في "كتاب العلم" وفي "مناقب ابن عباس" أيضًا، ويُعلم منه أيضًا أن العلم من عطاء الله الخاص كما مرَّ في "باب من يرد الله به خيرًا. . ." إلخ، فإن المرء مهما كان ذكيًا وفهيمًا، ومهما اجتهد وبذل الوسع لتعلُّم العلم، لا يعتمد عليه، بل لا بد من التوجه والالتجاء إلى الله ، فلا تتيسَّر هذه النعمة إلا بإرادته يعني: أن الدعاء والالتجاء إلى الله من لوازم التعلم أيضًا، فيحتاج إليه أشد الحاجة مع الفهم والسعي في العلم، انتهى.
وفي "اللامع" (١): باب قوله: "اللهم علِّمه الكتاب" فيه إشارة إلى أن من كان عنده علم من الكتاب كان مستفيدًا من صدر نبيه ﷺ ، وكأنه منضم صدره إلى صدره ﷺ ، انتهى.
وفي هامشه: يعني في ضم صدره إلى صدره ﷺ إشارة لطيفة إلى ذلك.
قلت: وهو شبيه ما تقدم في مبدأ الوحي من غط جبرئيل النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالترجمة إلى أدب العالم والأستاذ بأنه ينبغي له الدعاء لطَلَبة العلم كما دعا النبي ﷺ لابن عباس، وقد يكون المصنف أطلق الترجمة لتكثير الفائدة، فيدخل فيه الترغيب في دعاء العالم وفي دعاء الطالب لنفسه، والله أعلم.
(١٨ - باب متى يصح سماع الصغير ؟)
ليس هذا الباب في "اللامع"، لكن في هامشه عن تقرير المكي: الحاصل: أن تحمّل الصبي صحيح وإن كان صغيرًا بشرط أن يكون عالمًا مميِّزًا، لكن لا يصح تحميله إلا بعد البلوغ، انتهى.
قال الحافظ (٢): مقصود الباب أن البلوغ ليس شرط التحمل، وأشار بذلك إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، رواه الخطيب
стр. 439
في "الكفاية" أن ابن معين قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رُدّ يوم أُحد إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: بل إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال، ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدَّثوا بها بعد ذلك وقُبلت عنهم، وهذا هو المعتمد، وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على قبول هذا، انتهى.
قال عياض: إن محمودًا كان إذ ذاك ابن أربع سنين، ومن ثَمَّ صحَّح الأكثر سماع من بلغ أربعًا، لكن بالنسبة إلى ابن العربي، وأما ابن العجمي فإذا بلغ سبعًا، انتهى، كذا في "القسطلاني" (١).
وقال شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: وهذا ظاهر أن المراد بالسماع هنا التحمُّل، وذكر المؤلف قصتين، ولم يذكر حديثًا يدل على التحديد، ولكن يظهر بالجمع بين الروايتين أن مقصود المؤلف أن صحة التحمل والسماع ليس له حد معيّن، بل مطلق سن التميُّز والتعقل يكفي لصحة السماع، هكذا قال العلامة السندي (٢) وغيره، انتهى.
قوله: (أنا ابن خمس سنين. . .) إلخ، وكان عند وفاته ﷺ ابن خمس سنين، فالقصة في آخر سنة من حياته ﷺ .
قال الحافظ (٣): واعترض المهلَّب على البخاري لكونه لم يذكر ههنا حديث ابن الزبير في رؤيته إياه (٤) يوم بني قريظة، وكان سِنُّه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمود، وأجاب ابن المنيِّر: بأن البخاري
стр. 440
أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سُنَّة مقصودة في كون النبي ﷺ مجَّ مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية تثبت كونه صحابيًا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنَّة من السُّنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، وقد غفل البدر الزركشي، فقالى: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير على شرط البخاري؛ لأن البخاري أخرج القصة في مناقب الزبير (١)، انتهى مختصرًا.
والأوجه عندي في الجواب: أن في قصة ابن الزبير كان رؤيته لأبيه فهو بمنزلة الموقوف، فتأمل، ويمكن أيضًا أن يقال: إن المحدثين ذكروا أقل مدة السماع خمس سنين، فلعل الإمام البخاري أشار بذلك إلى ترجيح قولهم، وبسط الكلام على سن التحمّل والتحديث في "مقدمة الأوجز" (٢).
(١٩ - باب الخروج في طلب العلم)
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): لمَّا ورد في شأن السفر ما ورد، وقد ورد أيضًا: "لا تشد الرحال"، وإن كان المراد به خاصًا، دفع كل ذلك بوضع باب لجوازه للعلم، انتهى.
وفي هامشه: وقد تقدم قريبًا في "باب ما ذكر في ذهاب موسى. . ." إلخ، من كلام شيخ المشايخ ما يناسب هذا الباب، وبسط الحافظ في رحلة الصحابة في طلب الحديث ولو لحديث واحد، قال الحافظ (٤): لم يخرج المصنف فيه شيئًا مرفوعًا صريحًا، وقد أخرج مسلم (٥) حديث أبي هريرة رفعه: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ولم يخرجه المصنف لاختلاف فيه، انتهى.
стр. 441
قلت: والأوجه: أن المصنف اكتفى بذكر قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما فيها من خروج نبي لطلب علم، فيستنبط منها خروج آحاد الأمة بالأولوية، ثم قال العيني (١): كان ذكر هذا الباب عقيب "باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر" أنسب وأليق، انتهى.
قلت: ويمكن أن يجاب عن الإمام البخاري أنه من دقائق نظره، فإنه ألحق ترجمة الدعاء بما سبق، لما فيها إشارة إلى سبب غلبة ابن عباس على الحر بن قيس كما تقدم، ولمَّا كان ابن عباس من الأصاغر وكانت المسألة مختلفة فيما بينهم، نَبَّهَ عليه بـ "باب متى يصح سماع الصغير"، فكأن البابين المتوسطين كانا من لواحق الباب الأول، أي: "باب الخروج إلى البحر"، فذكرهما معه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين هذا الباب فصل بأجنبي، انتهى ما في الهامش.
قوله: (ورحل جابر مسيرة شهر لحديث واحد)، وهو ما أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" وأحمد (٢): "يحشر الناس يوم القيامة عراة" الحديث، وسيأتي عند المصنف في "التوحيد" في باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ الآية [سبأ: ٢٣] معلقًا مختصرًا، ويورَد على ما هو المشهور أن المصنف حيث يعلق بالجزم يكون صحيحًا، وبالتمريض يكون ضعيفًا؛ لأنه علَّقه ههنا بالجزم، وفي "التوحيد" بالتمريض.
وردَّه الحافظ فقال (٣): نظر البخاري أدق من المعترض، فإنه إذا ذكر الارتحال فقط جزم لأن الإسناد حسن، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم لأن نسبة الصوت إلى الله تعالى لا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها، انتهى.
стр. 442
(٢٠ - باب فضل من عَلِمَ وَعَلَّمَ)
قال الحافظ (١): الأولى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالمًا، والثانية بفتحها وتشديدها، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند" ما معرَّبه: سبق أن المصنف عقد عدة أبواب في التعلم، ويذكر الآن عدة أبواب في التعليم، ومفهوم الترجمة فضيلة الأمرين بمجموعهما، لا فضيلة كلٍّ على حدة، فليس المراد فضل من علِم وفضل من علَّم مستقلًا كما يظهر من رواية الباب، انتهى.
قوله: (ونفعه بما بعثني الله) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لعله من وضع المُظْهَر موضع المُضْمَر، أو من باب تنازع الفعلين، وهذا يشمل أقسامًا ثلاثة، والقسمان من المشبه مندمجان في قوله: "فعلم وعلَّم"؛ لأن منفعته إما متعدية إلى الغير فقط؛ كأهل الحديث الذين لم يستنبطوا المسائل، أو لنفسه ولغيره كأهل الفقه، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قدّس سرّه.
قوله: (قيلت الماء) بالتحتية بدل الموحدة، قال الأصيلي: هو تحريف، وقال غيره: بل صواب ومعناه شربت، والقيل: شُرب نصف النهار، وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة، وأجيب بأن هذا أصله ولا يمنع إطلاقه تجوزًا، كذا في "الفتح" (٣).
قوله: (قاع يعلوه. . .) إلخ، أراد أن قيعان جمع قاع، وذكر الصفصف جريًا على عادته من تفسير ألفاظ القرآن، ففي سورة طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٥، ١٠٦].
стр. 443
(٢١ - باب رفع العلم. . .) إلخ
قال الحافظ (١): مقصود الباب الحث على التعلُّم، فإن العلم لا يرفع إلا بقبض العلماء، انتهى.
