بقوله: الحجر الخيبة، أي: لا حق له في النسب، وقيل: معناه وللزاني الرجم بالحجر، وأنه استبعد بأن ذلك ليس لجميع الزناة بل للمحصن، لكن في ترجمة البخاري هنا إيماء إلى ترجيح القول بأنه الرجم بالحجر، فيكون المراد منه أنّ الرجم مشروع للزاني المحصن، والله أعلم، والحديث قد سبق في مواضع، انتهى.
(٢٤ - باب الرجم بالبلاط)
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: "في البلاط" بدل الباء.
قال الكرماني (١): البلاط بفتح الموحدة وقيل: بكسرها: موضع بين مسجده ﷺ والسوق، والأرض المستوية والأرض المفروشة بالحجارة ونفس الحجارة، فإن قلت: ما فائدة ذكر البلاط والمواضع كلها على السواء؟
قلت: مقصوده جواز الرجم من غير حفيرة؛ لأن المواضع المبلطة لم تحفر غالبًا، أو أن الرجم يجوز في الأبنية، ولا يختص بالمصلى ونحوه مما هو خارج المدينة، انتهى.
قال الحافظ (٢): في رواية المستملي: "بالبلاط" بالموحدة بدل في، ففهم منه بعضهم أنه يريد أن الآلة التي يرجم بها تجوز بكل شيء حتى بالبلاط، وهو ما تفرش به الدور من حجارة أو آجر وغير ذلك، وفيه بعد، والأولى أن الباء ظرفية، ثم ذكر الحافظ ما تقدم من الإشكال والجواب عن الكرماني، وأجاب الحافظ من عنده بقوله: قلت: ويحتمل أن يكون أراد أن ينبِّه على أن المكان الذي يجاور المسجد لا يعطى حكم المسجد في الاحترام؛ لأن البلاط المشار إليه موضع كان مجاورًا للمسجد النبوي، انتهى.
стр. 3519
وفي هامش "اللامع" (١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى أن حدّ الزنا ينبغي له الإظهار والتشهير، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فكأنه ذكر ذلك تنبيهًا واحترازًا عما تقدم من "باب من أمر بضرب الحد في البيت" أن حد الزنا يى بداخل فيه، والباب المتقدم كان في حد الشرب، وهذا في حد الزنا، انتهى مختصرًا.
(٢٥ - باب الرجم بالمصلى)
أي: عنده والمراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز، وهو من ناحية بقيع الغرقد، وقد وقع في رواية مسلم: "فأمرنا أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد"، وفهم بعضهم كالعياض من قوله: "بالمصلى" أن الرجم وقع داخله، وقال: يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد وإلا لاجتنب الرجم فيه؛ لأنه لا يؤمن التلويث من المرجوم، وتعقب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه، انتهى من "الفتح" (٢).
وقد ترجم المصنف في كتاب العيدين "باب اعتزال الحيض المصلى"، وتقدم هناك أن هذا الحكم استحبابي لأن المصلى ليس بمسجد عند الجمهور، وقال بعض العلماء: يحرم عليها المكث في المصلى؛ لأنه موضع الصلاة فأشبه المسجد، حكاه أبو الفرج الدارمي من الشافعية عن بعضهم، انتهى.
(٢٦ - باب من أصاب ذنبًا دون الحد)
قال العلامة القسطلاني (٣) تبعًا للكرماني: أي: من ارتكب ذنبًا لا حد له شرعًا كالقبلة والغمزة، وغرض البخاري أن الصغيرة بالتوبة يسقط عنها التعزير، انتهى.
стр. 3520
قال الحافظ (١): والتقييد بدون الحد يقتضي أن من كان ذنبه يوجب الحد أن عليه العقوبة ولو تاب، وقد مضى الاختلاف في ذلك، وأما التقييد الأخير فلا مفهوم له، بل الذي يظهر أنه ذكره بدلالته على توبته، انتهى.
قوله: (وفيه عن أبي عثمان) أي: في معنى الحكم المذكور في الترجمة حديث مروي عن أبي عثمان، وقد وصله المؤلف في "أوائل كتاب الصلاة" في "باب الصلاة كفارة" وهو أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، انتهى من "الفتح".
قوله: (والحديث الأول أبين، قوله: أطعم أهلك) كما في نسخة الهامش، وهو موجود في نسخ الشروح أيضًا، لكن لم يتعرض لشرح هذا القول الحافظ ولا الكرماني بشيء، وتعرض له العلامة العيني (٢) حيث قال: وأراد بالحديث الأول حديث أبي عثمان النهدي، وهو أبين شيء في الباب، ولم يقع هذا في كثير من النسخ، انتهى.
وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٣): أراد به حديث أبي عثمان المذكور في الصلاة فإنه أبين للغرض مما ذكر في هذا الباب، وقوله: "أطعم أهلك" خبر مبتدأ محذوف، وظاهره أنه بيان للحديث الأول المعزو لأبي عثمان، وفيه نظر إذ لم يذكر فيه هذا اللفظ، وإنما ذكر عن غيره في حديث آخر مر في "باب من أعان المعسر في الكفارة"، وبالجملة ففي كلامه قلاقة، انتهى.
قلت: وفي هذا الكلام قلاقة إذ لا يصح جعل قوله: "أطعم أهلك" بيانًا للحديث الأول أعمّ من أن يكون قوله: "أطعم أهلك" مذكورًا ههنا أم لا، وذلك لأن مقصود الإمام البخاري هو أن حديث أبي عثمان النهدي
стр. 3521
المشار إليه في أولى الترجمة أبين وأوضح في أداء المعنى الذي عقد الترجمة له من حديث الباب، ومضمون حديث الباب هو قوله: "أطعم أهلك" وهو إن لم يكن ههنا مذكورًا بهذا اللفظ لكنه حاصل معناه، فالذي يتجه هو أن يقال: حديث أبي عثمان النهدي أبين من قوله: "أطعم أهلك" أي: من حديث الباب، فقوله: "أطعم أهلك" ليس بيانًا للحديث الأول، بل هو مفضل عليه لقوله: "أبين"، ولو قال المصنف الحديث الأول أبين من قوله: "أطعم أهلك" لكان أولى وأوضح، فتأمل.
(٢٧ - باب إذا أقرّ بالحد ولم يبين)
قال الحافظ (١) في شرح حديث الباب: "ذنبك أو قال: حدك" قد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاري حمله على أن من أقرّ بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي ﷺ اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له، لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر، إلى آخر ما ذكره من الكلام على المسألة، وفي هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٢) في شرح ترجمة الباب: قوله: "هل للإمام أن يستر عليه": جواب الاستفهام محذوف، أي: نعم، انتهى.
(٢٨ - باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست. . .) إلخ
هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحد ما يدفعه عنه، وقد خصّه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3522
وكذا قال غيره من شرَّاح البخاري أن المقصود بيان الجواز، ولعلهم اقتصروا على الجواز ولم يقولوا بالاستحباب نظرًا إلى ترجمة المصنف، فإنه ترجم بلفظ الاستفهام المشير إلى التردد، وإلا فغيرهم من شرَّاح الحديث وكذا الفقهاء صرَّحوا باستحباب التلقين، ففي "الهداية" (١): ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع، فيقول له: لعلك لمست أو قبلت لقوله ﵇ لماعز: "لعلك لمستها أو قبلتها"، انتهى.
قال النووي في "شرح مسلم" (٢) في فوائد الحديث: وفيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود الله تعالى، وأنه يقبل رجوعه؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما، فإنه لا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه، انتهى.
وعلى هذا فيشكل إتيان المصنف بلفظة "هل"، ولعله إنما أوردها إِشارةً إلى الخلاف فيه كما تقدم عن الحافظ وإن كان شاذًّا.
(٢٩ - باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت)
لأن الإحصان شرط الرجم، وهو أن يتزوج امرأة ويدخل بها، ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، قاله العيني (٣).
