← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 613–652 · переход к 618.

стр. 613

(٢٢ - باب إذا احتلمت المرأة) قال الحافظ (١): إنما قيَّده بالمرأة مع أن حكم الرجل كذلك لموافقة صورة السؤال، وللإشارة إلى الرد على من منع منه في حق المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيره عن إبراهيم النخعي، انتهى. قلت: وها هنا مسألتان بسط الكلام عليهما في "الأوجز": إحداهما: احتلام المرأة، ففي "الأوجز" في سؤال أم سليم وإنكار عائشة عليها بقولها: "أفٍّ لك هل ترى ذلك المرأة؟ " ولعلها أنكرتها؛ لأنها لم تعلم لندرتها في النساء مع حداثة سن عائشة، وقيل: لا يحتلم كل النساء. وثانيهما: إثبات المني للمرأة، وأجمع عليه فقهاء الأمصار ولم يخالف فيه إلا طائفة من الفلاسفة، فقال أرسطاطاليس: لا مني لها غير أن دم الطمث لها فيه قوة التوليد، وقال ابن سينا: إن لها رطوبة شبيهة بالمني لا يصدق عليه المني، لكن المختار عند محققي الفلاسفة والأطباء أيضًا وجود المني لها، كذا في "السعاية"، انتهى ما في "الأوجز" (٢). (٢٣ - باب عرق الجنب. . .) إلخ قال الحافظ (٣): تقدير الكلام بيان حكم عرق الجنب، وبيان أن المسلم لا ينجس، وإذا كان لا ينجس فعرقه ليس بنجس، ومفهومه أن الكافر ينجس فيكون عرقه نجسًا، وتمسك بظاهره بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقوَّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن

стр. 614

النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجة الجمهور حل نكاح الكتابيات، ولا يخلو المضاجع عن العرق، وأغرب القرطبي إذ نسب القول بنجاسة عرق الكافر إلى الشافعي، انتهى مختصرًا من "الفتح". وهكذا حكى العيني (١) قول القرطبي وقال: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما، قال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي، وقال ابن حزم: العرق من المشركين نجس، انتهى. فما في "الفيض" (٢) من نسبة نجاسة بدن الكافر إلى مالك لعله سهو من الكاتب، وفي هامشي على "البذل" (٣): قال ابن رسلان: قوله: المسلم ليس بنجس، وكلك الكافر عندنا وعند مالك وجمهور المسلمين من السلف والخلف، ثم قال: وأغرب القرطبي في الجنائز من "شرح مسلم" فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. (٢٤ - باب الجنب يخرج. . .) إلخ قال الحافظ (٤): قوله: "وغيره" بالجر، أي: وغير السوق، ويحتمل الرفع عطفًا على "يخرج" من جهة المعنى، وقوله: قال عطاء. . . إلخ، هذه الأفعال هي المرادة بقوله: "وغيره" بالرفع في الترجمة، انتهى. وغرض الترجمة عند الشيخ الكَنكَوهي (٥) عدم وجوب الغسل على الفور، فقد كتب على قوله: قال عطاء. . . إلخ، يعني بذلك: أن الغسل لا يجب له على الفور لجواز الاشتغال بتلك الأمور بقول عطاء، فكان له الخروج إلى الأسواق وغيرها لما جاز له تأخير الاغتسال، ثم إن السوق

стр. 615

وغيره سواء في الحكم، فكان إثبات جواز أحدهما إثباتًا لجواز الآخر، أو يقال: لما ثبت المطلق ثبت جوازه في أي فرد كان، فيثبت الجواز في السوق وغيره، انتهى. وفي هامشه: قلت: فالظاهر أن المصنف أراد تقوية ما في أبي داود (١) في "باب الجنب يؤخر الغسل" عن عائشة: "ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل آخره، فقال غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة"، وعلى هذا فلا إشكال في الأثر ولا في الرواية، ولعل السر في تبويب المصنف بلفظ: "الجنب يخرج ويمشي" ما حكى العيني (٢) برواية ابن أبي شيبة، والبيهقي عن جماعة من الصحابة، ذكر العيني أسماءهم أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتى يتوضأوا، انتهى. (٢٥ - باب كينونة الجنب في البيت. . .) إلخ قال الحافظ (٣): قيل: أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي ﵁ مرفوعًا: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب" رواه أبو داود (٤) وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لم يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح، انتهى. قلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى تقرير حديث علي بأنه محمول على عدم

