أوصافه، والثانية لأحمد، وهو مذهب الشافعي: أن العبرة للقلتين، والرابع مذهب الحنفية: أن العبرة رأي المبتلى به، كما بسط في "الكوكب"، وقيَّده بعضهم لسهولة العوام بعشر في عشر، ومسألة العاج والريش بسط الكلام طى اختلاف الأئمة فيهما في هامش "اللامع".
والجملة: أن الريش طاهر عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي، وأما العاج والعظام فطاهر عند الحنفية، ونجس عند الشافعي وأحمد، وفرَّق مالك بين المذبوح وغيره والبسط في هامشه.
وفيه أيضًا: أما مسألة السمن فهي خلافية شهيرة، ومسلك الإمام البخاري في ذلك على ما هو المشهور عند الشرَّاح والمشايخ أن السمن ونحوه مثل الماء في ذلك لا يتنجس بملاقاة النجاسة حتى يتغير أحد أوصافه، ولذا جمع الماء والسمن ههنا، وترجم في "كتاب الصيد" "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد والذائب" وذكر فيه أيضًا حديث الباب، ولا فرق عنده في الجامد وغيره، وهو مذهب الزهري والأوزاعي، وحكاه الحافظ في "الفتح" (١) روايةً لأحمد.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الرواية لأحمد في الكثير دون القليل، كما بسطت الروايات الثلاث لأحمد في "الأوجز" (٢).
والجمهور على التفريق بين الجامد والمائع لما في رواية أبي داود (٣) وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، ولا ينافيه رواية ميمونة هذه المجملة كما بسطت في "الأوجز".
ومال مولانا الشيخ أنور شاه الكشميري كما في "فيض الباري" (٤) أن الظاهر من تبويب البخاري أنه مال إلى الفرق بين النجاسة الجامدة
стр. 579
والمائعة، فالجامدة إذا وقعت في الماء وأخرجت من ساعتها لم تنجس بخلاف المائعة، وقال: هذه رواية غير مشهورة عن الإمام كما في "فتاوى ابن تيمية" ولذا ذكر حديث الفأرة وهي جامدة في الباب الأول، ثم عقَّبه بباب البول في الماء وهو نجاسة مائعة، انتهى.
وبسط في الهامش أيضًا الكلام على ذكر المسك في الترجمة أشد البسط.
(٦٨ - باب البول في الماء الدائم)
في "تراجم (١) شيخ المشايخ": لما ثبت في الباب السابق عدم تنجس الماء قليلًا كان أو كثيرًا ما لم يتغير طعمه أو ريحه فقصد بعقد هذا الباب أن قوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" ليس لأجل أن البول فيه يقتضي تغيره، بل لأنه متى بال واحد بال آخر ثم آخر، وهكذا إلى أن ينجر إلى النتن والفساد، انتهى.
قوله: (نحن الآخرون السابقون) بسط الحافظ (٢) في وجه ذكر هذه الجملة في هذا الباب، والجملة أنهم قالوا: لا حاجة في توجيه المناسبة، فإنه جزء من الحديث الآتي، وقيل في وجه المناسبة: نحن الآخرون زمانًا والأولون خروجًا، فكذلك الوعاء آخر ما يدخل فيه يكون أول ما يخرج فيصادف النجاسة أعضاء المتوضئ أول ما يخرج.
وقال الحافظ: الظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة، وسلك الشيخان فيهما طريقًا مخصوصًا، فالبخاري كلما يخرج عن صحيفة الأعرج يذكر أول حديثه وهو: نحن الآخرون. . . إلخ، ثم يذكر مقصوده، ومسلم كلما يذكر حديثًا من صحيفة همام يذكر السند ثم يقول: فذكر أحاديث منها هذا، وهذا التوجيه الأخير هو الأوجه عندي من هذه التوجيهات.
стр. 580
(٦٩ - باب إذا ألقي على ظهر المصلي. . .) إلخ
وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": غرض المؤلف من عقد الباب أن عروض الأشياء التي تمنع انعقاد الصلاة ابتداءً في أثنائها لا تفسد الصلاة، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): دلالة الرواية على هذا المعنى غير واضحة؛ لأنه ﷺ لعله أعادها ولم يعدها هناك لاجتماع من حشد هناك من المردة والشياطين، ويمكن أن يقال: إن سلى جزور كانت قد جفت فملؤوها بشيء من النجاسات حين وضعوها على ظهره ﷺ ، فلم يعلم به النبي ﷺ بأن الذي جعلوه فيها هل هو نجس أو غيره؟ وأما السلى بنفسها فإنها شيء عصباني ليس نجسًا حتى يعلم بفساد صلاته بالنظر إليها، وأما في صلاته ﷺ فلم يدر ماذا ألقوه على ظهره؟ فلم يفسد صلاته لذلك ومضى عليها.
وأما الآثار فإن محمل فعل ابن عمر هو ما دون الدرهم، وكذلك في قول ابن المسيب والشعبي في الدم والجنابة، ولا شك في أن من وقف على نجاسة أقل من قدر الدرهم فإن صلاته جائزة، وأما مسألة التيمم والاستقبال فمتفق عليها بيننا وبين هذين، نعم إذا علم في أثناء الصلاة فإن صلاته تفسد في التيمم ويستدبر في مسألة القبلة، انتهى.
وفي هامشه: قول البخاري: "لم تفسد عليه صلاته"، قال الحافظ (٣): محمله إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وقال الشافعي وأحمد: يعيد الصلاة، وقيَّدها مالك
стр. 581
بالوقت، فإن خرج الوقت فلا قضاء، وأجاب عنه الخطابي بأنه لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه، وأجاب النووي بأنه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، وما ندري هل كانت واجبة حتى تعاد على الصحيح أو لا؟ فلا تعاد، ولو وجبت الإعادة فالوقت موسع.
وأجاب عنه الشيخ قُدِّس سرُّه كما ترى، وفي "فيض الباري" (١): في تمسك البخاري بالحديث نظر لوجوه، بسطت في هامش "اللامع"، منها: أن الوقعة قبل الأمر بتطهير الثياب لما قال الحافظ (٢): في تفسير سورة المدثر: أخرج ابن المنذر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] من طريق زيد بن مرثد قال: "ألقي على رسول الله ﷺ سلى جزور فنزلت"، فإذا كان نزولها بعد هذه الواقعة فانفصل الأمر، انتهى من الهامش بزيادة واختصار.
قلت: ومن دأب الحافظ أنه رحمه الله تعالى يذكر مستدلات الحنفية في غير محله، فإنه ﵀ لم يذكر رواية زيد بن مرثد ههنا، وذكره في التفسير، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي عن شيخه الكَنكَوهي: قوله: "بسلى جزور" قيل في الجواب عنه: إن السلى من العصب، وعصب الميتة طاهر، وما كان فيه من الدم كان قليلًا معفوًا، لكن الظاهر أن ذلك الأشقى خلط ذلك السلى بالدم والبول وملأه من الرجيع، ثم وضعه على ظهره ﵊، فالحق في الجواب أنه ﷺ لم يعلم في سجوده أن أي شيء وضع على ظهره هل هو طاهر أم نجس؟ فلذلك مضى في صلاته ولم ينقضها، ثم لما رأى بعد الفراغ عن صلاته أنه نجس أعاد صلاته وإن لم يذكرها الراوي، ولم يوجد التصريح أنه لم يعد صلاته، انتهى.
ولا يذهب عليك أن حديث الباب سيأتي في "باب المرأة تطرح عن
стр. 582
المصلي شيئًا من الأذى" من أبواب السترة، وقرر الشيخ في "اللامع" أيضًا على بعض أبحاث الحديث فارجع إليه.
(٧٠ - باب البزاق والمخاط ونحوه. . .) إلخ
وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": أي: لا يتنجس الثوب بهما بل هما طاهران، وفي الاستدلال بتعليق الباب نظر؛ لأن الراوي لهذه القصة أبو سهل (٢) وهو كان كافرًا في وقت التحمل وفي الأخذ اختلاف العلماء، انتهى.
قال الحافظ (٣): والغرض من هذا التعليق الاستدلال على طهارة الريق ونحوه، وقد نقل بعضهم فيه الإجماع، لكن روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطاهر، وقال ابن حزم: صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، انتهى.
