بعضهم. . ." إلخ، يعني: أنهم اختلط الأمر عليهم فاختلفوا فيما بينهم أيضًا، وفي تقريره الآخر: ظنّ البخاري أن الفساد ههنا ما هو مقابل للبطلان كما هو مذهبنا في البيع الفاسد والباطل مع أن المتعة ليست بفاسدة بهذا المعنى، بل هي باطلة، ولم يفهم أنه لا فرق عندنا بين الفاسد والباطل في النكاح، وقال بعضهم - وهو زفر ﵀: المتعة والشغار جائز، المراد بالمتعة النكاح الموقت، وإنما أجاز زفر النكاح الموقت قياسًا على الشغار، وإنما المنسوخ في النكاح المتعة فقط، وقال علماؤنا الثلاثة: النكاح الموقت باطل كالمتعة إذ لا فرق بينهما إلا في اللفظ، والاعتبار للمعاني لا للألفاظ، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. . .) إلخ، قال الكرماني (١): فإن قلت: حيث قال بفساده فما معنى الاحتيال فيه؟ قلت: الفساد لا يوجب الفسخ لاحتمال إصلاحه بحذف الشرط منه كما قالوا في بيع الربا: لو حذف منه الزيادة صحّ البيع، أو المقصود منه القول الأخير، وهو القول بجوازه، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): واعلم أن نكاح الشغار نافذ عندنا، وأما ورود النهي عنه فهو مسلم، إلا أنه ليس كل نهي يقتضي البطلان، وإنما القبح فيه من جهة خلو البضعين عن العوض، وقد قلنا بوجوب مهر المثل فيه، فانعدم المعنى، فلو فعله أحد نفذ ولزمه مهر المثل، ونظيره قوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء"، فكذا يصح النكاح ويلغوا الشرط، وأما إيراده بجواز المتعة فلم يقل به منا أحد، غير أن زفر ذهب إلى تنفيذ النكاح الموقت، فإن لنفاذه صورة بإبطال الوقت، أما في المتعة فقد اتفقوا على بطلانها، انتهى.
стр. 3624
(٥ - باب ما يكره من الاحتيال في البيوع)
قال القسطلاني (١): ولم يذكر المؤلف في الباب حديثًا فيه البيع المترجم به فيحتمل أن يكون مما ترجم له، ولم يجد فيه حديثًا على شرطه فبيّض له، وعطف عليه "ولا يمنع فضل الماء" وذكر الحديث المتعلق به، انتهى.
قلت: وأصل هذا الجواب للكرماني حكاه عنه الحافظ (٢) أيضًا، وأفاد الكرماني (٣) أيضًا: فإن قلت: ما كيفية تعلقه بكتاب الحيل؟ قلت: هو إرادة صيانة الكلأ المباح لكل المشترك فيه، فتحيل بصيانة الماء ليلزم صيانته، قال الخطابي: هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء، وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية، فأمر صاحب البئر أن لا يمنع الماشية فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ؛ لأنهم إذا منعوا من الماء لا يبقى لهم مقام ثمة، انتهى.
(٦ - باب ما يكره من التناجش)
قال الحافظ (٤): أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تناجشوا"، وقد تقدم شرحه مستوفي في "كتاب البيوع"، والمراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم، انتهى.
قال الكرماني (٥): والتناجش أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه، وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن، انتهى.
(٧ - باب ما ينهى عنه من الخداع في البيع)
قال القسطلاني (٦): الخداع بكسر الخاء المعجمة وتفتح، وقال في
стр. 3625
شرح الحديث: قوله: "فقل: لا خلابة" أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، انتهى.
ثم اعلم أنه نقل الحافظ (١) ههنا كلام الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٢) بعد تهذيبه وتلخيصه ثم قال في آخره: وأطال في ذلك جدًا وهذا ملخصه، والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، والله تعالى أعلم.
(٨ - باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن بطال (٤): وفي حديث الباب أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها، ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها، انتهى.
(٩ - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت. . .) إلخ
قوله: (وقال بعض الناس. . .) إلخ، قال العيني: قوله: "أموالكم عليكم حرام" الحديث، هذان طريقان للحديثين المذكورين ذكرهما في معرض الاحتجاج، وليس فيهما ما يدلّ على دعواه، أما الأول فمعناه: أن أموالكم عليكم حرام إذا لم يوجد التراضي، وهنا قد وجد التراضي بأخذ المالك القيمة، وأما الثاني: فلا يقال في الغاصب في اللغة: إنه غادر؛ لأن الغدر ترك الوفاء، والغصب هو أخذ الشيء قهرًا وعدوانًا، وقول الغاصب: إنها ماتت كذب، ثم أخذ المالك القيمة رضا، انتهى.
стр. 3626
وفي هامش المصرية: قوله: "فتطيب للغاصب. . ." إلخ، أي: فتحل، والجمهور على خلاف ما ذكر فهو باطل، واستدل البخاري له بقوله: "قال النبي ﷺ . . ." إلخ، انتهى (١).
(١٠ - باب)
بغير ترجمة، قال العيني (٢): كذا وقع في رواية الأكثرين، وقد مرّ أمثال هذا فيما مضى، وإنه كالفصل لما قبله، ثم قال تحت حديث الباب: لما كان هذا الباب غير مترجم وهو كالفصل يكون حديثه مضافًا إلى الباب الذي قبله، ووجه التطابق ظاهر لنهيه ﷺ عن أخذ مال الغير إذا كان يعلم أنه في نفس الأمر للغير، وقال أيضًا: والحديث مضى في "المظالم" وفي "الشهادات"، وسيأتي في "الأحكام"، انتهى.
قلت: كأن المصنف أشار بهذا الباب إلى ردّ ما قال به الحنفية في نفاذ قضاء القاضي ظاهرًا وباطنًا، وهي مسألة خلافية معروفة، وأفاد صاحب "الفيض" (٣) في الباب السابق: واعلم أن بناء إيراده على خلافية أخرى، وهي أن قضاء القاضي بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ وقد فصّلها في "المبسوط" بما لا مزيد عليه، وجملة الكلام أن في المسألة قيودًا وشروطًا، إلى آخر ما ذكر في "الفيض"، فارجع إليه لو شئت.
(١١ - باب في النكاح)
تقدم الكلام على هذا الباب في "باب" بلا ترجمة، وتقدم هناك أن هذه الترجمة مكررة على بعض النسخ.
стр. 3627
(١٢ - باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. . .) إلخ
قال صاحب "الفيض" (١): أي: ما يقع بين الضرائر من الاختلافات والاحتيال فيها، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال ابن التِّين: معنى الترجمة ظاهر، إلا أنه لم يبين ما نزل في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
قال الحافظ: وقد ذكرت في التفسير الخلاف في المراد بذلك، وأن الذي في الصحيح هو العسل، وهو الذي وقع في قصة زينب بنت جحش، وقيل: في تحريم مارية، وأن الصحيح أنه نزل في كلا الأمرين، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وحديث الباب سبق في "الأطعمة" و"الأشربة" و"الطب" و"الطلاق"، انتهى.
