وكذا قال النووي في "المنهاج" (١): الأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض وإلا فلا، انتهى.
وأما مذهب المالكية فكما تقدم عن ابن بطال في كلام الحافظ، وهكذا في كتب فروعهم ففي "الشرح الكبير" (٢): وإن سبّ مكلّف نبيًا، أو عرّض أو لعنه أو استخف بحقه قتل، ولم يستتب حدًا إن تاب وإلا قتل كفرًا إلا أن يسلم الكافر فلا يقتل، أي: أن الساب يقتل مطلقًا ما لم يكن كافرًا فيسلم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله، انتهى.
وفيه أيضًا في موضع آخر (٣) في بيان أهل الذمة: وينتقض عهده بقتال وبسبّ نبي بما لم يكفر به، أي: بما لا يقر عليه، وقتل إن لم يسلم، انتهى.
وأما مذهب الحنابلة ففي "الروض المربع" (٤): ولا تقبل في الدنيا توبة من سبّ الله تعالى، أو سبّ رسوله سبًّا صريحًا أو تنقصه، بل يقتل لكل حال، انتهى.
وقال في أحكام أهل الذمة: فإن ذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء انتقض عهده وحل دمه وماله، وإن أسلم حرم قتله، انتهى.
وأما مذهب الحنفية فقد بسط الكلام عليه صاحب "الدر المختار" وشارحه ابن عابدين، ففي "الدر المختار" (٥): وكل مسلم ارتد فتوبته مقبولة إلا الكافر بسبّ نبي من الأنبياء، فإنه يقتل حدًّا ولا تقبل توبته مطلقًا، أي: سواء جاء تائبًا بنفسه أو شهد عليه بذلك.
وبسط الكلام على المسألة ابن عابدين أشدّ البسط، وقال: ورأيت في "كتاب الخراج" لأبي يوسف ما نصه: وأيما رجل مسلم سبّ رسول الله ﷺ
стр. 3589
أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله تعالى، وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة، إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة، وتجبر على الإسلام، انتهى.
وهذا في حق المسلم، وأما الذمي ففي "الدر المختار" (١) في باب الجزية: ولا ينتقض عهده بسبِّ النبي ﷺ ، قال ابن عابدين: أي: إذا لم يعلن، فلو أعلن بشتمه أو اعتاده قتل، ولو امرأة، وبه يفتى اليوم، وهذا إن لم يشترط انتقاضه به، أما إذا شرط انتقض به، انتهى.
قال في موضع آخر (٢) في بيان أسباب الرد: والحاصل: أنه لا شك ولا شبهة في كفر شاتم النبي ﷺ ، وفي استباحة قتله، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، وإنما الخلاف في قبول توبته إذا أسلم، فعندنا - وهو المشهور عند الشافعية - القبول، وعند المالكية والحنابلة عدمه، بناءً على أن قتله حدًا أو لا؟ انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره ابن عابدين من مذاهب الأئمة الأربعة موافق لما تقدم من كتبهم، وأما مذاهبهم في حق الذمي فحاصل ما تقدم من كتبهم أنه ينتقض به عهده عند المالكية والحنابلة مطلقًا فيقتل عندهما، وأما عند الشافعية والحنفية فإن شرط انتقاض العهد به انتقض وإلا فلا، ففي ما إذا انتقض عهدهم عندنا الحنفية التعزير كما في "الدر المختار"، وعند الشافعي يخير الإمام في المن والفداء والرق والقتل، كما في "شرح الإقناع"، وقد أفرد بعض العلماء هذه المسألة بالتصنيف، فقد صنف الشيخ تقي الدين السبكي كتابًا باسم "السيف المسلول على من سبّ الرسول ﷺ "، وسبقه في ذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي برسالة مستقلة سماها "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ".
стр. 3590
(٥ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للأكثر بغير ترجمة، وحذفه ابن بطال، فصار حديث ابن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله، واعترض بأنه إنما ورد في قوم كفار أهل حرب والنبي ﷺ مأمور بالصبر على الأذى منهم، فلذلك امتثل أمر ربه.
قال الحافظ: فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر من جعله في ترجمة مستقلة، لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله، فلا بد له من تعلق به في الجملة، والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف؛ لأنه إذا لم يؤخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه، وزاد: فدعا له، فلأن يصبر على الأذى بالقول أولى، ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الأولى، انتهى.
(٦ - باب قتال الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم. . .) إلخ
وبسط الحافظ (٢) الكلام على تعريف الخوارج، وذكر شيئًا من معتقداتهم فارجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: قال الغزالي في "الوسيط" تبعًا لغيره: في حكم الخوارج وجهان: أحدهما: أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجّح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطردًا في كل خارجي فإنهم على قسمين، إلى آخر ما ذكر.
ولم أجد في "الفتح" ههنا الكلام على شرح ترجمة الإمام البخاري وتوضيح مراده، نعم تعرض لذلك العلامة القسطلاني (٣) إذ قال: قال
стр. 3591
ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين، واستنبط ذلك من ألفاظ الحديث فارجع إليه.
ثم قال: وفي الحديث أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم، وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها، واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري في الترجمة حيث قرنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، واستدل القاضي أبو بكر ابن العربي لتكفيرهم بقوله في الحديث: "يمرقون من الإسلام"، وبقوله: "أولئك هم شرار الخلق".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي في "فتاويه": احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح، وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السُّنَّة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليه بالكفر والشرك.
وقال القاضي عياض: كادت هذه المسألة أن تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم منها عظيمة في الدين، وقال: "وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يصرّح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالًا لا تؤدّي إلى الكفر"، وقال الغزالي في "كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة": الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيل، فإن استباحة دماء المسلمين المصلين والمقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد، انتهى من "القسطلاني".
стр. 3592
وفي "الفيض" (١): وكان مالك يفتي بكفر الخوارج، والملحدون: هم الذين يؤوّلون في ضرورات الدين لإجراء أهوائهم، انتهى.
وفي هامش المصرية: الخوارج هم الذين خرجوا عن الدين وعلى علي بن أبي طالب في قصته مع معاوية، وقوله: "والملحدين" أي: المائلين عن الحق إلى الباطل، وقوله: "بعد إقامة الحجة عليهم" أي: بإظهار بطلان دلائلهم، انتهى.
ثم لا يخفى عليك ما اشتهر في كتب فقهنا أن من كان فيه تسع وتسعون وجهًا من الكفر ووجه من الإسلام أنه لا يحكم عليه بالكفر تكلم عليه صاحب "الفيض" (٢) وبين ما هو المراد به، فارجع إليه لو شئت.
(٧ - باب من ترك قتال الخوارج للتألف وإلا ينفر الناس عنه)
قد تقدم من كلام القسطلاني أن ميل الإمام البخاري كما هو مقتضى صنيعه إلى كفر الخوارج، كما نقل عن مالك أيضًا، وقد تقدم ولما كان يرد على هذا عدم قتاله ﷺ برأس الخوارج المذكور في حديث الباب أشار إلى تأويله وتوجيهه لئلا يخالف مختاره، ثم رأيت "الفيض" (٣) فإنه أيضًا أشار إلى ذلك، إذ قال: أراد البخاري التنبيه على بيان التوجيه لعدم قتل ذي الخويصرة رأس الخوارج، فذكر له تأويلًا، وهذا الباب مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز العمل به لغيرهم، انتهى.
وقال العيني (٤): قال المهلب: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة إليه لدفع مضرتهم، فأما اليوم فقد أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن ينزل بالناس جميعهم حاجة لذلك فلإمام الوقت
стр. 3593
ذلك، وقال ابن بطال: لا يجوز ترك قتال من خرج على الأمة، وشقّ عصاها، وأما ذو الخويصرة فإنما ترك الشارع قتله؛ لأنه عذره لجهله، وأخبر أنه من قوم يخرجون ويمرقون من الدين، فإذا خرجوا وجب قتالهم، انتهى.
(٨ - باب قول النبي ﷺ : لن تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كذا ترجم بلفظ الخبر، وسيأتي شرحه في "كتاب الفتن"، والمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح، وقيل: المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق، انتهى.
وهكذا قال العلامة العيني (٢)، واقتصر العلامة القسطلاني (٣) في تفسير الدعوة على المعنى الأخير.
