس هناك صائتٌ يصوتُ، انتهى. (٧ - باب السارق حين يسرق) قال العلامة العيني (٣): أي: هذا باب يذكر فيه السارق حين يسرق ما يكون حاله، وقد بينه في الحديث بقوله: "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن"، انتهى. (٨ - باب لعن السارق إذا لم يسمّ) أي: إذا لم يعين، إشارة إلى الجمع بين النهي عن [لعن] الشارب المعين وبين حديث الباب، انتهى من "الفتح" (٤). (٩ - باب الحدود كفارة) ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة. قال القسطلاني (٥) بعد ذكر الحديث: زاد الترمذي من حديث علي وصحّحه: "فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة"، واستشكل

стр. 3505

بحديث أبي هريرة عند البزار وصحّحه الحاكم أنه ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ " وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا، وبأن الحاكم لا يخفى تساهله في التصحيح، وسبق في "كتاب الإيمان" مزيد بحث لذلك، انتهى. وتقدم شيء من الكلام على المسألة في الجزء الثاني في أوائل "كتاب الإيمان". وفي هامش "اللامع" (١): يشكل على هذا الباب ما سيأتي قريبًا من "باب توبة السارق"؛ لأن حد السارق داخل في جملة الحدود، وهي كفارة عند الإمام البخاري كما أثبته في هذا الباب، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه عند هذا العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه الكريم أن كفارة الذنوب شيء آخر عند الإمام البخاري، وقبول شهادة المحدود أمر زائد فوق ذلك، فمجرد التكفير يحصل بالحدود، وأما قبول شهادته فيتوقف على التوبة، ويدل على ذلك ما سيأتي في آخر الباب الآتي، قال أبو عبد الله: إذا تاب السارق بعد ما قطع يده قبلت شهادته، وكذلك كل محدود إذا تاب قبلت شهادتهم، انتهى. (١٠ - باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو في حق) أي: محمي معصوم من الإيذاء، أي: لا يضرب ولا يذل إلا على سبيل الحد والتعزير تأديبًا، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ظهور المسلمين حمى إلا في حدود الله" كذا في "الفتح" (٢)، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في هذا المعنى، وفي جميعها ضعف ومقال.

стр. 3506

(١١ - باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله) قال القسطلاني (١): أي: وجوب إقامة الحدود ووجوب الانتقام لحرمات الله، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: قال الكرماني (٢): فإن قلت: كيف يخيَّر النبي ﷺ في أمرين أحدهما إثم؟ وأجاب بأن التخيير إن كان من الكفار فظاهر، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها، فإن المجاهدة بحيث تجر إلى الهلاك لا تجوز، ونحوه أجاب به ابن بطال (٣)، والأقرب كما قال في "الفتح" (٤): أن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر، وأمثلته كثيرة، ولا سيما إذا صدر من كافر، انتهى. قلت: والأوجه عندي في الغرض من الترجمة أنه أشار بالجزء الثاني إلى أن الحدود من حقوق الله تعالى لكونها الانتقام لحرمات الله فلا حق لأحد في العفو عنها، ولا الصلح عليها بشيء، فلا يجوز لأحد أن يشفع فيه، كما سيأتي التبويب بقوله: "باب كراهة الشفاعة في الحد"، وتقدم في "كتاب الصلح" ترجمة المصنف بقوله: "باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود". (١٢ - باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع) فيه ردّ على ما كان عليه أهل الشرك من اليهود وغيره كما في أبي داود، وتأييد لقوله ﵊: "أقيلوا عن ذوي الهيأت عثراتهم إلا الحدود". قال الحافظ (٥): الوضيع من الوضع وهو النقص، ووقع هنا بلفظ "الوضيع"، وفي الطريق التي تليه بلفظ "الضعيف"، وهي رواية الأكثر في هذا الحديث، وقد رواه بلفظ "الوضيع" أيضًا النسائي، انتهى.