قال العيني (٤) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "والله لنحتالن له"، فإن قلت: كيف جاز على أزواجه ﷺ الاحتيال؟ قلت: هذه من مقتضيات الطبيعة للنساء وقد عفي عنهن، قلت: وفيه أن الترجمة في كراهة الاحتيال لا في جوازه، فكيف المطابقة، وعندي أن المطابقة تحصل من مجموع ما وقع في هذه القصة وما ترتب عليه من نزول الآية وما فيها من نوع من العتاب.
(١٣ - باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): وهو أن يعتل للخروج بأن له حاجة في البلد الفلاني ولا يكون في نفس الأمر كذلك، انتهى.
стр. 3628
وفي هامشه: قال الحافظ (١): قال المهلب: يتصور التحيل في الفرار من الطاعون بأن يخرج في تجارة أو لزيارة مثلًا وهو ينوي بذلك الفرار من الطاعون، انتهى.
(١٤ - باب في الهبة والشفعة)
قال الحافظ (٢): أي: كيف تدخل الحيلة فيهما معًا ومنفردين، انتهى.
قال القسطلاني (٣) في شرح الترجمة: أي: ما يكره من الاحتيال "في" الرجوع عن "الهبة" والاحتيال في إسقاط "الشفعة، وقال بعض الناس" الإمام أبو حنيفة: "إن وهب" شخص "هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث" الشيء الموهوب "عنده" عند الموهوب له "سنين، واحتال" الواهب "في ذلك" بأن تواطأ مع الموهوب له أن لا يتصرف "ثم رجع الواهب فيها" أي: في الهبة "فلا زكاة على واحد منهما، فخالف" هذا القائل "الرسول" أي: ظاهر حديث الرسول " ﷺ في الهبة" المتضمن للنهي عن العود فيها، "وأسقط الزكاة" بعد أن حال عليها الحول عند الموهوب له، ووجوب زكاتها عليه عند الجمهور، وأما الرجوع فلا يكون إلا في الهبة للولد.
واحتج البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب وظاهره كما قال النووي (٤): تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهبه لولده.
وقال العيني (٥): لم يقل أبو حنيفة هذه المسألة على هذه الصورة بل قال: إن للواهب أن يرجع في هبته إذا كان الموهوب له أجنبيًا وقد سلمها له لأنه قبل التسليم يجوز مطلقًا، واستدل لجواز الرجوع بحديث ابن عباس عند الطبراني مرفوعًا: "من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها"،
стр. 3629
وحديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، قال: ولم ينكر أبو حنيفة حديث العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، بل عمل بالحديثين معًا، فعمل بالأول في جواز الرجوع، وبالثاني في كراهة الرجوع، واستقباحه لا في حرمته، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة، انتهى.
قوله: (فلا زكاة على واحد منهما. . .) إلخ، قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): إذا قبض الموهوب له هبة فهو مالك لها، فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزكاة [فيها] عند الجميع، وأما الرجوع فلا يكون عند الجمهور إلا فيما يوهب للولد، فإن رجع فيها الأب بعد الحول وجبت فيها الزكاة على الابن، انتهى من "الفتح".
قلت: وأما مذهب الأحناف فهو ما حكاه البخاري من عدم وجوب الزكاة عليهما، ففي "الدر المختار" (٣): وتسقط الزكاة عن موهوب له في نصاب مرجوع فيه مطلقًا سواء رجع بقضاء أو غيره بعد الحول، وقيد به، أي: بقوله: عن موهوب له لأنه لا زكاة على الواهب اتفاقًا لعدم الملك وهي من الحيل، انتهى. ولذا أورد الإمام البخاري على الأحناف في هذه الحيلة.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري وإن كان قائلًا بشفعة الجوار كما قال به الحنفية كما تقدم في محله، فلا يتوهم أنه مخالف للحنفية في هذا الجزء أيضًا، وإنما الإيراد على تجويزنا الحيلة في إسقاطها، فتأمل.
وفي "الفيض" (٤): قوله: "قال أبو عبد الله: فخالف. . ." إلخ، ومحصله أن القبح في مذهب الحنفية من وجهين، الأول: من قولهم بجواز الرجوع في الهبة، والثاني: بحكمهم بسقوط الزكاة بالحيلة، وفيهما نظر،
стр. 3630
أما الرجوع في الهبة فمكروه عندنا تحريمًا أو تنزيهًا ديانةً، وإن نفذ بالقضاء أو الرضاء، إلى أن قال بعد ذكر دليل الحنفية: ولا أرى أحدًا ينكر مقدمات الدليل فكيف بالنتيجة، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس: الشفعة للجوار. . .) إلخ، قال القسطلاني في "شرحه" (١): أي: فناقض كلامه لأنه احتج في شفعة الجار بحديث "الجار أحق بسقبه"، ثم تحيل في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، وليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، لكن المشهور عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهة لما فيه من الضرر لا سيما إن كان بين المشتري والشفيع عداوة ويتضرر بمشاركته، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقال ابن بطال (٣): أصل هذه المسألة أن رجلًا أراد شراء دار، فخاف أن يأخذها جاره بالشفعة، فسأل أبا حنيفة: كيف الحيلة في إسقاط الشفعة؟ فقال له: اشتر منها سهمًا واحدًا مشاعًا من مائة سهم، فتصير شريكًا لمالكها، ثم اشتر منه الباقي فتصير أنت أحق بالشفعة من الجار؛ لأن الشريك في المشاع أحق من الجار، وإنما أمره بأن يشتري سهمًا من مائة سهم لعدم رغبة الجار في شراء السهم الواحد لحقارته وقلة انتفاعه به، قال: وهذا ليس فيه شيء من خلاف السُّنَّة، وإنما أراد البخاري إلزامهم التناقض؛ لأنهم احتجوا في شفعة الجار بحديث: "الجار أحق بسقبه"، ثم تحيلوا في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية، فلا تحل الحيلة لإسقاط الشفعة عند مالك وأحمد، وتحل عند أبي حنيفة والشافعي، والبسط في "الأوجز" (٤).
стр. 3631
(١٥ - باب احتيال العامل ليهدى له)
قال العلامة القسطلاني (١): أي: كراهة احتيال العامل الذي يتولى في مال وغيره، ثم قال تحت حديث الباب: قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق، فلذلك قال: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر هل يهدى له"، وقال في "فتح الباري": ومطابقة الحديث للترجمة من جهة [أن] تملكه ما أهدي إنما كان لعلة كونه عاملًا فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها، فبين له ﷺ أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذلك إنما يكون حيث يتمحض الحق له، انتهى.
وقال الكرماني (٢): قالوا: احتيال العامل هو بأن ما أهدي له في عمالته يستأثر به ولا يضعه في بيت المال، وهدايا الأمراء والعمال هي من جملة حقوق المسلمين، انتهى.
