مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمده ونصلي على رسوله الكريم
الحمدُ لله الذي قال وما أصدق قوله الكريم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على من قال الله عزَّ اسمُه في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال عزَّ اسمُه تبجيلًا له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة الهداة للدين المتين.
وبعد:
فيقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه الجليل، عبدهُ زكريا بن يحيى بن إسماعيل: إن هذا العاجزَ مكث بفضل الله وكرمه من آخر سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة وألف، إلى سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة مشغولًا بالحديث الشريف درسًا وتدريسًا، وتصنيفًا وتأليفًا، ومن فضل الله تعالى وكرمه وإحسانه أنه جعلني مع أدناسي وأنجاسي الظاهرة والباطنة مشتغلًا بكلام رسوله المطهَّر المبارك.
ولكنه لكثرة الأمراض الروحانية والبدنية في سنة ثمان وثمانين في العاشر من ربيع الأول عند الفراغ من تأليف "لامع الدراري" حرمت
стр. 89
من التصنيف والتأليف، وفي شوال من السنة المذكورة لشدة نزول الماء بالعين الذي كان بدؤه منذ عشر سنين حُرمت من تدريس "صحيح البخاري" كذلك، فقدمت متأسفًا على حرماني من الاشتغال بالحديث النبوي إلى المدينة المنورة رجاء التمتع ببركاتها.
وفي أثناء إقامتي ها هنا جاشَ خاطري لطبع تأليفي القديم "جزء حجة الوداع" الذي كتبته سنة اثنتين وأربعين كما ذكرت ذلك مفصَّلًا في اختتام التأليف المذكور، وعند رجوعي إلى الهند سمعته من بعض أعزّائي، كما ذكر في اختتامه أيضًا، فبعد توضيح مجملاته وتفصيل إشاراته طبع مرتين في سنة تسعين بمجرد لطف الله وكرمه مع إلحاق جزء العمرات إليه (١).
ثم في أواخر سنة تسعين قُدِّر لي الحضور عند الأقدام العالية، فجال بخاطري مستبركًا بهذه البقعة المباركة أن أستمع الملاحظات التي جمعتها عند تدريسي لـ "صحيح البخاري" مما يتعلق بتراجمه من عزيزي الحاج المولوي عبد الحفيظ المكي سلَّمه الله تعالى، والرجاء من الباري الكريم أن يقدر لطباعته سبيلًا، فيكون هذا أيضًا نافعًا إن شاء الله تعالى، فإن "جزء حجة الوداع" أيضًا هكذا أسمعنيه بعض أصدقائي فقد طبع، وبهذا الرجاء شرعت في استماعه اليوم الساعة الرابعة ضحى الأربعاء في الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسعين وثلاث مائة وألف عند أقدامه العالية المباركة الشريفة في المسجد النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية، ولو كمل هذا السعي الجميل فلا يستبعد أن يكون تأويل رؤياي التي رأيتها بالمدينة المنورة في أوائل سنة أربع وثمانين وثلاث مائة وألف من الهجرة، وسيأتي تفصيلها حيث نذكر الكلام على عدم ذكر الإمام البخاري الحمد والصلاة في بداية كتاب "الجامع الصحيح" إن شاء الله تعالى.
стр. 90
ورأيت المناسب ها هنا أن أدرج أولًا الأصول السبعين المتعلقة بتراجم البخاري المستنبطة من كلام المشايخ التي ذكرتها في "مقدمة لامع الدراري" حتى تجتمع مواد التراجم كلها في موضع واحد، وقد ذكرت في بدايتها أن المشايخ قد ألَّفوا في تراجم البخاري تأليفات كثيرة، ولكن في يومنا هذا ليست لدينا إلا رسالتين فقط، إحداهما تأليف أستاذ الأساتذة مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، رسالة وجيزة مسماة "بشرح تراجم البخاري"، وستأتي جملة ما بها من المعاني في مواضعها من هذا التأليف إن شاء الله تعالى، والرسالة الثانية من تأليف أستاذ الهند شيخ المشايخ مولانا الحاج محمود حسن المعروف بشيخ الهند، رئيس المدرسين بالجامعة القاسمية المعروفة بدار العلوم بديوبند، المسمَّاة بـ "الأبواب والتراجم"، وقد شرح التراجم إلى آخر كتاب العلم إلا الترجمة الأخيرة منها باللغة الأردية، وقد أدرجتها بأسرها في هذه الرسالة، وأيضًا قد ذكر حضرة شيخ الهند في رسالته بتحقيقه وتنقيحه وتفحُّصه فهرسًا لبعض أبواب البخاري، وليس فيها شيء من كلامه، إنما هي إشارات فقط، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله تعالى.
وقد استوعبت بتوضيح تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه لرؤيا رأيتها في بداية دراسة البخاري، فإني قد قرأت "صحيح البخاري" وأكثر كتب الحديث مرتين، كما ذكرت ذلك في بداية مقدمة "لامع الدراري" في ذيل أسانيد هذا الفقير، أولًا: في سنة أربع وثلاثين من الهجرة على والدي المرحوم قدّس الله سرّه العزيز، وثانيًا: من سنة خمس وثلاثين في سنين متفرقة على شيخي ومرشدي حضرة مولانا الحاج خليل أحمد المحدث السهارنفوري المهاجر المدني شارح أبي داود قدّس الله سرّه العزيز، وقد ذكرت تفصيل ذلك في رسالتي المسمَّاة بآب بيتي (يعني: قصة حياتي) باللغة الأردية، وهذا تعريبه مختصرًا:
إني كنت قد عزمت أولًا أن أقرأ جامعَي البخاري والترمذي على شيخي المكرم حضرة المحدث السهارنفوري؛ إذ كان ﵀ مختصًا
стр. 91
بتدريسهما بالجامعة الشهيرة بمظاهر العلوم بسهارنفور، والكتب الباقية كان يدرِّسها والدي المرحوم، فلما شرعت في القراءة على والدي كتب الحديث سوى البخاري والترمذي فتركتهما للشيخ ﵀؛ لأنه كان أولًا في سفره للحجاز المقدس، ثم أسرته الحكومة الإنجليزية وحبسته في سجن "نَيْني تال" (١) مدة لقيامه بحركة تحرير بلاده ضد الاستعمار الغاشم، ولكن بعدئذ نبَّهني بعض أقربائي على أن والدي متألم لعدم قراءتي عليه الجامعَيْن، فحرَّضني ذلك على قراءتهما عليه أيضًا.
وقد اهتم والدي نوَّر الله مرقده بتدريس البخاري اهتمامًا بليغًا حتى إنه وسع في وقت تدريس البخاري بضم ساعة [سنن] النسائي إليه، وجعل يدرِّس النسائي يوم الجمعة، وأنا أيضًا بالغت في الاهتمام به حتى إنه لم يفتني أي حديث، ولم أقرأ حديثًا إلا على وضوء، وقد التزمت في ذلك الزمان أن أصلي العشاء بوضوء الظهر.
