وله في "الديات": "هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ " انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) في "كتاب الاعتصام": قوله: "ما عندنا من كتاب" الحديث، رد بذلك على الرافضة القائلين بأنَّه ﷺ خصَّ عليًّا بصحف ورسائل ليست عند غيره، ولا يضر ذلك استثناء الصحيفة، فإن مسائلها وأحكامها كانت مشتهرة فيما بينهم معلومة لهم عامةً وإن لم تكن مكتوبة منه ﷺ إلا عنده خاصة، انتهى.
وبسط الكلام على شرح كلام الشيخ في هامشه.
قوله: (قال محمد) أي: البخاري (اجعلوه. . .) إلخ، يعني لفظ: "أو" للشك لا للتنويع، والشك من شيخ أبي نعيم، وغيره يقول: الفيل بالفاء والياء المثناة التحتية، كذا في "الفتح" (٢) ملخصًا.
وقوله: (ألا وإنها) أي: مكة في (ساعتي هذه) وهي بغد من الفتح، فإنه ﷺ خطب يوم الغد من الفتح، كما تقدم قريبًا في "باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب".
قوله: (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) يشكل عليه أن الموجود من روايات أبي هريرة أكثر من روايات عبد الله بن عمرو، فإن روايات أبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وروايات عبد الله بن عمرو سبعمائة، وقيل: روى من المتون سوى الطرق نيفًا وخمسمائة، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة عديدة في هامش "الكوكب" و"اللامع" (٣) فإنه أقام بمصر أو الطائف ولم تكن الرحلة إليهما كالرحلة إلى المدينة - زادها الله شرافة وكرامة -.
ومنها أن عبد الله بن عمرو قد يروي عن الكتب السابقة أيضًا فتجنب الناس عن روايته لذلك، ومنها اشتغال عبد الله بن عمرو بالعبادة أكثر
стр. 474
من التعليم، بخلاف أبي هريرة فإنه كان متصديًا للفتوى والتحديث وتكثير الروايات إلى أن مات ﵁.
وأما قول أبي هريرة: "ولا أكتب" فيعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا من حديث النبي ﷺ وقال: هذا هو مكتوب عندي، قال ابن عبد البر: حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه كتب بعده ﵊، أو لم يكن مكتوبًا بيده بل بخط غيره (١).
قوله: (ائتوني بكتاب. . .) إلخ، وكان ذلك في يوم الخميس كما هو معروف، وكان وصاله ﷺ يوم الاثنين، يعني: في اليوم الخامس من قوله ﷺ ، وقد أوصى بعد ذلك بوصايا كثيرة من إجازة الوفود والصلاة وما ملكت أيمانهم، ومن تجهيز جيش أسامة، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأيضًا، قال: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد" وأيضًا قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢)، وفي "البخاري" في مرض النبي ﷺ : "ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم" (٣).
قال الحافظ (٤): تقدم في فضل أبي بكر من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ خطب في مرضه" فذكر الحديث، وقال فيه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر" الحديث، وفيه: "أنه آخر مجلس جلسه"، انتهى.
وقد أخرج البخاري في مناقب أبي بكر عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: "إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله" الحديث (٥)، وفيه: "إن من أَمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي
стр. 475
لاتخذت أبا بكر خليلًا، لكن أخوة الإسلام" إلى آخر الحديث، وغير ذلك من الروايات الواردة في إفادته ﷺ في هذه الأيام، فأي مانع كان له ﷺ عن نص الإمارة إن كان ضروريًا، فالظاهر أنه ﵊ لم يعده مهمًا، أو رأى المصلحة في الإبهام، ثم إن كان ﷺ يكتب فالظاهر أنه ﵇ يكتب لأبي بكر رضي الله تعالى عنه كما سيأتي في "باب الاستخلاف" من "كتاب الأحكام" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) تحت قوله: "فخرج ابن عباس. . ." إلخ، يعني: أن ابن عباس أراد بذلك أنه لما تبين من اختلاف الصحابة ما أدى إلى المقاتلة بين علي ومعاوية ﵄ تأسف على ما فعلوا من الاكتفاء بكتاب الله، فإنه ﷺ لو نص على خلافة الخلفاء بترتيبها لما كان لأحد مخالفة فيها، فلم تصل النوبة إلى مقاتلة بين الصحابة، وإنما حسن ذلك من عمر لما علم أنه يكتب الخلافة لأبي بكر ونحن متفقون عليه، فلا حاجة إلى تصديعه، واستحسنه النبي ﷺ منه، فلو كانت الكتابة واجبة من الله تعالى لما تركها بقول أحد، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة، فإنه لو كتب لكتب ما ليس في القرآن من أمور يوصي بها، فعلم جواز كتابة العلم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح قول الشيخ قُدِّس سرُّه، ونقل العلَّامة السندي (٣) في هامش البخاري أنه قيل: إنما كان هذا الأمر من النبي ﷺ اختيارًا لأصحابه، فهدى الله عمر لمراده ومَنَعَ من إحضار
стр. 476
الكتاب، وخفي ذلك على ابن عباس، وعلى هذا فينبغي عدُّ هذا في جملة موافقة عمر ربه، إلى آخر ما بسطه أشد البسط في الإيرادات والأجوبة عنها.
قوله: (فخرج ابن عباس. . .) إلخ، ظاهره من ذلك المكان وليس كذلك، بل من مكان التحديث بعد ذلك بزمان طويل عند وقعة الحروب بين الصحابة كما تقدم في كلام الشيخ، ويشكل على حديث ابن عباس أيضًا أن الوقعة كانت بمحضر من جماهير الصحابة بسبب اشتداد مرضه ﷺ ، وليس في الرواية راو غير ابن عباس ﵄ وهو من أصاغر الصحابة، وكان في الجماعة على كثير من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين هذا وقد تكلم الشراح على رواته أيضًا كما بسط في المطولات.
(٤٠ - باب العلم والعظة بالليل)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن السمر المنهي عنه إنما هو سمره في أمور الدنيا لا مطلقًا، وأن السمر لا يتحقق إلا بعد العشاء قبل النوم، فأما بعد النوم فلا يعدّ سمرًا، ووضع لكل من المرامين بابًا، انتهى.
وفي هامشه: هذا الباب والآتي بعد ذلك متقاربان في المعنى، وفرق بينهما الشيخ بحملهما على المرامين.
وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الغرض من الترجمة الأولى التنبيه على أن الحديث بعد النوم لا يعدّ سمرًا، ولذا لم يترجم المصنف ههنا بلفظ السمر.
وحاصل الترجمة الآتية: أن السمر في العلم ليس بمنهي عنه، ولذا أورد المصنف في الباب الأول الرواية الدالة على الحديث بعد النوم بخلاف الباب الثاني.
стр. 477
قال الحافظ (١): أراد المصنف التنبيه على أن النهي من الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير، انتهى.
قال العيني (٢): وفي بعض النسخ: اليقظة بالليل، وهذا أنسب للترجمة، انتهى. يعني: أوفق بالحديث.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن المحصول من الروايات الكثيرة؛ كحديث ابن مسعود: "كان يتخولنا بالموعظة. . ." إلخ، وحديث: "يسِّروا ولا تعسِّروا"، وقول ابن عباس: "لا تمل الناس هذا القرآن"، وغير ذلك من الروايات والآثار أنه لا بد في التذكير والتعليم من مراعاة نشاط السامعين، ومعلوم أن الليل وقت نوم وراحة، فكان لمتوهم أن يقول بكراهة التعليم والتذكير في الليل، فدفعه المصنف بهذه الترجمة وأورد فيها روايةً تدل على أنه يجوز إيقاظ النائمين أيضًا لضرورة التذكير فضلًا عما قبل النوم، انتهى.
وذكر العلم ليعم التعلم والتعليم وهما غير العظة فإنه التذكير للغير، انتهى ما في هامش "اللامع".
قوله: (ح وعمرو) بالكسر عطف على معمر، وبالرفع استيناف، أي: قال ابن عيينة: حدثنا معمر، كذا في "الفتح" (٣).
(٤١ - باب السمر بالعلم)
في "تراجم شيخ الهند": أنه ذكر الممانعة من السمر بعد العشاء في الروايات، ولكن عند الحاجة وفي الأوقات المناسبة ثبت السمر في العلم، وهو مسلم وخارج عن الممانعة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): وجه الجواز فيه أن النهي عنه لأدائه
стр. 478
إلى فوت صلاة الفجر أو جماعتها، ولا ينجرّ السمر في العلم عادةً، مع أن حالة الوعظ بحيث يؤدي إلى ملل القوم ممنوعة أيضًا فلا يكون إلا قليلًا، بخلاف السمر في أمور الدنيا والقصص، فإن النفس تميل إليها فينجرّ فيؤدي إلى قضاء الصلاة وفواتها، مع أن السمر بالعلم والعظة يعين على الخير فينجر ما كان من تأخير الوقت في النوم بتوفيق الخير فلا يضر، والسمر باللهو يعين على التبلد ولا يعوق عن الشر لما فيه من أثر ذلك فيزداد البلاء على البلاء، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (١): السمر بفتح المهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم؛ لأنه اسم للفعل، ومعناه الحديث بالليل قبل النوم، وبهذا يظهر الفرق بين هذه الترجمة وبين ما قبلها، انتهى.