قوله: (الجار أحق بسقبه) الحديث، قال الحافظ (٣): كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلًا بباب احتيال العامل، وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير، فإن الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة، فلما جعلت الترجمة مشتركة جمع مسائلها، ومن ثم قال الكرماني (٤): إنه من تصرف النقلة، وقد وقع عند ابن بطال هنا "باب" بلا ترجمة، ثم ذكر الحديث وما بعده، ثم ذكر "باب احتيال العامل"، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية "باب" بلا ترجمة، فسقطت الترجمة فقط أو بيض لها في الأصل، انتهى.
стр. 3632
قوله: (وقال بعض الناس: إذا اشترى دارًا بعشرين ألف درهم. . .) إلخ، قال العلامة القسطلاني (١) بعد تصوير صورة المسألة التي ذكرها البخاري: وهذا تناقض ظاهر؛ لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يردّ في الاستحقاق والردّ بالعيب إلا ما قبض، فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه منه البائع لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: "فأجاز" أبو حنيفة ﵀ "هذا الخداع بين المسلمين" أي: الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة، أو إبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها، وقال النبي ﷺ : "بيع المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة"، وهذا الحديث قد سبق في أوائل "البيوع" في "باب إذا بين البائعان"، قال في "الفتح" (٢): وسنده حسن وله طرق إلى العداء، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه موصولًا، انتهى.
وأما البراعة فلم يتعرض لها الحافظ، وعند هذا العبد الضعيف فما تقدم من مقدمة "اللامع" (٣) أنه في لفظ "ساوم" المشير إلى السام وهو الموت، وكذا في لفظ "البيت"، وقد أطلق في بعض الأحاديث على القبر، فتأمّل.
* * *
стр. 3633
٩١ - كتاب التعبير
هكذا في النسخ الهندية وهكذا في نسخة الحافظين ابن حجر و"العيني" وكذا "الكرماني"، وفي نسخة "القسطلاني" "باب التعبير" بدل كتاب.
قال العلامة القسطلاني (١): أي: تفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها قاله الراغب، وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة، انتهى.
وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد، وقيل: يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك، انتهى.
وقال الكرماني (٢): قالوا: الفصيح العبارة لا التعبير، وهي التفسير والإخبار بآخر ما يؤول إليه أمر الرؤيا، قيل: الرؤيا ما في المنام، والرؤية هي النظر بالعين، والرأي ما بالقلب، انتهى.
قال الحافظ (٣): والتعبير خاص بتفسير الرؤيا، ثم قال: وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه وهي بوزن فُعلى، وقد تسهل الهمزة، قال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إلى آخر ما حقق، وذكر
стр. 3634
الأقوال في تحقيق الرؤيا، ثم قال: قال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا.
وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة؛ لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقواله: فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء، ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، ومن ينتمي إلى الفلسفة، [يقول:] إن صورة ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشدّ فسادًا من الأول، لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السُّنَّة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يَسُرّ، أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يَضُرُّ، والعلم عند الله تعالى.
ثم بعد ما بسط الحافظ الكلام في تحقيق الرؤيا قال: ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة: وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم. والأضغاث: وهي لا تنذر بشيء، وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك، الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلًا ونحوه من المحال عقلًا، الثالث: أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام، انتهى.
стр. 3635
وفي هامش "اللامع" (١): وقد بسط الكلام على الرؤيا لفظًا ولغةً وحقيقةً في "الأوجز" أشدّ البسط، وفيه أفاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في "المسوى" (٢) في قوله ﷺ : "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان": فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، إنما الصحيح فيه ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع، إلى آخر ما ذكر.
وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في "تعطير الأنام": وقد قال بإبطال الرؤيا قوم من الملحدين يقولون: إن النائم يرى في منامه ما يغلب عليه من الطبائع الأربعة، وهذا الذي قالوه نوع من أنواع الرؤيا، وليست الرؤيا منحصرة في ذلك، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي في البخاري في "باب القيد في المنام" قول محمد بن سيرين قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله تعالى.
(١ - باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي. . .) إلخ
هذا من دأب الإمام البخاري ﵀ من أنه طالما يذكر في مبدأ الكتاب ما يتعلق ببدء مشروعية الحكم تاريخًا، فأشار بهذه الترجمة إلى مبدأ الرؤيا المعتبرة عند الشرع.
قال الحافظ (٣): ثم ساق المصنف حديث عائشة في بدء الوحي، وقد ذكره في أول الصحيح، وقد شرحته هناك، ثم استدركت ما فات من شرحه
стр. 3636
في تفسير ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وسأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره في الموضعين غالبًا، إلى آخر ما ذكر، فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب رؤيا الصالحين)
قال الحافظ (١): الإضافة إليه للفاعل لقوله في حديث الباب: "يراها الرجل الصالح"، وكأنه جمع إشارةً إلى أن المراد بالرجل الجنس، وقال في شرح الحديث: قال المهلب: المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، قال ابن العربي: رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها، قال: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة، وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلًا، وأخرج مسلم (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا"، ثم بسط الحافظ الكلام على شرح حديث الباب: "جزء من ستة وأربعين جزءًا" الحديث، وكذا على اختلاف ألفاظ الواردة فيه.
(٣ - باب الرؤيا من الله)
قال الحافظ (٣): أي: مطلقًا، وإن قيدت في الحديث بالصالحة فهو بالنسبة إلى ما لا دخول للشيطان فيه، وأما ما له فيه دخل فنسبت إليه نسبة مجازية مع أن الكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله تعالى، وإضافة الرؤيا إلى الله تعالى للتشريف، وظاهر قوله: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان" أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: حلم، والتي تضاف للشيطان، لا يقال لها: رؤيا، وهو تصرف شرعي، وإلا فالكل يسمى رؤيا، انتهى.
стр. 3637
قلت: وسيأتي التبويب بقوله: "باب الحلم من الشيطان" في هامش المصرية: قوله: "إذا رأى أحدكم رؤيا. . ." إلخ، يؤخذ منه مع ما يأتي في الباب الآتي أن آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة: حمد الله عليها والاستبشار بها وأن يحدث بها أي: من يحبه، وآداب الحلم أربعة: التعوذ بالله من شره ومن شر الشيطان، وأن يتفل عن شماله حين يستيقظ، وأن لا يحدث بها أحدًا، انتهى (١).
(٤ - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ آخر أحاديث الباب، فكأنه حمل الرواية الأخرى بلفظ "رؤيا المؤمن" على هذه المقيدة، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار إلى ترجيح هذا اللفظ، فإن الروايات في العدد مختلفة كما بسطه الحافظان ابن حجر والعيني، وكذا بسط الحافظ الكلام على معنى كونه جزءًا من النبوة، وقال بعضهم: لا يعلم حقيقتها إلا من يعلم علم النبوة.
وقال الكرماني (٣) عن الخطابي: قيل: مدة الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة المشرفة ستة أشهر، وهي نصف سنة، وهذه جزء من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء مدة زمان النبوة، وقال: معنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه، وكان جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، قال القاضي عياض: في بعض الروايات تسعة وأربعين، وفي بعضها سبعين، وفي بعضها خمسين، فقيل: هذا الاختلاف يرجع إلى اختلاف حال الرائي، فللصالح مثلًا جزء من ستة وأربعين، وللفاسق جزء من سبعين، وما بينهما لمن بينهما، انتهى.
