(١٣ - باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات)
قال العيني (١): والجراحات جمع جراحة، ووجوب القصاص في ذلك قول الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراحات؛ لأن المساواة معتبرة في النفس دون الأطراف، ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بيد شلاء، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة، انتهى.
وأفاد الشيخ الكَنكَوهي كما في هامش "اللامع" عن "تقرير الشيخ المكي": قوله: "في الجراحات" قلنا: قد اضطربت الروايات فيه، فرجحنا سقوط القصاص فيما دون النفس بالقياس، انتهى. والبسط في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو اشتقت.
وفي "الهداية" (٢): ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، أي: فيما دون النفس، ولا بين العبدين، خلافًا للشافعي إلا في الحر يقطع طرف العبد، فإنه لا يجب القصاص فيه عنده أيضًا، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): ولا قصاص عندنا بين المرأة والرجل في الأطراف والجراحات التي لا يمكن المساواة فيها، أما في النفس ونحو قلع السن ففيه ذلك، وخالفنا البخاري في قصاص الجراحات، ولنا أثر ابن مسعود في "كتاب الأم" يدل على ما قلنا، انتهى.
قوله: (وجرحت أخت الربيع. . .) إلخ، قال القسطلاني (٤): وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم، قال أبو ذر: الصواب الربيع بنت النضر عمة أنس، وهو موافق لما في البقرة من وجه آخر عن أنس: أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، انتهى.
стр. 3554
وقال الحافظ (١): والحديث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري في الصلح بتمامه، قال النووي (٢): قال العلماء: المعروف رواية البخاري، ويحتمل أن يكونا قصتين، انتهى.
وبسط النووي الكلام على هذا الاختلاف، وحكى عن العلماء ما تقدم في كلام الحافظ، لكن جزم النووي بأنهما قضيتان.
أقول: لا شكّ أن المعروف في روايات البخاري أنها الربيع، وفي رواية مسلم: "أنها أخت الربيع"، ومال شرَّاح البخاري إلى ترجيح رواية البخاري، وجزم النووي بأنهما قصتان: إحداهما لأخت الربيع والثانية للربيع، فتعليق البخاري هذا أيضًا يؤيد ما اختاره النووي من تعدد القصتين، ولعل النووي لم يطلع على هذا التعليق، وإلا لذكره، فإنه يؤيد ما اختاره، والله تعالى أعلم.
وههنا قول آخر حكاه الحافظ (٣) عن ابن حزم إذ قال: وقد جزم ابن حزم بأنهما قضيتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة، إحداهما أنها جرحت إنسانًا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص، انتهى.
ومطابقة الحديث بالترجمة بما ذكره الحافظ (٤) بقوله: والمراد من الحديث هنا: "لا يبقى أحد منكم إلا لدّ"، فإن فيه إشارةً إلى مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل؛ لأن الذين لدّوه كانوا رجالًا ونساءً، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الأمر كما مضى في الوفاة النبوية، انتهى.
وفي "الفيض" (٥): قوله: "وجرحت أخت. . ." إلخ، ولم تثبت فيه
стр. 3555
قدم الراوي - كما تقدم -، وحينئذٍ فلا حجة له فيه، فما دام لم ينفصل الأمر على جليته لا ينبغي له أن يتمسك به، وأما قوله: "لا يبقى أحد منكم إلا لد" فليس من باب القصاص الذي نحن فيه، وبالجملة لم يأت المصنف بما يثبت مدعاه، انتهى.
(١٤ - باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان)
قال الحافظ (١): قوله: أو اقتص، أي: إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم؟ وهو المراد بالسلطان في الترجمة، قال ابن بطال (٢): اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من حقه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم، قال: وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه، انتهى. وهكذا في "العيني" (٣).
قلت: وقد تقدم في أبواب المظالم والقصاص، وترجم المصنف هناك بقوله: "باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه"، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وتقدم هناك تفصيل الاختلاف، فارجع إليه لو شئت.
وقلت: وأما إذا فقأ رجل عين الناظر كما في حديث الباب، فسيأتي حكمه وبيان الخلاف فيه فيما سيأتي في ترجمة مستقلة بقوله: "باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه".
ثم قال العيني (٤): قال الكرماني (٥): فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنه ﷺ هو الإمام الأعظم، فلا يدلّ على جواز ذلك لآحاد
стр. 3556
الناس؟ قلت: حكم أقواله وأفعاله ﷺ عام متناول للأمة، إلا ما دل دليل على تخصيصه به، انتهى.
وفي "فيض الباري" (١) تحت الترجمة: يريد أن القصاص مختص بالسلطان، إلا أن أولياء المقتول لو اقتصوا من القاتل بعد إقامة البينة لا يقتص منهم للقاتل، غير أنهم آثمون، انتهى.
(١٥ - باب إذا مات في الزحام أو قتل)
ولابن بطال زيادة "به" أي: بالزحام، قاله القسطلاني (٢).
قال الحافظ (٣): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به في الذي بعده لوجود الاختلاف في هذا الحكم، انتهى.
قال القسطلاني (٤): وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب دية في بيت المال؛ لأنه مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت دية في بيت مال المسلمين، وقيل: تجب على جميع من حضر؛ لأنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقال الشافعي: يقال لوليه: ادّع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، انتهى.
قلت: وحديث الباب قد تقدم في "باب العفو في الخطأ بعد الموت"، انتهى.
قال العيني (٥) في شرح قوله: "أبي أبي" أي: قال حذيفة: هذا أبي أبي لا تقتلوه، ولم يسمعوا منه، فقتلوه ظانين أنه من المشركين فدعا لهم حذيفة.
стр. 3557
قال الكرماني: فدعا لهم وتصدق بديته على المسلمين، وقال الخطابي فيه: أن المسلم إذا قتل صاحبه خطأ عند اشتباك الحرب لازدحامات لا شيء عليه، وكذلك في جميع الازدحامات، إلا إذا فعله قاصدًا لهلاكه، انتهى.
قلت: وكذا الحكم عندنا الحنفية، ففي "الدر المختار" (١): لا قود بقتل مسلم مسلمًا ظنه مشركًا بين الصفين لما مرّ أنه من الخطأ، بل القاتل عليه كفارة ودية، قالوا: هذا إذا اختلطوا، فإن كان في صف المشركين لا يجب شيء لسقوط عصمته، قال ﵊: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): وإذا التقى الصفان من المسلمين، والمشركين، فقتل مسلم مسلمًا ظنَّ أنه مشرك فلا قود عليه، وعليه الكفارة؛ لأن هذا أحد نوعي الخطأ على ما بيّناه، والخطأ بنوعيه لا يوجب القود، ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب، ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة قضى رسول الله ﷺ بالدية، انتهى.
(١٦ - باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له)
قال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمدًا، يعني: أنه لا مفهوم لقوله: خطأ، والذي يظهر أن البخاري إنما قيّد بالخطأ لأنه محل الخلاف، قال ابن بطال: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليه، وإن مات فهي لورثته، وقال الجمهور: لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي ﷺ أوجب في هذه القصة له شيئًا، ولو وجب لبيَّنها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا [على] أنه لو قطع طرفًا من أطرافه عمدًا أو خطأً لا يجب فيه شيء، انتهى (٣).
стр. 3558
وهكذا قال العيني (١) وفيه: قال الجمهور منهم ربيعة ومالك وأبو حنيفة والشافعي: لا شيء فيه.
(١٧ - باب إذا عضّ رجلًا فوقعت ثناياه)
أي: هل يلزمه فيه شيء أو لا؟ قاله الحافظ (٢). ثم قال في شرح الحديث: وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية؛ لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضًا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحًا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، هكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، إلى آخر ما ذكره الحافظ في تفصيل هذه المسألة والاختلاف فيها، فارجع إليه لو شئت (٣)، وذكر العلامة العيني (٤) مذهب الكوفيين في هذه المسألة كالجمهور.