وأنت خير بأن الفرق بينهما على ما تقدم في الترجمة السابقة من كلام الحافظ غير ظاهر، نعم على ما تقدم من كلام الشيخ ظاهر.
قوله: (نام الغليم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لعل كان ذلك استفهامًا [أو إخبارًا] ليشتغل ببعض ما يفعله الرجل بأهله من الملاعبة وغيرها، انتهى.
وفي هامشه: الغليم تصغير الغلام، وهذا تصغير الشفقة نحو: يا بُني، وقال الحافظ (٣): قيل: الترجمة في قوله ﷺ : "نام الغليم"، وقيل: في ارتقاب ابن عباس أحواله ﷺ ، ولا فرق بين التعليم بالقول والفعل، وقيل: ما يفهم من جعله إياه على يمينه كأنه قال: قف عن يميني، أو لأن الغالب أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديث النبي ﷺ كله علم، وكل ذلك معترض، والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهو
стр. 479
ما أخرجه في التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي "كتاب الرد على الجهمية" في "باب تخليق السماوات والأرض" وفيهما: "فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة" وهو نص، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث والنظر في مواقع ألفاظ الرواية، انتهى ملخصًا من كلام الحافظ مع زيادة.
وكتب شيخ الهند: أن هذا الحديث لا يظهر له المناسبة بالترجمة، وقد ذكر الشراح فيه عدة تأويلات، ولكن الحافظ ابن حجر استخرج بعد الخوض والفحص رواية تتعلق بهذا نصًا في كتاب التفسير، قد ورد فيها صراحة: "فتحدث مع أهله ساعة"، فلا حاجة إلى التأويلات مطلقًا كما ذكرنا في الأصول، انتهى.
قلت: ذكره شيخ الهند في الأصل السادس من أصول تراجمه، وقد مرَّ في الأصل الحادي عشر من الأصول المتقدمة في الجزء الأول.
(٤٢ - باب حفظ العلم)
في "تراجم شيخ الهند": نَبَّهَ المصنف على أنه ينبغي السعي في بقاء الحفظ بعد التعلم، فعلم بالحديث الأول أن من أسباب الحفظ الاشتغال بالعلم، وبالثاني أن قوة الحفظ أيضًا مطلوبة، وهي وإن كانت خلقية لكن لها أسبابًا مؤيدات ومضمرات، فيستحسن مراعاتها:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأوصاني إلى ترك المعاصي
انتهى.
والأوجه عندي: أن بالحديث الثاني أشار الإمام البخاري أنه لا بد لزيادة الحفظ الدعاء والتضرع إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومطابقة الحديث الثالث بالترجمة أن من أسباب الحفظ بثّ العلم ونشره، ثم من اللطائف أن البخاري ذكر في الباب ثلاثة أحاديث كلها من أبي هريرة، وذلك لكونه من أحفظ الصحابة.
стр. 480
قوله: (بشبع بطنه) قال شيخ المشايخ في "تراجمة" (١): هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: يشبع بطنه، أي: يحصل ما يشبع بطنه من القوت؛ لأنه رضي الله تعالى عنه ما كان له مال يتجر به ولا زرع يشتغل به ويأكل منه، فكان يلازم النبي ﷺ فيتحصل قوته.
وثانيهما: يشبع بطنه، أي: كان يلازمه ما يريده من المدة، ولا يقوم من مجلسه حتى يستوفي حظه منه؛ كقولهم: فلان يحدث شبع بطنه، ويسافر شبع بطنه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: بشبع بطنه، أي: مقتنعًا به ومكتفيًا عن السعي في تحصيل الأموال لعدم أحد ممن يكون له حق عليه، وهذا بيان لشأنه وشأنهم، يبيِّن به سبب كثرة الروايات له، وليس المقصود الازدراء بشأنهم أو تحقيرهم حاشاه من ذلك، انتهى.
وفي هامشه: أن أبا هريرة كان إذ ذاك مسكينًا من أصحاب الصفة أسلمت أمه بعد إسلامه بزمان بدعوة النبي ﷺ ، وتزوج في زمان مروان.
قوله: (فما نسيت شيئًا بعد) وسيأتي في أول "كتاب البيوع" بلفظ: "فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء" (٣)، وجمع بينهما بحملهما على تعدد العمل، فأفاد مرة حفظ مقالة مخصوصة، وأخرى حفظ سائر ما سمعه بعده، أو يحمل لفظة "من" في حديث "كتاب البيوع" على أنه أجلية، أي: بسبب مقالته ﷺ ، أو يقال: إن لفظة "من" ابتدائية لابتداء الغاية في الزمان، والمقالة مصدر حينئذ، كما بسط في هامش "اللامع" (٤) في "كتاب البيوع".
стр. 481
قوله: (وأما الآخر) كتب الشيخ في "اللامع" (١): حمله أهل الحقيقة على مدعاهم وليس ببعيد، انتهى.
وبسط في هامشه الأقوال في ذلك بالبسط، منها: أن المراد به أسامي أمراء السوء وأحوالهم، ومنها: علوم الباطن والأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه، ويؤيده ما في "المسلسلات" (٢) للشاه ولي الله الدهلوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا لا ينكره إلا أهل الغرة بالله"، ومنها: أن المراد بها أحاديث أشراط الساعة وما عرف به ﷺ من فساد الدين وتغير الأحوال، ومنها: ما في تقرير الشيخ المكي، وهو ما ذكر فيه دقائق العلوم؛ كمسألة القدر ونحوها مما لا يفهمه كل أحد فيضلون فيه بآرائهم ويهلكون، ومنها: ما قال شيخ المشايخ (٣): المراد به على الصحيح علم الفتن والواقعات التي وقعت بعد وفاته ﷺ من شهادة عثمان وشهادة الحسين، وكان يخاف في إفشائها وتعيين أسمائها من غلمان بني أمية، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(٤٣ - باب الإنصات للعلماء)
اختلفوا في غرض الإمام بالترجمة على أقوال، منها: ما قال ابن بطال: الإنصات لازم للمتعلمين؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ومنها: ما قال العيني (٤): ذكر في الباب السابق حفظ العلم، وبين ههنا أن العلم يحفظ من العلماء، فلا بد من الإنصات لهم حتى لا يشذ عنه شيء، ومنها: ما قال شيخ الهند: إن قول ابن عباس: "لا ألفينّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم" ونحو ذلك
стр. 482
من الأقوال لما كانت دالة على عدم جواز قطع حديثهم نَبّه المصنف بذلك على أنه يجوز عند الضرورة، ملخصًا من هامش "اللامع".
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): فيه دلالة على جواز الأمر بالإنصات للعلم ولو عن الذكر، فإن الناس كانوا في التلبية وهي ذكر، ولذلك احتيج إلى عقد باب له، فإن الظاهر يأبى عن الإنصات من الذكر وتلاوة القرآن وغيرهما من الطاعات، فأثبت بالرواية أن ذلك جائز لأجل العلم والوعظ، انتهى.
قوله: (قال له) ادعى بعضهم أن لفظ: "له" وهم؛ لأن جريرًا أسلم قبل وصاله ﵊ بأربعين يومًا، لكن قال ابن حبان وغيره: إنه أسلم في رمضان سنة عشر، ويقويه ما للمصنف في باب حجة الوداع التصريح بأنه ﵊ قال لجرير، كذا في "الفتح" (٢).
(٤٤ - باب ما يستحب للعالم. . .) إلخ
قال السندي (٣): قيل: الظرف أعني "إذا سئل: متعلق بما بعده وليس بسديد، إذ يلزم أن الباب موضوع لبيان ما يستحب للعالم مطلقًا، وليس كذلك، كيف ولو كان كذلك لكان اللازم أن جميع ما يستحب للعالم هو أن يكل العلم إلى الله إذا سئل: أيُّ الناس أعلم؟ وهذا فاسد، وإنما هو موضوع لبيان ما يستحب له حين السؤال، فالوجه أن الظرف متعلق بيستحب، وأما قوله: "فيكل" جزاء شرط محذوف حذف صونًا للكلام عن صورة التكرار مع ظهور القرينة، وهذا شائع كثير، ومثل هذه الفاء تسمى فاء فصيحة، والتقدير: إذا سئل أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، بمعنى: فليكل من وضع الخبر موضع الإنشاء، والجملة الشرطية لبيان ما يستحب له حين السؤال، انتهى.