وقال العيني (٢): أي: هذا باب في بيان رفع العلم وظهور الجهل، وإنما قال: "وظهور الجهل" مع أن رفع العلم يستلزم ظهور الجهل، لزيادة الإيضاح، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول فضل العالم والمتعلم، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم، وهذا الباب فيه ضد ذلك؛ لأن فيه رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفيه التحذير وذم الجهل، وبالضد تتبين الأشياء، انتهى.
وكتب شيخ الهند: غرض المؤلف أن رفع العلم وظهور الجهل من علامات القيامة، كما ذكر مصرَّحًا في الحديثين المذكورين في الباب، والاحتراز عن أشراط الساعة وسد بابها ضروري، فالاحتراز عن رفع العلم وظهور الجهل وسد بابه إنما يكون بالسعي في إشاعة العلم وتبليغه؛ لأن ظهور الجهل يكون بذهاب أهل العلم، فيبقى الجهال كما ورد في الحديث، ولا يمكن تدارك ذلك إلا بإشاعة العلم.
والحاصل: أن غرض المؤلف من الترجمة التعليم والتبليغ، وقد أوضحه بذكر قول ربيعة، انتهى.
وقوله: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم. . .) إلخ، ويؤيد بذلك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٣): قوله: "هذا أوان يختلس فيه العلم"، أُري النبي ﷺ وقت وفاته أو وقت انتزاع العلم رأسًا، كما يكون في آخر الزمان، والمراد على الأول إنما هو انتزاع ترقيه وفيضانه من الله سبحانه، كما كان في وقت النبي ﷺ ، واختلاس الفيضان وقت وفاته ﷺ
стр. 444
ظاهر، ثم لمَّا علم انقطاع فيضانه علم انقطاعه رأسًا في وقتٍ ما؛ لأن علم الصحابة أقل بكثير عن علمه ﷺ ، كما أن علم التابعين من علم الصحابة ﵃ أجمعين، وهَلُمّ جَرّا إلى أن يأتي الزمان الذي بيَّنه في هذا الحديث، وأيًّا ما كان فالمقصود أن العلم يأخذ في التقليل إلى أن ينتفي رأسًا، انتهى.
وفي "فيض الباري" (١): وعند البخاري أن رفع العلم إنما يكون برفع العلماء ولا ينتزع انتزاعًا، وعند ابن ماجه بإسناد صحيح عن زياد بن أبي حبيب أنه ينزع من الصدور في ليلة، والتوفيق بينهما أن أول أمر الرفع يكون كما في "البخاري" وهو برفع العلماء، ثم إبَّان الساعة يكون كما عند ابن ماجه، أي: ينتزع عن الصدور نزعًا، فلا تعارض لاختلاف الزمانين، انتهى.
وما حكى في "الفيض" عن البخاري هو يأتي في "باب كيف يقبض العلم"، ولم أجد الرواية في "ابن ماجه"، لكن ما سيأتي في الباب المذكور عن "الإشاعة" يؤيد ما ذكره الشيخ الأنور عن رواية ابن ماجه، وأيضًا أخرج ابن ماجه (٢) في "باب ذهاب القرآن والعلم" عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوب" الحديث، وفيه: "ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية" الحديث.
(وقال ربيعة: لا ينبغي. . .) إلخ، وقال شيخ المشايخ مسند الهند في "تراجمه" (٣): أثبت بقول ربيعة: "لا ينبغي لأحد. . ." إلخ، أن لا يترك رواية الحديث بالاعتزال عن الناس ونحو ذلك، وكون رفع العلم وظهور الجهل مصيبة؛ لأن قول ربيعة: "لا ينبغي. . ." إلخ، يشعر بأنه يورث ظهور الجهل وهو مذموم.
стр. 445
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: إن المراد بإضاعة النفس هو كتمان العلم وعدم التبليغ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "أن يضيع نفسه" بالإمساك عن العمل وتعليم الأمة، انتهى.
وفي هامشه: وما أفاده الشيخ أحد المعاني التي قيلت في تفسير قول ربيعة شيخ مالك المشهور بربيعة الرأي، قال الحافظ (٢): مراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال، لئلا يؤدِّي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده: الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده: أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه، وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضًا للدنيا، وهذا معنى حسن، ولكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم، انتهى.
وما ذكره الحافظ بلفظ "أو" أقوال للعلماء كما في "الكرماني" و"العيني" (٣)، انتهى.
قوله: (لا يحدثكم أحد بعدي) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: من غير وسط بينه وبين النبي ﷺ لعدم أحد من الصحابة هناك، انتهى.
وفي هامشه: ويؤيد توجيه الشيخ لفظ أبي عوانة الآتي قريبًا، وأشار الشيخ بقوله: "هناك" أن الخطاب لأهل البصرة خاصة، فإن أنسًا آخر من مات بها من الصحابة، وأما آخر الصحابة موتًا على الإطلاق فهو أبو الطفيل عامر بن واثلة توفي بمكة، قال صاحب "التقريب": توفي سنة ١١٠ هـ على الصحيح، وأنس توفي سنة ٩٣، وجزم غير واحد بأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة، إلى آخر ما بسط في الهامش، وفيه: ولأبي
стр. 446
عوانة: لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله ﷺ بعدي، وعرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ غيره.
(٢٢ - باب فضل العلم)
تقدم في أول "كتاب العلم" أن الإمام ترجم بهذه الترجمة في موضعين: أولاهما: في أول الكتاب، والثانية: ههنا، وتقدم أيضًا أن الراجح (١) عند العلَّامة العيني حذف هذه الترجمة من أول الكتاب فلا تكرار عنده، والمراد بها ههنا فضيلة العلم.
قال العيني (٢): ولئن سلمنا وجوده فالمراد هناك التنبيه على فضيلة العلماء، وههنا التنبيه على فضيلة العلم، انتهى.
وتقدم هناك أيضًا أن الكرماني (٣) حمل هذا الفضل الذي في الباب الثاني بمعنى الفضيلة، وتعقب عليه العيني.
والأوجه عندي: ما قاله الكرماني، وبه جزم غير واحد من شرَّاح الحديث والمشايخ.
قال الحافظ (٤): الفضل هنا بمعنى الزيادة، أي: ما فضل عنه، والذي تقدم في أول "كتاب العلم" بمعنى الفضيلة، فلا تكرار، انتهى.
وعليه حمله السندي (٥) كما في هامش "اللامع" (٦)، ثم قال: فإن قلت: هل لفضل العلم تحقق في هذا العالم حتى يستقيم ما ذكرت؟ وإلا فتحققه في عالم المثال والرؤيا لا يفيد.
стр. 447
قلت: يمكن تحققه في الكتب، فإن زادت الكتب عند رجل على قدر حاجته يؤثر به بعض أصحابه، وكذا في الانتفاع بالشيخ، فإذا بلغ الرجل مبلغ الشيخ، أو قضى حاجته منه، يتركه حتى ينتفع به غيره، ولا يشغله عن انتفاع الغير به مثلًا، انتهى.
وعليه حمله شيخ الهند في "تراجمه" إذ قال ما تعريبه: قد سبقت هذه الترجمة بعينها في بداية "كتاب العلم"، ولذا قال الشرَّاح: إن الفضل له معنيان: الأول: الفضيلة، والثاني: الفاضل عن الحاجة، والمراد في الباب الأول المعنى الأول، وفي الثاني المعنى الثاني، وقد زال بذلك توهم التكرار.
ولكن اختلف كلام العلماء في التطبيق بين مقصود الترجمة والحديث، والراجح عندنا أن غرض المؤلف من الترجمة هو بيان حكم العلم الزائد عن الحاجة، فمثلًا: المفلس المعذور الضعيف الذي لا يستطيع على الزكاة والحج والجهاد من العبادات، وعلى المزارعة والمساقاة والرهن ونحوه من المعاملات، فلا يظن أنه يمكنه في المستقبل الوقوع فيها، فمثل هذا الشخص ما حكم تعلمه بهذه العلوم؟ وهل صرف الأوقات في تعلم ذلك والسفر لأجله داخل في العبادة أم فيما لا يعني؟ فظهر من الرواية أنه داخل في النوع الأول، غاية مما في الباب أنه لا يعمل عليها بنفسه بل يعطيها لغيره بالتعليم والتبليغ كما أعطى النبي ﷺ العلم الزائد عن حاجته لعمر ﵁، انتهى.
