← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 508–547 · переход к 513.

стр. 508

وفي شرح شيخ الإسلام على البخاري: أن المصنف انتقل ذهنه مما يقول عند الجماع إلى ما يقوله عند الخلاء، انتهى. وقد تقدم تفصيل الكلام في الترتيب بين هذه التراجم في الباب السابق. (١٠ - باب وضع الماء عند الخلاء) قال ابن المنيِّر: مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه كان مترددًا بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئًا، فرأى الثاني أوفق؛ لأن في الأول تعرضًا للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، وفعله يدل على ذكائه، فناسب أن يُدعى له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع، وكذا كان، كذا في "الفتح" (١). ثم الأوجه عندي: أن المصنف أشار بذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء إلى أن وضع الماء هذا كان للاستنجاء، ولذا وضعه عند الخلاء لا للوضوء، بعد الاستنجاء، كما يدل عليه لفظ الوضوء، في الحديث، فلو كان كذلك لم يضعه قريبًا من بيت الخلاء، إلا أن استنجاءه ﵊ بالماء سيأتي في باب مستقل فتكون الترجمة ههنا شارحة. (١١ - باب لا تستقبل القبلة. . .) إلخ وفي المسألة ثمانية مذاهب معروفة بسطت في "الأوجز" (٢)، الأشهر منها ثلاثة: التفرقة بين البنيان والصحارى كما هو مختار البخاري، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني: الإباحة مطلقًا، وهو مذهب الظاهرية، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية وأحمد في رواية. وأشكل بأنه ليس في الحديث الدلالة على الاستثناء، وأجيب بثلاثة أوجه:

стр. 509

أحدها: أنه تمسك بحقيقة الغائط؛ لأنه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية وإن كان يطلق على كل مكان مجازًا، فيختص النهي بالحقيقة اللغوية، وهذا جواب الإسماعيلي وهو أقواها. وثانيها: أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها عرفًا، قاله ابن المنيِّر. ثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور بعد، قاله ابن بطال، كذا في "الفتح" (١). وفي "تراجم (٢) الشاه ولي الله الدهلوي": في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المؤلف بضم الاستثناء إلى الترجمة إلى وجه الجمع بأن القول في الصحراء، والفعل في الأبنية والدور، انتهى. وقال الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "عند البناء جدار أو نحوه" إشارة منه إلى اختلاف محمل الروايتين جمعًا بين الروايات ودفعًا للتعارض الناشئ باختلاف معانيها، انتهى. (١٢ - باب من تبرز على لبنتين) قال في "تراجم (٤) الشاه ولي الله": أي: هو جائز، انتهى. والأوجه عندي ما كتب الشيخ في "اللامع" (٥) فقال: الرواية الموردة فيه من جملة ما كان المقصود إيراده في الباب المتقدم، إلا أنها لما تضمّنت مسألة على حدة وهو أنه ينبغي أن يكون جلوسه للتبرز على شيء مرتفع لئلا تصيب النجاسة بدنه، أفرد له بابًا للتنبيه على هذه الزيادة، فكأنه قال: إن

стр. 510

الرواية مع دلالتها على ما تضمنه الباب السابق من الترجمة دالة على مسألة أدب المتبرز في جلوسه، وهذه فائدة جليلة ويكثر وقوعها في كتابه، انتهى. قلت: هذا هو الأصل السادس من أصول التراجم. قوله: (لعلك من الذي يصلون على. . .) إلخ، قال الحافظ (١): قوله: "لعلك" خطاب لواسع، وغلط من زعم أنه مرفوع، وقد فسَّره مالك بمن يلصق بطنه بوركه إذا سجد، وفسره في "النهاية" بأنه يفرج ركبتيه فيصير معتمدًا على وركيه، وأشكل مناسبته بما سبق فقيل: يحتمل أنه أراد أن المخاطب لا يعرف السُّنَّة، إذ لو كان عارفًا بها لعرف الفرق بين الفضاء والبناء، قاله الكرماني، انتهى. قلت: وإليه ميل العيني (٢)، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، وليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفته، والذي يظهر في المناسبة ما دلَّ عليه سياق مسلم، ففي أوله عنده عن واسع قال: "كنت أصلي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه" فذكر الحديث المذكور، فكان ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣). (١٣ - باب خروج النساء إلى البراز) الأوجه عندي في غرض الترجمة بيان جواز خروج النساء إلى البراز دفعًا لما يظهر من قوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، عدم جواز خروجهن مطلقًا لا للبراز ولا لغيره كما يدل عليه الحديث الثاني: "قد أذن لكن أن تخرجن في حاجتكن"، فظاهر الحديث أن الخروج للحاجة أيضًا كان ممنوعًا قد أذن فيه بعد المنع، واختلف العلماء والشرَّاح في

стр. 511

مصداق الحجاب في هذه الأحاديث، فظاهر حديث الباب أن قصة سودة كانت قبل نزول الحجاب، وسيأتي في التفسير في "باب قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ " إلخ [الأحزاب: ٥٣]، عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. والجمع بينهما عندي أن المراد في الحديث الذي فيه "بعد ما ضرب الحجاب" آية الحجاب المعروفة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، والمراد في الحديث الذي فيه "فأنزل الله الحجاب" غير الحجاب الأول، ولعل المراد به قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية، والظاهر منها عدم جواز الخروج مطلقًا، ولما كان فيه حرج عظيم أذن لهم في الخروج لحوائجهن كما في حديث هشام عن أبيه. وقريب منه ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ قال: قوله: فأنزل الله الحجاب، أي: الحجاب الذي كان يهواه عمر ﵁ لهن إذ الحجاب الشرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أن عمر كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا، ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا، انتهى. وبسط الكلام في هامشه في نقول كلام الشرَّاح في مصداق الحجاب في الحديثين ومصداق الحجاب في الآيات، فارجع إليه لو شئت التفصيل. (١٤ - باب التبرز في البيوت) قال الحافظ ابن حجر والعيني (٢): عقَّب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر، بل اتخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة، انتهى.

стр. 512

والأوجه عندي: أنه ﵁ عقَّبه إشارة إلى الأولوية، وأما الجواز للضرورة فقد علم من الرواية المارة "قد أذن لكن" (١) الحديث، ولعله عقب بهذا الباب الحديث السابق الوارد فيه: "فأنزل الله آية الحجاب"، إشارةً إلى أن اتخاذ الكنف في البيوت كان بعد نزول آية الحجاب. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لما كان لمتوهم أن يتوهم كراهة ذلك لما فيه من التداني والتلبس بالنجس رده فذكر ما يدل على جوازه، إلا أن التطهر لما كان مطلوبًا يجب أن يزيله عن البيت قبل الفساد، ولا يتركه يجتمع منه الكثير، انتهى. وفي هامشه: ويزيد التوهم ما في "البذل" برواية الطبراني (٣) عن عبد الله بن يزيد مرفوعًا: "لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع"، انتهى. فإذا كان ذلك في البول فما ظنك بالغائط الذي هو أشد رائحة كريهة من البول، وأيضًا ورد: "كان النبي ﷺ إذا أراد البراز أبعد"، وقد ورد النهي عن البراز في الموارد وغيرها، وهذه كلها تؤيد التوهم، ولا تنافي رواية الطبراني ما في "أبي داود" عن أميمة قالت: "كان للنبي ﷺ قدح من عيدان [تحت سريره] يبول فيه بالليل" (٤) الحديث، بوجوه بسطت في "البذل" (٥). (١٥ - باب الاستنجاء بالماء) أشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وعلى من أنكر وقوعه عن النبي ﷺ ، روي الأول بأسانيد صحيحة عن حذيفة أنه قال: "إذًا لا يزال

стр. 513

النتن في يدي"، وعن نافع: كان ابن عمر لا يستنجي بالماء، وقال ابن الزبير: ما كنا نفعله، ونقل الثاني ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم، انتهى من "الفتح" (١). وفي "المنهل" (٢) بعد ذكر قول "الفتح": قال الحطاب: وهذان النقلان - يعني: ما عن مالك وابن حبيب - غريبان والمنقول عن ابن حبيب أنه منع الاستجمار مع وجود الماء، بل لا أعرفهما في المذهب، انتهى. وما حكي أنه ﷺ لم يستنج بالماء ترده الروايات الصريحة في ذلك، ذكرها العيني (٣) مفصلًا إذ قال: قد تظاهرت الروايات بالأخبار عن استنجاء النبي ﷺ بالماء وبالأمر به، ثم بسط الروايات، منها: ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن جرير: "أن النبي ﷺ دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير: بإداوة من ماء فاستنجى منه" الحديث، ومنها: ما رواه الترمذي (٤) عن عائشة أنها قالت: "مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول فإن النبي ﷺ كان يفعله"، ومنها: ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة: "أن النبي ﵊ قضى حاجته ثم استنجى من تور" وغير ذلك من الروايات التي بسطها مع الكلام عليها، والجواب عنه، وهو مؤدى رواية الباب، وقوله: "يعني: يستنجي به" تنبيه على عدم التيقن بلفظ الشيخ، وحديث أنس هذا أخرجه مسلم وأبو داود (٥)، وفيه: "فقضى حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء"، وفي "الأوجز" (٦): ما نقل عن مالك أنه أنكر الاستنجاء بالماء أنكره الزرقاني، وقال: معروف مذهبه أن الماء أفضل، وأفضل منه الجمع بينه وبين الحجر، انتهى.