ثم إن والدي ﵀ رحمة واسعة لبَّى داعي ربه في ذي القعدة من تلك السنة فازداد قلبي حبًا وشغفًا به، وقد جرت العادة بأن المرء يعرف قدر النعمة بعد زوالها كما قيل:
فَقَدْتُ زَمَانَ الْوَصْلِ وَالْمَرْءُ جَاهِلٌ … بِقَدْرِ لَذِيذِ الْعَيْشِ قَبْلَ المْصَائِبِ
وكنت عازمًا في حياة والدي أن لا أقرأ جامعَي البخاري والترمذي إلا على شيخي حضرة المحدث السهارنفوري، ولذا لم أشرع فيهما عند والدي رحمه الله تعالى في أول الأمر كما تقدم، ثم كما ذكرت آنفًا أني اضطررت في القراءة عليه، ولكنه درَّسنيهما بصورة استأصلَتْ كل فكرة عن دراستهما مرة أخرى عند غيره رحمه الله تعالى، وبعد وفاته زاد هذا الأثر، حتى ثبت عكس ما قال في البداية.
стр. 92
ثم إنه لما قدم حضرة المحدث السهارنفوري من سجن "نيني تال" بعد وفاة والدي بشهر، أمرني أن أقرأ عليه جامعَي البخاري والترمذي مرة أخرى، فشرعت فيهما ممتثلًا لأمره الكريم، وأثناء هذه الدراسة رأيت في المنام أن حضرة شيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي قدّس الله سرّه العزيز يقول لي: "اقرأ عليَّ البخاري" فتحيرت من هذه الرؤيا العجيبة جدًّا؛ لأن حضرة شيخ الهند ﵀ كان حينئذ أسيرًا في مالطه (مالتا) حيث سجنه الاستعمار البريطاني لقيادة حركة التحرير ضده، فذكرتها لسيدي حضرة الشيخ خليل أحمد المحدث السهارنفوري، فقال: تأويلها أن تقرأ عليَّ البخاري، وكان هذا التأويل في محله ولا شك فيه؛ إذ لا يكون مصداق شيخ الهند في الحديث إلا سيدي حضرة المحدث السهارنفوري في ذاك الزمان بالهند.
ولكن الآن عند استماعي لهذه التراجم، خطر ببالي أن الأخد بتراجم حضرة شيخ الهند ﵀ ونشرها، إنما هو في حكم القراءة عليه ﵀، فيمكن أن يكون هذا أيضًا من جملة تعبير تلك الرؤيا، ويناسب هذا على قول أحد أعزائي المخلصين عزيزي المولوي محمد يوسف متالا: إن الزمان الذي رأيت فيه هذه الرؤيا كان حضرة شيخ الهند ﵀ حينئذ يصنِّف فيه هذه التراجم في سجن مالطة.
ولا يذهب عليك أنه قد ذكر في مقدمة "لامع الدراري" بحث طويل عن التراجم، لا بد من نقله ها هنا تكميلًا للفائدة، ومما يجب التنبيه عليه ما قال النووي (١): معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، قال الشيخ ابن الصلاح: ليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبّر عما يذكر بعده، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢): إن التراجم بكسر الجيم، أي: ما ترجم به
стр. 93
من الكتب والأبواب، جمع ترجمة، وسُمِّي ما ذكر تراجم؛ لأنه مترجِم عما بعده؛ لأن ما يذكر في الباب مثلًا تنبئ عنه الترجمة وتُبَيِّنُهُ [كذا في "نيل الأماني شرح مقدمة القسطلاني"]، وفي "شرح الإقناع": التراجم إن كان في تراجم المصنفين فتكسر فيه الجيم، وإن كان في الرمي بالحجارة مثلًا فتضم الجيم، انتهى.
قلت: لأن الآخر تفاعل من الرجم الثلاثي، والأول رباعي كما أشار إليه المجد (١)، إذ قال في باب الميم وفصل التاء: التُّرْجُمانُ، كزَعْفَرَانٍ وعُنْفُوَانٍ وَرَيْهُقَانٍ: المُفَسِّر للسان، وقد ترجمه، وعنه، والفعل يدلُّ على أَصَالةِ التاء"، انتهى.
* * *
стр. 94
فَصْلٌ في بيان التراجم
إن موضوعَ التراجم من أهم مقاصد الإمام البخاري في "صحيحه"، حتى أجمع أهل العلم كلُّهم سلفًا وخلفًا أن معظم مقصود البخاري في "صحيحه" - مع اهتمامه بصحة الأحاديث - استخراج المعاني الكثيرة من المتون، ولذا كرر الأحاديث في كتابه في الأبواب المختلفة وذكر بعضًا من الأحاديث أكثر من عشرين مرة؛ كحديث عائشة في قصة بريرة وغير ذلك، وفي الكثرة على العشرة كثرة، ولذا اشتهر قول جمع من العلماء: "فقه البخاري في تراجمه".
وسيأتي في الفائدة الثانية عن الكرماني: أن هذا قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، انتهى.
ولذلك اهتم جمعٌ من السلف والخلف لبيان تراجمه، وأفردوا لها التصانيف، واجتهدوا في بيان المناسبات وإبداء الاحتمالات الكثيرة في التراجم.
فأفردت لذلك فصلًا مستأنفًا محتويًا على أربع فوائد:
* * *
стр. 95
الأولى في ذكر بعض من صنف في ذلك تآليف مستقلة من السلف والخلف
منهم: الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنيِّر الإسكندراني، شرح البخاري في تأليف كبير نحو عشرة مجلدات، وصنف رسالة مستقلة في الكلام على التراجم سماها: "المتواري على تراجم أبواب البخاري" ذكرها صاحب "كشف الظنون"، وقال القسطلاني في مقدمة "شرحه" (١): ولابن المنيِّر حواش على ابن بطال، وله أيضًا كلام على التراجم سمّاه: "المتواري".
ومنهم: أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفهري السبتي، المتوفى سنة (٧٢١ هـ)، ألَّف رسالة في التراجم سمَّاها: "ترجمان التراجم"، وهي على أبواب الكتاب ولم تكمل، كذا في "الكشف"، وذكرها أيضًا القسطلاني في مقدمة "شرحه" بقوله: وكذا لأبي عبد الله بن رُشيد "ترجمان التراجم"، انتهى.
قلت: وذكر ابن فهد في "لحظ الألحاظ" (٢) ترجمة ابن رُشيد هذا فقال: هو الإمام المحدث ذو الفنون، محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر، إلى أن أوصل بوسائط إلى رُشيد الفهري السبتي عالي الإسناد صحيح النقل تام العناية بصناعة الحديث، مولده سنة (٦٥٧ هـ)، توفي في محرم (٧٢١ هـ)، وعدَّ في مؤلفاته "ترجمان التراجم على أبواب البخاري"، قال: أطال فيه النفس ولم يكمل، قلت: وسيأتي في كلام الحافظ أنها وصلت إلى كتاب الصيام بسط ترجمة ابن رشيد صاحب "الديباج" (٣).
стр. 96
ومنهم: الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور بن حمامة المغراوي السِّجِلْمَاسي، ألَّف رسالة سمَّاها: "حل الأغراض المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، شرح فيها مائة ترجمة للبخاري، ذكرها القسطلاني في مقدمة "شرحه" (١)، وكذا ذكرها صاحب "كشف الظنون" (٢) وغيره، وسيأتي في كلام الحافظ، وسمَّاها: "فك أغراض البخاري".
ومنهم: القاضي بدر الدين بن جماعة، كما سيأتي في كلام الحافظ.