قلت: ويؤيد ذلك ما في "ابن ماجه" (١) من حديث أبي ذر مرفوعًا: "لأن تغدو فتعلَّم بابًا من العلم، عُمل به أو لم يُعمل، خير من أن تصلي ألف ركعة"، ويحتمل عندي أيضًا أن يكون الغرض من الترجمة الترغيب في زيادة العلم لا الاكتفاء على قدر الحاجة، فإنه ﷺ لم يشرب اللبن بقدر
стр. 448
الحاجة بل شرب حتى خرج من أظفاره، فكأن المصنف أَيّد بالترجمة حديث "المشكاة" (١) برواية البيهقي عن أنس مرفوعًا: "منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه" الحديث، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: أراد بهذا الباب الفضل الجزئي، وما مرَّ كان المراد به الفضل الكلي فلا تكرار، انتهى ما في هامش "اللامع".
قوله: (يخرج في أظفاري. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): فيه كناية ومبالغة عن سريان العلم في دواخل بدنه حتى كاد أن يقطر، وفي الحديث دلالة على أن أخذَ العلم أخذٌ بفضلة النبي ﷺ ، وهذا هو الفضل الظاهر للعلم، فطابقت الرواية الترجمة، انتهى.
وبذلك جزم ابن المنيِّر (٣) كما في هامش "اللامع" وفيه: قلت: وعلى هذا فيمكن الجواب عن التكرار بأن الفضيلة في أول "كتاب العلم" كانت باعتبار رفع الدرجات، وههنا باعتبار كونه فضلة النبي ﷺ ، وناهيك به لذةً وقدرًا وسرورًا، انتهى.
(٢٣ - باب الفتيا وهو واقف على. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): إنما افتقر إلى وضع باب لهذا المرام لما علم من ترك الوقوف على الدابة في قضاء حوائج نفسه كما ورد في الروايات، قال النبي ﷺ : "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر" (٥)، وأيضًا ففيه نوع إعنات للدابة، فدفعه بأن ذلك جائز لضرورة إشاعة العلم إذ لولا وقوفه على الدابة لما سمع الخطبة غير الأدنين، انتهى.
стр. 449
وفي هامشه عن العيني (١): أشار بهذا إلى جواز سؤال العالم، وإن كان مشتغلًا راكبًا وماشيًا وواقفًا على كل أحواله، ولو كان في طاعة، انتهى.
وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": أي: الفتيا، وهو واقف على ظهر الدابة أو غيرها جائز ثابت الأصل، وإن كان الأحوط في هذا الزمان جلوس المفتي للإفتاء في مكان مع الاطمئنان والمشاورة مع الأصحاب، انتهى.
وبه جزم شيخ الهند ﵀ في "تراجمه" إذ قال: إن السكون والطمأنينة لما كان من مقتضيات الإفتاء كما حُكي عن الإمام مالك وغيره من الأئمة، وهو موهم للكراهة في غير تلك الحالة، دفعها الإمام البخاري بهذه الترجمة، انتهى معربًا، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
وقوله: (وقف في حجة الوداع) وكتب الشيخ في "اللامع": وكان وقوفه إذ ذاك على ناقته كما هو معلوم فصحت المطابقة، انتهى.
وفي هامشه: وبه جزم شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣) إذ قال: ولم يثبت الوقوف على الدابة بحديث الباب، لكنه اعتمد في ذلك على ثبوت وقوفه ﵇ على الدابة بمنى في حجة الوداع بطريق آخر، انتهى.
وبهذا جزم الحافظ (٤) وذكر الروايات المصرحة في ذكر الناقة، وتعقب العيني كلام الحافظ وقال (٥): إن الترجمة بالدابة أو غيرها ولفظ الحديث "وقف" عام من أن يكون الوقوف على الدابة أو غيرها، انتهى ما في هامش "اللامع".
стр. 450
(٢٤ - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس)
قال الحافظ (١): الإشارة باليد مستفادة من الحديثين المذكورين في الباب، وبالرأس مستفادة من حديث أسماء فقط، وهو من فعل عائشة، لكنه مرفوع حكمًا؛ لأنها كانت تصلي خلف النبي ﷺ وكان في الصلاة يرى من خلفه فيدخل في التقرير، انتهى.
وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": الغرض أنه جائز وإن كان الأحوط في هذا الزمان خلاف ذلك، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": لما كان الثابت المعروف من دأبه ﷺ شدة الاعتناء بالتعليم والتفهيم حتى إن الصحابة ربما قالوا: ليته ﷺ سكت، وكان مقتضاه عدم الجواز بالإشارة، نَبَّهَ المصنف بالترجمة على الجواز، فإنه لكل مقال مقام، كذا في هامش "اللامع" (٣)، وفي "الدر المختار" (٤): يكتفي بالإشارة منه، أي: من المفتي لا من القاضي، انتهى.
قوله: (فحرّفها) جعل اليد كحرف السيف للإشارة إلى هيئة إمضاء السيف حين القتل، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٥): قوله: "فحرفها" كأن الراوي بَيَّنَ أن الإيماء كان محرفًا، وكأنه فهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب أنه يريد القتل، انتهى.
قوله: (حتى الجنة والنار) قال السندي (٦): غاية لمحذوف، أي: ورأيت الأمور العظام في هذا المقام حتى الجنة والنار، إذ الجنة والنار مما
стр. 451
رآه النبي ﷺ قبل ذلك ليلة المعراج كما ثبت في الأحاديث، فلا يصح جعل "حتى الجنة" غاية لرؤية ما لم يره قبل، إلا أن يجعل غاية له بتأويل، أي: ما لم أكن أريته في العالم السفلي، ويمكن أن يقال: لعله رآهما في ذلك الوقت على صفة، أو على وجه ما سبقت الرؤية قبل ذلك على تلك الصفة، إلى آخر ما فيه.
قوله: (بهذا الرجل) اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة:
الأول: أن لفظ الرجل من قول الراوي بدل محمد كما يظهر مما في "الأوجز" (١)، قال عياض: يحتمل أنه مُثِّلَ للميت في قبره، والأظهر أنه سمي له، انتهى.
الثاني: أنه ﷺ مُثِّل له كما تقدم في كلام عياض، وقريب منه ما قيل: إن تصويره ﷺ (فوىو) يكون في يد الملك، وبه بدأ الشيخ في "الكوكب" وهذا هو.
الثالث: والفرق بينه وبين ما قبله أن المراد من الثاني أن صورته ﷺ تمثل في القبر كالمرآة.
الرابع: ما قال الطيبي: عبراه بلفظ "هذا الرجل" الذي فيه تعظيم امتحانًا، كذا في "الأوجز"، وفي هامش "الكوكب": قال أبو الطيب: وإنما أبهما ولم يقولا: هذا الرسول لئلا يلقن بإكرامه وتعظيمه أن المراد به النبي ﷺ ؛ لأن المقام مقام الامتحان، انتهى.
الخامس: يكشف الحجابات بينه ﷺ وبين الميت وهما في قبريهما.
السادس: قال الطيبي وشرَّاح "المصابيح": اللام للعهد الذهني، وفي الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة، انتهى من "الأوجز".
стр. 452
وفي "الكوكب" (١): قيل: يكتفيان بهذا القول؛ لأنه لا يخطر بالبال حينئذ إلا الله ورسوله، ولا يصح إطلاق الرجل عليه ، فلم يبق مصداقه إلا النبي ﷺ ، انتهى.
السابع: ما قيل: إنه ﷺ يشرف بقدومه الشريف، ولعل المشار إليه في الشعر الآتي هذه الحالة:
كششي كه عشق دارد نكَذاردت بدين سان … بجنازه كَر نيائي بمزار خواهي آمد
(٢٥ - باب تحريض النبي ﷺ -)
وفي "تراجم شيخ الهند" ما معربه: ولا يخفى أن المقصود من هذه الترجمة أيضًا هو بيان تأكيد التبليغ والتعليم، وهما موقوفان على الحفظ، ولذا بَيَّنَ تأكيد الحفظ أيضًا، وعلم أن أهل العلم عليهم أن لا يقصِّروا في التأكيد للمتعلم بالحفظ والتبليغ، انتهى.
وما قيل: إن غرض الترجمة تعميم العلم وعدم تخصيص التبليغ بالآية فليس بوجيه؛ لأنه سيأتي قريبًا "باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب"، وفيه تعميم العلم.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة أن التبليغ لا يختص بالعالم، ولا يتوقف على كون المبلغ عالمًا كاملًا، بل ينبغي التبليغ للمعلوم مطلقًا ولو بأشياء معدودة، فإن النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع وقال: "احفظوه وأخبروه مَن ورائكم"، فالنبي ﷺ أمرهم بتبليغ هذه الثمانية، وكانوا حديثي عهد بالإسلام، وقدموا النبي ﷺ سنة ثمان قبل الفتح، ولهم قدمتان: إحداهما هذه، والثانية: سنة تسع، كما بسطته في هامش "اللامع" (٢)، ففيه رَدٌّ لما أوردوا على مبلِّغي
стр. 453
زماننا أنه لا يجوز لهم التبليغ لكونهم غير عالمين، فإن سادات التبليغ لا يأمرونهم إلا بتبليغ ستة أصول التي يعلمونهم بها، فما الفرق بين هؤلاء المبلغين وبين وفد عبد القيس إذ أمرهم النبي ﷺ بتبليغ ثمانية أمور.
