ومنهم البخاري، وتمسك بقول النبي ﷺ : "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فدلّ على أن الرؤيا لها حقيقة، حيث لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لم تتغير حقيقتها، وتمسك الأولون بما عند الترمذي: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر" قلت: واختار التوزيع، فبعض أنواعها ينقلب بالتعبير، وبعضها لا، إلى آخر ما ذكر.
(٤٨ - باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)
قال الحافظ (١): فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم [قال:] لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الردّ على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، إلى آخر ما ذكر.
ثم البراعة في قوله: "تجاوز الله عنهم" وهذا عند الحافظ (٢)، وعندي رؤياه ﷺ كلها من أولها إلى آخرها مشتملة على أحوال البرزخ وما بعده (٣).
* * *
стр. 3659
٩٢ - كتاب الفتن
قال الحافظ ﵀ (١): الفتن جمع فتنة، قال الراغب (٢): أصل الفَتْن: إدخال الذهب في النار لتظهر جودَتُه من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يدفع فيه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالًا، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وهي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]، انتهى.
وفي "الفيض:" (٤) والفتنة ما يتميز بها المخلص من غير المخلص، وفي الحديث أن الأمة المحمدية تكثر فيها الفتن، ولم أزل أتفكر في مراده حتى تبين أن الأمم السابقة كان عذابهم الاستئصال، ولما قُدِّر بقاء تلك الأمة ولا بدَّ أن لا يزال يتميز الفاجر من الصالح قُدِّرَتْ فيها الفتن؛ لأنها هي التي يحصل بها التمييز، انتهى.
(١ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٥])
الترجمة مشتملة على جزئين: أحدهما هذا، والثاني قوله: "وما كان النبي ﷺ يحذر من الفتن".
стр. 3660
قال الحافظ (١) بعد ذكر الجزء الأول: قلت: ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قلنا للزبير - يعني: في قصة الجمل -: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل - يعني: عثمان - بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه - يعني: بالبصرة -؟ فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وأخرج أحمد بسند حسن من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة"، انتهى مختصرًا.
قوله: (وما كان النبي. . .) إلخ، يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والإحداث، فإن الفتن غالبًا إنما تنشأ عن ذلك، انتهى من "الفتح".
(٢ - باب قول النبي ﷺ : "سترون بعدي أمورًا تنكرونها ")
قال الحافظ (٢): هذا اللفظ بعد المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب، وهي ستة أحاديث، انتهى.
قال القسطلاني (٣): وفي هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور ولزوم السمع والطاعة لهم، وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد إلا إذا وقع منه كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر، انتهى.
وقال الحافظ (٤) تحت الحديث الخامس: وفيه: وأن لا ننازع الأمر أهله. نقل ابن التِّين عن الداودي [قال:] الذي عليه العلماء في أمراء
стр. 3661
الجور، أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه، انتهى.
(٣ - باب قول النبي ﷺ : "هلاك أمتي على يدي أُغَيلَمة سفهاء ")
بسط الحافظ (١) الكلام على هذا الباب، وذكر الروايات الواردة في ذلك، ثم قال: وقد ذكره في الباب بدون قوله: "سفهاء"، وعند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: "إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش"، ولم يقف عليه الكرماني فقال: لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ "سفهاء" فلعله بوّب به ليستدركه ولم يتفق له، أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه، قلت: الثاني هو المعتمد، وقد أكثر البخاري من هذا، انتهى.
قلت: وهذا أصل معروف من أصول التراجم وهو الأصل الحادي والأربعون كما تقدم في المقدمة.
ثم قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): جاء المراد بالهلاك مبينًا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رفعه: "أعوذ بالله من إمارة الصبيان" قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم - أي: في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم" أي: في دنياكم، بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما.
تنبيه: قال الحافظ (٤): يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع
стр. 3662
أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشدّ في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك، انتهى.
قلت: وذكر بعض تلك الروايات الدميري في "حياة الحيوان" (١) في ذكر الوزغ، فارجع إليه لو شئت.
(٤ - باب قول النبي ﷺ : "ويل للعرب من شر قد اقترب ")
قال الحافظ (٢): إنما خصّ العرب بالذكر؛ لأنهم أوّل من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم، وذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث زينب بنت جحش، وهو مطابق للترجمة، قال ابن بطال (٣): أنذر النبي ﷺ في هذا الحديث بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم، وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة، فإذا فتح من ردمهم ذلك القدر في زمنه ﷺ لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): قوله: "من شر قد اقترب" أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان ﵁ وما وقع بين علي ومعاوية ﵄، وخصّ العرب بالذكر، فذكر ما تقدم في كلام الحافظ.
وقال القاري في "المرقاة" (٥): وخص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذٍ معظم من أسلم، والأظهر أن المراد به ما أشار إليه ﷺ في الحديث المتفق عليه بقوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج" الحديث، والله أعلم.
стр. 3663
قال الطيبي: أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان ﵁، أو ما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁، أقول: أراد به قضية يزيد مع الحسين ﵁، وهو في المعنى أقرب؛ لأن شره ظاهر عند كل أحد من العرب والعجم، وقال ابن الملك ﵀: قوله: "من شر" أي: من خروج جيش يقاتل العرب، وقيل: أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان واستمرت إلى الآن، انتهى.