стр. 514

(١٦ - باب من حمل معه الماء) قال القسطلاني تبعًا للحافظ (١): بضم الحاء وكسر الميم خفيفة، انتهى. قلت: وهو ظاهر من الروايتين، والشرَّاح سكتوا عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن المصنف أشار بذلك إلى أنه ينبغي تعجيل الاستنجاء بعد الفراغ، ولذا ينبغي له أن يحمل معه الماء كيلا يلزم تأخير الاستنجاء، وفيه: أن هذا المعنى قد ظهر بما سبق من وضع الماء عند الخلاء. قلت: حمله معه أسرع منه في إزالة النجاسة، فهذا ترق من الأولى، ولا يبعد أن يقال: إن الغرض من الترجمة جواز مثل هذه الاستعانة في الاستنجاء كما سيأتي التفصيل في الاستعانة في الوضوء في "باب الرجل يوضِّئ صاحبه"، ويشير إلى ذلك ضبط الشرَّاح لفظ حمل في الترجمة ببناء المفعول. (١٧ - باب حمل العنزة مع الماء) قال الحافظ (٢): العنزة - بفتح النون - عصًا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، والزج بزاي مضمومة ثم جيم مشددة، أي: سنان، وفهم بعضهم من تبويب البخاري أنه كان يحملها ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وفيه نظر؛ لأن الضابط ههنا أن يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك، نعم يحتمل أن يركزها ويضع عليها ثيابه للتستر، أو يركزها بجنبه لتكون إشارةً إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من الهوام، أو تحمل؛ لأنه كان إذا استنجى توضأ وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه، انتهى مختصرًا.

стр. 515

أو المراد بنبش الأرض الصلبة ما روي أنه ﵊ يرتاد لبوله كما في "أبي داود" (١)، أو لأخذ الحجارة للاستنجاء. (١٨ - باب النهي عن الاستنجاء باليمين) قال الحافظ (٢): عبَّر بالنهي إشارةً إلى أنه لم يظهر له هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ أو أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تظهر له، وهي أن ذلك أدب من الآداب، وبكونه للتنزيه قال الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم. قوله: (فلا يتنفس في الماء) وفي رواية أبي داود (٣) بدله "فلا يشرب نفسًا واحدًا" والجمع بينهما أوجه عندي من ترجيح رواية البخاري، وهو أن النبي ﷺ ذكر في الحديث أربعة آداب: أدبين في الاستنجاء، وأدبين في الشرب، واتفق الرواة على ذكر الأولين، واختلفوا في ذكر الآخرين، وذكر بعضهم واحدًا، والآخرون بعضًا آخر منها. (١٩ - باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال) قال الحافظ (٤): أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب الذي قبله محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحًا، وقال بعض العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، انتهى. قوله: (فلا يأخذن ذكره بيمينه) وفي "البذل" (٥): قال الحافظ: وقد أثار الخطابي ههنا بحثًا وبالغ في التبجح به، وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في الإشكال والأجوبة عنه، فارجع إليه، وحاصل إيراد الخطابي أن الجمع بين

стр. 516

النهي عن مس الذكر باليمين عند البول، وبين النهي عن الاستجمار باليمين مشكل، ثم أجاب عنه بنفسه، وردّ عليه الحافظ وغيره، وردّ على الكل شيخنا، فارجع إليه لو شئت. (٢٠ - باب الاستنجاء بالحجارة) قال الحافظ (١): أراد بهذه الترجمة الرد على من زعم أن الاستنجاء مختص بالماء، انتهى. والأوجه عندي: أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى اختلافهم في حقيقة الاستنجاء بالحجارة هل هو مطهر وتعبد؟ كما قال به الشافعية والحنابلة، أو مقلل للنجاسة ومعقول؟ كما قال به الحنفية والمالكية، كما في "البذل" (٢) وهامشه لهذا الفقير مبسوطًا، وعلى هذا الاختلاف تتفرع عدة مسائل من وجوب الأحجار الثلاثة والاستنجاء بغير الأحجار والروث والعظم وغير ذلك، ولم يذكر المصنف الحكم في الترجمة تشحيذًا للأذهان كما هو دأبه، انتهى من هامش "اللامع" (٣). (٢١ - باب لا يُستنجى بروث) وعلى اختلافهم في حقيقة الاستنجاء كما تقدم اختلفوا في الاستنجاء بالروث. كتب الشيخ في "البذل" (٤): النهي لنجاسته ويلتحق به كل ما كان نجسًا، ولكن إذا استنجى بالنجس يجوز ذلك مع الكراهة عندنا، وأما عند الشافعية لم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر، انتهى.

стр. 517

وفي هامشه: ومذهب الحنابلة كالشافعية كما في "نيل المآرب" (١)، والمالكية مع الحنفية في ذلك، ففي "المنهل" (٢): وقالت المالكية: لا يجوز الاستنجاء بالنجس كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة، وذكر أشياء، ثم قال: وأجزأ الاستنجاء بما ذكر مع الحرمة إن حصل الإنقاء، انتهى. قوله: (ليس أبو عبيدة ذكره) يعني: أن أبا إسحاق لا يذكر هذه الرواية عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، بل يذكره عن عبد الرحمن بن أسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود، قال الحافظ: إنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة، ورواية أبي عبيدة ذكره الترمذي وغيره، كذا في "الفتح" (٣). وفي "تراجم (٤) الشاه ولي الله" استدرك الترمذي على البخاري بمواضع، منها هذا، انتهى. قلت: بسطه الترمذي (٥) وقال: وضع البخاري في "صحيحه" حديث زهير، وأصح شيء عندي حديث إسرائيل، أي: عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود. (٢٢ - باب الوضوء مرةً مرةً) لما ثبت عن النبي ﷺ الوضوء مرة مرة، واثنين واثنين، وثلاثًا وثلاثًا، ترجم البخاري على كل منها مستقلًا تنبيهًا على جواز كل منها، وعلى أن التثليث درجة الكمال، ولا كراهة في الاكتفاء باثنين أو مرة.

стр. 518

قال الحافظ (١): والحديث مجمل تقدم مفصلًا في "باب غسل الوجه باليدين"، انتهى. (٢٣ - باب الوضوء مرتين) قال الحافظ (٢): وحديث الباب مختصر من حديث مشهور في صفة وضوء النبي ﷺ كما سيأتي بعد من حديث مالك وغيره، لكن ليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين إلى المرفقين، نعم روى النسائي من طريق سفيان بن عيينة في حديث عبد الله بن زيد التثنية في اليدين والرجلين ومسح الرأس وتثليث غسل الوجه، وعلى هذا فحق حديث عبد الله بن زيد أن يبوِّب له غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا، وقد روى أبو داود والترمذي (٣) من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين، وهو شاهد قوي لرواية فليح هذه، فيحتمل أن يكون حديثه هذا المجمل غير حديث مالك المبين لاختلاف مخرجهما، انتهى مختصرًا. وإلى تعدد الرواية مال العيني (٤) إذ قال بعد ذكر الاعتراض المذكور عن صاحب "التلويح": قلت: هذا الاعتراض غير وارد؛ لأنه لا يمتنع تعدد القضية، كيف والطريق إلى عبد الله بن زيد مختلف، انتهى. (٢٤ - باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا) وهذا الكمال في الوضوء ويكره الزيادة عليه وما في الحديث قوله: "فمضمض واستنثر" مجمل سيأتي مستقلًا في "باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة"، وسيأتي الكلام هناك. قوله: (ولكن عروة يحدث. . .) إلخ، قال الحافظ (٥): يعني: أن شيخي