وذكر في "بستان المحدثين" (٣): "تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح"، لأبي عبد الله بن محمد بن أبي بكر عمر القرشي المخزومي الإسكندراني الملقب ببدر الدين المعروف بالدماميني، ويظهر من اسمه أنه على تراجم الأبواب، ولم يذكره صاحب "الكشف"، بل ذكره في شروح البخاري إذ قال (٤): ومنها شرح العلامة بدر الدين محمد بن أبي بكر الدماميني، المتوفى سنة (٨٢٨ هـ)، سمَّاه "مصابيح الجامع"، أوله: الحمد لله الذي جعل في خدمة السُّنَّة النبوية أعظم سيادة، إلى آخره، ذكر أنه ألفه للسلطان أحمد شاه ابن محمد بن مظفر شاه من ملوك الهند، وعلَّقه على أبواب منه، ومواضع تحتوي على غريب [وإعراب] وتنبيه.
قلت: لم يذكر الدماميني في ديباجة شرحه هذا الذي نقله المؤلف، لكن قال في آخر نسخة قديمة: وكان انتهاء هذا التأليف بزَبيد من بلاد اليمن، قبل ظهر يوم الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الأول سنة (٨٢٨ هـ)، على يد مؤلفه محمد بن أبي بكر عمر بن أبي بكر الدماميني المخزومي، انتهى ما في "الكشف" (٥).
ولا يبعد أن يكون له تأليفان: "المصابيح في شرح البخاري" و"تعليق المصابيح على التراجم".
стр. 97
قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (١): وقد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنيِّر خطيب الإسكندرية من ذلك أربع مائة ترجمة، وتكلم عليها، ولخَّصها القاضي بدر الدين بن جماعة (٢)، وزاد عليها أشياء، وتكلم على ذلك أيضًا بعض المغاربة، وهو محمد بن منصور بن حمامة السجلماسي، ولم يكثر من ذلك، بل جملة ما في كتابه نحو مائة ترجمة، وسمَّاه: "فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، وتكلَّم أيضًا على ذلك زين الدين علي بن المنيِّر أخو العلامة ناصر الدين في شرحه على البخاري، وأمعن في ذلك، ووقفت على مجلد من كتاب اسمه: "ترجمان التراجم" لأبي عبد الله بن رُشيد السبتي يشتمل على هذا المقصد، وصل فيه إلى كتاب الصيام، ولو تم لكان في غاية الإفادة، وإنه لكثير الفائدة مع نقصه، انتهى.
ولا يوجد في ديارنا إلا رسالتان مختصرتان:
إحداهما: "رسالة شرح تراجم البخاري" للعارف الرباني شيخ المشايخ مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، المولود سنة (١١١٤ هـ)، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ)، تقدمت ترجمته مختصرًا في مقدمة "الأوجز" (٣).
ومما يجب التنبيه عليه أن في دهلي رجلًا آخر معروفًا بالشيخ ولي الله الدهلوي طالما يلتبس أحدهما بالآخر، قال مولانا السيد عبد الحي في "نزهة الخواطر" (٤): الشيخ الفاضل، ولي الله الحنفي الدهلوي، أحد العلماء المشهورين، كان سبط الشيخ عبد الأحد السرهندي، برع في الشعر والتصوف والتفسير، وسمَّى نفسه "اشتياق" في الشعر على طريق الشعراء، له مصنفات منها تفسير القرآن الكريم، وقد ظن شبلي الأعظم كَرهي في حاشيته على "كَلشن هند" أنه هو الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، وهذا خطأ فاحش، فإن الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، وإن كان
стр. 98
شاعرًا لكن اسمه في الشعر "أمين"، وهذا الشيخ ولي الله وإن كان محدثًا لكنه كان من أسباط الشيخ عبد الأحد، وكان يسكن بـ "كوتله فيروز شاه"، وأين هذا من ذاك؟ توفي هذا في سنة خمسين ومائة وألف، انتهى مختصرًا.
وذكر في موضع آخر (١) وفاة الشاه ولي الله بن عبد الرحيم حجة الإسلام يوم السبت سلخ شهر الله المحرم سنة ست وسبعين ومائة وألف.
و"رسالة تراجم البخاري" لمسند الهند حجة الإسلام هذا الثاني دون الأول، وهي رسالة وجيزة بلسان عربي، طُبعت (٢) ببلدة حيدر آباد دكن في سنة (١٣٢٣ هـ)، ذكر المؤلف قُدِّس سرُّه فيها أولًا أصولًا جامعة مطردة للتراجم، سيأتي ذكرها في الفائدة الثانية قريبًا، ثم تكلم على تراجم الأبواب مفصَّلة بالاختصار من أول الكتاب إلى آخره.
والثانية: رسالة وجيزة في اللغة الأردية لشيخ المشايخ مولانا الحاج محمود حسن (٣) المعروف بشيخ الهند، رئيس المدرسين بدار العلوم ديوبند، المولود سنة ثمان وستين وألف ومائتين، المتوفى صبيحة يوم الثلاثاء في الثامن عشر من أولى الربيعتين سنة تسع وثلاثين بعد ألف وثلاث مائة في دهلي، المدفون صبيحة يوم الأربعاء في ديوبند سنة (١٣٣٩ هـ)، طبعت في الهند، ذكر فيها أيضًا خمسة عشر أصلًا مجملة، ثم شرع الكلام على التراجم بالتفصيل، لكن الأسف كل الأسف على أنه اخترمته المنية قبل تكميلها ولم يزد على "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله" من كتاب العلم، وذكر في آخرها عدة أصول مجملة بالعربية، وبعد ذلك ذكرها فهرس الأبواب مُعْلِمًا عليها بالإشارات المشعرة إلى أغراض المصنف لا سيما في الأبواب الخالية عن التراجم، وستأتي مفصلة في أواخر الأصل العشرين، والله الموفق لما يحب ويرضى.
стр. 99
الفائدة الثانية في أصول التراجم التي ذكرها شرَّاح الحديث والمشايخ في كتبهم مجملة
وتقدم في الفائدة الثالثة من الفصل الثاني (١) ما قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (٢) في موضوع "كتاب البخاري" والكشف عن مغزاه فقال:
"تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه أصل موضوعه، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكَمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة.
قال الشيخ محيي الدين - نفع الله به -: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: "فيه فلان عن النبي ﷺ " أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلَّقًا.
وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله؛ وبعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.
ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه.
стр. 100
وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في "أسماء رجال البخاري" (١)، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت "كتاب البخاري" من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (٢).
قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول (٣)، أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي، مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبيِّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث.
قال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلُّفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ".
стр. 101
قال الحافظ: "وهذه (١) قاعدة حسنة يُفزع إليها؛ حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًا.
ثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار، إن وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي، ووافق شرطه، أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي "حدثنا" وما قام مقام ذلك، و"العنعنة" بشرطها عنده، وإن لم يجد فيه إلا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّ أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يُستأنس به ويقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك ومعناه ترجمةَ باب، ثم أورد في ذلك إما آية من كتاب الله تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل على ذلك الخبر.
وعلى هذا فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفصيل ذلك مشروحًا.
ثم قال بعيد ذلك (٢):
"ولنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي: ظاهرة وخفية.
أما الظاهرة:
فليس ذكرها من غرضنا هنا، وهي أن تكون الترجمة دالَّة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا.
стр. 102
١ - وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه:
وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما ذكر تحتها من الحديث.
٢ - وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك، بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة:
والترجمة ههنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام المخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم، إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل.
وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه.
٣ - وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ويستنبط الفقه منه.