وقال الحافظ (٤): قال ابن التِّين: محل مشروعية هذا السؤال إذا كان لم يعلم أنه تزوج تزويجًا صحيحًا ودخل بها، فأما إذا علم إِحصانه فلا يسأل عن ذلك، ثم حكى عن المالكية تفصيلًا في ذلك، إلى آخر ما في "الفتح".
стр. 3523
(٣٠ - باب الاعتراف بالزنا)
قال العلامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان حكم الاعتراف بالزنا، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول: مطابقته للترجمة في قوله: "فاعترفت فرجمها"، وهكذا قال بعد ذكر الحديث الثاني من حديثي الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "ألا وإن الرجم" إلى آخره، انتهى.
قلت: فيستفاد منه أن غرض المصنف بالترجمة بيان حكم الزنا وأنه الرجم، وكذا يستفاد من كلام القسطلاني، والذي يشير إليه كلام الحافظ وهو الأوجه عندي أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن الإقرار مرة واحدة يكفي، وهو ظاهر حديثي الباب، والمسألة خلافية، فعند الشافعية والمالكية كذلك، يعني: الاكتفاء مرة خلافًا للحنفية والحنابلة إذ قالوا: لا بدّ من الإقرار أربع مرات، وزاد الحنفية في أربع مجالس.
(٣١ - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)
يردّ على ظاهر الترجمة أنها لا تثبت بالحديث، فإن الثابت بالحديث الرجم بالحبل الآتي في قول عمر، وأما رجم الحبلى فلا يصح به، وأيضًا المسألة إجماعية من أنها لا ترجم حتى تضع، ولم يتعرض لهذا الإشكال ولا الجواب العيني والقسطلاني.
نعم تعرض له الحافظ (٢) إذ قال: قال الإسماعيلي: يريد إذا حبلت من زنا على الإحصان، ثم وضعت، فأما وهي حبلى فلا ترجم حتى تضع، وقال ابن بطال (٣): معنى الترجمة هل يجب على الحبلى رجم أو لا؟ وقد استقر الإجماع على أنها لا ترجم حتى تضع.
قال النووي (٤): وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع، وكذا
стр. 3524
من وجب عليها قصاص، وهي حامل لا يقتص منه حتى تضع بالإجماع في كل ذلك، انتهى.
فليس غرض الإمام البخاري إثبات رجم المرأة وهي حبلى بل بعد وضع الحمل، أو الترجمة مبنية على الاستفهام، أي: هل ترجم أو لا؟ ونظائره كثيرة لا تحصى، ويمكن أن يقال: إن المصنف أراد بالترجمة الإشارة إلى مسألة أخرى خلافية بسطت في "الأوجز" (١)، وهي إثبات الرجم بمجرد الحبل بالزنا، وليس الغرض بيان إيقاع الرجم حالة الحمل، والمسألة خلافية، فعند عمر ﵁ تستحق الحبلى من الزنا الرجم - بعد الوضع - بمجرد الحبل، وإن لم تقر، وبه قال الإمام مالك خلافًا للجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة فعندهم لا بدّ له من إقرار أو بينة، ثم اعلم أنه قد ذكر في "اللامع" (٢) وهامشه الكلام على بعض أجزاء حديث الباب مبسوطًا مفصلًا فارجع إليه لو شئت.
(٣٢ - باب البكران يجلدان وينفيان. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): هذه الترجمة لفظ خبر أخرجه ابن أبي شيبة (٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن أُبي بن كعب مثله، وزاد: "والثيبان يجلدان ويرجمان"، انتهى.
قلت: المقصود من الترجمة هو الجزء الثاني، أي: النفي، والمسألة خلافية.
قال القسطلاني (٥): وحكى ابن نصر في "كتاب الإجماع" الاتفاق على نفي الزاني إلا عند الكوفيين، وعليه الجمهور، وادعى الطحاوي أنه
стр. 3525
منسوخ، واختلف القائلون بالتغريب، فقال الشافعي بالتعميم للرجل والمرأة، وفي قول له: لا ينفى الرقيق، وخصر مالك النفي بالرجل، وقيّده بالحر، وعن أحمد روايتان، انتهى.
(٣٣ - باب نفي أهل المعاصي والمخنثين)
كأنه أراد الردَّ على من أنكر النفي [على] غير المحارب، فبين أنه ثابت من فعل النبي ﷺ ومن بعده في حق غير المحارب، وإذا ثبت في حق من لم يقع منه كبيرة فوقوعه فيمن أتى كبيرة بطريق الأولى، قاله الحافظ (١).
(٣٤ - باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه)
فيه إشكالان: الأول في تعبير المصنف وألفاظ الترجمة، قال الكرماني (٢): الأولى أن يقال: باب من أمره الإمام، وغائبًا حال عن فاعل الإقامة، وهو الغير، ويحتمل أن يكون حالًا عن المحدود، والمقام عليه، وفي عبارته تعجرف، انتهى.
وحكى الحافظ (٣) عبارة الكرماني بلفظ آخر، وهو أوضح، إذ قال: قال الكرماني: في هذا التركيب قلق، وكان الأولى أن يبدل لفظ "غير" بالضمير فيقول: من أمره الإمام. . . إلخ.
وقال العلامة القسطلاني (٤): الأوجه كما نبَّه عليه في "الكواكب": أن يقول: من أمر الإمام، ثم حكى عن البرماوي: أنه لا عجرفة فيه، وبسط كلامه.
والإشكال الثاني ما ذكره الحافظ (٥) بقوله: قال ابن بطال (٦): قد ترجم بعد، يعني: في آخر أبواب المحدود "هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب
стр. 3526
الحد غائبًا عنه"، ومعنى الترجمتين واحد، كذا قال، ويظهر لي أن بينهما تغايرًا من جهة أن قوله في الأول: "غائبًا عنه" حال من المأمور، وهو الذي يقيم الحد، وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أنهم أوردوا بحديث الباب على الحنفية في قولهم بوجوب حضور الإمام في الحد، وتقدم الكلام عليه في "كتاب الوكالة" في "باب الوكالة في الحدود" فتذكر.
(٣٥ - باب قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. . .﴾ [النساء: ٢٥]. . .) إلخ
لعل المقصود بيان تفسير الآية، ففسّر قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ بقوله: زواني، كما في النسخ الهندية ونسخة "الفتح"، ولم يذكر في الباب حديثًا.
قال الحافظ (١): لعله اكتفى بالآية وتأويلها عن الحديث المرفوع، انتهى.
وليس هذا التفسير في نسخة "العيني" و"القسطلاني".
قال الحافظ (٢): وهذا التفسير ثبت في رواية المستملي وحده، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، والمسافحات جمع مسافحة مأخوذ من السفاح، وهو من أسماء الزنا، والأخدان جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه وهو الخدين، والمراد به الصاحب، قال الراغب: وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب غيره بشهوة، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): لم يذكر في هذا الباب حديثًا بل اقتصر على
стр. 3527
الآية اكتفاء بها عن الحديث المرفوع، نعم أدخل ابن بطال فيه حديث أبي هريرة التالي لهذا الباب، انتهى.
قلت: وذلك لأجل أنه سقطت الترجمة الآتية في نسخة ابن بطال، فدخل في هذه الترجمة حديث أبي هريرة الآتي في الباب الآتي.
(٣٥ م - باب إذا زنت الأمة)
أي: ما يكون حكمها؟ وسقطت هذه الترجمة للأصيلي، وجرى على ذلك ابن بطال، وصار الحديث المذكور فيها حديث الباب المذكور قبلها، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (إذا زنت ولم تحصن. . .) إلخ، اعلم أن الحرية من شرائط إِحصان الرجم بالإجماع إلا عند أبي ثور فإنه قال: إن العبد والأمة إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم.
قال الموفق (٢): حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء، منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال ابن عباس وطاوس: إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد، ولا حد على غيرهما، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية [النساء: ٢٥]، فدليل خطابه أنه لا حد على غير المحصنات، وقال داود: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال، وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان: إحداهما لا حد عليها، والأخرى تجلد مائة، انتهى.