وقال الحافظ في موضع آخر من "الفتح" (١): قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة: "ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا أنزل من الخزائن" فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة، فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم، حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر، انتهى.
(٥ - باب ظهور الفتن)
وسيأتي في "باب قوله ﷺ : الفتنة من قبل المشرق" أن ابتداء الفتن كان بسبب قتل عثمان.
قال الحافظ (٢) ذيل شرح حديث الباب: وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الأمور المذكورة، فأخرج الطبراني في "الأوسط" من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تظهر الفحش والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، ويظهر التحوت" قالوا: يا رسول الله وما التحوت والوعول؟ قال: "الوعول: وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم".
قال ابن بطال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها
стр. 3664
عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل.
قال الحافظ: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ، ثم قال: والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض.
قال ابن بطال: ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله: "يتقارب الزمان"، ثم بسط الحافظ الكلام في شرحه، ولخصه القسطلاني (١)، وتقدم الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢) في أبواب الاستسقاء.
وقال الحافظ أيضًا: وأما قول ابن بطال: إن بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال، فقد اختلف أيضًا في المراد بقوله: "ينقص العلم" ثم بسط الأقوال.
(٦ - باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه)
قال ابن بطال (٣): هذا الخبر من أعلام النبوة من إخباره ﷺ بفساد الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي، وإنما يعلم بالوحي، انتهى.
وقد استشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون
стр. 3665
التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل: إن الشر اضمحلَّ في زمانه لما كان بعيدًا فضلًا عن أن يكون شرًّا من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله ﷺ : "وخير القرون قرني" وهو في الصحيحين، وقوله: "أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" أخرجه مسلم، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (ربّ كاسية في الدنيا. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): واختلف في المراد بقوله: "كاسية وعارية" على أوجه: أحدها: كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها: كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك، ثالثها: كاسية من نعم الله تعالى عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، رابعها: كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة، خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة، انتهى من "الفتح".
стр. 3666
(٧ - باب قول النبي ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا ")
قال القسطلاني (١): أي: لقتالنا معشر المسلمين بغير حق لما في ذلك من تخويف المسلمين وإدخال الرعب عليهم، وكأنه كنى بالحمل على المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة، ومن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق، فيحمل على البغاة ومن بدأ بالقتال ظالمًا، انتهى.
(٨ - باب قول النبي ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ")
قال الحافظ (٢) ﵀: وفي الباب خمسة أحاديث، وترجم بلفظ ثالث، وتقدم بيان المراد به في أوائل "كتاب الديات"، وجملة الأقوال فيه ثمانية: أحدها: قول الخوارج أنه على ظاهره، ثانيها: هو في المستحلين، ثالثها: المعنى كفارًا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين، رابعها: تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضًا، خامسها: لابسين السلاح يقال: كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبًا، سادسها: كفارًا بنعمة الله تعالى، سابعها: المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا، ثامنها: لا يكفر بعضكم بعضًا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر ويكفر أحدهما، ثم وجدت تاسعًا وعاشرًا ذكرتهما في "كتاب الفتن"، كذا قال الحافظ في "كتاب الديات"، وقال ههنا في "كتاب الفتن": والتاسع: أن المراد ستر الحق، والكفر لغة الستر؛ لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقه الثابت له عليه، والعاشر: أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، انتهى مختصرًا.
стр. 3667
(٩ - باب قول النبي ﷺ : "تكون فتنةٌ القاعد فيها خير. . .") إلخ
في هامش المصرية (١): المراد بالخيرية أن يكون المفضل أقلّ شرًا من المفضل عليه إذ القاعد عن الفتنة أقل شرًا من القائم لها، والقائم لها أقل شرًا من الماشي لها، والماشي لها أقل شرًا من الساعي في إثارتها، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٢) تحت حديث الباب: وفيه التحذير من الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن جميعها، أو المراد ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، وعلى الأول فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقال آخرون بالتحول عن بلد الفتنة أصلًا، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إذا هجم عليه في شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وماله وأهله وهو معذور إن قتل أو قتل، انتهى.
وذكره الحافظ في "الفتح" (٣) بشيء من البسط.
وذكر النووي فيه ثلاثة مذاهب وأجاد إذ قال في "شرح مسلم" (٤) تحت حديث الباب: وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة فقالت طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي وغيره، وقال ابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وغيرهما: لا يدخل فيها، لكن إن قصد دفع عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام. وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة
стр. 3668
علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه لمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون، والله أعلم، انتهى.
قال الحافظ (١): وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء تلك الأحاديث على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، واتفق أهل السُّنَّة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفى الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، إلى آخر ما بسط.
(١٠ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلًا، وقيل: هو محمول على من استحل ذلك، انتهى.
(١١ - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة)
قال الحافظ (٣): المعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل أن يقع الإجماع على خليفة.
وبسط الحافظ الكلام على شرح الحديث فقال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابًا فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل
стр. 3669
الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، انتهى.
(١٢ - باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)
أي: أهلهما، والمراد بالسواد الأشخاص، وقد جاء عن ابن مسعود مرفوعا: "من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به"، أخرجه أبو يعلى، انتهى من "الفتح" (١).