стр. 519

ابن شهاب اختلفا في روايتهما له عن حمران عن عثمان، فحدثه به عن عطاء على صفة، وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معاذ بن عبد الرحمن، إلى آخر ما بسطه الحافظ. زاد القسطلاني (١): فأما صفة تحديث عطاء فتقدمت، وأما صفة تحديث عروة عنه فأشار إليها بقوله: "فلما توضأ عثمان" عطف على محذوف، تقديره: عن حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء [فأفرغ على كفيه] إلى أن قال: فغسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ قال، الحديث. قوله: (لولا آية ما حدثتكموه. . .) إلخ، كتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢): قاله ﵁؛ لأنه خاف أن لو سمع الناس بمثل هذه البشارة اجترأوا على المعاصي وقالوا: يغفر الله لنا بهذا العمل اليسير ولنفعل ما نشاء، وقال مالك ﵀ في توجيه مثل هذا الكلام من عثمان: إنه قال ذلك؛ لأنه خاف أن الناس يستبعدونه فلا يقبلونه فيقعون في الإنكار ويكذبون عثمان في رواية الحديث ويأثمون، لكن الآية التي قدرها عروة لا تلصق بهذا التوجيه، بل الآية التي أوردها عثمان على هذا التوجيه قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فمعنى الكلام: أن الحديث يؤيده النص من القرآن، فلم يمكن لكم إنكاره وإن استبعدتموه مني، ولولا هذه الآية لما حدثتكموه خوفًا من طعنكم في الدين وإنكاركم الحديث، فافهم هذا المقام فإنه مما زَلّ فيه أقدام الشرَّاح فخبطوا كثيرًا، والله الهادي وإليه الرشاد، انتهى. قلت: الحديث الذي أخرجه مالك في "الموطأ" (٣) بلفظ: "لولا أنه

стр. 520

في كتاب الله" الحديث، وفيه: قال مالك: أراه يريد هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وفي "الأوجز" (١): قوله: "لولا أنه" كذا روى يحيى بالنون والضمير، أي: لولا أن معناه في كتاب الله موجود كما سيأتي في آخر الحديث ما حدثتكموه، أي: هذا الحديث أبدًا لئلا تتكلوا، لكن لما كان معناه في كتاب الله موجودًا كما سيأتي فلا فائدة في ترك الرواية، وروى أبو مصعب وغيره بلفظ: "لولا آية" بالياء والمد وهاء التأنيث، أي: لولا آية في كتاب الله تتضمن معناه ما حدثتكموه، قاله الباجي (٢). وقال الحافظ (٣): إن النون تصحيف من بعض الرواة إلى آخر ما في "الأوجز" وفيه في تفسير مالك: قال الباجي: وعلى هذا التفسير تصح الروايتان بلفظ الياء والنون، لكن في الصحيحين عن عروة أن المراد بالآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٥٩]، وهو راوي الحديث، ورواه بالجزم فهو أولى بالقبول، ولذا رجحه الحافظ والنووي وجماعة، بخلاف الإمام مالك فذكره بالظن، والجزم أولى فيكون المعنى على تفسير عروة: لولا آية تمنع من كتمان العلم ما حدثتكم به، وعلى هذا لا تصح رواية النون، انتهى. وأجاد حضرة الشيخ الكَنكَوهي على ما حكاه مولانا محمد حسن المكي في "تقرير مسلم" (٤): قوله: "ما حدثتكم"؛ لأن حديثي هذا نسخة من الكيمياء، لا أحب أن يطلع عليها كل أحد، وغرضه الترغيب في الحديث، انتهى.

стр. 521

(٢٥ - باب الاستنثار في الوضوء) هو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ سواء كان باستعانة يد أو بدونه، وحكي عن مالك كراهة فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، كذا في "الفتح" (١). ويشكل تقديم هذا الباب على المضمضة، كما تقدم الكلام في "باب التسمية. . ." إلخ على ترتيب الأبواب مفصلًا. قال الحافظ: كأنه أشار إلى الابتداء بتنظيف الباطن قبل الظاهر، انتهى. والأوجه عندي في تقديمه على المضمضة إشارة إلى شدة تأكيده فوق المضمضة كما سيأتي في بابها مع ما فيه الإشارة إلى عدم وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء. قوله: (ذكره عثمان) في الباب الذي قبله، "وعبد الله بن زيد" في باب مسح الرأس كله، "وابن عباس" في باب غسل الوجه من غرفة، كذا في "العيني" (٢). قال الحافظ (٣): ليس في حديث ابن عباس المذكور الاستنثار بل فيه الاستنشاق فلعله أشار إلى ما رواه أبو داود والحاكم من حديثه: "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا"، وتعقبه العيني بأن في بعض نسخ البخاري استنثر موضع استنشق. (٢٦ - باب الاستجمار وترًا) استشكل أيضًا إدخال هذا الباب في أثناء أبواب الوضوء، وأجيب بأن أبواب الاستطابة لم تتميز في هذا الكتاب عن أبواب صفة الوضوء

стр. 522

لتلازمهما، ويحتمل أن يكون ممن دون المصنف، كذا في "الفتح" (١)، وتقدم أيضًا توجيه الحافظ. وعندي: أن من دأب المصنف في هذا الكتاب أنه إن كان في حديث الباب فائدة خاصة ينبِّه عليها، وهذا أصل معروف بباب في الباب كما تقدم في أصل السادس من الأصول السبعين المتقدمة في الجزء الأول، ولما كان في الحديث السابق الاستجمار وترًا نبَّه عليها بباب مستقل، وإليه مال العيني (٢). وبه جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) إذ قال: هذا مثل ما تقدم قريبًا فإن رواية الباب المتقدم لما تضمنت زيادة فائدة من إيتار الاستجمار نبَّه على ذلك بزيادة باب، انتهى. وبسط الكلام على ذلك في هامشه، وفيه: ومع ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا يبعد عندي أن المصنف أشار بوصل هذا الباب إلى الباب السابق إلى أولوية الإيتار في الاستنشاق؛ لأنه أحق بالإيتار منه مع اجتماعهما في كونهما إزالة القذر. (٢٧ - باب غسل الرجلين. . .) إلخ كذا للأكثر وزاد أبو ذر: "ولا يمسح على القدمين". قال العيني (٤): وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله ما ذكرنا أن الباب الذي قبله كان تبعًا للذي قبله، فيكون هذا الباب في الحقيقة يتلو الباب الذي قبله، والمناسبة بينهما ظاهرة؛ لأن كلًّا منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء، انتهى. قلت: لم يندفع بعد إشكال إدخال هذا الباب بين بابي الاستنشاق والمضمضة.

стр. 523

والأوجه عندي: أن المصنف أشار بذكر هذا الباب تلو الباب السابق أن المأمور به لا يكفي فيه البدل من عند نفسه نظرًا إلى المعنى، فإنه كما لا يمكن أن يكون مسح القدمين بدلًا عن غسلهما، كذلك لا ينبغي أن يكون دلك الأنف بثوب أو أصبع وغير ذلك بدلًا عن الاستنشاق والاستنثار نظرًا إلى معنى النظافة. والنظر الدقيق ينادي بصوت جهوري أن المصنف نظر في ترتيب أبواب الوضوء كلها إشارات لطيفة جديرة لجودة طبعه ودقة نظره، ولا شك أنها أحلى لنا وأشهى من قبلة العذارى، وهذا كله في ذكره هذا الباب ههنا، وأما غرض الترجمة فأمران ظاهران: أحدهما: الرد على الشيعة القائلين بجواز مسح القدم، والثاني: شرح الحديث الوارد فيه بلفظ: "ونمسح على أرجلنا"، وكذا الرد على ما في حديث أوس عند أبي داود (١) وغيره من لفظ: "فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه"، كذا في هامش "اللامع". وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) بعد قوله: "ولا يمسح على القدمين": لأن المسح لو كان جائزًا لما ورد عليه الوعيد بالنار؛ لأنه ليس في شيء من المسح شرط الاستيعاب، فعلم أن الغسل هو الفرض، انتهى. (٢٨ - باب المضمضة. . .) إلخ أخَّرَها عن الاستنثار وإن كانت هي متقدمة في الفعل؛ لأنه لما كان الاستنثار مؤكدًا حتى قال جمع بوجوبه لورود الأمر به قدَّمه على المضمضة؛ ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن المصنف أشار بذكر الأجنبي بين المضمضة والاستنشاق إلى ترجيح الفصل بينهما؛ لا يقال: هذا مخالف لما سيأتي من "باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة" من الوصل بينهما بغرفة؛ لأنه ترجم هناك بباب من فعل كذا وكذا، وهذا صنيع عدم الجزم به كما في الأصل الثالث.