قال العلامة العيني (٣): قال الطحاوي: لم يقل هذه اللفظة، أي: قوله: "ولم تحصن" غير مالك بن أنس، ومفهومه أنها إذا أحصنت لا تجلد، بل ترجم كالحرة، لكن الأمة تجلد، محصنةً كانت أو غير محصنةٍ، ولا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحًا بخلافه في قوله تعالى:
стр. 3528
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، وقال الخطابي: ذكر الإحصان في الحديث غريب مشكل جدًّا، إلا أن يقال: معناه العتق، انتهى ملخصًا من "الأوجز" (١).
وفيه أيضًا: أن المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان، أحدها: العفائف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣]، الثاني: بمعنى المزوجات كقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والثالث: بمعنى الحرائر كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والرابع: بمعنى الإسلام كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، انتهى ملتقطًا من "الأوجز" (٢).
وبسط الكلام فيه على شرائط الإحصان واختلاف العلماء فيه.
وفيه هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٣): قوله: "ولم تحصن" جرى في ذكر هذا القيد على الغالب؛ لأن الحكم لا يختص بعدم إحصانها بل يجري مع إحصانها كما صرّح به في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، أو لأن الأمة المسؤول عنها كانت غير محصنة، وقيل: الإحصان هنا بمعنى العفة عن الزنا، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٤): الإحصان أكثر ما يستعمل في الأحاديث بمعنى التزوج، والمراد به ههنا العفة؛ لأن الأمة حدها الجلد، سواء تزوّجت أو لا، انتهى.
(٣٦ - باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى)
قال الحافظ (٥): أما التثريب فهو التعنيف وزنه ومعناه، وقد جاء بلفظ: "ولا يعنفها"، وأما النفي فاستنبطوه من قوله: "فليبعها" لأن المقصود
стр. 3529
من النفي الإبعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية، وهو حاصل بالبيع، انتهى.
قلت: وما قاله الحافظ إنما قاله تأييدًا لمذهب الشافعية، وعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والترجمة، فإن الترجمة بعدم النفي لا بالنفي.
وقال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: واستنبط من قوله: "فليبعها" عدم النفي لأن المقصود من النفي الإبعاد وهو حاصل بالبيع، انتهى.
وأنت ترى أن فيه إجمالًا مخلًا، والمطابق لصنيع المصنف ما قاله العلامة العيني (٢) إذ قال: واستنبط عدم النفي من قوله ﷺ : "ثم بيعوها" لأن المقصود من النفي الإبعاد، وهو لا يلزم حصوله من البيع، انتهى مختصرًا.
وتقدم بيان الخلاف في مسألة النفي في "باب البكران يجلدان وينفيان".
(٣٧ - باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم. . .) إلخ
أي: بيان أحكام أهل الذمة: اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية، وبيان إحصانهم هل الإسلام شرط فيه أم لا؟ كما سيأتي، انتهى من "العيني" (٣).
وههنا مسألتان: إحصان أهل الذمة، والثانية الحكم بينهم، قال العلامة القسطلاني (٤): وغرض المؤلف أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان، وإلا لم يرجم اليهوديين، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال المالكية ومعظم الحنفية: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﷺ إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، انتهى.
стр. 3530
وأما المسألة الثانية فهو الحكم بين أهل الذمة، فقال الموفق (١): وجملة ذلك أنه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخيَّر بين إحضارهم والحكم بينهم وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحدٍ أو من أهل أديان، هذا المنصوص عن أحمد، وهو قول النخعي وأحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يجب الحكم بينهم، وهذا القول الثاني للشافعي واختيار المزني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤٢]، إلى آخر ما ذكر من الكلام على الدلائل، ولم يذكر مذهب مالك والحنفية.
وقال ابن رُشد في "البداية" (٢): وأما الحكم على الذمي فإن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقضي بينهم إذا ترافعوا إليه بحكم المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة، والثاني: أنه مخيَّر، وبه قال مالك، وعن الشافعي القولان، والثالث: أنه واجب على الإمام أن يحكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل، وما ذكره ابن رُشد من مذهب الحنفية هو موافق لما ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣) إذ قال بحثًا على المسألة: فثبت نسخ التخيير بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقال أيضًا: فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات والحدود أن أهل الذمة والمسلمون فيها سواء، إلا أنهم لا يرجمون لأنه غير محصنين، وقال مالك: الحاكم مخيَّر إذا اختصموا إليه بين أن يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم، ثم قال: والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير، فأما شرط المجيء منهم في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فلم تقم الدلالة على نسخه، فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيًا والتخيير منسوخًا، انتهى ملتقطًا.
стр. 3531
قال الحافظ (١) بعد ذكر الحديث الأول من حديثي الباب: قال الكرماني (٢): مطابقته للترجمة من حيث الإطلاق.
قلت: والذي ظهر لي أنه جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، هو ما أخرجه أحمد والطبراني من طريق هشيم عن الشيباني قال: قلت: هل رجم النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، رجم يهوديًا ويهوديةً، انتهى.
(٣٨ - باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره. . .) إلخ
ذكر فيه قصة العسيف، والحكم المذكور ظاهر فيمن قذف امرأة غيره، وأما من قذف امرأته فكأنه أخذه من كون زوج المرأة كان حاضرًا ولم ينكر ذلك.
وأشار بقوله: "هل على الإمام" إلى الخلاف في ذلك، والجمهور على أن ذلك بحسب ما يراه الإمام. وقال النووي: الأصح عندنا وجوبه، والحجة فيه بعث أنيس ﵁ إلى المرأة، ثم تعقب عليه الحافظ كما في "الفتح" (٣)، ثم قال: قال ابن بطال (٤): أجمع العلماء على أن من قذف امرأة أو امرأة غيره بالزنا فلم يأت على ذلك ببينة أن عليه الحد، إلا إن أقرّ المقذوف، فلهذا يجب على الإمام أن يبعث إلى المرأة يسألها عن ذلك، ولو لم تعترف المرأة في قصة العسيف لوجب على والد العسيف حد القذف، ومما يتفرع عن ذلك لو اعترف رجل بأنه زنى بامرأة معينة فأنكرت هل يجب عليه حد الزنا وحد القذف أو حد القذف فقط؟ قال بالأول مالك، وبالثاني أبو حنيفة، وقال الشافعي وصاحبا أبي حنيفة: من أقرّ منهما فإنما عليه حد الزنا فقط، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3532
(٣٩ - باب من أدَّب أهله أو غيره دون السلطان)
أي: دون إذنه له في ذلك، وهذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف هل يحتاج من وجب عليه الحد من الأرقاء إلى أن يستأذن سيده الإمام في إقامة الحد عليه، أو له أن يقيم ذلك بغير مشورة؟ وقد تقدم بيانه في "باب إذا زنت الأمة" قاله الحافظ (١).
قلت: والمسألة خلافية شهيرة، قال القسطلاني (٢) في الباب المذكور: قوله: "فاجلدوها. . ." إلخ، والخطاب فيه لملاك الأمة، فيدل على أن السيد يقيم على عبده وأمته الحد، ويسمع البينة عليهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين خلافًا لأبي حنيفة في آخرين، واستثنى مالك القطع في السرقة، انتهى.
قلت: وما ذكر الحافظ في بيان الغرض من الترجمة تعقبه العيني إذ قال (٣) بعد نقل كلام الحافظ: قلت: لم يبين الخلاف في هذه الترجمة أصلًا، انتهى.
والظاهر عندي في الغرض من الترجمة: أن المصنف أشار بذلك أن الخلاف بين العلماء إنما هو في مسألة إقامة السيد الحد على أرقائه، وليس الخلاف بينهم في التأديب، فإنه لا يحتاج الرجل في تأديب أهله أو أرقائه إلى أن يستأذن السلطان، فالخلاف في إقامة الحدود لا في التأديب، ويؤيد ما قلته أنه لا ذكر في أحاديث الباب لإقامة الحد كما لا يخفى.
قال العيني (٤) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن أبا بكر ﵁ أدّب ابنته عائشة ﵂ بحضرة النبي ﷺ من غير أن يستأذنه.