(١٣ - باب إذا بقي في حثالة من الناس)
قال الحافظ (٢): أي: ماذا يصنع؟ وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححّه ابن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، وشبّك بين أصابعه" قال: فما تأمرني؟ قال: "عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم"، قال ابن بطال: أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه؛ لأن العلاء ليس من شرطه، فأدخل معناه في حديث حذيفة، انتهى.
(١٤ - باب التعرب في الفتنة)
أي: السكنى مع الأعراب، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر إليها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيًا، وكان إذ ذاك محرمًا إلى أن أذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة إشارةً إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن، كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك، فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3670
(١٥ - باب التعوذ من الفتن)
قال ابن بطال (١): في مشروعية ذلك الردّ على من قال: سلوا الله الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، وزعم أنه ورد في حديث، وهو لا يثبت رفعه، بل الصحيح خلافه.
قال الحافظ: أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ: "لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان، فإنها تبير المنافقين"، وفي سنده ضعيف ومجهول، وقد تقدم في "الدعوات" عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء، قال العلماء: أراد ﷺ مشروعية ذلك لأمته، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٦ - باب قول النبي ﷺ : الفتنة من قبل المشرق)
في هامش المصرية (٣): أي: تأتي من جهته؛ لأن أهله يومئذ أهل كفر، انتهى.
قال الحافظ (٤): وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل "كتاب الفتن" وجه الجمع بينه وبين قوله ﷺ : "إني لأرى الفتن خلال بيوتكم"، وكان خطابه ذلك لأهل المدينة، انتهى.
وقال الحافظ (٥) هناك: وإنما اختصت المدينة بذلك؛ لأن قتل عثمان ﵁ كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبالصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه، ثم إن قتل عثمان أشد أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق،
стр. 3671
فلا منافاة بين حديث ال باب وبين حديث: "أن الفتنة من قبل المشرق"، انتهى.
قلت: وقد ورد في "سنن أبي داود" (١) في "باب خبر الجساسة" أن الدجال في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو ما هو مرتين، وأومأ بيده قبل المشرق.
(١٧ - باب الفتنة تموج كموج البحر. . .) إلخ
قال العلامة العيني (٢): قيل: أشار به إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي ﵁: في هذه الأمة خمس فتن، فذكر الأربعة، ثم فتنة تموج كموج البحر، وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم، أي: لا عقول لهم، انتهى، وهكذا في "الفتح" (٣).
(١٨ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (٤): كذا للجميع بغير ترجمة، وسقط لابن بطال، وذكر فيه ثلاثة أحاديث تتعلق بوقعة الجمل، وتعلقه بما قبله ظاهر، فإنها كانت أول وقعة تَقَاتَل فيه المسلمون، انتهى.
(١٩ - باب إذا أنزل الله بقوم عذابًا)
حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث، قاله الحافظ (٥).
وقال أيضًا: يقال: إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم، وهذا ليس له أصل، وعموم حديث عائشة يردّه، وقد شوهدت السفينة ملآى
стр. 3672
من الرجال والنساء والأطفال تغرق فيهلكون جميعًا، ومثله الدار الكبيرة تحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعًا أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديمًا، ثم من القرامطة، ثم من التتر أخيرًا، والله المستعان، انتهى.
وقال أيضًا (١): وجنح ابن أبي جمرة (٢) إلى أن الذين يقع لهم ذلك بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقًا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب، إلى آخر ما بسط.
ثم قال: ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي، وما قدمناه قريبًا أشبه بظاهر الحديث، وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي، انتهى.
(٢٠ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: إن ابني هذا سيد. . .) إلخ
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح": "لسيد" بزيادة اللام.
قال الحافظ (٣): ولم أر في شيء من طرق المتن "لسيد" باللام كما وقع في هذه الترجمة، انتهى.
قوله: (بين فئتين من المسلمين) أي: طائفة الحسن وطائفة معاوية ﵄، وفيه علم من أعلام نبينا ﷺ ، فقد ترك الحسن الملك ورعًا ورغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة ولا لذلة، بل صالح معاوية رعايةً للدين وتسكينًا للفتنة وحقن دماء المسلمين، روي أن أصحاب
стр. 3673
الحسن قالوا له: يا عار المؤمنين! فقال ﵁: "العار خير من النار"، وفي الحديث أيضًا دلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب، انتهى من "القسطلاني" (١).
وبسط الحافظ (٢) الكلام على فوائد الحديث، وتقدمت هذه الترجمة بهذا اللفظ في "كتاب الصلح"، ولا يتوهم التكرار فإن ذكره هناك من حيث الصلح، وههنا لمناسبة الفتنة، إذ الصلح كان لدفع الفتنة.
(٢١ - باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث ابن عمر: "ينصب لكل غادر لواء"، وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية، وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا، وحديث حذيفة في المنافقين، ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة، ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر، وسيأتي في "كتاب الأحكام" ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك، وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم: كنا نعده نفاقًا، ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق، وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا، انتهى.
قلت: وسيأتي معنى هذه الترجمة في "كتاب الأحكام" ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك، ويأتي الفرق هناك.
стр. 3674
(٢٢ - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور)
بضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمجهول من الغبطة، وهي تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله، قاله الحافظ (١) ..
وقال في شرح الحديث: قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر، انتهى.
وليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: "لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء".
ثم قال الحافظ: قال ابن عبد البر: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا، وقال غيره: ليس بينهما معارضة لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع.
قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: "وليس به الدين إنما هو البلاء" فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.
стр. 3675
قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، إلى آخر ما بسط.
(٢٣ - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان)
قال الحافظ (١) ذيل شرح حديث الباب: قال ابن بطال (٢): هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق" الحديث، ثم بسط الحافظ الكلام على هذا فارجع إليه لو شئت.
ثم ذكر المصنف في الباب حديثين، ومطابقة الأول للترجمة ظاهرة، وأما مطابقة الثاني فقد قال الحافظ: قال الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء، وذكر ابن بطال أن المهلب أجاب بأن وجهه: أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة، فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الأحكام، بأن يطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك، انتهى.
وحاصله: أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان، وتغيره أعم من أن يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر، فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلًا، وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر، واستدل بقصة القحطاني على أن الخلافة يجوز أن تكون في غير قريش، إلى آخر ما في "الفتح" (٣).
(٢٤ - باب خروج النار. . .) إلخ
أي: من أرض الحجاز، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، والمراد بالأشراط
стр. 3676
العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وتقدم في " باب الحشر" من "كتاب الرقاق" صفة حشر النار لهم، قاله الحافظ (١).
وقال أيضًا: قوله: "حتى تخرج نار. . ." إلخ، قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة المنورة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراق، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة وجبال بصرى، قال النووي (٢): تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام، انتهى.
ومطابقة الحديث الثالث بالترجمة يستفاد من كلام الحافظ (٣) حيث قال: ولا مانع أن يكون ذلك عند خروج النار للمحشر، انتهى.
(٢٥ - باب)
بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، لكن سقط من شرح ابن بطال، وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله، وعلى الأول فهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به من جهة الاحتمال أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه
стр. 3677
الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى ابن مريم، وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال، بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر عليه من ولده وأهله، وهذا أظهر الاحتمالات، وهو المناسب لصنيع البخاري، والعلم عند الله، ثم بسط الحافظ (١) الكلام على ثاني حديثي الباب.
(٢٦ - باب ذكر الدجّال)
قال القسطلاني (٢): بتشديد الجيم فعال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتلبيس، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مخلوقاته كإحياء الميت الذي يقتله، وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره، ثم يعجزه الله بعد ذلك، فلا يقدر على شيء، ثم يقتله عيسى ﵇، وفتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب، انتهى.
قال الحافظ (٣): قال القرطبي في "التذكرة": اختلف في تسميته دجالًا على عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد وغيره؟ وعلى الثاني فهل هو كان موجودًا في عهد رسول الله ﷺ أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟
стр. 3678
فأما الأول: فيأتي بيانه في "كتاب الاعتصام" في شرح حديث جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال، وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي وأنه محبوس في بعض الجزائر، وأما الثالث: ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية، وأما سبب خروجه؟ فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية، أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى: أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم، وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب.
وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الإلهية، كما أخرج الطبراني، وأما الذي يظهر على يده من الخوارق فيذكر ههنا.
وأما متى يهلك ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله، أخرجه مسلم أيضًا، وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال" أخرجه الحاكم، وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من "الحلية" بسند حسن صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، انتهى مختصرًا من "الفتح".
وحديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي عزاه الحافظ إلى مسلم، أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (١) كذا قال الدميري.
стр. 3679
(٢٧ - باب لا يدخل الدجّال المدينة)
قال الحافظ (١): أي: المدينة النبوية، ذكر فيه ثلاثة أحاديث، انتهى.
قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر مكة.
قال الحافظ: وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر، كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أنه يهودي وأنه لا يولد له، وأنه لا يدخل المدينة ولا مكة، أخرجه مسلم، انتهى.
وقد تقدمت هناك هذه الترجمة في فضائل المدينة من "كتاب الحج"، وورد في بعض الأحاديث هناك ذكر مكة فقد تقدم هناك من حديث أنس مرفوعًا: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة" الحديث، ومع ذلك لم يعقد المصنف لذلك ترجمة ولم أر من تعرض له، فليتدبر.
(٢٨ - باب يأجوج ومأجوج)
تقدم شيء من أحوالهم في "باب قصة يأجوج ومأجوج" من "كتاب الأنبياء"، ولا يتوهم التكرار فذكرهم هناك لكونهم من جملة الخلائق، وههنا لمناسبة فتنتهم كما لا يخفى، ونظائره في البخاري كثيرة.
ثم البراعة في قوله: "أنهلك وفينا الصالحون"، وأيضًا فتح ردم يأجوج ومأجوج مذكر لأهوال القيامة (٢).
* * *
стр. 3680
٩٣ - كتاب الأحكام
قال الحافظ (١): الأحكام جمع حكم، والمراد بيان آدابه وشروطه، وكذا الحاكم، ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي، فذكر ما يتعلق بكل منهما، والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، ومادة الحكم من الإحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب، انتهى.
قال القسطلاني (٢): جمع حكم، وهو عند الأصوليين خطاب الله وهو كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابًا المتعلق بأفعال المكلفين، وهم البالغون العاقلون من حيث إنهم مكلفون، وخرج بفعل المكلفين خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته، وذوات المكلفين والجمادات كمدلول ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وإذا تقرر أن الحكم خطاب الله فلا حكم إلا لله خلافًا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل، انتهى.