стр. 3507

(١٣ - باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان) كذا قيّد ما أطلقه على حديث الباب وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت، وفيه: أن النبي ﷺ قال لأسامة: "لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إليّ فليس لها مترك"، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب"، وترجم له أبو داود: "العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان"، انتهى من "الفتح" (١). (١٤ - باب قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. . .﴾ [المائدة: ٣٨]) إلخ ذكر المصنف في الباب ثلاثة مسائل الأولى: بقوله: "وفي كم تقطع" أي: مقدار السرقة الموجب للقطع، وهي خلافية شهيرة، ذكر فيه في "الأوجز" (٢) عن الزرقاني تبعًا للحافظ قريبًا من عشرين مذهبًا، وذكر في "البذل" (٣) منها أحد عشر مذهبًا، ونذكر ههنا مذاهب الأئمة الأربعة كما في "الأوجز" عن كتب فروعهم، فمذهب الإمام أحمد ما في "الروض المربع" (٤): ويشترط أيضًا أن يكون المسروق نصابًا، ونصاب السرقة ثلاثة دراهم خالصةً أو تخلص من مغشوشة، أو ربع دينار، أي: مثقال وإن لم يضرب، أو عرض قيمته كأحدهما، أي: ثلاثة دراهم أو ربع دينار لقوله ﵇: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار" رواه أحمد ومسلم، وكان ربع

стр. 3508

الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهمًا، انتهى. وأما مذهب الشافعي فربع دينار أو ما يبلغ قيمته من فضة أو عرض، ومذهب مالك قال الدردير (١): تقطع بسرقة ربع دينار شرعي أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الغش، أو بسرقة ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض وغيرها، والتقويم بالدراهم لا بربع الدينار هو المشهور. وأما مذهب الحنفية فهو عشرة دراهم معروف، انتهى. قال العلامة العيني (٢): قالت الظاهرية: يقطع في القليل والكثير ولا نصاب له، وعند الحنفية: عشرة دراهم، وعند الشافعي: ربع دينار، وعند مالك قدر ثلاثة دراهم، انتهى. وأما المسألة الثانية وهي محل القطع، فذكر الحافظ فيه في "الفتح" (٣): أربع مسالك للاختلاف في حقيقة اليد، فقيل: أولها من المنكب، وقيل: من المرفق، وقيل: من الكوع، وقيل: من أصول الأصابع، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب واستنكره جماعة، والثاني لا نعلم به من قال به في السرقة، والثالث: قول الجمهور، ونقل بعضهم فيه الإجماع، والرابع نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، انتهى من هامش "اللامع" (٤). وأما المسألة الثالثة في الترجمة فذكرها بقوله: "وقال قتادة. . ." إلخ، قال العلامة القسطلاني (٥): قوله: "ليس إلا ذلك" فلا يقطع بعد ذلك يمينها، والجمهور على أن أول شيء يقطع من السارق اليد اليمنى لقراءة ابن مسعود شاذة ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ فالقول بإجزاء الشمال مطلقًا شاذ، كما هو ظاهر ما نقل هنا عن قتادة، وفي "الموطأ": إن كان عمدًا وجب

стр. 3509

القصاص على القاطع، ووجب قطع اليمنى، وإن كان خطأ وجبت الدية، وتجزئ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة، ثم ذكر تفصيلًا في مذهب الشافعية. وقال العيني (١): وعن مالك [و] أبي حنيفة: إذا غلط القاطع فقطع اليسرى أنه يجزئ عن قطع اليمين، ولا إعادة عليه، وعن الشافعي وأحمد: على القاطع المخطئ الدية، وفي وجوب إعادة القطع قولان عند الشافعي، وروايتان عند أحمد، انتهى. وذكر صاحب "الهداية" (٢) اختلاف الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، فارجع إليه لو شئت. (١٥ - باب توبة السارق) أي: هل تكون بمجرد الحد كما يدلّ عليه الحديث الثاني أو يحتاج إلى التوبة أيضًا بعد الحد كما يدلّ عليه الحديث الأول، ويشكل عليه التكرار بما سبق من "باب الحدود كفارة"، وتقدم الجواب هناك، فارجع إليه. وقال الحافظ (٣) في شرح ترجمة الباب: أي: هل تفيده التوبة في رفع اسم الفسق عنه حتى تقبل شهادته أو لا؟ وقد تقدّمت هذه المسألة في الشهادات فيما يتعلق بالقاذف والسارق في شهادتهما، انتهى. ثم البراعة قد تقدمت في مقدمة "اللامع" (٤) من كلام الحافظ أنها في قوله: "إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له"، وتقدم فيه أيضًا أن "كتاب الحدود" ختمه الحافظ على "كتاب المحاربين"، وليس كذلك عندي كما هو ظاهر من ملاحظة أبواب حد الزنا وغيره في ذلك، فهو عندي يختم على "كتاب الديات"، انتهى.