قلت: وترجم أبو داود (٤) في "سننه": "باب البزاق يصيب الثوب" وأخرج فيه حديث أبي نضرة قال: "بزق رسول الله ﷺ في ثوبه وحك بعضه ببعض"، وأخرج عن أنس مثله، وفي حاشيتي على "البذل" (٥): قال ابن رسلان: قال ابن بطال: إن البزاق طاهر، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد، إلا ما روي عن سلمان الفارسي فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا إلى آخر ما فيه، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في "باب من تسوك بسواك غيره" من "كتاب الجمعة".
قوله: (طوَّله ابن أبي مريم) أي: ذكر الحديث مطولًا، وسيأتي في "باب حك البزاق باليد من المسجد"، قاله الحافظ (٦): قلت: ليس هناك
стр. 583
من ابن أبي مريم، والعجب من العلَّامة العيني (١).
وتبعه القسطلاني إذ قال: قوله: طوّله، أي: طوَّل هذا الحديث شيخه سعيد بن الحكم بن أبي مريم، يعني: ذكره مطولًا في "باب حك البزاق باليد من المسجد"، انتهى. وليس فيه عن ابن أبي مريم.
(٧١ - باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): مقابلة النبيذ بالمسكر يبين أن المراد بالنبيذ ما لم يسكر، وتخصيص الإمام إياه مع أنه ليس ماء مطلقًا لثبوت الرواية، ولا يلزم تخصيص الكتاب؛ لأنه وقع تفسيرًا للماء المراد في الآية وهؤلاء المذكورون ههنا تابعيون؛ لا يلزم على الإمام اتباعهم لكونه مثلهم، ثم إن الحديث لا يدل إلا على أحد جزئي الترجمة، وهو حرمة الوضوء بالمسكر، وأما الوضوء بالنبيذ فإن أريد بالنبيذ ما بلغ حد الإسكار فظاهر، وإن أريد ما لم يبلغه ففيه نوع خفاء، ولعل مراد البخاري بإيراد لفظ المسكر ههنا وإيراد الرواية المظهرة لحكمه في الباب تعيين أحد محتملي النبيذ، فيكون موافقًا لما اتفقت عليه الأحناف من حرمة الوضوء بالنبيذ إذا أسكر واشتد ورمى بالزبد فقط، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه على شرح كلام الشيخ، وفيه: أن الشيخ قُدِّس سرُّه لم يذكر في هذا الباب إلا ما يتعلق بالبخاري، وأما الكلام على المسألة فقهًا فقد أشبعه الشيخ في "الكوكب" (٣) أشد البسط. وحاصل كلام الشيخ في "اللامع": أن النبيذ والمسكر نوعان متقابلان، وبه جزم القسطلاني (٤).
стр. 584
وقال الكرماني (١): المراد به إما ما لم يصل إلى حد الإسكار، أو ما وصل إليه، ويكون عطف المسكر عليه من باب عطف العام على الخاص، وخصص بالذكر من بين المسكرات؛ لأنه محل الخلاف في جواز التوضؤ به، انتهى.
وتبعه الحافظ وغيره في ذلك، وأنت خبير بأن الذي بلغ حد الإسكار ليس بمختلف فيه عند العلماء.
فالأوجه عندي: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن بعض الأنبذة مختلف في جواز الوضوء منها، وأنت ترى أنه لم يأت برواية تدل عليه إلا ما ذكر من بعض الآثار، فلقائل أن يقول: إن البخاري أثبت بالرواية أن النبيذ الذي بلغ حد الإسكار لا يجوز الوضوء منه، وأما غيره من الأنبذة فيجوز الوضوء منه عند البخاري على الأصل التاسع والثلاثين من أصول التراجم، فتأمل.
لكن فيه أن الآثار الواردة في الباب يخالف ذلك إلا أن في هامش "اللامع" أجيب عن تلك الآثار، وما أفاده الشيخ أن قول هؤلاء المذكورين لا يلزم الحنفية؛ لأن المعروف من قول الإمام: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة اخترنا ولم نخرج عن أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على الوضوء فقهًا وبسطه أشد البسط في "الكوكب الدري" (٢)، وفيه: النبيذ أقسام، نقوع التمر غير مطبوخ، ولا امتراء في جواز الوضوء وإن لم يسلمه المخالفون كيف والأخبار فيه
стр. 585
مستفيضة، وقال النبي ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور"، وهو ينادي الصم بصوت جهوري أن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه من الطهورية، سواء كان ذلك الشيء مما يقصد به النظافة أو لم يكن، وإنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه، وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حد السكر لكنه صار حلوًا، وأما القسم الثالث الذي صار مسكرًا فلا يجوز التوضؤ به عندنا أيضًا، إلى آخر ما بسطه.
وبسط في هامشه الكلام على النبيذ وأقسامه، وفيه على قول الشيخ قُدِّس سرُّه أن ليلة الجن كانت غير مرة، إن ليلة الجن وقعت ست مرات:
الأولى: هي الليلة التي قيل فيها: إنه اغتيل أو استطير، وكانت بمكة ولم يحضرها ابن مسعود.
والثانية: كانت بمكة أيضًا بالحجون جبل بها.
والثالثة: كانت بأعلى مكة، وقد غاب النبي ﷺ فيها في الجبال.
والرابعة: كانت بالمدينة ببقيع الغرقد، وفي هذه الليالي الثلاث حضر ابن مسعود معه ﷺ .
والخامسة: خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام.
والسادسة: في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث، انتهى مختصرًا.
قوله: (وكرهه الحسن وأبو العالية) قلت: أما الحسن فاختلفت الروايات عنه ففي رواية: "لا توضأ بنبيذ"، وفي أخرى أنه لا بأس.
قال الحافظ (١): فعلى هذا كراهته عنده على التنزيه.
والأوجه عندي: أن الاختلاف عنه لاختلاف أنواع الأنبذة، وأما أثر أبي العالية فأصرح دليل لما قلته من اختلاف أنواع الأنبذة.
стр. 586
قال الحافظ: روى أبو داود (١) وأبو عبيد من طريق أبي خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء أيغتسل به؟ قال: لا، انتهى.
قال الشيخ في "البذل" (٢): وفيه زيادة ذكرها الدارقطني (٣) بعد قوله: "لا": "فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة، إنما كان ذلك زبيب وماء"، وكذلك أخرجه البيهقي (٤) بلفظ: "قال: يرى نبيذكم هذا الخبيث، إنما كان ماءً يلقى فيه تمرات فيصير حلوًا"، قال الشيخ في "البذل": وهذا يدل على أن أبا العالية يجوز التوضؤ والاغتسال به ما دام حلوًا رقيقًا، فإذا اشتد وخبث يحكم عليه بعدم الجواز، انتهى.
قلت: وهل هذا غير ما قالته الحنفية.
(٧٢ - باب غسل المرأة أباها الدم)
وفي "تراجم (٥) شيخ المشايخ": غرض الباب إثبات جواز التوضؤ من يد الغير وللبعض فيه خلاف، انتهى.
قلت: ما أفاده شيخ المشايخ من الغرض تقدم هذا نصًا في "باب الرجل يوضئ صاحبه" إلا أن هناك الإعانة بصب الماء وههنا بالغسل.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٦): "باب غسل المرأة. . ." إلخ، الظاهر أنه معقود لبيان أن مس المرأة وإن كان عائدًا على الوضوء بالنقض إلا أن مسه إياها وكذا مسها إياه جائزان؛ ولا يلزم من كون المس ناقضًا حرمة المس أو كراهته، ويمكن أن يكون ذلك تعريضًا بالشافعي فيما ذهب إليه
стр. 587
من انتقاض الطهارة بمس المرأة من أن فاطمة رضي الله تعالى عنها غسلت جرحه ولم يثبت إعادته الوضوء، مع أنه لو كان ناقضًا لكان له ﷺ غنية عن مسها لوجود كثير ممن ليس في مسه ما لزم بمسها، وقد علم من حبه ﷺ الدوام على الطهور ما هو مستغن عن البيان، وهذا إلزام عليهم، وإلا فقد كانت طهارته منتقضة عندنا بسيلان الدم، وعلى هذين الوجهين، يحمل أثر أبي العالية.