стр. 3638
وفي "الفيض" (١): وقد تصدّى العلماء على إحداث المناسبات في العدد المخصوص، فتصح في بعض دون بعض، ومن شاء الكلام فيها على طور الصوفية فليراجع له "الإبريز"، انتهى.
فإن قيل: إن الرؤيا التي أريها ﷺ ستة أشهر كان ذلك قبل النبوة، فكيف صارت جزءًا منها؟ ويمكن الجواب عنه ما ذكره الكرماني (٢) تحت شرح الحديث. فإن قلت: هل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة: له شيء من النبوة؟ قلت: جزء النبوة ليس نبوة، إذ جزء الشيء غيره، أو لا هو ولا غيره، فلا نبوة له، انتهى.
قلت: وهو كذلك كما هو ظاهر، فإن تحقق الجزء من حيث أنه جزء وإن كان لا يمكن تحققه بدون الكل لكن يمكن تحققه في نفسه بدون لحاظ وصف الجزئية، فافهم.
وفي هامش النسخة المصرية (٣): قوله: "جزء من ستة وأربعين:. . ." إلخ، قال الكرماني: أي: في حق الأنبياء دون غيرهم، وقيل: معناه أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة؛ لأنها جزء باق من النبوة، انتهى.
ثم ليس في أول حديث الباب ما يطابق الترجمة، والجواب ما في هامش النسخة المصرية (٤) إذ قال: وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب الإشارة إلى أن الرؤيا إنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة، انتهى.
(٥ - باب مبشرات)
كذا في النسخة "الهندية" مجردًا عن اللام، وفي نسخة الشروح: "المبشرات"، قال العلامة القسطلاني (٥): بكسر المعجمة المشددة جمع مبشرة. وقول الحافظ ابن حجر: وهي البشرى تعقبه صاحب "عمدة القاري"
стр. 3639
فقال: ليس كذلك؛ لأن البشرى اسم بمعنى البشارة، والمبشرة اسم فاعل للمؤنث من التبشير، وهي إدخال السرور والفرح على المبشر بفتح المعجمة، وعند الإمام أحمد (١) من حديث أبي الدرداء: عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قال: "الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"، انتهى.
(٦ - باب رؤيا يوسف ﵇ -)
قال الحافظ (٢): كذا لهم، ووقع للنسفي: "يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن".
وقوله : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ فساق إلى ﴿سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ثم قال: "إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] ".
قوله: (وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]) إلخ، والمراد أن معنى قوله: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أي: التي تقدم ذكرها وهي رؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين له، فلما وصل أبواه وإخوته إلى مصر ودخلوا عليه وهو في مرتبة الملك وسجدوا له - وكان ذلك مباحًا في شريعتهم - فكان التأويل في الساجدين وكونها حقًا في السجود، وقيل: التأويل وقع أيضًا في السجود ولم يقع منهم السجود حقيقة، وإنما هو كناية عن الخضوع، والأول هو المعتمد، وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن قتادة في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قال: "كانت تحية من قبلكم، فأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة".
واختلف في المدة التي كانت بين الرؤيا وتفسيرها، فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في "الشعب" بسند صحيح عن سلمان الفارسي ﵁ قال: "كان بين رؤيا يوسف ﵇ وعبارتها أربعون عامًا"، وذكر البيهقي له شاهدًا
стр. 3640
عن عبد الله بن شداد وزاد: "وإليها ينتهي أمد الرؤيا"، وعن الحسن البصري قال: "كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة"، وعن ابن مسعود: "تسعين سنة" وغير ذلك من الأقوال التي ذكرها الحافظ، وقال: والأول أقوى، والعلم عند الله، انتهى.
(٧ - باب رؤيا إبراهيم ﵇. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وسقط لفظ "باب" لغيره، ثم ذكر قصة رؤيا إبراهيم، وذكر فيه عدة روايات، فارجع إليه لو شئت، وقال في آخر الباب: هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند، بل اكتفى فيهما بالقرآن، ولهما نظائر، انتهى.
(٨ - باب التواطؤ على الرؤيا)
أي: توافق جماعة على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم، قاله الحافظ (٢)، ثم قال تحت حديث الباب: ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة، انتهى.
(٩ - باب رؤيا أهل السجون والفساد)
قال الحافظ (٣): تقدمت الإشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم، قال أهل العلم بالتعبير: إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فإنها تكون بشرى له بهدايته مثلًا إلى الإيمان أو التوبة أو إنذارًا من بقائه على الكفر أو الفسق، وقد يرى ما يدل
стр. 3641
على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر، نعوذ بالله من ذلك، انتهى.
وفي هامش النسخة المصرية (١): قوله: ﴿فَتَيَانِ﴾ هما غلامان للملك أحدهما: خبَّازه، والآخر: ساقيه، واستدل به من قال: الرؤيا الصادقة تكون للكافر أيضًا لكن على معنى أن ما يبشر به يكون عن رضا الشيطان فينقص لذلك حظه.
(١٠ - باب من رأى النبي ﷺ في المنام)
بسط الحافظ (٢) الكلام على شرح حديث الباب وقال في آخره: والحاصل من الأجوبة ستة، أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل، دل عليه قوله في الرواية الأخرى: "فكأنما رآني في اليقظة"، ثانيها: أن معناها: سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه. رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، وهذا من أبعد المحامل. خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية. سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال.
ثم ذكر الحافظ معنيين آخرين زائدًا على تلك الستة نقلًا عن القرطبي، فارجع إليه لو شئت. ويمكن عندي في معناه أنه بشارة لتوفيق زيارة قبره ﷺ ، واستنبطت هذا المعنى من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من حجّ فزار قبري كان كمن زارني في حياتي"، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال الحافظ (٣) أيضًا في شرح قوله ﷺ : "ولا يتمثل الشيطان بي": وفي رواية: "لا يتمثل في صورتي"، وفي رواية: "إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي"، وفي رواية "فإن الشيطان لا يتكونني" قال الحافظ: والجميع
стр. 3642
راجع إلى معنى واحد، وقوله: "لا يستطيع" يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أيّ صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ ، وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من قال: لا بدّ أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورتها الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره الشريف، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي.
وقال الحافظ (١) أيضًا في موضع آخر: قال النووي: قال عياض (٢): يحتمل أن يكون المراد من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل.
قال الحافظ: ظاهر قول عياض أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى التعبير، قال ابن العربي: الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى ملخصًا من "الفتح".
وقال شيخنا الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه كما في هامش "اللامع" (٣) عن "الكوكب الدري" (٤): ذهب المتقدمون إلى أن ذلك حيث رآه في الحلية التي هي حلية آخر عمره ﷺ ، وقال الآخرون: بل كل حلية النبي ﷺ سواء كان حلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب المتأخرون - وهو الحق - إلى أن الرائي لما رآه ﷺ في أي حلية كانت، وعلم بالقرائن أنه النبي ﷺ فهو هو لا غيره، سواء رآه على حليته المنقولة عنه أو لا، والاختلاف فيه حينئذٍ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية، انتهى.