стр. 3510

(٨٦ م - كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة . . .) إلخ قال الحافظ (١) ﵀: كذا هذه الترجمة ثبتت للجميع هنا، وفي كونها في هذا الموضع إشكال، وأظنها مما انقلب على الذين نسخوا كتاب البخاري من المسودة، والذي يظهر لي أن محلها بين "كتاب الديات" وبين "استتابة المرتدين"، وذلك أنها تخللت بين أبواب الحدود، فإن المصنف ترجم "كتاب الحدود" وصدّره بحديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن"، وفيه ذكر السرقة وشرب الخمر، ثم بدأ بما يتعلق بحدِّ الخمر في أبواب ثم بالسرقة كذلك، فالذي يليق أن يثلِّث بأبواب الزنا على وفق ما جاء في الحديث الذي صدّر به، ثم بعد ذلك إما أن يقدم "كتاب المحاربين، وإما أن يؤخره، ولولا أن يؤخره ليعقبه "باب استتابة المرتدين"، فإنه يليق أن يكون من جملة أبوابه، ولم أر من نبَّه على ذلك إلا الكرماني فإنه تعرّض لشيء من ذلك، ووقع في رواية النسفي زيادة قد يرتفع بها الإشكال، وذلك لأنه قال بعد قوله: "من أهل الكفر والردة" فزاد: "ومن يجب عليه الحد في الزنا" فإن كان محفوظًا فكأنه ضمّ حد الزنا إلى المحاربين لإفضائه إلى القتل في بعض صوره بخلاف الشرب والسرقة، وعلى هذا فالأولى أن يبدل لفظ كتاب بباب، وتكون الأبواب كلها داخلة في "كتاب الحدود"، انتهى. وتعقب عليه العلامة العيني كما في حاشية النسخة "الهندية" (٢) فارجع إليه. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ﵀ أجاد في

стр. 3511

ذكر هذا الكتاب ههنا، وهذا من دقة نظره كما هو دأبه في هذا الكتاب، وتوضيح ذلك أن العلماء من السلف والخلف اختلفوا في مصداق هذه الآية، والجمهور على أنها نزلت في قُطَّاع الطريق، وهم إخوة السرقة، ولذا عقبه بأبواب السرقة، ولكن ميل البخاري إلى أن نزولها في أهل الكفر والردة، فأجاد الإمام في ذكر مختاره باللفظ صريحًا "كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة" وذكره ههنا رعاية لقول الجمهور لكون قطاع الطريق من إخوان السارقين، وذكره بلفظ الكتاب بدل الباب، للفرق بين قطاع الطريق والسارقين، فإنه لو ذكره بلفظ الباب لتوهم دخوله في أبواب السرقة المتقدمة، انتهى من هامش "اللامع" (١). وذكر فيه أيضًا اختلاف العلماء في تعيين من نزلت هذه الآية في حقهم بالبسط فارجع إليه لو شئت، وبسط منه في الجزء السادس من "الأوجز" (٢) فقد ذكر فيه أن في آية المحاربة ثلاثة مسائل: الأولى: أنه في الكفرة أو في المسلمين؟ الثانية: في تعريف المحارب، الثالثة: أن الأحكام الأربعة في الآية على التخيير أو التنويع. (١٦ - باب لم يحسم النبي ﷺ المحاربين. . .) إلخ الحسم بفتح الحاء وسكون السين المهملتين: الكي بالنار لقطع الدم، وقال الداودي: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار. قلت: وهذا من صور الحسم، وليس محصورًا فيه، قال ابن بطال (٣): إنما ترك حسمهم لأنه أراد إهلاكهم، فأما من قطع في سرقة مثلًا فإنه يجب حسمه؛ لأنه لا يؤمن معه التلف غالبًا بنزف الدم، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 3512