قلت: وترجم في "الموطأ" بكتاب الأقضية.
وفي "الأوجز" (٣) عن "الدر المختار" (٤): القضاء بالمد والقصر لغةً: الحكم، وقال الدردير (٥): هو لغة يطلق على معان، منها: الفراغ، ومنها: الأداء، ومنها الحكم، وهو المراد ههنا، والقاضي الحاكم.
وبسط في "الأوجز" الكلام على أبواب القضاء عن ابن رُشد (٦).
стр. 3681
وفي "الفيض" (١) بعد ذكر معنى الحكم: ولا يدرى ماذا يريد به المحدثون، فإنهم يعقدون باب الأحكام، ثم يخرجون تحته جزئيات القضاء، انتهى.
كذا قال، ولكن لا إشكال فيه، فإنه قد تقدم عن "الدر المختار" أن الحكم والقضاء بمعنى، فإخراج المصنف تحته جزئيات القضاء ليس في غير محله.
(١ - باب قول الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩])
قال الحافظ (٢): في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء، خلافًا لمن قال: نزلت في العلماء، وقد رجح ذلك أيضًا الطبري، وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك، انتهى.
(٢ - باب الأمراء من قريش)
ولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو يعلى والطبراني، وفي لفظ للطبراني "الأئمة" بدل "الأمراء"، وله شاهد من حديث علي رفعه: "ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثًا" الحديث إلى آخر ما ذكر الحافظ من الروايات الواردة في ذلك.
ثم قال: ولما لم يكن شيء منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة، وأورد الذي صحّ على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة.
وبسط الحافظ الكلام على مضمون حديث الباب كون الأمراء من قريش (٣).
стр. 3682
قال القسطلاني (١): قال النووي: في الحديث أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم، ومن خالف في ذلك من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة، قال ابن المنيِّر: وقد ظهر ما قاله رسول الله ﷺ ، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم، انتهى.
ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني.
قال الحافظ (٢) بحثًا على المسألة: قال القرطبي (٣): هذا الحديث خبر عن المشروعية، أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): والمشهور في كتب الكلام أن القريشية شرط للخلافة الكبرى، وفي "الدر المختار" في "باب الإمامة": أن الإمامة على نحوين: إمامة صغرى، وإمامة كبرى، وتشترط القريشية في الكبرى، ولا يشترط كونه سيدًا، نعم في "مواهب الرحمن": أنها ليست بشرط عند إمامنا، إلى آخر ما ذكر.
(٣ - باب أجر من قضى بالحكمة. . .) إلخ
سقط لفظ "أجر" من رواية أبي زيد المروزي، وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه، فيمكن أن يؤخذ من لازم الإذن في تغبيط من قضى بالحكمة، فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه، وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الأجر، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3683
(٤ - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية)
إنما قيَّده بالإمام وإن كان في أحاديث الباب الأمر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إمامًا؛ لأن محل الأمر بطاعة الأمير أن يكون مؤمرًا من قبل الإمام، انتهى من "الفتح" (١).
(٥ - باب من لم يسأل الله الإمارة أعانه الله)
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" والنسخة التي عليها حاشية السندي ففيها "باب من لم يسأل الإمارة" بدون زيادة لفظ الجلالة، ولم يتعرض لذلك الاختلاف أحد من الشرَّاح، وما في نسخ الشروح هو الأوجه.
قال الحافظ (٢) تحت حديث الباب: ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار"، والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي، أو يحمل الطلب هنا على القصد، وهناك على التولية، قال المهلب: والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله، وقال ابن التِّين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الآية [يوسف: ٥٥]، وقال سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، قال: ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء، انتهى.
وقال القاري في "المرقاة" (٣) تحت شرح حديث الباب: الإمارة بكسر الهمزة، أي: لا تطلب الحكومة والولاية، لا من الخلق ولا من الخالق، انتهى.
стр. 3684
(٦ - باب من سأل الإمارة وكل إليها)
قال العلامة العيني (١) تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب الذي قبله، وهو حديث واحد، غير أنه جعل له ترجمتين باعتبار اختلاف رواته، وباعتبار قسمته على شطرين، فجعل لكل شطر ترجمة، انتهى.
قلت: فعل ذلك لمزيد الاهتمام، ومثله في الكتاب كثير كما لا يخفى على الناظر.
(٧ - باب ما يكره من الحرص على الإمارة)
أي: على تحصيلها، ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله.
قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلًا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، والله تعالى أعلم، انتهى من "الفتح" (٢).
(٨ - باب من استرعي رعية فلم ينصح)
قوله: (استرعي) بضم المثناة على البناء للمجهول، يعني: جعل راعيًا على رعية، وجواب من محذوف، اكتفى عن ذكره بما في حديث الباب، انتهى من "العيني" (٣).
قال الحافظ (٤): وقد أخرج الطبراني في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن قال: لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا، إلى آخر ما في "الفتح".
стр. 3685
(٩ - باب من شاق شاق الله عليه)
في رواية النسفي: "من شق" بغير ألف، والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة، فهو من الجزاء بجنس العمل، قاله الحافظ (١).
(١٠ - باب القضاء والفتيا في الطريق)
قال الحافظ (٢): كذا سوّى بينهما، والأثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء، والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا، فيلحق به الحكم، ونقل عن المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع، فإن كانت لضعيف فهو محمود، وإن كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه.
