← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 543–582 · переход к 548.

стр. 543

وكلام الشيخ قُدِّس سرُّه مبني على اختلافهم في حكم الماء المستعمل، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"، والجملة: أن فيه عن الإمام أبي حنيفة ثلاث روايات. الأولى: طاهر لا طهور، وهو رواية محمد عنه، وهو قوله وقول الشافعي في الجديد، وظاهر مذهب أحمد كما في "المغني" (١)، وإحدى الروايتين عن مالك، وهو المفتى به عند الحنفية. والثانية: نجس نجاسة خفيفة، وهي رواية أبي يوسف عنه. والثالثة: نجس نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن عنه، وعن أحمد: أنه طاهر ومطهر، وبه قال أهل الظاهر، ورواية عن مالك والشافعي، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع". وفي هامشي على "البذل" (٢) عن ابن رسلان أن مذهب مالك أنه طاهر ومطهر، وفي "المنهل": قال مالك: إنه طاهر مطهر. وحكى مولانا حسين علي اللاهوري في تقريره عن شيخه الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: المذهب عندنا أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، أما الطهارة فللحديثين الآتيين، وأما عدم طهوريته فمما يعلم من عدم أمره ﷺ أن يتوضأ بالوضوء الذي وضئ به مع عدم الماء في حالات السفر، وأما الماء المستعمل القليل إذا اختلط بالماء الآخر فيتوضأ لطهارته ومغلوبيته، وعليه يدل أمر جرير أهله، انتهى. (باب) بلا ترجمة، وهذا معلوم أن الباب بلا ترجمة كالفصل من الباب السابق كما تقدم في الجزء الأول في الأصل العشرين من أصول التراجم.

стр. 544

وفي هامش "اللامع" (١): أن حديث السائب هذا ذكر عليه في رواية المستملي فقط لفظ الباب، ولم يذكره الباقون، وإن لم يكن هناك باب فلا إشكال، وإن كان هناك باب فالأوجه عندي كما تقدم في الباب السابق أن فضل الماء يتناول النوعين: المتساقط من الأعضاء وهو الماء المستعمل، والباقي في الظرف، فالإمام البخاري أشار بالباب الأول إلى النوع الأول من الفضل، وبهذا الباب إلى النوع الثاني، يعني: إلى الباقي في الإناء، وأجاد المصنف عندي بذكر "باب المضمضة. . ." إلخ، فإنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته، ولذا ذكره بعد هذا عندي، انتهى ما في هامش "اللامع". وفي تقرير مولانا حسين علي: أورد هذا الباب؛ لأن قوله: "شربت من وضوئه" يحتمل أن يكون المراد به الباقي بعد الوضوء، فيكون هذا الباب مغايرًا بالباب السابق، وأن يكون المراد المستعمل فيكون موافقًا للسابق، لكن فيه فائدة أخرى، وهي بيان الخاتم، انتهى. قوله: (ذهبت بي خالتي) قال الحافظ في المناقب (٢): لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها علبة بنت شريح أخت مخرمة بن شريح، انتهى. تنبيه: هذا الباب ذكره شيخ الهند في الجدول الرابع، ورقم عليه نقطتين، وقد تقدم أنه إشارة إلى أنه حذف الترجمة لكون الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق. (٤١ - باب من مضمض. . .) إلخ أجاد المصنف عندي بذكر هذا الباب ههنا؛ لأنه أدل على جواز استعمال الماء المستعمل الذي أراد المصنف إثباته؛ لأن الاستنشاق يكون بفضل المضمضة، ولذا ذكره ههنا عندي، وتبويبه بلفظ: "من قال كذا"

стр. 545

إشارة إلى أن المصنف لم يجزم بذلك كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم. والمسألة خلافية معروفة بسطت في المطولات، وللشافعي، فيه خمسة أوجه: منها: كونهما بست غرفات، حكاه الترمذي عن الإمام الشافعي، وهو السُّنَّة عندنا الحنفية، وهو مسلك المالكية كما في "الأوجز" (١)، واختلفت الروايات عن الحنابلة كما حكاها العيني في "شرح البخاري" (٢)، وظاهر كلام الموفق (٣) أن المرجح عند الإمام أحمد كونهما بغرفة واحدة. (٤٢ - باب مسح الرأس مرة) والغرض من الترجمة عندي: الإشارة إلى الرد على الشافعية حيث قالوا بتثليث المسح خلافًا للجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إذ قالوا بتوحيد المسح، وخلافًا لابن سيرين إذ قال بالمسح مرتين: مرة للفرض ومرة للسُّنَّة، كذا في هامشي على "البذل"، وبسط الشيخ الكلام على الدلائل في "البذل" (٤)، وفيه: قال الحافظ (٥): ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح؛ لأنها مسحات مستقلة بجميع الرأس جمعًا بين الأدلة. والأوجه عند هذا العبد الضعيف في توجيه روايات التثليث ما في "أبي داود" (٦) من حديث الربيع بنت معوذ، ولفظه: "فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته"، ولا يبعد عندي أن المؤلف ﵀ أشار بالترجمة أيضًا إلى طهارة الماء المستعمل، فإنه إذا بدأ المسح ثم أمر اليدين يكون الباقي على الكف من البلل ماءً مستعملًا.

стр. 546

(٤٣ - باب وضوء الرجل مع امرأته) هذا الجزء من الترجمة كالشرح للأحاديث الواردة في وضوء الرجال والنساء معًا بأن المراد بالنساء نساؤهم لا مطلقًا، فلا حاجة لحملها على ما قبل الحجاب ونحو ذلك من التأويلات. وقوله: (وفضل وضوء المرأة)، قال العيني (١): بالجر عطفًا على قوله: وضوء الرجل، انتهى. إشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، فقد قال النووي (٢): أما تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين، وكذا تطهر المرأة بفضل الرجل جائز إجماعًا، وأما تطهر الرجل بفضلها فذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى جوازه سواء خلت به أو لم تخل، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، كذا في هامش "اللامع" (٣)، وما حكي من الخلاف في المسألتين اللتين حكى النووي فيهما الإجماع فشاذ. قوله: (وتوضأ عمر بالحميم. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): والظاهر أن أهله وامرأته كانت تتوضأ بفضله أو معه فناسب الباب، انتهى. وتعقبه العيني (٥) أشد التعقب بقوله: أين الظهور؟ وكذا أنكر القسطلاني (٦) مناسبة هذين الأثرين، وقال: في رواية ابن عساكر حذف الأثران وهو أولى. وفي "اللامع" (٧): ودلالته على الترجمة؛ لأن عمر لما لم يسأل أنها هل مسته بإلقاء اليد فيه كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم في الماء على النار، يرون بذلك مقدار حرارته، فلما لم يستفسره عمر علم أن

стр. 547

الحكم لا يتفاوت دون ذلك، وكذلك الكلام في وضوئه من بيت النصرانية فإنه لم يسأل هل مسته أم لا؟ وهل ألقت يدها فيه أم لا؟ فعلم أنه لا تفاوت فيهما، انتهى. قال الحافظ (١): ومن عادة البخاري التمسك بنحو ذلك عند عدم الاستفصال، انتهى. وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كما هو العادة في أن الناس يلقون أصابعهم. . . إلخ، هو أصل معروف من أصول التراجم للبخاري، وهو الأصل التاسع والأربعون، وما أفاده الحافظ من عدم الاستفصال، وقال: ومن عادة البخاري. . . إلخ، وهو أصل مستقل مزيد على الأصول السبعين المذكورة في الجزء الأول، فهو الأصل الحادي والسبعون. ثم لا يذهب عليك أن نسخ البخاري مختلفة في ذكر الواو على لفظ: "من بيت النصرانية"، وكلام الشيخ المذكور قبل مبني على وجوده، ولذا ذكر في كلامه مسألتين مختلفتين، وهو المرجح عند الحافظ والبسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: قال القسطلاني (٢): لا خلاف في استعمال سؤر النصرانية؛ لأنه طاهر، خلافًا لأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، واختلف قول مالك في الكراهة وعدمه، انتهى. (٤٤ - باب صب الوضوء على المغمى عليه) يحتمل أن يكون المراد بعض الماء الذي توضأ به أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في "الاعتصام": "ثم صب وضوءه عليّ" (٣)، كذا في "الفتح" (٤). والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المراد الباقي في الإناء، وما ذكر الحافظ من حديث الاعتصام لا يؤيد مختاره، بل الظاهر منه أيضًا