стр. 483
وفي "تراجم شيخ الهند": يعني: أنه لا يستحب للعالم أن يقول: أنا أعلم، إذا سئل: أيُّ الناس أعلم؟ ولو تحقق كونه أعلم الناس، بل يستحب أن يجيب بقوله: الله أعلم، وهذا الأمر واضح من حديث الباب، ويظهر من هذا أن غرض المؤلف ﵀ أنه ينبغي للعلماء أن يتحلوا بالتواضع دائمًا خصوصًا من جهة العلم، فيلاحظوا نقصان أنفسهم وكمال الرب ، ولما أن أسباب الكبر والعجب تكثر فيهم، فينبغي لهم الاحتياط الشديد، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "باب ما يستحب. . ." إلخ، وإن كان يجوز له الحكم بناءً على الظاهر إلا أنه استبعد من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لكونه أرفع شأنًا من أن يظن بنفسه شيئًا من الكمال، وكان فيه فتح باب الكبر والإعجاب، سيما بني إسرائيل فإنهم فرسان هذا الميدان، وحملة ألوية الزهو والطغيان، وإنما بدر موسى إلى مقالته لما علم أن الرسول هو صفوة الله من عباده، ولذلك اختير للإرسال إلى بلاده، وكان مصيبًا في [ظنه] ذلك، إلا أن ذلك لا يستلزم إلا الأعملية في علم الأحكام والشرائع، مع أن للكريم ﵎ في خليقته صنائع وبدائع، وكان الظاهر من قوله: أنا أعلم، هو الإطلاق، وكونه كذلك في كل نوع من العلوم، فعوتب على ذلك، فلعل أحدًا أعلم منه باعتبار بعض العلوم وإن كان له الفضل فيما هو أعلى أقسام العلوم، أي: علم الشريعة.
ثم إن اتباع موسى ﵇ له لم يكن إلا بأمر منه ﵎، فكان الخضر على حق فيما يصنعه قطعًا، ومع ذلك فلم يكن لموسى ﵇ صبر على ما كان يصنعه، فلا حجة لمتصوفة زماننا في ترك الاعتراض عليهم فيما يأتوننا من الأمور المنكرة شرعًا، وذلك لأن خضرًا كان نبيًّا، ولو سُلِّم عدمه لكان في أمره تعالى باتباعه كفاية، فعلم أنه مصيب يقينًا، وانتفى اليقين فيما نحن فيه، فلا يجوز لأحد من أهل العلم السكوت على منكر يأتون به؛
стр. 484
ولا يجوز لهم أن يرتكبوه أيضًا إلا أن يكون أحد يخرج عن حيطة الاختيار على نفسه، فيرتفع عنه التكليف الشرعي التحاقًا بالمجانبين، انتهى.
قلت: ومما ينبغي أن يفتش الفرق بين هذه والترجمة الآتية: "باب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، إذ قال شيخ الهند في غرضها أيضًا التواضع.
قوله: (أن نوفًا البكالي) وكتب الشيخ في "اللامع" (١): ولعل وجه توهم نوف المغايرة بين المسمِّين بموسى استبعاد أن يكون موسى وهو من أولي العزم من الرسل، وهو كليم الله أيضًا يتلمذ على خضر ويتعلم منه، أو يؤمر بذلك منه ﵎، انتهى.
وبسط في هامشه في ترجمة نوف البكالي وموسى كليم الله.
قوله: (كذب عدو الله) قال ابن التين: لم يرد إخراج نوف عن ولاية الله، بل قلوب العلماء تنفر إذا سمعت خلاف الحق.
قال الحافظ (٢): ويجوز أنه اتهمه في صحة إسلامه، ولذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذه المقالة، انتهى. كذا في "الفتح".
قلت: ولعل سبب غضب ابن عباس عليه أنه زعم أن نوفًا أخذه من التوراة، فإن نوفًا على ما في "الكرماني" (٣) ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، ومعلوم أنه ﷺ غضب على عمر حين استأذنه ﷺ أن يكتب شيئًا من التوراة فقال: "أمنهوكون أنتم؟ " الحديث.
وقال القسطلاني (٤): قول ابن عباس خرج مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف؛ لأنه قال ذلك في الغضب، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، انتهى. قلت: وإطلاق الكذب على الخطأ شائع في كلام العرب كما تقدم الكلام على ذلك في "الأوجز" (٥) و"البذل" وغيرهما تحت
стр. 485
قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، أي: في قوله: الوتر واجب.
قوله: (إن عبدًا من عبادي هو أعلم منك) استدل بذلك على نبوة خضر ﵇؛ لأن غير نبي لا يكون أعلم، وقيل لذلك: إن موسى هذا ليس بموسى النبي، وتوهم به بعضهم أن الولي أفضل من النبي، ويمكن أن يجاب أن المراد به العلم الخاص كما سيأتي في كلام خضر، ملخصًا من "الفتح" (١)، وكلام خضر قوله: "أنت على علم من علم الله. . ." إلخ، وكتب عليه الشيخ في "اللامع" (٢): فيه دلالة على ما ذكرنا من أن أعلمية خضر كانت مخصوصة، انتهى.
قوله: (ما نقص علمي. . .) إلخ، لفظ النقص ليس على ظاهره؛ لأن علم الله لا يدخله النقص، فقيل: معناه لم يأخذ، وهذا توجيه حسن، ويكون التشبيه واقعًا على الآخذ لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد بالعلم المعلوم، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٣).
(٤٥ - باب من سأل وهو قائم. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): هذا الباب والذي بعده ردٌّ لما عسى أن يتوهم عدم جواز المسألة في تينك الحالتين لما فيهما من سوء أدب، ووجه الدفع أن الضرورات تبيح المحظورات، فلو انتظر السائل عن المناسك قعوده ﷺ وفراغه عن شغله لفات الوقت، وأيضًا ففيه دلالة على أن للسائل أن يسأل عن المسألة حين اشتغال المفتي بشيء من الطاعات التي لا ينافيها الكلام، وأما ما ينافيه الكلام كالصلاة فلا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح.
وقال الحافظ (٥): المراد أن العالم الجالس إذا سأله شخص قائم
стр. 486
لا يعد من باب من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، بل هو جائز بشرط الأمن من الإعجاب، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن الغرض بيان جواز ذلك تنبيهًا على أن ما تقدم من "باب من برك على ركبتيه. . ." إلخ، ليس على الوجوب، انتهى.
(٤٦ - باب السؤال والفتيا. . .) إلخ
تقدم ما كتب الشيخ في "اللامع" في الباب السابق.
وقال الحافظ (١): يعني: أن اشتغال العالم بالطاعات لا يمنع من سؤاله عن العلم ما لم يكن مستغرقًا فيها، وأن الكلام في الرمي وغيره من المناسك جائز، انتهى.
قلت: هذا الثاني يناسب ما سيأتي في "كتاب الحج" "باب الفتيا على الدابة عند الجمرة"؛ لأن المسألة على هذا التوجيه صارت من مسائل المناسك فصارت أنسب بكتاب الحج.
قال الحافظ: وفيه دفع توهم أيضًا أن في السؤال والجواب عند الجمرة تضييقًا على الرامين، لكن يستثنى من المنع ما إذا كان السؤال متعلقًا بحكم تلك العبادة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": لا يخفى أن ذلك الوقت وقت الاشتغال بمناسك الحج، فعلم أن عند الضرورة لا بأس في السؤال والجواب في هذه المشاغل أيضًا، وعلم أيضًا أنه لا حرج في السؤال والجواب قائمًا، انتهى.
قوله: (عند رمي الجمار) ليس في الحديث إلا عند الجمرة، إلا أنه أعم من أن يكون حال الرمي وغيره، كذا في "العيني" (٢).
قال الحافظ: والمصنف يستدل غالبًا بالعموم، انتهى.
стр. 487
(٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾)
قال العيني (١): أراد بهذا الباب التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًّا ولا غيره، وروي "أن رسول الله ﷺ لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلًا" الحديث، وعلى هذا فمقصود الترجمة نفي علم الغيب الكلي عن غيره تعالى، وهو واضح.
وفي "تراجم شيخ الهند": الغرض التنبيه على أن الرجل وإن كان من أكابر العلماء ينبغي له أن يعدّ علمه قليلًا ناقصًا؛ لأن جميع علوم الناس كلهم لما كانت قليلةً فما ظنك بعلم كل واحد من الناس، وثمرة ذلك غاية التواضع والتحرز عن الإجابة بنفسه، انتهى ما في هامش "اللامع" (٢).