(١٧ - باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا) قال الحافظ (١): حكى ابن بطال (٢) عن المهلب: أن الحكمة في ترك سقيهم كفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم، قال: وفيه وجه آخر يؤخذ مما أخرجه ابن وهب من مرسل سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ قال لما بلغه ما صنعوا: "عطش الله من عطش آل محمد الليلة" قال: فكان ترك سقيهم إجابةً لدعوته ﷺ . قلت: وهذا لا ينافي أنه عاقبهم بذلك، كما ثبت أنه سملهم لكونهم سملوا أعين الرعاة، وأبعد من قال: إن ترك سقيهم لم يكن بعلم النبي ﷺ ، انتهى. وفي هامش أبي داود عن "فتح الودود" للعلامة السندي: قوله: "يستسقون فلا يسقون. . ." إلخ، قيل: ما أمر النبي ﷺ بذلك، وإنما فعل الصحابة من عند أنفسهم للإجماع على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء إن طلب، وقيل: فعل ذلك قصاصًا لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، وقيل: بل لشدة جنايتهم كما يشير إليه كلام أبي قتادة، والله تعالى أعلم، انتهى. (١٨ - باب سمر النبي ﷺ أعين المحاربين) قال الحافظ (٣): قوله: "سمر أعينهم" وقع في رواية الأوزاعي في أول المحاربين: "وسمل" باللام وهما بمعنى، قال ابن التِّين وغيره: وفيه نظر، قال عياض: سمر العين بالتخفيف: كحلها بالمسمار المحمي، فيطابق السمل، فإنه فسر بأن يدني من العين حديدة محماة حتى يذهب نظرها، فيطابق الأول بأن تكون الحديدة مسمارًا، قال: وضبطناه بالتشديد في بعض

стр. 3513

النسخ، والأول أوضح، وفسروا السمل أيضًا بأنه فقء العين بالشوك وليس هو المراد ههنا. . . إلخ. (١٩ - باب فضل من ترك الفواحش) جمع فاحشة، وهي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلًا أو قولًا، وكذا الفحشاء والفحش، ومنه الكلام الفاحش، ويطلق غالبًا على الزنا فاحشة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وزعم الحليمي أن الفاحشة أشدّ من الكبيرة، وفيه نظر، انتهى (١). ذكر المصنف فيه حديثين قال العلامة العيني (٢) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "ورجل دعته امرأة" إلى قوله: "ورجل تصدق"، ولا يخفى فضل هذا عند الله، وقال تحت الحديث الثاني: مطابقته للترجمة من حيث إن من حفظ لسانه وفرجه يكون له فضل من ترك الفواحش، انتهى. (٢٠ - باب إثم الزناة) بضم أوله جمع زان كرماة ورام، قاله الحافظ (٣). زاد العلامة العيني (٤): وتعلق هذا الباب بالكتاب ارتكاب ما حرم الله، وهو داخل في محاربة الله تعالى ورسوله، انتهى. وأما مطابقة أحاديث الباب بالترجمة فقال الحافظان ابن حجر والعيني (٥) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "ويظهر الزنا" أي: يشيع ويشتهر بحيث لا يتكاتم به لكثرة من يتعاطاه، انتهى. وأما مطابقة باقي الأحاديث فظاهرة لا تخفى.

стр. 3514

(٢١ - باب رجم المحصن) ذكر العيني (١) ههنا اختلاف النسخ فقال: ووقع هنا قبل ذكر الباب عند ابن بطال: "كتاب الرجم"، ثم قال: "باب الرجم" ولم يقع ذلك في الروايات المعتمدة، والمحصن بفتح الصاد من الإحصان، وهو المنع في اللغة، وجاء فيه كسر الصاد، فمعنى الفتح أحصن نفسه بالتزوج عن عمل الفاحشة، ومعنى الكسر على القياس وهو ظاهر، والفتح على غير القياس. قال أصحابنا: شروط الإحصان في الرجم سبعة: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والوطء، والسادس: الوطء بنكاح صحيح، والسابع: كونهما محصنين حالة الدخول بنكاح صحيح، وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد: الإسلام ليس بشرط لأنه ﷺ رجم يهوديين، قلنا: كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل ﷺ المدينة، فكان منسوخًا بها. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبهة، وخالفهم فقال: يكون محصنًا، واختلفوا إذا تزوج الحر أمة هل تحصنه؟ فقال الأكثرون: نعم، وعن عطاء والحسن والثوري والكوفيين وأحمد وإسحاق: لا، واختلفوا إذا تزوج كتابية، ثم ذكر العيني الاختلاف فيه. وبسط الكلام على شروط الإحصان، وذكر مذاهب الأئمة فيه في الجزء السادس من "الأوجز" (٢) فارجع إليه لو شئت. قال الحافظ (٣): قال ابن بطال (٤): أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة، واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي

стр. 3515

عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج، واحتج الجمهور بأن النبي ﷺ رجم، وكذلك أئمة بعده، وثبت في "صحيح مسلم" عن عبادة أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب الرجم"، انتهى. قوله: (من زنا بأخته فحده حد الزاني) قال الحافظ (١): وصله ابن أبي شيبة (٢) عن حفص بن غياث قال: سألت عمر: ما كان الحسن يقول فيمن تزوج ذات محرم وهو يعلم؟ قال: عليه الحد، وأخرج ابن أبي شيبة (٣) من طريق أبي الشعثاء التابعي المشهور فيمن أتى ذات محرم منه قال: يضرب عنقه، ووجه الدلالة من حديث علي أنه قال: "رجمتها بسنة رسول الله ﷺ "، فإنه لم يفرق بين ما إذا كان الزنا بمحرم أو بغير محرم، وأشار البخاري إلى ضعف الخبر الذي ورد في قتل من زنى بذات محرم، وهو ما ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث عبد الله بن المطرف مرفوعًا: "من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف"، قال ابن عبد البر: يقولون: إن الراوي غلط فيه، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على هذا الحديث. ثم قال الحافظ: وأشهر حديث في الباب حديث البراء: "لقيت خالي ومعه الراية فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن اضرب عنقه" أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وفي سنده اختلاف كثير، انتهى مختصرًا من "الفتح". وقال ابن قدامة في "المغني" (٤): وإن تزوج ذات محرم فالنكاح باطل بالإجماع، فإن وَطِئَها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن

стр. 3516

ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري: لا حدّ عليه؛ لأنه وطءٌ تمكنت الشبهة منه، فلم يوجب الحد، كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها، وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح، وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة، فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهةً دارئةً للحد الذي يندرئ بالشبهات. ثم ذكر الموفق دلائل الفريق الثاني ثم قال: إذا ثبت هذا فاختلف في الحد، فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال، والرواية الثانية حده حد الزاني، وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر، والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد. وكل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح خامسة أو متزوجة إذا وطئ فيه عالمًا بالتحريم فهو زنى، موجبٌ للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا حد فيه لأجل الشبهة، وقال النخعي: يجلد مائة ولا ينفى، ولنا ما ذكرنا فيما مضى، وروى أبو نصر المروذي بإسناده أنه رُفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا، قال: لو علمتما لرجمتكما، فجلدهما أسواطًا، ثم فرق بينهما، انتهى مختصرًا. وفي "الهداية" (١): ومن تزوج امرأة لا يحل [له] نكاحها فوطئها لا يجب عليه الحد عند أبي حنيفة، لكنه يوجب عقوبة إذا كان علم بذلك، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: عليه الحد إذا كان عالمًا بذلك لأنه عقد لم يصادف محله فيلغو، انتهى. قوله: (قبل سورة النور أم بعد) قال الحافظ (٢): وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور؛ لأن نزولها كان في قصة الإفك، واختلف

стр. 3517

هل كان سنة أربع أو خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك، وقد حضره أبو هريرة ﵁، وإنما أسلم سنة سبع، انتهى. وتعقب عليه العلامة السندي حيث قال: قلت: لا يلزم من ذلك أن كل آية من آيات السورة نزلت بعد الإفك، فلا بدّ من إثبات أن حد الزنا من سورة النور كان قبل أو بعد، فتأمل والله تعالى أعلم، انتهى. (٢٢ - باب لا يرجم المجنون والمجنونة) أي: إذا وقع في الزنا في حال الجنون، وهو إجماع، واختلف فيما إذا وقع في حال الصحة، ثم طرأ الجنون هل يؤخر إلى الإفاقة؟ قال الجمهور: لا؛ لأنه يراد به التلف، فلا معنى للتأخير بخلاف من يجلد فإنه يقصد به الإيلام فيؤخر حتى يفيق، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (وقال علي لعمر ﵄: أما علمت. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): تقدم بيان من وصله في "باب الطلاق في الإغلاق"، وأن أبا داود وابن حبان والنسائي أخرجوه مرفوعًا، ورجّح النسائي الموقوف، ومع ذلك فهو مرفوع حكمًا، وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور، لكن اختلفوا في إيقاع طلاق الصبي، إلى آخر ما ذكر، وتقدم الاختلاف في طلاق الصبي في محله من "كتاب الطلاق". قوله: (إن القلم رفع عن المجنون) قال السندي: أي: في غير حقوق العباد والزنا منه، انتهى. (٢٣ - باب للعاهر الحجر) قال القسطلاني (٣) تبعًا للحافظ: سبق في الفرائض وغيرها أن المراد