(١٨ - باب السن بالسن)
قال الحافظ (٥): قال ابن بطال (٦): أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد، واختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، وذكر تفصيلًا في مذهب مالك، وقال الشافعي والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن؛ لأن دون العظم حائلًا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، إلى آخر ما في "الفتح".
قال القسطلاني (٧) تحت حديث الباب: وهذا بخلاف غير السنّ من العظام لعدم الوثوق بالمماثلة فيها، وهذا مذهب الشافعية والحنفية،
стр. 3559
وقال المالكية: بالقود في العظام، إلا ما كان مخوفًا، أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية.
(١٩ - باب دية الأصابع)
أي: هل مستوية أو مختلفة؟ قاله الحافظ (١). ثم قال تحت حديث الباب: قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قلت: وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم، فأخرج ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر: "في الإبهام خمسة عشر، وفي السبّابة والوسطى عشرٌ عشرٌ، وفي البنصر تسع، وفي الخنصر ست"، وفي "جامع الثوري" عن عمر نحوه، وزاد: قال سعيد بن المسيب: "حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم: في كل أصبع عشر فرجع إليه"، انتهى (٢).
قال القسطلاني (٣): ولأبي داود والترمذي: "أصابع اليدين والرجلين سواء"، ولابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "الأصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الإبل" أي: فلا فضل لبعض الأصابع على بعض، وأصابع اليد والرجل سواء كما عليه أئمة الفتوى، انتهى.
(٢٠ - باب إذا أصاب قوم من رجل. . .) إلخ
أي: إذا قتل أو جرح جماعة شخصًا واحدًا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحد ليقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية؟ فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة، انتهى من "الفتح" (٤).
وفي هامش النسخة المصرية تحت ترجمة الباب: وجواب الاستفهام
стр. 3560
محذوف، أي: عوقبوا إن كانت الإصابة تقتضي حدًّا أو تعزيرًا، وقوصصوا إن كانت تقتضي مماثلة، انتهى.
وقال القسطلاني (١): قوله: "هل يعاقب" بفتح القاف مبنيًّا للمفعول، وفي رواية "يعاقبون" بلفظ الجمع، وفي أخرى "يعاقبوا" بحذف النون لغة ضعيفة، أي: يكافأ الذين أصابوه، ويجازون على فعلهم كما وقع في اللدود، "أو يقتص" بالبناء للمفعول، وقيل للفاعل فيهما "منهم كلهم" إذا قتلوه أو جرحوه أو يتعين واحد يقتص منه، ويؤخذ من الباقين الدية، والأول مذهب جمهور العلماء، وروي الثاني عن عبد الله بن الزبير ومعاذ، فلو قتله عشرة فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): وإذا قتل جماعة واحدًا عمدًا اقتص من جميعهم لقول عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم"، انتهى.
قال الكرماني (٣): فإن قلت: ما فائدة الجمع بين المعاقبة والاقتصاص؟ قلت: الغالب أن القصاص يستعمل في الذم والمعاقبة المكافأة والمجازاة، فيتناول اللد ونحوه، فلعل غرضه التعميم، ولهذا فسّرنا الإصابة بالتفجيع ليتناول الكل، انتهى.
وتوضيح المقام بحيث يتضح المرام أن المذكور في الترجمة هو أحد الشقين، أعني: الاقتصاص من الجميع، والشق الثاني غير مذكور ههنا، وهو ما ذكره الشرَّاح من أنه يتعين واحد منهم للاقتصاص، ويؤخذ الدية من الباقين فقول المصنف: "أو يقتص" ليس عديلًا لقوله: "يعاقب" كما يتوهم في بادئ الرأي، بل المجموع بيان لأحد الشقين.
ثم قال الكرماني: وإنما خص الاقتصاص بالذكر ردًا لمثل ما نقل عن
стр. 3561
ابن سيرين أنه قال في رجل يقتله رجلان: يقتل أحدهما وتؤخذ الدية من الآخر، وعن الشعبي: أنهما يدفعان إلى وليه، ويقتل من شاء منهما ويعفو عن الآخر، وعن الظاهرية: أنه لا قود بل الواجب الدية، انتهى.
قوله: (وقد أقاد أبو بكر من لطمة. . .) إلخ، سيأتي الكلام على تحقيق المسألة ومذاهب الأئمة في محله في "باب إذا لطم المسلم يهوديًا عند الغضب. . ." إلخ، في آخر هذا الكتاب.
(٢١ - باب القسامة)
قال العلامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان القسامة وأحكامها، والقسامة بفتح القاف وتخفيف السين مصدر أقسم قسمًا وقسامةً، وفي بعض النسخ: "كتاب القسامة" والصحيح أنها اسم للأيمان، وقال الأزهري: إنها اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال القاضي عياض (٣): حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف، من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، واختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يرو القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكمًا، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، انتهى.
قال العيني (٤): في الحديث مشروعية القسامة في الدم، وهو أمر كان في الجاهلية، فأقرّه رسول الله ﷺ في الإسلام، انتهى.
стр. 3562
قلت: وما قال القاضي عياض من أن الإمام البخاري لم يقل بالقسامة، كذا قال ابن المنيِّر كما سيأتي في كلام الحافظ، وهكذا قال الكرماني (١): أي: أن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بالقسامة، إذ قال في ذكر مذاهب الأئمة في المسألة: وأنكر البخاري بالكلية حكمها، وكذا طائفة أخرى كأبي قلابة ونحوه، قالوا: لا حكم لها ولا عمل بها، انتهى.
ومال القسطلاني (٢) في أول "كتاب القسامة" تبعًا للقاضي على الظاهر إلى أن البخاري مال إلى عدم الأخذ بالقسامة، لكن حكى القسطلاني في آخر الباب ما سيأتي من كلام الحافظ الردّ على من قال: إن ميل البخاري إلى عدم الأخذ بحديث القسامة.
قال الحافظ (٣): نبَّه ابن المنيِّر (٤) في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي، وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق، فقال: مذهب البخاري تضعيف القسامة؛ فلهذا صدّر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه، وأورد طريق سعيد بن عبيد، وهو جار على القواعد، وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء، ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في "كتاب الموادعة والجزية" فرارًا من أن يذكر ههنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري، قال: وهذا الإخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها، ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي، بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر، فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى
стр. 3563
عليه، فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في "باب القسامة"، وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر، وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القسامة، والله تعالى أعلم.
وهكذا قال العيني (١): من أن البخاري ذهب إلى ترك القتل بالقسامة، لا إلى ترك القسامة رأسًا، وهذا هو الرأي عندي من أن البخاري لم ينكر القسامة برأسها كما قيل، وكذا عمر بن عبد العزيز كما تقدم من نقل كلام هؤلاء الجهابذة، وليت شعري كيف نسبوا إلى الإمام البخاري إنكار القسامة برأسها، وصنيعه في "صحيحه" يدلّ دلالةً واضحةً على أنه أنكر القود بالقسامة، فإنه ذكر فيه حديث أبي قلابة، وهو كما ترى لا يدلّ إلا على عدم القود بها.
وبسط الكلام في هذا المقام في هامش "اللامع" (٢) أشد البسط.
ومحصل الكلام أن ههنا ثلاثة أمور:
الأول: ثبوت القسامة والأخذ بها، كما هو مسلك جمهور العلماء، ولم يخالفهم في ذلك الإمام البخاري كما تقدم مبسوطًا.