ومما يجب التنبيه عليه الفرق بين هذه الترجمة وبين ما تقدم من "باب ما يستحب للعالم إذا سئل. . ." إلخ، إذ أفاد شيخ الهند في "تراجمه" في غرض الترجمتين معًا التواضع للعلماء، وما يظهر من روايات الترجمتين أن غرض الترجمة الأولى هو التواضع للعلماء، وأنه لا ينبغي لعالم أن يظن بنفسه أنه أعلم الناس ولو كان واقعًا في نفسه كذلك؛ كالرسل في مقابلة أمتهم وهو التواضع بداهة، وأما غرض هذه الترجمة هو قلة علم المخلوقات حتى الأنبياء والرسل أيضًا بمقابلة علم الله تعالى، وهو قطعي، فالفرق بين الترجمتين واضح.
قوله: (﴿قُلِ الرُّوحُ. . .﴾ إلخ)، بسط الحافظ (٣) في "باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٤٠] " في المراد بالروح المسؤول عنه، ورجح أنه لم يقع في القرآن تسميتها روحًا، بل سماها نفسًا، وذكر الآيات في ذلك، وقال صاحب "الفيض" (٤): وادعى الحافظ ابن القيم أن المراد في
стр. 488
الآية المعنى الأول، يعني: غير الروح الإنساني، ومال صاحب "الفيض" إلى أن المراد في الآية هو المعنى الثاني، أي: المدبر للبدن، إلى آخر ما بسطه، وسيأتي البحث عن عالم الأمر وعالم الخلق في آخر الكتاب في "باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية" وذكر هناك في هامش "اللامع" (١) بينهما أكثر من اثني عشر فرقًا.
(٤٨ - باب من ترك بعض الاختيار)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): عم الحكم مع أن الرواية الآتية مصرِّحة بترك الفعل دون القول إشارةً منه إلى أنه لا فرق بينهما في ذلك، فله أن يترك بعض المستحبات والسنن إذا خاف فتنة فكيف بالمباحات، وفيه دلالة على ترك التقليد الغير الشخصي في وقتنا هذا مع جوازه في الأصل، انتهى.
وفي هامشه: قوله: عم الحكم، يعني: عمم الإمام البخاري الترجمة عن القول والفعل، ولذا فسَّرها جميع الشرَّاح بالعموم إذ قالوا: أراد بالاختيار المختار، والمعنى من ترك فعل الشيء أو الإعلام به، انتهى.
إلا أنهم رجحوا كون هذه الترجمة في الأفعال حين الفرق بالترجمة الآتية، فقالوا فيها: إن الترجمتين متقاربتان غير أن الأولى في الإفعال، وهذه في الأقوال، كذا في "العيني" (٣).
وقال الحافظ (٤) - وتبعه القسطلاني -[في الترجمة الآتية]: هذه قريبة من الترجمة التي قبلها، لكن هذه في الأقوال وتلك في الأفعال أو فيهما، انتهى.
وفرَّق بينهما صاحب "فيض الباري" بوجه آخر فقال (٥): فكان الباب
стр. 489
الأول في الفرق بين الفطن الذكي والبليد الغبي، وهذا الباب في الفرق بين الشريف والوضيع، انتهى.
قلت: ويشكل عليه أن الشرَّاح صرحوا بأن دون ليس بمعنى الأدون بل بمعنى سوى كما في "الفتح" (١) وغيره.
والأوجه عندي: أن الفرق بين الترجمتين واضح، وهو أن الغرض من الأولى ترك بعض الأقوال أو الأفعال المختارة لقصور فهم بعض الرجال عنه غير الغرض من الثانية، وهو جواز تخصيص بعض الطلبة الأذكياء في الدرس، وأنه غير داخل في كتمان العلم، ولا في كون العلم سرًّا ولا في منع العلم.
وكتب شيخ الهند في الترجمة الأولى: يعني: لو خيف ابتلاء قاصر الفهم بإظهار الأمر المختار في مضرة هي أضر من ترك الأمر المختار، فينبغي للعلماء أن يتركوا ذلك الأمر المختار.
وكتب في الترجمة الثانية: أن غرض الترجمة ظاهر، وهو أن مراعاة المخاطبين في التعليم والتبليغ لازم للعلماء، فلا ينبغي أن يذكر عندهم ما لا يفهمه المخاطب، وقول المرتضى كرم الله وجهه دليل صريح على ذلك، انتهى.
والأوجه عندي: أن قول المرتضى ﵁ أيضًا يؤيد ما قلته من أنه لا ينبغي عند الأغبياء كلام لا يدركه أفهامهم، فلا بأس على هذا أن يمنعهم عن الحضور في الدرس.
قوله: (كانت تسر إليك) في "تقرير المكي" (٢): كانت عائشة تخص الأسود ببعض العلم لزيادة فهمه على فهم ابن الزبير مع أنه كان ابن اختها وأسود كان تلميذًا محضًا، انتهى.
قوله: (بكفر) أي: بادر ابن الزبير بهذا اللفظ فقط، أو أكمل الحديث بتمامه، قولان عن الشراح.
стр. 490
(٤٩ - باب من خص بالعلم قومًا. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
(٥٠ - باب الحياء في العلم)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): الترجمة في قوله: "لأن تكون قلتها أحب إليّ"، حيث أنكر عليه عمر ﵁ استحياءه ولم يرض به منه، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في مقصود المصنف بهذا الباب، وظاهر كلام الشيخ أن الغرض ترك الحياء في العلم، وعليه حمله عامة الشرَّاح، قال السندي (٢): أي: لا ينبغي، ومثله لا يسمى حياءً شرعًا، بل ضعفًا فلا ينافي الحياء من الإيمان، وإليه ميل الحافظ (٣)، وإليه مال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٤) إذ قال: ثبت بحديث الباب عدم الحياء في العلم، وحسَّنه أيضًا ثابت بما تقرر في بعض طرق الحديث أن أمهات المؤمنين عبن أم سليم لأجل هذا السؤال، فمنعهن رسول الله ﷺ عن ذلك، انتهى.
ومال العيني وتبعه صاحب "فيض الباري" (٥): أن المقصود من الترجمة التفصيل، وهو أن الحياء مطلوب في موضع، وتركه مطلوب في موضع، فالأول أشار إليه بحديث أم سلمة وحديث ابن عمر، والثاني أشار إليه بالأثر المروي عن مجاهد وعائشة.
وسلك شيخ الهند في "تراجمه" مسلكا ثالثًا فقال: أطلق الإمام الترجمة ولم يحكم عليها بحكم، وظاهرها عدم الاستحباب كما صرَّح به الأعلام، ويؤيده قول مجاهد وعائشة، لكن النظر الدقيق يؤدي إلى أن عند
стр. 491
المصنف فيه تفصيلًا، ولذا لم يعيِّن الحكم بل أشار إليه بإشارات لطيفة، وهي أن المصنف ينبّه على أن قوله: "إن الله لا يستحيي من الحق" حق لا مراء فيه، لكن معناه أنه لا ينبغي أن يترك له التفقه، وليس الغرض أن لا يستحيي في العلم بل ينبغي له إهمال الحياء في التعلم، وهذا هو الغرض الأصلي من الترجمة، ويدل عليه حديث أم سليم، فإن فيه تنبيهات من غط الوجه وغيره، ويشير إليه قوله ﷺ : "تربت يداك"، ولذا عقد بعد ذلك "باب من استحيى فأمر غيره. . ." إلخ، تنبيهًا على أنه لا بأس في ترك السؤال لأجل الحياء، أما حديث ابن عمر ﵄ فدلالته على الترجمة خفية، والحق أنه أيضًا يدل على ما قلنا، فإن سكوته للحياء كان مستحسنًا، وقول عمر ﵁ ليس بنكير عليه بل هو إظهار لمسرته، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
(٥١ - باب من استحيا فأمر غيره. . .) إلخ
تقدم ما قال شيخ الهند في "تراجمه"، وقال شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): قوله: "باب من استحيا. . ." إلخ، أي: هو جائز لحصول أصل الغرض من السؤال، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني: أن الذي ذكر أولًا من كراهة الحياء في المسألة حيث خاف الفوت في الاستحياء، فأما إذا حصل المقصود مع ملازمة الحياء فلا كراهة فإن الحياء خير كله، انتهى.
وفي هامشه: مقصود الترجمة واضح كما أفاده الشيخ، ولا يذهب عليك ما في حديث الباب من قوله: "فأمرت المقداد" الحديث، الروايات في ذلك مختلفة ففي بعضها نسبة السؤال إلى نفسه إذ قال: فسألت رسول الله ﷺ ، وفي بعضها إلى المقداد كما في حديث الباب، وفي أخرى إلى عمار كما في حديث النسائي وغيره، ولم يتعرض عنه الشيخ ولا عن
стр. 492
أكثر أمثال هذه المباحث الحديثية والفقهية؛ لأنه درس أولًا "سنن الترمذي"، وثنّى بـ "سنن أبو داود"، وثَلّث بـ "جامع البخاري" فأكثر المباحث المتعلقة بالحديث والفقه تقدمت في تقرير الترمذي المطبوع باسم "الكوكب الدري" (١)، وكذلك في تقرير أبي داود ولم يطبع بعد، وسميته بـ "الدر المنضود على سنن أبو داود"، وفق الله أحدًا بطبعه، وذكر فيهما الكلام على أن السائل علي بنفسه أو عمار أو مقداد، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٢).