стр. 548

ما اخترت، ولا يظهر لمختار الحافظ غرض خاص للترجمة؛ لأن مسألة طهارة المستعمل تقدمت في الباب السابق، فالأوجه عندي في غرض الترجمة أنه أشار إلى فضل ماء الوضوء الباقي في الإناء، فإنه أثر في إفاقة المغمى عليه، ولذا قالت العلماء بجواز شربه قائمًا واستثنائه من كراهة الشرب قائمًا. قوله: (إنما يرثني كلالة) وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: اللفظ مشترك بين المورث الذي ليس له ولد ولا والد، وبين الوارث الذي لا والد له ولا ولد، وبسط الأقوال في تفسير الكلالة في التفسير من هامش "اللامع" (١). (٤٥ - باب الغسل والوضوء في المخضب. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وكلمة "في" دالة على كونها ظروفًا لفعله سواء كان بجلوسه فيه كما فعله النبي ﷺ ، أو بحيث يقطر غسالته، فإن ذلك نوع من الوضوء فيه، فإنك إذا توضأت في حوض بحيث يقطر الغسالة فيه، فإنك تقول حينئذ: توضأت في الحوض، وأما الوضوء من المخضب والقدح فإنه لا يصدق إلا إذا كنت تأخذ الماء منه ثم تغسل العضو بحيث لا يعود إلى الظرف ثانيًا، وذلك لما في كلمة "من" من معنى الابتداء، وعلى هذا فلا تكرار في الترجمة كما يتوهم، فافهم واغتنم، ولكنه مفتقر إلى مزيد تدبر لما أن بعض ألفاظ الروايات آبٍ عن ذلك. وفي هامشه: قال الحافظ (٣): المخضب بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد: المشهور أنه الإناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على الإناء صغيرًا أو كبيرًا، والقدح أكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فمه، وعطف الخشب على الحجارة ليس من عطف العام على الخاص بل بينهما عموم وخصوص من وجه، انتهى.

стр. 549

وفي "الكرماني" (١): قال ابن بطال: فائدة هذا الباب أن الأواني كلها من جواهر الأرض، ونباتها طاهرة إذا لم يكن فيها نجاسة، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع". وما أفاده الشيخ من قوله: فلا تكرار في الترجمة، أوضحه في هامش "اللامع" إذ فيه: لله درُّ الشيخ ما أجاد في دفع توهم التكرار في هذه الترجمة [والترجمة] الآتية من قوله: "باب الوضوء من التور"؛ لأن غرض الباب الأول لما كان بيان طهارة الأواني لم تبق فاقة إلى ذكر الباب الآتي، ويقوي الإشكال ما قال العيني (٢) في الباب الأول: وقد وقع في بعض النسخ بعد قوله: والحجارة "والتور" بفتح المثناة الفوقية، قال الجوهري: هو إناء يشرب فيه، زاد المطرزي: صغير، وفي تقرير المكي: قوله - أي: في الحديث -: تور من صفر، فيه تجريد، فإن التور يكون من الحجارة، انتهى. قلت: فإذا كان ذكر التور في الباب الأول أيضًا فلا يمكن التوقي عن التكرار إلا بما أفاده الشيخ، وعلى هذا فيندفع الإشكال الآخر عندي أيضًا، وهو ذكر حديث أنس في البابين معًا، فيؤول بأن ذكره في الباب الأول باعتبار إدخاله ﷺ يده الشريفة فيه، وذكره في الباب الثاني باعتبار توضؤ الصحابة ﵃ أجمعين، فتأمل وتشكر، ولا يشكل عليه أن مجرد إدخال اليد في القدح لا يطلق عليه الوضوء في القدح؛ لأن الإمام البخاري لم يفرق بين الاستعمال لأجل القربة وغيرها كما تقدم قريبًا في كلام الشيخ في "باب استعمال وضوء الناس" ولذلك ذكر حديث أبي موسى في الباب المذكور وفي هذا الباب الذي نحن بصدده، وهذا واضح، وعلى هذا فلا يشكل بذكر حديث أبي موسى في البابين، ويدفع به ما قال القسطلاني تبعًا للكرماني أن حديث أبي موسى المذكور في الباب لا مناسبة له

стр. 550

بالترجمة، وكذا ما قال السندي (١). أما حديث أبي موسى فلم يكن هناك وضوء أصلًا بل هو استعمال في أعضاء الوضوء لا على وجه التوضؤ، انتهى. قوله: (عن أبي موسى) قال القسطلاني تبعًا للكرماني: لا مناسبة له بالباب، وسكت الحافظ، ولم يجد العيني مخلصًا إلا بقوله: ومناسبته ظاهرة، وتقدم الكلام على هذه الرواية إجمالًا في كلام "اللامع" وهامشي في ذيل ترجمة الباب. قوله: (عبد الله بن زيد. . .) إلخ، مناسبته ظاهرة لما تقدم قريبًا في "باب غسل الرجلين إلى الكعبين" بلفظ: "فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ ، فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور فمضمض" الحديث، وتقدم أيضًا قريبًا في "باب مسح الرأس مرة". (٤٦ - باب الوضوء من التور) بفتح المثناة: شبه الطست، وقيل: هو الطست، وفي حديث المعراج: "أتي بطست من ذهب فيه تور من ماء" (٢) وهو يقتضي المغايرة، ويحتمل الترادف، فإن الطست أكبر من التور، كذا في "الفتح" (٣). وتقدم الفرق بين هذه الترجمة والسابقة في الباب السابق، وقد يقال: إنه ترجم بهذا الباب لمزيد الاهتمام؛ لأنه ورد في بعض طرق حديث الباب أن التور كان من صفر كما تقدم في الباب السابق، وقد روي عن ابن عمر أنه كره الصفر في الوضوء والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، فكأن المصنف أشار إلى الرد عليه، والله أعلم.

стр. 551

قوله: (بقدح رحراح) بمهملات الأولى مفتوحة بعدها ساكنة، أي: متسع الفم، قال الخطابي: الرحراح الإناء الواسع الصحن القريب القعر. قلت: وهذه الصفة شبيهة بالطست، وبهذا يظهر مناسبة هذا الحديث بالترجمة، قاله الحافظ (١). (٤٧ - باب الوضوء بالمد) قال الحافظ في آخر الباب السابق (٢): واستدل الشافعي بهذا الحديث على رد قول من قال من أصحاب الرأي: إن الوضوء مقدر بقدر من الماء معين، ووجه الدلالة أن الصحابة اغترفوا من ذلك القدح من غير تقدير؛ لأن الماء النابع لم يكن قدره معلومًا لهم فدل على عدم التقدير، وبهذا يظهر مناسبة تعقيب المصنف هذا الحديث بباب الوضوء بالمد، انتهى. ولم أتحصل بعد ما أفاده الحافظ؛ لأن ما حكى من مسلك أصحاب الرأي أن الوضوء مقدر بقدر معين من الماء ليس بصحيح، ففي "الأوجز" (٣): قال القاري: ثم الإجماع على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الوضوء والغسل، ولكن يسن أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد، وماء الغسل عن صاع تقريبًا، انتهى. وعده صاحب "الدر المختار" (٤) من سنن الغسل، نقل ابن عابدين عن "الحلية": نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بمقدار، وما في ظاهر الرواية: من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد للحديث المتفق عليه، ليس بلازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في "البحر": حتى [إن من] أسبغ بدون ذلك أجزأه، انتهى.

стр. 552

قلت: وكذلك في غيرها من كتب الحنفية، فنسبة الخلاف فيه إلى الحنفية لا يصح، وفي "الأوجز" أيضًا أن الباجي حكى الاختلاف عن الشيخ أبي إسحاق دون أبي حنيفة وهو الصواب، فإن مقدار الماء عندنا من السنن كما تقدم. ثم لا يذهب عليك أن مؤدى الأحاديث الواردة في هذا المعنى كلها عند الجمهور بيان مقدار الماء، لكن في "الأوجز" (١): قال الباجي: قولها: "كان يغتسل من إناء" يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يغتسل من هذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء. والثاني: أنه يستعمله في غسله ملء ذلك الإناء فتقصد به الإخبار عن مقدار الماء. قلت: فيكون الحديث على الاحتمال الأول من بيان ظروف الوضوء والغسل لا من باب مقدار الماء لهما، لكن لفظ أبي عبيد في "كتاب الأموال" برواية صفية عن عائشة بلفظ: "يتوضأ بقدر الماء ويغتسل بقدر الصاع" يؤيد المعنى الثاني، وكذلك لفظ مجاهد [عن عائشة قالت: والله] إن كنت لأغتسل أنا ورسول الله ﷺ من الجنابة بصاع من ماء جميعًا، انتهى ما في "الأوجز". وفيه أيضًا عن ابن العربي أنه [قال:] إذا قلنا: إنه يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فمعناه بالصاع كيلًا لا وزنًا؛ لأن كيل المد والصاع بالماء أضعافه بالوزن، فتفطن لهذه الدقيقة، انتهى. واختلاف العلماء في مقدار المد أنه رطلان أو رطل وثلث، معروف، بعد إجماعهم أن الصاع أربعة أمداد، فالمد عند الإمام الأعظم رطلان، وعند صاحبيه وبه قال الأئمة الثلاثة: رطل وثلث، وبسط الكلام على الدلائل في "البذل" (٢) و"الأوجز".