стр. 524

(٢٩ - باب غسل الأعقاب. . .) إلخ يشكل على المصنف إيرادها بعد المضمضة، وكان حقها التقديم عليها ووصلها بباب غسل الرجلين. وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): قصد بالباب الأول الرد على من زعم أن وظيفة الرجلين المسح دون الغسل، وقصد بهذا الباب إثبات وجوب الاستيعاب في أعضاء الوضوء، وذكر الأعقاب لكونه مذكورًا في الحديث، فافهم ذلك، فإنه قد عجز بعض الشرَّاح عن الفرق بين البابين وأتى بتوجيهات لا يليق ذكرها، انتهى. وأنت خبير بأن جواب شيخ المشايخ قُدِّس سرُّه يرد عليه إشكال التكرار لا تعلق له بذكر هذه الترجمة في هذا المحل، والظاهر عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات أن الإمام البخاري ذكر هذه الترجمة ههنا إشارةً إلى دقيقة، وهي أنه كما ينبغي أن يهتمّ بغسل مؤخر القدم حتى قال فيه ﷺ : "ويل للأعقاب من النار"، هكذا ينبغي أن يهتمّ بمؤخر الفم في المضمضة بتحريك الماء في آخر الفم، إلا أن غسل الرِّجل لما كان فرضًا فلا بد من العذاب في ترك مؤخره، والمضمضة ليس بفرض، فلا عقاب في ترك مؤخره، وعلى هذا فذكره ههنا في غاية محله، كذا في هامش "اللامع" (٢). قوله: (وكان ابن سيرين) يريد أن دليل وجوب غسل الأعقاب يدل على وجوب الاستيعاب في كل ما أمر بغسله من الأعضاء، ولذا كان ابن سيرين يأخذ منه وجوب غسل موضع الخاتم، قاله السندي (٣). قال العيني (٤): قال أصحابنا الحنفية: تحريك الخاتم الضيق من سنن

стр. 525

الوضوء؛ لأنه في معنى تخليل الأصابع، فإن كان واسعًا لا يحتاج إلى تحريك، وبهذا التفصيل قال الشافعي وأحمد وابن المنذر، وهو قول ابن حبيب من المالكية كما في "الباجي". (٣٠ - باب غسل الرجلين في النعلين. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أنه لا بد من الغسل ولا يكتفي بالمسح على النعلين، ثم المراد بقوله: فيهما إدخال الرجلين في النعلين بعد غسلهما رطبتين أو غسلهما وهما في النعلين، انتهى. وفي هامشه: غرض الترجمة ظاهر، وهو الرد على ما ورد في بعض الروايات من المسح على النعلين. قال الحافظ (٢): أشار البخاري بذلك إلى ما روي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم في الوضوء ثم صلُّوا إلى أن قال: ليس في الحديث الذي ذكره البخاري تصريح بذلك، إنما هو مأخوذ من قوله: "يتوضأ فيها"؛ لأن الأصل في الوضوء هو الغسل؛ ولأن قوله: "فيها" يدل على الغسل، ولو أريد المسح لقال عليها، انتهى. ومناسبة ذكر هذا الباب ههنا عندي بوجهين: الأول: ظاهر، وهو أنه لما كان في السابق ذكر غسل الأعقاب بالشدة والاهتمام عقّبه بذكر غسل الرجلين في النعلين، مخافة أن تبقى لمعة في أعلى الرجل عند شراك النعل حيث يغسل الرجلان في النعلين، هذا على الاحتمال الثاني في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه من أن يغسلهما داخل النعلين ولا يخرجهما عند الغسل. والوجه الثاني وهو دقيق: أن المصنف نبَّه بذلك على أن الرجلين كما يخرجان من النعلين عند الغسل مع كونهما مشغولين بالنعل كذلك ينبغي أن

стр. 526

يخرج ما في الفم عند المضمضة، ولا يكون كون الفم مشغولًا بشيء من نحو التنبول وغيره عذرًا لترك المضمضة، فتأمل فإنه لطيف. قال الحافظ (١): وجه المناسبة أن المصنف ذكر غسل الرجلين في النعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور فاقتصر على النعلين، انتهى ما في هامش "اللامع". (٣١ - باب التيمن في الوضوء. . .) إلخ قال الحافظ: لما كان لفظ التيمن مشتركًا بين الابتداء باليمين وتعاطي الشيء باليمين والتبرك وقصد اليمين، فبان بحديث أم عطية أن المراد بالتيمن في حديث عائشة الأول، انتهى. قلت: ولعل المصنف ذكر هذا الباب ههنا لما أن الأمور السابقة من غسل الوجه والمضمضة والاستنثار لم يكن في شيء منها الابتداء باليمين، ولم يكن ذلك إلا في اليدين والرجلين، ولم يتعرض المصنف عن غسل اليدين، ولم يترجم له بشيء فذكر هذا الباب متصلًا بغسل الرجلين، ولعله لم يتعرض عن اليدين لما أنه لم ير فيها شيئًا جديرًا لتنبيه البخاري الذي بصدد ذكر الدقائق، والتيمن في الوضوء سُنَّة إجماعًا عند أهل السُّنَّة خلافًا للشيعة إذ قالوا بوجوبه، وغلط من حكى ذلك عن الشافعي وأحمد، كذا في "الفتح" (٢)، وشيء من البسط في هامش "اللامع". (٣٢ - باب التماس الوضوء. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن التيمم إنما يصار إليه إذا لم يجد الماء بعد التماسه فوجب التفحص عنه، ويدل عليه قوله: "فالتمسوا ماء"، انتهى.

стр. 527

وفي هامشه: قال العيني (١): وجه المناسبة بين البابين ما يأتي إلا بالجر الثقيل، وهو أن المذكور في الباب السابق طلب التيمن لأجل الوضوء والغسل، وههنا طلب الماء لأجل الوضوء، انتهى. والأوجه عندي أن يقال: إن الإمام البخاري لما فرغ من بيان المغسولات في أعضاء الوضوء ولم يبق إلا المسح ذكر بعدها أحكام الماء الذي يحتاج إليه للغسل، وقدم طلب الماء؛ لأن وجدانه مرتب على الطلب مع ما في وقت الطلب من الاختلاف، قال ابن المنيِّر: أراد البخاري الاستدلال على أنه لا يجب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم التأخير فدل على الجواز، كذا في "الفتح" (٢)، وهكذا في "العيني"، وزاد: ذكر ابن بطال إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون، انتهى. وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": قيل: إن الحديث الذي أخرجه المؤلف في هذا الباب ليس له تعلق قوي بترجمة الباب، بل هو أعلق بباب معجزاته ﷺ ، ولو كان مذهب البخاري في هذه المسألة مثل مذهب الشافعي من أن التماس الماء واجب آخر سوى الوضوء فإثبات هذا المطلب بهذا الحديث أيضًا بعيد؛ لأنه حكاية فعله وليس فيه أمر بالالتماس. وعندي: أن مقصود البخاري أن عادة الصحابة كان ذلك، كانوا يلتمسون الماء ويتفحصون عنه ويفتشونه في مواضعه، وكانوا لا يكتفون بعدم حضور الماء في جواز التيمم وإظهار المعجزة أيضًا إنما هو لتكثر الماء، وكان ذلك تحصيلًا للماء وتفتيشًا له، فلو كان عدم الحضور كافيًا لما اهتمّ الناس بالتماس الوضوء، ولما فعل النبي ﷺ ما فعل لعدم الاحتياج، انتهى.

стр. 528

(٣٣ - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . .) إلخ لما ذكر في الباب السابق طلب الماء للوضوء استطرد إلى ذكر أحكام المياه من الطهارة والنجاسة؛ لأن الماء الذي يطلب للوضوء هو الذي يجوز به الوضوء ولا يبعد أن المصنف ذكر هذا الباب لمناسبة الحديث السابق الذي فيه نبع الماء من يده الشريفة التي كانت عليها الشعور، وقال السندي (١): اعلم أن وضع هذا الباب أصالةً لبيان حكم الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وحكم سؤر الكلاب، ثم ذكر استطرادًا حكم ممر الكلاب، أي: إذا مرَّت الكلاب في المسجد فهل يحتاج إلى غسل البقعة التي مرت فيها أو لا؟ وكذا ذكر حكم أكل الكلاب، أي: إذا أكلت الكلاب من الصيد فهل يؤكل بقية ذلك الصيد أم لا؟ فالإضافة في أكلها من إضافة المصدر إلى الفاعل، فصار الباب موضوعًا لبيان حكم أربعة أشياء، ثم بعد أن فرغ من ذكر أدلة طهارة الماء الذي يغسل به شعر الإنسان أراد أن يزيد في الترجمة حكم شيء خامس وهو الإناء بأنه يجب غسله سبعًا ليصير الباب موضوعًا لبيان حكم خمسة أشياء، إلا أن هذا الخامس لمَّا صار بعيدًا عن الباب أعاد له اسم الباب فقال: "باب إذا شرب الكلب. . ." إلخ، ثم ذكر أدلة ما بقي من الأمور الخمسة، هذا ما يتعلق بتحقيق الترجمة، انتهى. وقال صاحب "الفيض" (٢): إن المصنف ﵀ ذكر فيها مسألة الأنجاس والآسار دون مسألة المياه كما اختاره الحافظ إلى آخر ما فيه. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): لعله قصد بذلك أنه طاهر، ونحن نقول: نعم، إلا أنَّا أمرنا بترك الانتفاع به إكرامًا له، وكذا بسائر أجزائه، فأما قول عطاء بجواز اتخاذ الخيوط والحبال فالغرض منه أن ذلك جائز نظرًا إلى طهارته وإن كانت كراهة الانتفاع تمنعه.