(٥٢ - باب ذكر العلم. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ذكره دفعًا لما يتوهم أن رفع الصوت في المسجد لما كان منهيًّا عنه حتى إن العلماء كرهوا الجهر بالذكر إذا كان فيه ضرر بالمصلين، فأولى أن لا يجوز الفتيا فيه إذ لا يخلو عن رفع الصوت عادةً، فدفعه بأن كراهة رفع الصوت [إنما هو إذا] جاوز الحد المعتاد وأن رفع الصوت بالعلم جائز حيث ذكر النبي ﷺ في المسجد مواقيت الإحرام، ولولا أنه رفع بها صوته لما سمعه ابن عمر، لا يقال: إنه كان قريبًا منه إذ لو كان كذلك لما أبهم عليه لفظ يلملم، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٤): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من توقف فيه لما يقع في المباحثة من رفع الأصوات فنبَّه على الجواز، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن في الإفتاء والقضاء والتعليم في المساجد كان مظنة الكراهة كما يشير إليها كلام بعض المشايخ، وعند المصنف توسع في ذلك كله، فأشار إلى التوسع في كتابي العلم والقضاء انتهى.
стр. 493
ولا يذهب عليك أن رسالة "تراجم شيخ الهند" قُدِّس سرُّه انتهت إلى هذا الباب، والأسف على أنه ﵀ لم يتمكن من تكميلها لأمراض وأشغال حدثت له في آخر عمره الشريف نوَّر الله مرقده وبرَّد مضجعه، هكذا في هامش "اللامع"، ولم يكن اللامع عندي في المدينة المنورة عند بدء استماع هذه التراجم، فأمرت عزيزي الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي بتعريب هذه التراجم، وأمليت في آخر تعريبه:
قد وقع الفراغ من تعريبه واستماعه لهذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات، المحتاج إلى رحمة ربه العليا، المدعو بزكريا بن يحيى بتعريب الأعز المحترم الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي أذاقه الله من شراب حبه، بعد العصر يوم الثلاثاء السادس عشر من الشهر المبارك أول الربيعين تحت أقدام النبي ﷺ بالمسجد النبوي في البلدة المباركة المدينة المنورة زادها الله شرفًا وكرامة وبهجة، وصلى الله ﵎ على خير خلقه سيدنا ونبينا ومولانا محمد النبي الأمي نبي الرحمة وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة.
(٥٣ - باب من أجاب السائل. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): لما كان الامتناع عن الفضول والإقبال عمَّن لا يقبل على حديثك قد أكد في الروايات توهم بذلك أن الزيادة في الجواب داخلة فيه، فدفعه أنه مندوب لما أمرنا بإشاعة العلم، ودلالة الرواية على ما في الترجمة ظاهرة، فإن السائل إنما سأله عمَّا يلبسه فأجيب بما يلبسه وبما يتركه، وعن النعلين والخفين إذا لم يجد النعلين، انتهى.
وفي هامشه: قال ابن المنيِّر: موقع هذه الترجمة التنبيه على أن مطابقة الجواب للسؤال غير لازم، بل إذا كان السبب خاصًا والجواب عامًا جاز،
стр. 494
وحمل الحكم على عموم اللفظ لا خصوص السبب؛ لأنه جواب وزيادة فائدة، وأما ما وقع في كلام كثير من الأصوليين: أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول عنه، قاله ابن دقيق العيد، قال ابن رشد (١): ختم البخاري "كتاب العلم" بـ "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه: إشارة إلى أنه بلغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة واعتمادًا على النية الصحيحة، كذا في "الفتح" (٢).
ولا يذهب عليك ما تقدم في المقدمة في جملة خصائص البخاري ما أفاده الحافظ ابن حجر من أن الإمام يشير في آخر كل كتاب إلى ختمة الكتاب، وذكرت هناك أن الظاهر عند هذا الفقير أنه رضي الله تعالى عنه يشير إلى خاتمة الإنسان فيذكره موته، وتقدمت الإشارة إلى هذا الاختلاف بين هذا المبتلى بالسيئات وبين الإمام الحافظ ابن حجر في آخر كتاب الوحي أيضًا، فبراعة الاختتام ههنا عند الحافظ في قوله: "وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين"، كما صرَّح بذلك في آخر "الفتح"، والبراعة عندي في لباس المحرم، فإنه يذكر ويشبه أكفان الموتى، انتهى من هامش "اللامع".
* * *
стр. 495
٤ - كتاب الوضوء
وفي نسخة: الطهارة، وهو الأولى، قاله العيني.
والمراد ذكر أحكامه وشرائطه ومقدماته، كذا في "الفتح" (١).
(١ - باب في الوضوء وما جاء. . .) إلخ
وفي نسخة: "باب الوضوء وما جاء. . ." إلخ.
قال الحافظ (٢): الوضوء بالضم الفعل، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما، وحكي في كل منهما الأمران، انتهى.
وأشار الإمام البخاري بقوله: "ما جاء" إلى اختلاف السلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وقال الآخرون: الأمر على عمومه إلا أنه في حق المحدث وجوب، وفي غير ندب، وقال بعضهم: كان الإيجاب أولًا ثم نسخ لحديث أحمد وأبي داود أنه ﵊ أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق عليه أمر بالسواك، انتهى من "الفتح".
قلت: ويحتمل أنه إشارة إلى موجب الوضوء، واختلفوا فيه، قيل: الحدث موسعًا، وقيل: هو مع القيام إلى الصلاة، ورجحه جماعة من الشافعية، وقيل: القيام إلى الصلاة وغير ذلك من الأقوال، ولا يشكل عليه أنه سيأتي قريبًا في "باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين"؛ لأنه اختلاف آخر كما سيأتي، ويحتمل أنه إشارة إلى اختلاف مبدء الوضوء، فقيل: فرض بالمدينة؛ لأن آية الوضوء مدنية، وقيل: فرض بمكة،
стр. 496
ولا ينكر وجود الوضوء قبل الهجرة، ومن أنكر الوجوب حمله على الندب.
قوله: (قال أبو عبد الله: وبيّن ﵇. . .) إلخ، كما سيأتي في أبواب مستقلًّا، والغرض أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية، مطلق عن العدد، وبيَّن ﵊ أن أقلّه واحد وأكثره ثلاث، كذا في "العيني" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): هذا مع أنه لو لم يبين لكان الأمر أيضًا كذلك؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، فليس غرضه أن شرعية الإفراد على سبيل الفرض إنما علمت بالسُّنَّة، بل غرضه أن الإفراد ثابت بالسُّنَّة أيضًا كما كان ثابتًا بالكتاب، انتهى.
وفي "النور الساري": والمصنف جعل الآية ترجمة الباب ولم يجئ بالحديث المسند ههنا لما أن جميع ما في الوضوء ليس بخارج من هذه الآية بل كله داخل فيها، فهذا الباب كأنه رأس الأبواب، انتهى.
وقال العيني (٣): فإن قلت: المذكور في هذا الباب كله ترجمة، فأين الحديث؟
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: "وبيّن النبي ﵊. . ." إلخ حديث؛ لأن المراد من الحديث أعم من أقوال الرسول ﷺ ، غاية ما في الباب أنه ذكره على سبيل التعليق، وكذا قوله: "وتوضأ أيضًا مرتين مرتين" حديث، لما ذكرنا، ولا شك أن كلًّا منهما بيان للسُّنَّة وهو المقصود من الباب، وهذا الذي ذكرناه على ما وجد في بعض النسخ من ذكر لفظ باب ههنا، وأما على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر لفظ باب، فلا يحتاج إلى هذا التكلف، انتهى.
стр. 497
(٢ - باب لا تقبل صلاة بغير طهور)
الظاهر أن الغرض من الترجمة بيان فرضية الوضوء أو كونه شرطًا.
وفي هامش "اللامع" (١): قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره، وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شيء على شرط البخاري، فلذا اقتصر على ذكره في الترجمة، وأورد في الباب ما يقوم مقامه، انتهى.
قلت: وهذا أصل مطَّرد من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل الأول منها، ثم لم يتكلم الشيخ في "اللامع" على بحث القبول بشيء؛ لأنه أطنب الكلام عليه في أول "الترمذي" كما تقدم في "الكوكب الدري" (٣).
قوله: (ما الحدث؟) لما كان لفظ الحدث مشتركًا بين الحدث المقابل للطهارة وبينه بمعنى إحداث أمر التبس الأمر عليه، فسأله لتعيين أحد محتمليه، فبيَّن المعنى الأول ببيان بعض أفراده ولم يستوف الأقسام لحصول المطلوب بدونه، كذا في "اللامع" (٤).