قوله: (وقال مالك بن الحويرث) الحديث سيأتي مفصلًا في "باب الأذان للمسافر. . ." إلخ، وغير ذلك من الأبواب الآتية بألفاظ مختلفة، والغرض من ذلك أيضًا ظاهر أن الحكم لا يختص بوفد عبد القيس، وأن التبليغ لا يختص بعالم، فإن النبي ﷺ عَلّم مالك بن الحويرث وأصحابه أشياء وقال: "ارجعوا إلى أهليكم وعلِّموهم".
قوله: (وربما قال) أي: أبو جمرة، كذا في "العيني" (١).
(النقير) يعني: وربما لم يذكره بل اقتصر على الثلاث، وكان جازمًا بالثلاث مترددًا في الرابع، أي: النقير.
وقوله: (وربما قال: المزفت) أي: بدل المقيَّر، وهذا غاية التوجيه، ولا يلتفت إلى غيره، وليس المعنى أنه يتردد في النقير والمزفت، فحينئذ يلزم التكرار بالمقيَّر، وتقدم الحديث في "باب أداء الخُمس من الإيمان"، لم يتردد فيه إلا في المزفت والمقيَّر فقط، وجزم بالنقير، وهو يؤيد ما قلته، كذا في "الفتح" (٢).
(٢٦ - باب الرحلة في المسألة النازلة)
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: المقصود التحريض على تعلم حكم الحادثة لا أن يسكت عليها، وثبت بهذا أيضًا تأكيد التعلم والتعليم، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني: أن السفر كما جاز لكليات العلم وأصوله فكذلك جائز لجزئي وحادثة نجمت، انتهى.
стр. 454
وفي هامشه: قال الكرماني (١): الرحلة - بكسر الراء - الارتحال، وأما بضم الراء فهو المرحول إليه، فإن قلت: ما الفرق بين هذا الباب والذي تقدم من "باب الخروج في طلب العلم"؟ قلت: الفرق بأنه لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به، وذلك ليس كذلك، انتهى.
قال الحافظ (٢): وفي نسخة زيادة "وتعليم أهله"، والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر، انتهى.
قلت: وما حكى الحافظ عن نسخة هي النسخة المصرية، وعليه بُنيت تراجم شيخ الهند.
قلت: وحديث شهادة المرضعة المذكورة في الباب سيأتي في "باب شهادة المرضعة" [في كتاب الشهادات]، وفي "كتاب النكاح" (٣)، والمسألة خلافية شهيرة، وبظاهر الحديث قال أحمد وإسحاق، وعند الحنفية رجل وامرأتان، وعند الشافعي امرأتان، وعند مالك أربع نسوة، والبسط في هامش "اللامع" (٤) في "كتاب النكاح".
(٢٧ - باب التناوب في العلم)
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: غرض الترجمة أن من لا يفرغ عن حوائجه لتحصيل العلم في جميع أوقاته، فينبغي له التعلم على سبيل التناوب، وإن لم يستطع حضور مجلس العلم بنفسه، فينبغي أن يرسل إليه معتمدًا يأتي إليه بالعلم، انتهى.
قلت: ويمكن عندي أن المقصود أن فرضية تعلم العلم لا يوجب أن لا يشتغل إذ ذاك بغيره من الحوائج.
стр. 455
وقال الحافظ (١): في الحديث أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على أخذ العلم وغيره مع أخذه بالجزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٢).
قلت: وحديث عمر هذا مختصر، وسيأتي في "المظالم" و"النكاح" (٣) مفصلًا.
(٢٨ - باب الغضب في الموعظة)
الظاهر أن المصنف نَبَّهَ بذلك على جوازه بل على استحسانه للواعظ والمعلم. قال الحافظ (٤): قصر المصنف على الموعظة والتعليم دون الحكم؛ لأن الحاكم مأمور أن لا يقضي وهو غضبان، والفرق أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على المتعلم سوء فهم ونحوه؛ لأنه قد يكون أدعى للقبول منه، وليس ذلك لازمًا في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين، وأما الحاكم فهو بخلاف ذلك كما يأتي في بابه، إلى آخر ما في هامش "اللامع"، وفيه: وفي "تراجم شيخ الهند": أن الرفق واليسر لما كانا معروفين من دأبه ﷺ حتى قال في أمر من بال في المسجد "إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين"، نبّه المصنف بهذه الترجمة أنه قد يستحسن خلاف ذلك أيضًا، انتهى.
قلت: وكان من دأبه الشريف التيسير كما أفاده شيخ الهند، وقد ورد في تشميت العاطس لأبي داود: "والله ما كهرني ولا ضربني" (٥)، ومع ذلك
стр. 456
كله قد ثبت غضبه ﷺ بمواضع عند الحاجة كما ذكر في هامش "اللامع".
قوله: (سئل النبي ﷺ عن أشياء) قال الحافظ: يأتي بيانها في تفسير المائدة (١)، انتهى.
قلت: بل يأتي بيانها في "كتاب الاعتصام" في "باب ما يكره من كثرة السؤال. . ." إلخ.
(٢٩ - باب من برك على ركبتيه)
قال العيني (٢): وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب الأدب، و [في] هذا الباب يذكر أدب المتعلم عند العالم، فتناسبا من هذه الحيثية، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): الظاهر أن المراد بالبروك هو انتصاب النصف الأعلى منه على ركبتيه كما يفعله المشرف إلى الشيء المشرئب له حين هو جالس، ولما كان هيئته تخالف الأدب وتنافيه، أورده لإثبات جوازه عند الفزع وغيره لأجل الضرورة كما فعله عمر ﵁ حين وهمه ما وهم من غضب النبي ﷺ وموجدته عليهم، وأما إن كان المراد بالبروك هو الجلوس على التشهد، فالأمر أظهر من أن الجلوس ينبغي أن يكون كذلك عند الإمام، لكنه يرد عليه أن عمر كيف لم يعمل بهذا الأدب منذ قعد؟ فإن بروكه هذا لم يكن إلا عند مقالته تلك، إلا بأن يجاب بأن لحالة الخطاب فضل اهتمام على غيرها، فمن الواجب في طريقة الآداب أن يكون جلوسه عند الخطاب على تلك الهيئة، كما جلس جبرئيل ﵇ عند سؤاله عن الإيمان والإسلام، وأما في غير حالة الخطاب فهو أدب وندب، انتهى.
стр. 457
قلت: ويحتمل عندي في غرض الترجمة أن الحديث المذكور في هذا الباب كان بمعنى الحديث المذكور في آخر الباب السابق، وكانت فيه فائدة وهي: أدب المتعلم، نَبَّهَ عليه بهذه الترجمة كما ثبت في الأصول، ويكون هذا من قبيل الباب في الباب، وهو الأصل السادس.
قوله: (خرج فقام) قال الحافظ (١): فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى، والتقدير، خرج فسئل فأكثروا عليه فغضب فقال: "سلوني"، فقام عبد الله، انتهى.
(٣٠ - باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم)
قال الحافظ (٢): بضم الياء وفتح الهاء، وفي روايتنا أيضًا بكسر الهاء، لكن في رواية الأصيلي [وكريمة] "ليفهم عنه"، وهو بفتح الهاء لا غير، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): زيادة هذا التعليل مشعرة بأن التثليث حيث ما ورد في الرواية، فالمراد به تثليث ما قصد إفهامه لمزيد اعتناء واهتمام، أو لخوف عدم سماعه لمزية ازدحام، وعلى هذا فالمناسب في تأويل قوله: "سلم ثلاثًا" أن يقال: هذا إذا لم يسمعه المسلَّم عليه، وكان الحكم في مثله المراجعة عن الباب كما ورد في حديث أبي ذر، وأما تثليث التسليمات يحمل إحداها: على الاستئذان، والثانية: على الدخول، والثالثة: على الرجوع، فلا يناسب الترجمة، وإن كان صحيحًا في معنى الرواية في نفسها، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ من غرض الترجمة أوجه مما قالته الشرَّاح.
стр. 458
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: نبّه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعاده الحديث وأنكر على الطالب الاستعادة وعدّه من البلادة، إلى آخر ما قاله، وأنت خبير بأن هذا الغرض الذي حكاه الحافظ عن ابن المنيِّر يناسب الترجمة الآتية من "باب من سمع شيئًا فلم يفهمه"، وحكى الحافظ عن ابن التين أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان، انتهى.