ووجه الاستدلال به أنه أمر بصيغة العموم وفيهم النساء والرجال، ولو كان المس ناقضًا أو منهيًا عنه لمنع النساء، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة، قال الكرماني (١) - وتبعه العيني -: إن قلت: ما وجه تعلُّق الباب بكتاب الوضوء؟
قلت: إن كانت النسخة كتاب الطهارة بدل كتاب الوضوء فلا خفاء فيه، وإلا فالمراد بالوضوء معناه اللغوي فيتناول رفع الحدث أيضًا، أو الاصطلاحي فيكون ذكر الطهارة من الخبث بالتبعية لكونهما من شرائط الصلاة ومن باب النظافة وغير ذلك، انتهى.
وقال الحافظ (٢): هذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها كما تقدم في الوضوء، وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية لحديث سهل، انتهى.
(٧٣ - باب السواك. . .) إلخ
كان حقه في صفة الوضوء، ولعله ذكره ههنا لما قيل من نجاسة البصاق كما تقدم في باب البزاق، واستدل على طهارته بروايات السواك من التسوك بسواك غيره وبداية عائشة بسواكه ﷺ ، والأوجه منه أنه أفرد
стр. 588
إشارةً إلى استقلاله بدون اختصاصه بالوضوء، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (١)، وفيه: قال الشافعي: إنه سُنَّة من سنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم، وقال جماعة: هو من سُنَّة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة، انتهى مختصرًا.
وفي "البذل" (٢): قال ابن الهمام: ويستحب في خمسة مواضع: اصفرار السن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، انتهى.
(٧٤ - باب دفع السواك إلى الأكبر)
قال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): مقصوده من هذا الباب إثبات فضيلة السواك، ووجه دلالة الحديث: أنه كان من عادته ﷺ إذا أتي بشيء يسير أن يعطيه من كان صغير السن من الحضار، وإذا أهدي إليه شيء ذو خطر أن يعطيه الكبير منهم، وأعطى السواك أولًا نظرًا إلى الظاهر الصغير، فقيل له: كَبِّرْ منهم، ففهم منه فضيلة السواك وكونه ذا خطر عند الله، انتهى.
(٧٥ - باب فضل من بات على الوضوء)
لعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى معنيين: الأول: أن الأمر بالوضوء في الحديث ليس على الوجوب، وأشار إليه بلفظ الفضل، والثاني: أن استئناف الوضوء ليس بمأمور كما هو ظاهر الحديث، بل المقصود النوم متوضئًا وإن كان توضأ قبل ذلك، وأشار إليه بلفظ: "من بات".
قوله: (لا ونبيك الذي أرسلت) قال شيخ المشايخ في الترجمة (٤): وفيه إشارة إلى أن ألفاظ الأدعية يجب مراعاة خصوصياته، ولا يبدل لفظ بلفظ
стр. 589
وإن كان مرادفًا، وفيه أسرار ليس هذا موضع ذكرها، انتهى.
وذكر القسطلاني (١) في وجه المنع وجوهًا: منها: أن الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظاهر، وقال المهلب: إنما لم تبدل ألفاظه ﷺ ؛ لأنها ينابيع الحكم وجوامع الكلم، فلو غيّرت سقطت فائدة النهاية في البلاغة التي أعطيها ﷺ ، انتهى.
ثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (٢) في براعة الاختتام: ختم البخاري كتاب الوضوء بحديث البراء ﵁ من جهة أنه آخر وضوء أمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في نفس الحديث: "واجعلهن آخر ما تتكلم به" فأشعر بذلك في ختم الكتاب، والله الهادي للصواب، انتهى.
وهذا على ما اختاره الحافظ في براعة الاختتام من أن الإمام البخاري يشير بشيء إلى ختم الكتاب، وأما على ما اختاره هذا العبد الضعيف من أن الإمام البخاري يشير في آخر كل كتاب إلى آخر حياة الرجل ويذكره الموت، فهذان اللذان ذكرهما الحافظ يشعران إليه، وأصرح منهما لفظ: "فإن مت من ليلتك. . ." إلخ، هو نص في الموت، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
* * *
стр. 590
٥ - كتاب الغسل
بضم الغين اسم للاغتسال، وفي الاصطلاح: غسل البشرة والشعر، وحقيقته جريان الماء على العضو، ولا يشترط الدلك وإمرار اليد، وقال مالك: يشترط فيه الدلك، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١).
(وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. . .﴾ إلخ [المائدة: ٦]) كتب الشيخ في "اللامع": والصيغة لما فيها من المبالغة لا تصدق إلا على الغسل، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني (٢): أي: اغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة، انتهى.
وقال الحافظ (٣): قدم الآية التي في سورة المائدة على التي في سورة النساء لدقيقة، وهي أن لفظ التي في المائدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فيه إجمال، ولفظ التي في النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فيه تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، ودلَّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا، انتهى.
(١ - باب الوضوء قبل الغسل)
قال الحافظ (٤): أي: استحبابه عند الجمهور، وهل هو سُنَّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، أو يكتفى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نيَّة غسل الجنابة في أول عضو وإنما قدَّم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، كذا في "الفتح".
стр. 591
قلت: وهذا الاختلاف الذي أفاده الحافظ سيأتي في باب مستقل في "باب من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده".
فالأوجه عندي: مقصود هذا الباب مجرد ندب الوضوء قبل الاغتسال.
قوله: (وضوءه للصلاة. . .) إلخ، قال الحافظ: فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه، انتهى.
وفي "المغني" (١) عن أحمد ثلاث روايات كحديث عائشة وكحديث ميمونة والتساوي بينهما، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٢): فلا يؤخر قدميه ولو في مجمع الماء، قال ابن عابدين: وهذا القول هو ظاهر إطلاق المتون وحديث عائشة، وبه أخذ الشافعي، وقيل: يؤخر مطلقًا، وهو ظاهر إطلاق الأكثر وإطلاق حديث ميمونة، وقيل بالتفصيل إن كان في مجمع الماء فيؤخر وإلا فلا، انتهى مختصرًا.
(٢ - باب غسل الرجل مع امرأته)
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): أي: أنه جائز وفيه خلاف البعض، انتهى.
قلت: لم أجد الخلاف بعد في غسلهما معًا، نعم الخلاف في طهارة الرجل بفضل المرأة معروف، كما تقدم في "باب وضوء الرجل مع امرأته"،
стр. 592
فيمكن أن الإمام البخاري أشار إلى ذلك، فإن اغتسالهما معًا يلزم اغتسال كل منهما بفضل الآخر، والأوجه أن المصنف أشار بذلك إلى جواز نظر المرأة إلى عورة زوجها وعكسه.
قال الحافظ (١): واستدل بحديث الباب الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان عن حديث عائشة: أنها سألت عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة، انتهى.
لكن يشكل عليه ما في "الشمائل" و"ابن ماجه" (٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما نظرت إلى فرج رسول الله ﷺ قط"، وفي هامش "الخصائل": قال الحنفي: وفي رواية عنها: "ما رأيت منه ولا رأى مني" تعني: الفرج، وقال القاري في "جمع الوسائل" (٣): روى أبو صالح عن ابن عباس قال: قالت عائشة: "ما أتى رسول الله ﷺ أخذًا من نسائه إلا متقنعًا يرخي الثوب على رأسه، وما رأيت من رسول الله ﷺ ولا رأى مني"، أورده ابن الجوزي في "كتاب الوفاء" نقلًا عن الخطيب، انتهى.
قلت: ويمكن الجمع بينهما بأن النفي للرؤية قصدًا، وأما رواية الإثبات فمحمولة على وقع النظر من غير قصد كما يكون في صورة الاغتسال معًا، ثم قال السندي (٤): قولها: "أغتسل أنا والنبي ﷺ " دلالة هذا اللفظ على المعية ضعيفة، إذ واو العطف لا تدل على القران، واتحاد الإناء لا يقتضي اتحاد زمان الاغتسال، إلا أن تجعل الواو في قولها: "والنبي" للمعية لا العطف وهو بعيد، إذ التأكيد بالمنفصل يؤيد العطف وهو الأصل في الواو، إلا أن يقال: قد علم من سائر روايات الحديث أن الواقع كان هو المعية، فالاستدلال بالنظر إليه لا بالنظر إلى هذا اللفظ، فتأمل، انتهى.