стр. 553

(٤٨ - باب المسح على الخفين) قال القاري (١): أخّره عن الوضوء تأخير النائب عن المناب، والمسح هو إصابة اليد المبتلة بالعضو، وشرط مسح الخف ثلاثة أمور: كونه ساتر القدم مع الكعب، وكونه مشغولًا بالرجل ليمنع سراية الحدث، وكونه مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخًا فأكثر، وعن ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنهم إنكاره روي إثباته، وصرَّح جمع من الحفاظ بأن أحاديثه متواترة المعنى، وسئل أنس بن مالك عن علامات أهل السُّنَّة فقال: أن تحب الشيخين، ولا تطعن الختنين، وتمسح على الخفين، وروي عن الإمام أبي حنيفة في شرائط أهل السُّنَّة أنه قال: أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وتمسح على الخفين، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكره إلا مالكًا في رواية، أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرَّحة بإثباته، و"موطؤه" يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليها جميع أصحابه، انتهى. وأثبت الباجي رجوع الإمام إلى المسح في السفر والحضر، واتفقت الأمة كلها على جوازه إلا شرذمة من المبتدعة كالخوارج والشيعة إلى آخر ما في "الأوجز" (٢) وفيه: قيل: إنه من خصائص هذه الأمة، انتهى. قوله: (سأل عمرَ عن ذلك) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ولعله لم يعتمد على قول سعد، أو قصد مزيد اطمئنان، انتهى. وقد ورد في الروايات أن سعدًا أمره بذلك، ففي "الموطأ" لمالك (٤): أن ابن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمر عن ذلك حتى قدم

стр. 554

سعد فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، الحديث، إلى آخر ما في هامش "اللامع"، وفيه: يشكل على هذه الروايات كلها ما روي عن ابن عمر من روايات المسح على الخفين مرفوعًا، وبسط في الجواب عنه في "الأوجز"، وحاصله: ترجيح رواية البخاري، أو يقال: إن رواية الرفع من مراسيل ابن عمر، ومراسيل الصحابة معروفة معتبرة، انتهى. وأما ما رواه الطبراني في "معجمه الصغير" (١): عن أبي سلمة عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص ﵄ قالا: رأينا رسول الله ﷺ يمسح على الخفين، فإنه هان كان صريحًا في الرفع ورؤية ابن عمر المسح دافعًا لاحتمال الإرسال، إلا أنها رواية منكرة مخالفة لرواية الثقات، قال الميموني: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح، ابن عمر ينكر على سعد المسح، انتهى. أي: فكيف يصح قوله: رأينا، فإنه لو رآه لما أنكر على سعد، وقال الحافظ (٢): ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما أنكر المسح على الخفين في الحضر لا في السفر، انتهى. قلت: ولكن يشكل عليه ما رواه الطبراني في "الكبير" عن حميد الرؤاسي عن الحسن العصاب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: "للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن"، قال الهيثمي (٣): رواه القطيعي من زياداته على "مسند أحمد"، وأبو يعلى والبزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، ورجال البزار وأبي يعلى ثقات، وهذا الحديث لا يرد على ما اخترت من أنه يحتمل أن يكون سمعه من غيره، والله تعالى أعلم. قوله: (يمسح على عمامته) وبسط الكلام عليه في "الأوجز" (٤)، وفيه:

стр. 555

قال الجمهور منهم الأئمة الثلاثة: إن مسح العمامة لا يجزئ حتى يمسح الشعر بالماء، وأباحه لبعض الآثار الإمام أحمد وداود وغيرهما، مع الخلاف بينهم في التوقيت والشرائط، وقال الإمام محمد في "موطئه" (١): بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، ولم يتعرض له الشيخ في "اللامع" ههنا؛ لأنه قد أجمل الكلام على ذلك في "الكوكب" و"الدر المنضود على سنن أبي داود" (٢). (٤٩ - باب إذا أدخل رجليه. . .) إلخ قال شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): أي: "باب شرط المسح على الخفين أن يكون إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان". وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "أدخلتهما طاهرتين" فعلم أن اللبس طاهرًا عن الحدث كاف في جواز المسح، ولا يشترط لجواز المسح كمال الطهارة وقت اللبس، انتهى. وفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى جزئية خلافية بين العلماء، وهي أن رجلًا مثلًا عكس الترتيب، فغسل رجليه أولًا ولبسهما ثم أتم الوضوء، فقال: الأئمة الثلاث: إنه لا يجوز له المسح، وقالت الحنفية: يجوز له المسح، انتهى مختصرًا. قلت: وظاهر تبويب الإمام البخاري يوافق الحنفية كما ترى. (٥٠ - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. . .) إلخ قال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٥): الحديث الذي أخرجه المؤلف في هذا الباب لا يدل إلا على عدم التوضؤ بعد أكل لحم الشاة، ولم يعقد

стр. 556

الباب لأجل هذا الحديث بباب عدم التوضؤ مما مسته النار كما فعله مالك وغيره من المحدِّثين؛ لأنه لا يدخل فيه عدم التوضؤ بعد أكل لحم الإبل، والحديث لا يدل على ذلك، بل الثابت بالحديث الآخر عن جابر أن النبي ﷺ أمر بالوضوء، بعد أكل لحوم الإبل، والحكمة في إبقاء لزوم التوضؤ بعد أكل لحم الإبل زمانًا، ثم نسخه أن أهل المدينة كانوا قد أخذوا من اليهود حرمة الإبل وكانوا عليها وكانت طبائعهم اعتادت بها، فأمر رسول الله بأكل لحومها وأبقى حكم الوضوء بعد أكلها إلى زمان استئناسًا بهم ودفعًا للوحشة عنهم حتى يقبلوا الأحكام بالتدريج، انتهى. قال الحافظ (١): ليس في حديث الباب ذكر السويق إلا أنه من باب الأولى؛ لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته فعدمه من السويق أولى ولعله أشار بذلك إلى حديث الباب الذي بعده، انتهى. والظاهر عندي: أن الباب الآتي جزء من هذا، فلا يشكل بذكر الكتف فيه كما سيأتي. ثم ههنا مسألتان خلافيتان شهيرتان: الأولى: مسألة الوضوء مما مست النار، وكان الخلاف فيها في السلف من الصحابة والتابعين معروفًا، ثم استقر الإجماع على أن لا وضوء مما مست النار، والخلاف فيه شاذ. والمسألة الثانية: الوضوء من لحم الإبل، قال أحمد: بالوضوء منه خلافًا للأئمة الثلاث. قال الحافظ: نص المصنف على لحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما دونها بالأولى، وأما ما فوقها فلعله يشير إلى استثناء لحوم الإبل؛ لأن من خصه من عموم الجواز علَّله بشدة دسومته، فلهذا لم يقيِّده بكونه مطبوخًا، وهو قول أحمد، انتهى مختصرًا.

стр. 557

(٥١ - باب من مضمض من السويق. . .) إلخ قال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): هذا الباب من قبيل الباب في الباب؛ لأنه يشتمل على ما عقد له الباب السابق مع فائدة أخرى، وههنا كذلك؛ لأنه ثبت بهذا الباب عدم التوضؤ من أكل السويق الذي عقد له الباب السابق، واستحباب المضمضة الذي علم منه فائدة أخرى، وهو حمل الوضوء الوارد في السويق وسائر ما مست النار على غسل الفم واليدين، فاحفظ هذا التقرير فإنه ينفعك في مواضع من البخاري، وأكثر الشرَّاح في أمثال هذا المقام قد خبطوا كثيرًا، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "فمضمض ومضمضنا" وقد مرَّ غير مرة ما يدلك على أن زيادة الباب ههنا لتضمن الرواية مسألةً مستقلةً، فلا ينافي ذكر لحم كتف الشاة في هذا الباب تناسب الأبواب لأنه متعلق بالترجمة السابقة، انتهى. وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن هذا الباب من قبيل باب في باب، وهذا الأصل معروف مطرد في أصول التراجم كما تقدم في الأصل السادس، وعلى هذا يندفع ما يشكل على الباب السابق أنه ﵁ ترجم بالسويق ولم يأت له بحديث، ويندفع أيضًا ما يشكل من ذكر حديث ميمونة في هذا الباب وليس فيه ذكر السويق، وبذلك جزم شيخ المشايخ في "التراجم" كما تقدم. وقال السندي (٣): باب من مضمض من سويق، أي: وغيره كاللحم، وأشار بالاكتفاء على ذكر السويق إلى أن حكم اللحم ونحوه من المأكولات في المضمضة يعلم من حكم السويق بالأولى، ولذلك ذكر حديث اللحم في