والثاني: أن بداءة الأيمان في القسامة على المدعى عليهم، كما هو مسلك الحنفية، واختاره البخاري كما تقدم في كلام الحافظ، ولذا صدّر الباب بقوله: "شاهداك أو يمينه".
وقال القسطلاني (٣) تحت حديث الباب: وفي الحديث أن اليمين توجه أولًا على المدعى عليه لا على المدعي، كما في قصة نفر الأنصاريين، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٤): اعلم أن اليمين لا يتوجه عندنا في القسامة إلى المدعي، وكذا لا قصاص فيها على المدعى عليه، وأما فائدة الأيمان فتظهر في حق اكتشاف الحال، ووافقنا المصنف على ذلك، انتهى.
стр. 3564
والأمر الثالث: أن البخاري مال إلى ترك القود بالقسامة، قال العيني (١) تحت الحديث الأوّل من حديثي الباب: ذكر البخاري هذا الحديث مطابقًا لما قبله في عدم القود في القسامة، وأن الحكم فيها مقصور على البينة واليمين، انتهى.
وهكذا ذكر القسطلاني (٢) تبعًا للعيني، والمسألة خلافية.
قال الحافظ (٣): واختلف القائلون بالقسامة في العمد هل يجب به القود أو الدية؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها، وهو قول الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وداود، واختلف عن عمر بن عبد العزيز، انتهى.
وقال الكرماني: قال الشافعي وأبو حنيفة: تجب بها الدية لعدم العلم بشروط القصاص، وقال مالك وأحمد: يجب القصاص، انتهى.
قلت: ومذهب أحمد إيجاب القصاص بالقسامة في صورة العمد رواية واحدة، قال الموفق (٤): الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، وإذا كانت الدعوى عمدًا، وبه قال مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين، انتهى.
وكذا مذهب الإمام مالك إيجاب القصاص في صورة العمد، صرّح به مالك في "الموطأ" إذ قال مالك: فإن حلف المدعون استحقوا دم صاحبهم، وقتلوا من حلفوا عليه، ولا يقتل في القسامة إلا واحد، انتهى.
والمشهور من قولي الشافعي المنصور عند أتباعه إيجاب الدية لا القصاص، ولذا نقل عامة نقلة المذاهب مذهب الشافعي إيجاب الدية لا غير، ولذا أول النووي والخطابي وغيرهما من الشافعية قوله ﷺ : "تستحقوا دم صاحبكم"، كذا في "الأوجز" (٥).
стр. 3565
ومذهب مالك وهكذا عندنا الحنفية تجب بالقسامة الدية لا القصاص، ففي "البدائع" (١): هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى، وعند مالك ﵀ وجوب القسامة والقصاص.
ثم ليعلم صورة القسامة مع ما فيه من خلاف الأئمة، فقال ابن قدامة (٢): إذا وجد قتيل في موضع، فادّعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث، فهي كسائر الدعاوي، إن كانت لهم بينة حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك والشافعي، فإن كان بينهم عداوة ولوث فادّعى أولياؤه على واحد، حلف الأولياء على قتاله خمسين يمينًا، واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدًا، فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبُرِّئَ، هذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك والشافعي، وحكى أبو الخطاب روايةً أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرّمون الدية لقضية عمر، وهو قول أصحاب الرأي، ولنا قول النبي ﷺ : "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، وقد ثبت أن النبي ﷺ لم يغرم اليهود، وأنه أدّاها من عنده، فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال، يعني: أدّى دية لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فأبى الأنصار أن يحلفوا، وقالو: كيف نقبل أيمان قوم كفار، فوداه النبي ﷺ من عنده كراهية أن يُطَلَّ دمه، انتهى.
وأما عندنا الحنفية فعلى الأصل المتفق عليه من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولا عبرة عندنا لحلف الأوليا، قال صاحب "الهداية" (٣): وإذا وجد القتيل في محلة، ولا يعلم من قتله، استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي، بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فإذا
стр. 3566
حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية، وقال الشافعي: لا تجب الدية لقوله ﵊: "تبرئكم اليهود بأيمانها"، ولنا أن النبي ﵊ جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وقوله ﵊: "تبرئكم اليهود" محمول على الإبراء عن القصاص، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، انتهى مختصرًا.
قوله: (فدفعه إلى أخي المقتول. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): معناه أن عمر دفع المدعى عليه بعد تمام الأيمان إلى أخي المقتول، فقرنت يده إلى يده لئلا ينفلت، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ هو الحق الصواب، وهو المتعين من أن الضميرين في قوله: "يده بيده" يرجعان إلى القاتل وأخي المقتول، وهو ظاهر، والعجب من الشرَّاح قاطبةً أنهم زَلّت أقدامهم في شرح هذا الكلام إذ أرجعوا ضمير دفعه إلى الرجل الذي تم به الخمسون وفيه أوهام: الأوّل: أنه لا خصيصة لهذا الرجل من جملة خمسين رجلًا، والثاني: بقي التاسع والأربعون بدون القرين، والثالث: أنهم ارتكبوا المجاز في قوله: "انطلقنا والخمسون" بحمل خمسين على المجاز.
قال الكرماني (٢): فإن قلت: هم تسع وأربعون؟ قلت: مثل هذه الإطلاقات جائز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، أو المراد الخمسون تقريبًا، انتهى.
والوجه الرابع: أنه يصح على هذا ما يأتي من قوله: "أفلت القرينان، فاتبعهما حجر فكسر رِجْلَ أخي المقتول" فإنه يصح على كلام الشيخ لا على كلام الشرَّاح؛ لأن القرينين على كلام الشرَّاح هو الرجل الذي جعلوه مكان الرجل الشامي، والثاني أخو المقتول، ولا وجه لبقاء هذا الرجل على كلامهم أنه كيف بقي من الهلاك؟ وقد هلك تسع وأربعون، وعلى كلام
стр. 3567
الشيخ قُدِّس سرُّه هلك الخمسون الذين دخلوا الغار، وحلفوا كاذبين، وهلك أخو المقتول لكتمانه؛ ولذا تأخّر موته من الخمسين؛ لأن جريمته كانت غير جريمتهم، فتدبّر وتشكر، ويظهر من كلام صاحب "الفيض" (١) أن رأيه موافق في شرح هذا المقام لرأي الشيخ قُدِّس سرُّه.
(٢٢ - باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له)
قال الحافظ (٢): كذا جزم بنفي الدية، وليس في خبره الذي ساقه تصريح بذلك، لكنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته.
قال القسطلاني (٣): واستدل بحديث الباب على جواز رمي من يتجسس، فلو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر، وقال المالكية بالقصاص، وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ الأصح عند الشافعية لا، انتهى مختصرًا.
وفي هامش "اللامع" (٤): اختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة، والتحقيق أنه هدر في أصح قولي الشافعي، وهو مذهب أحمد كما صرّح به في "الروض المربع"، وكذا في "زاد المعاد" لابن القيم، وأما عند الإمام مالك فقد حكى شرَّاح الحديث مذهبه القود مطلقًا، لكن الصواب في مسلكه ما قال الدردير المالكي: إن فيه القصاص في صورة العمد، والدية في الخطأ، وأما عندنا الحنفية فإن لم يمكن دفعه إلا بالفقأ فهو هدر، وإلا فالدية لا القصاص، فإن الحدود تندرئ بالشبهات، والحديث عندنا محمول على التغليظ والتشديد، صرّح به ابن عابدين وغيره، انتهى من هامش "اللامع"، والتفصيل فيه.