وفي هامشه: لله در الشيخ ما أجاد في لفظ واحد، فإنه دفع في ذلك إيراد مشهورًا وارادًا على أبي هريرة في أنه كيف اقتصر على بعض الأحداث دون بعض، وحاصل ما أفاده الشيخ أن أبا هريرة لم يرد إذ ذاك بيان الحداث حتى يرد عليه ما أورده، بل أراد تعيين أحد محتملات اللفظ فقد حصل، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من كلام الحافظ والخطابي والعيني (٥) وغيرهم.
وفي "تراجم (٦) شيخ المشايخ": قوله: فساء أو ضراط. . . إلخ، حصر أبو هريرة الحدث بهذين حصرًا إضافيًا بالنسبة إلى ما زعم السائل
стр. 498
إدخاله في الحدث من توهم خروج الشيء، وكون غير الفساء والضراط مما يخرج من السبيلين حدثًا ناقضًا للوضوء كان معلومًا للسائل ظاهرًا عنده ثابتًا بنص القرآن، فافهم، انتهى.
(٣ - باب فضل الوضوء والغرّ المحجّلون)
كذا في أكثر الروايات بالرفع، وهو على سبيل الحكاية، أو الواو استئنافية، "والغر المحجلون" مبتدأ والخبر محذوف، أي: لهم فضل، أو الخبر قوله: "من آثار الوضوء" أي: منشأهم آثار الوضوء، وفي رواية: "الغر المحجلين" بالجر وهو ظاهر، انتهى من "الفتح" بزيادة من "العيني" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): الظاهر أن الاختصاص كرامة من الله منةً على هذه الأمة وإن كان الوضوء فيهم أيضًا.
وفي هامشه: يعني: أن الخصيصة كونهم غرًّا محجلين، وليس المعنى أن للوضوء خصيصة لهم كما توهم الحليمي؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة مع الملك أنه لما همّ بها قامت تتوضأ، الحديث (٣)، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه توضأ وصلى، وقد صرح بذلك في رواية مسلم (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: "قال: سيما ليست لأحد غيركم"، انتهى مختصرًا.
(٤ - باب لا يتوضأ من الشك)
قال السندي (٥): أي: لا يلزمه الوضوء لا أنه لا ينبغي له أن يتوضأ، نعم إذا كان في الصلاة فيما ينبغي له إفساد الصلاة كما هو مقتضى الحديث، انتهى.
стр. 499
قلت: وغرض الترجمة ظاهر، ويمكن أن يكون إشارة إلى رد قول المالكية إذ خصوا الحكم بداخل الصلاة وقالوا: لا يدخل في الصلاة بوضوء مشكوك، والمسألة خلافية.
ففي هامشي على "البذل" (١): قال الموفق (٢): من تيقن في الطهارة ثم شك في الحدث أو العكس فهو على ما تيقن، بهذا قال سائر أهل العلم فيما علمنا إلا الحسن قال: إن كان قبل الدخول في الصلاة لا يدخل فيها مع الشك، وإن كان في الصلاة مضى فيها، وقال مالك: إن كان يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه وإلّا فلا يدخل في الصلاة مع الشك، وقال ابن رسلان: المشهور عن مالك النقض مطلقًا، وروي عنه النقض خارج الصلاة، وروي عنه مثل الجمهور أنه لا وضوء عليه مطلقًا، انتهى.
قلت: فهذه أربع روايات عن مالك، وذكر ابن العربي (٣) خمسة أقوال وبسطه أشد البسط.
(٥ - باب التخفيف في الوضوء)
قال القسطلاني (٤) تبعًا للحافظ والعيني: أي: جوازه، انتهى.
والأوجه عندي أنه أشار إلى أن الإسباغ ليس بواجب، أو الدلك ليس بواجب، أو يقال: إن للوضوء مرتبتين: أقلها وأكملها، فأشار إلى الأول بهذا الباب، وإلى الثاني بالباب الآتي كما سيأتي.
قوله: (يخففه عمرو ويقلله) والفرق بينهما أن التخفيف يقابله التثقيل، وهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، وهو من باب الكم، وقال ابن بطال: يريد بالتخفيف تمام غسل الأعضاء دون التكثير من إمرار اليد،
стр. 500
وقال ابن المنيِّر: يخففه، أي: لا يكثر الدلك، ويقلله، أي: لا يزيد على مرة مرة، انتهى من "العيني" (١).
قوله: (رؤيا الأنبياء وحي) فهو دليل على ما تقدم من أنه لا ينام قلبه، واستدل لإثباته بالآية بأنه لم يكن وحيًا كيف يجوز ذبحه بالرؤيا؟
(٦ - باب إسباغ الوضوء)
وهو إبلاغه مواضعه وإيفاء كل عضو حقه.
وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": الإسباغ الإكمال، وهو في الوضوء على أقسام: الاستيعاب وهو فرض، والتثليث وإطالة الغرة والتحجيل والإنقاء، أي: إزالة الدرن بالدلك وهذه سنن ومستحبات وآداب، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): دفع به ما يتوهم من الباب السابق أن التخفيف هو الأولى، ومعنى قوله: الإسباغ هو الإنقاء، أن الإكمال ههنا ليس في الكم على المحدود شرعًا ولا المرات، وإنما المراد إكمال كيفيته حتى يحصل الإنقاء، انتهى.
وفي هامشه: ولا يبعد أن يقال: إن المصنف نبَّه بهذين البابين على طرفي الوضوء، فأدناه التخفيف وأعلاه الإسباغ، انتهى.
(٧ - باب غسل الوجه باليدين. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: ثم أخذ غرفة من ماء. . . إلخ، يعني: أن الماء لا يأخذ إلا مقدار غرفة واحدة بيد واحدة ولكنه يغسل باليدين معًا لئلا يضيع الماء؛ ولأنه باليدين أقدر منه على الغسل بيد واحدة، انتهى.
стр. 501
وفي هامشه: قال الحافظ (١): مراد المصنف بالترجمة التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعًا، والإشارة إلى تضعيف الحديث الذي فيه أنه ﷺ كان يغسل وجهه بيمينه، وجمع الحليمي بينهما بأن هذا حيث كان يتوضأ من إناء يصب منه بيساره على يمينه، والآخر حيث كان يغترف، لكن سياق الحديث يأباه؛ لأن فيه أنه بعد أن تناول الماء بإحدى يديه أضافه إلى الأخرى وغسل بهما، انتهى.
وأنت ترى أن ما أفاده الشيخ لا يرد عليه ما أورده الحافظ على الحليمي؛ ولا يبقى التعارض بين الروايتين أيضًا؛ لأنه ﷺ إذا أخذ الماء في اليمين وغسل به وجهه فكأنه غسله بيمينه، واليسار كان معينًا لليمين لحفظ الماء والإسباغ على الوجه، انتهى.
قلت: وسيأتي قريبًا أن أبواب الوضوء كلها متناسبة بعضها ببعض إلا أن المناسبة بينهما دقيقة يحتاج إلى التدبر والفهم الثاقب، وهذا الباب عندي تكملة للباب السابق، فإن الرجل يحتاج في الإسباغ والإكمال إلى الاستعانة باليدين، ويؤيده ما قال الحافظ في فوائد الحديث: وفيه غسل الوجه باليدين جميعًا إذا كان بغرفة واحدة؛ لأن اليد الواحدة قد لا يستوعبه، انتهى.
(٨ - باب التسمية على كل حال. . .) إلخ
عطف الجماع عليه من عطف الخاص على العام للاهتمام به، وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى؛ لأنه إذا شرع في حالة الجماع وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب؛ لأنه يحمل على حال إرادة الجماع، انتهى (٢).
стр. 502
ويشكل ذكر التسمية ههنا، وقد أجيب عنه وعن مثل أنواعه في هامش "اللامع" (١) مفصلًا لا بد من ذكره ههنا؛ لأنه كله مما يتعلق بالتراجم، ولفظه: اعلم أن الشرَّاح قاطبة اختلفوا في شأن الإمام البخاري في ذكر هذه التراجم المختلفة، فمن ناقد عليه ومن مثبت له بدقة النظر، وأنا أيضًا في الثاني كما سترى إن شاء الله تعالى في التراجم الآتية.
قال الكرماني (٢) في هذا الباب: فإن قلت: ما وجه الترتيب الذي لهذه الأبواب إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثم إنَّ توسُّط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجود؟
قلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غيره، ونعم المقصد، انتهى.
وقال الحافظ (٣) في "باب ما يقول عند الخلاء": أشكل إدخال هذا الباب والأبواب التي بعده إلى "باب الوضوء مرة مرة"؛ لأنه شرع في أبواب الوضوء، فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب إسباغه، ثم غسل الوجه، ثم التسمية؛ ولا أثر لتأخيرها عن غسل الوجه؛ لأن محلها مقارنة أول جزء منه، فتقديمها في الذكر عنه وتأخيرها سواء، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء، واستمر في ذكر ما يتعلق بالاستنجاء، ثم رجع فذكر الوضوء مرة مرة، وقد خفي وجه المناسبة على الكرماني، فذكر قول الكرماني المذكور.