стр. 558

الباب تنبيهًا على أن المضمضة وإن ترك ذكرها في حديث اللحم لكنها معتبرة حكمًا بدلالة حكم السويق بالأولى، انتهى. وقال الحافظ (١): وليس في حديث ميمونة ذكر المضمضة التي ترجم بها، فقيل: أشار بذلك إلى أنها غير واجبة بدليل تركها في هذا الحديث، مع أن المأكول دسم يحتاج إلى المضمضة منه، فتركها لبيان الجواز. وأفاد الكرماني: أن في نسخة الفربري التي بخطه تقديم حديث ميمونة هذا إلى الباب الذي قبله، فعلى هذا هو من تصرف النساخ، انتهى. (٥٢ - باب هل يمضمض من اللبن) لعل الإمام البخاري أشار بلفظ "هل" إلى ما رواه أبو داود (٢)، بإسناد حسن عن أنس "أنه ﵊ شرب لبنًا فلم يمضمض"، أو يقال: إن المصنف أشار بلفظ "هل" إلى أن قوله ﵊: "إن له دسومة" يشير إلى أن المضمضة للدسومة لا لمجرد شرب اللبن، فإن شرب أحد لبنًا ليس فيه دسومة كما هو المعروف في هذا الزمان من اللبن الذي يقال له "سبريتا" لا يمضمض منه، وهو اللبن الذي أخرج منه الزبد، وقد تقدم البسط في الأصل الثاني والثلاثين من الأصول المتقدمة على الأبواب المترجمة بلفظ: "هل". قوله: (وقتيبة) قال الحافظ (٣): هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الستة (٤) غير ابن ماجه عن شيخ واحد وهو قتيبة، وقد أخرج ابن ماجه (٥) هذا الحديث بلفظ الأمر "مضمضوا من اللبن"، والدليل على أن

стр. 559

الأمر للاستحباب حديث أنس بإسناد حسن عند أبي داود "أنه ﵊ شرب لبنًا فلم يتمضمض"، وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يقل أحد بالوجوب حتى يقال بالنسخ، انتهى. قلت: والشرَّاح عامة نقلوا استحباب المضمضة من اللبن، ونقلوا عليه الإجماع، وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن في المسألة ثلاثة مذاهب للسلف كما بسطت في هامش "الكوكب": الأول: الوجوب، كما قال به بعض السلف مستدلين بأحاديث الأمر، وروي عن أبي سعيد: لا وضوء إلا من اللبن؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم، وعن أبي هريرة نحوه. والثاني: الاستحباب، وهو مذهب الجمهور. والثالث: ترك الاستحباب، وإليه أشار ابن أبي شيبة (١) في تبويبه بلفظ: "من كان لا يتوضأ ولا يمضمض"، وأخرج فيه عن طلحة [قال:] سألت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن قال: من شراب سائغ للشاربين، انتهى ما في هامش "الكوكب" (٢) مختصرًا. (٥٣ - باب الوضوء من النوم. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): ودلالة الروايتين على هذا المعنى واضحة، وذلك أنه لمَّا لم يعلم بما يخرج من فيه وقت النعسة فأولى أن لا يعلم بالخارج من إسته إذا نام ورقد، فإن الغفلة في النوم أزيد منها في النعسة، انتهى. وفي هامشه: ظاهر السياق أن الإمام البخاري ترجم بمسألتين:

стр. 560

أولاهما: إثبات الوضوء بالنوم، والثانية: عدم الوضوء بالنعسة، والرواية بظاهرها لا تدل على واحدة منهما، وظاهر كلام الشيخ أنه جعل الترجمة مسألة واحدة وهي الأولى، وإثباتها بما قرره ظاهر، وهو عدم الإدراك بخروج الريح، وهو الموجب للوضوء في النوم. وظاهر كلام شيخ المشايخ في "التراجم" (١) أنه أيضًا جعل الترجمة مسألة واحدة لكنها هي الثانية إذ قال: استدل المؤلف بظاهر الحديث فإنه ﷺ لما علل قوله: "فليرقد" بقوله: "فإن أحدكم. . ." إلخ، مع قرب التعليلات لصيرورته محدثًا إلى الذهن، علم أن الحدث لا يتحقق بالنعسة، وإلا لما ترك التعليل الذي هو أقرب ذاهبًا إلى ما علل به، وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة فاحفظ فإنه ينفعك، انتهى. وهذا هو الأصل السادس والثلاثون من أصول التراجم. وحكى الكرماني (٢) عن ابن بطال في إثبات الترجمة أنه لما أوجب ﵊ قطع الصلاة لغلبة النوم دلّ أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو، ولا وضوء فيه. قال الكرماني: وأقول: سمَّاه النبي ﷺ مصليًا حالة النعاس، فعلم أن النعاس ليس بحدث، وقال: ذكر ﷺ العلة الموجبة للقطع أن يخلط الاستغفار بالسب، فصار بمنزلة من لا يعلم ما يقول من سكر الخمر الذي نهي عن مقاربة الصلاة فيها، ومن كان كذلك لا تجوز صلاته، انتهى مختصرًا. قال الحافظ (٣): وحمله المهلب على ظاهره فقال: إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفي عنه، انتهى.

стр. 561

وعلى هذا يثبت الجزءان من الترجمة، وأثبتهما السندي (١) أيضًا لكن بطريق آخر قريب مما أفاده شيخ المشايخ إذ قال: كأن المصنف استدل بالحديث على أن النعاس لا ينقض الوضوء، إذ لو كان ناقضًا لما منع الشارع عن الصلاة خشية السب، بل وجب أن يذكر أنه لا تصح صلاته مع النعاس لانتقاض الوضوء، فإذا لم ينتقض به تعين أن يكون الانتقاض بالنوم إذ لا مساغ للقول بعدم الانتقاض أصلًا، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى قوله: الوضوء من النوم، ولم يورد لهذا حديثًا لشهرته فاكتفى فيه بالشهرة، وجاز أن يكون المراد باب حكم الوضوء من النوم، أي: نوم المصلي، ونوم المصلي؛ كالنعاس في عدم استرخاء المفاصل، فلما لم يكن النعاس ناقضًا كما ثبت بالحديث لم يكن نوم المصلي أيضًا ناقضًا بالقياس عليه، انتهى، وهو دقيق جدًا، وعلى هذا يكون الترجمة جزءًا واحدًا، وهو نوم المصلي خاصة، ويكون ذكر النعسة كالدليل له، ويكون رأي الإمام البخاري موافقًا لما يأتي من مذهب الحنفية أن النوم على هيئة الصلاة ليس بناقض. ثم قال الحافظ (٢): ظاهر كلام البخاري أن النعاس يسمى نومًا، والمشهور التفرقة بينهما، وأن من قرَّت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس، وإن زاد على ذلك فهو نائم. قوله: (أو الخفقة) بفتح المعجمة وإسكان الفاء، قال ابن التين: هي النعسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ كذا قال، والظاهر أنه من الخاص بعد العام، قال أهل اللغة: خفق رأسه إذا حركها وهو ناعس، انتهى. ولذا قال شيخ الإسلام في شرحه: الخفقة: منتهى النعاس، انتهى ما في هامش "اللامع". وبسط فيه بعد ذلك اختلاف الأئمة في نقض النوم.