قال العيني (٤): قال الداودي: هاتان الفئتان هما - إن شاء الله - أصحاب الجمل، زعم علي بن أبي طالب أن طلحة والزبير بايعاه، فتعلق بذلك، وزعم طلحة والزبير أن الأشتر النخعي أكرههما على المشي إلى علي رضي الله تعالى عنه وعنهم، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّة الأمر بقتال الفئة الباغية إذا تبين بغيها، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ الآية [الحجرات: ٩]، انتهى.
وأما تعلق هذه الترجمة بكتاب المرتدين فلم يتعرض له العيني والقسطلاني، وتعرض له الحافظ (٥) إذ قال: وأورده هنا للإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه كما عند الطبري، وزاد في آخره: "فبينما هم كذلك إذ مرقت
стр. 3594
مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق" فبذلك تظهر مناسبته لما قبله، والله أعلم، انتهى.
(٩ - باب ما جاء في المتأولين)
في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (١): أي: بيان ما جاء من الأخبار في حق المتأولين، ولا خلاف أن المتأول معذور بتأويله إن كان تأويله سائغًا، ألا ترى أنه ﷺ لم يعنف عمر على فعله كما سيأتي، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): ومما ينبغي أن يعلم أن التأويل إنما يقبل في غير ضروريات الدين، وأما فيها فلا يسمع، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسالتنا "إكفار الملحدين في شيء من ضروريات الدين"، انتهى.
وقال الحافظ (٣): تقدم في "باب من أكفر أخاه بغير تأويل" من "كتاب الأدب"، وفي الباب الذي يليه "من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا" وبيان المراد بذلك، والحاصل أن من أكفر المسلم نظر، فإن كان بغير تأويل استحق الذم، وربّما كان هو الكافر، وإن كان بتأويل نظر إن كان غير سائغ استحق الذم أيضًا، فلا يصل إلى الكفر بل يبين له وجه خطئه ويزجر بما يليق به، ولا يلتحق بالأول عند الجمهور، وإن كان بتأويل سائغ لم يستحق الذم بل تقام عليه الحجة حتى يرجع إلى الصواب، قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله، وزاد [العيني (٤)]: ألا يرى أنه ﷺ لم يعنف عمر بن الخطاب ﵁ في تلبيبه بردائه على ما يجيء الآن في حديثه، وعزره في ذلك لصحة مراد عمر واجتهاده، وكذلك يجيء في بقية أحاديث الباب، انتهى.
وبراعة الاختتام في قوله: "دعني فلأضرب عنقه"، وأيضًا في قوله: "فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة".
стр. 3595
٨٩ - كتاب الإكراه
ومناسبة هذا الكتاب بما قبله ما قال الحافظ (١): ولما كان المرتد قد لا يكفر إذا كان مكرهًا، قال: "كتاب الإكراه" وكان المكره قد يضمر في نفسه حيلةً دافعةً، فذكر الحيل ما يحل منها وما يحرم، انتهى.
وقد تقدم الكلام على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب في مقدمة "اللامع" (٢).
قال الحافظ (٣): الإكراه هو إلزام الغير بما لا يريده، وشروط الإكراه أربعة: الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار، الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك، الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًّا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتكم غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف، الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، إلى آخر ما بسط.
وفي "الدر المختار" (٤): والإكراه نوعان: تام وهو الملجئ بتلف نفس أو عضو أو ضرب مبرح، وإلا فناقص وهو غير الملجئ، وشرطه أربعة أمور، إلى آخر ما بسط.
وبسط الكلام على أنواعه وفروعه في "البدائع" (٥) و"أصول البزدوي" (٦)، ففيه: الإكراه ثلاثة أنواع: نوع: يعدم الرضا ويفسد الاختيار وهو الملجئ، ونوع: يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار وهو الذي لا يلجئ،
стр. 3596
ونوع آخر: لا يعدم الرضا وهو أن يهتم بحبس أبيه أو ولده، ثم قال: والإكراه بجملته لا ينافي أهلية، ولا يوجب وضع الخطاب بحال لأن المكره مبتلى، والابتلاء يحقق الخطاب، إلى أن قال: فثبت بهذه الجملة أن الإكراه لا يصلح لإبطال حكم شيء من الأقوال والأفعال جملة إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع، انتهى.
وقال الكرماني (١): والإكراه الإلزام على خلاف المراد، وهو يختلف باختلاف المكره والمكره عليه والمكره به، انتهى.
ثم إن الإمام البخاري ﵀ ورضي عنه - قد شدّد الكلام على الإمام الهمام أبي حنيفة في هذا الكتاب، وكذا في "كتاب الحيل" كما سترى، وسيأتي بقية الكلام عليه في محله في "باب إذا أكره حتى وهب عبدًا. . ." إلخ.
(١ - باب قول الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦])
هكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا بإثبات لفظ الباب قبل الآية، وليس في شيء من نسخ الشروح الأربعة ههنا لفظة "باب"، ولم يتعرضوا له أيضًا.
قال القسطلاني (٢): قال ابن جرير: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي ﷺ : "إن عادوا فعد" ورواه البيهقي بأبسط منها، وفيه: أنه سبّ النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان قال: "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾،
стр. 3597
ومن ثم اتفق على أنه يجوز أن يواطئ المكره على الكفر إبقاءً لمهجته، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله.
وعند ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة ﵃ أنه أسرته الروم، فجاؤا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، فقال: إذًا أقتلك قال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر - وفي رواية ببقرة - من نحاس، فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه، وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا القدر الساعة في الله، وأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وروي أنه قبّل رأسه وأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقال: فقبّل رأسه، انتهى من "القسطلاني"، وهكذا في التفسير لابن كثير (١).
وقال الحافظ (٢): والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، ثم ذكر عدة روايات، فارجع إليه لو شئت.
(١ م - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)
قال الحافظ (٣): تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله، وأن
стр. 3598
بلالًا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر، وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه، وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب، ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدلّ عليه، انتهى.
وتقدم في الباب السابق عن القسطلاني أنهم اتفقوا على أنه يجوز له إِجراء كلمة الكفر، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، وهكذا نقل الاتفاق على الجواز الحافظ ابن كثير في "تفسيره"، ويستفاد من كلام الحافظ في "الفتح" أن فيه بعض خلاف، فقد نقل عن ابن التِّين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وقال: ونقل عن المهلب: أن قومًا منعوا من ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، إلى آخر ما في "الفتح".
(٢ - باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره)
قال الحافظ (١): قال الخطابي: استدل البخاري بحديث الباب على جواز بيع المكره، والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك، ولكنّهم شحوا على أموالهم، فاختاروا بيعها، فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها، كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله، فيكون جائزًا، ولو أكرهه عليه لم يجز، قلت: لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره، وإنما قال: بيع المكره ونحوه، فدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الردّ على من لا يصحح بيع المضطر، انتهى من "الفتح".
وفي "الفيض" (٢): قوله: "ونحوه" فسّره العيني بالمضطر، ليعمّ الإكراه الفقهي وغيره؛ كالبيع في أيام القحط، فإن الناس يتبايعون فيها بالغبن الفاحش، ولا يسمى ذلك إكراهًا فقهيًا، فهو إذن بيع المضطر، انتهى.
стр. 3599
وهذا البحث متعلق بالجزء الأول من الترجمة أعني قوله: "المكره ونحوه"، وأما ما يتعلق بالجزء الثاني وهو قوله: "في الحق وغيره".
فقال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر (٢): ترجم بالحق وغيره ولم يذكر إلا الشق الأول، ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازمًا؛ لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم، انتهى.