стр. 3568
(٢٣ - باب العاقلة)
بكسر القاف جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلًا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبة، وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسُّنَّة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لكنه خصّ من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "الفيض" (٢): العاقلة هم الذين يغرّمون الدية، وهم العصبات، وسمّاهم الفقهاء بكتاب المعاقل، والقياس فيه أن يكون كتاب العواقل، فإن المعاقل هي الديات، والمذكور في هذا الباب مسائل من تؤخذ منهم الدية، انتهى.
وبسط الكلام على العاقلة في "الأوجز" (٣)، ومنه في هامش "اللامع" (٤)، ففيه قال الموفق (٥): لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة، واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أو لا؟ وعن أحمد في ذلك روايتان، أحدهما: كل العصبة من العاقلة، يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والقول الثاني: ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة، وهو قول الشافعي، قلت: وهذا كله إذا لم يكن الرجل من أهل الديوان، وإن كان من أهل الديوان
стр. 3569
فالدية على أهل الديوان، وهذا عندنا، قال الموفق (١): لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة، وبهذا قال الشافعي، واختلف قول المالكية في اعتبار الديوان وعدمه.
ثم اعلم أنه يردّ على ظاهر تبويب المصنف أنه لا يطابق الحديث بالترجمة، فإن ظاهر الباب بيان العاقلة من هم، وليس لها ذكر في الحديث، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح.
قال العيني (٢): أي: هذا باب في بيان العاقلة، وهو جمع عاقل، وهو دافع الدية، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة في قوله: "العقل" وهو الدية.
وقال القسطلاني (٣) في شرح الحديث: قوله: "العقل" أي: الدية، ومقاديرها وأصنافها، انتهى.
فعلى ظاهر كلام الشرَّاح لا مطابقة بين الحديث والترجمة، والأوجه عندي: أن غرض الإمام البخاري ليس بيان العاقلة، بل للغرض بيان إثبات تحمل العاقلة الدية، لأنه بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، والمراد بالعقل في الحديث تحمل العقل، أشار إلى ذلك الكرماني (٤)، إذ قال: أراد بالعقل ما تتحمله العاقلة، وذلك أن ظاهره يخالف الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، انتهى. وعلى هذا المطابقة ظاهرة.
(٢٤ - باب جنين المرأة)
الجنين وزن عظيم: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميتًا فهو سقط، وقد يطلق عليه
стр. 3570
جنين، انتهى (١).
قال العيني (٢): أي: هذا باب في بيان حكم جنين المرأة، انتهى.
والمراد واضح، أي: ماذا تجب في إملاصه وإسقاطه، وترجم الإمام أبو داود بقوله: "باب دية الجنين" وهو أوضح في المراد، ولم يذكر المصنف الحكم لظهوره من حديث الباب وهو الغرة، واختلف العلماء في مصداقها فقيل: العبد الأبيض أو الأمة البيضاء؛ لأن أصل الغرة بياض في الوجه، وقالت الأئمة الأربعة: هما يجزئان مطلقًا، وإن كانا أسودين، ولا يجزئ غيرهما.
قال ابن قدامة (٣): في جنين الحرة المسلمة غرة، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث: "أو فرس أو بغل" قلنا: هذا لا يثبت، رواه ابن يونس ووهم فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: "عبد أو أمة"، وقال عروة وطاوس ومجاهد: الغرة عبد أو أمة أو فرس، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه، قال الشعبي: وإن كان الجنين مملوكًا ففيه عشر قيمة أمه سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى.
ثم قال الموفق (٤): الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وبه قال النخعي والشعبي وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وفي "الهداية" (٥): وإذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا ففيه غرة، وهي نصف عشر الدية، يعني: دية الرجل، وهذا في الذكر، وفي
стр. 3571
الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمس مائة درهم، والقياس أن لا يجب شيء؛ لأنه لم يتيقن بحياته، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ووجه الاستحسان، ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: وفي جنين الأمة إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًّا، وعشر قيمته لو كان أنثى، انتهى.
وهذا، أي: خمس مائة درهم عندنا، وعند الجمهور خمسون دينارًا أو ست مائة درهم، وذلك لأنهم اختلفوا في مقدار الدية من حيث الدراهم، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مقدار اثنا عشر ألف درهم، وعند الحنفية عشرة آلاف درهم، والبسط في محله.
(٢٥ - باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد. . .) إلخ
ولا يخفى أن الغرض من هذه الترجمة الجزء الثاني منه، وهو قوله: "إن العقل على الوالد. . ." إلخ، فلا تكرار بين الترجمتين على ما يتوهم في بادئ الرأي.
وفي "الفيض" (١): يعني أن دية المجنية تستوفي من الوالد وعصبته، لا من ولد الجانية، وقد مرّ مني أن ولد الجانية إن كان من قوم أمها يعد من العصبات أيضًا، وإلا لا، انتهى.
قال القسطلاني (٢): قوله: لا على الولد إذا لم يكن من عصبتها؛ لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام، ولذا لا يعقل الإِخوة من الأم، انتهى.
واستشكل مطابقة الحديث بالترجمة كما بسطه الحافظ (٣)، والمختصر ما قاله القسطلاني (٤) حيث قال: وليس في الحديث هنا إيجاب العقل على الوالد، فلا مطابقة، وأجيب بأنه ورد في بعض طرق القصة بلفظ الوالد كما جرت عادة المؤلف بمثل ذلك ليحضّ الطالب على البحث على جميع الطرق، انتهى.
стр. 3572
(٢٦ - باب من استعار عبدًا أو صبيًا. . .) إلخ
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح: "استعان" بدل "استعار"، قال الحافظ (١): كذا للأكثر بالنون، وللنسفي والإسماعيلي: "استعار" بالراء.
قال الكرماني (٢): ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر، انتهى.
وقال العيني (٣): ووجه ذكر هذا الباب في "كتاب الديات" هو أنه إذا هلك العبد في الاستعمال وجبت الدية، واختلفوا في دية الصبي، وفي "التوضيح" (٤): إن استعان حرًّا بالغًا متطوعًا أو بإجارة، وأصابه شيء فلا ضمان عليه عند الجميع، إن كان ذلك لا غرر فيه، وإنما يضمن من جنى أو تعدى، واختلف إذا استعمل عبدًا بالغًا في شيء فعطب، فقال ابن القاسم: إن استعمل عبدًا في بئر يحفرها ولم يؤذن له سيده في الإجارة، فهو ضامن إن عطب، وكذلك إذا بعثه إلى سفر بكتاب، وروى ابن وهب عن مالك: لا ضمان عليه سواء أذن له سيده في الإجارة أو لم يأذن، إلى آخر ما ذكر.
قال الحافظ (٥): قال ابن بطال: إنما اشترطت أم سلمة الحر؛ لأن جمهور العلماء يقولون: من استعان حرًّا لم يبلغ أو عبدًا بغير إذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد، وأما دية الحر فهي على عاقلته، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر في وجه هذا الاشتراط المذكور في الحديث، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3573
(٢٧ - باب المعدن جبار)
قال الحافظ (١) رحمه الله تعالى: كذا ترجم ببعض الخبر، وأفرد بعضه بعضًا، وترجم في الزكاة البقية، وقد تقدم في "كتاب الشرب" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه، وبدأ فيه بالمعدن، وثنى بالبئر.
قال العيني (٢): جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه، ومعنى "المعدن جبار" أن يحفر معدنًا في موات أو في ملكه فيهلك فيه الأجير أو غيره ممن يمرّ به فلا ضمان عليه في ذلك، وقوله: "والبئر جبار" يعني: إذا احتفر بئر للسبيل في ملك أو موات، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، ويقال: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، انتهى.
وهكذا في "الفتح" (٣)، وزاد: وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقًا قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص، انتهى.