стр. 562

(٥٤ - باب الوضوء من غير حدث) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): إنه يستحب ولا يجب، فدلَّت أولى الروايتين على جزئين، والثانية على ثانيهما، انتهى. يعني: ثبت ندب التجديد بفعله ﵊، وجواز عدمه بتقريره ﵇. والظاهر عندي: أن المصنف أراد بذلك الرد على من قال بإيجاب الوضوء لكل صلاة. قال الحافظ (٢) بعد ما حكى عن الجمهور نسخ الوجوب لكل صلاة: وذهب إلى استمرار الوجوب قوم كما جزم به الطحاوي، ونقله ابن عبد البر عن عكرمة وابن سيرين وغيرهما، واستبعده النووي وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنه، وجزم بأن الإجماع استقر على عدم الوجوب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع". (٥٥ - باب من الكبائر. . .) إلخ لعل غرض المصنف التنبيه على أن عدم الاستتار من الكبائر ردًا على من قال كابن بطال: إن العذاب قد يكون على الصغائر أيضًا كما ذكر قوله الحافظ (٣) وذكر مستدله والتعقب عليه. قوله: (عن مجاهد عن ابن عباس. . .) إلخ، وهذا الحديث من منتقدات الدارقطني، قال القسطلاني (٤): وانتقد الدارقطني على المؤلف إسقاط طاوس من السند الأول، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه المنصور عن مجاهد عن ابن عباس، وحديث الأعمش أصح، يعني: المتضمن للزيادة. قال الحافظ: إخراج البخاري الحديث على الطريقين يقتضي صحتهما

стр. 563

عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، انتهى. (٥٦ - باب ما جاء في غسل البول) قال ابن بطال: أراد المصنف أن المراد في الحديث من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا حجة فيه لمن استدل به على العموم، وكأنه أراد الرد على الخطابي إذ قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية البول مخصوص ببوله لرواية أخرى، كذا في "الفتح" (١). وأفاد شيخ المشايخ في "التراجم" (٢): أن مذهب البخاري في ذلك مثل الشافعي من نجاسة بول الإنسان دون ما يؤكل لحمه، انتهى. قلت: ليس هذا مذهب الشافعي بل هو وجه لبعض الشافعية، نعم هو مذهب مالك ورواية لأحمد، وأخرى له: نجس، وهو مذهب الشافعية والحنفية، وفي "النور الساري": ولم يذكر سوى بول الناس، هذا من فقه المصنف لما أن فيه ضميرًا يرجع إلى صاحب القبر، وغرضه منه التنبيه على أن بول الناس لا بد أن يغسل، وليس الكلام في الأبوال الباقية وإن فيها اختلافًا كثيرًا، انتهى. قوله: (إذا تبرز لحاجته. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): التبرز وإن كان في متفاهم العرف يحمل على الغائط لكن الصحابي لما حكى فعله وهو الذهاب إلى الفضاء، والذهاب إليه قد يكون للبول أيضًا فبالنظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغسل من البول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلف، انتهى.

стр. 564

قلت: هذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذه التراجم، ويمكن عندي أن يقال: إن البول لازم للبراز عادة، وفيه قصة معروفة لأستاذ الأساتذة ملا جيون مؤلف "نور الأنوار". (باب) بلا ترجمة، وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": ليس هذا الباب في كثير من النسخ، والصحيح عدمه. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولعل زاد لفظ الباب ههنا نظرًا إلى إطلاق البول ههنا فيعم كل بول، وتقييده بالإنسان في الأول، ثم لا يتوهم أن النهي إنما هو مختص ببول نفسه فلا ضير في بول غيره ولو إنسانًا؛ لأن الحكم في مثل هذا لا يتفاوت بين رجل رجل، انتهى. وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ: أنه لما كان في بعض طرق الحديث لفظ البول مطلقًا بدون التقييد ببوله نبَّه عليه بلفظ الباب إشارةً إلى مستدل من قال بالتحرز عن الأبواب كلها، وكذا حكى مولانا حسين على في تقريره إذ قال: ولعله أدخل لفظ الباب إشارةً إلى أنه ذكر في هذا الحديث لفظ البول بلا ضمير نفسه، انتهى. وبسط في هامش "اللامع" أقوال الشرَّاح مبسوطًا، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أن الشراح والمشايخ كلهم اختلفوا في توجيه الغرض في هذا الباب على أقوال عديدة: منها: رأي شيخ المشايخ أن الباب ههنا لا يصح. ومنها: رأي القطب الكَنكَوهي أنه للتنبيه على عموم البول. ومنها: رأي شيخ الهند أنه للتنبيه على كون البول موجبًا لعذاب القبر.

стр. 565

قلت: ولذا رقم الشيخ عليه في الجدول الرابع في آخر تراجمه نقطة واحدة كما عرفت في الجزء الأول من هذه التراجم، وهو عنده علامة لتشحيذ الأذهان. ومنها: رأي الحافظ أنه للتنبيه على وجوب غسل ما انتشر من البول على المحل. ومنها: رأي العلامة العيني أنه للتنبيه على الاختلاف في السند. ومنها: رأي الكرماني أنه للتنبيه على وجوب غسل البول. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه للتنبيه على وجوب الاستنجاء، أي: الاستبراء والاستجمار للبول، إلى آخر ما في الهامش. (٥٧ - باب ترك النبي ﷺ -) لما كان أوامر النبي ﷺ بتنظيف المساجد وتطييبها وتطهيرها تقتضي أن تصان عن النجاسات، وإن وقعت منعت ما أمكن، ومقتضاها أن البائل يمنع عنه على الفور لئلا يكثر النجاسة، ترجم المصنف لحديث الباب تنبيهًا على أن المفسدة إذا تزيد بالمنع لا تمنع، فإن البول لا يمنع غالبًا بعد الشروع، ولو امتنع تضرر، وإن هرب بالزجر تفشو النجاسة على بقع المسجد. وفي "تراجم" (١) شيخ المشايخ: غرض الباب أنه إذا أقبل أمران متعارضان في كليهما مفسدة اختير أهونهما، وكان الأهون ههنا تركه حتى يفرغ؛ لأن تنجس المسجد أمر قد فرغ عنه، فلا يفيد النهي طائلًا إلا إضرارًا وإهلاكًا إياه، انتهى مختصرًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان التشديد في أمر البول يقتضي

стр. 566

أن يشدد في مثل ما فعله الأعرابي وضع بابًا للإشارة أن من المفاسد ما هي مختارة خوفًا من أكثر منها، ومن أشد منها، فلو قطعوا على الأعرابي بوله لربما أدَّى إلى تنجيس سائر المسجد وتنجيس ثياب نفسه، أو كان ذلك مورثًا له مرضًا، انتهى. (٥٨ - باب صب الماء على البول في المسجد) لعل المصنف أشار إلى مسألة خلافية، وهي أن الأرض تطهر بصب الماء كما عليه الجمهور، أو يشترط له الحفر أيضًا كما نقلوه عن الحنفية وإن لم يصح النقل عنهم، نعم هذا قول المروزي إذ قال: لا تطهر الأرض إلا بأن تحفر أو يجعل على ظاهرها تراب فتصير النجاسة باطنة، كما في "الأوجز" (١)، أو تطهر بالجفاف أيضًا كما هو مذهب الحنفية وأحد أقوال الثلاثة مع الحنفية، ولا يبعد أن يقال: إن الغرض دفع ما يتوهم من صب الماء الزيادة في تنجيس المسجد. وفي هامش "اللامع" (٢): لم يتعرض له الشيخ ههنا كدأبه في هذا التقرير أنه لا يتعرض غالبًا عما تقدم الكلام عليه، فإنه ﵀ قد قرر على ذلك في تقرير الترمذي المعروف "بالكوكب الدري" (٣)، ثم أجمل الكلام مرة ثانية في تقرير أبي داود المعروف "بالدر المنضود" ولفظه: قوله: "صبوا عليه سجلًا من ماء"، وذلك لإزالة النتن ودفع الوسواس وإن كانت تطهر باليبس أيضًا، ولأن الماء حين جرى ذهب بالنجاسة عن هذا الموضع فطهر للصلاة والتيمم، وباليبس لم تطهر إلا للصلاة غير التيمم، ولم يتعرض الشيخ أيضًا بباب بول الصبيان في "اللامع" لتقدم الكلام عليه في "الكوكب" (٤).

стр. 567

(باب يهريق الماء على البول) ليس هذا الباب في النسخ الهندية ولا في أكثر النسخ المصرية، بل هو موجود في نسخة القسطلاني (١)، وقال: سقط الباب والترجمة في رواية الأصيلي والهروي وابن عساكر، وقال السندي (٢): هذا الباب ساقط عند كثير وسقوطه هو الوجه، والله أعلم، انتهى. ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن الحكم لا يختص بالمسجد. قال الحافظ (٣): ويستدل به أيضًا على عدم اشتراط نضوب الماء؛ لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق، قال الموفق في "المغني" بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطهارة مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئًا، انتهى. وقال ابن عابدين (٤): ولو أريد تطهيرها - أي: الأرض - عاجلًا يصبّ عليها الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة، كذا في "شرح المنية" و"الفتح"، وفي "الهداية" (٥): ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية؛ لأنه هو المستخرج، انتهى. قلت: ولا يخفى أن حديث الباب ليس بوارد على الحنفية، بل هو مؤيد لهم؛ إذ قالوا بالطهارة إذا صب الماء بكثرة كما تقدم في كلام ابن عابدين، وأما اشتراط العصر وغيره فقال في "الدر المختار" (٦): وهذا كله، أي: الغسل والعصر ثلاثًا فيما ينعصر، وتثليث الجفاف في غيره إذا غسل في إجانة، أما لو غسل في غدير أو صبّ عليه ماءٌ كثير، أو جرى