قلت: والمثال الثاني ليس بجيد، فقد يترتب على المسؤول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون في هذه الحالة محمودًا.
قال: واختلف في القضاء سائرًا أو ماشيًا، فقال الأشهب: لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم، وقال سحنون: لا ينبغي، وقال ابن حبيب: لا بأس بما كان يسيرًا، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا، قال ابن بطال (٣): وهو حسن، وقول أشهب أشبه بالدليل، وقال ابن التِّين: لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضًا، كذا أطلق، والأشبه التفصيل، وقد تقدم في "كتاب العلم" ترجمة: "الفتيا على الدابة"، ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم: "وطاف رسول الله ﷺ على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه"، والأحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيًا وراكبًا كثيرة، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٤): قد مرَّ أن الفتيا والقضاء قد يختلفان في
стр. 3686
الفقه، والظاهر من كلام المصنف أن لا فرق في القضاء والفتوى عنده، انتهى.
(١١ - باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بوَّاب)
أي: راتب ليمنع الناس من الدخول عليه، قاله القسطلاني (١).
قال الحافظ (٢): قال المهلب: لم يكن للنبي ﷺ بواب راتب، يعني: فلا يردّ ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابًا للنبي ﷺ لما جلس على القف.
قال الكرماني (٣): معنى قوله: "لم يجد عليه بوابًا" أنه لم يكن له بواب راتب، أو في حجرته التي كانت مسكنًا له، أو لم يكن البواب بتعينه بل باشرا ذلك بأنفسهما، يعني: أبا موسى ورباحًا، قلت: والأول كاف، وفي الثاني نظر؛ لأنه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
وقال القسطلاني (٤): واختلف في مشروعية الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يستحب لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرير، ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم، ففي أبي داود والترمذي (٥) بسند جيد مرفوعًا: "من ولاه الله من أمر الناس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة"، انتهى.
زاد الحافظ: ومنهم من قيَّد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الأحكام، ومنهم من عمم الجواز، انتهى.
стр. 3687
(١٢ - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه)
أي: الذي ولّاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك، قاله الحافظ (١).
وفي "الفيض" (٢): يعني أن القضاء بالقصاص لا يختص بالحاكم الأعلى، بل يقضي به من كان تحته من الحكام أيضًا، انتهى.
ويظهر من كلام الشرَّاح أن الغرض من الترجمة الردّ على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد مشاورة الإمام الذي ولّاهم، كما في "الفتح" وغيره.
قال الحافظ (٣): قال ابن بطال (٤): اختلف العلماء في هذا الباب، فذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده إلا فيما أذن له فيه، وحكمه عند غيرهم حكم الوصي، له التصرف في كل شيء، ويطلق يده على النظر في جميع الأشياء إلا ما استثني، انتهى.
ونقل الطحاوي عنهم أن الحدود لا يقيمها إلا أمراء الأمصار، ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه، ونقل ابن القاسم: لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الأمصار، ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها إلا بالفسطاط، يعني: لكونها منزل متولي مصر، وقال أشهب: بل من فوّض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له أن يفعله، وعن الشافعي نحوه، قال ابن بطال: والحجة في الجواز حديث معاذ، فإنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبي ﷺ ، انتهى من "الفتح".
قلت: وحاصل المقام أنه يجوز عندنا الحنفية لأمير البلد إقامة الحد، صرّح به صاحب "البدائع" (٥) إذ قال: وللإمام أن يستخلف على إقامة
стр. 3688
الحدود لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطلت الحدود، ثم الاستخلاف نوعان: تنصيص وتولية، أما التنصيص فهو أن ينصّ على إقامة الحدود، فيجوز للخليفة إقامتها بلا شك، وأما التولية فعلى ضربين: عامة وخاصة، فالعامة هي أن يولي رجلًا ولاية عامة، مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم، فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها، والخاصة أن يولي رجلًا ولايةً خاصةً مثل جباية الخراج ونحو ذلك، فلا يملك إقامة الحدود؛ لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود، انتهى ملخصًا.
فحديث معاذ في قتل المرتد لا يخالف الحنفية؛ لأن أبا موسى ومعاذًا كانا أميرين على اليمن، وهو بلد عظيم، ولذا قال النووي في "شرح مسلم" (١) تحت حديث معاذ هذا: قال القاضي عياض: وفيه أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود في القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة إلى آخر ما قال.
وأما عمال السواد والمياه فيجوز لهم إقامة الحد عند الشافعي، ورواية عن مالك كما تقدم في كلام الحافظ، ولا يجوز لهم إقامة الحد عندنا الحنفية كما تقدم النقل بذلك عن الطحاوي، فاستدلال بعض شرَّاح البخاري مثل الحافظ وتبعه القسطلاني على أنه يجوز لعمال السواد إقامة الحدود، فهذا الاستدلال كما ترى ليس في محله، وأيضًا فإن حديث الباب في قتل المرتد، وأحكام المرتد يغاير أحكام الحدود، فإن قتل المرتد عندنا أيضًا غير مفوض إلى الإمام كما في "حاشية ابن عابدين" بخلاف إقامة حد الرجم فإنه مفوض إليه أو إلى نائبه، فتدبر وتشكر، فهذا غاية توضيح للمقام.