قلت: النقل عن الحنفية ليس بصحيح، فقال الإمام محمد في "موطئه" (٤) تحت حديث الباب: وبهذا نأخذ، والبئر والمعدن، الرجل يستأجر (٥) الرجل يحفر له بئرًا ومعدنًا، فيسقط عليه، فيقتله فذلك هدر، انتهى.
وفي "الهداية" (٦): ومن حفر بئرًا في طريق المسلمين أو وضع حجرًا
стр. 3574
فتلف بذلك إنسان فديته على عاقلته، والمراد بالطريق الطريق في الأمصار دون الفيافي والصحارى؛ لأنه لا يمكن العدول عنه في الأمصار غالبًا دون الصحارى، انتهى.
قلت: فلعل هذه المسألة هو منشأ ما نقل عن الحنفية ابن بطال، وحاصل مذهبنا أنه لو حفر شخص بئرًا في الأمصار في غير ملكه، فتلف به إنسان فحينئذٍ تجب الدية عندنا، وأما لو حفر في الفيافي والصحارى فلا دية عليه كما تقدم، وكذا لو حفر في ملكه ولو في المصر لم يضمن كما في "الهداية" حيث قال: وكذا إن حفر في ملكه، يعني: كما إذا أمره الإمام فحفر في طريق المسلمين لم يضمن ما تلف به، كذلك إذا حفره في ملكه وإن لم يأذن له الإمام لم يضمن، انتهى من "الهداية" مع زيادة من هامشه.
وهذا الاختلاف في مسألة حفر البئر والمعدن، وأما مسألة جرح العجماء فسيأتي الخلاف فيه في الباب الآتي.
(٢٨ - باب العجماء جبار)
قال الحافظ (١): أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن، انتهى. ومسألة الباب خلافية.
قال العلامة العيني (٢): واحتج بحديث الباب أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أنه لا ضمان فيما أتلفته البهائم مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، وسواء فيه الليل والنهار، وسواء كان معها أو لا، إلا أن يحملها الذي معها على الإتلاف، أو يقصده، فحينئذٍ يضمن لوجود التعدي منه، وهو قول داود وأهل الظاهر، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان معها أحد من مالك أو مستأجر أو مستعير وغيرهم وجب عليه ضمان ما أتلفته، وحملوا الحديث على ما إذا لم يكن معها أحد، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3575
قلت: وما حكى العيني في مذهب الحنفية من قوله: سواء كان معها أو لا، مخالف لما في كتبنا، فإنهم صرّحوا بأن عدم الضمان عندنا فيما إذا لم يكن معها سائق ولا قائد، نعم لا فرق عندنا بين الليل والنهار كما قال به الجمهور، ففي "الهداية" (١): الراكب ضامن لما أوطأت الدابة ما أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها، أو كدمت، ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها، والسائق ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها، والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها، ثم قال: ولو انفلتت الدابة فأصابت مالًا أو آدميًا ليلًا أو نهارًا لا ضمان على صاحبها؛ لقوله ﵊: "جرح العجماء جبار" قال محمد ﵀: هي المنفلتة، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢) عن "الشرح الكبير" (٣) لابن قدامة: يضمن ما أفسدت من الزرع والشجر ليلًا، ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارًا، إذا لم يكن يد أحد عليها، وهذا قول مالك والشافعي، وقال الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلًا ونهارًا بأقلّ الأمرين من قيمتها وقدر ما أتلفته، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحال لقوله ﷺ : "العجماء جرحها جبار"، انتهى.
قلت: وقال الإمام مالك في "الموطأ" (٤): قضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فالضمان على أهلها، قال صاحب "المحلى" نقلا عن "شرح السُّنَّة" (٥): لأن في العرف أن أصحاب الحوائط يحفظونها بالنهار وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجًا عن رسوم الحفظ، وفيه أيضًا: قال أبو حنيفة: لا ضمان فيها إذا لم يكن المالك معها ليلًا ولا نهارًا لحديث "العجماء جبار"، انتهى.
стр. 3576
(٢٩ - باب إثم من قتل ذميًّا بغير جرم)
قال القسطلاني (١): ذميًّا يهوديًّا أو نصرانيًا بغير حق.
وقال العيني (٢): "بغير جرم" أي: بغير موجب شرعي لقتله، ثم قال تحت حديث الباب: مطابقته بالترجمة غير ظاهرة؛ لأن الترجمة بالذمي وهو كتابي عقد معه عقد الجزية، وأجاب الكرماني بأن المعاهد أيضًا ذمي لاعتبار أن له ذمة المسلمين وفي عهدهم، فالذمي أعم من ذلك.
قال الحافظ (٣): قوله: "بغير جرم" وقد بينت في الجزية حكمة هذا القيد، وأنه وإن لم يذكر في الخبر فقد عرف من قاعدة الشرع، والذمي منسوب إلى الذمة، وهو العهد، ومنه "ذمة المسلمين واحدة".
ثم قال الحافظ: ترجم بالذمي، وأورد الخبر في المعاهد، وترجم في الجزية بلفظ "من قتل معاهدًا" كما هو ظاهر الخبر، والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم، وكأنه أشار بالترجمة إلى رواية مروان بن معاوية المذكورة - أي: في "الفتح" - فإن لفظه: "من قتل قتيلًا من أهل الذمة"، انتهى.
(٣٠ - باب لا يقتل المسلم بالكافر)
قال الحافظ (٤): عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدًا، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق، انتهى.
قلت: وما ذكر الحافظ بقوله: إنه للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد. . . إلخ، مبني على مسلك الجمهور القائلين بأن المسلم لا يقتل
стр. 3577
بالذمي خلافًا للحنفية، كما سيأتي الاختلاف في ذلك، ثم قال (١) تحت حديث الباب: أما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور، وخالف الحنفية فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن، وعن الشعبي والنخعي: يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي، واحتجّوا بما وقع عند أبي داود عن علي: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده"، إلى آخر ما بسطه من وجه استدلال الفريقين.
قال القسطلاني (٢) من قبل الحنفية في شرح هذا الحديث: أي: لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، قالوا: وهو من عطف الخاص على العام، فيقتضي تخصيصه؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى، فلا يبقى من يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي لتسويته بين المعطوف والمعطوف عليه، وقال الطحاوي: لو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول: ولا ذي عهد في عهده، وإلا لكان لحنًا، والنبي ﷺ لا يلحن، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص، وصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذمي ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتعقب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة مستأنفة، انتهى.
قلت: قال الجمهور: معنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصًا، ولا يقتل من له عهد ما دام في عهده باقيًا، فجعلوا قوله: "ولا ذو عهد" في جملة مستأنفة.
(٣١ - باب إذا لطم المسلم يهوديًا عند الغضب)
قال الحافظ (٣): أي: لم يجب عليه قصاص، كما لو كان من أهل الذمة، وكأنه رمز بذلك إلى أن المخالف يرى القصاص في اللطمة، فلما
стр. 3578
لم يقتص النبي ﷺ للذي من المسلم دلّ على أنه لا يجري القصاص، لكن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة، فيختص الإيراد بمن يقول منهم بذلك.
قال العيني (١): وفي "التوضيح" (٢): وهذه المسألة إجماعية لأن الكوفيين لا يرون القصاص في اللطمة ولا الأدب، إلا أن يجرحه ففيه الأرش، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): قال في "المجتبى": ولا قود في جلد رأس وبدن، ولحم خد وبطن وظهر، ولا في لطمة ووكزة، انتهى.
وهذا تصريح بأنه لا قصاص عندنا في اللطمة، والظاهر أن وجهه أنه لا يتحقق المماثلة فيه، ففرق بين لطمة ولطمة ووكزة ووكزة.