كذا قال، ويرد عليه أنه على هذا ينعكس الإيراد لأنه يثبت على هذا الشق الثاني من الترجمة دون الأول، ثم قال الحافظ: قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "وغيره" الدين، فيكون من الخاص بعد العام، وإذا صحّ البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى، انتهى. هذا ما قاله الشراح في شرح هذه الترجمة.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) مما يتعلق بالجزء الثاني من جزئي الترجمة حيث قال: إما أن يراد بالحق الحق المالي، أي: الدين ومثله، فالمعنى هذا بيان بيع المكره مملوكه في أداء حق الدائن وغيره من ذوي الحقوق، أو الحق ههنا هو الحق مقابل الباطل، أي: هذا بيان بيع المكره مملوكه فيما هو موافق للشريعة، ولا يكون باطلًا، والترجمة ثابتة بكلا معنييها بقوله: فمن وجده بماله فليبعه، فإن بيعهم هذا كان بحق، وأما إثبات الجزء الثاني من جزئي الترجمة فبقوله: "إنما الأرض لله ورسوله" فإنهم لو قصدوا بيع شيء من الأراضي كان بيعًا بغير الحق وفي الباطل، والله ولي التوفيق، انتهى.
ولله در الشيخ قُدِّس سرُّه فإنه قد استوفى حق الترجمة شرحًا وإيضاحًا بعبارة موجزة مفصحة، وهذا المعنى الثاني للحق اختاره صاحب "الفيض" أيضًا، وفيه (٤): كما أن النبي ﷺ أكره اليهود على الجلاء، وكان على الحق
стр. 3600
في ذلك، ثم قال: وليس هذا إكراهًا فقهًا، فإنه تحقق لو كان النبي ﷺ هدّدهم بقتل أنفسهم أو بقطع عضوهم، وإذ ليس، فليس، انتهى.
ثم مسألة الباب أعني بيع المكره خلافية، وقد تقدم عن الحافظ أن ميل المصنف إلى جوازه، واختلف الأئمة في ذلك كما في فروعهم، فمذهب الحنفية ما قال ابن عابدين (١): قدمنا أن بيع المكره فاسد موقوف على إجازة البائع، وقول صاحب "الكنز": البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي غير مرضي لأنه يخرج بيع المكره إلى آخر ما بسط، وفي "البدائع" (٢): لا يصح بيع المكره إذا باع مكرهًا، وسلم مكرهًا لعدم الرضا، فأما إذا باع مكرهًا، وسلم طائعًا، فالبيع صحيح، انتهى.
ومذهب الشافعية ما في "شرح الإقناع" (٣): ويشترط أيضًا عدم إكراه بغير حق، فلا يصح عقد مكره في ماله لغير حق لعدم رضاه، ويصح بحق كأن توجه عليه بيع ماله لوفاء دين، فأكرهه الحاكم عليه، انتهى.
وكذا عند الحنابلة بيع المكره باطل ففي "نيل المآرب" (٤): وشروطه سبعة: أحدها الرضاء به من المتبايعين، فلا يصح بيع المكره بغير حق كالذي يستولي على ملك رجل بلا حق فيطلبه، فيجحده إياه حتى يبيعه، أما إن أكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه فبيعه صحيح، انتهى.
ومذهب المالكية كما في "مختصر الخليل" (٥) وشرحه: لا إن أجبر عليه جبرًا حرامًا، وهو ما ليس بحق فيصح ولا يلزم، قال شارحه: وأما لو أجبر على البيع جبرًا حلالًا كان البيع لازمًا كجبره على بيع الدار بتوسعة المسجد أو الطريق أو لوفاء دين إلى آخر ما بسط، وفي
стр. 3601
"الميزان" (١) للشعراني: ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة أنه لا يصحّ بيع المكره مع قول أبي حنيفة بصحته، انتهى.
قلت: والتحقيق أن بيع المكره باطل عند الجمهور، وأما عندنا الحنفية ففاسد موقوف على إجازة البائع، وهم لا يفرقون بين الباطل والفاسد بخلاف الحنفية، فعندنا فرق بين الباطل والفاسد كما تقرر في محله، وأفاد صاحب "الفيض" (٢) أن بيع المكره موقوف عندنا بخلاف الطلاق؛ لأنه من الإسقاطات، والبيع من الإثباتات فيتوقف، انتهى.
وأما بيع المضطر كما أشار إليه المصنف بقوله: "ونحوه" فنقل شيخنا في "البذل" (٣) عن "الدر المختار" (٤): أن بيع المضطر وشراءه فاسد، قال الشامي: هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو غيرها، ولا يبيعها البائع إلا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه، انتهى.
وفيه أيضًا عن الخطابي أن بيع المضطر جائز، أي: عند الشافعي لكنه مكروه بل ينبغي أن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة، انتهى.
(٣ - باب لا يجوز نكاح المكره. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): قال ابن بطال (٦): ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره، وأجازه الكوفيون، قالوا: فلو أكره رجل على تزويج امرأة بعشرة آلاف وكان صداق مثلها ألفًا صحّ النكاح، ولزمته الألف وبطل الزائد، قال: فلما أبطلوا الزائد بالإكراه كان أصل النكاح بالإكراه أيضًا باطلًا، انتهى.
فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول، انتهى.
стр. 3602
قال القسطلاني في الصورة المذكورة قبل ذلك: قال سحنون: وكما أبطلوا الزائد على الألف في الإكراه، فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه، قال: وقد أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر يصح العقد اتفاقًا، انتهى.
وفي "نور الأنوار" (١) في مبحث الأهلية بعد ذكر أقسام الإكراه: والإكراه بجملته لا ينافي الخطاب والأهلية لبقاء العقل والبلوغ الذي عليه مدار الخطاب والأهلية، ثم قال: فإن كان القول مما لا ينفسخ ولا يتوقف على الرضا لم يبطل بالكره كالطلاق والعتاق والنكاح والرجعة، فإن هذه التصرفات كلها لا تحتمل الفسخ ولا تتوقف على الرضا، إلى آخر ما بسط.
وما ذكر الشرَّاح من عدم جواز النكاح المكره عند الجمهور هو كذلك كما في كتب فروعهم، ففي "الروض المربع" (٢): الشرط الثاني رضاهما فلا يصحّ إن أكره أحدهما بغير حق كالبيع، انتهى.
وفي "كتاب الأنوار" في فقه الشافعية: وأن يكون مختارًا، فإن كان مكرهًا لبطل النكاح، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن مسألة الإكراه في النكاح غير مسألة ولاية الإجبار، فقد تقدم الكلام على ولاية الإجبار واختلاف العلماء فيها في "كتاب النكاح" فارجع إليه لو شئت، وقد نبَّه عليه صاحب "الفيض" (٣) أيضًا حيث قال: والإكراه على النكاح بأن يهدّده بالنفس أو العضو، إلا أن يتكلم بالإيجاب أو القبول، وحينئذٍ حديث خنساء في غير محله، فإن أباها كان زوَّجها بعبارته، ولم يكن أكرهها على الإيجاب والقبول، وليست ولاية الإجبار من باب الإكراه في شيء، فإن معناها نفاذ القول عليها بدون رضاها، وليس معناها أن يضربها الأب أو الولي فيجبرها أن تُنكِحَ نفسها كما زعم، انتهى.
стр. 3603
قلت: فلا مجال للمصنف، وكذا للجمهور أن يستدلوا بعدم جواز نكاح المكره بحديث خنساء كما فعله المصنف فتشكر.
(٤ - باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز)
أي: ذلك البيع والهبة، والعبد باقٍ على ملكه، قوله: "وبه قال بعض الناس" قيل: الحنفية، "فإن نذر المشتري" بكسر الراء من المكره "فيه" في الذي اشتراه "نذرًا فهو" أي: البيع مع الإكراه "جائز" أي: ماض عليه، ويصح البيع و [كذا] الهبة "بزعمه" أي: عنده، "وكذلك إن دبّره" أي: دبّر العبد الذي اشتراه من المكره على بيعه فينعقد التدبير، قال في "الكواكب": غرض البخاري أن الحنفية تناقضوا، فإن بيع الإكراه إن كان ناقلًا للملك إلى المشتري فإنه يصحّ منه جميع التصرفات، ولا يختص بالنذر والتدبير، وإن قالوا: ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضًا، وحاصله أنهم صححوا التدبير والنذر بدون الملك، وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص، انتهى من "القسطلاني" (١).