٤ - وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضْمَره واستخراج خبيئه.
٥ - وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي: هذا الأخير (١)، حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه.
٦ - وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام (٢) كقوله: "باب هل يكون كذا،
стр. 103
أو من (١) قال كذا؟ " ونحو ذلك:
وذلك حينئذ لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم، ومراده ما يتفسر (٢) بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما.
٧ - وربما كان أحد الاحتمالين أظهر:
وغرضه أن يبقى للنظر مجالًا، وينبه على أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالًا، أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.
٨ - وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى، لكنه إذا حقَّقه المتأمل كان أجدى:
كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا القول.
٩ - وكثيرًا ما بترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادي الرأي:
كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعية"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي ﷺ استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد (٣).
стр. 104
١٠ - وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارة بأمر ظاهر، وتارة بأمر خفي:
من ذلك قوله: "باب الأمراء من قريش"، وهذا لفظ حديث (١) يروى عن علي، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث (٢) "لا يزال والٍ من قريش".
ومنها قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة" (٣)، وهذا حديث (٤) يروى عن أبي موسى الأشعري، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه: "فأذّنا وأقيما" (٥).
١١ - وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية:
فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظفر، ومن جدَّ وجد، انتهى.
وذكر الحافظ في بادي الرأي أحد عشر أصلًا في كلامه هذا، لكنه يتضمن أكثر من أحد عشر كما يظهر في الفائدة الثالثة.
стр. 105
وحكى كلامَ الحافظِ هذا القسطلانيُّ في مقدمته، سواء مع التغيير في حرف أو زيادة قول نبهت عليهما في الحاشية، زاد القسطلاني في آخره (١): "وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض (٢)، وبالجملة فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل:
أعيا فحول العلم حل رموز ما … أبداه في الأبواب من أسرار
وإنما بلَغَت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة، لما روي أنه بيَّضها بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وأنه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين"، انتهى.
وقال السندي (٣) في أول "شرحه":
اعلم أن تراجم "الصحيح" على قسمين:
قسم يذكره للاستدلال بحديث الباب عليه.
وقسم يذكره ليجعل كالشرح لحديث الباب، ويبين به محمل حديث الباب مثلًا، لكون حديث الباب مطلقًا قد عُلم تقييده بأحاديث أخر، فيأتي بالترجمة مقيدة، لا ليستدل عليها بالحديث المطلق، بل ليبين أن محمل الحديث هو المقيد، فصارت الترجمة كالشرح للحديث (٤)، والشرَّاح جعلوا الأحاديث كلها دلائل لما في الترجمة، فأشكل عليهم الأمر في مواضع، ولو جعلوا بعض التراجم كالشرح خلصوا عن الإشكال في مواضع.
وأيضًا كثيرًا ما يذكر بعد الترجمة آثارًا لأدنى خاصية بالباب (٥)، وكثير من الشرَّاح يرونها دلائل للترجمة فيأتون بتكلُّفات باردة لتصحيح الاستدلال
стр. 106
بها على الترجمة، فإن عجزوا عن وجه الاستدلال عدُّوه اعتراضًا على صاحب "الصحيح"، والاعتراض في الحقيقة متوجه عليهم، حيث لم يفهموا المقصود.
وأيضًا كثيرًا ما يكون ظاهر الترجمة معنًى فيحملون الترجمة عليه (١)، والحديث لا يوافقه، فيعدّون ذلك إيرادًا على صاحب "الصحيح"، مع أنه قصد معنًى يوافقه الحديث قطعًا (٢)، وقد يكون معنى الترجمة ما فهموا ولكن تطبيق الحديث عليه يحتاج إلى فضل تدقيق، فكثيرًا ما يغفلون عنه ويعدّونه اعتراضًا، وأنت إذا حفظت وراعيت ما ذكرنا لك، لَسَهُلَ عليك مواضع عديدة مما صعبت عليهم"، انتهى.
وقال الكرماني في أول "شرحه" (٣): وبيَّنت - أي: في شرحي - مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه الفحول البوازل في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار (٤)، فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، من جملتها ما قال القاضي أبو الوليد الباجي، فذكر كلامه المذكور قريبًا في كلام الحافظ ابن حجر.
ثم قال الكرماني: والبخاري ﵀، وإن كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه، فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ بسبيل، كيف وفيها روى أبو إسحاق العلة في ذلك - كما تقدم في كلام الباجي - وبيَّنَها: أن الحديث يلي الترجمة ليس بموضوع لها، وإنما هو موضوع ليأتي قبل ذلك بترجمة، ويأتي للترجمة التي قبله من الحديث بما يليق بها، انتهى.
стр. 107
أصول التراجم عند الإمام ولي الله الدهلوي
وذكر شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في أول رسالته في التراجم أصولًا بالإجمال، وهذا نصُّه، فقال بعد الحمد والصلاة:
يقول الفقير إلى رحمة الله الكريم، أحمد المدعو بولي الله بن عبد الرحيم - كان الله لهما -:
أول ما صنَّف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدوَّنًا في أربعة فنون:
فن السنة، أعني الذي يقال له: الفقه، مثل: "موطأ مالك"، و"جامع سفيان".
وفن التفسير، مثل: "كتاب ابن جريج".
وفن السير، مثل: "كتاب محمد بن إسحاق".
وفن الزهد والرقاق، مثل: "كتاب ابن المبارك".
فأراد البخاري أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويُجرِّده للحديث المرفوع المُسْند، وما فيه من الآثار وغيرها إنما جاء به تبعًا لا أصالة، ولهذا سمَّى كتابه بـ "الجامع الصحيح المسند".
وإنما أراد أيضًا أن يفرغ جهده في الاستنباط من حديث رسول الله ﷺ ، ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة جدًا، وهذا أمر لم يسبق إليه غيره، غير أنه استحسن أن يفرق الأحاديث في الأبواب، ويودع في تراجم الأبواب سر الاستنباط.
وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:
١ - منها: أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
٢ - ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث، بنحوٍ من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه.
стр. 108
٣ - ومنها: أن يترجم بمذهب من ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة شاهدًا، ويكون له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: باب من قال كذا.
٤ - ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها. مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز" (١)، جمع فيه حديثين مختلفين.
٥ - ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارةً إلى وجه التطبيق. مثاله: "باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وما يحذر من الإصرار على النفاق (٢) والعصيان"، ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٣).
٦ - ومنها: أنه قد يجمع في باب أحاديث كثيرة، كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، ويُعْلِمُ على ذلك الحديث علامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ: "تنبيه"، أو لفظ: "فائدة"، أو لفظ: "قف". مثاله: قوله في "كتاب بدء الخلق": "باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] "، ثم قال بعد أسطر: "باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال" وأخرج هذا الحديث (٤) بسنده، ثم ذكر حديث: "والفخر والخيلاء في أهل الخيل"، ثم ما ليس فيه ذكر الغنم، فكأنه أعلم على هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.
стр. 109
٧ - ومنها: أنه قد يكتب لفظة "باب" مكان قول المحدثين: "وبهذا الإسناد"، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب (ح) حيث جاء حديث بإسنادين.