стр. 3533
(٤٠ - باب من رأى مع امرأته رجلًا فقتله. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كذا أطلق ولم يبين الحكم، وقد اختلف فيه، فقال الجمهور: عليه القود، وقال أحمد وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه، وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبًا، وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم، انتهى.
وهكذا ذكر المذاهب العلامة العيني (٢)، ولم يصرح بمذهب الحنفية في ذلك.
وفي هامش "الفيض" (٣): وسمعت من الشيخ أن من ابتلي بمثله فقتل الزاني لا يؤاخذ به عند ربه، يباح له أن يقتله فيما بينه وبين الله ، وإن كان حكم القضاء القصاص إذا لم يأت عليه ببينة، وبذلك صرّح النووي من مذهبه في "شرح مسلم" في "باب اللعان"، انتهى.
وقلت: ولفظ النووي في "شرح مسلم" (٤) هكذا: قد اختلف العلماء فيمن قتل رجلًا وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته، فقال جمهورهم: لا يقبل قوله، بل يلزمه القصاص إلا أن يقوم بذلك بينة، أو يعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا، ويكون القتيل محصنًا، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقًا فلا شيء عليه، وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانيًا محصنًا القصاص، ما لم يأمر السلطان بقتله، والصواب الأول، انتهى.
قلت: وقد وجدت المسألة مصرحًا بها في فروع الحنفية، ففي "الدر المختار" (٥) في أبواب التعزير: ويكون التعزير بالقتل كمن وجد رجلًا مع
стр. 3534
امرأة لا تحل له، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر، ثم ذكر الخلاف فيما إذا كان يعلم أنه ينزجر بغير القتل، قال ابن عابدين: قلت: وقد ظهر لي في التوفيق بين القولين أن الشرط المذكور إنما هو في ما إذا وجد رجلًا مع امرأة لا تحل له قبل أن يزني بها، فهذا لا يحل قتله إذا علم أنه ينزجر بغير القتل، أما إذا وجده يزني بها فله قتله مطلقًا، انتهى.
وفي "الأوجز" (١): قال الموفق (٢): إذا قتل رجلًا وادّعى أنه وجده مع امرأته، لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص، روي نحو ذلك عن علي أنه سئل عمن وجد مع امرأته فقتله، فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته، وإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية، انتهى.
قال القسطلاني (٣) بعد ذكر المذاهب: قال الداودي: الحديث دال على وجوب القود فيمن قتل رجلًا وجده مع امرأته؛ لأن الله وإن كان أغير من عباده فإنه أوجب الشهود في الحدود، فلا يجوز لأحد أن يتعدى حدود الله، ولا يسقط الدم بدعوى، انتهى.
(٤١ - باب ما جاء في التعريض)
قال الحافظ (٤): قال الراغب: هو كلام له وجهان: ظاهر وباطن، فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر، انتهى.
وتقدّم بيان مذاهب الأئمة في مسألة الباب في "باب إذا عرّض بنفي الولد" من "كتاب اللعان".
قال الحافظ: وقد أجمعوا على تأديب من وجد مع امرأة أجنبية في بيت، والباب مغلق عليهما، وقد ثبت عن إبراهيم النخعي أنه قال: في التعريض عقوبة، انتهى.
стр. 3535
(٤٢ - باب كم التعزير والأدب)
قال القسطلاني (١): قال في "الصحاح": التعزير: التأديب، ومنه سمي الضرب دون الحد تعزيرًا، وقال في "المدارك": وأصل العزر المنع، ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح، انتهى.
ومنه عزّره القاضي، أي: أدَّبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به. وفي "الدر المختار" (٢): هو لغةً: التأديب مطلقًا، وشرعًا: تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطًا، وأقله ثلاثة، انتهى.
وأما الأدب فبمعنى التأديب، وهو أعم من التعزير؛ لأن التعزير يكون بسبب المعصية بخلاف الأدب، ومنه تأديب الوالد وتأديب المعلم.
ثم قال القسطلاني تحت حديث الباب (٣): واختلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه، وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشرة، ثم اختلفوا فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد؟ قولان، وقال الآخرون: هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ، ثم ذكر القسطلاني جواب الحديث من جانب الجمهور فارجع إليه لو شئت.
وذكر العلامة العيني (٤) في المسألة عشرة أقوال، ونقل مذهب الإمام محمد أنه لا يبلغ به أربعين سوطًا بل ينقص منه سوطًا، قال الحافظ (٥): وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين.
وفي "الهداية" (٦): والتعزير أكثره تسعة وثلاثون سوطًا وأقله ثلاث جلداتٍ، وقال أبو يوسف: يبلغ التعزير خمسًا وسبعين سوطًا، والأصل فيه
стр. 3536
قوله ﵊: "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين"، وإذا تعذّر تبليغه حدًا، فأبو حنيفة ومحمد نظرَا إلى أدنى الحد، وهو حد العبد في القذف، فصرفاه إليه، وذلك أربعون فنقصا منه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار، إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطًا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي فقلده، انتهى.
فعلم منه أن محمدًا في هذه المسألة مع أبي حنيفة لا كما تقدم عن القسطلاني، وحكى العيني (١) عن الطحاوي أنه قال: لا يجوز اعتبار التعزير بالحدود؛ لأنهم لم يختلفوا في أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام فيخفف تارة ويشدد أخرى، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٢): والتعزير ليس فيه تقدير، بل هو مفوض إلى رأي القاضي وعليه مشايخنا؛ لأن المقصود منه الزجر، وأحوال الناس فيه مختلفة، قال ابن عابدين: أي: ليس في أنواعه تقدير، وهذا حاصل قوله قبله: ويكون بالضرب وبالحبس وبالصفع على العنق وفرك الأذن، انتهى.
(٤٣ - باب من أظهر الفاحشة والتلطخ والتهمة بغير بينة)
قال الحافظ (٣): أي: ما حكمه؟ والمراد بإظهار الفاحشة أن يتعاطى ما يدلّ عليها عادةً من غير أن يثبت ذلك ببينة أو إقرار، وباللطخ الرمي بالشر يقال: لطخ فلان بكذا، أي: رمى بشر، وبالتهمة من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عادة، انتهى.
стр. 3537
قلت: والمراد أن الرجل لا يصير بهذا الإظهار مستحقًا للحد حتى تثبت فاحشته ببيّنة أو إقرار.
قال العلامة العيني (١) تحت قوله: "كانت تظهر في الإسلام السوء": قال المهلب: فيه أن الحد لا يجب على أحد إلا ببينة أو إقرار ولو كان متهمًا بالفاحشة، انتهى.
(٤٤ - باب رمي المحصنات. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي: قذفهن، والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمزوّجات، بل حكم البكر كذلك بالإجماع، ثم قال: وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء، واختلف في حكم قذف الأرقاء كما سأذكره في الباب الذي بعده، انتهى.
ذكر المصنف ههنا مسألة حد القذف، قال ابن قدامة (٣): القذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فذكر الآية المذكورة في الترجمة، وأما السُّنَّة فقول النبي ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" فذكر حديث الباب، وقال: متفق عليه، وقدر الحد ثمانون إذا كان القاذف حرًّا للآية والإجماع، رجلًا كان أو امرأة، ويشترط أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره، انتهى.
قال ابن رُشد في "البداية" (٤): اتفقوا على أنه ثمانون جلدة للقاذف الحر لقوله تعالى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية [النور: ٤]، واختلفوا في العبد، إلى آخر ما قال.