ولو كان هذا غرض المصنف، كان حقُّ هذا الباب أن يذكره بعد الباب المذكور، أي: "باب من سمع شيئًا".
وتبع شيخ الهند في "تراجمه" القطب الكَنكَوهي إذ قال: الغرض أنه ﷺ كان يعيد الكلمة ثلاثًا عند الحاجة، وإلا فقد يكتفي في الجواب على الإشارة أيضًا كما تقدم قريبًا، ويؤيد الشيخين ما في هامش "اللامع" من كلام الخطابي، وقال السندي (٢): الظاهر أنه محمول على المواضع المحتاجة إلى الإعادة لا على العادة، وإلا لما كان لذكر عدد الثلاث في بعض المواضع كثير فائدة، مع أنهم يذكرون في الأمور المهمة أنه ﷺ قالها ثلاثًا، انتهى.
قلت: والاستدلال جيد، فإنه لو كان التثليث عادةً مستمرةً ما قالت الصحابة في الأحاديث الكثيرة: قاله ثلاثًا، كذا في هامش "اللامع".
قوله: (سلم عليهم ثلاثًا)، قال الحافظ (٣): قال الإسماعيلي: يشبه أن يكون في سلام الاستئذان، وأما إذا يمر على قوم فالمعروف عدم التكرار.
قال الحافظ: وقد فهم المصنف هذا بعينه فأورده مقرونًا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان، ولكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع أيضًا منه إذا خشي أنه لا يسمع [سلامه]، انتهى.
стр. 459
قلت: وحمل العيني (١): تثليث السلام على الاستئذان والتحية والوداع، قلت: وفيه أنه لا يناسب إذًا الباب، وفي تقرير المكي: قوله: "فسلم عليهم" أي: للاستئذان ثلاثًا، ثم يرجع فيذهب إن لم يجب عليه، وهذا المعنى أنسب بترجمة الباب، انتهى.
وفي حاشية البخاري الهندية (٢) عن "المجمع": قوله: "إذا أتى على قوم. . ." إلخ، فسلّم، أي: الأول عطف على الشرط، وسلّم الثاني جزاؤه، انتهى.
قوله: (ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا)، قال الحافظ: هو شك من الراوي، وهو يدل على أن الثلاث ليست شرطًا، بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونهما أجزأ.
(٣١ - باب تعليم الرجل أمته. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني: أنه لا ينبغي له الاستنكاف عن تعليم أمته، ولا تعد ذلك في المرأة والأمة حرجًا في خدمة نفسه؛ لأنه حق عليه لهما كما أن الخدمة حق له عليهما، انتهى.
وفي هامشه: والأوجه عندي في غرض الترجمة أن الرجل مأمور بتعليم أوله لقوله ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (٤)، ولما كان في الحديث تعليم الأمة فقط زاد في الترجمة لفظ: "الأهل" تنبيهًا على أن الحكم لا يختص بالإماء بل الحرائر داخلة فيه بالأولى، كما تقدم في الأصل التاسع عشر من أصول التراجم.
وقال الحافظ (٥): مطابقة الحديث بالترجمة في الأمة بالنص، وفي
стр. 460
الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم الفرائض والسنن آكد من الاعتناء بالإماء، انتهى ما في هامشه.
وقد أجمل الكلام شيخ الهند في "تراجمه" على الأبواب الثلاثة في محل واحد، وقد تقدم في الباب السابق كلامه المتعلق بالباب السابق مختصرًا، أو جملة كلامه "باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه"، والمراد أنه يعيد الكلام حيث تكون الحاجة إلى الإعادة، وإلا فإنه قد ثبت التعليم بالإشارة فقط أحيانًا كما مر سابقًا، وهذا فيه إشارة إلى الاهتمام بالتعليم والتبليغ، فينبغي للمعلِّم أن يعيد المواضع المهمة مرتين وثلاثًا حتى يثبت في أذهان السامعين، ثم عقد "باب تعليم الرجل أمته وأهله"، ثم "باب عظة الإمام النساء وتعليمهن" على التوالي، ولا إشكال ولا إبهام فيهما، بل الغرض منهما هو الغرض السابق، أي: إثبات شدة الاحتياج إلى التعليم وتعميمه، ولذا أضاف في الترجمة الأولى لفظ "وأهله" مع أن الحديث لم يرد فيه لفظ أهله، انتهى.
قوله: (قال عامر: أعطيناكها. . .) إلخ، قال الحافظ (١): ظاهره أن الخطاب لصالح الراوي عنه كما جزم به الكرماني (٢)، وليس كذلك، بل إنما خاطب بذلك لرجل من خراسان كما سنذكر ذلك في ترجمة عيسى ﵇، انتهى مختصرًا.
قلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ أخرجه البخاري (٣) في "كتاب الأنبياء" بسنده إلى صالح بن حي: "أن رجلًا من أهل خراسان قال للشعبي، فقال الشعبي: أخبرني أبو بردة" فذكر الحديث، والحديث لم يتعرض الحافظ لقوله: "خذها" (٤)، وليس هذا اللفظ في ترجمة عيسى، لكن
стр. 461
الحديث نصَّ في أن السائل كان رجلًا من خراسان، وخاطبه الشعبي بذلك، وصالح بن حي هو صالح بن حيان منسوب إلى جده، ففي هامش البخاري الهندي (١): صالح بن حي هو صالح بن مسلم بن حيان، ولقب حيان: حي، وقد ينسب إلى جد أبيه، كذا في "التقريب"، انتهى.
(٣٢ - باب عظة الإمام. . .) إلخ
وتقدم ما أفاده شيخ الهند في الباب السابق، وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كانت الخلوة بهن والاجتماع معهن تشعر بالمنع عن ذلك دفعه بأن حرمة ذلك للفتنة، فإذا أمن الفتنة عليه وعليها لا بأس بالنصيحة لهن، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): نَبَّهَ بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه، واستفيد الوعظ بالتصريح من قوله في الحديث "فوعظهن"، وكانت الموعظة بقوله: "إني رأيتكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير"، واستفيد التعليم من قوله: "وأمرهن بالصدقة"، كأنه أعلمهن أن في الصدقة تكفيرًا لخطاياهن، انتهى إلى آخر ما فيه.
قوله: (أو قال عطاء) قال الحافظ: معناه: أن الراوي تردَّد: هل لفظ: "أشهد" من قول ابن عباس أو من قول عطاء؟ وقد رواه بالشك أيضًا حماد بن زيد عن أيوب أخرجه أبو نعيم في "المستخرج"، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ "أشهد" عن كل منهما، انتهى.
قوله: (قال إسماعيل عن أيوب. . .) إلخ، قال الحافظ: هو المعروف
стр. 462
بابن عُلية، وأراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأن لفظ "أشهد" من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة، وكذا قال وهيب عن أيوب، ذكره الإسماعيلي، وأغرب الكرماني فقال (١): يحتمل أن يكون قوله: "وقال إسماعيل" عطفًا على "حدثنا شعبة"، فيكون المراد به حدثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل، فلا يكون تعليقًا، وهو مردود بأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا، إلى آخر ما بسطه.
(٣٣ - باب الحرص على الحديث)
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: مقصود الترجمة بيان فضيلة الحرص على الحديث وقد ذكر في الأبواب السابقة والأحاديث الماضية العلم مطلقًا، والمقصود ههنا تخصيص الحديث، فهو تخصيص بعد تعميم، انتهى.
قوله: (قال: قيل) قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر وكريمة، وسقطت "قيل" للباقين وهو الصواب، ولعلها كانت "قلتُ" فتصحَّفت، فقد أخرجه المصنف في "الرقاق" كذلك، ولأبي نعيم أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ﷺ ! انتهى.
قلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ أخرجه البخاري (٣) في "باب صفة الجنة والنار"، ولفظه: "قال: قلت: يا رسول الله! " الحديث، قلت: ويمكن أن يوجَّه لفظ "قيل" بأنه عبر نفسه غائبًا، وهذا غاية تصحيح الكلام.
(٣٤ - باب كيف يقبض العلم)
وهذا باب ثان بلفظ "كيف" من الأبواب الثلاثين، والكيفية ظاهرة ههنا لا مرد فيه، أي: يقبض بقبض العلماء.
стр. 463
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: مقصود المؤلف أن يبين كيفية قبض العلم، وقد ورد في الحديث صراحةً: "لا يقبض انتزاعًا ولكن يقبض بقبض العلماء"، فعلم بذلك بالبداهة أن ذهاب العلم يكون بإذهاب العلماء، وذلك لعدم الإشاعة وعدم التبليغ، فلو استمر التعليم والإشاعة مسلسلًا ما حدث كما مرَّ في "باب رفع العلم".