стр. 616

الوضوء، وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (١) على حديث علي: قال الخطابي (٢): يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ثم قيل: إنه لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخّر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة، ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به، ويتخذه عادة، فإن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء"، انتهى. (٢٦ - باب نوم الجنب) ليست هذه الترجمة في نسخة "الفتح". وقال الحافظ (٣): هذه زائدة للاستغناء عنها ب باب الجنب يتوضأ ثم ينام ، ويحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون زائدة، انتهى. قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الفقير أنه صرح بجوازه لدفع توهم أن النوم أخو الموت، وحقه أن لا ينام جنبًا ولما تقدم من باب النوم على الطهارة. (٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام) قال الحافظ (٤): قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بلفظ الأمر، وجاء بصيغة الشرط وهو متمسك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وبسط الحافظ الكلام على اختلاف النقلة في مذاهب الأئمة، ورجح رواية الاستحباب عنهم، وقال: نقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب إلى آخر ما في "الفتح".

стр. 617

وكتب الشيخ في "البذل" (١): ذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء"، إلى آخر ما بسط الشيخ، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٢) أيضًا، وفيه: قال العيني (٣): ذهب طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره ويديه وهو التنظيف، وذلك يسمى عند العرب وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل، إلى آخر ما فيه. (٢٨ - باب إذا التقى الختانان) أجمع الشرَّاح على أن المراد بالتقائهما الإيلاج، ومجرد الالتقاء لا يوجب الغسل عند أحد، وهل هو مجاز عن الإيلاج؟ والأوجه عندي: أنه لازم للإيلاج، ليس بمجاز عنه، والبسط في "الأوجز" (٤)، وبسط الكلام على المسألة في هامش "اللامع" أيضًا، وفيه: قال ابن العربي في "شرح الترمذي" (٥): هذه المسألة عظيمة الموقع في الدين مهمة في مسائل الدين، وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم لم يروا غسلًا إلا من الإنزال، ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك، ثم روي عن عمر أنه قال: من خالف ذلك جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وما خالف في ذلك إلا داود ولا يعبأ بخلافه، فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه أن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلّ علماء المسلمين معرفةً وعدلًا، وما بهذه المسألة من خلاف، فإن الصحابة اختلفوا فيها ثم

стр. 618

رجعوا عنها واتفقوا على وجوب الغسل بالتقائهما وإن لم ينزل. ثم بسط ابن العربي في تضعيف رواية الماء من الماء وقال: العجب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل وبين حديث عثمان وأُبي في نفي الغسل إلى آخر ما بسط في تضعيف حديث عثمان وأبي، ثم اختلفوا في ميل الإمام البخاري في ذلك هل إلى قول داود أو إلى قول الجمهور كما هو رأي الشيخ إذ قال (١): قوله: "هذا أجود وأوكد. . ." إلخ، يعني به: الوجوب، والآخر منسوخ لا معمول، فإن أفعل التفضيل عند أئمة الحديث كثيرًا ما يستعمل لمعنى التوكيد والتشديد، ولا يعنون به الزيادة على الغير في مأخذ الاشتقاق حتى يكون الآخر - أي: المفضل عليه - جيدًا وآكدًا إلى آخر ما بسطه الشيخ. وإليه يشير كلام شيخ المشايخ في "التراجم" (٢) إذ قال: أي: الغسل عند ذلك أحوط اجتهادًا، أي: من حيث الاجتهاد عند المصنف هو الغسل الذي عقد الباب السابق لأجله، وذكر الباب اللاحق إنما هو لمحض الإحاطة بجوانب ثم ترجيح الراجح، انتهى. وذكره ابن العربي احتمالًا كما سيأتي وهو الظاهر عند الحافظ ابن حجر، وهو الأوجه عندي؛ لأن الإمام البخاري ترجم لالتقاء الختانين وأورد فيه حديث إيجاب الغسل ولم يذكر فيه حديث الإكسال، ثم لما ذكر حديث الإكسال لم يترجم عليه إلا غسل ما يصيب من الفرج، قال ابن العربي بعد ما تعقب على البخاري (٣): ويحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط"، يعني: في الدين من باب حديثين تعارضا فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، انتهى.