(٤٥ - باب قذف العبيد)
أي: الأرقاء، عبّر بالعبيد اتباعًا للفظ الخبر، وحكم الأمة والعبد في ذلك سواء، والمراد بلفظ الترجمة الإضافة للمفعول بدليل ما تضمنه حديث
стр. 3538
الباب، ويحتمل إرادة الإضافة للفاعل، والحكم فيه أن على العبد إذا قذف نصف ما على الحر ذكرًا كان أو أنثى، وهذا قول الجمهور، وعن عمر بن عبد العزيز والزهري وطائفة يسيرة والأوزاعي وأهل الظاهر: حدّه ثمانون، وخالفهم ابن حزم فوافق الجمهور، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: والظاهر المطابق لما في حديث الباب هو الاحتمال الأول من الاحتمالين اللذين ذكرهما الحافظ، كما أشار إليه الحافظ أيضًا، وكون الإضافة للفاعل احتمال عقلي محض، وإليه أشار العلامة العيني تعقبًا على كلام الحافظ، وأيضًا قال العيني (٢): وقال بعضهم: عبّر بالعبيد اتباعًا للفظ الحديث، انتهى.
قلت: لفظ الحديث "مملوكه" وليس فيه اتباع من حيث اللفظ، انتهى.
ومسألة الباب وفاقية بين الأئمة الأربعة، ففي هامش "اللامع" (٣): أما إذا قذف عبدًا فلا حدَّ عليه عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ففي "الأوجز" (٤) عن "المغني" (٥): أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفًا، وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسة: العقل والحرية والإسلام والعفة عن الزنا وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء، قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد، إلى آخر ما قال.
(٤٦ - باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد غائبًا عنه. . .) إلخ
هذه الترجمة بظاهرها مكررة بما سبق من "باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه"، وقد اعترف ابن بطال باتحاد معنى الترجمتين كما تقدم هناك.
стр. 3539
وتقدم أيضًا ما قال الحافظ (١) من أن بينهما تغايرًا من جهة أن قوله في الأول: "غائبًا عنه" حال من المأمور وهو الذي يقيم الحد، وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد، انتهى.
لكن فيه أن المذكور تحت الترجمتين حديث واحد، ويظهر من كلام القسطلاني (٢) أنه فرّق بينهما بأن جعل الترجمة الأولى عامة حيث قال هناك: حال كون الغير أو المقام عليه الحد غائبًا عنه، وقال ههنا: "باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد" رجلًا وجب عليه حال كونه "غائبًا عنه" أي: عن الإمام بأن يقول له: اذهب إلى فلان الغائب فأقم عليه الحد، انتهى.
فجعل قوله: "غائبًا" حالًا عن المقام عليه الحد.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين من حيث إن الآمر ههنا الإمام بخلاف ما سبق، والاستدلال في الترجمة السابقة بأول الحديث وههنا بآخره، ثم رأيت "الفيض" (٣) فإذا فيه: المقصود في تلك الترجمة بيان أن الإمام هل له ولاية على تولية غيره لإقامة الحد؟ وكان المقصود فيما سبق هو حال الغير، أي: هل للغير إقامة الحد عند غيبوبة الإمام إذا كان ولّاه عليها، ولذا لَفّ الفاعل ههنا، ولم يصرح أن الآمر من هو، وإن كان الآمر في الخارج هو الإمام، إلا أن الغرض فيه لم يكن إلا حال المأمور، بخلافه في تلك الترجمة، فإن المحط بيان حال الإمام، ولذا صرّح به، وقال: وهل يأمر الإمام، وحينئذٍ يختلف الجواب فيهما أيضًا، فجواب الترجمة السابقة أنه يجوز للغير إقامة الحد إذا كان الإمام أمره به، كما أقامه أنيس في قصة العسيف، وجواب تلك الترجمة أن للإمام ولايةً لتولية الغير عليها، كما ولّى النبي ﷺ على إقامة الحد، انتهى.
ثم البراعة عندي في قوله: "فارجمها فرجمها" (٤).
стр. 3540
٨٧ - كتاب الديات
قال الحافظ (١): الديات بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عدات وعدة، وأصلها ودية (٢) بفتح الواو وسكون الدال تقول: ودى القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي ما جعل في مقابلة النفس، وسمي دية تسمية بالمصدر، وفاؤها محذوفة، والهاء عوض.
وأورد البخاري تحت هذه الترجمة ما يتعلق بالقصاص؛ لأن كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل، وترجم غيره "كتاب القصاص"، وأدخل تحته الديات بناءً على أن القصاص هو الأصل في العمد، انتهى.
قلت: ويمكن أن يوجّه بأن الإمام البخاري ترجم بكتاب الديات والقصاص معًا، أما الأول فنصًّا، وأما الثاني فبإشارة الآية، فإن موجب القتل العمد القصاص فلا إشكال بالتراجم الآتية المتعلقة بالقصاص في هذا الكتاب.
قال العيني (٣): فإن قلت: ما وجه تصدير هذه الترجمة بهذه الآية؟ قلت: لأن فيها وعيدًا شديدًا عند القتل متعمدًا بغير حق، فإن من فعل هذا وصولح عليه بمال فتشمله الدية، انتهى.
قلت: وهذا على ما اختاره الشرَّاح، وأما ما اخترت كما تقدم من أن المصنف أشار بهذه الآية إلى مقابل الدية وهو القصاص، فلا يحتاج حينئذٍ
стр. 3541
إلى ذكر مناسبة الآية بالترجمة فإن الآية حينئذٍ كأنها جزء من الترجمة، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال القسطلاني (١): والدية هي المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها، وهي مأخوذة من الودي، وهو دفع الدية، انتهى.
قلت: وههنا شيء آخر وهو الأرش، وفرّق الفقهاء بينهما ففي "الدر المختار" (٢): الدية في الشرع: اسم للمال الذي هو بدل للنفس، والأرش: اسم للواجب فيما دون النفس، انتهى.
قلت: فعلى هذا بين الدية والأرش تباين، وقال ابن عابدين: قوله: الدية بدل النفس، زاد الإتقاني: أو الطرف، انتهى. فعلى هذا بينهما عموم [و] خصوص مطلقًا.
وفي "البدائع" (٣): الجناية على الآدمي في الأصل أنواع ثلاثة: جناية على النفس مطلقًا، وجناية على ما دون النفس مطلقًا، وجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه، وقال أيضًا في موضع آخر (٤): فهذه الأنواع مختلفة الأحكام، منها: ما يجب فيه القصاص، ومنها: ما يجب فيه دية كاملة، ومنها: ما يجب فيه أرش مقدر، ومنها: ما يجب فيه أرش غير مقدر، وهو المسمى بالحكومة، وفيه أيضًا في موضع آخر (٥): والأصل فيه، أي: في وجوب الدية نص الكتاب العزيز وهو قوله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] والنص وإن ورد بلفظ الخطأ لكن غيره ملحق به.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٦): الأصل في وجوب الدية الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أما الكتاب فذكر الآية المذكورة، وأما السُّنَّة فروى
стр. 3542
أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن، فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: "وإن في النفس مائة من الإبل"، رواه النسائي في "سننه" ومالك في "موطئه"، قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة، انتهى.
ثم لا يخفى عليك مطابقة هذه الأحاديث بكتاب الديات، فأما أن يوجد بما يستفاد من كلام العيني من أن في هذه الأحاديث زجرًا ووعيدًا شديدًا لمن يبتلى بهذا الأمر العظيم، أعني قتل النفس بغير حق، فلعل ولي القاتل يصالح أولياء المقتول على مال وهو الدية.
قلت: ويمكن أن يقال: إن المذكور في هذه الأحاديث هو المؤاخذة الأخروية لمن قتل نفسًا بغير حق، ولما لم يكن الحديث الدال على وجوب الدية صريحًا من شرط المصنف، وهو حديث عمرو بن حزم المشار إليه سابقًا، والدية من المؤاخذة الدنيوية أشار بإيراد أحاديث النوع الأول من المؤاخذة إلى أحاديث النوع الثاني منه، فتأمل، ففيه إيثار الأخفى على الأجلى كما هو من دأب المصنف، ويمكن أن يقال: إن المقصود من الدية والقصاص كما قالوا: هو التشفي، أي: تشفي أولياء القتيل بأخذ الدية أو بأخذ القصاص، وهذا التشفي يحصل أيضًا بهذه الأحاديث المذكورة ههنا، فإن فيهما زجرًا وتوبيخًا لمن يخوض في هذه الجريمة.