стр. 593
(٣ - باب الغسل بالصاع ونحوه)
لعله إشارة إلى أن تحديد الصاع الوارد في الأحاديث ليس بحتم، بل المراد التقريب كما يدل عليه لفظ الحديث: "بإناء نحو [من] صاع"، ولذا ذكر في الترجمة "ونحوه" وهو الأوجه، ويحتمل أنه أراد الرد على من قال: إن ذكر الصاع بيان للإناء لا الماء كما تقدم في "باب الوضوء بالمد".
قوله: (وبيننا وبينها حجاب) كتب الشيخ في "اللامع" (١): ليس المراد الحجاب الساتر كلها وإلا لما كان الغسل بحضورهما مفيدًا، بل المعنى بالحجاب هو الساتر لمقدار العورة، فكانا يريان منها ما لم يكن عورة كالرأس، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ ابن حجر والعيني (٢): قال عياض: طاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحلّ نظره للمحرم؛ لأنها خالة أبي سلمة، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحلّ للمحرم نظره، وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى، انتهى.
وفي "الكنز" (٣): وينظر الرجل إلى وجه محرمته ورأسها وصدرها وساقيها وعضديها لا إلى ظهرها وبطنها وفخذها، انتهى.
قوله: (من إناء واحد) وأوانيهم كانت معلومة صغارًا، فهذه مناسبة لحديث ميمونة بلفظ: "ونحوه"، وإلا فليس في حديثها الصاع ولا نحوه، كذا في "الفتح" (٤)، ويحتمل عندي أنه ذكر حديث الإناء إشارة إلى عدم تخصيص الصاع.
стр. 594
(٤ - باب من أفاض على رأسه ثلاثًا)
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن غرض الترجمة الإشارة إلى أن الدلك ليس بفرض، بل يكفي إسالة الماء خلافًا لمن أوجبه كما تقدم في مبدأ كتاب الغسل.
قوله: (ابن سام) بالسين المهملة وتخفيف الميم بينهما ألف فما في بعض النسخ من ابن سلم تحريف من الناسخ.
وفي قوله: (ابن عمك) تجوز، فإنه ابن عم والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم هذه المنازعة غير المنازعة المتقدمة في الباب السابق، وإن كان المنازع في كليهما حسن بن محمد ابن الحنفية، فإن الأولى كانت في كمية الماء كما أشعر بها جوابه بقوله: "يكفيك صاع"، والثانية عن كيفية الغسل، كذا في "الفتح" (١).
قلت: وظاهر الجواب توحيد القصة، فلا يبعد عندي أنه ذكر قلة الماء لكثرة شعره، فتأمل.
(٥ - باب الغسل مرة واحدة)
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢): أي: هو جائز ثابت، والاستدلال بحديث الباب نظرًا إلى الظاهر؛ لأن الراوي لما قال: "أفاض على جسده" ولم يقيِّده بثلاث أو غيره عُلم من ظاهره أنه أفاض مرة واحدًا، ومثل هذا في استدلالاته كثير شائع، انتهى.
ويستفاد ذلك من الحديث إذ لم يقيده بعدد فالأقل مرة واحدة، كذا في "الفتح" (٣).
стр. 595
وقال أيضًا: قال النووي (١): ولا نعلم في استحباب التثليث خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، انتهى.
قلت: والظاهر عندي أن الوارد في أكثر روايات "المصنف" لابن أبي شيبة ثلاثًا، فنبَّه المصنف بالترجمة على أن التثليث ليس بواجب، بل يجوز الاقتصار على مرة واحدة، والأوجه في وجه الدلالة عندي أنها ذكرت غسل اليدين مرتين أو ثلاثًا ولم تذكر العدد في غيرها، فلو كان العدد هناك ذكرته كما ذكرت في اليدين، وقال السندي (٢): وجه الدلالة أنها ذكرت كيفية الغسل بتمامها، فلو كان العدد مطلوبًا لكانت ذكرته تكميلًا للكيفية، وتعقب على ما تقدم من أن الواحد أقل العدد، انتهى مختصرًا.
(٦ - باب من بدأ بالحلاب والطيب. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن الطيب غير مضطر إليه وإن ثبت استعماله ﷺ إياه قبل الغسل، وذلك لينتشر أثره إلى أطراف الجسم.
وحاصل الترجمة: أن هذا باب يذكر فيه جواز الابتداء بالحلاب من غير أن يتقدمه طيب، وجواز الابتداء بالطيب وعدم الابتداء، فلما ذكر في الرواية ابتداءه بالحلاب علم جواز ترك الطيب، وأن الابتداء بالطيب ليس واجبًا وإن كان جائزًا نظرًا إلى ما ورد في غير هذه الرواية، فافهم فإنه عزيز، انتهى.
وفي هامشه: هذه الترجمة من مهمات التراجم أشكلت على المشايخ والشرَّاح، والحق أنه لم يظهر بعد ما قصد الإمام البخاري من ذلك.
стр. 596
قال الحافظ: أشكل المناسبة قديمًا وحديثًا، فمنهم من نسب البخاري إلى الوهم فقال: رحم الله البخاري، من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب، وأي معنى للطيب قبل الغسل.
ومنهم من تأوّل الحلاب على غير المعروب في الرواية فقال: هو الجلاب بالجيم وشد اللام، هو ماء الورد، وتعقب بأنه خلاف الرواية، وبأنه لا معنى للطيب قبل الغسل.
ومنهم من تكلف في التأويل فقيل: لم يرد البخاري بالطيب ما له عرف طيب، وإنما أراد تطيب البدن بإزالة الوسخ، فمحصله إعداد ماء الغسل، ثم الشروع في تنظيف البدن.
وقيل: أشار البخاري إلى رد ما روي أنه ﵊ كان يغسل رأسه بالخطمي، ويكتفي بذلك، فكأنه ترجم بجزئين وأثبت أحدهما ولم يثبت الآخر، وهذا هو الأصل التاسع والثلاثون، من أصول التراجم.
وقيل: أراد بالحلاب ظرف الطيب، و"أو" للتنويع، والمذكور في الحديث صفة التطيب بعد الاغتسال لا صفة الاغتسال، وهو توجيه حسن لظاهر ألفاظ البخاري، لكن جميع طرق الحديث يأبى ذلك، وأن في جميعها بيان صفة الاغتسال.
وقيل: أشار بالترجمة إلى حديث عائشة الآتي بعد سبعة أبواب بلفظ: "كنت أطيب رسول الله ﷺ عند الإحرام"، الحديث، وفي بعض طرقه: "ثم طاف على نسائه"، ومن لازمه الاغتسال، فالترجمة بالتردد بين الحالتين، أي: بدأ بالحلاب، يعني: ماء الاغتسال وتارةً بالطيب كما في بعض الأحوال، وهذا أحسن الأجوبة عندي، انتهى ما في "الفتح" (١) مختصرًا.
وكتب شيخ المشايخ في "التراجم" (٢): أن للحلاب معنيين: أحدهما:
стр. 597
بمعنى الإناء، والثاني: بمعنى المحلوب، أي: المخرج من عصارة، وكان العرب يستعملون محلوب بعض البذور في أبدانهم قبل الاغتسال كما يستعملون الطيب قبل ذلك، وميل المصنف إلى هذا المعنى الثاني بقرينة الانضمام للطيب، انتهى.
وقال السندي (١): قوله في الترجمة: "عند الغسل" أي: عند الفراغ منه، وكذا في الحديث قوله: "إذا اغتسل" أي: فرغ، والمراد بالحلاب عند المصنف نوع من الطيب، فالمقصود استعمال الطيب بعد الغسل، ولا يحمل كلام المصنف إلا على هذا، وإن كان الصحيح أن المراد منه الإناء لكن حمل كلام المصنف على المعنى المعروف بعيد جدًا، انتهى.