وأما مذهب البخاري فهو يقول بجواز كليهما أعني بيع المكره وما يترتب عليه من نذر أو تدبير، فمورد الإيراد هو الجزء الأول من الترجمة، أي: عدم جواز بيع المكره، فكأن المصنف أراد بالترجمة أنه كان ينبغي للحنفية أن يقولوا بجواز كلا الأمرين كما هو رأي المصنف، فلذا أورد تحت الترجمة ما يدلّ على جواز بيع المكره، ولم يورد للجزء الثاني من الترجمة حديثًا، وسيأتي الجواب قريبًا عن هذا الإيراد، وأما مطابقة الحديث لما قصده المؤلف من الترجمة فما ذكره العيني إذ قال (٢): قال الداودي ما حاصله: أنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنه لا إكراه فيه، ثم قال: إلا أن يراد أنه ﷺ باعه فكان كالمكره له على بيعه، انتهى.
стр. 3604
وأما الجواب عما أورده الإمام البخاري على الحنفية بقوله: "وبه قال بعض الناس. . ." إلخ، فأجاب عنه العيني (١) بأنه إن أراد ببعض الناس الحنفية فمذهبهم ليس كذلك، فإن مذهبهم أن شخصًا إذا أكره على بيع ماله أو هبته لشخص ونحو ذلك، فباع أو وهب، ثم زال الإكراه فهو بالخيار إن شاء أمضى هذه الأشياء، وإن شاء فسخها، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي" عن القطب الكَنكَوهي: لما كان عدم الجواز عند الإمام البخاري بمعنى البطلان وعدم الانعقاد أورد عليهم بأنهم يقولون بعدم الجواز، ثم إن المشتري لو أعتقه أو دبّره فهو جائز، وهذا عجيب، قلنا: عدم الجواز عندنا قد يجيء بمعنى البطلان، وقد يجيء بمعنى الفساد، وهو الانعقاد مع لزوم الفسخ، وهو ههنا بمعنى الفساد، فإن بيع المكره عندنا فاسد وليس بباطل، والبيع الفاسد إذا انضم إليه القبض يفيد الملك، وإن كان ناقصًا قابلا للفسخ، فإذا تصرف فيه بما لا يمكن فسخه يتم الملك وينفذ التصرف، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
قال العلامة السندي (٣) تحت قول البخاري: وقال بعض الناس: حاصل كلام الحنفية أن بيع المكره منعقد إلا أنه بيع فاسد لتعلق حق العبد به، فيجب توقفه إلى إرضائه، إلا إذا تصرف فيه المشتري تصرفًا لا يقبل الفسخ، فحينئذٍ قد تعارض فيه حقان كل منهما للعبد، حق المشتري وحق البائع، وحق البائع يمكن استدراكه مع لزوم البيع بإلزام القيمة على المشتري، بخلاف حق المشتري، فلا يمكن استدراكه مع فسخ البيع مع أنه حق لا يقبل الفسخ، فصار اعتباره أرجح بخلاف ما إذا كان تصرفًا يقبل الفسخ، فيجب مراعاة حق البائع عندهم، وهذا الفرق منهم مبني على أن بيع المكره منعقد مع الفساد، وهم يقولون به، فالنزاع معهم في هذا الأصل، وبعد تمامه أو تسليمه، فالفرق مقارب غير بعيد نظرًا إلى القواعد، والله تعالى أعلم، انتهى.
стр. 3605
ثم لا يخفى عليك ما ذكره صاحب "الفيض" (١) من أن الإمام البخاري شدّد الكلام في هذا الكتاب على الإمام أبي حنيفة، وكذا في "كتاب الحيل"، ووجه ذلك أن البخاري لم يتعلم فقه الحنفية حق التعلم، وإن نُقل عنه أنه رأى فقه الحنفية، لكن ما يترشح من كتابه هو أنه لم يحقق فقهنا، ولم يبلغه إلا شذرات منه، وهذا الذي دعاه إلى ما أتى عليه في هذا الباب، ولو درى ما الإكراه في فقهنا لما أورد علينا شيئًا، إلى آخر ما ذكر.
ثم المذكور في الترجمة مسألتان: بيع المكره، والثانية: هبة المكره، وتقدم تفصيل الخلاف في المسألة الأولى في بابه، وأما هبة المكره فهي لا يجوز عند الشافعية، ففي "الأنوار" من فروع الشافعية: وللهبة أركان: الأول العاقدان، وشروطهما كشروط البائع والمشتري، إلى آخر ما ذكره، ومن شروط صحة البيع عندهم الرضا وعدم الإكراه كما تقدم، وأما عندنا الحنفية ففي "الدر المختار" (٢): والأصل عندنا أن كل ما يصحّ مع الهزل يصحّ مع الإكراه؛ لأن ما يصح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، وكل ما لا يحتمل الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه، انتهى.
(٥ - باب من الإكراه. . .) إلخ
قال الحافظ (٣) ﵀: أي: من جملة ما ورد في كراهية الإكراه ما تضمنته الآية، وهو المذكور فيه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية [النساء: ١٩]، وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء، انتهى.
وقال العلامة القسطلاني (٤): قال المهلب فيما نقله العيني ﵀: فائدة
стр. 3606
هذا الباب التعريف بأن كل من أمسك امرأته لأجل الإرث منها طمعًا أن تموت لا يحل له ذلك بنص القرآن، انتهى.
قوله: (كَرْهًا وكُرْهًا واحدٌ)، قال الحافظ (١): أي: بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد، وهذا قول الأكثر، وقيل: بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك، انتهى.
(٦ - باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها. . .) إلخ
قوله: (غفور رحيم) أي: لهن، وقد قُرِئ في الشاذ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لهن ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]، وهي قراءة ابن مسعود وغيره، ونسبت أيضًا لابن عباس، والمحفوظ عنه تفسيره بذلك، وكذا عن جماعة غيره، وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير "لهم" أي: لمن وقع منه الإكراه، لكن إذا تاب، وضعف هذا القول كما في "الفتح" (٢).
وأما حكم مسألة الباب عند الفقهاء فما في "الأوجز" (٣) عن ابن قدامة (٤): لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، منهم عمر ﵁ والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول رسول الله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، انتهى.
وقال العلامة العيني (٥) تحت حديث الباب: ولم يذكر البخاري حكم إِكراه الرجل على الزنا، فذهب الجمهور إلى أنه لا حدّ عليه، وقال مالك وجماعة: عليه الحد لأنه لا تنتشر الآلة إلا بلذة، وسواء أكرهه سلطان أو غيره، وعن أبي حنيفة: لا يحد إن أكرهه سلطان، وخالفه أبو يوسف
стр. 3607
ومحمد رحمهما الله تعالى، ومطابقة الحديث الثاني بالترجمة ظاهرة من حيث إنه كما لا ملامة عليها في الخلوة معه إكراهًا، فكذلك المستكرهة في الزنا لا حدّ عليها، قاله الكرماني وصاحب "التوضيح" (١).
قال العيني: والأقرب أن يقال: وجه المطابقة من حيث إنه أكره إبراهيم ﵇ على إرسالها إليه، انتهى.
قلت: ليس هذا بأقرب، بل هو أبعد؛ لأن الترجمة الاستكراه على الزنا اللَّهم إلا أن يقال: إن الإكراه على إبراهيم ﵇ على إرسالها إليه إنما كان للزنا، وفي "تقرير المكي" (٢): قوله: "قام إليها" وفيه الترجمة لأنها لما خلت مع الجبار خلوة صحيحة ولم تأثم لكونها مكرهة، فكذلك المرأة المكرهة لا حد عليها، انتهى.
والحاصل: أن قيام الجبار إليها إنما كان لإرادة الزنا بالإكراه لكن الله عصمها برحمته وفضله.
(٧ - باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه)
وقد صرّح المصنف بجواب المسألة بقوله: "يذب عنه الظالم. . ." إلخ، والمسألة خلافية.
قال الحافظ: (٣) قال ابن بطال: ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه، وقال الكوفيون: يحنث لأنه كان له أن يورِّيَ، فلما ترك التورية صار قاصدًا لليمين فيحنث، وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيَّته مخالفة لقوله: "الأعمال بالنيات".
قوله: (فإن قاتل فلا قود عليه. . .) إلخ، قال ابن بطال: اختلفوا فيمن
стр. 3608
قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه، هل يجب على الآخر قصاص أو دية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شيء للحديث المذكور، ففيه "ولا يسلمه" وفي الحديث الذي بعده "انصر أخاك"، وبذلك قال عمر، وقالت طائفة: عليه القود، وهو قول الكوفيين، وهو يشبه قول ابن القاسم وطائفة من المالكية، وأجابوا عن الحديث بأن فيه الندب إلى النصر، وليس فيه الإذن بالقتل، انتهى من "الفتح".