стр. 568

عليه الماء طهر [مطلقًا] بلا شرط عصر وتجفيف وتكرار غمس هو المختار، انتهى بزيادة من ابن عابدين. (٥٩ - باب بول الصبيان) قال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): غرضه أن التطهير من بول الصبيان يحصل بإتباع الماء لنضحه ولا حاجة إلى الغسل كما هو مذهب الشافعي، انتهى. قال الحافظ (٢): وهل يلتحق به بول الصبايا أم لا؟ وفي الفرق أحاديث ليست على شرط المصنف، انتهى. قلت: الخلاف فيه مشهور، والأصح من الأقوال الثلاثة للشافعية التفريق، وبه قال أحمد، والثاني النضح فيهما، والثالث الغسل فيهما، وهما شاذان، وبالثالث قلنا ومالك، ولم يقل أحد من الأئمة الأربعة بطهارة البول خلافًا لداود الظاهري، ثم التفريق لعفونة بولها أو لسعة مخرجها، أو خفف في الصبي لكثرة حبه، والحرج يجلب التيسير، والعيني (٣): جعل الثالث أقوى. قوله: (بصبي) واختلف في اسم هذا الصبي، قال الحافظ (٤): والذي يظهر لي أنه ابن أم قيس، ويحتمل أنه الحسن أو الحسين لما ورد في الروايات من بولهما، وقال العيني (٥): وأظهر الأقوال عندي أنه عبد الله بن الزبير، انتهى. وقيل: سليمان بن هاشم أو ابن هشام، وهؤلاء كلهم بالوا في حجر النبي ﷺ ، وقد نظمهم بعضهم:

стр. 569

قد بال في حجر النبي أطفال … حسن حسين ابن الزبير بالوا وكذا سليمان بن هشام (١) … وابن أم قيس جاء في الختام انتهى ملخصًا من "الأوجز" (٢) (٦٠ - باب البول قائمًا وقاعدًا) كتب شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): أي: هو جائز، أثبت بالحديث الأولَ والثانيَ بالطريق الأولى، وهكذا قرره الشرَّاح. وعندي: أن غرض المؤلف من عقد الباب ليس إلا إثبات جواز البول قائمًا، فكأنه قال: يجوز البول قائمًا أيضًا، ولا ينحصر جوازه في القعود فقط. قلت: ما قالته الشرَّاح هو الأصل التاسع عشر المتقدم في الجزء الأول من أصول التراجم. وفي هامش "اللامع" (٤): قال ابن بطال وتبعه الكرماني: إن دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى. وقال الحافظ (٥): يحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي وغيره، فإنه فيه: "بال رسول الله ﷺ جالسًا فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة"، إلى آخر ما بسطه الحافظ. وهذا أيضًا أصل مطَّرد عند الحافظ كما تقدم في الأصل الثامن والثلاثين، من الأصول المتقدمة.

стр. 570

وتعقب العيني (١) على كلام ابن بطال والحافظ معًا ثم قال: والأحسن أن يقال: لم يذكر القعود لشهرته وعمل الناس عليه، أو إشارةً إلى أنه لم يجد على شرطه، انتهى. ولا يدخل في هذا الأصل التاسع والثلاثين؛ لأن جواز البول قاعدًا متفق عليه. والأوجه عندي: أن الإمام البخاري مال في ذلك إلى مسلك من أباحه مطلقًا؛ كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، ومذهب الحنابلة كما في "المغني" (٢): يستحب أن يبول قاعدًا لئلا يترشش، وفي "نيل المآرب" (٣): ولا يكره البول قائمًا ولو لغير حاجة بشرطين: الأول: أن يأمن تلويثًا، والثاني: أن يأمن ناظرًا، وقال عامة العلماء: إنه مكروه كراهة تنزيه إلا لعذر، وهو مذهب الحنفية، فلما كان مختلفًا فيه أثبت جوازه ولم يذكر للقعود دليلًا لكونه متفقًا عليه، وزاد لفظ القعود في الترجمة لئلا يوهم أفضليته، فإنه لو ترجم بالبول قائمًا وذكر فيه حديث الباب أوهم استحبابه لكونه فعله ﷺ ، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" بزيادة من "الأوجز" (٤). (٦١ - باب البول عند صاحبه. . .) إلخ وفي "تراجم (٥) شيخ المشايخ": الغرض من عقد الباب أن ما نقل عنه ﷺ "أنه كان إذا تبرز أبعد في المذهب" مخصوص بالغائط لانكشاف العورة من كلا الجانبين، وأما عند البول فيجوز أن يبول مستترًا بالحائط وصاحبه خلفه، انتهى.

стр. 571

قال الحافظ (١): كان المعروف من عادته التباعد، وخالف عادته الشريفة، فقيل: لعله أطال المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه من رؤية من لعله يمر به، وكان قدَّامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة التكشف، ولما يقترن به من الرائحة، انتهى. (٦٢ - باب البول عند سباطة قوم) بضم المهملة بعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وكذا في "الفتح" (٢). ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ذكره الحافظ بحثًا أن إضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في "صحيحه"، وقيل: يحتمل أنه ﵊ علم إذنهم بذلك بالتصريح أو بغيره، أو لكون ذلك مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ ، انتهى ملخصًا من "الفتح". وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": قصد المؤلف إثبات أن البول على سباطة قوم غير محتاج إلى الاستئذان منهم؛ لأن سباطة القوم غالبًا يكون محلًا للأنجاس، فلا ضرر لهم بذلك، انتهى.

стр. 572

(٦٣ - باب غسل الدم) سكت الشرَّاح عن غرض المؤلف، ولا يبعد عندي أن يكون غرضه التنبيه على أنه لا بد للدم من غسله، فهو متعين فيه وإن كان الوارد فيه أيضًا ألفاظ النضح والرش وغيرهما، فلعل المصنف ذكره فيما بين روايتي النضح والفرك تنبيهًا على أنهما لا يكفينا فيه، والأوجه أن تكون الترجمة شارحة لحديث النضح الوارد فيه. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أنهم وإن اختلفوا في نقض الوضوء بخروجه إلا أنهم متفقون على نجاسته، ثم الرواية الأولى لغسل الثوب، والثانية لغسل البدن، انتهى. وفي هامشه: وهو كذلك، إلا أنه اختلفوا في مقدار ما يعفى من الدم وبسط فيه اختلافهم في ذلك، وفيه أيضًا: لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بمعنى ذلك ثلاثة أبواب: الأول هذا، والثاني سيأتي في "كتاب الحيض" من "باب غسل دم الحيض"، والثالث ما فيه أيضًا "باب غسل المحيض"، فلا بد من تفريق الأغراض في الثلاثة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (٦٤ - باب غسل المني وفركه. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): أما الجزء الأول من أجزاء الترجمة فثابت من لفظ الروايتين معًا، وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو مطلق يعم جنابة الرجل والمرأة، وأما الثاني منها فثابت قياسًا؛ لأن الصلاة لما جازت في الثوب الباقي فيه أثر المني تجوز أيضًا في الثوب الذي فرك منه المني ولم يغسل، وذلك لحصول المقصود فيهما، وهو تقليل النجاسة، فإن المني لما فيه من كثرة الابتلاء لم يعزم إزالته بالكلية، بل عفي قليله وإن

стр. 573

كان نجسًا، وعلى هذا فلا يفوت شيء من أجزاء الترجمة الثلاثة، انتهى. وفي هامشه: ذكر الإمام البخاري في الترجمة ثلاثة أجزاء: والأول منها ثابت بلا مرية بخلاف الأخيرين، وأجاد الشيخ في إثباتها كلها فللَّه درُّه، وأما الشرَّاح فاختلفوا فيها كما سترى، أما الجزء الثاني وهو الفرك فقال الكرماني (١): إن قلت: الحديث لا يدل على الفرك، قلت: علم منه عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد بالباب باب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أيهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما؟ انتهى. قلت: هذا هو الأصل التاسع والثلاثون من أصول التراجم. وقال الحافظ (٢): لم يخرج البخاري حديث الفرك بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته؛ لأنه ورد في حديث عائشة، ثم ذكر الروايات عنها في الفرك المروية في غير البخاري، وهذا هو الأصل الثامن والثلاثون من أصول التراجم. والعلَّامة العيني (٣) تعقب على كلام الحافظ حسب عادته أشد التعقب وقال: قوله: اكتفى بالإشارة. . . إلخ، كلام واهٍ إلى آخر ما قاله، ولم يأت بتوجيه لإثبات الترجمة، بل مال إلى أنه لا يثبت منها إلا الجزء الأول فقط، وأنت خبير بأن توجيه الشيخ يعني: إثباته بالقياس أجود من هذا كله، ولا يبعد أيضًا أن يقال: إن إضافة الفرك في الترجمة تنبيه على أن الوارد في الروايات من الغسل ليس للاحتراز كما تقدم في الأصل الرابع والثلاثين من أصول التراجم، وأما الجزء الثالث وهو غسل ما يصيب من المرأة فلا يثبت أيضًا عند العيني. وقال الكرماني (٤): علم من الحديث غسل رطوبة الفرج أيضًا إذ لا شك من اختلاط المني بها عند الجماع، أو أنه ترجم بما جاء في هذا