وقد تقدم - في "باب إذا أصاب قوم من أجل. . ." إلخ - قول البخاري تعليقًا: وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي من لطمة إلخ.
قال الحافظ (٤) في شرحه: قال ابن بطال (٥): جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر، وهو قول الشعبي وطائفة من أهل الحديث، والمشهور عن مالك، وهو قول الأكثر: لا قود في اللطمة إلا إن جرحت ففيها حكومة، والسبب فيه تعذر المماثلة لافتراق لطمتي القوي والضعيف، فيجب التعزير بما يليق باللاطم، وقال ابن القيم: بالغ بعض المتأخرين، فنقل الإجماع على عدم القود في اللطمة والضرب، وإنما يجب التعزير، وذهل في ذلك، إلى آخر ما في "الفتح".
وفي "الفيض" (٦): ولا قصاص في اللطمة عندنا، نعم للقاضي أن يعزر بما شاء، ثم إنه حكم القضاء، أما الديانة فمن يدخل فيها، انتهى.
стр. 3579
قلت: والحافظ ابن القيم قد بسط الكلام على المسألة في "إعلام الموقعين" (١) في فصل مستقل، وفيه: قالت الحنفية والمالكية والشافعية ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع.
ثم رجح الحافظ ابن القيم أن فيه القصاص، وقال: وهو منصوص الإمام أحمد، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس والميزان، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في كتابه "المترجم" له: "باب في القصاص من اللطمة والضربة": حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة؟ فقال: عليه القود من اللطمة والضربة، وبه قال أبو داود، وقال إبراهيم الجوزجاني: وبه أقول، ثم ذكر الروايات العديدة في تأييد القصاص، ثم قال: وهذا ظاهر القرآن وهو محض القياس، فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد، وقالوا: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ثم ردّ على مسلك الجمهور أشد الردّ، فارجع إليه لو شئت.
وقد ظهر بذلك سخافة ما قال الشرَّاح في شرح ترجمة البخاري هذه من أن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة فيختص الإيراد بمن يقول منهم إلخ، ولم يدر الشرَّاح أن الحنفية قاطبةً لم يقولوا بالقصاص في اللطمة، والتحقيق أن هذا، أي: القصاص في اللطمة مذهب الإمام أحمد، وخالف فيه الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة.
قوله: (لا تخيروني. . .) إلخ، في هامش المصرية: أي: تخييرًا يوجب نقصًا، أو قال ذلك تواضعًا، أو قبل علمه بأنه أفضل، انتهى.
وهذا آخر "كتاب الديات"، وبراعة الاختتام عندي في قوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة".
стр. 3580
٨٨ - كتاب استتابة المعاندين والمرتدين وقتالهم. . . إلخ
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح" (١) و"العيني": "كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله تعالى" إذ قال الحافظ: كذا في رواية الفربري، وسقط لفظ "كتاب" من رواية المستملي، وفي رواية القابسي بعد قوله: "وقتالهم": "وإِثم من أشرك. . ." إلخ، وحذف لفظ "باب"، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢): لم يتعرض لغرض الترجمة أحد من الشرَّاح، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ترجم بلفظين: استتابة المرتدين وقتالهم، وأشار بذلك عندي إلى بداية الاستتابة قبل القتال، لكن مال ابن بطال إلى خلافه كما سيأتي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٣)، ففيه في قوله ﷺ : "من غيَّر دينه فاضربوا عنقه" خمسة أبحاث.
الأول: في الاستتابة، وسيأتي مبسوطًا، البحث الثاني: إذا ثبت وجوب الاستتابة فاختلفوا في مدّته، الثالث: في قبول توبته، الرابع: هل تدخل فيه المرأة المرتدة أم لا؟ وسيأتي في البخاري في باب مفرد، الخامس: هل يختص هذا الحكم بالارتداد عن الإسلام أو يعم الانتقال من دين كفر إلى دين كفر آخر؟ أما الأول وهو مقصود البخاري عندي ففي "الأوجز": قوله: "من غيَّر دينه" الحديث أوّله بعضهم بأن المراد بعد الاستتابة، وقال بعضهم: إنه محمول على الزنديق، وأنه لا يستتاب، وعليه
стр. 3581
حمله الإمام مالك، وقال ابن بطال: اختلف في استتابة المرتد فقيل: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو قول الجمهور، وقيل: يجب قتله في الحال، وبه قال الحسن وأهل الظاهر، وعليه يدلّ تصرف البخاري، فإنه استظهر بالآيات للتي لا ذكر فيها للاستتابة، وبعموم قوله: "من بدَّل دينه".
قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، وفي "المحلى": قال النووي: أجمعوا على قتله، واختلفوا في استتابته، فقال الأئمة الأربعة والجمهور: إنه يستتاب، ونقل ابن القصار إجماع الصحابة عليه، وقال أبو يوسف وابن الماجشون وغيرهما: لا يستتاب.
قلت: المعروف عن المالكية وجوب الاستتابة، صرّح به الزرقاني في شرح "الموطأ" كما في "الأوجز". وعن الحنفية: استحبابها كما في "الهداية" وغيره. قال صاحب "الهداية" (١): وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك، انتهى.
قال ابن الهمام (٢): الصحيح من قولي الشافعي أنه إن تاب في الحال وإلا قتل، انتهى.
قال ابن قدامة في "المغني": لا يقتل المرتد حتى يستتاب ثلاثًا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب، وهذا القول الثاني للشافعي لقوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه"، ولم يذكر استتابته، ثم قال: وإذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام، روي ذلك عن عمر ﵁، وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: إن تاب في الحال وإلا قتل مكانه، وهذا أصح قوليه، انتهى.
стр. 3582
ذكر المصنف ههنا أربعة أحاديث، قال العيني (١): مطابقتها بالترجمة - أي: بقوله: "إثم من أشرك بالله. . ." إلخ - ظاهرة، وقال تحت حديث ابن مسعود الحديث الرابع: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "ومن أساء في الإسلام" أخذ بالأول والآخر، لأن منهم من قال: المراد بالإساءة في الإسلام الارتداد من الدين، فيدخل في قوله: في إثم من أشرك بالله، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): الآية الأولى، أي: قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] دالة على أنه لا إثم أعظم من الشرك، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالمشرك أصل من وضع الشيء في غير موضعه؛ لأنه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساويًا، فنسب النعمة إلى غير المنعم بها.
وبسط الحافظ الكلام على تفسير الآية الثانية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ونقل عن الطيبي أنه قال: وأما معنى اللبس فلبس الإيمان بالظلم أن يصدق بوجود الله، ويخلط به عبادة غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وعرف بذلك مناسبة ذكر هذه الآية في أبواب المرتد، وكذلك الآية التي صدر بها.
(٢ - باب حكم المرتد والمرتدة)
أي: هل هما سواء أم لا؟.
قوله: (واستتابتهم)، قال القسطلاني (٤): كذا ذكره بعد الآثار
стр. 3583
المذكورة، وقدم ذلك في رواية أبي ذر على ذكر الآثار، وللقابسي: "واستتابتهما" بالتثنية، وهو أوجه، ووجه الجمع قال في "فتح الباري": على إرادة الجنس، وتعقبه العيني. فقال: ليس بشيء بل هو على قول من يرى إطلاق الجمع على التثنية، وفي هامش النسخة المصرية: قوله: "واستتابتهم" أي: المرتد والمرتدة، وجرى في جمعهما على القول بأن أقل الجمع الاثنان، وهو مقدم في نسخة على ما قبله، وهو أنسب، انتهى.
قلت: ومسألة الباب خلافية شهيرة، وهو البحث الرابع من الأبحاث الخمسة المذكورة في الباب السابق، ففي "الأوجز" (١): قوله ﷺ : "من غيَّر دينه فاضربوا عنقه" يعم الرجال والنساء أم لا؟ مسألة خلافية.