مثاله: "باب ذكر الملائكة"، أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث: "الملائكة يتعاقبون: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (١) برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: "باب إذا قال: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم أخرج حديث: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة" (٢)، ثم ما ليس فيه ذكر آمين إلا بعد كثير، قال الإسماعيلي في موضع الباب: "وبهذا الإسناد"، كأنه يشير إلى أن لفظة "باب" علامة لقوله: "وبهذا الإسناد".
٨ - ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك.
٩ - ومنها: أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجَّب الفقيه من ذلك لعدم ممارسته لهذا الفن، ولكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.
١٠ - ومنها: أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث على هذا النوع.
مثاله: ذكر "الصواغ" في "باب ذكر الحناط" (٣)، وقد فرق البخاري
стр. 110
في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن، وذكر آثار الصحابة، والأحاديث المعلقة.
١١ - وقد يذكر حديثًا لا يدخل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أنَّ له أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث.
١٢ - وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، ولكنه إذا تحقق المتأمل أجدى، كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك.
قلت: وأكثر ذلك تعقُّبات وتبكيتات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم "مصنفيهما"؛ إذ شواهد الآثار تروى عن الصحابة والتابعين في "مصنفيهما"، ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين، واطلع على ما فيهما.
١٣ - وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل من الكتاب والسُّنَّة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه ﷺ .
ومثل هذا لا يدرك حسنه إلا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة.
١٤ - وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات، ومن شواهد الآية بالأحاديث تظاهرًا، ولتعيُّن بعض المجملات دون البعض. فيكون كقول المحدث: المراد بهذا العام المخصوص، أو بهذا الخاص العموم، ونحو ذلك.
ومثل هذا لا يدرك إلا بفهم ثاقب، وقلب حاضر.
فهذه مقدمة لا بد من حفظها لمن أراد أن يقرأ "البخاري" ويفهم.
والحمد لله أولًا وآخرًا، انتهى كلام شيخ المشايخ.
стр. 111
أصول التراجم عند شيخ الهند
وذكر شيخ الهند قُدِّس سرُّه خمسة عشر أصلًا بالبسط في اللغة الأردية في مبدأ تراجمه، يأتي بيانها في الفائدة الثالثة مفصلًا معربًا، وذكر في آخرها عدة أصول في العربية، وهذا نصه، فقال:
اعلم أن المؤلف ﵀ مرّة يصرِّح بالترجمة، لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة، جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، فمن لم يتأمل وقصر على الظاهر يقع في التكلف والتخبُّط.
مثلًا: قال ﵀: "باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب"، وذكر فيه حديث (١) استئجار أهل الكتابين واستئجار هذه الأمة، فأشكل التطبيق على الشرَّاح، وتكلفوا فيه.
والتحقيق: أن غرض المؤلف من هذه الترجمة بيان آخر وقت العصر، فظهر التطبيق، فافهم، ولو قال: "باب تأخير العصر إلى الغروب" كما صرح في الصفحة السابقة: "باب تأخير الظهر إلى العصر"، ما تكلف أحد هذه التكلفات البعيدة.
وهكذا قال بعد ورقة: "باب من أدرك من الفجر ركعة"، فالمقصود منه أيضًا بيان آخر وقت الفجر لا ظاهر الترجمة، والله أعلم.
وهكذا قال في محل آخر: "باب ما يقول بعد التكبير"، وأدخل فيه حديث الكسوف (٢) أيضًا، فأشكل التوفيق فتكلَّفوا.
والوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يُفهم أن غرض المؤلف في هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، فحينئذ ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في الباب، فافهم، والله أعلم، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء.
стр. 112
وتارة يذكر الباب (١) بلا ترجمة، ويذكر فيه حديثًا، فالشرَّاح ﵏ يذكرون في مثل هذا المقال احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، كما لا يخفى على المهرة، وأحسن أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا العذر أيضًا لا يتمشَّى في بعض المواضع.
مثلًا قال في الأبواب المتعلقة بأحكام البول: "باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله"، وذكر فيه حديث إنسانين يعذبان في قبورهما، ثم قال بعده: "باب ما جاء في غسل البول"، وذكر في الترجمة هذا الحديث (٢)، ثم بعد ذلك الباب قال: "باب" بلا ترجمة، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؟ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا، فافهم.
وعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا ويذكر حديثًا، ومقصوده أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حكمًا غير ذلك بشرط أن يكون مناسبًا لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة.
فعندنا - والله أعلم - هذا الاحتمال أقوى وأليق. وأنفع مهما أمكن.
نعم، إذا كان مانع منه في موضع ما، فلا بدَّ أن يتوجَّهوا إلى احتمال آخر يناسب ذلك المقام.
فعلى هذا يقال ههنا مثلًا: ينبغي أن تكون الترجمة كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها، والله أعلم بالصواب، لا يقال: إن في أبواب القبر يقول: "باب عذاب القبر من الغيبة والبول"، فتتكرر الترجمة؛ لأنا نقول: المقصود هناك بيان حكم القبر، وها هنا المقصود ذكر حكم البول، فأين التكرار؟
стр. 113
ونظائره كثيرة عند المؤلف لا تخفى على الناظرين، مثلًا: قال في أبواب الإيمان: "أداء الخمس من الإيمان"، ثم قال في أبواب الخمس: "أداء الخمس من الدِّين"، وهكذا قال المؤلف ﵀ في آخر أبواب التيمم: "باب" بلا ترجمة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ "، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك" (١).
فعلى ما ذكرنا سابقًا يفهم من التراجم المذكورة في هذه الأبواب، أن الترجمة ههنا ينبغي أن تكون: "إذا لم يجد الجنب ماء يتيمم"، ولا حاجة إلى سهو الناسخين، أو عدم توفيق المؤلف ﵀.
وتارة يذكر بابًا (٢) مع الترجمة، لكن لا يذكر حديثًا عكس الصورة الأولى، وفيه وجهان، مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًّا على الترجمة، وهو كثير، ومرة لا يذكر شيئًا منها أيضًا، كما لا يذكر حديثًا مسندًا بل يذكر الترجمة فقط، فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين، أو سهو المؤلف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده.
والتحقيق عندنا في هذه المواضع التفصيل:
أما الصورة الأولى: فظاهر أن الترجمة مدلَّلة بالآية أو الحديث أو غيرهما المذكور في ذيل الترجمة، فالترجمة تثبت ما تركها غير ثابتة، واكتفى المؤلف بهذا القدر بوجه ما، إما لأن حديثًا على شرط المؤلف ليس عنده، وإما لقصد التمرين.
وأما الصورة الثانية: فلا يختارها المؤلف إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة
стр. 114
جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور في الكتاب، وإن لم يذكر مع الترجمة لقصد التمرين والتنبيه وغيرها من الأسباب.
نعم، وجدنا في جملة الكتاب بابًا أو بابين، جعل ﵀ الآية فيه ترجمة، واكتفى بها، ولم يذكر معها حديثًا ولا قولًا، فالأَولى أن يقال: لما جعل الترجمة آية القرآن وهو دليل فوق جميع الأدلة، فهذه الترجمة دعوى دليلها معها، لا يحتاج إلى دليل آخر، فاكتفى بها، فلا يقال: الدعوى بقيت بلا دليل، ولا يحتاج إلى أن يجعل حديثًا أو قولًا المذكور في الأبواب السابقة أو اللاحقة دليلًا لها، فالله أعلم.