(١ - باب قول الله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢])
قال ابن عباس: من حرم قتلها، قال الحافظ (١): وصله ابن أبي حاتم، ومضى بيانه في تفسير سورة المائدة، انتهى.
قلت: وتقدم هناك ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لما كان
стр. 3543
الإحياء صفة خاصة للرب ﵎ وجب حمله على المجاز، فاحتاج إلى بيان معناه.
وفي هامشه: قال الخازن: قال أهل المعاني: قوله: ﴿أَحْيَاهَا﴾ على المجاز؛ لأن المحيي هو الله ﵎ في الحقيقة، فيكون المعنى ومن نجاها من الهلاك، انتهى.
ووجّه الرازي في "التفسير الكبير" نسبة فعل الواحد إلى الناس جميعًا بثلاثة وجوه، وبسط ابن كثير في معانيها، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨])
لم يذكر المصنف حديثًا في هذا الباب، والنسخ مختلفة كما سيأتي في الباب الآتي.
قال الحافظ (١): وهذه الآية أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص، وهو قول الجمهور، وخالفهم الكوفيون فقالوا: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥].
وفي "البدائع" (٢): ولا يشترط أن يكون المقتول مثل القاتل في كمال الذات، وهو سلامة الأعضاء، ولا أن يكون مثله في الشرف والفضيلة، فيقتل سليم الأطراف بمقطوع الأطراف والأشل، ويقتل العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والعاقل بالمجنون، والبالغ بالصبي، والذكر بالأنثى، والحر بالعبد، والمسلم بالذمي الذي يؤدي الجزية، وتجري عليه أحكام الإسلام.
وقال الشافعي ﵀: كون المقتول مثل القاتل في شرف الإسلام،
стр. 3544
والحرية شرط في وجوب القصاص، ونقصان الكفر والرق يمنع من الوجوب، فلا يقتل المسلم بالذمي ولا الحر بالعبد؛ لأن المساواة شرط وجوب القصاص، ولا مساواة بين المسلم والكافر، ولنا عمومات القصاص من نحو قوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله جلت عظمته: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] من غير فصل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه الدليل، إلى آخر ما بسط في ذلك.
(٣ - باب سؤال القاتل حتى يقر. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كذا للأكثر، وبعده حديث أنس في قصة اليهودي والجارية، ووقع عند النسفي وغيره بحذف "باب"، وصنيع الأكثر أشبه، وقد صرّح الإسماعيلي بأن الترجمة الأولى بلا حديث، انتهى.
قلت: ووجوه عدم ذكر الحديث تحت الباب كثيرة شهيرة تقدم ذكرها مرارًا.
ثم قال العيني (٢) في شرح ترجمة الباب: أي: هذا باب في بيان سؤال الإمام القاتل، يعني: من اتهم بالقتل ولم تقم عليه البينة، ويسأله حتى يقر، فيقيم عليه الحد، انتهى.
قلت: عجب من العيني أنه تعرض لشرح أجزاء الترجمة، ولم يتعرض لشرح قول المصنف في الترجمة: "والإقرار في الحدود"، وكذا لم يتعرض غيره من الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه نبَّه بذلك على الفرق بين القصاص والحدود بأن ينبغي للإمام التجسس في الأول دون الثاني، فإن الحدود تندرئ بالشبهات بخلاف الجنايات فلها
стр. 3545
أحكام أخر، وأيضًا الحدود من حقوق الله تعالى، والقصاص والديات من حقوق العباد.
(٤ - باب إذا قتل بحجر أو بعصًا)
قال القسطلاني (١): أي: هل يقتل بما قتل به أو بالسيف.
وقال الحافظ (٢): كذا أطلق ولم يبتّ الحكم إشارةً إلى الاختلاف في ذلك، ولكن إيراده الحديث يشير إلى ترجيح قول الجمهور، فإن حديث الباب حجة للجمهور، وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث: "لا قود إلا بالسيف" إلى آخر ما ذكر.
قلت: لا شكَّ في أن الحديث المذكور في هذا الباب حجة للجمهور في هذه المسألة، لكن الأوجه عندي: أن المصنف لم يذكر هذه المسألة ههنا، بل الغرض الذي ذكره الشرَّاح ههنا هو عندي غرض الترجمة الآتية قريبًا، يعني: من قوله: "باب من أقاد بحجر"، وأما المقصود من هذه الترجمة فهي الإشارة إلى مسألة أخرى خلافية، وهي اختلافهم في أنواع القتل، فمذهب الإمام مالك أن القتل نوعان: قتل العمد، وقتل الخطأ، وشبه العمد ليس بشيء عنده، بل هو داخل في العمد، وقال الجمهور: على ثلاثة أنواع: العمد، وشبه العمد، والخطأ، والمصنف مال في هذه المسألة إلى مذهب مالك، ولذا ترجم بقوله: "باب إذا قتل بحجر أو بعصًا".
قال صاحب "الهداية" (٣): فالعمد: ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب، وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا ما أجري مجرى السلاح، وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبًا كالعصا الصغيرة، انتهى.
стр. 3546
(٥ - باب قول الله: ﴿أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥])
قال الحافظ (١): والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب لكن الحكم الذي دلّت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد، واستدل بقوله: ﴿النَّفسَ بِالنَّفْسِ﴾ على تساوي النفوس في القتل العمد، فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء كان حرًّا أو عبدًا، وتمسك به الحنفية، وادعوا أن آية المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، وقال الجمهور: آية البقرة مفسرة لآية المائدة، انتهى.
قوله: (المفارق لدينه التارك للجماعة. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (٢): هل المفارقة للدين وترك الجماعة أمران، أو معناهما واحد؟ فهما رأيان، فإن كان الأول كان من موجبات القتل أربعًا، وإلا ثلاثًا، ثم إن موجبات القتل سواها بعد تنقيح المناط راجعة إلى هذه الأمور، فهي أصول ودعامة، وعن أحمد: يجوز قتل كل مبتدع، انتهى.
(٦ - باب من أقاد بحجر)
أي: حكم بالقودِ بفتحتين، وهو المماثلة في القصاص، كذا في "الفتح" (٣).
قال العيني (٤): أقاد، أي: اقتص من القود، وهو القصاص، انتهى.
والعجب من الشرَّاح أنهم لم يتعرضوا لغرض الترجمة بل كلهم ساكتون، والأوجه عندي كما تقدم قبل باب أن غرض المصنف من هذه
стр. 3547
الترجمة هو ما ذكروه في الترجمة السابقة "باب إذا قتل بحجر"، وظاهر ألفاظ الترجمتين يؤيد ما اخترته إذ بوّب ههنا بلفظ "من أقاد" بخلاف السابقة إذ بوّب بقوله: "من قتل".
والمسألة خلافية وهي أن من قتل أحدًا بغير سيف يستوفى القصاص بمثل ما قتل، فإن قتله بعصًا أو بحجر أو بالخنق أو بالتغريق قتل بمثله، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف، وعن أحمد روايتان كالمذهبين، وقال صاحب "الهداية" (١): ولا يستوفى القصاص إلا بالسيف، وقال الشافعي: يفعل به مثل ما فعل إن كان فعلًا مشروعًا فإن مات وإلا تحزّ رقبته؛ لأن مبنى القصاص على المساواة، إلى آخر ما ذكره، ومستدل الحنفية قوله ﵊: "لا قود إلا بالسيف" قال الزيلعي (٢): روي ذلك من حديث أبي بكرة وابن مسعود وأبي هريرة وعلي ﵃، ثم بسط الكلام على تخريجها.
قال العلامة العيني (٣): واحتجوا بما رواه الطحاوي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بالسيف" وأخرجه أبو داود الطيالسي، ولفظ: "لا قود إلا بحديدة"، وأجابوا عن حديث الباب بأنه نسخ بنسخ المثلة، كما فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين، ثم أجاب العيني عما أوردوا على هذا الحديث فارجع إليه لو شئت.