قوله: (وإن قيل له: لتشربن الخمر إلى قوله: أو تحلّ عقدة) هذا ستة أشياء عديل واحد، وعديله الآخر قوله: "أو لنقتلن أباك أو أخاك"، وحاصله أنه أكره على هذه الأشياء وهدّده بقتل الأب، أو الأخ في الإسلام، فهو مكره عند المصنف، قلنا: إنه ليس بإكراه، ولكنه باب آخر، فإن حفظ دم امرئ مسلم واجب في كل أوان، انتهى من "فيض الباري" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) في شرح ترجمة الباب: لا شكّ في أن الرجل إذا تعرض للقتل إلا أن يثبت عند المكره كونه أبا لزيد أو أخًا له أو غير ذلك من القرابات والعلاقات، وجب على زيد أن يتقوّل بذلك صونًا لدمه، فأما إذا أكره عليه، وقيل: لتشربن الخمر أو لنقتلن أخاك، فإنه لم يسعه عندنا الإقدام على شرب الخمر، ووجه ذلك أن جواز أكل هذه المحرمات منوط بالاضطرار، ولا يتحقق بما ذكر، نعم يتحقق الاضطرار إذا أكره عليه بقتل نفسه، وأما إذا أكره بشيء من العقود المذكورة بعده بقوله: "لتبيعن هذا العبد" فقيل له: إما أن تبيع هذا أو لنقتلن أباك، فإنه يبيعه لأن الأموال وقاية للأنفس ومبذولة، فليس له أن يعرض المسلم على الهلاك وهو قريبه، نعم يكون له خيار الفسخ بعد زوال الإكراه لكونه لم يقدم على هذا العقد بكمال رضاه، وأما تفريقهم بين المحرم وغيره فلا يمكن الاعتراض بذلك عليهم؛ لأن مدار جواز الحرام إنما هو
стр. 3609
الاضطرار لا غير، ولا يتحقق الاضطرار بإخافته عن قتل الأجنبي، انتهى.
وبسط الكلام في توضيح هذا المقام في هامش "فيض الباري" (١)، وفيه بعد بسط الكلام: إذا علمت هذا فاعلم أن ملخص إيراد البخاري في هذا الباب أمران: الأول: تفريق الإمام الأعظم بين حكم الأقارب وبين الأجنبي المسلم مع قول النبي ﷺ : "المسلم أخو المسلم"، والثاني: فرقه بين حكم شرب الخمر ونحو البيع، انتهى.
قوله: (ثم ناقض فقال: إن قيل له. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني في "شرحه" (٢): أي: فاستحسن بطلان البيع ونحوه بعد أن قال: يلزمه في القياس، ولا يجوز له القياس فيها، وأجاب العيني بأن المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان، والاستحسان حجة عند الحنفية، انتهى.
قال العلامة السندي (٣): مبنى كلامهم أن الإكراه في كل شيء على حسبه، وهذا شيء يشهد به بداهة العقل، فتخليص القاتل عن المعصية والمقتول عن القتل لا يكون إكراهًا لغيرهما على المعصية، فإذا قال قائل: اعص الله وإلا فأعصيه أنا، فلا ينبغي له أن يعصيه، ولا يعدّ ذلك إكراهًا له على المعصية، نعم يكون إكراها على نحو البيع والهبة إذا كان المقتول أبا ونحوه مثلًا؛ والحاصل: أنه لا ينبغي اعتبار كل أذى إكراهًا في كل شيء، فمثل الكفر لا يباح لخوف لطمة بيد، وترك الأولى يعذر فيه بذلك، وحيث اعتبرنا الفرق يتضح كلام الحنفية، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٤) عن "تقرير المكي": اعلم أن تحقق الإكراه في الجملة إنما هو في حق ذي رحم محرم، أما في حق الأجنبي فلا إكراه
стр. 3610
أصلًا، فلو باع عبده في حق ذي رحم محرم ينعقد بيعه موقوفًا، - كما هو الحكم عندنا في بيع المكره - لتحقق الإكراه في الجملة، ولو باعه في حق أجنبي ينعقد بيعه لازمًا لعدم الإكراه، فلهذا قال البخاري: "وفرّقوا بين كل ذي رحم محرم وبين غيره من غير كتاب ولا سُنَّة"، قلنا: السُّنَّة موجودة وهي قوله ﵇: "الأقرب فالأقرب"، انتهى.
وفي "القسطلاني" (١): وأجاب العيني بأن الاستحسان غير خارج عن الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وأما السُّنَّة فقوله ﷺ : "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن عند الله"، انتهى.
قوله: "وقال النبي ﵊. . ." إلخ، هذا استدلال من المصنف على عدم الفرق بين ذي رحم وغيره، قلنا: إطلاق الأخت ههنا بطريق المجاز لا بطريق عدم الفرق، انتهى من "تقرير المكي".
والحاصل عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ﵀ ذهب إلى تحقق الإكراه في تلك الأمور كلها، والحنفية فرّقوا بين شرب الخمر ونحوه، وبين العقود كالبيع والهبة، فلم يجوِّزوا النوع الأول مطلقًا سواء كان التهديد بقتل ذي رحم أو غيره؛ لأن هذه الأمور، أي: شرب الخمر ونحوه معصية بنفسها، فلا يجوز فعلها إلا إذا تحقق الإكراه والإلجاء، ولا يتحقق الإلجاء إلا بقتل نفسه، فهذا هو الجواب عن أحد الإيرادين، وأما النوع الثاني أعني البيع والهبة ونحوهما فقلنا بتحقق الإكراه فيهما في الجملة، أي: فيما إذا كان التهديد بقتل ذي الرحم لعدم وجود المعصية في هذه الأمور؛ لكونها مباحة في نفسها فينبغي له حينئذٍ أن يفعل وله الخيار بعد زوال الإكراه بحكم الاستحسان، كما هو حكم بيع المكره عندنا، وأما إذا كان التهديد بقتل الأجنبي فباع فلا يجوز له فسخ هذا البيع بعد زوال الإكراه، بل هو بيع بات لوجود الرضا، وذلك لأن الإكراه لا يتحقق بقتل
стр. 3611
الأجنبي، فليس له حكم بيع المكره، وهذا هو منشأ تفريقنا بين الأجنبي وغيره، فالإيراد الثاني من البخاري أيضًا ساقط، فتدبر.
ثم لا يخفى عليك أنهم يوردون على الإمام أبي حنيفة أنه يكثر من الاستحسان، وصار إكثاره من الاستحسان مثار طعن الذين ينتقصون قدره، وينجسون حظه من الفقه والتقى، فإنهم لم يجدوا في القياس ما يعتبر خروجًا على النصوص من كل الوجوه؛ لأنه حمل على النص، ووجدوا في الاستحسان ذلك إذا لم يقم على النص، ولقد قال صاحب "كشف الأسرار" (١) في تعليقه على باب الاستحسان الذي كتبه فخر الإسلام البزدوي ما نصه: اعلم أن بعض القادحين في المسلمين طعن على أبي حنيفة وأصحابه ﵃ في تركهم القياس بالاستحسان، وقال: حجج الشرع الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، والاستحسان قسم خاص لم يعرف أحد من حملة الشرع سوى أبي حنيفة وأصحابه أنه من دلائل الشرع لم يقم عليه دليل، بل هو قول بالتشهي، فكان ترك القياس به تركًا للحجة لاتباع الهوى فكان باطلًا، وكل ذلك طعن من غير روية وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة أجلّ قدرًا وأشدّ ورعًا من أن يقول في الدين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا، فالشيخ ﵀ عقد الباب لبيان المراد من هذا اللفظ والكشف عن حقيقته دفعًا لهذا الطعن، انتهى.