قال الموفق (٢): لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل، ويروى ذلك عن أبي بكر وعلي وغيرهما من التابعين، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وروي عن علي وغيره من بعض التابعين أنها تسترق ولا تقتل؛ لأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم، وأعطى عليًا منهم امرأة، فولدت له محمد ابن الحنفية، وكالن هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا، وقال أبو حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، ولا تقتل، لقوله ﷺ : "لا تقتلوا امرأة"، ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ كالصبي، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
وقال الحافظ في "الفتح" (٤): قال ابن المنذر: قال الجمهور: تقتل المرتدة، وقال علي: تسترق، وقال عمر بن عبد العزيز: تباع بأرض أخرى، وقال الثوري: تحبس ولا تقتل، وأسنده عن ابن عباس، وقال أبو حنيفة: تحبس الحرة ويؤمر مولى الأمة أن يجبرها، انتهى.
وقال القسطلاني (٥): روى أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن
стр. 3584
ابن عباس: "لا تقتلُ النِّساءُ إذا هُنّ ارتددن" أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني، وخالفه جماعة من الحفاظ في لفظ المتن، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): باب حكم المرتد والمرتدة: أثبت المدعى بالعمومات والإطلاقات، انتهى.
ففي "هامشه": أشار الشيخ بذلك إلى دفع ما يرد على الإمام البخاري من أنه ترجم بالجزئين المرتد والمرتدة، وليس في أحاديث الباب ذكر المرتدة، انتهى.
(٣ - باب قتل من أبى قبول الفرائض)
قال الحافظ (٢): أي: جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة والعمل بها، قال المهلب: من امتنع من قبول الفرائض نظر فإن أقرّ بوجوب الزكاة مثلًا أخذت منه قهرًا ولا يقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع، قال مالك في "الموطأ": الأمر عندنا فيمن منع فريضةً من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده، قال ابن بطال (٣): مراده إذا أقرّ بوجوبها لا خلاف في ذلك، انتهى.
قال القسطلاني (٤): قوله: "وما نسبوا" ما مصدرية، أي: نسبتهم إلى الردة، وقال الكرماني وتبعه البرماوي: "ما" نافية.
وقال العيني: الأظهر أنها موصولة، والتقدير: وقتل الذين نسبوا إلى الردة، انتهى.
واختار الحافظ (٥) كونها مصدرية، وفسّره بقوله: أي: ونسبتهم إلى
стр. 3585
الردة، ثم قال: وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده.
قال العيني (١) في شرح ترجمة الباب: وهذا مختلف فيه، فمن أبى أداء الزكاة وهو مقرّ بوجوبها، فإن كان بين ظهرانينا ولم يطلب حربًا ولا امتنع بالسيف، فإنها تؤخذ منه قهرًا، وتدفع للمساكين، ولا يقتل، وإنما قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة؛ لأنهم امتنعوا بالسيف ونصبوا الحرب للأمة، وأجمع العلماء على أن من نصب الحرب في منع فريضة أو منع حقًّا يجب عليه لآدمي وجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر.
وأما الصلاة فمذهب الجماعة أن من تركها جاحدًا فهو مرتد فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك جحد سائر الفرائض، واختلفوا فيمن تركها تكاسلًا، إلى آخر ما ذكر من المذاهب، انتهى.
وقد ذكر الكلام مبسوطًا على شرح حديث الباب في مبدأ "كتاب الزكاة" من هامش "اللامع" (٢).
وتكلم الجصاص في "أحكام القرآن" (٣) تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، على ما فعل أبو بكر الصديق ﵁ في مانعي الزكاة، وذكر فيه حكم تارك الصلاة والزكاة، والفرق بين من تركها فعلًا وأداءً، ومن تركهما جحدًا وإباءً، وغير ذلك من الأحكام، وقال: من ترك الصلاة عامدًا وأصرّ عليه، ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه، فحينئذٍ لا يجب تخليته إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة، فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام حتى يفعلهما، انتهى.
وكلامه هذا صريح في أنه لا فرق عندنا بين مانع الصلاة ومانع الزكاة في هذا الحكم.
стр. 3586
(٤ - باب إذا عرض الذمي وغيره بسبّ النبي ﷺ -)
فسّر القسطلاني (١) الذمي باليهودي والنصراني، ثم قال: "وغيره" أي: غير الذمي كالمعاهد ومن يظهر إسلامه، "وعرّض" بتشديد الراء، أي: كنّى، ولم يصرح، انتهى.
قال الحافظ (٢) في ذكر مناسبة الحديث بالترجمة: واعترض بأن هذا اللفظ ليس فيه تعريض بالسبّ، والجواب أنه أطلق التعريض على ما يخالف التصريح، ولم يرد التعريض المصطلح، وهو أن يستعمل لفظًا في حقيقته يلوخ به إلى معنى آخر يقصده.
وقال ابن المنيِّر (٣): حديث الباب يطابق الترجمة بطريق الأولى؛ لأن الجرح أشدّ من السبّ، فكأن البخاري يختار مذهب الكوفيين في هذه المسألة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لم يبت الحكم، انتهى.
قال العيني (٤): والظاهر أن البخاري اختار مذهب الكوفيين، فإن عندهم من سبّ النبي ﷺ أو عابه فإن كان ذميًا عزر ولا يقتل، وهو قول الثوري، وقال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا صار مرتدًا بذلك، وإن كان ذميًا لا ينتقض عهده، وقال الطحاوي: وقول اليهودي لرسول الله ﷺ : السام عليك، لو كان مثل هذا الدعاء من مسلم لصار به مرتدًّا يقتل، ولم يقتل الشارع الفاعل به من اليهود؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبّه، انتهى.
قلت: وحاصل ما سيأتي من مجموع المذاهب الأئمة الأربعة في مسألة الباب أن الذمي المذكور يقتل عند الجمهور، ولذا أوّلوا عدم قتله ﷺ اليهود بقولهم: السام عليك، بوجوه من التأويلات، كما في الشروح،
стр. 3587
ومن جملتها ما قالوا: إنه لم يوجد ههنا معنى السبّ والطعن، بل هو دعاء عليه بالموت، ولكن على هذا يشكل مطابقة الحديث بترجمة الباب كما لا يخفى، ولو قلنا: إنّ البخاري اختار في هذه المسألة مسلك الحنفية فلا يرد شيء من الإيراد على عدم تعرضه ﷺ لهذا اليهودي ولا من حيث مطابقة الحديث بالترجمة فتدبر.
وأما مسألة سبّ النبي ﷺ فخلافية بين العلماء.
قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): اختلف العلماء فيمن سبّ النبي ﷺ ، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وعن مالك في المسلم: هي ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين: إن كان ذميًا عزر، وإن كان مسلمًا فهي ردة، انتهى.
قلت: وتحقيق مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة على ما في كتب فروعهم هكذا، أما مسلك الشافعية ففي "شرح الإقناع" (٣) وحاشيته في ذكر أسباب الردة: أو كذب رسولًا أو نبيًا أو سبّه أو استخف به أو باسمه إلى أن قال: ومن ارتد عن دين الإسلام بشيء مما تقدم بيانه استتيب وجوبًا قبل قتله ثلاثة أيام، فإن تاب صحّ إسلامه وترك وإلا قتل، انتهى.
قلت: وهذا في المسلم، وأما في حق الذمي ففيه أيضًا في موضع آخر (٤): فلو خالفوا - الشرائط المذكورة - فطعنوا في دين الإسلام أو في القرآن أو ذكروا رسول الله ﷺ بما لا يليق بقدره العظيم عزّروا، والأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بذلك انتقض وإلا فلا، انتهى.