وفي "الفيض" (٤): واعلم أن القتل بالمثقل داخل في العمد عند الجمهور، ولا عمد عندنا إلا القتل بالمحدد، فإذن هو شبه العمد، وفيه الدية دون القصاص، فالحديث عندنا محمول على السياسة، على أن الطحاوي حمله على قطع الطريق، انتهى.
стр. 3548
(٧ - باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)
قال الحافظ (١): ترجم بلفظ الخبر، وظاهره حجة لمن قال: إن الاختيار في أخذ الدية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول، ولا يشترط في ذلك رضى القاتل، انتهى.
قال العيني (٢): واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل للعمد، فروي عن ابن المسيب والحسن وعطاء: أن ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية، وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الثوري والكوفيون: ليس له إذا كان عمدًا إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، وبه قال مالك في المشهور عنه.
قال الحافظ (٣): واستدل بالحديث على أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي، وهو قول الجمهور، وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل، قال الطحاوي: والحجة لهم حديث أنس ﵁ في قصة الربيع عمته، فقال النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص" فإنه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي ﷺ ، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله: "فهو بخير النظرين" أي: ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية.
ثم قال الحافظ: واستدل بالآية على أن الواجب في قتل العمد القود والدية بدل منه، وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا في مذهب الشافعي أصحهما الأول، انتهى.
قلت: وعن مالك في هذه المسألة روايتان، ففي "الشرح الكبير" (٤) للدردير: إن أتلف مكلف معصومًا بإيمان أو أمان كالقاتل من غير المستحق
стр. 3549
فالقود عينًا، فليس للولي أن يلزم الدية للجاني جبرًا، وإنما له أن يعفو مجانًا أو يقتص، وجاز العفو على الدية أو أكثر أو أقل منها برضا الجاني، وقال أشهب: له التخيير بين القود والعفو على الدية جبرًا وهو ضعيف، قال الدسوقي: والمذكور أولًا هو مذهب ابن القاسم، انتهى.
قلت: وكذا عن أحمد فيه روايتان، ففي "الشرح الكبير" (١) في فروع الحنابلة: اختلفت الرواية عن أحمد في موجب العمد، فروي عنه أن موجبه القصاص عينًا، قالوا: ليس للأولياء إلا القتل، إلا أن يصطلحا على الدية برضا الجاني، والمشهور في مذهب أحمد أن الواجب أحد شيئين، إلى آخر ما قال.
(٨ - باب من طلب دم امرئ بغير حق)
أي: بيان حكمه، قاله الحافظ (٢) وغيره، والمراد بالحكم الحكم الأخروي، وأما الحكم الدنيوي: وهو القصاص فقد تقدم سابقًا.
قال العيني (٣) والقسطلاني تبعًا للكرماني: قوله: "ليهريق دمه" فإن قلت: الإهراق هو المحظور المستحق لمثل هذا الوعيد لا مجرد الطلب، قلت: المراد الطلب المرتب عليه المطلوب أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالطريق الأولى.
(٩ - باب العفو في الخطأ بعد الموت)
قال الحافظ (٤): أي: عفو الولي لا عفو المقتول؛ لأنه محال، ويحتمل أن يدخل، وإنما قيده بما بعد الموت؛ لأنه لا يظهر أثره إلا فيه،
стр. 3550
إذ لو عفا المقتول ثم مات لم يظهر لعفوه أثر؛ لأنه لو عاش تبين أن لا شيء له يعفو عنه.
وقال ابن بطال (١): أجمعوا على أن عفو الولي إنما يكون بعد موت المقتول، وأما قبل ذلك فالعفو للقتيل، خلافًا لأهل الظاهر، فإنهم أبطلوا عفوَ القتيل، وحجة الجمهور أن الولي لما قام مقام المقتول في طلب ما يستحقه فإذا جعل له العفو كان ذلك للأصيل أولى، وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة من مرسل قتادة: أن عروة بن مسعود لما دعا قومه إلى الإسلام فرمي بسهم فقتل، عفا عن قاتله قبل أن يموت، فأجاز النبي ﷺ عفوه، انتهى.
قال العيني (٢): مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "غفر الله لكم" لأن معناه عفوت عنكم؛ لأن المسلمين كانوا قتلوا اليمان أبا حذيفة خطأً يوم أُحد، فعفا حذيفة عنهم بعد قتله، انتهى.
لكن فيه أن الحديث موقوف، وليس من دأب المصنف الاستدلال بالموقوف، ويمكن أن يجاب عنه أن في هذا الحديث زيادة أخرجها أبو إسحاق الفزاري في "سننه" وهي قوله: "فبلغت النبي ﷺ فزاده عنده خيرًا ووداه من عنده".
قوله: (حتى لحقوا بالطائف) قال صاحب "الفيض" (٣): ولم يذكر الراوي هذا الحرف إلا ههنا، وأظنه اختلاطًا منه، فإن هزيمة الكفار يوم أُحد في الكرة الأولى، قد ذكرها الآخرون أيضًا، أما أنهم لحقوا بالطائف الذي بمراحل من أحد، فلم يذكره أحد إلا هذا الراوي فلينظر، انتهى.
قلت: لم يتعرض له الحافظ ولا غيره، ووجّهه والدي الماجد مولانا محمد يحيى نوّر الله مرقده في حاشية نسخته، وهذا لفظه: أي: انهزم
стр. 3551
من المشركين الذين قاتلوا في أُحد يوم فتح مكة إلى الطائف كالوحشي ونحوه، انتهى.
(١٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ الآية [النساء: ٩٢])
الظاهر أن المقصود بهذه الترجمة بيان حكم قتل الخطأ، وهو الدية، فإن المذكور في هذه الآية هو الدية، وأما القصاص فقد تقدم مستقلًا في باب مفرد، واختلف النسخ ههنا، ففي بعض النسخ ذكرت هذه الآية بتمامها إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
قال القسطلاني (١): وهذه الآية أصل في الديات، فذكر فيها ديتين وثلاث كفارات، ذكر الدية والكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام، والكفارة دون الدية في قتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم، وذكر الدية والكفارة في قتل الذمي في دار الإسلام، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب حديثًا عند الأكثر، انتهى.
وفي هامش المصرية: لم يذكر في هذا الباب حديثًا اكتفاءً بالآية، أو لأنه لم يجد حديثًا على شرطه، انتهى.
(١١ - باب إذا أقرّ بالقتل مرة قتل به)
قال العلامة القسطلاني (٢): وسقط لفظ "باب" للنسفي، وقال بعد قوله: " ﴿خَطَأً﴾ الآية، وإذا أقر. . ." إلخ، ثم ذكر الحديث كغيره، وحينئذٍ فيحتاج إلى مناسبة بين الآية والحديث، ولم تظهر أصلًا، فالصواب كما في "الفتح": إثبات الباب كما في رواية غير النسفي، ومطابقة الحديث للترجمة مأخوذة من إطلاق قوله: فجيئ باليهودي فاعترف، فإنه لم يذكر فيه عددًا، والأصل عدمه، انتهى.
стр. 3552
ولم يذكر المذاهب، والمسألة وفاقية بين الأئمة الأربعة، فيكفي في القتل الإقرار مرةً واحدةً عند الأئمة الأربعة، وما حكى الشرَّاح من خلاف بعض الكوفيين في اشتراطهم الإقرار مرّتين مذهب غير الأحناف، فأراد الإمام البخاري بهذا الباب الردَّ على من اشترط العدد فيه.
وفي "الدر المختار" (١) في بيان الفرق بين الحدود والقصاص: أن القصاص يثبت بإشارة الأخرس دون الحدود، انتهى.
وقال العيني (٢): قلت: اشتراط الكوفيين مرّتين في الإقرار قياس على اشتراط الأربعة في الزنا، ومطلق الاعتراف لا ينحصر على المرة، انتهى.
قلت: عجب من العلامة العيني أنه كيف أيّد قول الكوفيين، فإنه يشعر أنه مذهب الأحناف مع أنه ليس كذلك، فإن مذهب الأحناف في هذا كالجمهور، وقد تقدم أنه يثبت عندنا بالإشارة، أي: في الأخرس فكيف بصريح الإقرار فتأمّل، وهكذا ذكر الشيخ الكَنكَوهي ﵀ في بعض تقاريره، والشيخ الأنور (٣) في "فيض الباري" (٤) مذهب الأحناف موافقًا للجمهور كما في هامش "اللامع" (٥).