стр. 529

والحاصل: أن الإباحة والحرمة قد تكونان مبنيتين على علتين متغايرتين مع وجودهما في شيء واحد، فيجوز الحكم بالحرمة أو الإباحة عينًا، نظرًا إلى تلك العلة المبنية عليها إحداهما، [وأما العلة الأخرى] فإنها تثبت فيه خلاف ما أثبته تلك العلة، وعلى هذا فقد تطرق في حكم شعر الإنسان احتمالان: إباحة الانتفاع بأجزائه نظرًا إلى الطهارة، وحرمته لما فيه من إهانته، وقد أمرنا بإكرامه، وقد ثبت أن الترجيح فيما اجتمع فيه المحرم والمبيح للمحرم، فيكون الحكم في الشعر هو الحرمة، وعلى هذا يحمل قول عطاء فافهم، انتهى. وبسط في هامشه اختلاف العلماء في جواز الانتفاع بالشعور. وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": مذهب المؤلف في هذه المسألة مثل مذهب أبي حنيفة من أن شعر الآدمي طاهر، والماء الذي يغسل فيه أيضًا طاهر خلافًا للشافعي، وأثبت بحديثي الباب ذلك بالدلالة الالتزامية، وقول عطاء أيضًا يفيده، انتهى. قال الحافظ (٢): وجه الدلالة من الحديث على الترجمة أن الشعر طاهر، وإلا لما حفظوه ولا تمنى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه، انتهى. قوله: (وسؤر الكلاب) عطف على الماء، أي: وباب سؤر الكلاب، كذا في "الفتح"، وفي "التراجم" مذهب البخاري في ذلك موافق لمذهب مالك من أن سؤرها طاهر، وأمر الغسل سبعًا تعبدي، انتهى. (باب إذا شرب الكلب. . .) إلخ ليس هذا في نسخة الحافظ، والروايات الآتية داخلة في الترجمة السابقة فلا يشكل أن المصنف ذكر في الترجمة السابقة سؤر الكلاب، ولم

стр. 530

يأت له بحديث، ولا بذكر حديث تقبل وتدبر أيضًا؛ لأنه داخل في الباب السابق، وعلى وجود الباب كما في نسخنا فلا إشكال أيضًا لكونه بابًا في باب، وهو أصل معروف مطرد كما تقدم في الأصل السادس من أصول التراجم في الجزء الأول. قوله: (يغرف له به) استدل بذلك المصنف على طهارة سؤر الكلب، ولا يتم الاستدلال إلا بعد ثبوت أن شرع من قبلنا حجة لنا وأنه لم ينسخ مع احتمال أنه صبَّه في شيء وسقاه أو غسل خفه بعد ذلك أو لم يلبسه بعد، كذا في "الفتح" (١). وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولم يثبت أن النبي ﷺ حين ذكر ذلك ذكر أن خفه تنجس بفعله ذلك، وكذلك قوله في الرواية الآتية: "فقتل فكل" ولا شك أنه يمسكه بفيه، ولم يثبت أنه ذكر تنجسه، ولا أن يقطعه فيقذفه، فكان تقريرًا منه بطهارته. والجواب: أنه استغنى بذكره قبل ذلك بغسل الإناء من ولوغ الكلب عن إعادته، ومثل ذلك كثير، أفهل ذكر ههنا أن لا يأكل روثه وبوله وسائر ما لا يجوز أكله من أجزائه، وإنما اكتفى على قوله: "كل" بل المذكور في بعض الروايات: "كل ما أمسك عليك" فأورد فعل الأكل على الحيوان بأسره، أفكان ذلك أمرًا بأكل كله؟ فالجواب الجواب والخلاص الخلاص، انتهى. وبسط الكلام في هامشه على فقه الحديث ومذاهب الأئمة. قوله: (إذا أرسلت كلبك) وجه الاستدلال أنه ﵊ أمر بأكله ولم يقيِّده بغسل موضع فمه، ولا يتم الاستدلال؛ لأن الحديث سيق لإباحة صيده؛ ولا تعرض فيه للطهارة والنجاسة، والدليل عليه أنه لم يقل اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، فوكله إلى ما تقرر من وجوب غسل

стр. 531

الدم فكذلك غسل ما يماسه فاه، كذا في "الفتح" (١). (٣٤ - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين) قال شيخ المشايخ في "التراجم" (٢): مقصود الباب مركب من الأمرين: الأول: وجوب الوضوء مما خرج من السبيلين مع عموم ما خرج المعتاد وغير المعتاد المنصوص في القرآن وغير المنصوص فيه الثابت بالحديث. والثاني: عدم وجوب الوضوء من غير ما خرج، فأثبت ببعض ما ذكر في الباب الأول وبعض آخر الثاني، والشرَّاح في هذا المقام يطبقون مذهب المؤلف ﵀ على مذهب الشافعي ويقولون: معنى ترجمة الباب من لم ير الوضوء من الخارج إلا بما خرج من المخرجين حتى يكون مس الذكر ومس النساء اللذان هما ناقضان عند الشافعي باقيين في النواقض عنده أيضًا، لكن التحقيق في هذا الباب أن مذهب البخاري في هذا المسألة وراء مذهب الشافعي، وكلامه على ظاهره، فلا يكون عنده في مس الذكر ولمس النساء وضوء، ويدل على ذلك قوله: وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك. . . إلخ، فتأمل، وأثبت ببعض ما ذكر من الآثار في تعاليق الباب الجزء الثاني من المدعى، انتهى. والمناسبة عندي بما سبق أن المذكور في السابق الأنجاس الظاهرة الموجبة للنجاسة الحقيقة، فأورد بعده الأنجاس الباطنة الموجبة للنجاسة الحكمية. وقال العيني (٣): إن الباب السابق في نفي النجاسة عن شعر الإنسان وسؤر الكلب، وهذا في نفي الوضوء من غير السبيلين، انتهى.

стр. 532

وكتب الشيخ في "اللامع" (١): والاستدلالات التي أثبت بها المدعى غير مثبتة لها، أما من لم يتعرض لغير السبيلين فلأن تخصيص شيء بشيء في الذكر لا يدل على نفي الحكم عن جميع ما عداه، وهذا ظاهر. وأما ما فيه تعرّض للخارج من غير السبيلين وإثبات لعدم انتقاض الطهارة به، فلأن فيه احتمالًا غير ما فيه إثبات لمدعاهم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فأما أن الضحك لا ينقض الوضوء فنحن متفقون بهم فيه، وإنما الناقض هو القهقهة، وأما خلع الخف فنحن لا نقول بانتقاض وضوئه، وإنما الواجب عليه أن يغسل قدميه، وقول أبي هريرة: لا وضوء إلا من حدث، فهو يوافق المذهبين معًا، وإنما الكلام في تعيين الحدث ما هو، وإن أريد بالحدث ما فسره أبو هريرة: فساء أو ضراط، لزم عليهم البول والبراز والمني والمذي إلى غيره ذلك. وأما قوله: (فنزفه الدم فركع وسجد. . .) إلخ، فهو وارد على المذهبين لما فيه من تنجس الثياب أيضًا مع أنه يحتمل أن النبي ﷺ أمر بالإعادة إلا أن الراوي ترك ذكره، وأما ما قال: "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم"، ففي الغير السائلة أو في حالة كونهم معذورين، وكذلك ما قال: "ليس في الدم وضوء" في غير السائلة، وأما إذا أخرج من البثور دمًا بعصرها فلأنه مخرج لا خارج فلا ينتقض الوضوء، وكذلك نقول في البزاق إن كان الدم مغلوبًا فيه فلا يلزم نقض الطهارة به، وأما قول الحسن وصاحبه: ليس عليه إلا غسل محاجمه، فالمعنى بذلك أنه لا يجب الغسل عليه بذلك، وإنما يكتفي فيه بغسل الموضع المتلطخ بالدم، وأما الوضوء فلا تعرض له فيه نفيًا ولا إثباتًا، وأما ما فيه من الروايات فحاصل استدلال المؤلف بها: أنه لم يذكر فيها غير ما ذكر، فعلم أن الطهارة لا تنتقض بغير المذكورات؛ لأن السكوت في محل البيان بيان، والجواب قد عرفت أن المفهوم لا يعتبر به، انتهى.