стр. 574

الباب واكتفى في إيراد الحديث ببعضه، وكثيرًا يفعل مثل ذلك، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم يتفق له، انتهى. وقال الحافظ: في هذه المسألة (١) حديث صريح ذكره المصنف في آخر "كتاب الغسل" من حديث عثمان، ولم يذكره ههنا، وكأنه استنبطه من حديث الباب بأن المني الحاصل في الثوب لا يخلو غالبًا من مخالطته ماء المرأة ورطوبتها، انتهى. وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن المراد في هذه الترجمة بقوله: "غسل ما يصيب من المرأة" غير المراد من الترجمة الآتية في آخر الغسل "باب غسل ما يصيب من فرج المرأة" كما يدلط عليه فرق ألفاظ الترجمتين، فالمراد ههنا بيان الغسل من مني المرأة، وهناك غسل ما يصيب من رطوبة الفرج، وعلى هذا لا يرد على المصنف أن الترجمة مكررة، وهو الظاهر عندي من كلام الشيخ إذ قال: وأما الثالث فبلفظ الجنابة، وهو يعم جنابة الرجل والمرأة، وعلى هذا فإثباتها بالحديث واضح بلفظ الجنابة والمني، ويدل عليه أيضًا أن الإمام البخاري ذكر في هذا الباب روايات المني وذكر في الباب الآتي روايات الإكسال فلا مني فيها فليس فيها إلا رطوبة الفرج. ثم لا يذهب عليك أنهم اختلفوا في طهارة المني ونجاسته، وحاصله: أنه نجس عند الحنفية قولًا واحدًا، لكن يعفى قليله ويكفي فرك يابسه، وكذلك هو نجس عند مالك، ولا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وعن أحمد والشافعي ثلاث روايات: المشهور منها: أنه طاهر، انتهى مختصرًا. (٦٥ - باب إذا غسل الجنابة أو غيرها) لم يذكر الغير صريحًا بل ألحقه به قياسًا، أو أشار إلى ما رواه أبو داود (٢) وغيره أن خولة ﵂ قالت: "ليس لي إلا ثوب واحد" الحديث،

стр. 575

وفيه: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" ويحتمل أن يكون زيادة "أو غيرها" من الأصل الرابع والثلاثين فلا يحتاج لإثباتها إلى دليل، انتهى من هامش "اللامع" (١). (٦٦ - باب أبوال الإبل. . .) إلخ وتقدم قريبًا في "باب غسل البول" اختلاف الأئمة في أبوال ما يؤكل لحمه، وظاهر تبويب المصنف أنه مال إلى طهارتها موافقًا لمذهب الإمام مالك خلافًا للحنفية والشافعية والجمهور، انتهى من هامش "اللامع". قوله: (والسرقين. . .) إلخ، بكسر المهملة وإسكان الراء وحكي فيه فتح أوله. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا يمكن خلوه من البول على أن الدابة إذا بالمت في محل فإن رشاش بوله ينتضح على جوانب هذا المحل وأطرافه، فلا ريب في كون بعض منه تحت قدمي أبي موسى. والجواب: أنه لم يصرح بصلاته ثم على غيره شيء وهو المراد، وإنما كان صلى على شيء طاهر وبذلك يصح قوله: "ههنا وثم سواء" فإن السرقين متفق على نجاسته، فافهم، انتهى. وفي هامشه: دفع الشيخ بقوله: ولا يمكن خلوه من البول. . . إلخ، ما يرد على المصنف أن الترجمة في الأبوال والأثر في السرقين. والأوجه عندي في الجواب: أنهم لم يفرقوا بين الأبوال والأرواث في النجاسة، فيصح الاستدلال بأحدهما على الآخر، وما أجابه الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: إنه لم يصرح بصلاته على غير شيء بذلك أجاب عامة الشرَّاح. والأوجه عندي في الجواب: أن الظاهر أن أبا موسى صلى في موضع كان السرقين قريبًا منه، وعليه كان الإشكال بقرب السرقين، ويدل على ذلك

стр. 576

لفظ الثوري في "جامعه": "على مكان فيه سرقين"، وأوضح منه في الدلالة لفظ البخاري: و"السرقين والبرية إلى جنبه"، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". قوله: (في مرابض الغنم)، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): هذا لا يقوم حجة أيضًا، فإن المدعى يثبت لو أثبتوا أنه كان يصلي فيها على غير شيء، مع أنا نقول: إن الأرض تطهر باليبس والجفاف، ولا يقبل العقل أن يكون النبي ﷺ يصلي عليها وهي مبلولة بأبوالها، مع أن الذي أثبتم من الرشاش أسرع ما يكون جفافًا، ومثل هذا الجواب جار في الرواية الأولى أيضًا، انتهى. قلت: لم يتعرض الشيخ لقصة العرنيين؛ لأنه أشبع الكلام عليه في "الكوكب" (٢) في "باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه"، وهذا الحديث مختصر سيأتي مفصلًا في "باب القسامة" إن شاء الله تعالى. (٦٧ - باب ما يقع من النجاسة في السمن والماء) كتب الشيخ في "اللامع": ظاهر كلامه أنه ذاهب إلى ما ذهب إليه مالك من أن الماء لا ينجسه اختلاط نجس ما لم يغير أحد أوصافه قل الماء أو كثر، ودلالة كلام الزهري على هذا المعنى ظاهرة، فأما كلام حماد فمعناه: أن الريشة لما لم يكن في وقوعها بالماء تغيير له، لم ينجس الماء، وكذلك كلام الزهري في العاج معناه: أنه لو كان مطلق الاختلاط منجسًا من دون اعتبار الغلبة لكان الدهن يتنجس بملاقاته العاج، والعلماء لا يبالون بذلك، فعلم أن النجاسة متوقفة على غلبة أحد أوصاف النجاسة. والجواب: أما عن كلام الزهري الأول فإنه في الماء الكثير لا مطلقًا، وأما من كلام حماد فإن الريشة ليست بنجسة إذا يبس ما عليها، وكذا

стр. 577

العظم، فلا يمكن الاحتجاج بكلام الزهري الثالث أيضًا، مع أنه لا عبرة بكلام هؤلاء مخالفًا لما ثبت عنه ﷺ ، ثم إن دلالة الروايات على الترجمة حسب ما قصد المؤلف ظاهرة، فإنه قصد أن السمن إنما لم يتنجس؛ لأن أحد أوصافه لم يتغير لوقوع الفأرة فيه، وكذلك الاستدلال بطهارة المسك فإن الأمة قد اتفقت على طهارته مع أنه دم في الأصل، فعلم أن الحكم يتغير من الطهارة إلى النجاسة وبالعكس بتغير الذات، فكذلك بتغير بعض الأوصاف، فأما إذا لم يتغير بوقوع النجس فيه شيء من الأوصاف الثلاثة فلا معنى لتغير الحكم عليه من الطهارة إلى النجاسة. والجواب للإمام وللشافعي رحمهما الله في حكمهما بنجاسة الماء وإن لم يتغير أحد أوصافه: أن التغير غير منحصر فيما ذكرتم، بل التغير قد يتطرق إلى الشيء ولا يحس به إحدى الحواس الظاهرة، وقد علم ذلك بإعلام من الشارع، وأيضًا فإن تحديد الشارع على خلاف بين المذهبين فيه يدل على أن الأمر غير مبني على التغير مطلقًا قلَّ الماء أو كثر، وإنما هذا سبيل الكثير ويتنجس ما دونه بملاقاة القليل من النجاسة أيضًا، انتهى. وفي هامشه: قوله: "باب ما يقع. . ." إلخ، قال الحافظ (١): أي: هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغير دون غيره؟ وهذا الذي يظهر من مجموع ما أورده المصنف في الباب من أثر وحديث، انتهى. والمسألة خلافية شهيرة، واختلفت العلماء في ذلك على أقوال كثيرة بلغها مولانا عبد الحي في "السعاية" و"التعليق الممجد" (٢) إلى خمسة عشر مذهبًا، وأشبع الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذه المسألة في "الكوكب" (٣)، وأوسع المذاهب في ذلك مذهب الظاهرية أن العبرة لغلبة النجاسة، ثم بعد ذلك مذهب مالك، وهو رواية لأحمد: أن الماء طاهر ما لم يتغير أحد