ثم قال: وقد أبطل هذا الجواب في التفسير، فقال: لما ناقش البخاري في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ بما معناه: لو ترك البخاري هذا لكان أولى؛ لأنه ليس من موضوع كتابه، وكذلك قال في مواضع أخر إذا لم يظهر له توجيه كلام البخاري، مع أن البخاري في جميع
стр. 503
ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن؛ كأبي عبيدة والنضر بن شميل وغيرهما، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمد له من الشافعي وأبي عبيد وأمثالهما.
والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب، مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه، وقد أبديت في هذا الشرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به، وقد أمعنت النظر في هذا الموضع فوجدته في بادئ الرأي يظن الناظر فيه أنه لم يعتن بترتيبه كما قال الكرماني، لكنه اعتنى بترتيب كتاب الصلاة اعتناءً تامًا كما سأذكره هناك.
وقد يتلمح أنه ذكر أولًا فرض الوضوء وأنه شرط لصحة الصلاة، ثم فضله وأنه لا يجب إلا مع التيقن، وأن الزيادة فيه على إيصال الماء [إلى العضو] ليس بشرط، وأن ما زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأن التسمية مع أوله مشروعة كما يشرع الذكر عند دخول الخلاء فاستطرد من ههنا لآداب الاستنجاء وشرائطه، ثم رجع ليبيِّن أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سُنَّة.
ثم ذكر سُنَّة الاستنثار وإشارةً إلى أن الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر، وورد الأمر بالاستجمار وترًا في حديث الاستنثار فترجم به؛ لأنه من جملة التنظيف، ثم رجع إلى حكم التخفيف فترجم بغسل القدمين لا بغسل الخفين إشارةً إلى أن التخفيف لا يكفي فيه المسح دون مسمَّى الغسل، ثم رجع إلى المضمضة؛ لأنها أخت الاستنشاق، ثم استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنهما لا يدخلان في مسمَّى القدم، وذكر غسل الرجلين في النعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين.
ثم ذكر فضل الابتداء باليمين، ومتى يجب طلب الماء للوضوء، ثم
стр. 504
ذكر حكم الماء المستعمل وما يوجب الوضوء، ثم ذكر الاستعانة في الوضوء، ثم ما يمتنع على من كان على غير وضوء، واستمر على ذلك إذا ذكر شيئًا من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما به تعلق لمن يمعن التأمل، إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك، وسلك في ترتيب الصلاة أسهل من هذا المسلك، فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب، فكأنه تفنن في ذلك، انتهى.
وقال العيني في "باب غسل الوجه باليدين" (١): إن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟
قلت: المناسبة بين البابين المذكورين وبين أكثر أبواب كتاب الوضوء غير ظاهرة، ولذلك قال الكرماني، فذكر قوله، ثم قال: لا نسلم أن جملة قصده نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه فقط، بل معظم قصده ذلك مع سرده في أبواب مخصوصة، ولذا بوَّب الأبواب على تراجم معينة، حتى وقع منه تكرار كثير لأجل ذلك، فإذا كان الأمر كذلك ينبغي أن تتطلب وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كانت غير ظاهرة بحسب الظاهر، فنقول: وجه المناسبة بين البابين المذكورين من حيث إن من جملة المذكور في الباب الأول بعض وصف وضوء النبي ﷺ ، وفي هذا الباب أيضًا وصف وضوء النبي ﷺ ، فإن ابن عباس لما توضأ قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يتوضأ، فهذا المقدار من الوجه كاف على أن المناسبة العامة موجودة بين الأبواب كلها لكونها من واد واحد، ثم توجيه المناسبات الخاصة إنما يكون بقدر الإدراك، انتهى.
وقال (٢) أيضًا في موضع آخر رادًا على الكرماني: فالمتأمل إذا أمعن النظر عرف وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كان الوجه يوجد في بعضها ببعض التكلف، فنقول: ذكر عقب كتاب الوضوء ستة أبواب ليس فيها شيء
стр. 505
من أوصاف الوضوء، وإنما هي كالمقدمات لها، ثم ذكر الباب السابع الذي فيه صفة الوضوء، وكان ينبغي أن يذكره بعد أبواب الاستنجاء في أثناء أبواب صفة الوضوء، ولكنه ذكره بعد الباب السادس بطريق الاستطراد، انتهى.
وأنت ترى ما أبدى الحافظ من المناسبات أعمق مما ذكره العلامة العيني، ومن يمعن الفكر في هذه الأبواب يجد فيها مناسبات أدق مما ذكره الحافظ أيضًا، فالظاهر عند هذا الفقير أن المصنف ذكر هذا الباب بعد إسباغ الوضوء إشارةً إلى أنه يحتاج للإسباغ إلى معاونة اليدين، فكان هذا الباب عندي تكملة لباب الإسباغ المذكور قبل، وهكذا في جملة أبواب الوضوء ذكر الباب الظاهر فيه عدم المناسبة لمناسبة لطيفة لما قبله، على أنه لا يبعد أنه أشار بخلاف الترتيب في ذكر أبواب الوضوء وبالتفريق بين أبوابها على أن الترتيب والولاء ليسا بشرط في الوضوء، فتأمل فإنه إن شاء الله لطيف وخاطري أبو عذره.
وهكذا في باب التسمية هذا لا يرد عندي ما أورده من أنه كان حقُّه أن يذكر قبل غسل الوجه؛ لأن باب غسل الوجه عندي تكملة لباب الإسباغ، ومن ههنا شرعت أبواب آداب الاستنجاء، فذكر أول أدبه التسمية، فأصل الغرض منه التسمية عند الخلاء، وإن ثبت منه التسمية على الوضوء أيضًا بالطريق الأولى، فكأن المصنف ذكر أولًا أبواب الوضوء إجمالًا من كونه فرضًا وندب الإسباغ وغيره، ثم ابتدأ بالخلاء؛ لأنه مقدم على الوضوء، وهكذا في الأبواب الآتية إلا أنه لما ذكر مسألة في محل لمناسبة لا يعيدها مرة أخرى لحصول المقصود بذكرها، ولذا لا يعيد غسل الوجه بعد ذلك، فتأمل وتشكر فإنه لطيف.
ثم الترجمة التي نحن بصددها، فالمشايخ والشرَّاح على أن المقصود منها التسمية على الوضوء، ثم أوردوا عليها أن حقَّها كان قبل غسل الوجه، وقد عرفت أن المقصود منها عندي التسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمها على
стр. 506
الأبواب الآتية، وكأنه أشار إلى حديث الترمذي عن علي مرفوعًا: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" (١) الحديث، قال العيني (٢): إسناده صحيح، وإن كان أبو عيسى قال: إسناده ليس بقوي، انتهى.
وهذا أصل مُطَّرد من أصول التراجم معروفة عند المشايخ، وأما على ما أفاده المشايخ والشراح ففي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": لما لم يكن الحديث الذي روي في "باب التسمية قبل الوضوء" من قوله ﷺ : "من لم يسم لا وضوء له" على شرط المؤلف لكون بعض رواته نساء مستورة الحال، أثبت سُنِّية التسمية للوضوء بالحديث الذي أورده في هذا الباب لدلالته على استحباب التسمية عند الوقاع الذي هو أبعد الأحوال عن ذكر الله على الوضوء بالطريق الأولى، انتهى.
وأنت خبير بأن دلالة الحديث على التسمية عند الخلاء أشبه بالتسمية عند الوقاع من التسمية على الوضوء.
قال الحافظ (٤): قوله: "عند الوقاع" من عطف الخاص على العام للاهتمام به وليس العموم ظاهرًا من الحديث الذي أورده لكن يستفاد من باب الأولى؛ لأنه إذا شرع في حالة الجماع وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى، وفيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهة ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع، لكن على تقدير صحته لا ينافي حديث الباب؛ لأنه يحمل على إرادة الجماع، انتهى.
وقال القسطلاني: قوله: "الجماع" من عطف الخاص على العام للاهتمام به، والحديث الذي ساقه شاهد للخاص لا العام، لكن لما كان
стр. 507
حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسن التسمية فيه، ففي غيره أولى، ومن ثم ساقه المصنف ههنا لمشروعية التسمية عند الوضوء ولم يسق حديث: "لا وضوء لمن لم يذكر الله عليه" مع كونه أبلغ في الدلالة، لكونه ليس على شرطه بل هو مطعون فيه، انتهى.