وبالجملة: فإن غرض المؤلف ﵀، بل ومنشؤ الحديث المرفوع أيضًا، هو تأكيد إشاعة العلم وتعميمه، وظهر مقصود الترجمة من قول عمر بن عبد العزيز واضحًا، وشرحت الترجمة السابقة أيضًا، وتكميل الباب الأول في الباب الثاني من عادة المؤلف كما مرَّ مرارًا، وظهر من القول المذكور أيضًا أنه يجب لإشاعة العلم أن يعقد العلماء المجالس العلمية علانيةً، وفي هذا تسهيل للمتعلمين، وسعة في الترغيب والتحريض، وتقييد التعليم بالقيود والتخصيصات فيه ضياع العلم، الحذر الحذر، انتهى.
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه، انتهى.
قلت: وفي "الإشاعة" روى الديلمي عن حذيفة وأبي هريرة معًا قالا: يُسرى على كتاب الله ليلًا فيصبح الناس وليس منه آية ولا حرف في جوف إلا نسخت، وروي عن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء، إلى آخر ما فيه.
وفي "الفتح" (٢): وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسرى عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء"، وسنده صحيح ولكنه موقوف، انتهى.
قلت: وهذا نص في محو القرآن عن الصدور، وتقدم شيء من ذلك في "باب رفع العلم".
стр. 464
قوله: (حتى يكون العلم سرًّا) وفي تقرير مولانا حسين على اللاهوري: أي: يسرون العلماء الدقائق والمسائل حتى لا يكون أحد مثلهم، انتهى. كذا في هامش "اللامع" (١).
قال القسطلاني (٢): قوله: "سرًّا" أي: خفية؛ كاتخاذه في الدار المحجورة التي لا يتأتى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، انتهى.
(قال الفربري: حدثنا عباس. . .) إلخ، ذكر في تقرير مولانا محمد حسن المكي: اعلم أن للبخاري نسخًا كثيرة، وهذه النسخة الموجودة عندنا نسخة الفربري، وما وقع فيها من روايات غيره من تلاميذ البخاري فهو اندراج من الغير ليس في نسخة الفربري، ودأبه أنه إذا علم بالحديث عن غير البخاري كالقياس وغيره يرويه في الكتاب، انتهى. فليفتش.
قلت: وهذا وجه ظاهر لكنه لا يتمشى ههنا؛ لأن هذا اللفظ زاده الفربري بنفسه دون غيره، فتأمل، وفيه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام تلميذ الفربري.
(٣٥ - باب هل يجعل للنساء يومًا. . .) إلخ
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: المراد أنه ينبغي الاهتمام بالتعليم والتبليغ للأشخاص المعذورين عن حضور المجالس العامة العلمية كالنساء، فينبغي أن يخصص لهم أوقاتًا مناسبة لتبليغهم العلم، ولما أن تعميم التعليم أمر ضروري فينبغي أن يجعل للعام والخاص، والعالم والجاهل، والرجال والنساء، لكل واحد منهم وقتًا خاصًا ليحصِّل كل منهم نصيبه، والله أعلم، انتهى.
قلت: يشكل على الإمام البخاري ﵀ أنه ترجم بجعل اليوم خاصًا
стр. 465
للنساء، وهو موجود في الرواية نصًا، فلِمَ زاد لفظ: "هل" في الترجمة؟
ويمكن الجواب عنه: أن المصنف زاده؛ لأنه واقعة خاصة وقعت على سؤالهن مرة واحدة، فهل يكون هذا مطردًا أم لا؟ وقد تقدم الكلام في الأصل الثاني والثلاثين من الأصول المتقدمة على الباب المترجم بلفظ "هل" مفصلًا، فارجع إليه لو شئت التفصيل، والعجب أن أحدًا من المشايخ والشرَّاح لم يتعرضوا للفظ "هل" في هذه الترجمة.
قوله: (حدثنا محمد بن بشار. . .) إلخ، قال الحافظ (١): أفاد بهذا الإسناد فائدتين: إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى، والثانية: زيادة التقييد بعدم بلوغ الحنث، انتهى مختصرًا.
قوله: (وعن عبد الرحمن) عطف على عبد الرحمن السابق، فشعبة يرويه عن عبد الرحمن بسندين، ووهم من ظنه تعليقًا، انتهى. كذا في "الفتح".
(٣٦ - باب من سمع شيئًا. . .) إلخ
وفي "تراجم شيخ الهند" ما تعريبه: المقصود بيان فضل المراجعة عند عدم الفهم، أو التنبيه على أن في المراجعة ليس سوء أدب بالعالم، ولا فيه تحقير للمتعلم، فلا ينبغي للعالم الملالُ والتضجُّر عنه، ولا للمتعلم الاستحياء من المراجعة، انتهى.
قال الحافظ (٢): فيحمل ما ورد من ذم من سأل عن المشكلات على من سأل تعنتًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وفي حديث عائشة: "فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سمَّى الله فاحذروهم"، انتهى مختصرًا.
والأوجه عندي في غرض الترجمة ما تقدم قريبًا عن كلام ابن المنيِّر
стр. 466
في "باب من أعاد الحديث ثلاثًا"، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): "باب من سمع. . ." إلخ، وعلم بالرواية الموردة فيه جواز ذلك على استحبابه لدوام عائشة ﵂ وتقرير النبي ﷺ لها عليها، وكان سؤالها عن قوله: "من حوسب هلك" مبنيًا على ما هو أصل الحنفية أن العام يجري على عمومه إلا إذا قامت قرينة، وأما ما استثناه العقل فخارج عن البحث لخروجه عقلًا، والكلام في الشرعيات، ولو كان كل عامٍّ مخصوص البعض كما هو عند الشافعية لما افتقرت إلى السؤال، وحملت الآية على هذا البعض الخارج عن عموم قوله ﷺ : "من حوسب هلك".
وحاصل جوابه ﷺ عن مسألتها: أن الحساب في الآية مجاز عن العرض، سمّاه حسابًا لصورة المحاسبة فيه، وليس حسابًا حقيقةً، فإن الحساب هو استيفاء الدخل باستيفاء الخرج، ولا يكون في العرض مطالبة الحقوق الواجبة بأسرها، ولا المعاتبة على الكبائر والصغائر بتمامها، بل يقتصر على عرض أعماله من الخير والشر فحسب، انتهى.
وفي هامشه: قوله: على ما هو أصل الحنفية، هذه مسألة أصولية مختلفة بين الأئمة، قال صاحب "المنار": إن العام يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا، قال الشارح: قوله: قطعًا، رد على الشافعي حيث ذهب إلى أن العام ظني؛ لأنه ما من عام إلا وقد خُصَّ منه البعض، فيحتمل أن يكون مخصوصًا منه البعض وإن لم نقف عليه، فيوجب العمل لا العلم؛ كخبر الواحد والقياس، ونقول: هذا احتمال ناش بلا دليل وهو لا يعتبر، وإذا خص منه البعض كان احتمالا ناشيًا عن دليل فيكون معتبرًا، فعندنا العام قطعي فيكون مساويًا للخاص، انتهى.
وقوله: "وحاصل جوابه ﷺ " قال الكرماني (٢): وجه المعارضة أن
стр. 467
الحديث عام في تعذيب كل من حوسب، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين.
والجواب: أن المراد من الحساب العرض، وعن عائشة هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه، وقوله: "نوقش" من المناقشة، وهي الاستقصاء في الحساب، انتهى.
وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": أنه ﷺ أشار إلى أن الحساب على نوعين: أحدهما: اللغوي وهو الذي وصف في القرآن بكونه يسيرًا، وثانيهما: العرفي وهو المناقشة، وهو المراد في الحديث، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(٣٧ - باب ليبلغ العلم الشاهد. . .) إلخ
الظاهر عندي في غرض الترجمة التنبيه على تعميم ما ورد: "بلغوا عني ولو آية"، فإنه يوهم بظاهره تبليغ القرآن لا غير، وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": تعلق هذا الباب بالكتاب من حيث إن مطلوب الشارع إفادة العلم وإشاعته، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": فيه تأكيد تبليغ العلم وتعميمه صراحة، وعلى من حضر مجالس العلم أن يبلغ الأحكام التي سمعها للغائبين، وأما أهل العلم فيجب عليهم التبليغ استقلالًا، فلا يحتاج فيه إلى سؤال سائل، أو حاجة أحد، أو هو مسؤول عن تبليغ ما يعلمه من قليل أو كثير، انتهى.
قوله: (لا تعيذ عاصيًا. . .) إلخ، المسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٣) في جامع الحج، وبسط الكلام على هذا الحديث الشيخ في "الكوكب" (٤).