وفي "الفيض" (٢) أن في الحلاب يبقى أثر اللبن فبينه وبين الطيب تقابل تضاد فنبَّه المصنف على أنه لا بأس بريح اللبن إن ظهر في الماء، وكذا الطيب عند الغسل قد يبقى أثره بعد الغسل فلا بأس به أيضًا، انتهى.
قلت: يأتي هذا المعنى في "باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب"، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
(٧ - باب المضمضة والاستنشاق. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أي: أنهما ثابتان بالسُّنَّة فمن آخذٍ بوجوبهما ومن ذاهب إلى سُنِّيتهما، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "التراجم" (٤).
قال الحافظ (٥): استنبط البخاري عدم وجوبهما؛ لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث: "ثم توضأ وضوءه للصلاة"، فدل على أنهما
стр. 598
للوضوء، وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقط توابعه، ويحمل ما روي من صفة غسله ﷺ على الكمال، انتهى.
وتعقبه العيني (١): بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن هذا الحديث لا تعلق له بالحديث الآتي، وفيه تصريح بالمضمضة والاستنشاق، ولا شك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتركهما، فدل على المواظبة وهي تدل على الوجوب، انتهى.
وهذا الاختلاف مبني على اختلاف مسلكهما، فإنهما واجبان في الغسل عند الحنفية خلافًا للشافعية، وما حكى الحافظ من الإجماع على ندب الوضوء في الغسل مشكل؛ لأن فيه خلافًا لداود الظاهري إذ أوجب الوضوء في الغسل مطلقًا وفي رواية لأحمد: "لا يجزئ الغسل حتى يأتي بالوضوء قبله أو بعده"، وهو أحد قولي الشافعي كما في "الأوجز" (٢).
ثم المضمضة والاستنشاق في الوضوء سُنَّة عند الأئمة الثلاث، وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات: الأولى: مثل الجمهور، والثانية: وجوبهما في الطهارتين وهو المشهور، والثالث: وجوب الاستنشاق وسُنِّية المضمضة، وأما في الغسل فهما واجبان عند الحنفية وأحمد، وسُنَّتان عند مالك والشافعي، انتهى ما في الهامش بزيادة.
(٨ - باب مسح اليد بالتراب. . .) إلخ
لم يتعرض عنه الشيخ في "اللامع"؛ لأنه قد أجمل الكلام عليه في "الكوكب الدري" (٣)، وبسطه في "الدر المنضود"، ولخصه شيخنا في "البذل" في "باب الرجل يدلك يده بالأرض. . ." إلخ.
стр. 599
فقال الشيخ: ها هنا تقرير أنيق كتبه حبيبنا مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - أدخله الله تعالى جنة الفردوس - عن شيخه وشيخنا مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - جعله الله مع النبيين والصديقين -، قال الأستاذ - أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده -: قد اختلفت أقوال فقهائنا الخفية - كثّر الله جمعهم - في طهارة المخرج واليد إذا بقيت رائحة النجاسة بعد زوال أجرامها، فمنهم من حكم بالطهارة إذا زال جرمها وإن بقيت منها رائحة، ومنهم من ذهب إلى أنها لا تطهر إذًا إلا إذا بقي من أثرها ما يتعسر إزالته، ولعل مبنى الاختلاف ما اختلف فيه من حقيقة الرائحة هل هي بانفصال أجزاء صغار من ذي الرائحة التي لا تدرك بصغرها، أو بتكيف الهواء بكيفية الرائحة؟. . . إلى آخر ما بسطه في "البذل".
قلت: ولعل الإمام البخاري أراد بالترجمة التنبيه على هذا الاختلاف، ورجح أن مسح اليد لم يكن للتطهير بل للتنظيف، كما يدل عليه قوله في الترجمة: "لتكون أنقى"، وإليه أشار الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "الكوكب" فقال في رواية ميمونة هذه التي في الباب: هذا الدلك للمبالغة في التنظيف بإزالة ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهية والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق، انتهى.
وقد كتب مولانا محمد حسن المكي في "تقريره": مسح اليد بالتراب ثابت لكن في هذا الزمان تشبه بالهنود فالأولى تركه، وكان الشيخ قُدِّس سرُّه قد يقول: لا اعتبار لهذا التشبه، انتهى.
(٩ - باب هل يدخل الجنب يده. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): نعم يجوز له ذلك وإن كان الأولى أن يغسلها، وإلى هذا أشار بإيراد الروايات والآثار الدالة على جواز الأمرين
стр. 600
كليهما، ثم إن الغرض منه طهارة الماء المستعمل وطهوريته، وقد عرفت قبل ذلك أن الاستعمال لا يتحقق إلا عند إقامة قربة أو إزالة حدث، فاستدلاله مبني على عدم الفرق بين المستعمل في الغسل بدون إزالة حدث وبينه لها، وكذا على عدم الفرق بين الطاهر والطهور، وفي قوله: "تختلف أيدينا" لم يذكر أنا كنا نغسل الأيدي أولًا، وكذا في الرواية الثالثة والرابعة: من إناء واحد من الجنابة، ولم يذكر تقديم غسل الأيدي وبينهما رواية تدل على استحباب غسل اليد أولًا، ثم إن الأجوبة عن الاستدلالات المخالفة ظاهرة بأدنى تدبر فيما ذكرنا وفي استدلالاته ﵀، انتهى.
وفي هامشه: قال المهلب (١): أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسله؛ لأنه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا، انتهى.
والأوجه عندي: أن غرض المصنف بيان جواز إدخال اليد ردًا على ما روي عن ابن عمر أنه قال: "من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس" أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، وحكاه عنه العيني (٣) أيضًا، وجمع بينه وبين ما رواه عنه البخاري بوجوه، ولا تعارض بينهما عندي؛ لأن أثر ابن أبي شيبة نص في الجنابة، وأثر البخاري ظاهر في الحدث الأصغر، وفي "فيض الباري" (٤) عن "الفتاوى" لابن تيمية، عن الإمام أحمد: أن الجنب إن أدخل يده في الماء نجسه، انتهى.
لكن الموفق (٥) حكى مذهبهم: أن الماء طاهر لا إشكال فيه، نعم حكي عن الإمام أحمد اختلاف الروايات في أن الماء هل يبقى مطهرًا أم لا؟ ثم الآثار والروايات التي ذكرها البخاري لما لم تكن صريحة في عدم
стр. 601
الغسل نبَّه على ذلك بقوله: "هل"، ولم يتعرض الشرَّاح ولا المشايخ عن لفظ: "هل".
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): غرض الباب إدخال الجنب يده في الإناء قبل الغسل إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة مع سُنِّية الغسل؛ لأن الحديث الأول من الباب ثبت منه بطريق الدلالة جواز الإدخال قبل الغسل، والحديث الثاني ظاهر في الغسل، فطريق الجمع بينهما أن يحمل الأول على الجواز، والثاني على السُّنِّية، وأما ثبوت الإدخال قبل الغسل بالحديث الأول بطريق الدلالة، فلأن قول عائشة رضي الله تعالى عنها تختلف أيدينا، يدل على وقوع الغسالة في الإناء ظاهرًا، فلما لم يتنجس الماء لسقوط غسالة الجنب فيه ولم يحترز منه، فالظاهر أنه لا يجب الاحتراز من إدخال اليد فيه أيضًا قبل الغسل، إذ لا شيء غير الجنابة في اليد، انتهى.
(١٠ - باب من أفرغ بيمينه. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): رد بذلك ما اشتهر أن الإفراغ باليمين على الشمال من صنيع النساء، والرواية وإن كانت دالة على إفراغه بيمينه على شماله إذا قصد غسل فرجه، إلا أن المطلق يثبت في ضمن المقيد، فيعلم بذلك جواز هذا الفعل وإن لم يكن حين يغسل فرجه، انتهى.