стр. 578

أوصافه، والثانية لأحمد، وهو مذهب الشافعي: أن العبرة للقلتين، والرابع مذهب الحنفية: أن العبرة رأي المبتلى به، كما بسط في "الكوكب"، وقيَّده بعضهم لسهولة العوام بعشر في عشر، ومسألة العاج والريش بسط الكلام طى اختلاف الأئمة فيهما في هامش "اللامع". والجملة: أن الريش طاهر عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي، وأما العاج والعظام فطاهر عند الحنفية، ونجس عند الشافعي وأحمد، وفرَّق مالك بين المذبوح وغيره والبسط في هامشه. وفيه أيضًا: أما مسألة السمن فهي خلافية شهيرة، ومسلك الإمام البخاري في ذلك على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ أن السمن ونحوه مثل الماء في ذلك لا يتنجس بملاقاة النجاسة حتى يتغير أحد أوصافه، ولذا جمع الماء والسمن ههنا، وترجم في "كتاب الصيد" "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد والذائب" وذكر فيه أيضًا حديث الباب، ولا فرق عنده في الجامد وغيره، وهو مذهب الزهري والأوزاعي، وحكاه الحافظ في "الفتح" (١) روايةً لأحمد. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الرواية لأحمد في الكثير دون القليل، كما بسطت الروايات الثلاث لأحمد في "الأوجز" (٢). والجمهور على التفريق بين الجامد والمائع لما في رواية أبي داود (٣) وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، ولا ينافيه رواية ميمونة هذه المجملة كما بسطت في "الأوجز". ومال مولانا الشيخ أنور شاه الكشميري كما في "فيض الباري" (٤) أن الظاهر من تبويب البخاري أنه مال إلى الفرق بين النجاسة الجامدة

стр. 579

والمائعة، فالجامدة إذا وقعت في الماء وأخرجت من ساعتها لم تنجس بخلاف المائعة، وقال: هذه رواية غير مشهورة عن الإمام كما في "فتاوى ابن تيمية" ولذا ذكر حديث الفأرة وهي جامدة في الباب الأول، ثم عقَّبه بباب البول في الماء وهو نجاسة مائعة، انتهى. وبسط في الهامش أيضًا الكلام على ذكر المسك في الترجمة أشد البسط. (٦٨ - باب البول في الماء الدائم) في "تراجم (١) شيخ المشايخ": لما ثبت في الباب السابق عدم تنجس الماء قليلًا كان أو كثيرًا ما لم يتغير طعمه أو ريحه فقصد بعقد هذا الباب أن قوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" ليس لأجل أن البول فيه يقتضي تغيره، بل لأنه متى بال واحد بال آخر ثم آخر، وهكذا إلى أن ينجر إلى النتن والفساد، انتهى. قوله: (نحن الآخرون السابقون) بسط الحافظ (٢) في وجه ذكر هذه الجملة في هذا الباب، والجملة أنهم قالوا: لا حاجة في توجيه المناسبة، فإنه جزء من الحديث الآتي، وقيل في وجه المناسبة: نحن الآخرون زمانًا والأولون خروجًا، فكذلك الوعاء آخر ما يدخل فيه يكون أول ما يخرج فيصادف النجاسة أعضاء المتوضئ أول ما يخرج. وقال الحافظ: الظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة، وسلك الشيخان فيهما طريقًا مخصوصًا، فالبخاري كلما يخرج عن صحيفة الأعرج يذكر أول حديثه وهو: نحن الآخرون. . . إلخ، ثم يذكر مقصوده، ومسلم كلما يذكر حديثًا من صحيفة همام يذكر السند ثم يقول: فذكر أحاديث منها هذا، وهذا التوجيه الأخير هو الأوجه عندي من هذه التوجيهات.

стр. 580

(٦٩ - باب إذا ألقي على ظهر المصلي. . .) إلخ وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": غرض المؤلف من عقد الباب أن عروض الأشياء التي تمنع انعقاد الصلاة ابتداءً في أثنائها لا تفسد الصلاة، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): دلالة الرواية على هذا المعنى غير واضحة؛ لأنه ﷺ لعله أعادها ولم يعدها هناك لاجتماع من حشد هناك من المردة والشياطين، ويمكن أن يقال: إن سلى جزور كانت قد جفت فملؤوها بشيء من النجاسات حين وضعوها على ظهره ﷺ ، فلم يعلم به النبي ﷺ بأن الذي جعلوه فيها هل هو نجس أو غيره؟ وأما السلى بنفسها فإنها شيء عصباني ليس نجسًا حتى يعلم بفساد صلاته بالنظر إليها، وأما في صلاته ﷺ فلم يدر ماذا ألقوه على ظهره؟ فلم يفسد صلاته لذلك ومضى عليها. وأما الآثار فإن محمل فعل ابن عمر هو ما دون الدرهم، وكذلك في قول ابن المسيب والشعبي في الدم والجنابة، ولا شك في أن من وقف على نجاسة أقل من قدر الدرهم فإن صلاته جائزة، وأما مسألة التيمم والاستقبال فمتفق عليها بيننا وبين هذين، نعم إذا علم في أثناء الصلاة فإن صلاته تفسد في التيمم ويستدبر في مسألة القبلة، انتهى. وفي هامشه: قول البخاري: "لم تفسد عليه صلاته"، قال الحافظ (٣): محمله إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وقال الشافعي وأحمد: يعيد الصلاة، وقيَّدها مالك

стр. 581

بالوقت، فإن خرج الوقت فلا قضاء، وأجاب عنه الخطابي بأنه لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه، وأجاب النووي بأنه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، وما ندري هل كانت واجبة حتى تعاد على الصحيح أو لا؟ فلا تعاد، ولو وجبت الإعادة فالوقت موسع. وأجاب عنه الشيخ قُدِّس سرُّه كما ترى، وفي "فيض الباري" (١): في تمسك البخاري بالحديث نظر لوجوه، بسطت في هامش "اللامع"، منها: أن الوقعة قبل الأمر بتطهير الثياب لما قال الحافظ (٢): في تفسير سورة المدثر: أخرج ابن المنذر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] من طريق زيد بن مرثد قال: "ألقي على رسول الله ﷺ سلى جزور فنزلت"، فإذا كان نزولها بعد هذه الواقعة فانفصل الأمر، انتهى من الهامش بزيادة واختصار. قلت: ومن دأب الحافظ أنه رحمه الله تعالى يذكر مستدلات الحنفية في غير محله، فإنه ﵀ لم يذكر رواية زيد بن مرثد ههنا، وذكره في التفسير، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي عن شيخه الكَنكَوهي: قوله: "بسلى جزور" قيل في الجواب عنه: إن السلى من العصب، وعصب الميتة طاهر، وما كان فيه من الدم كان قليلًا معفوًا، لكن الظاهر أن ذلك الأشقى خلط ذلك السلى بالدم والبول وملأه من الرجيع، ثم وضعه على ظهره ﵊، فالحق في الجواب أنه ﷺ لم يعلم في سجوده أن أي شيء وضع على ظهره هل هو طاهر أم نجس؟ فلذلك مضى في صلاته ولم ينقضها، ثم لما رأى بعد الفراغ عن صلاته أنه نجس أعاد صلاته وإن لم يذكرها الراوي، ولم يوجد التصريح أنه لم يعد صلاته، انتهى. ولا يذهب عليك أن حديث الباب سيأتي في "باب المرأة تطرح عن

стр. 582

المصلي شيئًا من الأذى" من أبواب السترة، وقرر الشيخ في "اللامع" أيضًا على بعض أبحاث الحديث فارجع إليه. (٧٠ - باب البزاق والمخاط ونحوه. . .) إلخ وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": أي: لا يتنجس الثوب بهما بل هما طاهران، وفي الاستدلال بتعليق الباب نظر؛ لأن الراوي لهذه القصة أبو سهل (٢) وهو كان كافرًا في وقت التحمل وفي الأخذ اختلاف العلماء، انتهى. قال الحافظ (٣): والغرض من هذا التعليق الاستدلال على طهارة الريق ونحوه، وقد نقل بعضهم فيه الإجماع، لكن روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطاهر، وقال ابن حزم: صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، انتهى. قلت: وترجم أبو داود (٤) في "سننه": "باب البزاق يصيب الثوب" وأخرج فيه حديث أبي نضرة قال: "بزق رسول الله ﷺ في ثوبه وحك بعضه ببعض"، وأخرج عن أنس مثله، وفي حاشيتي على "البذل" (٥): قال ابن رسلان: قال ابن بطال: إن البزاق طاهر، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد، إلا ما روي عن سلمان الفارسي فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا إلى آخر ما فيه، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في "باب من تسوك بسواك غيره" من "كتاب الجمعة". قوله: (طوَّله ابن أبي مريم) أي: ذكر الحديث مطولًا، وسيأتي في "باب حك البزاق باليد من المسجد"، قاله الحافظ (٦): قلت: ليس هناك
следующие страницы →