стр. 468
وحاصل اختلاف الأئمة في ذلك أن من جنى في الحرم يُقتص منه بلا خلاف، سواء كان في النفس أو فيما دونه، وكذلك من جنى خارجه يقتص فيه فيما دون النفس، وأما في النفس فالمسألة خلافية بين الأئمة فيقتص منه في الحرم عند مالك والشافعي، ولا يقتص عند أبي حنيفة وأحمد، بل يُضْطَّرَ إلى الخروج.
قوله: (ألا هل بلغت) قال الحافظ (١): هذا من قول النبي ﷺ ، وهو تكملة الحديث، واعترض قوله: "وكان محمد" إلى قوله: "كان ذلك" في أثناء الحديث، هذا هو المعتمد، فلا يلتفت إلى ما عداه، انتهى.
وما قال ابن سيرين: صدق رسول الله ﷺ . . . إلخ، اختلفوا في المشار إليه بقوله: كان ذلك، فقيل: أي: إخباره ﵊ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد، فيكون الأمر في قوله: "ليبلغ" بمعنى الخبر، وقيل: إشارة إلى تتمة الحديث، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني: وقع تبليغ الشاهد، وقيل: إشارة إلى ما بعده، وهو التبليغ الذي في ضمن "ألا هل بلغت"، كذا في "القسطلاني" (٢).
وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": قوله: "صدق" أي: وقع ما أمر به، وقد جاء هذا أيضًا في استعمالاتهم.
والظاهر عندي: أن هذا إشارة إلى تتمة الحديث، وهو قوله: "رب مبلغ أوعى له من سامع" فافهم، انتهى.
وهذا الأخير هو المتعين عندي لما يأتي في "باب قول النبي ﷺ : لا ترجعوا بعدي كفارًا" من "كتاب الفتن" بلفظ: "رُبَّ مبلِّغ يبلغه من هو أوعى له، وكان كذلك" (٤).
стр. 469
قال القسطلاني (١): قوله: "وكان كذلك" أي: وقع التبليغ كثيرًا من الحافظ إلى الأحفظ، انتهى.
ويؤيده أيضًا ما في حجة الوداع بلفظ: "لعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، فكان محمد ﵀ إذا ذكره يقوله: صدق محمد ﷺ "، وبهذا اللفظ أخرجه في "كتاب الأضاحي"، وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) قوله: صدق رسول الله ﷺ ، أي: فيما كان يخاف على أمته من وقعة السيوف فيهم، فكان كما أخبر إلى آخر ما بسط فيه وفي هامشه.
(٣٨ - باب إثم من كذب على النبي ﷺ . . .) إلخ
لم يتعرض الشيخ قُدِّس سرُّه لهذه الترجمة في "اللامع"، وزيدت في هامشه (٣)، وفيه: زدتها تنبيهًا على أنها عندي من تكملة الترجمة السابقة، كأن المصنف قيدها بهذه الترجمة بأن الاهتمام مما لا بد منه، لكن مع شدة الاهتمام في التوقي عن الكذب عليه ﷺ ، ثم رأيت أشار إلى ذلك شيخ الهند في "تراجمه" إذ قال: وعلم من الأبواب السابقة المتعددة أهمية التبليغ والتعليم والتعميم والتكثير، وفيه خطر الكذب غالبًا بإرادة كان أو بدون إرادة، ولذا نبَّه بذكر هذه الترجمة أن التبليغ والتعليم لا بد فيه من الاحتياط والاهتمام، ويحترز عن التخمين والمجازفة، انتهى معربًا.
وفي هامش "اللامع" (٤): قال الحافظ (٥): رتَّب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا؛ لأنه بدأ بحديث علي وفيه مقصود الباب، وثنَّى بحديث الزبير الدالِّ على توقي الصحابة وتحرُّزهم عن الكذب عليه، وثلَّث بحديث أنس الدالِّ على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا عن
стр. 470
أصل التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة، الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظة أو في المنام، انتهى.
وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": اعلم أن الكذب على النبي ﷺ وإن لم يمكن من الصحابي لكن في إكثار الرواية مظنة أن يقع شيء من ذلك وما يجب أن يحترز عن مظنة أيضًا، والمكثرون من الصحابة كانوا واثقين بالحفظ والضبط، مأمونين عن وقوع الكذب، ومع ذلك قصدوا نشر العلم وإشاعته، فهم مجزيُّون بنياتهم الحسنة أحسن الجزاء، والمقلُّون أيضًا مجزيُّون بنياتهم الحسنة أحسن الجزاء، ولكل وجهة هو مُوَلِّيهَا:
وللناس فيما يعشقون مذاهب
انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن في الباب حديث مكي بن إبراهيم، قال الحافظ (٢): هذا الحديث أول ثلاثي وقع في "البخاري"، وقد أُفردت فبلغت أكثر من عشرين، انتهى.
قلت: هي اثنان وعشرون حديثًا، آخرها حديث خلاد بن يحيى في "باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ "، ومكي بن إبراهيم هذا من تلامذة الإمام أبي حنيفة كما في "تهذيب" (٣) الحافظ، قال: وليس في "البخاري" أعلى من الثلاثيات، انتهى كذا في هامش "اللامع".
وقد بسطت الكلام على ثلاثيات البخاري في مقدمة "اللامع" (٤) تحت خصائص البخاري، وفيه: أن في "البخاري" من اثنين وعشرين حديثًا من الثلاثيات، وهم يعدونها بتلك الشدة من الاهتمام ويكتبون على هامش
стр. 471
كل واحد منها: الأول من الثلاثيات، والثاني من الثلاثيات بقلم جلي، ويفردون الكلام عليها، وهي اثنان وعشرون حديثًا، العشرون منها من تلامذة الإمام الهمام أبي حنيفة النعمان أو تلامذة تلامذته، وقد أفردت الكلام على ذلك في مقدمة "اللامع" في خصائص البخاري، ولذا قيل: أن فقه الإمام أبي حنيفة أكثره ثنائي، فافهم.
(٣٩ - باب كتابة العلم)
وإيراد هذا الباب السابق في غاية الحسن، فإنه لما حذَّر في الباب السابق عن الكذب على النبي ﷺ ، فلعل بعض الهمم متقاصر عن نقل الأحاديث وإشاعتها مخافة الوقوع في الكذب، فيفوت به المقصود الأعظم وهو التبليغ والتعليم، وقد نبّه المصنف في الكذب في كثير من أبوابه على الاهتمام بالتعليم والتبليغ والاعتناء بهما، فأورد المصنف هذه الترجمة بعده ليبين بها طريقة يسلم بها الرجل عن الوقوع في الكذب مع تحصيل المقصود بأن يكتب ما يسمع من الأحاديث والعلم ثم ينقله، والله أعلم.
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): دفع بذلك ما يتوهم من روايات النهي عن الكتابة منعها بأنه كان في أول الأمر ثم رخَّص فيها، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشيء بل يوردها على الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك تركًا وعملًا، وإن كان الأمر قد استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم، انتهى.
стр. 472
قلت: وهذا الأصل الذي ذكره الحافظ أصلٌ مطَّرد من أصول الإمام، كما تقدم في الأصل الخامس والثلاثين، لكن الأوجه عندي ههنا أن المصنف أشار بذكر الروايات الواردة إلى استحبابها، كما اختاره شيخ الهند في "تراجمه" إذ قال: لما كانت الكتابة مما لا بد منها لبقاء العلم وحفظه وإشاعته نبّه المصنف بالترجمة إلى استحسانها، بل رغَّب العلماء إلى الكتابة إشارة، انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): غرض المصنف أن كتابة الحديث وإن كانت ممنوعة في عهده ﷺ كيلا يختلط بالقرآن غيره، أو لئلا يتَّكل الناس على الكتابة من الحفظ، ثم شاع التدوين والتأليف، فله أصل في الحديث وقصص الصحابة؛ كعبد الله بن عمرو بن العاص أدلة عليه وشاهدات، انتهى.
قلت: وبسطت المسألة في "مقدمة الأوجز" أشد البسط، وكانت المسألة خلافية شهيرة في السلف، وكانت فيها ثلاثة مذاهب: المنع والإباحة والمحو بعد الكتابة، كما بسطت أقوالهم وأسماء قائليها في "مقدمة الأوجز"، ثم استقر الأمر على جواز الكتابة، وقد تقدم في كلام الحافظ الإجماع على ذلك، وفي "توضيح مقدمة القسطلاني" لعبد الهادي بعد نقل الاختلاف في ذلك: ثم أجمعوا بعد ذلك وزال الاختلاف، انتهى.
وكذا حكى الإجماع على ذلك السيوطي كما في "مقدمة الأوجز" (٢).