وفي هامشه: سكت الشرَّاح عن غرض المصنف بهذه الترجمة، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه الغرض كما ترى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بذلك على دقيقة وهي أن في الغسل أمرين: أحدهما: صب الماء، والثاني: دلك الأعضاء، ومعلوم أن الأفعال الشريفة مصدرها اليمين، فنبَّه الإمام بأن صب الماء أشرف من دلك
стр. 602
الأعضاء، فالأول وظيفة اليمين، والثاني وظيفة اليسار، ولا يبعد أيضًا أنه نبَّه بالترجمة على ترجيح صب الماء باليمنى على اليسرى لما في ذلك من اختلاف الروايات، ففي "سنن أبي داود" (١) من حديث مسدد بسنده إلى عائشة: و"يصب الماء على يده اليمنى"، وفي أخرى له عن ميمونة: "فأكفأ الإناء على يده اليمنى"، قال الخطابي: محله ها هنا فيما إذا كان يغترف من الإناء، فأما إذا كان ضيقًا كالقمقم فإنه يضعه عن يساره ويصب الماء منه على يمينه، انتهى.
وفيه على قول الشيخ: والرواية وإن كانت دالة. . . إلخ.
قال الحافظ (٢): اعترض على المصنف بأن الدعوى أعم من الدليل، والجواب: أن ذلك في غسل الفرج بالنص وفي غيره بما عرف من شأنه أنه كان يحب التيامن، انتهى.
قلت: والأوجه منه: أنه تقدم قريبًا في باب المضمضة حديث ميمونة هذا، وفيه: "فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه"، فهذا نص في إفراغ اليمين على اليسار في غير الفرج، ونظر المؤلف يكون على جميع الروايات فيوردها في غير مظانها تشحيذًا للأذهان، انتهى.
(١١ - باب تفريق الغسل والوضوء)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك إثبات جواز التفريق بين أركانهما، فهو رد على من ذهب إلى فرضية الموالاة، انتهى.
وفي هامشه: الظاهر في غرض الترجمة الرد على وجوب الموالاة، وعليه بنى الشرَّاح كلامهم.
وذكر الكرماني (٤) فيه احتمالًا آخر إذ قال: إن قلت: ما معنى
стр. 603
الترجمة، هل المراد منه بيان عدم وجوب الموالاة أو بيان عدم دخول الوضوء في الغسل، حتى لو كان محدثًا بالحدثين لا يكفيه الغسل، بل يأتي مستقلًا؟
قلت: لفظ الترجمة يحتملهما، والظاهر الأول، انتهى مختصرًا.
وكتب شيخ المشايخ في "التراجم" (١): ثبت بحديث الباب التفريق بين أفعال الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة إذ لا فرق بينهما، وأيضًا لا قائل بالفصل، ولذا ضم قوله: "والوضوء" في الترجمة إلى الغسل؛ لأن الثابت بالحديث ليس إلا التفريق في الوضوء، انتهى.
(١٢ - باب إذا جامع ثم عاد. . .) إلخ
وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": مقصوده إثبات جواز ذلك مع سُنِّيته أن يتوضأ بين الجماعين، وذلك ثابت بالأحاديث الأخر، انتهى.
ويحتمل عندي أنه أشار إلى ترجيح رواية أنس عند أبي داود (٣): فجعلها غسلًا واحدًا كما رجحه أبو داود، ويحتمل أيضًا أنه أراد الرد على وجوب الوضوء على المعاود كما قال به الظاهرية وابن حبيب المالكي.
ثم لا يذهب عليك ما قال ابن عابدين (٤): أفتى بعض الشافعية بحرمة جماع من تنجس ذكره قبل غسله إلا إذا كان به سلس فيحل؛ كوطء المستحاضة مع الجريان، ويظهر أنه عندنا كذلك لما فيه من التضمخ بالنجاسة بلا ضرورة لإمكان غسله، بخلاف وطء المستحاضة ووطء السلس، فتأمل، انتهى.
قوله: (وهن إحدى عشر) تفرد بذلك هشام، ولم يجتمعن في زمان،
стр. 604
ووجه بأنه جمع مع التسع مارية وريحانة، كذا في "الفتح" (١).
قلت: ولا ريب أنه ﷺ تزوج إحدى عشر نسوة لكنهن لم يجتمعن في زمن واحد؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها توفيت بمكة ولم ينكح غيرها في حياتها، ثم تزوج سودة وعائشة رضي الله تعالى عنهما بمكة، ثم تزوج حفصة في السنة الثانية أو الثالثة، ثم تزوج زينب بنت خزيمة في رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ثمانية أشهر وتوفيت في آخر الربيعين في السنة الرابعة، ولم يكن إذ ذاك في نكاحه ﵊ إلا ثلاثة غيرها، وباقي النسوة التسع غيرها وغير خديجة بقيت بعده ﷺ ، وآخرهن نكاحًا ميمونة في عمرة القضاء من السنة السابعة من الهجرة كما بيَّنته في رسالتي "حكايات الصحابه" باللغة الأردية.
(١٣ - باب غسل المذي والوضوء منه)
وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": غرض الباب ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المني يطهر بالفرك مخصوص به، وليس في المذى إلا الغسل، وأيضًا لا يجب فيه الاغتسال بل الوضوء فقط، ويحتمل أن يكون غرض الباب أن جواز الاقتصار على استعمال الأحجار ليس إلا في الخارج المعتاد، أعني: البول والغائط، وأما في غيره فيجب استعمال الماء والغسل، انتهى.
قلت: تحتمل الترجمة وجوهًا عديدة، فيحتمل أن يكون إشارةً إلى أنه لا يكفي النضح كما قال به أحمد، أو إشارة إلى أنه لا يكفي الحجر منه كما هو رواية لمالك وأحمد، أو إلى أنه لا يجب استيعاب الذكر بالغسل كما قال به بعض المالكية وبعض الحنابلة كما في "الفتح" (٣)، وبسط الكلام
стр. 605
على هذه الأقوال في "الأوجز" (١)، وفيه: اعلم أن العلماء بعد ما أجمعوا على أن في المذي الوضوء دون الغسل، وعلى أن المذي نجس ولا خلاف فيهما لمن يعتد به، اختلفوا ها هنا في ثلاثة مسائل:
إحداها: الاكتفاء بالحجر، فلا يجوز عند بعض المحدثين، إذ قالوا: يتعين الماء لغسله، وقال عياض: اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول أو لا بد من الماء، انتهى.
وعندنا الحنفية يجوز الاكتفاء على الحجر كما صرح به في "البدائع" (٢) وغيره، وصححه النووي من الشافعية، وقال الحافظ (٣): وهو المعروف في المذهب، وكذلك الاكتفاء على الحجر هو رواية عن الإمام أحمد كما يظهر من كلام "المغني" (٤) و"الشرح الكبير".
والمسألة الثانية: هل يغسل موضع النجاسة فقط أو الذكر بتمامه فقط، وهو رواية عن المالكية كما في "الباجي"، أو مع الأنثيين أيضًا وهو رواية عن الحنابلة كما في "المغني"، والأول قول الجمهور كما قاله الحافظ.
والمسألة الثالثة: ما حكى الطحاوي عن بعضهم وجوب الغسل بمجرد خروج المذي، والجمهور أن حكمه حكم البول وغيره من نواقض الوضوء من عدم وجوب الوضوء على الفور، انتهى مختصرًا من "الأوجز" والبسط فيه.
ولعل الإمام البخاري أشار في الترجمة بلفظ: "والوضوء منه" إلى هذه المسألة الثالثة، واستدل الطحاوي للجمهور بحديث علي بلفظ: "فيه الوضوء وفي المني الغسل".
стр. 606
(١٤ - باب من تطيب ثم اغتسل. . .) إلخ
لعل الغرض منه أن الظاهر أن فيه إضاعة المال لكن أبيح لضرورة النشاط في الجماع، وفي "التراجم" (١) لشيخ المشايخ: غرضه أنه لو لم يبالغ في الدلك وغيره عند الاغتسال حتى لا يذهب عنه أثر الطيب الذي كان قد استعمله قبل فلا بأس، بل هو جائز ثابت الأصل، انتهى.
ويحتمل أنه نظر إلى الباب السابق "باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى" فأشار إلى أن بقاء الطيب لا ينافي الإنقاء، ويحتمل أيضًا أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، يشير إلى المبالغة في الإنقاء، فنبّه به على أن ذلك لا ينافيه.