وفي الحديث الأول قد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة، فأشار الكرماني إلى أنها تؤخذ من قوله: "دون الحاكم" لأن معناه "عند"، وهذا
стр. 3689
جيد إن ساعدته اللغة، وعلى هذا فكأن قيسًا كان من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي ﷺ بأمره، سواء كان خاصًا أم عامًا.
قال الكرماني (١): ويحتمل أن تكون "دون" بمعنى "غير"، قال: وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير، قلت: فيلزم أن يكون استعمل في الترجمة "دون" في معنيين، انتهى.
وقال العلامة السندي (٢): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، فالأول والثاني إما لمجرد نصب الإمام الحاكم؛ لأن ترجمة الباب تتوقف عليه، والثالث لإفادة حكم ذلك الحاكم بالقتل، أو الأوّلان لإفادة الترجمة أيضًا نظرًا إلى العادة حيث إن نصب الحاكم عادة لا يخلو عن حكمه بالقتل، والله أعلم، انتهى.
(١٣ - باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان)
وفي نسخة "الفتح": "القاضي" بدل "الحاكم".
قال الحافظ (٣): قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار، وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريّان" قال الشافعي في "الأم": أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب، ثم قال: لو خالفه فحكم في حال الغضب صحّ إن صادف الحق مع الكراهة، هذا
стр. 3690
قول الجمهور، وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، انتهى مختصرًا، والبسط في "الفتح".
وفي "الفيض" (١) تحت ترجمة الباب: وقد ورد عنه النهي في الحديث، وأشار المصنف إلى تقسيم فيه، فإن ملك نفسه ولم يغلب عقله جاز له القضاء وإلا لا، انتهى.
(١٤ - باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه، أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس، وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله تعالى كالحدود؛ لأنها مبنية على المسامحة، وله في حقوق الناس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم، بخلاف ما علمه في ولايته، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية ففي "الأوجز" (٣) تحت حديث: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته" الحديث: قال الزرقاني (٤): تمسك به أحمد ومالك في المشهور عنه، أن الحاكم لا يقضي بعلمه لإخباره ﷺ أنه لا يحكم إلا بما سمع، ولم يقل على نحو ما علمت، وقال الشافعي وجماعة: يقضي بعلمه مطلقًا، وقال أبو حنيفة: في المال فقط دون الحدود وغيرها، وأجمعوا على أنه يجرح ويعدل بعلمه، انتهى.
وقال الموفق (٥): ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا في ما علمه قبل الولاية ولا بعدها، وهذا قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك، وهو قول أبي ثور، وقال أبو حنيفة: ما كان
стр. 3691
من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه، وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علم في ولايته حكم به، انتهى.
وهذا التفصيل في مسلك الحنفية إنما هو على قول الإمام، وأما عند صاحبيه فيجوز مطلقًا في حقوق العباد سواء علمه قبل القضاء أو بعده، كما في "الدر المختار" (١) وغيره، وأما قوله: "إذا لم يخف الظنون والتهمة" فقيد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه؛ لأن الذين منعوا ذلك مطلقًا اعتلوا بأنه غير معصوم، فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه، فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٥ - باب الشهادة على الخط المختوم. . .) إلخ
مراده: هل تصح الشهادة على الخط بأنه خطّ فلان؟ وقيد بالمختوم؛ لأنه أقرب إلى عدم التزوير على الخط.
قوله: (وما يجوز من ذلك. . .) إلخ، يريد أن القول بذلك لا يكون على التعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يمنع ذلك مطلقًا فتضيع الحقوق، ولا يعمل بذلك مطلقًا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزًا بشروط.
قوله: (وكتاب الحاكم إلى عامله. . .) إلخ، يشير إلى الردّ على من أجاز الشهادة على الخط، ولم يجزها في كتاب القاضي وكتاب الحاكم، كذا في "الفتح" (٣)، وفيه أيضًا: وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام: الشهادة على الخط، وكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الإقرار بما في الكتاب، وظاهر صنيع الإمام البخاري جواز جميع ذلك.
فأما الحكم الأول فقال ابن بطال (٤): اتفق العلماء على أن الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه إلا إذا تذكر تلك الشهادة، فإن كان
стр. 3692
لا يحفظها فلا يشهد، فإنه من شاء انتقش خاتمًا، ومن شاء كتب كتابًا، وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وأجاز مالك الشهادة على الخط، ونقل عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك، وقال الطحاوي: خالف مالكًا جميع الفقهاء، وعدّوا قوله شذوذًا؛ لأن الخط يشبه الخط.
وأما الحكم الثاني فقال ابن بطال (١): اختلفوا في كتب القضاة، فذهب الجمهور إلى الجواز، واستثنى الحنفية الحدود، وهو قول الشافعي، والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي؛ لأنه لم يصر مالًا إلا بعد ثبوت القتل، قال: وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك، حجتهم فيه ظاهرة من الحديث؛ لأن النبي ﷺ كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدًا على كتابه، قال: ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد، فاحتيط للدماء والأموال.
وأما الحكم الثالث فقال ابن بطال (٢): اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، وقال مالك: يجوز ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٣)، والبسط فيه.
وفي "الفيض" (٤): ثم اشتهر أن الخط غير معتبر عندنا؛ لأن الخط يشبه الخط، قلت: وذلك عندما يقع الجحود، وأما في البين فهو معتبر، كما أيّده الشامي في رسالة سمّاها "نشر العرف"، وحقق اعتباره إذا أمن من التزوير، واعتبروه في كتاب القاضي إلى القاضي أيضًا، انتهى.