стр. 3518

بقوله: الحجر الخيبة، أي: لا حق له في النسب، وقيل: معناه وللزاني الرجم بالحجر، وأنه استبعد بأن ذلك ليس لجميع الزناة بل للمحصن، لكن في ترجمة البخاري هنا إيماء إلى ترجيح القول بأنه الرجم بالحجر، فيكون المراد منه أنّ الرجم مشروع للزاني المحصن، والله أعلم، والحديث قد سبق في مواضع، انتهى. (٢٤ - باب الرجم بالبلاط) كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: "في البلاط" بدل الباء. قال الكرماني (١): البلاط بفتح الموحدة وقيل: بكسرها: موضع بين مسجده ﷺ والسوق، والأرض المستوية والأرض المفروشة بالحجارة ونفس الحجارة، فإن قلت: ما فائدة ذكر البلاط والمواضع كلها على السواء؟ قلت: مقصوده جواز الرجم من غير حفيرة؛ لأن المواضع المبلطة لم تحفر غالبًا، أو أن الرجم يجوز في الأبنية، ولا يختص بالمصلى ونحوه مما هو خارج المدينة، انتهى. قال الحافظ (٢): في رواية المستملي: "بالبلاط" بالموحدة بدل في، ففهم منه بعضهم أنه يريد أن الآلة التي يرجم بها تجوز بكل شيء حتى بالبلاط، وهو ما تفرش به الدور من حجارة أو آجر وغير ذلك، وفيه بعد، والأولى أن الباء ظرفية، ثم ذكر الحافظ ما تقدم من الإشكال والجواب عن الكرماني، وأجاب الحافظ من عنده بقوله: قلت: ويحتمل أن يكون أراد أن ينبِّه على أن المكان الذي يجاور المسجد لا يعطى حكم المسجد في الاحترام؛ لأن البلاط المشار إليه موضع كان مجاورًا للمسجد النبوي، انتهى.

стр. 3519

وفي هامش "اللامع" (١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى أن حدّ الزنا ينبغي له الإظهار والتشهير، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فكأنه ذكر ذلك تنبيهًا واحترازًا عما تقدم من "باب من أمر بضرب الحد في البيت" أن حد الزنا يى بداخل فيه، والباب المتقدم كان في حد الشرب، وهذا في حد الزنا، انتهى مختصرًا. (٢٥ - باب الرجم بالمصلى) أي: عنده والمراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز، وهو من ناحية بقيع الغرقد، وقد وقع في رواية مسلم: "فأمرنا أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد"، وفهم بعضهم كالعياض من قوله: "بالمصلى" أن الرجم وقع داخله، وقال: يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد وإلا لاجتنب الرجم فيه؛ لأنه لا يؤمن التلويث من المرجوم، وتعقب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه، انتهى من "الفتح" (٢). وقد ترجم المصنف في كتاب العيدين "باب اعتزال الحيض المصلى"، وتقدم هناك أن هذا الحكم استحبابي لأن المصلى ليس بمسجد عند الجمهور، وقال بعض العلماء: يحرم عليها المكث في المصلى؛ لأنه موضع الصلاة فأشبه المسجد، حكاه أبو الفرج الدارمي من الشافعية عن بعضهم، انتهى. (٢٦ - باب من أصاب ذنبًا دون الحد) قال العلامة القسطلاني (٣) تبعًا للكرماني: أي: من ارتكب ذنبًا لا حد له شرعًا كالقبلة والغمزة، وغرض البخاري أن الصغيرة بالتوبة يسقط عنها التعزير، انتهى.