стр. 3588
وكذا قال النووي في "المنهاج" (١): الأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض وإلا فلا، انتهى.
وأما مذهب المالكية فكما تقدم عن ابن بطال في كلام الحافظ، وهكذا في كتب فروعهم ففي "الشرح الكبير" (٢): وإن سبّ مكلّف نبيًا، أو عرّض أو لعنه أو استخف بحقه قتل، ولم يستتب حدًا إن تاب وإلا قتل كفرًا إلا أن يسلم الكافر فلا يقتل، أي: أن الساب يقتل مطلقًا ما لم يكن كافرًا فيسلم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله، انتهى.
وفيه أيضًا في موضع آخر (٣) في بيان أهل الذمة: وينتقض عهده بقتال وبسبّ نبي بما لم يكفر به، أي: بما لا يقر عليه، وقتل إن لم يسلم، انتهى.
وأما مذهب الحنابلة ففي "الروض المربع" (٤): ولا تقبل في الدنيا توبة من سبّ الله تعالى، أو سبّ رسوله سبًّا صريحًا أو تنقصه، بل يقتل لكل حال، انتهى.
وقال في أحكام أهل الذمة: فإن ذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء انتقض عهده وحل دمه وماله، وإن أسلم حرم قتله، انتهى.
وأما مذهب الحنفية فقد بسط الكلام عليه صاحب "الدر المختار" وشارحه ابن عابدين، ففي "الدر المختار" (٥): وكل مسلم ارتد فتوبته مقبولة إلا الكافر بسبّ نبي من الأنبياء، فإنه يقتل حدًّا ولا تقبل توبته مطلقًا، أي: سواء جاء تائبًا بنفسه أو شهد عليه بذلك.
وبسط الكلام على المسألة ابن عابدين أشدّ البسط، وقال: ورأيت في "كتاب الخراج" لأبي يوسف ما نصه: وأيما رجل مسلم سبّ رسول الله ﷺ
стр. 3589
أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله تعالى، وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة، إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة، وتجبر على الإسلام، انتهى.
وهذا في حق المسلم، وأما الذمي ففي "الدر المختار" (١) في باب الجزية: ولا ينتقض عهده بسبِّ النبي ﷺ ، قال ابن عابدين: أي: إذا لم يعلن، فلو أعلن بشتمه أو اعتاده قتل، ولو امرأة، وبه يفتى اليوم، وهذا إن لم يشترط انتقاضه به، أما إذا شرط انتقض به، انتهى.
قال في موضع آخر (٢) في بيان أسباب الرد: والحاصل: أنه لا شك ولا شبهة في كفر شاتم النبي ﷺ ، وفي استباحة قتله، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، وإنما الخلاف في قبول توبته إذا أسلم، فعندنا - وهو المشهور عند الشافعية - القبول، وعند المالكية والحنابلة عدمه، بناءً على أن قتله حدًا أو لا؟ انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره ابن عابدين من مذاهب الأئمة الأربعة موافق لما تقدم من كتبهم، وأما مذاهبهم في حق الذمي فحاصل ما تقدم من كتبهم أنه ينتقض به عهده عند المالكية والحنابلة مطلقًا فيقتل عندهما، وأما عند الشافعية والحنفية فإن شرط انتقاض العهد به انتقض وإلا فلا، ففي ما إذا انتقض عهدهم عندنا الحنفية التعزير كما في "الدر المختار"، وعند الشافعي يخير الإمام في المن والفداء والرق والقتل، كما في "شرح الإقناع"، وقد أفرد بعض العلماء هذه المسألة بالتصنيف، فقد صنف الشيخ تقي الدين السبكي كتابًا باسم "السيف المسلول على من سبّ الرسول ﷺ "، وسبقه في ذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي برسالة مستقلة سماها "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ".
стр. 3590
(٥ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للأكثر بغير ترجمة، وحذفه ابن بطال، فصار حديث ابن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله، واعترض بأنه إنما ورد في قوم كفار أهل حرب والنبي ﷺ مأمور بالصبر على الأذى منهم، فلذلك امتثل أمر ربه.
قال الحافظ: فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر من جعله في ترجمة مستقلة، لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله، فلا بد له من تعلق به في الجملة، والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف؛ لأنه إذا لم يؤخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه، وزاد: فدعا له، فلأن يصبر على الأذى بالقول أولى، ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الأولى، انتهى.
(٦ - باب قتال الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم. . .) إلخ
وبسط الحافظ (٢) الكلام على تعريف الخوارج، وذكر شيئًا من معتقداتهم فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال الغزالي في "الوسيط" تبعًا لغيره: في حكم الخوارج وجهان: أحدهما: أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجّح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطردًا في كل خارجي فإنهم على قسمين، إلى آخر ما ذكر.
ولم أجد في "الفتح" ههنا الكلام على شرح ترجمة الإمام البخاري وتوضيح مراده، نعم تعرض لذلك العلامة القسطلاني (٣) إذ قال: قال
стр. 3591
ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين، واستنبط ذلك من ألفاظ الحديث فارجع إليه.
ثم قال: وفي الحديث أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم، وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها، واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري في الترجمة حيث قرنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، واستدل القاضي أبو بكر ابن العربي لتكفيرهم بقوله في الحديث: "يمرقون من الإسلام"، وبقوله: "أولئك هم شرار الخلق".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي في "فتاويه": احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح، وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السُّنَّة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليه بالكفر والشرك.
وقال القاضي عياض: كادت هذه المسألة أن تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم منها عظيمة في الدين، وقال: "وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يصرّح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالًا لا تؤدّي إلى الكفر"، وقال الغزالي في "كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة": الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيل، فإن استباحة دماء المسلمين المصلين والمقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد، انتهى من "القسطلاني".
стр. 3592
وفي "الفيض" (١): وكان مالك يفتي بكفر الخوارج، والملحدون: هم الذين يؤوّلون في ضرورات الدين لإجراء أهوائهم، انتهى.
وفي هامش المصرية: الخوارج هم الذين خرجوا عن الدين وعلى علي بن أبي طالب في قصته مع معاوية، وقوله: "والملحدين" أي: المائلين عن الحق إلى الباطل، وقوله: "بعد إقامة الحجة عليهم" أي: بإظهار بطلان دلائلهم، انتهى.
ثم لا يخفى عليك ما اشتهر في كتب فقهنا أن من كان فيه تسع وتسعون وجهًا من الكفر ووجه من الإسلام أنه لا يحكم عليه بالكفر تكلم عليه صاحب "الفيض" (٢) وبين ما هو المراد به، فارجع إليه لو شئت.
(٧ - باب من ترك قتال الخوارج للتألف وإلا ينفر الناس عنه)
قد تقدم من كلام القسطلاني أن ميل الإمام البخاري كما هو مقتضى صنيعه إلى كفر الخوارج، كما نقل عن مالك أيضًا، وقد تقدم ولما كان يرد على هذا عدم قتاله ﷺ برأس الخوارج المذكور في حديث الباب أشار إلى تأويله وتوجيهه لئلا يخالف مختاره، ثم رأيت "الفيض" (٣) فإنه أيضًا أشار إلى ذلك، إذ قال: أراد البخاري التنبيه على بيان التوجيه لعدم قتل ذي الخويصرة رأس الخوارج، فذكر له تأويلًا، وهذا الباب مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز العمل به لغيرهم، انتهى.
وقال العيني (٤): قال المهلب: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة إليه لدفع مضرتهم، فأما اليوم فقد أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن ينزل بالناس جميعهم حاجة لذلك فلإمام الوقت