стр. 533

وبسط الكلام في هامشه في تأييد كلمات الشيخ أشد البسط، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم في علة الحدث. ففي هامش "اللامع": اختلفوا في موجب الوضوء على ثلاثة أقوال، فقال قوم: سبب الوجوب خروج النجس من البدن فأوجبوا الوضوء في كل خارج نجس من المخرج المعتاد وغيره، وممن قال بذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد، فأوجبوا الوضوء من الدم والرعاف والقيء وغير ذلك، وقال آخرون: سببه الخروج من المخرج المعتاد فقالوا: كل ما يخرج من السبيلين ناقض للوضوء، أي: [أيُّ] شيء خرج من دم أو حصى أو غير ذلك، وممن قال بذلك الشافعي وأصحابه، وقال الآخرون منهم الإمام مالك: إن العبرة للخارج والمخرج معًا فقالوا: كل ما يخرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه كالبول والغائط ونحوهما يوجب الوضوء وإلا فلا، انتهى. قوله: (وقال جابر: إذا ضحك في الصلاة. . .) إلخ، هذا إجماع في الضحك، ونحن أيضًا لا نخالفه، وإنما الخلاف في القهقهة، تفسد الوضوء عندنا، وبه قال النخعي والحسن والثوري والأوزاعي. قال العيني (١): لنا في ذلك أحد عشر حديثًا مرفوعًا، منها أربعة مرسلة وسبعة مسندة، ثم ذكرها، وسبقه في ذلك الزيلعي في تخريج "الهداية" (٢). قوله: (وقال الحسن: إن أخذ من شعره. . .) إلخ، المسألة الأولى إجماعية، والمخالف في ذلك كان حمادًا ومجاهدًا وغيرهما إذ قالوا: من قصّ أظفاره أو جزّ شاربه يعيد الوضوء، ثم استقر الإجماع على خلاف

стр. 534

ذلك، وأما المسألة الثانية فقال الحسن وداود وغيرهما: لا يعيد الوضوء ولا يغسل رجليه، كما لو حلق رأسه بعد المسح، وأظهر قولي أحمد: يعيد الوضوء، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال إسحاق. وقال أبو حنيفة: يعيد غسل قدميه فقط، وهو أرجح قولي الشافعي، ومرجوح قولي أحمد. والخلاف مبني على وجوب الموالاة في الوضوء، وقال مالك: إن غسل قدميه بعد نزع الخف مكانه يجزئه، وإن أخَّره استأنف الوضوء، انتهى. قوله: (وقال أبو هريرة: لا وضوء إلا من حدث. . .) إلخ، أما الأحداث المختلف فيها بين العلماء كمس الذكر ولمس المرأة والقيء والحجامة فكان أبو هريرة لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى المصنف، قاله الحافظ. قوله: (وقال جابر. . .) إلخ، الدم والقيء الفاحش ينقضان عند أحمد رواية واحدة، وبه قلنا خلافًا لمالك والشافعي. قوله: (وبزق ابن أبي أوفى دمًا) وتقدم قريبًا ما كتبه الشيخ في "اللامع". وفي هامشه (١): أن الدم ناقض عند أحمد أيضًا كما قلنا، وحملوا هذه الآثار كلها على غير الفاحش، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: بزق، قلنا: كان بزاقه مصفرًا لا محمرًا، والمصفر ليس بناقض عندنا أيضًا، أو هو مذهبه، انتهى. قوله: (وقال ابن عمر والحسن. . .) إلخ، تقدم ما كتب الشيخ من أن المراد لا يجب عليه الغسل بذلك، وأما الوضوء فلا تعرض له فيه، انتهى. ومبنى ما أفاده الشيخ أن بعض الصحابة أوجبوا عليه الغسل، كما حكاه العيني (٢)، كما في هامش "اللامع". قوله: (ولم يقل غندر ويحيى. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣):

стр. 535

اختلفوا في معنى هذه العبارة، فقال بعضهم: معناها أنه لم يقل لفظة الوضوء، واكتفى بقوله: عليك، وقيل: بل لم يقل: عليك أيضًا؛ لأنهما معًا جملة واحدة، ونفي المؤلف لفظ الوضوء نفي للفظة "عليك" أيضًا، وأيا ما كان فالحاصل: أن النبي ﷺ تكلم ههنا بما علم منه نفي الغسل، وذكر في هامشه الكلام على هذين المعنيين، وفيه أن الأول مختار الكرماني وغيره، والثاني مختار الحافظ (١). (٣٥ - باب الرجل يوضِّئ صاحبه) الأوجه عندي: أن هذا الباب من قبيل باب في باب كما هو الأصل المعروف من أصول التراجم وهو الأصل السادس، والغرض من هذا الباب نقض الوضوء من الغائط، ولما كانت في الحديث مسألة مهمة وهي مسألة الاستعانة في الوضوء نبَّه عليها بالترجمة. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن النهي الوارد في الاستعانة فيه وفي غيره من القربات ليس للتحريم، انتهى. وبسط الكلام في هامشه على اختلاف العلماء في مسألة الاستعانة، وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يستعين في إحضار الماء ولا كراهة فيه، والثاني: أن يستعين في غسل الأعضاء فهذا مكروه إلا لحاجةٍ، والثالث: أن يصب عليه فهذا الأولى تركه، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه قولان، إلى آخر ما فيه، ومن أطلق الكراهة حمل فعله ﷺ على بيان الجواز. وبسط شرَّاح البخاري كلهم لا سيما العلَّامة العيني (٣) في الجواز والكراهة والتفصيل فيهما.

стр. 536

(٣٦ - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره) قال الكرماني (١): وغيره، أي: غير القرآن من السلام وسائر الأذكار، انتهى. وقال الحافظ (٢): وغيره، أي: من مظان الحدث. وتعقبهما العيني (٣): بأنه لا وجه لمظان الحدث؛ لأنه إما حدث فيدخل فيه، وإما غير حدث فلا مدخل له في الباب، وبأنه إذا جاز قراءة القرآن فغيره من الأذكار جائز بالطريق الأولى. وتبعه القسطلاني (٤): واختار مختار العيني، وتعقّب على قول الحافظ والكرماني، ويمكن عندي توجيه كلام الحافظ بأن المراد من مظان الحدث النوم للحديث الوارد في الباب، ثم جواز قراءة القرآن محدثًا مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، خلافًا لمن شذ من بعض السلف كما في "الأوجز" (٥)، كذا في هامش "اللامع" (٦). وكتب الشيخ في "اللامع" (٧): قوله: "باب قراءة القرآن. . ." إلخ، يعني بذلك: أنه ذكر ولا يجب تقديم الوضوء له وإن كان الوضوء أفضل، والحمام يدخله المتطهر ومن ليس على وضوء، فلما قال منصور وإبراهيم بجواز القراءة فيه علم أنه لا يشترط لها الطهارة، وكذلك كتب الرسالة لا تخلو عن ذكر الله وآية من القرآن كالبسملة، فلما جاز كتابتها جاز التلفظ به، وكذلك التسليم عليهم، وهو ذكر يستدعي جواز الذكر على غير وضوء؛ لأنهم لما سلّم المسلم عليهم يردون عليه لا محالة وهم على غير طهارة، فعلم جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء؛ لأن السلام ذكر، وكذلك

стр. 537

الاستدلال بالرواية فإنه ﷺ قرأ الآيات قبل أن يتوضأ، ونوم الأنبياء وإن لم يكن ناقضًا إلا أن الليلة لا تخلو عن شيء من الملاعبة المورثة خروج المذي والبول والتخلي إلى غير ذلك، وأيضًا فإن ابن عباس فعل مثله وكان على غير طهارة، فأمكن الاحتجاج بفعله عنده ﷺ ، انتهى. وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": استدلال المؤلف بحديث الباب على جواز القراءة للمحدث باعتبار أنه ﷺ استيقظ بعد نوم طويل، ومضى عليه زمان طويل، فالغالب الأكثر في مثل هذا تخلل حدث من ريح أو غيره، وليس هذا استدلالًا بنقض النوم كما وهم، انتهى. وبسط الكلام في هامش "اللامع" أشد البسط في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبيان اختلاف العلماء في ذلك الفروع، ولا يذهب عليك أن الحافظ (٢): حمل كلام البخاري على الحدث الأصغر، وتبعه القسطلاني. وتعقبه العلامة العيني (٣): إذ قال: قوله: بعد الحدث، قال بعضهم: أي: الحدث الأصغر. قلت: الحدث أعم من الأصغر والأكبر، وقراءة القرآن تجوز بعد الأصغر دون الأكبر، وكأن هذا القائل إنما خصص الحدث بالأصغر نظرًا إلى أن البخاري تعرض هنا إلى حكم قراءة القرآن بعد الحدث الأصغر دون الأكبر، ولكن جرت عادته أنه يبوّب الباب بترجمة، ثم يذكر فيه جزءًا مما تشتمل عليه تلك الترجمة، وههنا كذلك، انتهى. وقال صاحب "الفيض" (٤): لم يفصح المصنف بأن المراد منه الأصغر أو الأكبر؟ وعلم من الخارج أنها جائزة عنده بعد الحدث الأكبر، انتهى. وجواز قراءة القرآن للمحدث إجماعي كما تقدم، وفي هامشي على