стр. 3643
قلت: قد اختلف في ذلك مشايخنا الدهلوية على ثلاثة أقوال: الأول: قول الشاه رفيع الدين قُدِّس سرُّه: أن من رآه ﷺ على هيئته المعروفة بلا تغير أصلًا فهو مصداق الحديث، حتى إن لو في لحيته ﷺ كانت عشرون شعرة بيضاء وهو رأى إحدى وعشرين مثلًا فلم يره ﷺ ، ووجه ذلك أن الصحابة الذين حكوا رؤياهم النبي ﷺ فكانت الصحابة يسألونهم عن صفة رؤياهم، فإذا طابقت صفة النبي ﷺ التي رأوها صدقوا الرؤيا وإلا كذبوا، والثاني: قول شيخ المشايخ عبد العزيز نوّر الله مرقده: أن رؤيته ﷺ في أيّ هيئة كانت كانت رؤيته ﷺ في الواقع ونفس الأمر إذا شهد قلب الرائي في الرؤيا أنه ﷺ ، والقول الثالث: قول الشاه محمد إسحاق المهاجر المكي: أنه رؤيته ﷺ إذا كانت في هيئة أتقياء زمانه، فهو رؤيا حق وإلا فلم يره ﷺ ، انتهى معرّبًا وملخصًا من كتاب "أرواح ثلاثة".
ثم إنه قد يختلج ههنا إشكال أشار إليه وإلى الجواب عنه الشيخ الكَنكَوهي في "اللامع" (١) حيث قال: ولعل الوجه في أن الشيطان لا يتكوّن بصورته ﷺ ، ويقدر على تخييل الرائي صورة الرب ﵎ أنه ﷺ رحمة محضة وهداية بحتة فلا يقدر الشيطان أن يتصور به؛ لكونه إضلالًا محضًا وغواية صرفة بخلاف الرب سبحانه، فإن ذاته تعالى قد اندمجت فيها جملة صفات الجلال والجمال، فمنه الهداية والرشاد، ومنه الإبعاد والإضلال، فلكل صفة من الصفات ومنها الإضلال انتسابًا إليه، فلم يكن بينهما غاية البعد كما كان ههنا، انتهى.
ثم ههنا اختلاف آخر وهو إمكان رؤيته ﷺ بعد وفاته في الدنيا في اليقظة، وهو بحث طويل ذكرها الشيخ ابن حجر المكي في "الفتاوى الحديثية" (٢)، وللسيوطي فيه رسالة "تنوير الحلك في رؤية النبي والملك"، وقد وقع لكثير من المشايخ كما ذكر بعضها الشعراني في "الميزان".
стр. 3644
وفي "البذل" (١): وقد نصّ على وقوع ذلك كرامة الأولياء خلق من الأمة كحجة الإسلام الغزالي وابن العربي وعز الدين، انتهى، كذا في هامش "اللامع" (٢).
(١١ - باب رؤيا الليل)
قال الحافظ (٣): أي: هل تساوي الرؤيا بالنهار أو تتفاوتان؟ وهل بين زمان كل منهما تفاوت؟ وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد: "أصدق الرؤيا بالأسحار" أخرجه أحمد مرفوعًا، وصحّح ابن حبان، وذكر نصر بن يعقوب الدينوري: أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلًا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق: أسرعها تأويلًا رؤيا القيلولة، انتهى.
(١٢ - باب الرؤيا بالنهار وقال ابن عون. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): هذا الأثر وصله القيرواني في "كتاب التعبير" له، قال القيرواني: ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار، وكذا رؤيا النساء والرجال، وقال المهلب نحوه، وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت، وقد يتفاوتان أيضًا في مراتب الصدق، انتهى.
وقال العلامة القسطلاني (٥): وقال أهل التعبير: إن رؤيا النهار بالعكس؛ لأن الأرواح لا تجول أصلًا والشمس في أعلى الفلك، وذلك أن قوتها تمنع من إظهار أمر الأرواح وتصرفها فيما تصرف فيه، وقيل: إن رؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل وأتم في الحال؛ لأن النور سابق لكل ظلمة إلى أن قال: وأما الوقت الذي تكون الرؤيا فيه أصحّ والذي تكون فيه فاسدة، فقالوا: تكون صحيحة في أيام الربيع، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3645
(١٣ - باب رؤيا النساء)
قال الحافظ (١): تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك، وذكر أيضًا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلًا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه، انتهى.
قلت: ولعل المصنف أشار إلى أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله ﷺ : "رؤيا المؤمن من الصالح جزء من أجزاء النبوة".
(١٤ - باب الحلم من الشيطان)
قال الحافظ (٢): هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث، انتهى.
قلت: وقرينه ما تقدم قبل عدة أبواب بقوله: "باب الرؤيا من الله"، ولم يظهر لي وجه إيقاع الفصل بين البابين اللَّهم إلا أن يقال: إنه فعل كذلك لإيقاظ الناظرين حتى يتذكروا ما تقدم من قرينه.
(١٥ - باب اللبن)
أي: إذا رُئي في المنام بماذا يعبر؟ قال المهلب: اللبن يدلّ على الفطرة والسُّنَّة والقرآن والعلم، وذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، انتهى من "الفتح" (٣).
وذكر الحافظ (٤) أيضًا من جملة فوائد الحديث مشروعية قصّ الكبير رؤياه على من دونه.
стр. 3646
وقال القسطلاني (١): رؤية اللبن في النوم تدلّ على السُّنَّة والفطرة، والعلم والقرآن؛ لأنه أوّل شيء يناله المولود من طعام الدنيا، وهو الذي يفتق أمعاءه، وبه تقوم حياته كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو يشاكل العلم من العلم من هذا الوجه، انتهى.
(١٦ - باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره)
قال الحافظ (٢): يعني في المنام، ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله، انتهى.
ولم يتعرض هو ولا غيره من الشرَّاح لغرض الترجمة، فالترجمة بظاهرها من قبيل قليل الجدوى، ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف في أمثال هذه المواضع استيعاب أجزاء الحديث بعقد الترجمة إيفاء لحقه واهتمامًا بشأنه، والله ولي التوفيق.
(١٧ - باب القميص في المنام)
وفي رواية الكشميهني: "القمص" بضمتين بالجمع، وكلاهما في الخبر، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٨ - باب جرِّ القميص في المنام)
تقدم وجه عقد الترجمة قبل باب، قال الحافظ (٤): قالوا: وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالقميص، واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبّر بالدين، وأن طوله يدلّ على بقاء آثار
стр. 3647
صاحبه من بعده، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذمّ في اليقظة شرعًا، أعني جرّ القميص لما ثبت من الوعيد في تطويله، ومثله ما سيأتي في "باب القيد"، وعكس هذا ما يذم في المنام ويحمد في اليقظة، انتهى.
(١٩ - باب الخضر في المنام)
قال الحافظ (١): الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر، وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها، ووقع في رواية النسفي: "الخضرة" بسكون الضاد وفي آخره هاء تأنيث، قال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضًا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك، انتهى.
(٢٠ - باب كشف المرأة في المنام)
ذكر المصنف فيه وكذا في الباب الذي بعده حديث عائشة في رؤية النبي ﷺ لها في المنام قبل أن يتزوجها، قال ابن بطال (٢): رؤيا المرأة في المنام يختلف على وجوه: منها: أن يتزوج الرائي حقيقة بمن يراها أو شبهها، ومنها: أن يدل على حصول دنيا أو منزلة فيها أو سعة في الرزق، وهذا أصل عند المعبرين في ذلك، وأما ثياب الحرير فيدلّ اتخاذها للنساء في المنام على النكاح، وعلى العزاء وعلى الغناء وعلى زيادة في البدن، انتهى من "الفتح" (٣).
(٢١ - باب الحرير في المنام)
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح": "ثياب الحرير في المنام"، وتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق.
стр. 3648
(٢٢ - باب المفاتيح في اليد)
أي: إذا رُؤيت في المنام، قال أهل التعبير: المفتاح مال وعز وسلطان، فمن رأى أنه فتح بابًا بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس، وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانًا عظيمًا، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٣ - باب التعليق بالعروة والحلقة)
قال الحافظ (٢): قال أهل التعبير: الحلقة والعروة المجهولة تدلّ لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه، انتهى.
(٢٤ - باب عمود الفسطاط تحت وسادته)
العمود بفتح أوله معروف، ما ترفع به الأخبية من الخشب، ويطلق أيضًا على ما يرفع به البيوت من حجارة، والفسطاط بضم الفاء وقد تكسر، وفيه لغات تبلغ ثنتي عشرة، وهو الخيمة العظيمة.
قال الحافظ (٣): كذا للجميع ليس فيه حديث، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٤): ولم يذكر هنا حديثًا، ولعله أشار بهذه الترجمة إلى ما أخرجه يعقوب بن سفيان والطبراني والحاكم، وصحّحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فأتبعته بصري، فإذا هو قد عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام".
قال الحافظ في "الفتح" (٥): لعل المصنف كتب الترجمة وبيّض للحديث فاخترمته المنية، ثم قال القسطلاني (٦): وللحديث طرق أخرى
стр. 3649
يقوي بعضها بعضًا، وعمود الكتاب عمود الدين، قال المعبرون: من رأى في منامه عمودًا فإنه يعبر بالدين، وأما الفسطاط فمن رأى أنه ضرب عليه فسطاط فإنه ينال سلطانًا بقدره، أو يخاصم ملكًا فيظفر، انتهى.
قلت: بسط الحافظ رحمه الله تعالى الكلام على هذه الترجمة، وذكر فيه أقوال الشرَّاح كابن بطال والمهلب وغيرهما، ثم قال: والمعتمد أن البخاري أشار بهذه الترجمة فذكر ما تقدم من كلام القسطلاني، وكذا تكلم عليه شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه" (١) إذ قال: أشار بهذه الترجمة إلى حديث أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فأتبعته بصري، فإذا هو قد عمد به إلى الشام" لعل تأويله استقرار الملك في الشام بعد انقضاء خلافة النبوة، والله أعلم، انتهى.
قلت: وحديث أبي الدرداء هذا ذكره الحافظ أيضًا، قال: وسنده صحيح كما قال الشيخ.
(٢٥ - باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام)
قال العيني (٢): الاستبرق هو الغليظ من الديباج، وهو فارسي معرب بزيادة القاف، وقد يعبر الحرير في المنام بالشرف في الدين والعلم؛ لأن الحرير من أشرف ملابس الدنيا، وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم، قوله: "دخول الجنة. . ." إلخ، عطف على الاستبرق، أي: رؤية الدخول في الجنة في المنام، ورؤية دخول الجنة في المنام تدلّ على دخولها في اليقظة، ويعبر أيضًا بالدخول في الإسلام الذي هو سبب لدخول الجنة، ومطابقة الحديث للجزء الأول من الترجمة تؤخذ من قوله: "سرقة من حرير" فإن السرقة قطعة من حرير، والاستبرق أيضًا نوع من الحرير، انتهى مختصرًا.
стр. 3650
(٢٦ - باب القيد في المنام)
قال الحافظ (١): أي: من رأى في المنام أنه مقيد ما يكون تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه ليعبّر بالثبات في الدين في جميع وجوهه، لكن أهل التعبير خصّوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى كما لو كان مسافرًا أو مريضًا فإنه يدلّ على أن سفره أو مرضه يطول، وكذا لو رأى في القيد صفة زائدة كمن رأى في رجله قيدًا من فضة فإنه يدل على أن يتزوج، وإن كان من صفر فإنه لأمر مكروه أو مال فات، إلى آخر ما ذكر.
(٢٧ - باب العين الجارية في المنام)
قال المهلب: العين الجارية تحتمل وجوهًا، فإن كان ماؤها صافيًا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا، وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت قد أحدثه أو أجراه، وقال آخرون: عين الماء نعمة وبركة وخير، إلى آخر ما في "الفتح" (٢).
(٢٨ - باب نزع الماء من البئر حتى يروى الناس)
بفتح الواو من الريّ، ثم مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة.
(٢٩ - باب نزع الذنوب والذنوبين. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث ابن عمر الذي قبله، وحديث أبي هريرة بمعناه، وفي الحديثين أنه من رأى أنه يستخرج من بئر ماءً أنه يلي ولايةً جليلةً، وتكون مدته بحسب ما استخرج قلة وكثرة، وقد تعبر البئر بالمرأة وما يخرج منها بالأولاد، وهذا الذي اعتمده أهل التعبير، ولم يعرجوا على الذي قبله، فهو الذي ينبغي أن يعول عليه، لكنه بحسب حال الذي ينزع الماء، والله أعلم، انتهى.
стр. 3651
(٣٠ - باب الاستراحة في المنام)
قال أهل التعبير: إن كان المستريح مستلقيًا على قفاه فإنه يقوى أمره وتكون الدنيا تحت يده؛ لأن الأرض أقوى ما يستند إليه، بخلاف ما إذا كان منبطحًا، فإنه لا يدري ما وراءه، انتهى من "الفتح" (١).
(٣١ - باب القصر في المنام)
قال أهل التعبير: القصر في المنام عمل صالح لأهل الدين، ولغيرهم حبس وضيق، وقد يفسر دخول القصر بالتزويج، انتهى من "الفتح" (٢).
(٣٢ - باب الوضوء في المنام)
قال أهل التعبير: رؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سلطان أو عمل، فإن أتمه في النوم حصل مراده في اليقظة، وإن تعذّر لعجز الماء مثلًا، أو توضّأ بما لا تجوز الصلاة به فلا، والوضوء للخائف أمانٌ، قاله الحافظ (٣).
(٣٣ - باب الطواف بالكعبة في المنام)
هو يدل على الحج و [على] التزويج وعلى حصول أمر مطلوب من الإمام وعلى بر الوالدين وعلى خدمة عالم، انتهى من "الفتح" (٤).
(٣٤ - باب إذا أعطى فضله غيره في المنام)
تقدّم الكلام على رؤية اللبن في المنام في بابه.
(٣٥ - باب الأمن وذهاب الروع في النوم)
الروع بفتح الراء الخوف، وأما الروع بضم الراء فهو النفس، قال أهل التعبير: من رأى أنه خائف من شيء أمن منه، ومن رأى أنه قد أمن
стр. 3652
من شيء فإنه يخاف منه، ثم ذكر الحافظ (١) في فوائد الحديث نقلًا عن ابن بطال (٢): أن أصل التعبير من قبل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا فيعبرها له الشارع ليكون ذلك عنده أصلًا، قال: وقد صرّح الأشعري بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم، قال ابن بطال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلًا فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيردّ ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلًا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه، انتهى.
(٣٦ - باب الأخذ على اليمين في النوم)
قال الحافظ (٣): وفي رواية: "باليمين"، ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبل، ويؤخذ منه أن من أخذ في منامه إذا سار على يمينه يعبر له بأنه من أهل اليمين، انتهى.
(٣٧ - باب القدح في النوم)
قال الحافظ (٤): القدح في النوم امرأة أو مال من جهة امرأة، وقدح الزجاج يدلّ على ظهور الأشياء الخفية، وقدح الذهب والفضة ثناء حسن، انتهى.
(٣٨ - باب إذا طار الشيء في المنام)
وفي هامش النسخة المصرية (٥): جواب "إذا" محذوف، أي: يعبّر بحسب ما يليق به، انتهى.
وقال الحافظ (٦): قوله: "باب إذا طار الشيء. . ." إلخ، أي: الذي
стр. 3653
من شأنه أن يطير، قال أهل التعبير: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ما له ضرر، فإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضًا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
(٣٩ - باب إذا رأى بقرًا تنحر)
في هامش النسخة المصرية (١): جواب "إذا" محذوف، أي: يعبّر بحسب ما يليق بها، فإن كانت سمينة فهي سنين رخاء، أو هزيلة فهي سنين قحط، انتهى.
قال الحافظ (٢): كذا ترجم بقيد النحر، ولم يقع ذلك في الحديث الذي ذكره عن أبي موسى، وكأنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، ففي رواية لأحمد: حدثنا جابر أن النبي ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا تنحر" الحديث.
قال الحافظ: ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني ثم ذكره فارجع إليه لو شئت، وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوهًا أخرى: منها أن البقرة الواحدة تفسر بالزوجة والمرأة والخادم والأرض، إلى آخر ما ذكر.
(٤٠ - باب النفخ في المنام)
قال أهل التعبير: النفخ يعبّر بالكلام، وقال ابن بطال (٣): يعبر بإزالة الشيء المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ، ويدلّ على الكلام، وقد أهلك الله الكذابين المذكورين بكلامه ﷺ وأمره بقتلهما، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 3654
(٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة)
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح": من "كوة".
قال الحافظ (١): واختلف في ضبط "كوة"، فوقع في رواية لأبي ذر بضم الكاف وتشديد الواو المفتوحة، ووقع للباقين بتخفيف الواو وسكونها بعدها راء، وهو المعتمد، والكورة: الناحية، انتهى.
ولم يتعرض الحافظ لوجه المطابقة.
قال العلامة القسطلاني: (٢) ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ" لأن في رواية ابن أبي الزناد: "أخرجت من المدينة وأسكنت بالجحفة" بزيادة همزة مضمومة قبل خاء "أخرجت" بالبناء لما لم يسم فاعله، وهو الموافق للترجمة، وظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي ﷺ وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به حيث قال: "اللَّهم حبِّب إلينا المدينة وانقل حماها إلى الجحفة"، انتهى.
(٤٢ - باب المرأة السوداء)
يراها الشخص في المنام، قاله القسطلاني (٣).
قال العيني (٤): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ولم يتعرضوا لتعبير المرأة السوداء سوى ما ذكر في الحديث.
(٤٣ - باب المرأة الثائرة الرأس)
أي: في المنام، قال العيني (٥) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث هو الحديث الماضي غير أنه أخرجه عن ثلاث (٦) شيوخ، فوضع لكل واحدة ترجمة، انتهى.
стр. 3655
قال القسطلاني (١): وثوران الرأس كما قاله بعضهم مؤول بالحمى؛ لأنه تثير البدن بالاقشعرار، انتهى.
(٤٤ - باب إذا رأى أنه هزَّ سيفًا في المنام)
قال الحافظ (٢): ذكر فيه طرفًا من حديث أبي موسى، وأورده في علامات النبوة بكماله، قال المهلب: هذه الرؤيا من ضرب المثل، ولما كان النبي ﷺ يصول بالصحابة عبّر عن السيف بهم وبهزّه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفي الهزّة الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبّر به عن اجتماعهم والفتح عليهم، ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه: منها أن من نالَ سيفًا فإنه ينال سلطانًا إما ولاية وإما وديعة وإما زوجة وإما ولدًا، إلى آخر ما بسط.
(٤٥ - باب من كذب في حلمه)
أي: فهو مذموم، أو التقدير باب إثم من كذب إلخ.
وأشار بقوله: "كذب في حلمه" مع أن لفظ الحديث "تحلَّم" إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو ما أخرجه الترمذي من حديث علي رفعه: "من كذب في حلمه كلّف يوم القيامة عقد شعيرة"، قال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشدّ مفسدة منه؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله لحديث: "الرؤيا جزء من النبوة"، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3656
(٤٦ - باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها)
قال القسطلاني (١) تحت شرح حديث الباب: قال الداودي: يريد ما كان من الشيطان، وأما ما كان من خير أو شر فهو واقع لا محالة، كرؤيا النبي ﷺ البقر والسيف، قال: وقوله: "ولا يذكرها لأحد" يدل على أنها إن ذكرت فربما أضرت، فإن قلت: قد مرّ أن الرؤيا قد تكون منذرة ومنبهة للمرء على استعداد البلاء قبل وقوعه رفقًا من الله بعباده لئلا يقع على غرة، فإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى للنفس وأبعد لها من أذى البغتة، فما وجه كتمانها؟ أجيب بأنه إذا أخبر بالرؤيا المكروهة يسوء حاله؛ لأنه لم يأمن أن تفسر له بالمكروه، فيستعجل الهم ويتعذب بها، ويترقب وقوع المكروه فيسوء حاله، ويغلب عليه اليأس من الخلاص من شرها، ويجعل ذلك نصب عينيه إلى آخر ما ذكر.
(٤٧ - باب من لم ير الرؤيا الأول عابر إذا لم يصب)
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": إشارة إلى ضعف ما روي "الرؤيا لأولى عابر"، قال الأستاذ: تأويله أن استقرار القلب على أحد الجانبين لأول عابر، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك الحافظ في "الفتح" (٢) ولخصه القسطلاني (٣) إذ قال: قوله: "إذا لم يصب" أي: في العبارة إذ المدار على إصابة الصواب، فحديث "الرؤيا لأول عابر" المروي عن أنس مرفوعًا معناه: إذا كان العابر الأول عالمًا فعبّر وأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، لكن يعارضه حديث أبي رزين: "أن الرؤيا إذا عبرت وقعت" إلا أن يدعى تخصيص عبّرت بأن يكون عابرها عالمًا مصيبًا، انتهى من هامش "اللامع" (٤).
стр. 3657
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) يعني: بذلك أن التعبير لا يضرّ شيئًا ولا ينفع في وقوعه ما هو مراد الرؤيا، سوى تأثيره في إيراث السرور أو الحزن، كما قررنا قبل ذلك في الترمذي وغيره، انتهى.
وفي هامشه: فقد أفاد في "الكوكب" (٢) في "باب إذا رأى في المنام ما يكره": قوله: "فإنها لا تضره" أي: يذهب بذلك وساوسه، وإلا فالمقدور كائن لا محالة إن كان الذي رآه حقًّا مطابقًا للواقع، وغير المقدور غير واقع لا محالة، وقوله: "إلا لبيبًا أو حبيبًا" لأن الحبيب لمحبته إياك واللبيب للبه لا يقول إلا خيرًا فيسرك، وإن كان غير ذلك عبّر بما يضرك فيسوءك، انتهى.
قال الحافظ (٣) بعد ذكر الروايات الواردة في هذا المعنى: أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله ﷺ لأبي بكر في حديث الباب: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بيَّنه له لكان الذي بيَّنه له هو التعبير الصحيح ولا عبرة بالتعبير الأول، انتهى مختصرًا.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): ثم إيراد الرواية في هذا الباب وجهه ظاهر، حيث لم يقع الأمر كما عبّره أبو بكر، وكان أول من عبّر هذه الرؤيا إذ لو كان وقوعه حسب تأويله للزم أن يكون الذي انفصم له الحبل هو الواصل بعد وصله، مع أن الأمر ليس كذلك، بل الواصل بعد وصل الحبل والذي علا به غير الذي انقطع الحبل لأجله، انتهى.
وفي "الفيض" (٥): واعلم أنهم اختلفوا في أن الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بأنفسها أو هي تابعة للتعبير كيفما عبرت؟ فذهب جماعة إلى الأول،
стр. 3658
ومنهم البخاري، وتمسك بقول النبي ﷺ : "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فدلّ على أن الرؤيا لها حقيقة، حيث لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لم تتغير حقيقتها، وتمسك الأولون بما عند الترمذي: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر" قلت: واختار التوزيع، فبعض أنواعها ينقلب بالتعبير، وبعضها لا، إلى آخر ما ذكر.
(٤٨ - باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)
قال الحافظ (١): فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم [قال:] لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الردّ على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، إلى آخر ما ذكر.
ثم البراعة في قوله: "تجاوز الله عنهم" وهذا عند الحافظ (٢)، وعندي رؤياه ﷺ كلها من أولها إلى آخرها مشتملة على أحوال البرزخ وما بعده (٣).
* * *
стр. 3659
٩٢ - كتاب الفتن
قال الحافظ ﵀ (١): الفتن جمع فتنة، قال الراغب (٢): أصل الفَتْن: إدخال الذهب في النار لتظهر جودَتُه من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يدفع فيه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالًا، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وهي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]، انتهى.
وفي "الفيض:" (٤) والفتنة ما يتميز بها المخلص من غير المخلص، وفي الحديث أن الأمة المحمدية تكثر فيها الفتن، ولم أزل أتفكر في مراده حتى تبين أن الأمم السابقة كان عذابهم الاستئصال، ولما قُدِّر بقاء تلك الأمة ولا بدَّ أن لا يزال يتميز الفاجر من الصالح قُدِّرَتْ فيها الفتن؛ لأنها هي التي يحصل بها التمييز، انتهى.
(١ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٥])
الترجمة مشتملة على جزئين: أحدهما هذا، والثاني قوله: "وما كان النبي ﷺ يحذر من الفتن".
стр. 3660
قال الحافظ (١) بعد ذكر الجزء الأول: قلت: ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قلنا للزبير - يعني: في قصة الجمل -: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل - يعني: عثمان - بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه - يعني: بالبصرة -؟ فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وأخرج أحمد بسند حسن من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة"، انتهى مختصرًا.
قوله: (وما كان النبي. . .) إلخ، يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والإحداث، فإن الفتن غالبًا إنما تنشأ عن ذلك، انتهى من "الفتح".
(٢ - باب قول النبي ﷺ : "سترون بعدي أمورًا تنكرونها ")
قال الحافظ (٢): هذا اللفظ بعد المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب، وهي ستة أحاديث، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وفي هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور ولزوم السمع والطاعة لهم، وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد إلا إذا وقع منه كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر، انتهى.
وقال الحافظ (٤) تحت الحديث الخامس: وفيه: وأن لا ننازع الأمر أهله. نقل ابن التِّين عن الداودي [قال:] الذي عليه العلماء في أمراء
стр. 3661
الجور، أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه، انتهى.
(٣ - باب قول النبي ﷺ : "هلاك أمتي على يدي أُغَيلَمة سفهاء ")
بسط الحافظ (١) الكلام على هذا الباب، وذكر الروايات الواردة في ذلك، ثم قال: وقد ذكره في الباب بدون قوله: "سفهاء"، وعند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: "إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش"، ولم يقف عليه الكرماني فقال: لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ "سفهاء" فلعله بوّب به ليستدركه ولم يتفق له، أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه، قلت: الثاني هو المعتمد، وقد أكثر البخاري من هذا، انتهى.
قلت: وهذا أصل معروف من أصول التراجم وهو الأصل الحادي والأربعون كما تقدم في المقدمة.
ثم قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): جاء المراد بالهلاك مبينًا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رفعه: "أعوذ بالله من إمارة الصبيان" قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم - أي: في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم" أي: في دنياكم، بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما.
تنبيه: قال الحافظ (٤): يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع
стр. 3662
أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشدّ في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك، انتهى.
قلت: وذكر بعض تلك الروايات الدميري في "حياة الحيوان" (١) في ذكر الوزغ، فارجع إليه لو شئت.
(٤ - باب قول النبي ﷺ : "ويل للعرب من شر قد اقترب ")
قال الحافظ (٢): إنما خصّ العرب بالذكر؛ لأنهم أوّل من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم، وذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث زينب بنت جحش، وهو مطابق للترجمة، قال ابن بطال (٣): أنذر النبي ﷺ في هذا الحديث بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم، وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة، فإذا فتح من ردمهم ذلك القدر في زمنه ﷺ لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): قوله: "من شر قد اقترب" أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان ﵁ وما وقع بين علي ومعاوية ﵄، وخصّ العرب بالذكر، فذكر ما تقدم في كلام الحافظ.
وقال القاري في "المرقاة" (٥): وخص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذٍ معظم من أسلم، والأظهر أن المراد به ما أشار إليه ﷺ في الحديث المتفق عليه بقوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج" الحديث، والله أعلم.