ولقد اختلف العلماء في عصر أبي حنيفة ومن بعده في الاستحسان، فمالك الذي عاصر أبا حنيفة كان يقول: الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأما الشافعي ﵀ الذي جاء من بعدهما فقد عقد فصلًا في كتاب "الأم" (٢) سمّاه: كتاب إبطال الاستحسان، وساق الأدلة لإثبات بطلانه، ولقد اختلف الفقهاء في تعريف الاستحسان الذي كان يأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، فعرّفه بعضهم بأنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، وهذا
стр. 3612
تعريف غير جامع لكل أنواع الاستحسان، فمنها ما لا يكون العدول فيه إلى قياس بل إلى نص أو إلى الإجماع، وأحسن التعاريف هو ما قاله الحسن الكرخي: وهو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، انتهى مقتبسًا من مقدمة "البدائع" (١) لناشره زكريا علي يوسف.
ثم براعة الاختتام في قوله: "يحجزه عن الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" كما ورد في الحديث.
* * *
стр. 3613
٩٠ - كتاب الحيل
قال العلامة العيني (١): وهو جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي، انتهى.
وهكذا في "الفتح" و"القسطلاني" (٢)، وفي هامش "اللامع" (٣): قال الجوهري: الحيلة اسم من الاحتيال، ذكره في فصل الياء، ثم قال: وهو من الواو، يقال: هو أحيل منك وأحول منك، أي: أكثر حيلة، وما أحيله لغة فيما أحوله، كذا في "العيني"، والمعروف بين العلماء أن الحيل كلها محرمة عند مالك وأحمد، وجائزة عند الحنفية والشافعية، وإلى الأول مالَ البخاري كما يدل عليه "كتاب الحيل" وأبوابه.
قال ابن قدامة (٤): الحيل كلها محرمة غير جائزة، وبه قال مالك، وأباح أبو حنيفة والشافعي بعضها، إلى آخر ما بسط، وقد أطال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٥) الكلام على إبطال الحيل، وبحث فيه بحثًا طويلًا، ومع ذلك ذكر المقصد الرابع أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو رفع باطل، وقسمه على ثلاثة أقسام ثم بسطها، وذكر أمثلتها، وذكر صور الحيل فيها إلى أن قال: القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعةً، وما يفضي إليه مشروع، وقال أيضًا: ويدخل في هذا القسم التحيل إلى جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم، وليس كلامنا وكلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، انتهى.
стр. 3614
وأنت خبير أن هذا منه تجويز بل تحريض على أخذ بعض الحيل، فلا يمكن أن يقال: الحيل كلها باطلة، والحنفية والشافعية أيضًا لم يقولوا بأن الحيل كلها مباحة، فقد قال الحافظ (١): وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصّل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة.
ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة كثيرة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية [ص: ٤٤]، وقد عمل به ﷺ في حق الضعيف الذي زنى، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في "السنن"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] إلى أن قال: ومن الثاني قصة أصحاب السبت، وحديث "حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلو ثمنها"، وحديث النهي عن النجش، وحديث لعن المحلل والمحلل له، والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل.
ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال تنفذ ظاهرًا، لا باطنًا، ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية، وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنّف فيها كتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): اعلم أن البخاري ﵀ لم يفرّق بين جواز الحيلة ونفاذها، وكل ما كان يرد على القول بالجواز، أورده على القول بالنفاذ مع فرق جلي بين الأمرين، ثم أوضح صاحب "الفيض" هذا الكلام، فارجع إليه لو شئت.
стр. 3615
قلت: وترجم السرخسي ﵀ في "المبسوط" (١) كتاب الحيل مستقلًا، وقال فيه: اختلف الناس في "كتاب الحيل" أنه من تصنيف محمد رحمه الله تعالى أم لا؟ كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، وأما أبو حفص رحمه الله تعالى كان يقول: هو من تصنيف محمد، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأصح، فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء، وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسُّنَّة، ثم بسط في دلائل جواز الحيل، ثم قال: فالحاصل: أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به، إلى آخر ما بسطه.
قال الراغب (٢): وأكثر استعمال الحيلة فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله : ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] أي: الوصول في خفية من الناس، إلى: ما فيه حكمة، وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم، تعالى الله عن القبيح، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي" (٣) عن الشيخ الكَنكَوهي: الحيلة جعل المباح وسيلةً لتحصيل المقصود، فإن كان لتحصيل حقه أو لإحياء حق مسلم أو لدفع الظلم عنه فجائز، وإن كان لإبطال حق مسلم أو لإلقائه في المهلكة فلا يجوز، انتهى.
وفي "مقدمة بدائع الصناع" لناشره الشيخ محمد زكريا علي يوسف تلخيصًا لكلام الشيخ أبي زهرة ما نصه: ولقد ادعى بعض الناس أن لأبي
стр. 3616
حنيفة كتابًا في الحيل، كان فيه يفتي الناس للتحلل من الأحكام الشرعية والقيود الفقهية، حتى لقد روي أن عبد الله بن المبارك قال: "من كان عنده "كتاب الحيل" لأبي حنيفة يستعمله أو يفتي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته"، ثم ردّ على هذا، وقال أيضًا: ويسقط دعوى التأليف أن عبد الله بن المبارك الذي يروون عنه هذا القول كان من تلاميذ أبي حنيفة الذين يقدرونه حق قدره، وأنه هو الذي بيّن آراء أبي حنيفة وقيمتها ومكانه من الفقه للأوزاعي بالشام، وإذا كان الأمر كذلك، فنسبته ذلك القول إليه غير صحيحة، وبذلك تنهار دعوى أن لأبي حنيفة كتابًا اسمه "كتاب الحيل"، نعم وجدنا أن لمحمد تلميذ الإمام أبي حنيفة كتابًا في "الحيل" يغلب على الظن أنه روى فيه ما كان يخرج به ذلك الإمام الأحكام تسهيلًا على الناس. حتى لا يكونوا في حرج، ثم حقق أن نسبة هذا الكتاب إلى محمد رحمه الله تعالى كيف هي، فإنه قد اختلف فيه أيضًا، فارجع إليه لو شئت.
(١ - باب في ترك الحيل)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم من الترجمة الأولى إجازة الحيل، إلى آخر ما ذكره.
قال الحافظ: قلت: وإنما أطلق أولًا للإشارة إلى أن من الحيل ما يشرع، فلا يترك مطلقًا.
قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها)، قال الحافظ: قوله: "في الأيمان وغيرها" من تفقه المصنف لا من الحديث، قال ابن المنيِّر: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، وحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، ثم قال: والاستدلال بهذا الحديث على سدّ الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة، انتهى.
стр. 3617
وحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) قول المصنف - في الترجمة: "في الأيمان" - على الإيمان المقابل للكفر إذ كتب: الإيمان بكسر الهمزة قدمه لكونه أصل العبادات، انتهى. وهو الأوجه عندي بقرينة الصلاة المذكورة في الباب الآتي، ويؤيده قوله: "وغيره" بضمير المذكر، ولما حمل الشرَّاح هذا اللفظ على أنه جمع يمين، أوّلوا قوله: "وغيره".
قال الحافظ (٢): وجعل الضمير مذكرًا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع، انتهى.
لكن النسخ مختلفة ففي بعضها: "وغيرها" بضمير المؤنث وهو يؤيد ما اختاره الشرَّاح، والله تعالى أعلم بالصواب.
(٢ - باب في الصلاة)
قال الحافظ (٣): أي: دخول الحيلة فيها، انتهى.
وقال العيني (٤) نقلًا عن الكرماني: قالوا: مقصود البخاري الردّ على الحنفية حيث صحّحوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة، وقالوا: إن التحلل يحصل بكل ما يضاد الصلاة، فهم متحيلون في صحة الصلاة مع وجود الحدث، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): والحيلة تؤخذ من صورة المسألة بأن رجلًا حلف بطلاق امرأته فقال: امرأته كذا إذا سَلَّمَ من ظهر اليوم، أو إن سلَّم من فريضة ظهر اليوم، فاحتاج إلى أن لا تطلق امرأته، فإن الحيلة في مثل ذلك أن لا يخرج من صلاته بلفظ السلام بل يخرج بشيء مما سواه من الكلام والحدث وغير ذلك، وما ذكره من الرواية
стр. 3618
لا يضرّنا شيئًا، فإنا لم نقل بجواز الصلاة من غير طهارة حتى يلزم علينا ما ألزم، وإنما قلنا ما قلنا بناءً على أن صلاته قد تمت بعد قعوده قدر التشهد، فما فعل من الإحداث أو التكلم لم يقع في خلال صلاته حتى يلزم أنه صلى وهو محدث، بل كان عين هذا الفعل خروجًا من حرمة الصلاة، وبما أجاب به الشيخ قُدِّس سرُّه أجاب القسطلاني (١) أيضًا من جانب الحنفية.