стр. 3693
وفي هامش النسخة "الهندية" (١): قوله: "وقال بعض الناس. . ." إلخ، أراد به الحنفية، وليس غرضه من هذا إلا التشنيع عليهم، وحاصل غرض البخاري إثبات المناقضة فيما قاله الحنفية، فإنهم قالوا: كتاب القاضي جائز إلا في الحدود، ثم قالوا: إن كان القتل خطأ يجوز فيه؛ لأن قتل الخطأ في نفس الأمر لعدم القصاص فيه ملحق بسائر الأموال، والجواب أن يقال: لا نسلم أن الخطأ والعمد واحد فإن مقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص ووجوب المال، وأي نسبة بين المال وبين القصاص، انتهى مختصرًا.
قوله: (يجيزون كتب القضاء بغير محضر من الشهود. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (٢): وهذا غير مختار عندنا، بل لا بد من شهود الكتابة عندنا، انتهى.
(١٦ - باب متى يستوجب الرجل القضاء. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: متى يستحق أن يكون قاضيًا، قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "آداب القضاء" له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسُّنَّة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة بهم، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهمًا بكلام الخصوم، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه
стр. 3694
ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.
قال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيًا، والأصل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، انتهى.
وفي "حاشية البجيرمي" (١) من فروع الشافعية: ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكمل فيه خمس عشرة خصلة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة، ومعرفة أحكام الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة الإجماع والاختلاف، ومعرفة طرق الاجتهاد، ومعرفة طرف من لسان العرب، ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى، وأن يكون سميعًا، وبصيرًا، وأن يكون كاتبًا، والخامسة عشرة أن يكون متيقظًا، انتهى.
وفي "البدائع" (٢) من فروع الحنفية: الصلاحية للقضاء لها شرائط: منها: العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الإسلام، ومنها: الحرية، ومنها: البصر، ومنها: النطق، ومنها: السلامة عن حد القذف؛ لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات، وهي الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة.
وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند
стр. 3695
أصحاب الحديث كونه عالمًا بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، وكذا العدالة عندنا ليست بشرط الجواز لكنها شرط الكمال، انتهى مختصرًا.
قوله: (وقرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ. . .﴾ [المائدة: ٤٤]) إلخ، قال صاحب "الفيض" (١): ذكر ابن خلدون في مقدمته: أن اليهود كانوا تفرقوا فرقتين: منهم من كان يعمل بالقياس، ويسمى بالربانيين، ومنهم من كان ينكره، ويقال لهم: الأحبار، وأبعد ابن حزم حيث شدد الكلام في القائسين ومن دان دينهم، انتهى.
(١٧ - باب رزق الحاكم والعاملين عليها. . .) إلخ
هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال المطرزي: الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه كل عام، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ عطفًا على الحاكم، أي: ورزق العاملين عليها، أي: على الحكومات، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات، وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]، قال الطبري: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه، قال
стр. 3696
المهلب: وجه الكراهة أنه محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) في شرائط الأخذ إذا كانت في مال بيت المال شبهة.
(١٨ - باب من قضى ولاعن في المسجد)
قال الحافظ (٢): الظرف يتعلق بالأمرين، فهو من تنازع الفعلين، ويحتمل أن يتعلق بـ "قضى" لدخول "لاعن" فيه، فإنه من عطف الخاص على العام، قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم؛ لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك، وقال الشافعي: أحب إليّ أن يقضى في غير المسجد لذلك، انتهى.
وفي "الهداية" (٣): ويجلس للحكم جلوسًا ظاهرًا في المسجد، كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين، والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر، وقال الإمام الشافعي: يكره الجلوس في المسجد للقضاء إلى أن قال: وكان رسول الله ﷺ يفصل الخصومة في معتكفه، وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد، لفصل الخصومات، ولأن القضاء عبادة، إلى آخر ما ذكر.
قلت: وقد تقدم نحو هذا الباب في أبواب المساجد بلفظ "باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء"، ذكر صاحب "الفيض" (٤) ههنا تحت ترجمة الباب: وافق أبا حنيفة في أن القضاء عبادة، فيصح في
стр. 3697
المسجد، فإن كان المدعى عليه ممن لا يجوز له الدخول في المسجد كالحائض يخرج إليه أو يرسل نائبه، وقال الشافعية: إنه ليس بعبادة فلا يقضى في المسجد، انتهى.
(١٩ - باب من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حدٍّ أمر أن يخرج. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خصّ جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شيء يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث، انتهى.
وتعقب عليه العلامة العيني (٢) فارجع إليه لو شئت، وقال تحت حديث الباب: قوله: "كنت فيمن رجمه بالمصلى. . ." إلخ، مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.
وقال القسطلاني (٣) تحت قوله: "اذهبوا به فارجموه. . ." إلخ، وإنما أمر بإخراجه من المسجد؛ لأن الرجم فيه يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يناسب المسجد، فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود، فليتأمل مع الترجمة، ثم ذكر اختلاف العلماء في إقامة الحدود في المسجد.
قال الحافظ (٤) تحت شرح حديث الباب: قال ابن بطال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه الشعبي وابن أبي ليلى، وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد، وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد، انتهى.
والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة