← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 403–442 · переход к 408.

стр. 403

أرسطو: إنه القلب، وبه قال القاضي أبو زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي وأحمد في رواية، وترجم البخاري في "الأدب المفرد" (١) "باب العقل في القلب" وأخرج بسند حسن عن عياض بن خليفة عن علي ﵁ أنه سمعه بصفين يقول: إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة. وذهب الأطباء إلى أن محله الدماغ، ويُحكى عن أبي حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو المعين النسفي الحنفي، وعزاه صدر الإسلام إلى عامة أهل السُّنَّة والجماعة. وسبب نقل هذا القول عن أبي حنيفة ومالك ومحمد ما قالوا فيمن ضرب رأس رجل فأفسد عقله أن فيه الدية، وأجاب عنه ابن أمير الحاج الحنفي بأنه لا يمتنع زوال العقل وهو في القلب لفساد الدماغ لما بينهما من الارتباط، كما لا يمتنع عدم نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين لما بينهما من الارتباط، وبنحوه أجاب أبو عبد الله الأبي المالكي، وقد نقل ابن تيمية عن طائفة من أصحاب أحمد أن أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ، والله أعلم. (٤٠ - باب أداء الخمس من الإيمان) وفي "تراجم شيخ الهند": لقد مرَّت مثل هذه الأبواب بكثرة في مواضع مختلفة، ولا يظهر في هذا الباب جديد أمر، بل غاية ما في الباب أن يكون قد أشار بلفظ الأداء إلى أنه كما مر "الصلاة من الإيمان" و"الزكاة من الإسلام" وغيرهما من الأبواب، يضاف إليها لفظ مناسب كلفظ الأداء ههنا، ولذا ترى أن حديث عبد القيس المذكور في هذا الباب ذكر في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان صراحة، والله أعلم.

стр. 404

ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر وعد في "باب صلاة الجنائز من الإيمان" أنه يذكر وجه تأخير هذا الباب عن الباب المذكور في هذا الباب، ولم أجد هذا في كلامه، وقد يوجّه - والله أعلم - أن الخمس يؤخذ من الغنائم، وحصولها لا تخلو عن سبق شهادة لرجل مجاهد، فكأن هذا الحال بعد الموت وأقرب أحوال الموت التي تكون بعده صلاة الجنازة، فلذا أخَّر عنه هذا الباب، ولكن لا يخفى أنه كان ينبغي على هذا أن يؤخِّر "باب الجهاد من الإيمان" أيضًا، فإنه لا تخلو عن موت وشهادة عادة، إلا أن يجاب بأن الجهاد سابق على صلاة الجنائز، وقسمة الغنائم يؤخر عن صلاة الجنازة لأنها مما أمر بالإسراع إليها بخلاف قسم الغنيمة، والله أعلم. وفي "اللامع" (١): قوله: "أن تعطوا من المغنم الخمس" أدخله في الإيمان، فعلم زيادة الإيمان بزيادة الأعمال، وهذا على رأي من جعل الأمور المذكورة تفسيرًا للإيمان، وأن الثلاثة الباقية غير مذكورة ههنا، والمذكورة تفسير للإيمان الذي هو أحد الأربعة، انتهى. وبسط في هامشه اختلافهم أن هذه المذكورة تفسير للإيمان أو غيره. قوله: (أقم عندي) ذكر بين سطور الكتاب: لأنه كان يترجم لابن عباس الفارسية، انتهى. والأوجه عندي: أن ذلك لرؤيا رآها أبو جمرة كما سيأتي النص بذلك في "كتاب الحج" في "باب التمتع والإقران" بلفظ: "قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" (٢)، وستأتي الرؤيا في الباب المذكور. قوله: (فأمرهم بأربع) فيه إشكال معروف أن المفسر خمسة. وأجيب في هامش "اللامع" (٣) عن هذا الإشكال بسبعة وجوه

стр. 405

مبسوطة، وهكذا في "الكوكب" (١) وهامشه، وما سيأتي من الروايات المصرحة بأنه ﷺ عقد واحدة على شهادة أن لا إله إلا الله تعيّن أنها واحدة كما سيأتي في "باب وجوب الزكاة"، ومن "كتاب الجهاد" في "باب أداء الخمس من الدين"، وفي "باب عبد القيس" من "كتاب المغازي"، ويشكل عليه ترجمة الإمام البخاري، وأجاب عنه ابن رُشيد: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس والأعمال التي تدخل بها الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان، ويشكل على الحديث أيضًا عدم ذكر الحج فيه، وأجيب عنه أيضًا بأجوبة ذكرت في هامش "اللامع" منها: أنه لم يكن فرض حينئذ، واعتمده الحافظ ابن حجر (٢). (٤١ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية) اختلفوا في غرض الترجمة، قال ابن بطال: غرض البخاري الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان هو القول باللسان دون عقد القلب، كذا نقله الكرماني (٣). وذكر شيخ الهند ما تعريبه: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بابين بعد الفراغ من الإيمان والأعمال والاجتناب عن المعاصي، وجملة الأمور المتعلقة بالإيمان، والظاهر أن غرضه من الباب الأول أن جملة أعمال الخير المذكورة سابقًا - ويدخل فيه الإيمان أيضًا - مدارها على النيَّة الخالصة لوجه الله تعالى، وكذا الاجتناب من المعاصي وترك المنكرات المطلوب منه ما كان ابتغاءً لوجه الله، وبدون النية الصالحة الصادقة لا يفيد أي عمل ولا يعد من الطاعات، فإن الاهتمام بالنية أهم من كل الأمور، والله أعلم.

стр. 406

وأفاد الحافظ وتبعه القسطلاني (١) وغيره: أن كون الإيمان محتاجًا إلى النية إنما هو على رأي البخاري من أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نيَّة كسائر أعمال القلوب من خشية الله وعظمته والتقرب إليه؛ لأنها متميزة لله تعالى فلا تحتاج لنية تميزها؛ لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياءً، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحِمْية، ويظهر من كلام العلامة السندي (٢) أن هذا الباب ذكره البخاري استطرادًا فإنه قال: وكأنه ذكره ههنا لتعلق النية بالقلب الذي هو محل الإيمان، انتهى. وفي "اللامع" (٣): قوله: إن الأعمال بالنية، يعني: بذلك ثوابها، انتهى. وفي هامشه: لله در الشيخ ما أجاد في هذه الجملة وملأ بحرًا عميقًا في كوزة، فأشار بالكلمة الواحدة إلى أبحاث طويلة، والمعنى: أن الإمام البخاري يريد بهذا الباب أن ثواب الأعمال بالنية كما هو رأي السادة الحنفية - شكر الله سعيهم - فإنهم قالوا: إن الثواب منوط بحسن النية، ولا يثاب الرجل على عمل بدونه، وهو الذي أراد الإمام البخاري ههنا، ولذا فسَّر النية بالحسبة. ولله در الحنفية إذ فرقوا في الأعمال فقالوا: الأعمال التي هي عبادة محضة لا تصح بدون النية؛ لأن الأجر هو المقصود منها، والأعمال التي فيها معنى آخر غير التعبد تصح بدون النية كالوضوء وغيره، ألا ترى أن الوقف والعتق وغيرهما تصح من الكافر ولا نية له أصلًا. قال الحافظ (٤): المراد بالحسبة طلب الثواب، وأيَّد الإمام البخاري

стр. 407

مراده بالآية بقوله: "شاكلته: نيته"، وبقوله ﷺ : "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة"، ولذا ذكره في الترجمة تنبيهًا على مقصده، ثم ذكره في الروايات حجةً وإثباتًا لمرامه، ولا يمكن أن يراد في هذا الباب صحة الأعمال لحديث النفقة، أفترى من أنفق على أهله رياءً وفخرًا أفلا تسقط عنه النفقة الواجبة؟ وأما اختلاف العلماء في صحة الأعمال على النية، فبمعزل عن هذا الباب يشير إليه الإمام البخاري في مواضعها، فإن الإمام ذكر حديث الأعمال بالنيات في سبعة مواضع من "صحيحه" كما تقدم ذكرها، فيظهر من النظر على هذه المواضع كلها أن المصنف يستدل بها تارة على الحسبة وأخرى على صحة الأعمال، وأراد ههنا الحسبة انتهى. وإليه أشار الشيخ. وقال العيني (١): المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة، ولا يكون العمل عملًا إلا بالنية والإخلاص، فلذا ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور، انتهى. والفروع التي أشار إليها البخاري في الترجمة خلافية شهيرة بسطت في محلها، وجملتها أن قوله: (والوضوء) أشار به إلى خلاف من لم يشترط فيه النية كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وخالفهم الجمهور. (والصلاة) لا خلاف في اشتراط النية فيها. (والزكاة) قال النووي في "شرح المهذب": لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها، وبوجوبها قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وجماهير العلماء، وشذ عنهم الأوزاعي وقال: لا تجب ويصح أداؤها بلا نية، انتهى.

стр. 408

(والحج) لا خلاف في اشتراط النية في الحج في الجملة، إلا فيمن نوى عن غيره ولم يحج بنفسه يقع عنه لحديث ابن عباس في قصّة رجل لَبّى عن شبرمة، أخرجه أصحاب السنن (١)، قال ابن رجب: أخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور أن حج الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، لا يشترط للحج تعيين النية، انتهى. (والصوم) أشار به إلى خلاف من زعم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زفر، كذا في "الفتح" (٢). (والأحكام) قال الحافظ (٣): أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج، أي: المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيره، وكل صورة لم تشترط فيها النية فذاك لدليل خاص، ثم ذكر عن ابن المنيِّر ضابطًا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط. (٤٢ - باب قول النبي ﷺ : الدين النصيحة. . .) إلخ قال شيخ الهند نَوَّرَ الله مرقدَه: نقل المؤلف ﵀ في هذا الباب روايتين عن جرير بن عبد الله ﵁، وورد في الأولى منهما: "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وفي الثانية: "والنصح لكل مسلم" فقط، ولكن الرواية الأولى لما لم تكن على شرط المؤلف جعلها المؤلف حسب عادته ترجمة، وذكر الرواية الثانية مسندة، وما نقص أكمله بالآية. وغالب الظن أن غرض المؤلف الأصلي في هذا المحل بيان "والنصح لكل مسلم"، وهو مذكور في الروايتين المرويتين في الباب، والمقصود أن النصح والإخلاص مع المسلمين داخل في الدين والإسلام، وترك النصح موجب للخلل والنقصان، وظهر عنه مضرة الغش وخداع المسلمين، ولذا

стр. 409

ينبغي الاهتمام به أيضًا مع جملة الأمور الإيمانية، فالنصح لله ولعباده المؤمنين، وتصحيح المعاملة معهما من كمال الإيمان، والله الموفق. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "الدين النصيحة" وهي متفاضلة فيتفاضل الدين وهو الإيمان، انتهى. وفي هامشه: نبَّه الشيخ بذلك على مناسبة الباب بكتاب الإيمان. وقال الكرماني (٢): هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وبسط الكلام على ذلك في هامش اللامع تحت حديث جرير. وفي "تحفة القارئ" للأعز المحترم مولانا محمد إدريس الكاندهلوي: ختم الكتاب بباب قول النبي ﷺ : "الدين النصيحة"، وأورد فيه حديثًا جامعًا لحقوق الله تعالى وحقوق رسوله وحقوق المسلمين، وشاملًا لجميع أمور الدين وشُعب الإيمان إجمالًا، فأشار البخاري إلى أن النصيحة شعبة عظيمة من شعب الإيمان إلى آخر ما بسطه، وتقدم شيء من ذلك في أول الكتاب تحت حديث "إنما الأعمال بالنيات". وأفاد العزيز المولوي محمد يونس - سَلّمه - في وجه تأخير هذا الباب: أن المصنف لعله لَمَحَ بتأخير هذا الباب عن الأبواب الباقية إلى أنه كأنه يقول: كل ما أوردت في هذا الكتاب من المسائل الإيمانية من أنه مركب من قول وعمل، ويزيد وينقص، وغير ذلك، إنما أردت به النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين امتثالًا لقول النبي ﷺ ، ولم أقصد محض الرد على أحد، بل كان مقصودي بذلك بذل المجهود في النصح للمسلمين، والله أعلم. قوله: (حتى يأتيكم أمير) بدل أميركم المتوفى المغيرة. (فإنما يأتيكم الآن) والمراد زياد، إذ وَلّاه معاويةُ بعدَ وفاةِ المغيرة الكوفةَ، أو المراد الآن حقيقة، فيكون المراد جريرًا نفسه إذ وَلّاه المغيرة

стр. 410

عند موته، كذا في "القسطلاني" (١). وفي "اللامع" (٢): إنما أمرَهم بالتقوى؛ لأن خلو البلد عن أمير أدعى لهم إلى الفساد وارتكاب المعاصي لعدم من يقيم الحدود والتعازير، فأوصاهم بتقوى الله لذلك. وفي هامشه: كان المغيرة واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، وقيل: استناب جرير المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكور (٣)، انتهى. وقوله: "الآن" منصوب على الظرفية. قال الكرماني (٤): إما أن يريد به حقيقته فيكون ذلك الأمير جرير نفسه، أو يريد به المدة القريبة من الآن، فيكون ذلك الأمير زيادًا، إذ ولَّاه معاويةُ الكوفةَ، انتهى مختصرًا. وقال الكرماني: "الوقار" - بفتح الواو -: الحلم والرزانة، (والسكينة): السكون والدعة، و (باتقاء الله) إشارة إلى ما يتعلق بمصالح الدين، والوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا، وإنما نصحهم بالحلم والسكون لأن الغالب أن وفاة الأمير تؤدي إلى الفتنة والاضطراب من الناس والهرج والمرج، وذكر الاتقاء لأنه ملاك الأمر ورأس كل خير، انتهى. وتقدم الكلام في المقدمة على براعة الاختتام في آخر كل كتاب، وهي ههنا عند الحافظ في قوله: (ثم استغفر ونزل) فإن النزول إشارة إلى انقراض الخطبة وختمها. والأوجه عندي: في ذكر موت الأمير، فإن الموت يذكِّر الموت. * * *

стр. 411

٣ - كتاب العلم قال الكرماني (١): إنما قدَّم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده؛ لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على الإيمان لوجوبه أولًا أو لشرفه عن العلم، انتهى. أو لأن العلم المعتبر هو المرتب على الإيمان، وإلا فهو أشد من الجهل: علم كه راهِ حق نه نمايد جهالت است وأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة، انتهى من هامش "اللامع" (٢) بزيادة. قال القاري في "المرقاة" (٣) والعلم نور في قلب المؤمن مقتبس من مشكاة النبوة من الأقوال والأفعال والأحوال، يهتدي به إلى الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فإن حصل بواسطة البشر فهو كسبي، وإلا فهو العلم اللدُنِّي المنقسم إلى الوحي والإلهام والفراسة. فالوحي لغةً: إشارة بسرعة، واصطلاحًا: كلام إلهي منزل إلى رسول الله ﷺ . والإلهام لغة: الإبلاع، وهو علم حق يقذفه الله من الغيب في قلوب عباده ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨].

стр. 412

والفراسة: ينكشف من الغيب بسبب تفرس آثار الصور، "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" (١)، فالفرق بين الإلهام والفراسة أنها كشف الأمور الغيبية بواسطة تفرس آثار الصور، والإلهام كشفها بلا واسطة، والفرق بين الإلهام والوحي أنه تابع للوحي من غير عكس، انتهى. قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة، وقدَّمنا وجهه في كتاب الإيمان، يعني: أن الثاني ظاهر، ووجه الأول أن الكتاب بمنزلة اسم السورة، والأحاديث بمنزلة الآيات، انتهى من "الفتح" (٢). (١ - باب فضل العلم) قال القاضي أبو بكر بن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من القدرين ظاهر؛ لأن البخاري ﵀ لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها، بل هو جار على أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدأون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة، كذا في "الفتح" (٣). قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): وفضله بالآيتين ظاهر حيث أمر نبيَّه ﷺ أن يسأل الزيادة منه، وجعل العلم سببًا لرفع درجات العلماء، ثم إن تركه الحديث إما للإشارة إلى استنباط المسائل بالآيات، أو لعدم خطوره بباله حينئذ، ولا يبعد أن يقال على ما يخطر بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال: إن الرواية الموردة في الباب الثاني يثبت ما هنالك، وإيراد الباب فيما بين ذلك إثبات لفائدة جديدة كما ظهر من عادة المؤلف في تراجم

стр. 413

عديدة، والذي يُثبِت المدعى هو قوله ﷺ : "إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١)؛ لأنه موقوف على تبين مراتب الأمور وأهاليها، وتوقفه على العلم ظاهر، وكان حاصل المعنى: أن بقاء العالم بحذافيره موقوف على توسيد الأمور إلى أهلها، وهو موقوف على العلم، فكان فضل العلم بقاء نظام العالم، انتهى. وبسط في هامش كلام الشرَّاح في وجوه عدم ذكر الحديث من عدم وجدان الحديث على شرطه، أو بيَّض له المؤلف ليُلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر له. وقيل: ذكر فيه ههنا حديث ابن عمر الآتي بعد "باب رفع العلم"، ويكون وضعه هناك من تصرف الرواة، قال الحافظ (٢): فيه نظر، أو أشار إلى ما ورد في تفسير الآيتين من الأحاديث ولم تكن على شرطه، أو إلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع وإن لم يصل في القوة إلى شرطه، وتقدم الكلام على الأبواب الخالية عن الحديث في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث في أصول التراجم. وقال شيخ الهند نوَّر الله مرقده في "تراجمه": لم يذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب حديثًا مسندًا، بل اكتفى بذكر الآيتين وتكفي لإثبات الترجمة كل آية منهما على حدة كما مرَّ في الأصول، انتهى. قلت: وهو الأصل التاسع من أصول شيخ الهند، وهو الأصل السابع والعشرون من الأصول المذكورة في المقدمة، ثم قال الشيخ: ثم إنه توجد في كتاب العلم في مواضع مختلفة الأحاديثُ المسندةُ الدالةُ على فضل العلم، وهي كلها داخلة في الباب المذكور، انتهى. قلت: وهذا هو الأوجه عندي، لأن فضل العلم يثبت من الأحاديث الكثيرة الواردة في الباب بأنواع شتى، فلو ذكر في الباب حديثًا واحدًا أوهم

стр. 414

تخصيصه بهذا الحديث، وهذا هو الوجه عندي في أمثال هذه الأبواب أن الإمام البخاري لا يذكر الحديث قصدًا تشحيذًا للأذهان. ثم لا يذهب عليك أن الإمام ترجم بهذه الترجمة في موضعين: الأول ههنا، والثاني قريبًا بعد "باب رفع العلم وظهور الجهل"، وسيأتي الكلام على تكرار الترجمة هناك. ثم اختلف العلماء في أفضل الأعمال بعد الفرائض، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الاشتغال بالعلم أفضل من النوافل بعكس ما قال الشافعي على المشهور عنه، وعن أحمد روايتان: إحداهما في فضل العلم، والأخرى في فضل الجهاد، وهو المعروف عنه كما بسط في هامش "اللامع" (١) في أول كتاب الجهاد، وما ورد في الروايات من اختلاف في أفضل الأعمال محمول على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات كما بسطته في رسالتي في أفضل الأعمال. (٢ - باب من سئل علمًا. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): أفاد بذلك أن جواب المستفتي لا يجب على فور مسألته ما لم يخف فوات وقته، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ: محصِّله التنبيه على أدب العالم والمتعلم، أما العالم فلِما تضمَّنه من ترك زجر السائل بل أدبه بالإعراض عنه أولًا حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جواب، وأما المتعلم فلما تضمَّنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، وبوَّب عليه ابن حبان "إباحة إعفاء المسؤول عن الإجابة على الفور"، لكن سياق القصة يدل على أنه ليس على الإطلاق. وفي "تراجم شيخ المشايخ" الشاه ولي الله: غرض الإمام من عقد هذا

стр. 415

الباب على ما استفدنا من شيخنا - دام ظلّه - أن تأخير جواب السائل لإتمام الحديث ليس من باب كتمان العلم، بل الكتمان عدم الإجابة مطلقًا، أو تأخيرها بشرط فوات وقتها (١)، انتهى. وكتب شيخ الهند ما تعريبه: والمراد أن الجواب على الفور ليس بلازم، بل يمكن أن يجيب بعد الفراغ من الحاجة اللاحقة به، ثم إنه قد وردت الممانعة في بعض الروايات عن قطع حديث أهل المجلس كما في البخاري عن ابن عباس، فعرف من هذا الباب أن الممانعة حيث يقع الحرج أو يخشى السآمة على أهل المجلس يجوز الكلام المختصر للحاجة، وثبتت هذه الإجازة من تقريره ﷺ ، والله أعلم. (٣ - باب من رفع صوته. . .) إلخ سكت الشرَّاح عن غرض المصنف، والظاهر أنه أراد التنبيه على أدب المعلم أيضًا بأن يرفع صوته متى يحتاج ليسمع كلهم، ولا يدندن حتى لا يفهم، ويحتمل أنه أراد إثبات ندبه لما أنه وقع في عدة روايات من مدح غض الصوت والنكير على الصخب. وحكى الحافظ (٢) عن ابن المنيِّر (٣) أنه قال: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب، بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه، وكذلك فعل رحمه الله تعالى، انتهى. وكتب الشيخ قُدّس سرُّه في "اللامع" (٤): لما كان رفع الصوت وإشادتها يُعد عيبًا في العرف، وقد ورد عنه النهي في الشرع، قال الله تعالى حكاية عن لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، فكان فيه مظنة أن

стр. 416

يتوهم عدم الجواز، فعقد الباب لإثبات أنه جائز ضرورة إخبار البعداء. وفي هامشه: وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): مقصود المؤلف أن كونه ﷺ ليس بصخاب، المراد نفي كونه صخابًا في اللهو واللعب لا في إفادة العلم، انتهى. وفي "تراجم شيخ الهند": إن الجهر المفرط لما لم يكن لائقًا بشأنه ﷺ ، ولا بشأن أهل العلم، نَبَّهَ بذلك على أنه لا بأس به عند الحاجة إليه، بل يندب بقدر الضرورة، وإنما المنكَر منه ما كان على جهة التجبر والتكبر أو قلة المبالاة. (٤ - باب قول المحدث: أخبرنا. . .) إلخ تنبيه على مسألة أصولية خلافية معروفة، والجمهور منهم الأئمة الأربعة وأكثر الحجازيين والكوفيين على أن لا فرق بينها، وإليه مَيل المصنف إذ ذكر قول ابن عيينة لا غير، ومنهم من فرَّق بينها كما هو مذهب الشافعي وأكثر أهل المشرق من تخصيص التحديث بلفظ الشيخ، والإخبار بلفظ التلميذ، والإنباء بالإجازة، كما بسطه الحافظ في "الفتح" (٢). وفي "اللامع" (٣): يعني بذلك أن كل هذه الألفاظ تبين استعمالها في القدماء، وأنهم لا يبالون أيّ هذه الألفاظ تلفظوا، فكان إطلاق أحد الألفاظ جائزًا في محل الآخر لثبوته [بالسُّنَّة]، فأما ما فيها من الفرق الاصطلاحي فلعل أحدًا لا ينكره فضلًا عن المؤلف، فكان حاصل مقالته ههنا: جواز أن يستعمل أحدها في محل الآخر شرعًا، وإن كان الأَولى هو الفرق كما هو المصطلح عليه، إلى آخر ما في "اللامع". وبسط في هامشه كلام الشرَّاح في ذلك وأسماء من لم يفرقوا بين هذه

стр. 417

الصيغ، ومنهم الأئمة الأربعة، حتى قال الطحاوي: لم نجد بين الحديث والخبر فرقًا في كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ، وفيه أيضًا عن الكرماني (١): فإن قلت: هل يعلم من هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك؟ قلت: حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وغير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق، انتهى. قوله: (قال ابن مسعود. . .) إلخ، مراده من هذه التعاليق أن الصحابة قالوا تارة: حدثنا، وتارة: أخبرنا، فالظاهر أنهم لم يفرقوا بينها، وفيما يرويه ﵇ عن ربه أن العنعنة حكمها الوصل عند ثبوت اللقاء، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢). قوله: (عن ابن عمر) في قصة الشجرة. مناسبته للترجمة يظهر إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظه ههنا "حدثوني"، وفي التفسير في سورة إبراهيم، "أخبروني"، وفي رواية الإسماعيلي: "أنبئوني"، وفي "باب الحياء في العلم": "يا رسول الله أخبرنا بها"، من "الفتح". (٥ - باب طرح الإمام المسألة. . .) إلخ لعله أراد أن ما رواه أبو داود (٣) من حديث معاوية مرفوعًا من النهي عن الأغلوطات، قال الأوزاعي أحد رواته: هي صعاب المسائل، فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه أو ما خرج على سبيل تعجيز المسؤول. وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: علم من هذا الاعتناء بالعلم والاهتمام به، ويظهر منه الترغيب والتحريض للعلم، ثم قد روي النهي عن الأغلوطات، فكان يتوهم منه الممانعة عن الاختبار، فزال ذلك أيضًا، انتهى.

стр. 418

وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): مقصود ما استفدنا أن نهيه ﵊ عن الأغلوطات، أي: الكلام الذي لا يفهم منه المقصود مخصوص بموضع لا يتعلق به غرض علمي، أما إذا قصد العالم امتحان فهم المخاطبين حتى يتكلم مع كل واحد على قدر فهمه فلا بأس به، انتهى. قال الحافظ (٢): دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاته غير مقبولة، ولم نجد أحدًا يقول: إن البخاري كان يقلد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، انتهى ملخصًا. (٦ - باب ما جاء في العلم) هكذا في هامش نسخة "الفتح"، ولم يتعرض له في شرحه، وليس هذا الباب في النسخ الهندية، ولا في نسخة "العيني" أيضًا. وقال القسطلاني (٣): هذا ساقط في رواية ابن عساكر والأصيلي وأبوي ذر والوقت، والباب التالي له ساقط عند الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر، انتهى. ولم يذكروا في هذا الباب حديثًا. وفي "تراجم شيخ الهند": إن كان هذا الباب ثابتًا، فالظاهر أن الغرض منه إثبات الضرورة والاحتياج إلى العلم بطلبه؛ لأن فضل العلم قد مرَّ سابقًا، انتهى.

стр. 419

(- باب القراءة والعرض على المحدث) غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص؛ لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة؛ لأنه عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة. وتوسع بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه ونظر فيه وأذن له بالرواية، والحق أن هذا عرض المناولة، وقد كان بعض السلف لا يعتدُّون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يُقرأ عليهم، فلهذا بوب البخاري على جوازه، كذا في "الفتح" (١)، وبذلك جزم العيني، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢). ولا يبعد عندي أن القراءة على المحدث ظاهر، والعرض على المحدث أن يقرأ رجل على شيخ بحضرة جماعة، فهؤلاء كلهم سوى القارئ يعرضون على المحدث. قوله: (يقرأ على القوم) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": فإنه لا يقرأه إلا القاضي أو أحد أتباعه، ومع ذلك فيقول الشهداء: أشهدنا فلان، وينسبون الإشهاد إلى المدعي أو إلى القاضي، مع أن اللفظ ليس للمدعي فيما إذا كان القارئ أحدهما غير عين أو لنائبه عينًا، وقد نسبوه إلى القاضي، إلى آخر ما فيه. قوله: (رواه موسى. . .) إلخ، وخولف في إسناده، فرواه حماد بن سلمة عن ثابت مرسلًا، ورجحها الدارقطني، كذا في "الفتح".

стр. 420

(٧ - باب ما يذكر في المناولة) قال شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): ذكر في الترجمة أمرين: المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وأثبت بحديثي الباب الأمر الثاني، فثبوت الأمر الأول بالطريق الأولى، فافهم. وقال شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: غرض المؤلف إثبات المناولة الاصطلاحية بعد إثبات القراءة والعرض، ولما كان إثبات ذلك من الأحاديث فيه بعض الضيق، لذا عقد المؤلف ترجمةً أخرى بغرض إظهار الوسعة والسهولة فيه بقوله: "وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وذكر بذيله الأحاديث المسندة، وهي تدل صراحة على الترجمة الثانية، ولكن المقصود الأصلي من كل ذلك هو إثبات الترجمة الأولى، وقد صنع المؤلف هكذا في عدة مواضع كما ذكرنا في الأصول، انتهى. قلت: هذا الأصل الذي أشار إلي الشيخ قُدِّس سرُّه هو الأصل الثاني عشر من أصول التراجم، وقد تقدم في المقدمة في ذيل الأصل الثامن والعشرين. وفي هامش "اللامع" (٢): قال الكرماني (٣): المناولة من أقسام طرق التحمل، وهي على نوعين: أحدهما: المناولة المقرونة بالإجازة، كما أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلًا ويقول: هذا سماعي، فأجزت لك روايته عني، وهذه حالة محل السماع عند مالك وغيره، فيجوز إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فيها، والصحيح أنه منحط عن درجته، وعليه أكثر الأئمة. وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة، بأن يناله أصل سماعه ولا يقول له: أجزت لك الرواية عني، ولهذا لا تجوز الرواية بها على

стр. 421

الصحيح، وقال ابن أمير الحاج في "التقرير": إنها بدون الإجازة غير معتبرة، والإجازة بدونها معتبرة، انتهى. ومراد البخاري من الباب القسم الأول. وقوله: "إلى البلدان" على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام بالنسبة إلى أهل القرى والصحارى وغيرهما. ولفظ الكتاب يحتمل عطفه على "المناولة" وعلى "ما يذكر"، والمكاتبة أيضًا من أقسام طريق نقل الحديث، وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وهي أيضًا نوعان: المقرونة بالإجازة والمجردة عنها، والأولى في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة، أما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنه تجوز الرواية بأن يقول: كتب إليّ فلان قال: حدثنا فلان، وقال بعضهم بجواز حدثنا وأخبرنا فيها، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١). والمكاتبة من أقسام التحمُّل، وسَوّى المصنف بينها وبين المناولة، ورجح قوم المناولة لحصول المشافهة بها، كذا في "الفتح" (٢). قلت: وفي رسالتي في أصول الحديث عن "نور الأنوار"، اشتراط البينة في الكتابة، وعن "التلويح" قائم مقام القراءة للضرورة، انتهى. وقال الحافظ (٣): لم يذكر البخاري من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة، وكأنه لا يرى بشيء منها، انتهى. قوله: (حيث كتب لأمير السرية) هو عبد الله بن جحش أخو زينب أم المؤمنين، في السنة الثانية، وقوله: "حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، هكذا في حديث جندب على الإبهام، وفي حديث عروة: "إذا سرت يومين فافتح

стр. 422

الكتاب، قال: ففتحه هناك، فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلةً، فتأتينا من أخبار قريش ولا تستكرهن أحدًا"، إلى آخر ما في هامش "اللامع". وفي "اللامع" (١): قوله: (أن يدفعه إلى عظيم البحرين) ففيه دلالة على جواز المكاتبة، ولو لم يكن مفيدًا للعلم لما بعث به إليه، وكذا المناولة، انتهى. وفي هامشه: دلالة الحديث على الجزء الثاني من الترجمة ظاهرة، وأما الجزء الأول فدل عليه الكتاب الذي ناول أمير السرية، انتهى مختصرًا. (٨ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس) وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وضعه ليدفع به ما في الرجال من النخوة المانعة عن القعود في أواخر القوم، بأن من أدب العلم الجلوس حيث وجد مجلسًا، ولا يستحي من الجلوس هناك، ولا يعرض عن مجالس الذكر لمثل ذلك، انتهى. وفي هامشه أيَّد كلام الشيخ بكلام الكرماني (٣)، ثم قال الشيخ: وأما الاستحياء المذكور في الرواية فمعناه الاستحياء عن أن يزدحم الناس ويرمقهم، و"استحيا الله منه" أي: أجزل ثوابه وأوفر حظه، وهذا أولى من أن يراد بالاستحياء الاستحياء عن الإعراض؛ لأن حمل المطلق من الروايات على مقيدها، وكذلك حمل بعضها على بعض، وإن كان أمرًا كثر شيوعه فيما بين الفقهاء والمجتهدين، إلا أنه نادر بين فرق المحدثين لا سيما البخاري، فإن هؤلاء على جعل المطلق حجة على حدة من المقيد، فلا يحمل بعضها على بعض ما دام التفصي عنه ممكنًا، انتهى.

стр. 423

وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذين المعنيين للاستحياء في "الكوكب" (١)، ولم يرجح أحدهما على الآخر كما رجحه ههنا، وأيضًا بسط الكلام على هذا الحديث في الجزء السادس من "الأوجز" (٢). وفي هامش "اللامع" (٣) عن الحافظ: قوله: "فاستحيا" أي: ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياءً من النبي ﷺ وممن حضر، قاله القاضي عياض، وقد بيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم: "ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس" (٤)، فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، انتهى. فكأن الحافظ رجَّح الاستحياء عن الذهاب لرواية الحاكم، واختار الشيخ ﵀ مختار القاضي عياض، وهو مختار الباجي في شرح "الموطأ" كما في "الأوجز". وأشار الشيخ بقوله: "لأن حمل المطلق. . ." إلخ، إلى الجواب عن رواية الحاكم المذكورة في كلام الحافظ، انتهى ما في هامش "اللامع" مختصرًا. وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٥) كلا المعنيين، ولم يرجح أحدهما على الآخر، فقال: يحتمل وجهين: إما مدحه بأنه استحيا من التفوق على الناس وتخطي رقابهم فاستحيا الله منه وجازاه على ذلك بما يليق به، أو ذمه بأنه استحيا عن أخذ العلم حق أخذه، فجازاه الله على ذلك بحرمانه، انتهى. وكتب شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: المقصود من هذا الباب

стр. 424

بيان صور الجلوس في حلقة العلم، والحاصل: أن الجلوس في الحلقة فضل من الجلوس في خارجها، وما ذكر في الحديث قوله: "وأما الآخر فاستحيا"، ذكر الشرَّاح له معنيين: الأول: أنه لم يرد الجلوس ولكنه جلس حياءً، وبعض الروايات تؤيد هذا المعنى، والثاني: أنه استحيا من أهل المجلس فلم يزاحمهم وجلس خلفهم، فعُلم أن الصورة الأولى - أي: الجلوس في داخل الحلقة - أفضل وأحسن من هاتين الصورتين، انتهى. قوله: (فرأى فرجة في الحلقة) فيه فضل سد الخلل كما في الصفوف، وجواز التخطي لسد الخلل، من "الفتح" (١). (٩ - باب رُبَّ مبلِّغ أوعى له من سامع) وغرض المصنف عندي ترغيب أخذ العلم ولو من دونه، وفي مقدمة "الأوجز" (٢) في رباعيات البخاري: لا يكون الرجل محدثًا كاملًا إلا بعد أن يكتب أربعًا مع أربع، إلى أن قال: يأخذ عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه، وعن كتاب أبيه، إلى آخر ما فيه، وأيضًا فيه تفسير لقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وتنبيه على رفع درجات العلماء. وفي "العيني" (٣): قال القطب: أراد بها المصنف الاستدلالَ على جواز الحمل على من ليس بفقيه إذا ضبط ما يحدِّث، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): دفع بذلك ما اشتهر أن التلميذ يكون أقل علمًا من شيخه، انتهى. وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: إن "أوعى" له معنيان: أحفظ وأفهم، ففي التبليغ فائدتان كما في عدمه مضرتان.

стр. 425

(١٠ - باب العلم قبل القول والعمل) كتب الشيخ في "اللامع" (١): دلالة الآيات على تقدم العلم على التكلم به وعظًا والعمل بمقتضاه ظاهرة، فإنه لما كان أفضل والمناط كان هو الأولى بالتقديم من غيره، وكذلك في الروايات الموردة والآثار كما يظهر بتأمل فيها، انتهى. وفي هامشه: اختلفوا في غرض المؤلف عن هذه الترجمة، قال الكرماني (٢): يريد أن الشيء يعلم أولًا ثم يقال ويعمل به، فالعلم مقدم عليهما بالذات، وكذا مقدم عليهما بالشرف؛ لأنه عمل القلب وهو أشرف أعضاء البدن، انتهى. وقال السندي (٣): الظاهر أن مراده بيان تقدم العلم على القول والعمل شرفًا ورتبةً لا زمانًا، انتهى. والأوجه عندي: أن المصنف أراد التقدم الزماني، وإليه يشير كلام الشيخ من قوله: تقدم العلم على التكلم به وعظًا، وهو المراد بالقول: وعلى العمل بمقتضاه. ودلالة ما أورد المصنف في هذا الباب على هذا المعنى ظاهرة لا خفاء فيه، فغرض المصنف عندي دفع ما يتوهم من الوعيدات على العلم بلا عمل أن المقصر في العمل لا ينبغي له تحصيل العلم، فأثبت المصنف في هذا الباب أن العلم من حيث هو هو مقدم على العمل ذاتًا، وأما ترك العمل به بعد ذلك فأمر آخر موجب للخسارة والوعيدات المرتبة عليه، وهو الظاهر من كلام أكثر الشرَّاح. قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، فنبَّه المصنف على

стр. 426

ذلك حتى لا يُسبق إلى الذهن من قوله: "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل"، تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه، انتهى إلى آخر ما في هامش "اللامع". وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: لقد ذكر المؤلف في هذا الباب في الترجمة عدة آيات وأحاديث وأقوال الصحابة، واكتفى بها ولم يذكر حديثًا مسندًا، ويظهر منها تأكيد فضيلة العلم والتعليم والتبليغ، وجاء بقوله: "إنما العلم بالتعلم" والمراد كما أن مدار القول والعمل على العلم، هكذا العلم موقوف على التعلم، فلذا يجب بذل الجد والجهد في تحصيله، ثم المراد بالقبلية في الترجمة التقدم الزماني كما هو الظاهر، أو المراد تقدم الشرف والرتبة كما يترشح من النصوص والأقوال المذكورة، والأوجه: أن نجعل القبلية عامة بالمعنيين المذكورين، فالحاصل: أن التعلم أهم وأقدم من التعليم والعمل كليهما، والله أعلم، انتهى. ولو أريد في الترجمة بالقبلية التقدم الشَّرَفي فلا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى خلافية شهيرة تقدمت في أول الكتاب من فضل العلم على العمل. ثم لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا مسندًا، واقتصر على ما أورد من الآيات والآثار وغير ذلك، فإما أن يكون بياضًا أو تعمد ذلك اكتفاءً بما ذكر كما في "الفتح" (١). والأوجه عندي: أنه أراد بذلك الإشارة إلى الروايات الواردة في الباب كما ذكرته في أول كتاب العلم، وقد تقدم الكلام مبسوطًا في المقدمة في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث على أبواب لم يذكر فيها حديث. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: (يُربي الناس بصغار العلم. . .) إلخ، بأن يعلم أولًا بالصرف، ثم النحو، ثم المعاني، ثم الحديث، ثم التفسير، وهكذا يرتقي من صغار العلوم إلى كبارها، كما

стр. 427

يؤاكل الطبيب أو الأم لطفلها أولًا اللبن، ثم الخبز، ثم اللحم، انتهى. وبسط الكلام على هذا القول في "اللامع" وهامشه أشد البسط، وفيه عن "الفتح" (١): والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده، انتهى. (١١ - باب ما كان النبي ﷺ يتخوَّلهم بالموعظة والعلم. . .) إلخ وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": التخوُّل التعهد، يعني: يعظهم ولا يديم موعظتهم، وقوله: (كيلا ينفروا) متعلق بالتخول باعتبار جزء مفهومه الأخير، انتهى. وقال الحافظ في "الفتح" (٣): قوله: (يتخولهم) بالخاء المعجمة، أي: يتعهدهم، و"الموعظة" النصح والتذكير، وعطف العلم عليها من باب عطف العام على الخاص؛ لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنما عطفه لأنها منصوصة في الحديث، وذكر العلم استنباطًا. وقوله في الترجمة: (لئلا ينفروا)، استعمل في الترجمة معنى الحديثين اللذين ساقهما، وتضمن ذلك تفسير السآمة بالنفور وهما متقاربان، ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه أخيرًا من تفسير الرباني؛ كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذه الكتاب لمن أمعن النظر فيها والتأمل لا يخلو عن ذلك. وقد ذكر شيخ الهند في آخر الباب السابق ما تعريبه: قد ذكر المؤلف بعد هذا بابين، وترجم للأولى بقوله: "ما كان النبي ﷺ يتخولهم

стр. 428

بالموعظة. . ." إلخ، وترجم للثانية بقوله: "من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة. . ." إلخ، والغرض منهما واحد، ذكر في كليهما رواية ابن مسعود: "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة"، والظاهر بعد ملاحظتهما أن رسول الله ﷺ كان يذكِّر الصحابة ويعلِّمهم مع مراعاة نشاطهم ومللهم وحوائجهم، وكذا كان عبد الله بن مسعود أيضًا بعده ﷺ يذكِّر أصحابه كل يوم خميس، وكان يحترز عن الموعظة كل يوم مع إصرارهم، لكيلا يمل السامعون فيتكاسلوا. وبالجملة: يستنبط من كل هذا، أهمية التعليم والتذكير وانتظامه والمداومة عليه، فإن أحب الدين ما داوم عليه صاحبه. (١٢ - باب من جعل لأهل العلم. . .) إلخ قال الحافظ (١): أخذه من فعل ابن مسعود، أو من استنباط ابن مسعود ذلك من الحديث الذي أورده، انتهى. قلت: والأوجه الثاني، فإن في الأول يكون استدلال الإمام البخاري بالموقوف لا بالمرفوع. وكتب الشيخ في "اللامع": لما كان من المسلَّم أن التعيين الزماني والمكاني فيما لم يثبت شرعًا مما يعد بدعةً وكراهةً، دَفَعَه بأن التعيين فيه جائز، إذ لولا ذلك لأَدَّى إلى الحرج لهم، مع أن العلم واجب التحصيل لا يمكن تركه، فلا مصير إلا إلى تعيين يوم له، فيتحيَّنه الناس ويحضرونه، فلا يؤدي ذلك إلى حرج لهم في أمر معايشهم، ويحصل المقصود، والله أعلم، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإن البدعة هو التعيين الذي يعد فيه ثواب وأجر خاص بهذا المعين، وأما التعيين لساعات الدروس مثلًا فلا يعده أحد أجرًا وثوابًا، انتهى.

стр. 429

قلت: ويمكن عند هذا العبد الضعيف في غرض الترجمة أيضًا أن مثل هذا التأخير لا يعد من التقصير في التبليغ بشيء. (١٣ - باب من يُرد الله به خيرًا) وكتب شيخ الهند في "تراجمه" هذا الباب والآتي متصلًا، وكتب بعد: وينبغي أن يحمل الترجمة الأولى على الفقه في الدين، والثانية على الفهم في العلم، ومفهومهما متقارب، ويظهر من الترجمة الأولى وهي بعينها لفظ الحديث المذكور في الباب أمران: الأول: أن الفقه في الدين خير عظيم. والثاني: أن حصول الفقه في الدين هو بمحض عطاء الله ، حتى إن النبي ﷺ نَبّهَ على ذلك واعتذر عن نفسه بقوله: "إنما أنا قاسم" (١)، فيظهر منه عظمة الفقه وفضيلته. وذكر في الترجمة الثانية وهي: الفهم في العلم، حديث ابن عمر "إن من الشجر شجرة. . ." إلخ، وقد مَرّ قبل عدة أبواب أيضًا. والظاهر أن المؤلف ﵀ يريد بذلك بيان فضل الفهم، وقد اعترض على هذا بعض أهل التحقيق وقالوا: لا يوجد ههنا لفظ يدل على الفضل، ولكن هذا الاعتراض ليس بصحيح؛ لأن المؤلف قد ذكر حديث ابن عمر هذا في عدة أبواب فيما مضى وفيما يأتي، واللفظ الدال على فضل الفهم موجود في عدة روايات، منها ما سيأتي في آخر كتاب العلم، وجاء فيه قول عمر: "لأن تكون قُلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا" (٢)، ودلالته على الفضل واضحة، وقد صنع المؤلف هكذا كثيرًا في كتابه بأنه لا يذكر اللفظ الدال على الترجمة في الحديث، فيكتفي على ما قد ذكر ذلك اللفظ في نفس الحديث في موضع آخر، كما مرَّ في الأصول، انتهى.

стр. 430

قلت: ذكره شيخ الهند في الأصل السادس من أصول تراجمه، وقد مرَّ في الأصل الثالث والعشرين من الأصول السبعين المتقدمة في الجزء الأول، ثم قال شيخ الهند: وعلى هذا لم تبق الحاجة إلى ترك المعنى المعروف من لفظ الفهم في العلم والتوجه إلى المعنى الغير الظاهر، وقد علم من فهم أصغر القوم هو ابن عمر، والخفاء على الكبار، تأييد قوله ﷺ : "والله يعطي" المذكور في الباب الأول، انتهى. وما أفاده شيخ الهند قُدِّس سرُّه بقول بعض أهل التحقيق أشار به إلى العلامة السندي إذ قال (١): قوله: "باب الفهم في العلم" أي: بيان أنه مختلف، حتى إن ابن عمر مع صغر سنه فهم ما خفي على الكبار، وليس المراد بيان فضل الفهم إذ لا دلالة للحديث عليه، انتهى. وقال الحافظ (٢): ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي: بتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيح إلى آخر ما فيه. قوله: (حتى يأتي أمر الله. . .) إلخ، قال القسطلاني (٣): "حتى" غاية لقوله: "لن تزال"، واستشكل بأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، إذ يلزم منه أن لا تكون هذه الأمة يوم القيامة على الحق. وأجيب: بأن المراد من قوله: "أمر الله" التكاليف، وهي معدومة فيها، أو المراد بالغاية هنا تأكيد التأبيد، على حدِّ قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]، أو هي غاية لقوله: "لا يضرهم" لأنه أقرب، ويكون المعنى حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها، انتهى.

стр. 431

والأوجه: ما أفاده مولانا الحاج محمد حسن المكي في "تقريره" عن شيخه الكَنكَوهي إذ قال: قوله: "أمر الله"، وهو الريح الطيب يقبض أرواح من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى شرار الناس، انتهى. وجزم به الحافظ (١) أيضًا. (١٤ - باب الفهم في العلم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك أن الفقه أعلى مراتب العلماء، فإن فاته ذلك فلا أقل من أن يسعى في تحصيل فهم المطالب، وهو ممدوح أيضًا كما وقع لابن عمر ﵄ حيث أَدّى ذهنه إلى النخلة، فقال له عمر: هَلَّا ذكرت ذلك، فعُلم بذلك غاية مدح ومنقبة للفهم وهو ليس بفقه؛ لأن الفقه استنباط المسائل والوقوف على دقائق الشريعة وعلل الأحكام، ويمكن أن يكون هذا الباب بيانًا؛ لأن الفقه والفهم ليسا شيئين متغايرين، وإنما هما واحد، انتهى. قلت: وإليه مال شيخ الهند إذ جعل البابين واحدًا كما تقدم، وفي هامش "اللامع": نبَّه الشيخ بذلك على جودة الإمام البخاري بأنه ﵀ بَوَّبَ أولًا بـ "باب يفقهه في الدين"، ثم ثَنّى بذلك الباب، فكأنه أشار إلى مرتبتين: مرتبة التفقه وهو أعلى، ثم مرتبة الفكر والمطالعة. قال الحافظ (٣): مناسبة الحديث بالترجمة، أن ابن عمر لما ذكر النبي ﷺ المسألة عند إحضار الجمار إليه فهم أن المسؤول عنه النخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل، انتهى. والغرض عندي الترغيب في التدبر والمطالعة، أو التنبيه على طريقها

стр. 432

من النظر إلى المقترنات، انتهى ما في هامش "اللامع"، وتقدم كلام شيخ الهند على ذلك في الباب السابق. والجملة أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على خمسة أقوال: الأول: أن الغرض إثبات فضل الفهم في العلم، أي: العلوم، وهو الذي جزم به الحافظ، واختاره شيخ الهند، وهو ظاهر من حديث الباب من جهة أن ابن عمر استخرج من فهمه ما أراده النبي ﷺ ، والأولى أنه شيء ذو فضيلة لما كان في استخبار النبي ﷺ فائدة، فاستخباره ﷺ دليل على كونه ذا فضل، والله أعلم. والثاني: غرضه بيان أن الفهم يكون مختلفًا، حتى إن ابن عمر مع صغر سنه فَهِمَ ما خفي على الكبائر، قاله السندي (١)، وقال: وليس المراد بيان فضل الفهم، إذ لا دلالة للحديث عليه. قلت: قد بيَّنا وجه الدلالة، فللَّه الحمد، وقد تقدم في الباب السابق جواب شيخ الهند. والثالث: غرضه بيان أنه إن فاته الفقه الذي هو أعلى، فلا يقصِّر في الطلب حتى يفوته الأدنى، وهو فهم المراد والمطلب، وجنح إليه العارف الكَنكَوهي رحمه الله تعالى. والرابع: الترغيب في التدبر والمطالعة. والخامس: التنبيه على طريق المطالعة بالنظر إلى المقترنات والقياس على النظائر، وهو من مخترعاتي، والله أعلم. (١٥ - باب الاغتباط في العلم والحكمة) قال الحافظ في "الفتح" (٢): فيه نظير ما ذكرنا في قوله: "بالموعظة والعلم"، لكن هذا عكس ذاك، أو من العطف التفسيري إن قلنا: إنهما مترادفان.

стр. 433

والمقصود أن الحسد في الحديث بمعنى الغبطة لما يأتي في فضائل القرآن من زيادة قوله: "ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان" (١)، الحديث، انتهى. ملخص من "الفتح". وفي "تراجم شيخ الهند": إن المقصود التحريض على طلب العلم، ولذا عقَّبه قول عمر بالأمر، انتهى. وفي "اللامع" (٢): أشار بذلك إلى أن لفظ الحسد الوارد في الرواية محمول عليه، انتهى. وفي هامشه: الغبطة لغةً: أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، والحسد: أن تتمنى زوال نعمة المحسود [إليك]، إلى آخر ما بسط فيه من اختلاف تفسيرهما، وفيه: قال القسطلاني (٣): عطف الحكمة من باب العطف التفسيري، أو من باب عطف الخاص على العام. وكتب الشيخ في "اللامع": ومعنى قول عمر: "تفقهوا قبل أن تسوَّدوا": أن السيادة لما كانت مانعةً عن الاشتغال بالفقه لما فيها من أشغال وعلَّات مانعة عنه، فأولى أن تفقَّهوا قبل أن تقعوا فيها، ولم يرد أن لا تفقَّهوا بعدها، وإنما أراد أنه لا يتيسَّر بعدها، فقول المؤلف: "وبعدها" تنبيه على مراد عمر لئلا يظن أحد أنه نهى عن التعلم بعدها، انتهى. وبسط في هامشه الكلام في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه ومناسبة أثر عمر ﵁ بالترجمة، فليرجع إليه. قوله: (على غير ما حدثناه الزهري) قال القسطلاني (٤): أي: على غير اللفظ الذي حدثناه الزهري المسوق روايته عند المؤلف في "التوحيد"، والحاصل: أن ابن عيينة روى الحديث عن إسماعيل بن خالد وساق لفظه هنا، وعن الزهري وساق لفظه في "التوحيد"، انتهى. قلت: وبينهما اختلاف يسير في اللفظ.

стр. 434

(١٦ - باب ما ذكر في ذهاب موسى. . .) إلخ وفي هامش "اللامع" (١): قال الحافظ (٢): هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم؛ لأن ما يغتبط به تحتمل المشقة فيه؛ ولأن موسى ﵇ لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب وركوب البر والبحر لأجله، فظهر بهذا مناسبة هذا الباب لما قبله. وكتب شيخ الهند ما تعريبه: لم يذكر المؤلف مقصوده بالترجمة نصًّا، وجعل قصة موسى والخضر ﵉ ترجمة، ولكن لا يخفى أنه لا بد أن يكون غرضه من ذكر القصة المذكورة إثبات أمر ما يتعلق بكتاب العلم، ولا يقال لنفس القصة: إنها المقصودة في هذا الموضع، فظاهر النظر يؤدي إلى أنه أراد به إثبات السفر لطلب العلم، ولكن قد عقد بعد بابين "باب الخروج في طلب العلم"، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا. فليس لنا إلا أن نقول: إن غرض المؤلف من هذا الباب إثبات الخروج في البحر، وفي الباب الآتي إثبات الخروج مطلقًا، ولكن الأحسن أن يكون المقصود من ذهاب موسى ﵇ التعلم بعد السيادة، وفي الباب الآتي الخروج في طلب العلم هو المقصود صراحة فلا حاجة إلى التكلف مطلقًا، وقد صنع هذا في مواضع أخر أيضًا بأن جعل تكميل الأمر وتحقيقه المتعلق بالباب الأول في الباب الثاني، فلأنه قد ذكر في الباب السابق قوله: "قد تعلم أصحاب النبي ﷺ كبر سنهم" بذيل الترجمة مجملًا، وهنا أكمل ذلك استقلالًا بأن موسى ﵇ مع كونه سيد سادات العالم، كم جَدّ واجتهد برغبته وشوقه لتعلم العلم مع كون العلم أيضًا زائدًا على العلم الضروري ومفضولًا عن علم كليم الله ﵇. ونظرًا إلى هذه الأمور، لا بد أن قد يظن أنه يمكن أن ذهاب موسى ﵇ لم يكن لغرض التعلم، بل رغبةً وشوقًا في لقاء الخضر ﵇

стр. 435

ومشاهدة علومه، فإن الرسول ﷺ أشار إلى هذا الشوق أيضًا بقوله: "وددنا أن موسى ﵇ كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما" دفعًا لهذا الظن، ذكر المؤلف في الترجمة قول الله : ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية [الكهف: ٦٦]. وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ" مسند الهند: مقصود الباب إثبات الرحلة لأجل تحصيل العلم؛ لأنها ما كانت معهودة في زمان الصحابة والتابعين ومن تبعهم، بل كانو يأخذون العلم من علماء بلدانهم، فلما دوِّنت الكتب وانتشرت تلك في البلدان ارتحلوا من بلد إلى بلد وصارت تلك عادة فيما بينهم، فأثبت المؤلف أصلًا صحيحًا قويًا، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢): هكذا أفاد شيخ المشايخ، ويشكل عليه ما سيأتي قريبًا من "باب الخروج في طلب العلم"، فإن المقصد الذي أفاده شيخ المشايخ يناسب هذا الباب الثاني. والأوجه عندي: في غرض هذا الباب الأول جوازُ ركوب البحر للتعلم لدفع ما يتوهم عدم الجواز من حديث أخرجه أبو داود (٣) عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله"، فقد يتوهم من الحصر في الثلاث عدم الجواز لغيرها، ولذا يترجم المصنف في "كتاب البيوع" "باب التجارة في البحر"، انتهى. ثم يستشكل قوله في الترجمة "في البحر إلى الخضر"، قال شيخ الهند ما تعريبه: إن ذهاب موسى في البحر إلى الخضر خلاف للمشهور والمنقول، فإن موسى ﵇ لقي الخضر بعد السفر في البر لا في البحر، وقد أوَّل الشرَّاح المحققون ذلك بعدَّة تأويلات، فحملوا حرف "إلى" [في] قوله: "إلى الخضر" بمعنى مع، أو المراد بالبحر ناحية البحر: وطرف

стр. 436

البحر، ولكن الأسهل إن يترك "إلى" و"البحر" على ظاهرهما ويقال: إنه لم يذكر واو العطف قبل قوله: "إلى الخضر"، فإنه لا يذكر أحيانًا واو العطف اعتمادًا على فهم السامع، والله أعلم. وفي "اللامع" (١): استشكل عليهم هذه الكلمة، فإن ذهاب موسى في البحر لم تكن إلى الخضر، والجواب: أن كلمة "إلى" بمعنى "مع" وهي كثيرة، أو يقال: لما أُمر موسى بالذهاب إلى الخضر كان عليه أن يصل إليه كيف ما كان في البر أو البحر، فلفظ البحر مفهوم من إطلاق أمره بالذهاب إليه، والأول أولى، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٢): ظاهر التبويب أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر، وفيه نظر؛ لأن الذي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر، وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا، فيحمل قوله: "إلى الخضر" على أن فيه حذفًا، أي: إلى مقصد الخضر؛ لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنما ركبه تبعًا للخضر، ويحتمل أن يكون التقدير: ذهاب موسى في ساحل البحر، فيكون فيه حذف، ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة، إلى آخر ما بسط فيه. وما في "اللامع" من قوله: "إن كلمة إلى بمعنى مع. . ." إلخ، اقتصر عليه في "تقرير المكي" إذ قال: "إلى" بمعنى "مع" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. قلت: واختاره ابن المنيِّر أيضًا. قوله: (تمارى هو والحر بن قيس) لا يذهب عليك أن في القصة تماريين: أحدهما: هذا مع الحر، في الخضر من هو؟ والثاني: الآتي في "باب ما يستحب للعالم. . ." إلخ، في موسى من هو، مع نوف البكالي؟ والصواب: أن التماري الثاني كان بين سعيد بن جبير وبين البكالي.

стр. 437

قال العيني (١): في هذه القصة تماريان: تمار بينه وبين الحر بن قيس، أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي في موسى، أهو موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة؟ أم موسى بن ميشا - بكسر الميم وسكون الياء -؟ هكذا قاله الكرماني (٢) في التماري الثاني، وليس كذلك، فإن هذا التماري كان بين سعيد بن جبير وبين البكالي على ما يجيء في التفسير. قوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) أي: تلاش كرتى هوئى، كذا في "تقرير المكي". (١٧ - باب قول النبي ﷺ : اللهم علِّمه الكتاب) قال الحافظ (٣): استعمل لفظ الحديث ترجمة تمسكًا بأن ذلك لا يختص جوازه بابن عباس، والضمير على هذا لغير مذكور، ويحتمل أن يكون لابن عباس نفسه لتقدم ذكره في الحديث السابق إشارة إلى أن الذي وقع لابن عباس من غلبته للحر بن قيس إنما كان بدعاء النبي ﷺ له، انتهى. ويحتمل عندي أن المصنف أشار بذلك إلى سبب الدعاء، وهو خدمته ﷺ ، إذ وضع له وضوءًا لما دخل الخلاء، كما سيأتي في "باب وضع الماء عند الخلاء"، أو أدبه معه ﷺ ، قال الحافظ: فقد أخرج أحمد عن ابن عباس في قيامه خلفه ﷺ في صلاة الليل فقال: "ما بالك؟ أجعلها حذائي فتخلفني، فقلت: أو ينبغي لأحد أن يصلي حذائك [وأنت رسول الله]؟ فدعا لي أن يزيد فيَّ الله فهمًا وعلمًا"، انتهى. وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: وتظهر من هذه القصة عظمة العلم وفضليته، وفضل ابن عباس معًا بداهة، ولذا ذكر المؤلف ﵀ هذه الرواية

стр. 438

في "كتاب العلم" وفي "مناقب ابن عباس" أيضًا، ويُعلم منه أيضًا أن العلم من عطاء الله الخاص كما مرَّ في "باب من يرد الله به خيرًا. . ." إلخ، فإن المرء مهما كان ذكيًا وفهيمًا، ومهما اجتهد وبذل الوسع لتعلُّم العلم، لا يعتمد عليه، بل لا بد من التوجه والالتجاء إلى الله ، فلا تتيسَّر هذه النعمة إلا بإرادته يعني: أن الدعاء والالتجاء إلى الله من لوازم التعلم أيضًا، فيحتاج إليه أشد الحاجة مع الفهم والسعي في العلم، انتهى. وفي "اللامع" (١): باب قوله: "اللهم علِّمه الكتاب" فيه إشارة إلى أن من كان عنده علم من الكتاب كان مستفيدًا من صدر نبيه ﷺ ، وكأنه منضم صدره إلى صدره ﷺ ، انتهى. وفي هامشه: يعني في ضم صدره إلى صدره ﷺ إشارة لطيفة إلى ذلك. قلت: وهو شبيه ما تقدم في مبدأ الوحي من غط جبرئيل النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالترجمة إلى أدب العالم والأستاذ بأنه ينبغي له الدعاء لطَلَبة العلم كما دعا النبي ﷺ لابن عباس، وقد يكون المصنف أطلق الترجمة لتكثير الفائدة، فيدخل فيه الترغيب في دعاء العالم وفي دعاء الطالب لنفسه، والله أعلم. (١٨ - باب متى يصح سماع الصغير ؟) ليس هذا الباب في "اللامع"، لكن في هامشه عن تقرير المكي: الحاصل: أن تحمّل الصبي صحيح وإن كان صغيرًا بشرط أن يكون عالمًا مميِّزًا، لكن لا يصح تحميله إلا بعد البلوغ، انتهى. قال الحافظ (٢): مقصود الباب أن البلوغ ليس شرط التحمل، وأشار بذلك إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، رواه الخطيب

стр. 439

في "الكفاية" أن ابن معين قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رُدّ يوم أُحد إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: بل إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال، ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدَّثوا بها بعد ذلك وقُبلت عنهم، وهذا هو المعتمد، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على قبول هذا، انتهى. قال عياض: إن محمودًا كان إذ ذاك ابن أربع سنين، ومن ثَمَّ صحَّح الأكثر سماع من بلغ أربعًا، لكن بالنسبة إلى ابن العربي، وأما ابن العجمي فإذا بلغ سبعًا، انتهى، كذا في "القسطلاني" (١). وقال شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: وهذا ظاهر أن المراد بالسماع هنا التحمُّل، وذكر المؤلف قصتين، ولم يذكر حديثًا يدل على التحديد، ولكن يظهر بالجمع بين الروايتين أن مقصود المؤلف أن صحة التحمل والسماع ليس له حد معيّن، بل مطلق سن التميُّز والتعقل يكفي لصحة السماع، هكذا قال العلامة السندي (٢) وغيره، انتهى. قوله: (أنا ابن خمس سنين. . .) إلخ، وكان عند وفاته ﷺ ابن خمس سنين، فالقصة في آخر سنة من حياته ﷺ . قال الحافظ (٣): واعترض المهلَّب على البخاري لكونه لم يذكر ههنا حديث ابن الزبير في رؤيته إياه (٤) يوم بني قريظة، وكان سِنُّه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمود، وأجاب ابن المنيِّر: بأن البخاري

стр. 440

أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سُنَّة مقصودة في كون النبي ﷺ مجَّ مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية تثبت كونه صحابيًا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنَّة من السُّنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، وقد غفل البدر الزركشي، فقالى: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير على شرط البخاري؛ لأن البخاري أخرج القصة في مناقب الزبير (١)، انتهى مختصرًا. والأوجه عندي في الجواب: أن في قصة ابن الزبير كان رؤيته لأبيه فهو بمنزلة الموقوف، فتأمل، ويمكن أيضًا أن يقال: إن المحدثين ذكروا أقل مدة السماع خمس سنين، فلعل الإمام البخاري أشار بذلك إلى ترجيح قولهم، وبسط الكلام على سن التحمّل والتحديث في "مقدمة الأوجز" (٢). (١٩ - باب الخروج في طلب العلم) وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): لمَّا ورد في شأن السفر ما ورد، وقد ورد أيضًا: "لا تشد الرحال"، وإن كان المراد به خاصًا، دفع كل ذلك بوضع باب لجوازه للعلم، انتهى. وفي هامشه: وقد تقدم قريبًا في "باب ما ذكر في ذهاب موسى. . ." إلخ، من كلام شيخ المشايخ ما يناسب هذا الباب، وبسط الحافظ في رحلة الصحابة في طلب الحديث ولو لحديث واحد، قال الحافظ (٤): لم يخرج المصنف فيه شيئًا مرفوعًا صريحًا، وقد أخرج مسلم (٥) حديث أبي هريرة رفعه: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ولم يخرجه المصنف لاختلاف فيه، انتهى.

стр. 441

قلت: والأوجه: أن المصنف اكتفى بذكر قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما فيها من خروج نبي لطلب علم، فيستنبط منها خروج آحاد الأمة بالأولوية، ثم قال العيني (١): كان ذكر هذا الباب عقيب "باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر" أنسب وأليق، انتهى. قلت: ويمكن أن يجاب عن الإمام البخاري أنه من دقائق نظره، فإنه ألحق ترجمة الدعاء بما سبق، لما فيها إشارة إلى سبب غلبة ابن عباس على الحر بن قيس كما تقدم، ولمَّا كان ابن عباس من الأصاغر وكانت المسألة مختلفة فيما بينهم، نَبَّهَ عليه بـ "باب متى يصح سماع الصغير"، فكأن البابين المتوسطين كانا من لواحق الباب الأول، أي: "باب الخروج إلى البحر"، فذكرهما معه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين هذا الباب فصل بأجنبي، انتهى ما في الهامش. قوله: (ورحل جابر مسيرة شهر لحديث واحد)، وهو ما أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" وأحمد (٢): "يحشر الناس يوم القيامة عراة" الحديث، وسيأتي عند المصنف في "التوحيد" في باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ الآية [سبأ: ٢٣] معلقًا مختصرًا، ويورَد على ما هو المشهور أن المصنف حيث يعلق بالجزم يكون صحيحًا، وبالتمريض يكون ضعيفًا؛ لأنه علَّقه ههنا بالجزم، وفي "التوحيد" بالتمريض. وردَّه الحافظ فقال (٣): نظر البخاري أدق من المعترض، فإنه إذا ذكر الارتحال فقط جزم لأن الإسناد حسن، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم لأن نسبة الصوت إلى الله تعالى لا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها، انتهى.

стр. 442

(٢٠ - باب فضل من عَلِمَ وَعَلَّمَ) قال الحافظ (١): الأولى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالمًا، والثانية بفتحها وتشديدها، انتهى. وفي "تراجم شيخ الهند" ما معرَّبه: سبق أن المصنف عقد عدة أبواب في التعلم، ويذكر الآن عدة أبواب في التعليم، ومفهوم الترجمة فضيلة الأمرين بمجموعهما، لا فضيلة كلٍّ على حدة، فليس المراد فضل من علِم وفضل من علَّم مستقلًا كما يظهر من رواية الباب، انتهى. قوله: (ونفعه بما بعثني الله) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لعله من وضع المُظْهَر موضع المُضْمَر، أو من باب تنازع الفعلين، وهذا يشمل أقسامًا ثلاثة، والقسمان من المشبه مندمجان في قوله: "فعلم وعلَّم"؛ لأن منفعته إما متعدية إلى الغير فقط؛ كأهل الحديث الذين لم يستنبطوا المسائل، أو لنفسه ولغيره كأهل الفقه، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قدّس سرّه. قوله: (قيلت الماء) بالتحتية بدل الموحدة، قال الأصيلي: هو تحريف، وقال غيره: بل صواب ومعناه شربت، والقيل: شُرب نصف النهار، وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة، وأجيب بأن هذا أصله ولا يمنع إطلاقه تجوزًا، كذا في "الفتح" (٣). قوله: (قاع يعلوه. . .) إلخ، أراد أن قيعان جمع قاع، وذكر الصفصف جريًا على عادته من تفسير ألفاظ القرآن، ففي سورة طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٥، ١٠٦].
следующие страницы →