هذا ما عندنا من التفصيل، فعليك بالتأمل الصادق والإنصاف اللائق، فإن كان حقًا فمن العزيز الرحيم، وإلا فمني ومن الشيطان الرجيم، انتهى.
وأشار الكرماني في مواضع من "شرحه" (١): أن الإمام البخاري يقتفي مشايخه في تراجم "صحيحه".
وتعقبه الحافظ في "الفتح" (٢) ورد عليه في "باب طرح الإمام المسألة" إذ قال: وأما دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم فإنها غير مقبولة، ولم نجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه، وجودة تصرفه، حكى أنه كان يقلِّد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، والذي ادَّعاه الكرماني يقتضي أنه لا مزية له في ذلك؛ لأنه مقلد فيه لمشايخه، وأعاد الكرماني هذا الكلام في "شرحه" مرارًا، ولم أجد له سلفًا في ذلك، والله المستعان، انتهى مختصرًا.
* * *
стр. 115
الفائدة الثالثة في تفاصيل الأصول من الأصول المذكورة في كلام الشرَّاح أو المشايخ المذكورين، أو من كلامهم في الشروح أو الدروس من غير ما ذكر سابقًا، أو مما كان خاطري أبا عُذْرَه
ونقدم من تلك الأصول الخمسة عشر التي تقدمت في كلام شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي قُدِّس سرُّه مع الزيادة عليها من كلامه ﵀ في تراجمه، ثم بعد ذلك الأصول الخمسة العشر (١) التي ذكرها شيخ الهند ﵀ باللغة الأردية في مبدأ تراجمه، ثم الأصول الأُخَر التي ظفرت بها.
ولما أردت أن أذكر كلام الشيخين الجليلين المذكورين مسلسلًا وقع التفريق في بيان الأصول المتناسبة التي كان حقها أن تذكر مسلسلة كما سترى في التفصيل:
١ - الأول: يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه:
من الأصول التي ذكرها شيخ المشايخ في مبدأ تراجمه -:
أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شروطه، ويذكر هنا حديثًا شاهدًا له على شرطه، انتهى.
وهذا أصل مطَّرد، كثير الشيوع في "صحيحه"، وتقدم هذا الأصل في كلام الحافظ في "مقدمته" (٢) الذي رقمت عليه (١٠)، ومثَّل له الحافظ بـ "باب الأمراء من قريش"، وبـ "باب الاثنان فما فوقهما جماعة"، وتبع القسطلاني في "مقدمته" (٣) في ذلك الأصل الحافظ.
стр. 116
قلت: ومن أمثلته:
"باب سترة الإمام سترة لمن خلفه" حديث لـ "الأوسط" (١) بضعف، ذكر له البخاري شاهدًا.
و"باب الأذان مثنى مثنى"، قال الحافظ (٢): لفظ [هذه] الترجمة في حديث مرفوع لابن عمر ﵄ أخرجه الطيالسي. . . إلخ.
و"باب الإقامة واحدة"، قال الحافظ (٣): ولم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: "الأذان مثنى والإقامة واحدة" (٤).
و"باب الصعيد الطيب وضوء المسلم"، قال الحافظ (٥): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البزار (٦) بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا. . . إلخ.
و"باب من قال لا يقطع الصلاة شيء"، قال الحافظ (٧): الجملة المترجم بها أخرجها الدارقطني (٨) مرفوعًا لكن إسنادها ضعيف. . . إلخ.
و"باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، قال الحافظ (٩): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن (١٠). . . إلخ.
قلت: ونظائره كثيرة في الكتاب، ولا يلتبس هذا الأصل بالأصل الحادي والأربعين الآتي في محله.
стр. 117
٢ - الثاني: الترجمة بنوع من الدلالات:
أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصِّه، أو إشارته، أو عمومه، أو إيمائه، انتهى.
ذكره شيخ المشايخ أصلًا واحدًا فاقتفينا أثره، وإلا فهو أصل متضمن لأربعة أصول كما لا يخفى، وأشار الحافظ في "الفتح" (١) في آخر "باب فضل صلاة الفجر في جماعة" إلى هذ الأصل، وبه أثبت المناسبة بالروايات.
وأثبت شيخ المشايخ في تراجمه بهذا الأصل مناسبة كثير من الروايات، كما قال في "باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. . ." إلخ: إنه ﵁ أثبت ذلك بحديثي الباب بالدلالة الالتزامية، وقال في "باب الوضوء من النوم": استدل المؤلف بظاهر الحديث. . . إلى أن قال: وأمثال هذه الاستدلالات للمؤلف كثيرة، فاحفظ فإنه ينفعك.
وكذا في "باب عرق الجنب"، وكذا في "باب من صلى في الثوب الذي يجامع فيه"، إذ قال: احتاج في هذا الباب إلى هذا النوع من الاستدلال بالإيماءات والإشارات الخفية؛ لأنه لم يرد فيه نص يدل عليه، انتهى.
وكذا في "باب ذكر البيع والشراء في المسجد"، وكذا في "باب سُنَّة الصلاة على الجنازة"، وكذا في "باب المزايدة"، و"باب إيجاب التكبير"، أثبت بعضها بالإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء.
وهذه الأنواع وسيعة في تراجم الإمام البخاري، وأخذ بذلك العيني في المواضع الكثيرة، مثلًا: قال (٢) في حديث أبي موسى في "باب من أدرك ركعة من العصر": مطابقته للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. وكذا قال في الباب الذي بعده "باب وقت المغرب".
стр. 118
٣ - الثالث: من قال كذا:
أنه يترجم بمذهب ذهب إليه قبل، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: "باب من قال كذا"، انتهى.
قلت: هذا أصل معروف عند المشايخ جارٍ على ألسنتهم كثيرًا، وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ فيما رقمت عليه السادس، إذ قال: وكتيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: "باب هل يكون كذا؟ أو من قال كذا"، ونحو ذلك؛ وذلك حينئذ لا يَتجه له الجزم بأحد الاحتمالين. . . إلى آخر ما تقدم من كلامه.
ولذا قال الحافظ في "الفتح" (١) في "باب من انتظر الإقامة": أوردها مورد الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام، انتهى.
وتبعه القسطلاني أيضًا في هذا الأصل في مقدمة "شرحه" (٢).
ولا يذهب عليك الفرق بين كلام شيخ المشايخ - إذ قال: إنه إشارة إلى مذهب من غير قطع بترجيحه -، وبين كلام الحافظ - إذ قال: إنه لعدم الجزم بأحد الاحتمالين -، ومع ذلك كله فليس هذا الأصل بمطَّرد، فإنه طالما يترجم بذلك في الإجماعيات، كما في "باب من بنى مسجدًا"، وفي "باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء"، و"باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين".
نعم، ما قال الحافظ: إن غرضه بذلك التنبيه على الثبوت متجه في أكثرها، فإن المبدوء بلفظ: "باب من قال كذا" في جميع الكتاب عشرة أبواب (٣)، والتنبيه على الثبوت محتمل في أكثرها بل كلها.
стр. 119
٤ - الرابع: عدم جزم الحكم في الروايات المختلفة:
قد يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها.
مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"، جمع فيه حديثين مختلفين، انتهى.