стр. 538

"البذل" (١) عن العلامة الشعراني (٢): إن قراءة القرآن للجنب حرَّمها الشافعي وأحمد مطلقًا، وأبو حنيفة آية تامة، وأباح ما دونها، وأباح الإمام مالك آية أو آيتين، وأباح داود الظاهري القراءة مطلقًا. وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٣) على اختلاف العلماء في قراءة الجنب والحائض في "باب تقضي الحائض المناسك كلها" من "كتاب الحيض"، وفيه: مذهب داود ومن وافقهم جواز القراءة للجنب والحائض مطلقًا، قال الموفق (٤): لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض، ورويت الكراهة عن الشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك القراءة للحائض دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها نسيت، إلى آخر ما بسطه. وفي "المنهل" (٥): وقال مالك في الجنب: يقرأ الآية، ونحوها وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب، انتهى. واختلفوا في جواز قراءة القرآن في الحمام، ففي هامش "اللامع" (٦) عن أبي حنيفة: يكره، وعن محمد بن الحسن: لا يكره، وبه قال مالك، وإنما كره أبو حنيفة؛ لأن حكم الحمام حكم بيت الخلاء؛ لأنه موضع النجاسة، وعند الشافعية روايتان وعند أحمد خلاف الأولى، فاستحب صيانة القرآن عن الحمام، انتهى. (٣٧ - باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل) كتب الشيخ في "اللامع" (٧): دلالة الرواية على هذا المعنى ظاهرة، فإن أسماء لم تتوضأ مع عروض الغشي لها، فعلم أن كل غشي ليس بناقض، والناقض منه ما لم يبق بعده علم بحاله مطلقًا، انتهى.

стр. 539

وفي هامشه: قال الحافظ (١): أشار المصنف بذلك إلى الرد على من أوجب الوضوء من الغشي مطلقًا، وكونها كانت تتولى صب الماء عليها يدل على أن حواسها كانت مدركة، وذلك لا ينقض الوضوء، ومحل الاستدلال بفعلها من جهة أنها كانت تصلي خلفه ﷺ وكان يرى الذي خلفه وهو في الصلاة - ولم ينقل أنه أنكر عليها، انتهى. قال النووي (٢): لا ينقض ما دام العقل باقيًا. وقال القسطلاني (٣): ينقض إذا زال العقل بالإجماع، وقال ابن بطال: الغشي مرض يعرض من طول التعب، وهو ضرب من الإغماء إلا أنه دونه، وإنما صبت أسماء [الماء] على رأسها مدافعة له، ولو كان شديدًا كان كالإغماء، وهو ينقض الوضوء، إجماعًا. قال الموفق (٤): زوال العقل على ضربين: نوم وغير نوم، أما غير النوم وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه فينقض الوضوءَ يسيرُه وكثيرُه إجماعًا، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه، انتهى. ويشكل أن ظاهر كلام البخاري التفريق بين المثقل وغيره، وهو ظاهر كلام العيني (٥) وصاحب "الفيض": وتقرير الشيخ الكَنكَوهي، وما يظهر من كلام الفقهاء من الشامي وأصحاب المتون نقض الوضوء منه مطلقًا، بل صرح في "الفتاوى الهندية" (٦) - عالمكَيرية - بالإطلاق، فتأمل. اللَّهم إلّا أن يقال: إن صاحب "الهداية" وغيرها وإن صرحوا بأن الإغماء حدث في الأحوال كلها، لكن المراد بالأحوال في كلامهم القيام

стр. 540

والقعود وغيرهما كما في "العناية" لا الكثير المزيل للعقل، والقليل غير المزيل له، وكأنهم أخرجوا بهذا القيد النوم فإنه حدث أيضًا، لكن لا في الأحوال كلها بل في بعض الأحوال، وهي التي يكون فيها النوم مستندًا أو مضطجعًا على ما ذكروا، والتفريق هو الظاهر من تعليل الأصحاب بأنه فوق النوم في الاسترخاء؛ لأن النائم يتنبه بالتنبيه دون المغمى عليه، وهو الذي أراده البخاري استدلالًا بأن أسماء ﵂ صبت على رأسها الماء وقد تجلاها الغشي وهي تصلي، والنبي ﷺ كان يرى في صلاته خلف ظهره، فهو اطلع على ذلك، وقد وقع التصريح به في "القدوري" (١) وغيره، حيث قال في نواقض الوضوء: والغلبة على العقل بالإغماء والجنون، فاعتبر الغلبة دون غيرها، وقد صرَّح الأصحاب بأن الغشي في حكم الإغماء فإذًا يعتبر فيه الغلبة أيضًا. (٣٨ - باب مسح الرأس كله) قلت: لما فرغ المصنِّف من ذكر أبواب المياه النواقض التي ذكرها استطرادًا وتبعًا لباب بباب كما تقدم، رجع إلى تكميل الوضوء مع أن في ذكره ههنا لطيفة، وهي دفع توهم يمكن أن ينشأ من الحديث السابق من قولها: أصب فوق رأسي ماءً، أن الغسل والمسح سيّان في الرأس، فتأمل، ولما أراد تكميل الوضوء أعاد ذكر غسل الرجلين رعايةً للترتيب، وذكر فيه الكعبين لئلا يبقى التكرار، كذا في هامش "اللامع". وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): باب مسح الرأس كله، يعني: أن الآية مطلقة، فإثبات الفرضية في البعض دون البعض ترجيح من غير موجب له، وقد ثبت مسحه ﷺ كله، والجواب معلوم، ولا يضر مسحه ﷺ كل الرأس على سبيل السُّنِّية، وإنما ضرنا لو ثبت أنه لم يمسح الناصية وما دون الكل أبدًا، وقد ثبت، فسقط الفرضية، نعم تثبت سُنِّية الكل وهي غير منكرة، وبسط الكلام على كلام الشيخ في هامش "اللامع" وفيه:

стр. 541

قال الحافظ (١): وموضع الاستدلال من الحديث والآية أن لفظ الآية مجمل؛ لأنه يحتمل أن يراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبين بفعل النبي ﷺ أن المراد الأول، انتهى. وفي "الأوجز" (٢): مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء، وأما مقدار المفروض فمختلف جدًا، ذكر العيني (٣) فيه ثلاثة عشر قولًا، والمعروف منها: أن الاستيعاب فرض عند مالك، وبعض الرأس عند الشافعي، وهما روايتان لأحمد، ومقدار الناصية عندنا الحنفية، وقال الموفق (٤): الظاهر عن أحمد وجوب الاستيعاب في حق الرجل، وأن المرأة يُجْزِئُها مسح مقدم الرأس، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع". قوله: (فأقبل بهما وأدبر) اختلف في معناه على أقوال ذكرت في "الكوكب" و"الأوجز" و"البذل" (٥) وهامشي على "البذل". والأوجه عندي في معناه: أن الواو لمطلق الجمع للرواية الآتية قريبًا في "باب الوضوء من التور" عن عبد الله بن زيد بنفسه بلفظ: "أدبر بيديه وأقبل". (٣٩ - باب غسل الرجلين) هذا الباب في محله لكونه بعد مسح الرأس في اختتام الوضوء. وفيه: أن الإمام البخاري لم يراع الترتيب على ما عليه الشراح حتى يحتاج إليه ههنا، وعندي في ذكر هذا الباب في هذا الموضع نكتة لطيفة أيضًا، وهي أن المؤلف ذكره تأييدًا لما سبق من مسح الرأس كله، فإن الرجل إذا يغسل إلى الكعبين ويستوعبه الغسل فأي وجه أن لا يستوعب

стр. 542

المسح الرأس كله، والنظر الدقيق يومئ أن الإمام أشار بذلك إلى مسح الأذنين، فإن الأذنين من الرأس كالكعبين للأرجل. (٤٠ - باب استعمال فضل وضوء الناس. . .) إلخ اختلف الشرَّاح في المراد بالفضل هل هو الباقي في الإناء أو المتقاطر من الأعضاء، أي: الماء المستعمل؟ وذكر الكرماني (١) الاحتمالين، ورجح الثاني، والحافظ الأول (٢)، وقال السندي (٣): أراد بالفضل ما يعم الباقي في الظرف والمتقاطر من الأعضاء. والأوجه عندي: أن الفضل لما كان محتملًا للمعنيين نبَّه عليه المصنف بالبابين. والأوجه عندي: أنه أشار بالباب الأول إلى الماء المتقاطر، أي: المستعمل، كما هو ظاهر الروايات الواردة في هذا الباب، لا سيما رواية قصة الحديبية، وأشار بالباب الثاني بلا ترجمة إلى المعنى الثاني، أي: الباقي في الظرف. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله "باب استعمال فضل. . ." إلخ، واستدلاله هذا مبني على عدم الفصل بين الطاهر والطهور، وبينهما فرق لا يخفى، والذي يثبت بالرواية طهارة الماء المستعمل وهو مسلَّم، وأما الرواية الثانية فلم تقم فيها قربة حتى يلزم زوال الماء عن صفته، والكلام فيه، فكأنه لم يفرق بين الغسل لأجل قربة وبينه بدونها، وكذلك الرابعة لا تثبت إلا جواز شربه وهو مسلَّم. والحاصل: أن النزاع في طهورية الماء الذي أقيمت به قربة، والذي أثبتوه بالروايات أعم من ذلك فلا يفيد، انتهى.