وفي "الفيض" (٢): قوله: "لا يقبل الله صلاة. . ." إلخ، لعل غرضه منه الإيراد على القول بالبناء، قلت: أما القول بالبناء فهو رواية عن الشافعي في القديم، وله عندنا حجة، ثم الاستخلاف معتبر عند الإمام البخاري أيضًا، ويمكن أن يكون بين البناء والاستخلاف فرق عنده، فيقول بمنع البناء دونه، وراجع الهامش، انتهى.
(٣ - باب في الزكاة)
أي: ترك الحيل في إسقاطها، قاله الحافظ (٣).
قال العيني (٤) تحت الحديث الأول: مطابقته للترجمة ظاهرة، وقال بعد الحديث الثاني: وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لا يتأتى إلا بتعسف، انتهى.
وقال القسطلاني (٥): ووجه إدخال هذا الحديث هنا أن المؤلف ﵀ فهم من قوله ﷺ : "أفلح إن صدق" أن من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم له بذلك عند الله عذر، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس في عشرين ومائة بعير. . .) إلخ، قال القسطلاني (٦): وهذا يقتضي على اصطلاح المؤلف بإرادة الحنفية
стр. 3619
اختصاصهم بذلك، لكن الشافعية وغيره يقولون بذلك أيضًا، وأجيب بأن الشافعية وغيره وإن قالوا: لا زكاة عليه لا يقولون: لا شيء عليه؛ لأنهم يلومون على هذه النية، لكن قال البرماوي: إنما يلام إذا كان حرامًا، ولكن هو مكروه، وقال مالك: من فوّت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله ﷺ : "خشية الصدقة"، انتهى.
وفي "شرح المهذب" (١): قال الشافعي والأصحاب: إذا باع فرارًا قبل انقضاء الحول فلا زكاة عندنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق: إذا أتلف بعض النصاب قبل الحول أو باعه فرارًا لزمته الزكاة، انتهى.
قلت: وما قال القسطلاني من أن الحنفية لا يلومون من ارتكب هذه الحيلة بخلاف الشافعية فإنهم يلومون على هذه النية ليس كذلك، فنحن أيضًا نلومه (٢)، قال صاحب "الفيض" (٣): أما كون تلك الحيل وبالًا ونكالًا لصاحبها فلا ننكره أيضًا، كما نقلناه عن أئمتنا، وأما أنها لا حكم لها وإن فعلها أحد ففيه نظر قوي، فإن من الناس من هو فاعلها لا محالة لسوء طباعه، فلا بدّ لنا أن نذكر لها أحكامًا ثبتت عندنا من قواعد الشرع مع قطع النظر عن حكمها عند الله تعالى من الإثم أو غيره، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: في رجل له إبل. . .) إلخ، قلت: وهذه هي المسألة السابقة إلا أنه ذكر ههنا فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو بدراهم، قوله: وهو يقول: إن زكى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة جازت عنه.
قال القسطلاني (٤): أي: فإذا كان التقديم على الحول مجزئًا فليكن
стр. 3620
التصرف فيها قبل الحول غير مسقط، وأجيب بأن أبا حنيفة لم يتناقض في ذلك؛ لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول، ويجعل من قدمها كمن قدم دينًا مؤجلًا قبل أن يحل، انتهى.
قال صاحب "الفيض" (١): ههنا ثلاث إيرادات من المصنف على الحنفية بثلاث عبارات، والمآل واحد، فإن شئت قلت: إنها واحد، وإن شئت اعتبرتها ثلاثًا، ثم المصنف أضاف قيد الفرار والاحتيال تفخيمًا وتقبيحًا، فالإيراد الأول على صورة الإهلاك أو الهبة، وذلك هو الثاني، بيد أنه مفروض في البيع مع ذكر المناقضة، ولا فرق في الأول والثالث إلا بتغاير الصور، فإن الأول مفروض في عشرين ومائة بعير، والثالث في عشرين إبلًا، والنوع واحد، وبالجملة لم يقصد به المصنف إلا تكثير العدد لا غير، انتهى.
قوله: (استفتى سعد بن عبادة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لعله قصد بإيراد هذه الرواية أن دين الله أحقّ بالأداء، ولم يسقط النذر بالموت فكذلك لا تسقط الزكاة بهلاك، قلنا: لم يصر دينًا بعد حتى يكون أحقّ بالأداء، وأيضًا فإن الحيلة مأخوذة من صاحب الشرع فلا يضرنا خلاف أحد من أفراد الأمة إذا لم يخالف الكتاب ولا السُّنَّة، انتهى.
(٤ - باب)
بغير ترجمة، هكذا في متون النسخ الهندية بدون الترجمة، وفي نسخة الحاشية: "باب الحيلة في النكاح"، وعلى هذا فالترجمة مكررة لأنه سيأتي قريبًا "باب في النكاح"، أما على كون الباب بلا ترجمة فيكون تعلقه بما سبق من أنه باب من أبواب الحيلة، لكن يرد عليه أيضًا أن الوارد فيه فروع
стр. 3621
النكاح، وسيأتي باب النكاح قريبًا، فكان ينبغي للمؤلف أن يذكر هذه الروايات فيه، وأما على نسخة الحاشية فكلا البابين متعلقان بالنكاح نصًّا.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمتين من الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم، والغرض من الترجمة الأولى الحيلة في إسقاط المهر كما تدل عليه الروايات الواردة في الباب، والغرض من الترجمة الآتية بيان الحيلة في إثبات النكاح بشهادة الزور، كما جزم به الشرَّاح بهذا الغرض في الترجمة الآتية.
قال العلامة العيني (١) في الباب الأول: أي: هذا باب في بيان ترك الحيلة في النكاح، وقال بعد ذكر الحديث: لا مطابقة أصلًا بين الترجمة والحديث، حتى قيل: إن إدخال البخاري الشغار في باب الحيلة في النكاح مشكل؛ لأن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل، انتهى.
وقال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: إدخال البخاري الشغار في باب الحيل مع أن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل مشكل، ويمكن أن يقال: إنه أخذه مما نقل أن العرب كانت تأنف من التلفظ بالنكاح من جانب المرأة، فرجعوا إلى التلفظ بالشغار لوجود المساواة التي تدفع الأنفة، فمحا الشرع اسم الجاهلية، فلو صححنا النكاح بلفظ الشغار وأوجبنا مهر المثل أبقينا غرض الجاهلية بهذه الحيلة.
قال الحافظ: فيه نظر؛ لأن الذي نقله عن العرب لا أصل له؛ لأن الشغار في العرب بالنسبة إلى غيره قليل، وقضية ما ذكره أن تكون أنكحتهم كلها كانت شغارًا لوجود الأنفة في جميعهم، والذي يظهر لي أن الحيلة في الشغار تتصور في موسر أراد تزويج بنت فقير فامتنع أو اشتط في المهر فخدعه بأن قال له: زوجنيها وأنا أزوجك بنتي، فرغب الفقير في ذلك لسهولة ذلك عليه، فلما وقع العقد على ذلك وقيل له: إن العقد يصحّ ويلزم
стр. 3622
لكل منهما مهر المثل فإنه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر، وحصل للموسر مقصوده بالتزويج لسهولة مهر المثل عليه، فإذا أبطل الشغار من أصله بطلت هذه الحيل، انتهى.
قلت: وأما حكم الشغار ومذاهب الأئمة فيه فقد تقدم في محله من "كتاب النكاح"، وحاصله أنه منهي عنه بالإجماع، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي بطلان النكاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وعن مالك يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية: قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير.
قوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز والشرط باطل) في هامش المصرية عن شيخ الإسلام (١): قيل: هم الحنفية، لكن النكاح يصحّ بمهر المثل عندهم، والجمهور على أن النكاح أيضًا باطل لظاهر الحديث، انتهى.