стр. 619

يعني الأليق بشأن البخاري أن لا يخالف الإجماع، ومعنى قوله: "أحوط"، يعني: إيجاب الغسل فيه للاحتياط كما أوجبوا الوضوء في النوم للاحتياط. وقال الحافظ بعد ما حكى قول ابن العربي المذكور (١): وهذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث من غير هذه المسألة، انتهى. وتعقب عليه العيني (٢): وتعقب هذا العبد الفقير على كلام العيني كما بسط في هامش "اللامع"، انتهى مختصرًا وملخصًا من هامش "اللامع". (٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة) هذا الباب عند العبد الفقير غير ما سبق من "باب المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة"، فإن المذكور في الباب السابق عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه تعالى حكم مني المرأة كما سبق التنبيه عليه في الباب السابق. ومقصود هذا الباب بيان رطوبة الفرج كما يدل عليه الحديث الوارد في هذا الباب، فإنه صريح في من جامع ولم ينزل، قال الموفق (٣): في رطوبة الفرج احتمالان: النجس، والطهر، إلى آخر ما بسطه. وفي "الدر المختار" (٤) من فروع الحنفية في آخر باب الاستنجاء: رطوبة الفرج طاهرة خلافًا لهما، وفيه أيضًا: في باب الأنجاس: وفي "المجتبى": أولج فنزع فأنزل لم يطهر إلا بغسله لتلوثه بالنجس، انتهى. أي: برطوبة الفرج. قال ابن عابدين: أي: الداخل بدليل قوله: "أولج"، وأما رطوبة الفرج الخارج فطاهرة اتفاقًا، انتهى.

стр. 620

وفي "منهاج الإمام النووي" (١): رطوبة الفرج ليست بنجسة في الأصح، قال ابن حجر في "شرحه": وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، يخرج من باطن الفرج الذي لا يجب غسله، بخلاف ما يخرج مما يجب غسله فإنه طاهر قطعًا، ومن وراء باطن الفرج فإنه نجس قطعًا، ككل خارج من الباطن كالماء الخارج مع الولد أو قبيله، انتهى. ثم براعة الاختتام عند الحافظ نوَّر الله مرقده وعند هذا الفقير إلى رحمته تعالى لفظ: [وذلك الآخر] فعند الحافظ إيماء إلى آخر الكتاب، وعندي إلى آخر الحياة تشحيذًا للأذهان إلى الموت. * * *

стр. 621

٦ - كتاب الحيض هو لغة: السيلان، وفي عرف الشرع: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة. وذكر الإمام البخاري في الكتاب الاستحاضة والنفاس تبعًا، وترجم بالحيض لكثرة أبوابه، كذا في هامش "اللامع"، وبسط فيه الكلام عليه لغة واصطلاحًا. (١ - باب كيف كان بدء الحيض. . .) إلخ هذا باب ثالث بلفظ: كيف، والغرض منه ظاهر، وهو التنبيه على اختلاف الروايات في ذلك، وهو أن بدءه من زمن آدم ﵇ أو من بني إسرائيل. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: (وقال بعضهم: كان أو ما أرسل. . .) إلخ، ويمكن الجمع بينهما بحمل مطلق الحيض من حواء ومن تليها، والكثرة إنما نشأت من بني إسرائيل كما يدل عليه لفظ الإرسال، انتهى. وفي هامشه: اختلفوا في الجمع بينهما على أقوال، وما اختاره الشيخ هو مختار الحافظ قُدِّس سرُّه، وهو الأوجه عندي إلى آخر ما بسط فيه من الأقوال، ويؤيده ما في "الفتح" (٢): روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره [أن] قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، انتهى.