(١٥ - باب تخليل الشعر. . .) إلخ
قال الحافظ في "باب الوضوء قبل الغسل" (٢): التخليل ليس بواجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر ملبدًا، انتهى.
ولا يذهب عليك أن ها هنا مسألتين:
إحداهما: التفريق بين الرجل والمرأة، والجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - أنه لا فرق بينهما في نقض الضفائر وأنه ليس بواجب، وهي إحدى الروايتين عن الحنفية، والثانية: عنهم وهو المرجح عندهم كما في هامش "الكوكب" (٣) مبسوطًا: التفريق بين الرجال والنساء في نقض الضفائر لرواية ثوبان عند أبي داود (٤): "أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: أما الرجل فلينثر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها".
стр. 607
قلت: والعجب من ابن رسلان إذ قال (١): ظاهر الحديث التفريق بين الرجل والمرأة، ولم أر من قال به، انتهى.
والمسألة الثانية: التفريق بين غسل الجنابة والحيض في نقض الضفائر، فالجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة أن لا تفريق بينهما، وصححه الموفق (٢) في مذهبهم، والرواية الثانية عن أحمد أنها تنقضه في الحيض دون الجنابة كما في "النيل" (٣)، وظاهر ميل المصنف من تراجمه إلى قول أحمد في المسألة الثانية إذ ترجم ها هنا بلفظ: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته. . . إلخ، وترجم في كتاب الحيض بـ "باب نقض المرأة شعرها. . ." إلخ، وها هنا مسألة أخرى ثالثة، وهي غسل ما استرسل من الشعر، ففي "الأوجز" (٤): قال المغني: وفي غسل المسترسل من الشعر روايتان لأحمد: إحداهما: يجب غسله، وبه قال الشافعي، والثاني: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، انتهى.
قلت: والمرجح عندنا الحنفية كما في "الشامي" (٥): يجب غسل المنقوض لا المضفور، وعد في "مختصر الخليل" (٦) من المالكية في الواجبات ضغث مضفور لا نقضه، انتهى.
وقد كتبت في هامش "اللامع" أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى المسألة الثانية، ثم ظهر لي في غرض الترجمة أن المؤلف أشار إلى أن نقض الضفائر ليس بواجب بل يكفي بَلّ أصول الشعر.
стр. 608
(١٦ - باب من توضأ في الجنابة. . .) إلخ
تقدم في الباب الأول من كتاب الغسل الاختلاف في أن الوضوء سُنَّة مستقلة أو تقديم لأعضاء الوضوء، والترجمة تؤيد الثانية، والاستدلال بالرواية خفية، وقيل: كان الأليق بهذا الباب حديث عائشة المتقدم بلفظ: "ثم غسل سائر جسده"، وقيل: قرينة الحال والعرف يخص أعضاء الوضوء، وقيل: الترجمة تعين المراد بالحديث أن المراد من قوله: "جسده" أي: ما خلا أعضاء الوضوء، واختار الحافظ أن البخاري حمل قوله: "ثم غسل جسده" على المجاز بقرينة قوله: "ثم غسل رجليه"، فإن كانا داخلين في الجسد فأي حاجة إلى غسلهما بعد، وهذا أشبه بتصرفات البخاري إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
وأطال السندي (٢): في استدلال المؤلف بهذا الحديث على الترجمة.
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): غرض المصنف أن إعادة غسل سائر أعضاء الوضوء غير لازم، والاستدلال بظاهر الحديث.
وفي "الأوجز" (٤): الوضوء في الغسل، أوجبه داود مطلقًا، وقال قوم: إذا كان الفعل مما يوجب الجنابة والحدث، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: إن الغسل يجزئهما، قاله القاري (٥).
وقال ابن قدامة في "المغني" (٦): إن لم يتوضأ أجزأه بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركًا للاختيار، يعني: يجزئه الغسل عنهما إذا نواهما، نص عليه أحمد، وعنه رواية أخرى:
стр. 609
لا يجزئه الغسل عن الوضوء حتى يأتي به قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي الشافعي، انتهى.
وقال ابن العربي (١): يجب الوضوء إذا مس فرجه في الغسل، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أن في غسل الجسد يكون إمرار اليد على الفرج عادةً، فأشار المصنف بهذه الترجمة إلى أنه لا ينقض الوضوء.
(١٧ - باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لعل المراد بذلك إثبات أن التيمم للخروج من المسجد وإن كان أدبًا كما هو المشهور بين أصحابنا لكنه غير واجب، وذلك لأنه ﷺ لم يتيمم لخروجه من المسجد، وأما إن كان قصده الرد على من ذهب إلى ذلك من الحنفي فغير صحيح، وذلك لأن النبي ﷺ وعليًّا ﵁ جاز لهما الخروج والمرور والدخول في المسجد جنبًا، فكيف يقاس عليه غيره ممن ليس بمنزلة هذين، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): إشارة إلى رد من أوجب ذلك كما نقل عن الثوري وإسحاق، وكذا قال بعض المالكية فيمن نام في المسجد فاحتلم: يتيمم قبل أن يخرج، انتهى.
قلت: وهذه مسألة كينونة الجنب في المسجد، وأما دخول الجنب في المسجد للعبور وغيره فمسألة أخرى خلافية بسطت في "اللامع".
(١٨ - باب نفض اليدين من غسل الجنابة)
الظاهر عندي أن المصنف أشار بذلك إلى رد ما روي من المنع عن ذلك.
стр. 610
قال الحافظ (١): أورد الرافعي وغيره حديثًا ضعيفًا: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان"، قال ابن الصلاح: لم أجده، وقد أخرجه ابن حبان في "الضعفاء"، وابن أبي حاتم في "العلل"، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به، انتهى.
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢): أي: أنه جائز، وعندي أن غرضه إثبات طهارة الغسالة، إذ النفض لا يخلو عن إصابة الرشاش بالبدن، انتهى.
(١٩ - باب من بدأ بشق رأسه. . .) إلخ
البداية بالرأس لكونه أكثر شعثًا من بقية البدن، وباليمين مثل دأبه في الطهور وغيره، واختلف الحنفية في أنه هل يبدأ بالرأس؟ وهو الأصح وظاهر الرواية، وقيل: يبدأ بمنكبه الأيمن ثم الأيسر ويثلث بالرأس، وقيل: يثني بالرأس ويثلث بالمنكب الأيسر، قاله ابن عابدين (٣): وفي "المغني" (٤): ويبدأ بشقه الأيمن؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن في طهوره.
وقال النووي في "شرح المهذب" (٥) في بيان سنن الغسل: والابتداء بالأيامن، فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، وهذا متفق على استحبابه، وقال الرافعي في مكملات الغسل: الرابع يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن ثم على الشق الأيسر، انتهى.
ويحتمل عندي: أن المؤلف نبَّه بهذه الترجمة على أن البداية بالوضوء كما روي من دأبه ﵇ ليس بواجب، بل يجوز البداية بالرأس أيضًا.
стр. 611
(٢٠ - باب من اغتسل عريانًا وحده. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قصد بذلك أن التستر أفضل وإن كان خاليًا كما يدل عليه تعليله، ويمكن أن يكون ذلك حيث خاف أن يطلع عليه أحد، وأما إذا أمن كما في المغتسل فلا، فلا يكون ذلك خلافًا لما هو المشهور بين علمائنا، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أن الإمام البخاري ترجم ها هنا بترجمتين: الأولى هذه والثانية الآتية بقوله: باب التستر، وعامة المشايخ والشرَّاح كلهم على أن المراد بالأولى جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة مع أفضلية التستر، والمراد بالثانية حرمته بمحضر من الناس.
قال الحافظ (٢) في الترجمة الأولى: قوله: (في خلوة) أي: من الناس، وهو تأكيد لقوله: وحده، وقال في الثانية: لما فرغ من الاستدلال لأحد الشقين وهو التعري في الخلوة أورد الشق الآخر، انتهى.