стр. 543

وكلام الشيخ قُدِّس سرُّه مبني على اختلافهم في حكم الماء المستعمل، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"، والجملة: أن فيه عن الإمام أبي حنيفة ثلاث روايات. الأولى: طاهر لا طهور، وهو رواية محمد عنه، وهو قوله وقول الشافعي في الجديد، وظاهر مذهب أحمد كما في "المغني" (١)، وإحدى الروايتين عن مالك، وهو المفتى به عند الحنفية. والثانية: نجس نجاسة خفيفة، وهي رواية أبي يوسف عنه. والثالثة: نجس نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن عنه، وعن أحمد: أنه طاهر ومطهر، وبه قال أهل الظاهر، ورواية عن مالك والشافعي، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع". وفي هامشي على "البذل" (٢) عن ابن رسلان أن مذهب مالك أنه طاهر ومطهر، وفي "المنهل": قال مالك: إنه طاهر مطهر. وحكى مولانا حسين علي اللاهوري في تقريره عن شيخه الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: المذهب عندنا أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، أما الطهارة فللحديثين الآتيين، وأما عدم طهوريته فمما يعلم من عدم أمره ﷺ أن يتوضأ بالوضوء الذي وضئ به مع عدم الماء في حالات السفر، وأما الماء المستعمل القليل إذا اختلط بالماء الآخر فيتوضأ لطهارته ومغلوبيته، وعليه يدل أمر جرير أهله، انتهى. (باب) بلا ترجمة، وهذا معلوم أن الباب بلا ترجمة كالفصل من الباب السابق كما تقدم في الجزء الأول في الأصل العشرين من أصول التراجم.

стр. 544

وفي هامش "اللامع" (١): أن حديث السائب هذا ذكر عليه في رواية المستملي فقط لفظ الباب، ولم يذكره الباقون، وإن لم يكن هناك باب فلا إشكال، وإن كان هناك باب فالأوجه عندي كما تقدم في الباب السابق أن فضل الماء يتناول النوعين: المتساقط من الأعضاء وهو الماء المستعمل، والباقي في الظرف، فالإمام البخاري أشار بالباب الأول إلى النوع الأول من الفضل، وبهذا الباب إلى النوع الثاني، يعني: إلى الباقي في الإناء، وأجاد المصنف عندي بذكر "باب المضمضة. . ." إلخ، فإنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته، ولذا ذكره بعد هذا عندي، انتهى ما في هامش "اللامع". وفي تقرير مولانا حسين علي: أورد هذا الباب؛ لأن قوله: "شربت من وضوئه" يحتمل أن يكون المراد به الباقي بعد الوضوء، فيكون هذا الباب مغايرًا بالباب السابق، وأن يكون المراد المستعمل فيكون موافقًا للسابق، لكن فيه فائدة أخرى، وهي بيان الخاتم، انتهى. قوله: (ذهبت بي خالتي) قال الحافظ في المناقب (٢): لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها علبة بنت شريح أخت مخرمة بن شريح، انتهى. تنبيه: هذا الباب ذكره شيخ الهند في الجدول الرابع، ورقم عليه نقطتين، وقد تقدم أنه إشارة إلى أنه حذف الترجمة لكون الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق. (٤١ - باب من مضمض. . .) إلخ أجاد المصنف عندي بذكر هذا الباب ههنا؛ لأنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته؛ لأن الاستنشاق يكون بفضل المضمضة، ولذا ذكره ههنا عندي، وتبويبه بلفظ: "من قال كذا"

стр. 545

إشارة إلى أن المصنف لم يجزم بذلك كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم. والمسألة خلافية معروفة بسطت في المطولات، وللشافعي، فيه خمسة أوجه: منها: كونهما بست غرفات، حكاه الترمذي عن الإمام الشافعي، وهو السُّنَّة عندنا الحنفية، وهو مسلك المالكية كما في "الأوجز" (١)، واختلفت الروايات عن الحنابلة كما حكاها العيني في "شرح البخاري" (٢)، وظاهر كلام الموفق (٣) أن المرجح عند الإمام أحمد كونهما بغرفة واحدة. (٤٢ - باب مسح الرأس مرة) والغرض من الترجمة عندي: الإشارة إلى الرد على الشافعية حيث قالوا بتثليث المسح خلافًا للجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إذ قالوا بتوحيد المسح، وخلافًا لابن سيرين إذ قال بالمسح مرتين: مرة للفرض ومرة للسُّنَّة، كذا في هامشي على "البذل"، وبسط الشيخ الكلام على الدلائل في "البذل" (٤)، وفيه: قال الحافظ (٥): ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح؛ لأنها مسحات مستقلة بجميع الرأس جمعًا بين الأدلة. والأوجه عند هذا العبد الضعيف في توجيه روايات التثليث ما في "أبي داود" (٦) من حديث الربيع بنت معوذ، ولفظه: "فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته"، ولا يبعد عندي أن المؤلف ﵀ أشار بالترجمة أيضًا إلى طهارة الماء المستعمل، فإنه إذا بدأ المسح ثم أمر اليدين يكون الباقي على الكف من البلل ماءً مستعملًا.

стр. 546

(٤٣ - باب وضوء الرجل مع امرأته) هذا الجزء من الترجمة كالشرح للأحاديث الواردة في وضوء الرجال والنساء معًا بأن المراد بالنساء نساؤهم لا مطلقًا، فلا حاجة لحملها على ما قبل الحجاب ونحو ذلك من التأويلات. وقوله: (وفضل وضوء المرأة)، قال العيني (١): بالجر عطفًا على قوله: وضوء الرجل، انتهى. إشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، فقد قال النووي (٢): أما تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وكذا تطهر المرأة بفضل الرجل جائز إجماعًا، وأما تطهر الرجل بفضلها فذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى جوازه سواء خلت به أو لم تخل، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، كذا في هامش "اللامع" (٣)، وما حكي من الخلاف في المسألتين اللتين حكى النووي فيهما الإجماع فشاذ. قوله: (وتوضأ عمر بالحميم. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): والظاهر أن أهله وامرأته كانت تتوضأ بفضله أو معه فناسب الباب، انتهى. وتعقبه العيني (٥) أشد التعقب بقوله: أين الظهور؟ وكذا أنكر القسطلاني (٦) مناسبة هذين الأثرين، وقال: في رواية ابن عساكر حذف الأثران وهو أولى. وفي "اللامع" (٧): ودلالته على الترجمة؛ لأن عمر لما لم يسأل أنها هل مسته بإلقاء اليد فيه كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم في الماء على النار، يرون بذلك مقدار حرارته، فلما لم يستفسره عمر علم أن

стр. 547

الحكم لا يتفاوت دون ذلك، وكذلك الكلام في وضوئه من بيت النصرانية فإنه لم يسأل هل مسته أم لا؟ وهل ألقت يدها فيه أم لا؟ فعلم أنه لا تفاوت فيهما، انتهى. قال الحافظ (١): ومن عادة البخاري التمسك بنحو ذلك عند عدم الاستفصال، انتهى. وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم. . . إلخ، هو أصل معروف من أصول التراجم للبخاري، وهو الأصل التاسع والأربعون، وما أفاده الحافظ من عدم الاستفصال، وقال: ومن عادة البخاري. . . إلخ، وهو أصل مستقل مزيد على الأصول السبعين المذكورة في الجزء الأول، فهو الأصل الحادي والسبعون. ثم لا يذهب عليك أن نسخ البخاري مختلفة في ذكر الواو على لفظ: "من بيت النصرانية"، وكلام الشيخ المذكور قبل مبني على وجوده، ولذا ذكر في كلامه مسألتين مختلفتين، وهو المرجح عند الحافظ والبسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: قال القسطلاني (٢): لا خلاف في استعمال سؤر النصرانية؛ لأنه طاهر، خلافًا لأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، واختلف قول مالك في الكراهة وعدمه، انتهى. (٤٤ - باب صب الوضوء على المغمى عليه) يحتمل أن يكون المراد بعض الماء الذي توضأ به أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في "الاعتصام": "ثم صب وضوءه عليّ" (٣)، كذا في "الفتح" (٤). والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المراد الباقي في الإناء، وما ذكر الحافظ من حديث الاعتصام لا يؤيد مختاره، بل الظاهر منه أيضًا
следующие страницы →