قلت: هذا أصل مطَّرد معروف عند الشرَّاح، يعبِّرون عنه بأن الروايات التي لا تترجّح إحداهما على الأخرى عند المصنف لا يجزم بالحكم في الترجمة. وأخذ شيخ المشايخ في تراجمه في "باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان"، إذ قال: جمع البخاري في هذا الباب أحاديث، بعضها يدل على أن الناسي والجاهل لا يؤاخذان بما فعلا، ومن قضيتها أن لا تجب الكفارة. وبعضها يدل على أنهما يؤاخذان ببعض فعلهما، إلى آخر ما قال. وبهذا الأصل جزم ابن المنيِّر في الباب المذكور إذ قال: أورد الأحاديث المتجاذبة ليفيد الناظر مظانَّ النظر، ومن ثَمَّ لم يذكر الحُكم في الترجمة، بل أفاد مراد الحكم، والأصول التي تصلح أن يقاس عليها، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
ويدخل في هذا الأصل عندي: "باب الصلاة على الشهيد"، إذ لم يجزم فيه المصنف بالحكم، وأورد فيه حديثين متعارضين، و"باب رفع الصوت في المسجد" لم يجزم فيه بحكم، وأورد الروايتين المختلفتين، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل الخامس والثلاثين؛ لظهور الفرق بينهما؛ فإن عدم جزم الحكم ها هنا لمكان اختلاف الروايات وهناك لمكان اختلاف أهل العلم، وكذا لا يلتبسان هذان بالأصل السابع والأربعين، فإن عدم الجزم بالحكم فيه للتوسع في الحكم، فتميّز كل أصل عن أخويه، ولا تلتبس الثلاثة بالثامن والستين، فإن عدم الجزم فيه لمجرد الاحتمال.
стр. 120
٥ - الخامس: تطبيق:
أنه قد تتعارض الأدلة ويكون عند البخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل.
مثاله: "خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر من الإصرار على النفاق" (١)، كما تقدم مفصلًا في كلام شيخ المشايخ.
وهذا الأصل مطَّرد كثير الشيوع في الكتاب، أخذ به شيخ المشايخ في عدة مواضع من تراجمه، فقال في "باب قوله (٢): لا تستقبل القبلة بغائط. . ." إلخ: في هذه المسألة القول معارض للفعل، فأشار المصنف بضم الاستثناء في الترجمة إلى وجه الجمع إلى أن القول في الصحراء، والفعل بالأبنية.
وكذا قاله الشيخ قُدِّس سرُّه في "باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببكاء أهله"، قال: غرضه من هذا الباب الجمع بين ما روي عن عمر بن الخطاب وأمية ﵄، وبين ما ناقضت به عائشة ﵂، على طبق ما حكي عن الشافعي ﵀ من وجه الجمع بينهما، انتهى.
قلت: ومن ذلك "باب النوم قبل العشاء لمن غلب. . ." إلخ، و"باب من سأل الناس تكثرًا".
٦ - السادس: باب في باب:
أنه يجمع في باب أحاديث كثيرة دالة على الترجمة، ثم يظهر له في حديث فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعلم على ذلك الحديث بعلامة: الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، إلى آخر ما تقدم من كلامه مفصلًا.
стр. 121
وهذا أصل مطَّرد كثير الوقوع في كتابه، أخذ بذلك جمع من المشايخ، معروف في ألسنتهم بـ "باب في باب"، ونظائره في "صحيحه" لا سيما في "كتاب بدء الخلق" في "باب قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] " كثيرة، والعجب من عامة الشرَّاح أنهم لا يأخذون بهذا الأصل، ولذا مال الحافظ في "الفتح"، والعيني والقسطلاني في "شرحيهما" إلى أن الأَولى حذف هذه الأبواب، ولا حاجة إلى ذلك، فإنه أصل معروف ومطَّرد، ولا يضطر على قَبول هذا الأصل المطَّرد إلى تغليط النسَّاخ في ذكر الأبواب الكثيرة من هذا النوع في "الصحيح".
ولذا أورد عليهم شيخ المشايخ في تراجمه في "باب من مضمض من السويق" إذ قال: هذا الباب من قبيل الباب في الباب؛ لأنه يشتمل على ما عقد له الباب السابق مع فائدة أخرى إلى أن قال: فاحفظ هذا التقرير فإنه ينفعك في مواضع من البخاري، وأكثر الشرَّاح في أمثال هذا المقام قد خبطوا كثيرًا، انتهى.
وبذلك جزم في "باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد"، إذ قال: دلالة الحديث على جواز ذلك ظاهرة، والحديث الذي في الباب الثاني أظهر في ذلك، ولهذا ينبغي أن يقال: إنه باب في الباب على نحو ما مرَّ سابقًا في مواضع عديدة، إلى آخر ما قال، وقال في "باب فضل صلاة الفجر في جماعة": هذا الباب في الباب، فلا إشكال في ربط الحديثين الآخرين فيه مع الترجمة فتدبر، انتهى، وقال في "باب المدبر": هذا باب في باب، انتهى.
والشرَّاح لما لم يأخذوا بهذا الأصل المطَّرد، جهدوا بربط هذين الحديثين بالترجمة جهدًا شديدًا، وذكروا في المطابقة توجيهات بعيدة، ثم لا يذهب عليك أن هذا الأصل المذكور غير الآتي في التاسع والخمسين.
стр. 122
٧ - السابع: "باب" مكان (ح):
قد يكتب لفظ الباب مكان قول المحدثين: "بهذا الإسناد"، كما يكتبون (ح)، إلى آخر ما تقدم من كلامه قُدس سرُّه مفصَّلًا (١).
وهذا الأصل وضعه الشيخ ﵀ لهذا الموضع خاصة، وليس له نظير آخر في نظري القاصر في جميع الكتاب، وليس الباب ههنا في نسخة الحافظ، وقال في "شرحه" (٢): ووقع في كثير من النسخ ههنا: "باب إذا قال أحدكم آمين" إلى آخر الحديث، فصار ترجمة بغير حديث، وصارت الأحاديث التي تتلوه لا تعلى لها به، فأشكل أمره جدًا، وسقط لفظ الباب من رواية أبي ذر فخفف الإشكال، لكن لو قال: وبهذا الإسناد، أو: وبه قال، أو نحو ذلك، لزال الإشكال، وقد صنع ذلك الإسماعيلي فإنه ساق حديث "يتعاقبون"، فلما فرغ قال: وبهذا الإسناد "إذا قال أحدكم"، فساقه من طريقين عن أبي الزناد كذلك، وظهر بهذا أن الحديث وما بعده من الأحاديث بقية ترجمة ذكر الملائكة، انتهى.
قلت: وبصنيع الإسماعيلي أخذ الشيخ قُدِّس سرُّه هذا الأصل، وما يخطر في بال هذا العبد الضعيف أن هذا الباب ليس بمثبَت - بفتح الموحدة - حتى يحتاج له إلى حديث، بل هو مثبِت - بكسر الموحدة - كأنه أشار إلى أن "باب قوله ﷺ : إذا قال أحدكم: آمين" بجميع رواياته المروية بالألفاظ المختلفة مثبِت للترجمة السابقة، وهي "ذكر الملائكة"، فلو جعل هذا أيضًا [أصلًا] مستقلًا، وهو أنه قد يترجم بباب، لا لإثباته بل هو مثبت للباب السابق، كان جديرًا لتفنن طبع المصنف قُدِّس سرُّه.
ثم رأيت أن السِّندي قد مال إلى ذلك التوجيه الذي سنح في خاطر هذا الفقير، فللَّه الحمد والمنة.