(١٢ - باب قتل الرجل بالمرأة)
قال العلامة العيني (٦): وهو قول فقهاء عامة الأمصار وجماعة العلماء، وشذّ الحسن، ورواه عن عطاء، فقالا: إن قتل أولياء المرأة الرجل بها أدوا نصف الدية، وإن قتل أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية الرجل، وروي مثله عن الشعبي عن علي ﵁، وبه قال عثمان البتي، وحجة الجماعة حديث الباب، انتهى.
стр. 3553
(١٣ - باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات)
قال العيني (١): والجراحات جمع جراحة، ووجوب القصاص في ذلك قول الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراحات؛ لأن المساواة معتبرة في النفس دون الأطراف، ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بيد شلاء، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة، انتهى.
وأفاد الشيخ الكَنكَوهي كما في هامش "اللامع" عن "تقرير الشيخ المكي": قوله: "في الجراحات" قلنا: قد اضطربت الروايات فيه، فرجحنا سقوط القصاص فيما دون النفس بالقياس، انتهى. والبسط في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو اشتقت.
وفي "الهداية" (٢): ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، أي: فيما دون النفس، ولا بين العبدين، خلافًا للشافعي إلا في الحر يقطع طرف العبد، فإنه لا يجب القصاص فيه عنده أيضًا، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): ولا قصاص عندنا بين المرأة والرجل في الأطراف والجراحات التي لا يمكن المساواة فيها، أما في النفس ونحو قلع السن ففيه ذلك، وخالفنا البخاري في قصاص الجراحات، ولنا أثر ابن مسعود في "كتاب الأم" يدل على ما قلنا، انتهى.
قوله: (وجرحت أخت الربيع. . .) إلخ، قال القسطلاني (٤): وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم، قال أبو ذر: الصواب الربيع بنت النضر عمة أنس، وهو موافق لما في البقرة من وجه آخر عن أنس: أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، انتهى.
стр. 3554
وقال الحافظ (١): والحديث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري في الصلح بتمامه، قال النووي (٢): قال العلماء: المعروف رواية البخاري، ويحتمل أن يكونا قصتين، انتهى.
وبسط النووي الكلام على هذا الاختلاف، وحكى عن العلماء ما تقدم في كلام الحافظ، لكن جزم النووي بأنهما قضيتان.
أقول: لا شكّ أن المعروف في روايات البخاري أنها الربيع، وفي رواية مسلم: "أنها أخت الربيع"، ومال شرَّاح البخاري إلى ترجيح رواية البخاري، وجزم النووي بأنهما قصتان: إحداهما لأخت الربيع والثانية للربيع، فتعليق البخاري هذا أيضًا يؤيد ما اختاره النووي من تعدد القصتين، ولعل النووي لم يطلع على هذا التعليق، وإلا لذكره، فإنه يؤيد ما اختاره، والله تعالى أعلم.
وههنا قول آخر حكاه الحافظ (٣) عن ابن حزم إذ قال: وقد جزم ابن حزم بأنهما قضيتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة، إحداهما أنها جرحت إنسانًا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص، انتهى.
ومطابقة الحديث بالترجمة بما ذكره الحافظ (٤) بقوله: والمراد من الحديث هنا: "لا يبقى أحد منكم إلا لدّ"، فإن فيه إشارةً إلى مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل؛ لأن الذين لدّوه كانوا رجالًا ونساءً، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الأمر كما مضى في الوفاة النبوية، انتهى.
وفي "الفيض" (٥): قوله: "وجرحت أخت. . ." إلخ، ولم تثبت فيه
стр. 3555
قدم الراوي - كما تقدم -، وحينئذٍ فلا حجة له فيه، فما دام لم ينفصل الأمر على جليته لا ينبغي له أن يتمسك به، وأما قوله: "لا يبقى أحد منكم إلا لد" فليس من باب القصاص الذي نحن فيه، وبالجملة لم يأت المصنف بما يثبت مدعاه، انتهى.
(١٤ - باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان)
قال الحافظ (١): قوله: أو اقتص، أي: إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم؟ وهو المراد بالسلطان في الترجمة، قال ابن بطال (٢): اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من حقه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم، قال: وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه، انتهى. وهكذا في "العيني" (٣).
قلت: وقد تقدم في أبواب المظالم والقصاص، وترجم المصنف هناك بقوله: "باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه"، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وتقدم هناك تفصيل الاختلاف، فارجع إليه لو شئت.
وقلت: وأما إذا فقأ رجل عين الناظر كما في حديث الباب، فسيأتي حكمه وبيان الخلاف فيه فيما سيأتي في ترجمة مستقلة بقوله: "باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه".
ثم قال العيني (٤): قال الكرماني (٥): فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنه ﷺ هو الإمام الأعظم، فلا يدلّ على جواز ذلك لآحاد
стр. 3556
الناس؟ قلت: حكم أقواله وأفعاله ﷺ عام متناول للأمة، إلا ما دل دليل على تخصيصه به، انتهى.
وفي "فيض الباري" (١) تحت الترجمة: يريد أن القصاص مختص بالسلطان، إلا أن أولياء المقتول لو اقتصوا من القاتل بعد إقامة البينة لا يقتص منهم للقاتل، غير أنهم آثمون، انتهى.
(١٥ - باب إذا مات في الزحام أو قتل)
ولابن بطال زيادة "به" أي: بالزحام، قاله القسطلاني (٢).
قال الحافظ (٣): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به في الذي بعده لوجود الاختلاف في هذا الحكم، انتهى.
قال القسطلاني (٤): وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب دية في بيت المال؛ لأنه مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت دية في بيت مال المسلمين، وقيل: تجب على جميع من حضر؛ لأنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقال الشافعي: يقال لوليه: ادّع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، انتهى.
قلت: وحديث الباب قد تقدم في "باب العفو في الخطأ بعد الموت"، انتهى.
قال العيني (٥) في شرح قوله: "أبي أبي" أي: قال حذيفة: هذا أبي أبي لا تقتلوه، ولم يسمعوا منه، فقتلوه ظانين أنه من المشركين فدعا لهم حذيفة.
стр. 3557
قال الكرماني: فدعا لهم وتصدق بديته على المسلمين، وقال الخطابي فيه: أن المسلم إذا قتل صاحبه خطأ عند اشتباك الحرب لازدحامات لا شيء عليه، وكذلك في جميع الازدحامات، إلا إذا فعله قاصدًا لهلاكه، انتهى.
قلت: وكذا الحكم عندنا الحنفية، ففي "الدر المختار" (١): لا قود بقتل مسلم مسلمًا ظنه مشركًا بين الصفين لما مرّ أنه من الخطأ، بل القاتل عليه كفارة ودية، قالوا: هذا إذا اختلطوا، فإن كان في صف المشركين لا يجب شيء لسقوط عصمته، قال ﵊: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): وإذا التقى الصفان من المسلمين، والمشركين، فقتل مسلم مسلمًا ظنَّ أنه مشرك فلا قود عليه، وعليه الكفارة؛ لأن هذا أحد نوعي الخطأ على ما بيّناه، والخطأ بنوعيه لا يوجب القود، ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب، ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة قضى رسول الله ﷺ بالدية، انتهى.
(١٦ - باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له)
قال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمدًا، يعني: أنه لا مفهوم لقوله: خطأ، والذي يظهر أن البخاري إنما قيّد بالخطأ لأنه محل الخلاف، قال ابن بطال: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليه، وإن مات فهي لورثته، وقال الجمهور: لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي ﷺ أوجب في هذه القصة له شيئًا، ولو وجب لبيَّنها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا [على] أنه لو قطع طرفًا من أطرافه عمدًا أو خطأً لا يجب فيه شيء، انتهى (٣).