وبنحوه قال غيره من الشرَّاح، وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): "باب من اغتسل عريانًا" أي: هو جائز، والأولى الستر في ذلك الوقت أيضًا، ثم قال: "باب التستر في الغسل" أي: أنه واجب، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الترجمة الأولى هو الذي أفادوه، وليس الغرض من الترجمة الثانية الشق الثاني، أي: إيجابه عند الناس، فإنه معروف لا يحتاج إلى إثباته ولا يختص بالغسل، فإن التعري بمحضر من الناس حرام مطلقًا، وأيضا إذا أثبت المصنف أفضلية التستر في الوحدة فأي فاقة بقيت إلى إثبات التستر عن أعين الناس، فالأوجه عندي في غرض الترجمة الثانية إثبات أفضلية التستر لا على البدن وإن كان الغسل بالإزار، كما يومئ إليه الروايات الموردة فيها.
стр. 612
وقال العيني (١): لا خلاف في أن التستر أفضل كما قاله البخاري، وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قال مالك والشافعي وجمهور العلماء، وروي عن ابن عباس أنه لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، وإذا سئل عن ذلك قال: إن له عامرًا، وروي عن عطية مرفوعًا: "من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك وأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه"، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار، انتهى مختصرًا.
وأنت خبير بالفرق بين الغسل في الصحراء عريانًا وبين الغسل في المستحم والأبنية المعدة لذلك، كما أشار إليه الشيخ في تقريره بقوله: كما يدل عليه تعليله، وهو قوله ﵊: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس"، قال الموفق (٢): من اغتسل عريانًا بين الناس لم يجز ذلك؛ لأن كشفها للناس محرم، وإن كان خاليًا جاز، ويستحب التستر وإن كان خاليًا، وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا متسترًا، انتهى.
وقال الكرماني (٣): قال العلماء: كشف العورة في الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح عند الشافعي أنه حرام، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" والبسط فيه.
(٢١ - باب التستر في الغسل عند الناس)
تقدم في الباب السابق غرض هذه الترجمة عند الشرَّاح وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا.
стр. 613
(٢٢ - باب إذا احتلمت المرأة)
قال الحافظ (١): إنما قيَّده بالمرأة مع أن حكم الرجل كذلك لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النخعي، انتهى.
قلت: وها هنا مسألتان بسط الكلام عليهما في "الأوجز":
إحداهما: احتلام المرأة، ففي "الأوجز" في سؤال أم سليم وإنكار عائشة عليها بقولها: "أفٍّ لك هل ترى ذلك المرأة؟ " ولعلها أنكرتها؛ لأنها لم تعلم لندرتها في النساء مع حداثة سن عائشة، وقيل: لا يحتلم كل النساء.
وثانيهما: إثبات المني للمرأة، وأجمع عليه فقهاء الأمصار ولم يخالف فيه إلا طائفة من الفلاسفة، فقال أرسطاطاليس: لا مني لها غير أن دم الطمث لها فيه قوة التوليد، وقال ابن سينا: إن لها رطوبة شبيهة بالمني لا يصدق عليه المني، لكن المختار عند محققي الفلاسفة والأطباء أيضًا وجود المني لها، كذا في "السعاية"، انتهى ما في "الأوجز" (٢).
(٢٣ - باب عرق الجنب. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): تقدير الكلام بيان حكم عرق الجنب، وبيان أن المسلم لا ينجس، وإذا كان لا ينجس فعرقه ليس بنجس، ومفهومه أن الكافر ينجس فيكون عرقه نجسًا، وتمسك بظاهره بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقوَّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن
стр. 614
النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجة الجمهور حل نكاح الكتابيات، ولا يخلو المضاجع عن العرق، وأغرب القرطبي إذ نسب القول بنجاسة عرق الكافر إلى الشافعي، انتهى مختصرًا من "الفتح".
وهكذا حكى العيني (١) قول القرطبي وقال: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما، قال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي، وقال ابن حزم: العرق من المشركين نجس، انتهى.
فما في "الفيض" (٢) من نسبة نجاسة بدن الكافر إلى مالك لعله سهو من الكاتب، وفي هامشي على "البذل" (٣): قال ابن رسلان: قوله: المسلم ليس بنجس، وكلك الكافر عندنا وعند مالك وجمهور المسلمين من السلف والخلف، ثم قال: وأغرب القرطبي في الجنائز من "شرح مسلم" فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي.
(٢٤ - باب الجنب يخرج. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قوله: "وغيره" بالجر، أي: وغير السوق، ويحتمل الرفع عطفًا على "يخرج" من جهة المعنى، وقوله: قال عطاء. . . إلخ، هذه الأفعال هي المرادة بقوله: "وغيره" بالرفع في الترجمة، انتهى.
وغرض الترجمة عند الشيخ الكَنكَوهي (٥) عدم وجوب الغسل على الفور، فقد كتب على قوله: قال عطاء. . . إلخ، يعني بذلك: أن الغسل لا يجب له على الفور لجواز الاشتغال بتلك الأمور بقول عطاء، فكان له الخروج إلى الأسواق وغيرها لما جاز له تأخير الاغتسال، ثم إن السوق
стр. 615
وغيره سواء في الحكم، فكان إثبات جواز أحدهما إثباتًا لجواز الآخر، أو يقال: لما ثبت المطلق ثبت جوازه في أي فرد كان، فيثبت الجواز في السوق وغيره، انتهى.
وفي هامشه: قلت: فالظاهر أن المصنف أراد تقوية ما في أبي داود (١) في "باب الجنب يؤخر الغسل" عن عائشة: "ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل آخره، فقال غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة"، وعلى هذا فلا إشكال في الأثر ولا في الرواية، ولعل السر في تبويب المصنف بلفظ: "الجنب يخرج ويمشي" ما حكى العيني (٢) برواية ابن أبي شيبة، والبيهقي عن جماعة من الصحابة، ذكر العيني أسماءهم أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتى يتوضأوا، انتهى.
(٢٥ - باب كينونة الجنب في البيت. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قيل: أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي ﵁ مرفوعًا: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب" رواه أبو داود (٤) وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح، انتهى.
قلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى تقرير حديث علي بأنه محمول على عدم
стр. 616
الوضوء، وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (١) على حديث علي: قال الخطابي (٢): يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ثم قيل: إنه لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخّر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به، ويتخذه عادة، فإن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء"، انتهى.
(٢٦ - باب نوم الجنب)
ليست هذه الترجمة في نسخة "الفتح".
وقال الحافظ (٣): هذه زائدة للاستغناء عنها ب باب الجنب يتوضأ ثم ينام ، ويحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون زائدة، انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الفقير أنه صرح بجوازه لدفع توهم أن النوم أخو الموت، وحقه أن لا ينام جنبًا ولما تقدم من باب النوم على الطهارة.
(٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام)
قال الحافظ (٤): قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بلفظ الأمر، وجاء بصيغة الشرط وهو متمسك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وبسط الحافظ الكلام على اختلاف النقلة في مذاهب الأئمة، ورجح رواية الاستحباب عنهم، وقال: نقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب إلى آخر ما في "الفتح".
стр. 617
وكتب الشيخ في "البذل" (١): ذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء"، إلى آخر ما بسط الشيخ، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٢) أيضًا، وفيه: قال العيني (٣): ذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف، وذلك يسمى عند العرب وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، إلى آخر ما فيه.
(٢٨ - باب إذا التقى الختانان)
أجمع الشرَّاح على أن المراد بالتقائهما الإيلاج، ومجرد الالتقاء لا يوجب الغسل عند أحد، وهل هو مجاز عن الإيلاج؟
والأوجه عندي: أنه لازم للإيلاج، ليس بمجاز عنه، والبسط في "الأوجز" (٤)، وبسط الكلام على المسألة في هامش "اللامع" أيضًا، وفيه: قال ابن العربي في "شرح الترمذي" (٥): هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين مهمة في مسائل الدين، وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم لم يروا غسلًا إلا من الإنزال، ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك، ثم روي عن عمر أنه قال: من خالف ذلك جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وما خالف في ذلك إلا داود ولا يعبأ بخلافه، فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه أن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلّ علماء المسلمين معرفةً وعدلًا، وما بهذه المسألة من خلاف، فإن الصحابة اختلفوا فيها ثم