стр. 123
قال السندي (١): قوله: "باب إذا قال أحدكم: آمين" لعل مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، والله أعلم، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، والله تعالى أعلم، انتهى.
وحينئذ فلم يبق لي مانع أن أذكره أصلًا مستقلًّا، ولذا ذكرته أصلًا مستقلًّا كما سيأتي في الأصل الستين، وسيأتي هناك بعض أمثلته.
٨ - الثامن: الحديث بضد الترجمة:
أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، وبما كان يذهب إليه بعضهم، أو بحديث لم يثبت عنده، ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك، انتهى.
كذا في مبدأ تراجم الشيخ قدِّس سرُّه ولم يمثل له بمثال، وما ذكر هذا الأصل في موضع من تراجمه المفصلة، ومع ذلك هذا أصل مشهور على ألسنة المشايخ.
ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وهو قطعة من حديث معروف، وذكر بعده الإمام البخاري: "وصلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس"، ثم أورد في الباب حديثًا (٢) طويلًا في مرضه ﷺ ، وفيه: "فجعل أبو بكر ﵁ يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد"، قال الشيخ في "التراجم": قوله: "وصلى النبي ﷺ . . ." إلخ، أشار بإيراد هذا القول في تعاليق الباب إلى نسخ هذا القدر من الحكم، انتهى.
стр. 124
ويمكن أيضًا أن يمثل له بـ "باب جهر المأموم بالتأمين"؛ إذ أورد فيه حديث تأمين المأموم (١) مطلقًا بدون قيد الجهر، فكأنه لم يجهر المأموم بالتأمين على إحدى التوجيهات العديده في توافق الحديث بالترجمة.
وهكذا ترجم بـ "باب بيع العبد الزاني"، وأورد فيه حديث (٢) زنا الأَمَة، على إحدى التوجيهات.
وكذا ترجم بـ "باب [وقت] الجمعة إذا زالت الشمس"، وأورد فيه حديث (٣) التبكير بها والقيلولة بعدها.
وترجم بـ "باب من كفن بغير قميص"، وأورد فيه حديث (٤) ابن أُبَي المنافق الدال على القميص.
وترجم بـ "باب تحري ليلة القدر في الوتر"، وأورد فيه عن ابن عباس (٥): "التمسوا في أربع وعشرين".
وهذا الأصل غير الأصول الآتية في ٤٣ و ٥٥ و ٦٤، فلا تلتبس الأربعة، وكذلك هذا الأصل بمعزل من الأصل الثالث كما لا يخفى.
٩ - التاسع: استنباط الأحوال التاريخية:
يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارة طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه من ذلك. . .، إلى آخر ما قال.
ويوضح كلامه هذا ما تقدم من كلامه مبسوطًا في آخر الفائدة الثالثة عشرة في "باب ذكر قحطان".
ويمكن عندي أن يمثل له بـ "باب كيف كان بدء الحيض"؛ إذ
стр. 125
استنبط الإمام ﵁ كونه من زمن آدم ﵇ بحديث (١) عائشة ﵂ في الحج.
وهذا الأصل بمعزل من الآتي في الرابع والخمسين والتاسع والخمسين.
١٠ - العاشر: التمرن:
ما قال قُدِّس سرُّه: قد يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع.
مثاله ذكر الصوَّاغ في "باب ذكر الحناط"، هكذا أفاد الشيخ، ولا ريب في قصد التمرن من الإمام البخاري في جميع كتابه، ومع ذلك لم أجد هذا الباب فيما عندي من نسخة "الجامع الصحيح"، فلعله يكون في نسخة الشيخ قُدِّس سرُّه.
١١ - الحادي عشر: الاشارة إلى بعض طُرق الحديث:
قد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرق، وبعض طرقه يدل عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن له أصلًا يتأكد به ذلك الطريق. ومثل هذا لا ينتفع به إلا المهرة من أهل الحديث، انتهى.
هكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه، وجعل كله أصلًا واحدًا، وإلا ففي الحقيقة هما أصلان مطَّردان كثيرا الوقوع في "الجامع":
الأول: أنه يشير به إلى بعض طرقه الواردة في "الصحيح" في الموضع الآخر، وأشار إلى ذلك الشيخ بأول كلامه.
والثاني: أن يشير بذلك إلى بعض طرقه الواردة في الكتب الأخر
стр. 126
من غير "الجامع"، وإليه أشار الشيخ بآخر كلامه بقوله: أشار على أن له أصلًا صحيحًا. . . إلخ.
وجعلهما شيخ الهند ﵀ أيضًا في أصول تراجمه أصلًا واحدًا، وباتّباعهما قُدِّس سرُّهما جعلته أصلًا واحدًا، وإلا فهما أصلان متغايران جدًّا، جديران بأن يُفْرَدَ كلُّ واحد منهما عن الآخر.
وبسَطَ الكلام على ذلك شيخ الهند ﵀ في الأصل السادس من أصول تراجمه إذ قال: قد يذكر المصنف في الباب حديثًا لا تعلق له بالترجمة أصلًا، لكنه ﵀ يذكر هذا الحديث في باب آخر من "صحيحه"، ويكون فيه ما يثبت الترجمة الأولى صريحًا، ومن لم يعرف ذلك يتكلف في التطبيق بين الترجمة الأولى وحديثها تكلفات باردة.
مثاله: أنه ترجم في أول كتابه "باب السمر في العلم"، وأورد فيه حديث ابن عباس (١): "بِتُّ في بيت خالتي ميمونة ﵂. . ." إلخ، ولا ذكر فيه للسمر أصلًا، فاضطر الشرَّاح في ذلك إلى تأويلات باردة كلها بمعزل من الحقيقة.
وأجاد في ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرحه" إذ قال: إن المصنف أخرج الحديث في كتاب التفسير، وفيه زيادة وهي قوله: "فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة" (٢)، وهذه الجملة نص في إثبات الترجمة الأولى، انتهى.
قلت: وتمام كلام الحافظ (٣) في الباب المذكور بعد ذكره التوجيهات العديدة عن الشرَّاح الأخر، وكل ذلك معترض، والأَولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على
стр. 127
الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن.
وإنما أراد البخاري ههنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر، وهو ما أخرجه في التفسير بلفظ: "تحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد. . ." الحديث، فصحَّت الترجمة صريحًا - بحمد الله - من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، انتهى مختصرًا.
قلت: هو كذلك فإن الإمام البخاري ﵀ أخرج بهذه الزيادة في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
ثم قال شيخ الهند ﵀ في هذا الأصل السادس المذكور: وتارة يكون الحديث الذي فيه جملة مثبتة للترجمة لا يكون على شرط المؤلف وإن كان صحيحًا، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لا يذكره المؤلف في "صحيحه"، ولا يظفر بذلك إلا من تتبع كتب الحديث، انتهى مختصرًا.
وهذان الأصلان مطَّردان في "صحيحه" قد أخذ بهما الحافظ ابن حجر في المواضع التي لا تحصى من "شرحه"، منها: ما قال في "باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان": الذي يظهر لي من تصرُّف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا (١)، ثم ذكر الطرق المصرِّحة بذلك، وقال في "باب دلك المرأة. . ." إلخ: جرى على عادته في الترجمة بما تضمَّنه بعض طرق الحديث (٢)، وقال في "باب أمور الإيمان، وقول الله ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ الآية [البقرة: ١٧٧] ": وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق (٣) وغيره، ورجاله ثقات، ولم يسقه