وهكذا قال غير واحد من شرَّاح الحديث، ولا بد أن يرد عليه ذكر المصنف إياه في غير محله بوجهين: الأول: تأخيره عن غسل الوجه، والثاني: ذكر أبواب الاستنجاء بعد التسمية على الوضوء، ولو يراد به التسمية في بدء الاستنجاء فلا إيراد أصلًا، ويثبت من التسمية على الوضوء بالطريق الأولى، وبعموم لفظ: "على كل حال" فالظاهر عندي أن الإمام أراد بهذا الباب التسمية عند الخلاء، ولذا قدَّمه على الدعاء الآتي في الباب اللاحق خلافًا لما عليه عامة المشايخ والشرَّاح من حملهم إياه على التسمية عند الوضوء، فلو سلم فيمكن الاعتذار عن المصنف بذكره إياه ههنا أنه أشار بذلك إلى أن التسمية في أول الوضوء ليست بفرض بل هي مستحبة، فقدَّم الفرض وأخَّر الندب للتنبيه على مرتبتهما.
(٩ - باب ما يقول عند الخلاء)
أي: عند إرادة الدخول في الخلاء، وهذا عند الجمهور.
قال الأبهري: من يكره الذكر في تلك الحالة يفصِّل ويقول: أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أوان الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور وقالوا: من نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيزه مطلقًا - كما نقل عن مالك - لا يحتاج إلى التفصيل، كذا في "البذل" (١).
стр. 508
وفي شرح شيخ الإسلام على البخاري: أن المصنف انتقل ذهنه مما يقول عند الجماع إلى ما يقوله عند الخلاء، انتهى.
وقد تقدم تفصيل الكلام في الترتيب بين هذه التراجم في الباب السابق.
(١٠ - باب وضع الماء عند الخلاء)
قال ابن المنيِّر: مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه كان مترددًا بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئًا، فرأى الثاني أوفق؛ لأن في الأول تعرضًا للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، وفعله يدل على ذكائه، فناسب أن يُدعى له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع، وكذا كان، كذا في "الفتح" (١).
ثم الأوجه عندي: أن المصنف أشار بذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء إلى أن وضع الماء هذا كان للاستنجاء، ولذا وضعه عند الخلاء لا للوضوء، بعد الاستنجاء، كما يدل عليه لفظ الوضوء، في الحديث، فلو كان كذلك لم يضعه قريبًا من بيت الخلاء، إلا أن استنجاءه ﵊ بالماء سيأتي في باب مستقل فتكون الترجمة ههنا شارحة.
(١١ - باب لا تستقبل القبلة. . .) إلخ
وفي المسألة ثمانية مذاهب معروفة بسطت في "الأوجز" (٢)، الأشهر منها ثلاثة: التفرقة بين البنيان والصحارى كما هو مختار البخاري، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني: الإباحة مطلقًا، وهو مذهب الظاهرية، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية وأحمد في رواية.
وأشكل بأنه ليس في الحديث الدلالة على الاستثناء، وأجيب بثلاثة أوجه:
стр. 509
أحدها: أنه تمسك بحقيقة الغائط؛ لأنه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية وإن كان يطلق على كل مكان مجازًا، فيختص النهي بالحقيقة اللغوية، وهذا جواب الإسماعيلي وهو أقواها.
وثانيها: أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها عرفًا، قاله ابن المنيِّر.
ثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور بعد، قاله ابن بطال، كذا في "الفتح" (١).
وفي "تراجم (٢) الشاه ولي الله الدهلوي": في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المؤلف بضم الاستثناء إلى الترجمة إلى وجه الجمع بأن القول في الصحراء، والفعل في الأبنية والدور، انتهى.
وقال الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "عند البناء جدار أو نحوه" إشارة منه إلى اختلاف محمل الروايتين جمعًا بين الروايات ودفعًا للتعارض الناشئ باختلاف معانيها، انتهى.
(١٢ - باب من تبرز على لبنتين)
قال في "تراجم (٤) الشاه ولي الله": أي: هو جائز، انتهى.
والأوجه عندي ما كتب الشيخ في "اللامع" (٥) فقال: الرواية الموردة فيه من جملة ما كان المقصود إيراده في الباب المتقدم، إلا أنها لما تضمّنت مسألة على حدة وهو أنه ينبغي أن يكون جلوسه للتبرز على شيء مرتفع لئلا تصيب النجاسة بدنه، أفرد له بابًا للتنبيه على هذه الزيادة، فكأنه قال: إن
стр. 510
الرواية مع دلالتها على ما تضمنه الباب السابق من الترجمة دالة على مسألة أدب المتبرز في جلوسه، وهذه فائدة جليلة ويكثر وقوعها في كتابه، انتهى.
قلت: هذا هو الأصل السادس من أصول التراجم.
قوله: (لعلك من الذي يصلون على. . .) إلخ، قال الحافظ (١): قوله: "لعلك" خطاب لواسع، وغلط من زعم أنه مرفوع، وقد فسَّره مالك بمن يلصق بطنه بوركه إذا سجد، وفسره في "النهاية" بأنه يفرج ركبتيه فيصير معتمدًا على وركيه، وأشكل مناسبته بما سبق فقيل: يحتمل أنه أراد أن المخاطب لا يعرف السُّنَّة، إذ لو كان عارفًا بها لعرف الفرق بين الفضاء والبناء، قاله الكرماني، انتهى.
قلت: وإليه ميل العيني (٢)، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، وليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفته، والذي يظهر في المناسبة ما دلَّ عليه سياق مسلم، ففي أوله عنده عن واسع قال: "كنت أصلي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه" فذكر الحديث المذكور، فكان ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣).
(١٣ - باب خروج النساء إلى البراز)
الأوجه عندي في غرض الترجمة بيان جواز خروج النساء إلى البراز دفعًا لما يظهر من قوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، عدم جواز خروجهن مطلقًا لا للبراز ولا لغيره كما يدل عليه الحديث الثاني: "قد أذن لكن أن تخرجن في حاجتكن"، فظاهر الحديث أن الخروج للحاجة أيضًا كان ممنوعًا قد أذن فيه بعد المنع، واختلف العلماء والشرَّاح في
стр. 511
مصداق الحجاب في هذه الأحاديث، فظاهر حديث الباب أن قصة سودة كانت قبل نزول الحجاب، وسيأتي في التفسير في "باب قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ " إلخ [الأحزاب: ٥٣]، عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب.
والجمع بينهما عندي أن المراد في الحديث الذي فيه "بعد ما ضرب الحجاب" آية الحجاب المعروفة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، والمراد في الحديث الذي فيه "فأنزل الله الحجاب" غير الحجاب الأول، ولعل المراد به قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية، والظاهر منها عدم جواز الخروج مطلقًا، ولما كان فيه حرج عظيم أذن لهم في الخروج لحوائجهن كما في حديث هشام عن أبيه.
وقريب منه ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ قال: قوله: فأنزل الله الحجاب، أي: الحجاب الذي كان يهواه عمر ﵁ لهن إذ الحجاب الشرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أن عمر كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا، ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه في نقول كلام الشرَّاح في مصداق الحجاب في الحديثين ومصداق الحجاب في الآيات، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(١٤ - باب التبرز في البيوت)
قال الحافظ ابن حجر والعيني (٢): عقَّب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر، بل اتخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة، انتهى.
стр. 512
والأوجه عندي: أنه ﵁ عقَّبه إشارة إلى الأولوية، وأما الجواز للضرورة فقد علم من الرواية المارة "قد أذن لكن" (١) الحديث، ولعله عقب بهذا الباب الحديث السابق الوارد فيه: "فأنزل الله آية الحجاب"، إشارةً إلى أن اتخاذ الكنف في البيوت كان بعد نزول آية الحجاب.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لما كان لمتوهم أن يتوهم كراهة ذلك لما فيه من التداني والتلبس بالنجس رده فذكر ما يدل على جوازه، إلا أن التطهر لما كان مطلوبًا يجب أن يزيله عن البيت قبل الفساد، ولا يتركه يجتمع منه الكثير، انتهى.
وفي هامشه: ويزيد التوهم ما في "البذل" برواية الطبراني (٣) عن عبد الله بن يزيد مرفوعًا: "لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع"، انتهى.
فإذا كان ذلك في البول فما ظنك بالغائط الذي هو أشد رائحة كريهة من البول، وأيضًا ورد: "كان النبي ﷺ إذا أراد البراز أبعد"، وقد ورد النهي عن البراز في الموارد وغيرها، وهذه كلها تؤيد التوهم، ولا تنافي رواية الطبراني ما في "أبي داود" عن أميمة قالت: "كان للنبي ﷺ قدح من عيدان [تحت سريره] يبول فيه بالليل" (٤) الحديث، بوجوه بسطت في "البذل" (٥).
(١٥ - باب الاستنجاء بالماء)
أشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وعلى من أنكر وقوعه عن النبي ﷺ ، روي الأول بأسانيد صحيحة عن حذيفة أنه قال: "إذًا لا يزال