стр. 3520

قال الحافظ (١): والتقييد بدون الحد يقتضي أن من كان ذنبه يوجب الحد أن عليه العقوبة ولو تاب، وقد مضى الاختلاف في ذلك، وأما التقييد الأخير فلا مفهوم له، بل الذي يظهر أنه ذكره بدلالته على توبته، انتهى. قوله: (وفيه عن أبي عثمان) أي: في معنى الحكم المذكور في الترجمة حديث مروي عن أبي عثمان، وقد وصله المؤلف في "أوائل كتاب الصلاة" في "باب الصلاة كفارة" وهو أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، انتهى من "الفتح". قوله: (والحديث الأول أبين، قوله: أطعم أهلك) كما في نسخة الهامش، وهو موجود في نسخ الشروح أيضًا، لكن لم يتعرض لشرح هذا القول الحافظ ولا الكرماني بشيء، وتعرض له العلامة العيني (٢) حيث قال: وأراد بالحديث الأول حديث أبي عثمان النهدي، وهو أبين شيء في الباب، ولم يقع هذا في كثير من النسخ، انتهى. وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٣): أراد به حديث أبي عثمان المذكور في الصلاة فإنه أبين للغرض مما ذكر في هذا الباب، وقوله: "أطعم أهلك" خبر مبتدأ محذوف، وظاهره أنه بيان للحديث الأول المعزو لأبي عثمان، وفيه نظر إذ لم يذكر فيه هذا اللفظ، وإنما ذكر عن غيره في حديث آخر مر في "باب من أعان المعسر في الكفارة"، وبالجملة ففي كلامه قلاقة، انتهى. قلت: وفي هذا الكلام قلاقة إذ لا يصح جعل قوله: "أطعم أهلك" بيانًا للحديث الأول أعمّ من أن يكون قوله: "أطعم أهلك" مذكورًا ههنا أم لا، وذلك لأن مقصود الإمام البخاري هو أن حديث أبي عثمان النهدي

стр. 3521

المشار إليه في أولى الترجمة أبين وأوضح في أداء المعنى الذي عقد الترجمة له من حديث الباب، ومضمون حديث الباب هو قوله: "أطعم أهلك" وهو إن لم يكن ههنا مذكورًا بهذا اللفظ لكنه حاصل معناه، فالذي يتجه هو أن يقال: حديث أبي عثمان النهدي أبين من قوله: "أطعم أهلك" أي: من حديث الباب، فقوله: "أطعم أهلك" ليس بيانًا للحديث الأول، بل هو مفضل عليه لقوله: "أبين"، ولو قال المصنف الحديث الأول أبين من قوله: "أطعم أهلك" لكان أولى وأوضح، فتأمل. (٢٧ - باب إذا أقرّ بالحد ولم يبين) قال الحافظ (١) في شرح حديث الباب: "ذنبك أو قال: حدك" قد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاري حمله على أن من أقرّ بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي ﷺ اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له، لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر، إلى آخر ما ذكره من الكلام على المسألة، وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٢) في شرح ترجمة الباب: قوله: "هل للإمام أن يستر عليه": جواب الاستفهام محذوف، أي: نعم، انتهى. (٢٨ - باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست. . .) إلخ هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحد ما يدفعه عنه، وقد خصّه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 3522

وكذا قال غيره من شرَّاح البخاري أن المقصود بيان الجواز، ولعلهم اقتصروا على الجواز ولم يقولوا بالاستحباب نظرًا إلى ترجمة المصنف، فإنه ترجم بلفظ الاستفهام المشير إلى التردد، وإلا فغيرهم من شرَّاح الحديث وكذا الفقهاء صرَّحوا باستحباب التلقين، ففي "الهداية" (١): ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع، فيقول له: لعلك لمست أو قبلت لقوله ﵇ لماعز: "لعلك لمستها أو قبلتها"، انتهى. قال النووي في "شرح مسلم" (٢) في فوائد الحديث: وفيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود الله تعالى، وأنه يقبل رجوعه؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما، فإنه لا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه، انتهى. وعلى هذا فيشكل إتيان المصنف بلفظة "هل"، ولعله إنما أوردها إِشارةً إلى الخلاف فيه كما تقدم عن الحافظ وإن كان شاذًّا. (٢٩ - باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت) لأن الإحصان شرط الرجم، وهو أن يتزوج امرأة ويدخل بها، ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، قاله العيني (٣). وقال الحافظ (٤): قال ابن التِّين: محل مشروعية هذا السؤال إذا كان لم يعلم أنه تزوج تزويجًا صحيحًا ودخل بها، فأما إذا علم إِحصانه فلا يسأل عن ذلك، ثم حكى عن المالكية تفصيلًا في ذلك، إلى آخر ما في "الفتح".
следующие страницы →