قوله: (وقال بعضهم المتعة والشغار جائز. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): كأنه يشير إلى ما نقل عن زفر أنه أجاز النكاح الموقت وألغى الوقت لأنه شرط فاسد، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، وتعقبه العيني (٣) بأن مذهب زفر ليس كذلك، بل عنده أن صورته أن يتزوج امرأةً إلى مدة معلومة، فالنكاح صحيح واشتراط المدة باطل، قال: وعند أبي حنيفة وصاحبيه: النكاح باطل، انتهى.
وفي "تقرير المكي" (٤) في توضيح كلام المصنف: قوله: وقال في المتعة "النكاح فاسد" أي: باطل مع أنه لا فرق بين المتعة والشغار في النهي، فما وجه الفرق حيث أجزتم الشغار دون المتعة؟ قوله: "وقال
стр. 3623
بعضهم. . ." إلخ، يعني: أنهم اختلط الأمر عليهم فاختلفوا فيما بينهم أيضًا، وفي تقريره الآخر: ظنّ البخاري أن الفساد ههنا ما هو مقابل للبطلان كما هو مذهبنا في البيع الفاسد والباطل مع أن المتعة ليست بفاسدة بهذا المعنى، بل هي باطلة، ولم يفهم أنه لا فرق عندنا بين الفاسد والباطل في النكاح، وقال بعضهم - وهو زفر ﵀: المتعة والشغار جائز، المراد بالمتعة النكاح الموقت، وإنما أجاز زفر النكاح الموقت قياسًا على الشغار، وإنما المنسوخ في النكاح المتعة فقط، وقال علماؤنا الثلاثة: النكاح الموقت باطل كالمتعة إذ لا فرق بينهما إلا في اللفظ، والاعتبار للمعاني لا للألفاظ، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. . .) إلخ، قال الكرماني (١): فإن قلت: حيث قال بفساده فما معنى الاحتيال فيه؟ قلت: الفساد لا يوجب الفسخ لاحتمال إصلاحه بحذف الشرط منه كما قالوا في بيع الربا: لو حذف منه الزيادة صحّ البيع، أو المقصود منه القول الأخير، وهو القول بجوازه، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): واعلم أن نكاح الشغار نافذ عندنا، وأما ورود النهي عنه فهو مسلم، إلا أنه ليس كل نهي يقتضي البطلان، وإنما القبح فيه من جهة خلو البضعين عن العوض، وقد قلنا بوجوب مهر المثل فيه، فانعدم المعنى، فلو فعله أحد نفذ ولزمه مهر المثل، ونظيره قوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء"، فكذا يصح النكاح ويلغوا الشرط، وأما إيراده بجواز المتعة فلم يقل به منا أحد، غير أن زفر ذهب إلى تنفيذ النكاح الموقت، فإن لنفاذه صورة بإبطال الوقت، أما في المتعة فقد اتفقوا على بطلانها، انتهى.
стр. 3624
(٥ - باب ما يكره من الاحتيال في البيوع)
قال القسطلاني (١): ولم يذكر المؤلف في الباب حديثًا فيه البيع المترجم به فيحتمل أن يكون مما ترجم له، ولم يجد فيه حديثًا على شرطه فبيّض له، وعطف عليه "ولا يمنع فضل الماء" وذكر الحديث المتعلق به، انتهى.
قلت: وأصل هذا الجواب للكرماني حكاه عنه الحافظ (٢) أيضًا، وأفاد الكرماني (٣) أيضًا: فإن قلت: ما كيفية تعلقه بكتاب الحيل؟ قلت: هو إرادة صيانة الكلأ المباح لكل المشترك فيه، فتحيل بصيانة الماء ليلزم صيانته، قال الخطابي: هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء، وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية، فأمر صاحب البئر أن لا يمنع الماشية فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ؛ لأنهم إذا منعوا من الماء لا يبقى لهم مقام ثمة، انتهى.
(٦ - باب ما يكره من التناجش)
قال الحافظ (٤): أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تناجشوا"، وقد تقدم شرحه مستوفي في "كتاب البيوع"، والمراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم، انتهى.
قال الكرماني (٥): والتناجش أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه، وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن، انتهى.
(٧ - باب ما ينهى عنه من الخداع في البيع)
قال القسطلاني (٦): الخداع بكسر الخاء المعجمة وتفتح، وقال في
стр. 3625
شرح الحديث: قوله: "فقل: لا خلابة" أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، انتهى.
ثم اعلم أنه نقل الحافظ (١) ههنا كلام الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٢) بعد تهذيبه وتلخيصه ثم قال في آخره: وأطال في ذلك جدًا وهذا ملخصه، والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، والله تعالى أعلم.
(٨ - باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن بطال (٤): وفي حديث الباب أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها، ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها، انتهى.
(٩ - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .) إلخ
قوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قال العيني: قوله: "أموالكم عليكم حرام" الحديث، هذان طريقان للحديثين المذكورين ذكرهما في معرض الاحتجاج، وليس فيهما ما يدلّ على دعواه، أما الأول فمعناه: أن أموالكم عليكم حرام إذا لم يوجد التراضي، وهنا قد وجد التراضي بأخذ المالك القيمة، وأما الثاني: فلا يقال في الغاصب في اللغة: إنه غادر؛ لأن الغدر ترك الوفاء، والغصب هو أخذ الشيء قهرًا وعدوانًا، وقول الغاصب: إنها ماتت كذب، ثم أخذ المالك القيمة رضا، انتهى.
стр. 3626
وفي هامش المصرية: قوله: "فتطيب للغاصب. . ." إلخ، أي: فتحل، والجمهور على خلاف ما ذكر فهو باطل، واستدل البخاري له بقوله: "قال النبي ﷺ . . ." إلخ، انتهى (١).
(١٠ - باب)
بغير ترجمة، قال العيني (٢): كذا وقع في رواية الأكثرين، وقد مرّ أمثال هذا فيما مضى، وإنه كالفصل لما قبله، ثم قال تحت حديث الباب: لما كان هذا الباب غير مترجم وهو كالفصل يكون حديثه مضافًا إلى الباب الذي قبله، ووجه التطابق ظاهر لنهيه ﷺ عن أخذ مال الغير إذا كان يعلم أنه في نفس الأمر للغير، وقال أيضًا: والحديث مضى في "المظالم" وفي "الشهادات"، وسيأتي في "الأحكام"، انتهى.
قلت: كأن المصنف أشار بهذا الباب إلى ردّ ما قال به الحنفية في نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا، وهي مسألة خلافية معروفة، وأفاد صاحب "الفيض" (٣) في الباب السابق: واعلم أن بناء إيراده على خلافية أخرى، وهي أن قضاء القاضي بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ وقد فصّلها في "المبسوط" بما لا مزيد عليه، وجملة الكلام أن في المسألة قيودًا وشروطًا، إلى آخر ما ذكر في "الفيض"، فارجع إليه لو شئت.
(١١ - باب في النكاح)
تقدم الكلام على هذا الباب في "باب" بلا ترجمة، وتقدم هناك أن هذه الترجمة مكررة على بعض النسخ.
стр. 3627
(١٢ - باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. . .) إلخ
قال صاحب "الفيض" (١): أي: ما يقع بين الضرائر من الاختلافات والاحتيال فيها، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال ابن التِّين: معنى الترجمة ظاهر، إلا أنه لم يبين ما نزل في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
قال الحافظ: وقد ذكرت في التفسير الخلاف في المراد بذلك، وأن الذي في الصحيح هو العسل، وهو الذي وقع في قصة زينب بنت جحش، وقيل: في تحريم مارية، وأن الصحيح أنه نزل في كلا الأمرين، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وحديث الباب سبق في "الأطعمة" و"الأشربة" و"الطب" و"الطلاق"، انتهى.
قال العيني (٤) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "والله لنحتالن له"، فإن قلت: كيف جاز على أزواجه ﷺ الاحتيال؟ قلت: هذه من مقتضيات الطبيعة للنساء وقد عفي عنهن، قلت: وفيه أن الترجمة في كراهة الاحتيال لا في جوازه، فكيف المطابقة، وعندي أن المطابقة تحصل من مجموع ما وقع في هذه القصة وما ترتب عليه من نزول الآية وما فيها من نوع من العتاب.
(١٣ - باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): وهو أن يعتل للخروج بأن له حاجة في البلد الفلاني ولا يكون في نفس الأمر كذلك، انتهى.