قوله: (هل عندكم كتاب) قال الحافظ (٣): الخطاب لعلي ﵁، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو للتعظيم، وقوله: "كتاب" أي: مكتوب أخذتموه عن رسول الله ﷺ مما أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف في "الجهاد": "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ "
стр. 473
وله في "الديات": "هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ " انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) في "كتاب الاعتصام": قوله: "ما عندنا من كتاب" الحديث، رد بذلك على الرافضة القائلين بأنَّه ﷺ خصَّ عليًّا بصحف ورسائل ليست عند غيره، ولا يضر ذلك استثناء الصحيفة، فإن مسائلها وأحكامها كانت مشتهرة فيما بينهم معلومة لهم عامةً وإن لم تكن مكتوبة منه ﷺ إلا عنده خاصة، انتهى.
وبسط الكلام على شرح كلام الشيخ في هامشه.
قوله: (قال محمد) أي: البخاري (اجعلوه. . .) إلخ، يعني لفظ: "أو" للشك لا للتنويع، والشك من شيخ أبي نعيم، وغيره يقول: الفيل بالفاء والياء المثناة التحتية، كذا في "الفتح" (٢) ملخصًا.
وقوله: (ألا وإنها) أي: مكة في (ساعتي هذه) وهي بغد من الفتح، فإنه ﷺ خطب يوم الغد من الفتح، كما تقدم قريبًا في "باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب".
قوله: (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) يشكل عليه أن الموجود من روايات أبي هريرة أكثر من روايات عبد الله بن عمرو، فإن روايات أبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وروايات عبد الله بن عمرو سبعمائة، وقيل: روى من المتون سوى الطرق نيفًا وخمسمائة، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة عديدة في هامش "الكوكب" و"اللامع" (٣) فإنه أقام بمصر أو الطائف ولم تكن الرحلة إليهما كالرحلة إلى المدينة - زادها الله شرافة وكرامة -.
ومنها أن عبد الله بن عمرو قد يروي عن الكتب السابقة أيضًا فتجنب الناس عن روايته لذلك، ومنها اشتغال عبد الله بن عمرو بالعبادة أكثر
стр. 474
من التعليم، بخلاف أبي هريرة فإنه كان متصديًا للفتوى والتحديث وتكثير الروايات إلى أن مات ﵁.
وأما قول أبي هريرة: "ولا أكتب" فيعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا من حديث النبي ﷺ وقال: هذا هو مكتوب عندي، قال ابن عبد البر: حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه كتب بعده ﵊، أو لم يكن مكتوبًا بيده بل بخط غيره (١).
قوله: (ائتوني بكتاب. . .) إلخ، وكان ذلك في يوم الخميس كما هو معروف، وكان وصاله ﷺ يوم الاثنين، يعني: في اليوم الخامس من قوله ﷺ ، وقد أوصى بعد ذلك بوصايا كثيرة من إجازة الوفود والصلاة وما ملكت أيمانهم، ومن تجهيز جيش أسامة، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأيضًا، قال: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد" وأيضًا قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢)، وفي "البخاري" في مرض النبي ﷺ : "ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم" (٣).
قال الحافظ (٤): تقدم في فضل أبي بكر من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ خطب في مرضه" فذكر الحديث، وقال فيه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر" الحديث، وفيه: "أنه آخر مجلس جلسه"، انتهى.
وقد أخرج البخاري في مناقب أبي بكر عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: "إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله" الحديث (٥)، وفيه: "إن من أَمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي
стр. 475
لاتخذت أبا بكر خليلًا، لكن أخوة الإسلام" إلى آخر الحديث، وغير ذلك من الروايات الواردة في إفادته ﷺ في هذه الأيام، فأي مانع كان له ﷺ عن نص الإمارة إن كان ضروريًا، فالظاهر أنه ﵊ لم يعده مهمًا، أو رأى المصلحة في الإبهام، ثم إن كان ﷺ يكتب فالظاهر أنه ﵇ يكتب لأبي بكر رضي الله تعالى عنه كما سيأتي في "باب الاستخلاف" من "كتاب الأحكام" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) تحت قوله: "فخرج ابن عباس. . ." إلخ، يعني: أن ابن عباس أراد بذلك أنه لما تبين من اختلاف الصحابة ما أدى إلى المقاتلة بين علي ومعاوية ﵄ تأسف على ما فعلوا من الاكتفاء بكتاب الله، فإنه ﷺ لو نص على خلافة الخلفاء بترتيبها لما كان لأحد مخالفة فيها، فلم تصل النوبة إلى مقاتلة بين الصحابة، وإنما حسن ذلك من عمر لما علم أنه يكتب الخلافة لأبي بكر ونحن متفقون عليه، فلا حاجة إلى تصديعه، واستحسنه النبي ﷺ منه، فلو كانت الكتابة واجبة من الله تعالى لما تركها بقول أحد، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة، فإنه لو كتب لكتب ما ليس في القرآن من أمور يوصي بها، فعلم جواز كتابة العلم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح قول الشيخ قُدِّس سرُّه، ونقل العلَّامة السندي (٣) في هامش البخاري أنه قيل: إنما كان هذا الأمر من النبي ﷺ اختيارًا لأصحابه، فهدى الله عمر لمراده ومَنَعَ من إحضار
стр. 476
الكتاب، وخفي ذلك على ابن عباس، وعلى هذا فينبغي عدُّ هذا في جملة موافقة عمر ربه، إلى آخر ما بسطه أشد البسط في الإيرادات والأجوبة عنها.
قوله: (فخرج ابن عباس. . .) إلخ، ظاهره من ذلك المكان وليس كذلك، بل من مكان التحديث بعد ذلك بزمان طويل عند وقعة الحروب بين الصحابة كما تقدم في كلام الشيخ، ويشكل على حديث ابن عباس أيضًا أن الوقعة كانت بمحضر من جماهير الصحابة بسبب اشتداد مرضه ﷺ ، وليس في الرواية راو غير ابن عباس ﵄ وهو من أصاغر الصحابة، وكان في الجماعة على كثير من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين هذا وقد تكلم الشراح على رواته أيضًا كما بسط في المطولات.
(٤٠ - باب العلم والعظة بالليل)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن السمر المنهي عنه إنما هو سمره في أمور الدنيا لا مطلقًا، وأن السمر لا يتحقق إلا بعد العشاء قبل النوم، فأما بعد النوم فلا يعدّ سمرًا، ووضع لكل من المرامين بابًا، انتهى.
وفي هامشه: هذا الباب والآتي بعد ذلك متقاربان في المعنى، وفرق بينهما الشيخ بحملهما على المرامين.
وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الغرض من الترجمة الأولى التنبيه على أن الحديث بعد النوم لا يعدّ سمرًا، ولذا لم يترجم المصنف ههنا بلفظ السمر.
وحاصل الترجمة الآتية: أن السمر في العلم ليس بمنهي عنه، ولذا أورد المصنف في الباب الأول الرواية الدالة على الحديث بعد النوم بخلاف الباب الثاني.
стр. 477
قال الحافظ (١): أراد المصنف التنبيه على أن النهي من الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير، انتهى.
قال العيني (٢): وفي بعض النسخ: اليقظة بالليل، وهذا أنسب للترجمة، انتهى. يعني: أوفق بالحديث.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن المحصول من الروايات الكثيرة؛ كحديث ابن مسعود: "كان يتخولنا بالموعظة. . ." إلخ، وحديث: "يسِّروا ولا تعسِّروا"، وقول ابن عباس: "لا تمل الناس هذا القرآن"، وغير ذلك من الروايات والآثار أنه لا بد في التذكير والتعليم من مراعاة نشاط السامعين، ومعلوم أن الليل وقت نوم وراحة، فكان لمتوهم أن يقول بكراهة التعليم والتذكير في الليل، فدفعه المصنف بهذه الترجمة وأورد فيها روايةً تدل على أنه يجوز إيقاظ النائمين أيضًا لضرورة التذكير فضلًا عما قبل النوم، انتهى.
وذكر العلم ليعم التعلم والتعليم وهما غير العظة فإنه التذكير للغير، انتهى ما في هامش "اللامع".
قوله: (ح وعمرو) بالكسر عطف على معمر، وبالرفع استيناف، أي: قال ابن عيينة: حدثنا معمر، كذا في "الفتح" (٣).
(٤١ - باب السمر بالعلم)
في "تراجم شيخ الهند": أنه ذكر الممانعة من السمر بعد العشاء في الروايات، ولكن عند الحاجة وفي الأوقات المناسبة ثبت السمر في العلم، وهو مسلم وخارج عن الممانعة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): وجه الجواز فيه أن النهي عنه لأدائه