стр. 622

قوله: (وحديث النبي ﷺ أكثر) بالمثلثة في النسخ التي بأيدينا، قال الحافظ: أي: أشمل؛ لأنه عام في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، أو المراد أكثر شواهد أو أكثر قوة، انتهى. وقال العيني (١): قال الكرماني: يروى أكبر بالموحدة، ومعناه حديث النبي ﷺ أعظم وأجلّ وآكد ثبوتًا، انتهى. قلت: وكأن الإمام البخاري رجح الرواية المرفوعة على قول بعضهم على أصول المحدثين ورد قول البعض، وأما على أصول الموجهين فاختلفوا في الجمع بينهما كما تقدم قريبًا. (باب الأمر بالنفساء إذا نفسن) أي: الأمر المتعلق بهن، قاله الحافظ (٢). وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": أي: الأمر بأداء مناسك الحج إلا الطواف، انتهى. ويحتمل عندي في غرض الترجمة اتحاد حكم الحيض والنفاس لقوله ﵊ في حيض عائشة: "أنفست؟ "، وفيه أن هذا المعنى سيأتي قريبًا في "باب من سمى النفاس حيضًا" على أن هذه الترجمة ليست في النسخ المعروفة بل في الحاشية، والظاهر حذفه، وإلا لم يبق للترجمة السابقة حديث، وعلى ثبوت الترجمة يحتمل عندي أن يكون الغرض هو الأمر بالاغتسال عند الإحرام، ولا يقال: إن الترجمة على هذا تكون من كتاب الحج؛ لأن الترجمة كما تتعلق بالحج تتعلق بأحكام الحيض أيضًا، وأمثال ذلك كثيرة في البخاري، فسيأتي قريبًا "باب ترك الحائض الصوم"، و"باب تقضي الحائض المناسك كلها. . ." إلخ، وسيأتي اعتكاف

стр. 623

المستحاضة في هذا الكتاب "كيف تهل الحائض" وهو أيضًا سيأتي في كتاب الحج أيضًا، فلما كان للمسائل تعلق بالكتابين ذكرها الإمام البخاري في موضعين. (٢ - باب غسل الحائض رأس زوجها. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): أورد الترجمة دفعًا لما عسى أن يتوهم من النجاسة الحكمية التي منعتها عما منعت حرمة المصاحبة والمخالطة بها كما كانت تزعمه اليهود وتفعله، انتهى. وفي هامشه: وما أفاده الشيخ واضح، والمعنى أن قوله عزَّ اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ليس المراد فيه النهي عن القربان مطلقًا بل قربان خاص، ويحتمل عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى رد ما روي عن ابن عباس أنه دخل على ميمونة فقالت: "أي بُنَيّ ما لي أراك شعت الرأس؟ فقال: إن أم عمار ترجلني وهي الآن حائض، فقالت: أي بُنَيّ ليست الحيضة باليد" الحديث، أخرجه ابن أبي شيبة كما في "العيني" (٢) فهو من الأصل الثالث عشر من أصول التراجم. ثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (٣): إن الحديث مطابق لما ترجم له من جهة الترجيل، وألحق به الغسل قياسًا أو إشارةً إلى الطريق الآتية في "باب مباشرة الحائض" فإنها صريحة في ذلك، انتهى. قلت: وهذا الثاني متعين عندي، فإنه أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي عشر.

стр. 624

(٣ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته. . .) إلخ بكسر الحاء المهملة وفتحها ثم بسكون الجيم، واختلفوا في غرض الترجمة. والأوجه عندي كما قاله ابن بطال تأييد للحنفية ورد على الشافعية في مسألة خلافية شهيرة، وهي جواز حمل المحدث والجنب المصحف بعلاقته، وبه جزم صاحب "التوضيح" كما سيأتي من كلامه في مناسبة الحديث بالباب. قال ابن بطال (١): غرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، انتهى. وتعقبه الكرماني بقوله (٢): ليس غرض البخاري أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، بل الغرض هو مجرد ما ترجم في الباب عليه، وهو جواز القراءة بقرب موضع النجاسة، وكون المؤمن في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، ولهذا اتفقوا في جوازه، واختلفوا في جواز الحمل، انتهى. ولا عجب في تعقب الكرماني فإنه كلهم يتحاشون أن يقولوا في موضع: إن غرض البخاري الرد عليهم، وليست هذه الجرأة إلا للحنفية، فإنه ينادون بصوت جهوري أن في هذه الترجمة ردًا علينا الحنفية، وأنت خبير بأن إثبات المسألة الخلافية الشهيرة أليق بشأن تراجم البخاري من إثبات مسألة إجماعية، والحافظ ابن حجر أيضًا فهم من ترجمة البخاري ما فهمه ابن بطال، لكنه جبن أن يفصح ذلك الغرض للبخاري، والدليل على ما قلته أنه ﵀ فهم ذلك أنه قال (٣): وذلك - أي: أثر أبي رزين - مصير منهما إلى جواز حمل الحائض المصحف لكن من غير مسه، ومناسبته لحديث عائشة

стр. 625

من جهة أنه نظر حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف بحمل الحائض المؤمن الذي يحفظ القرآن؛ لأنه حامله في جوفه، وهو موافق لمذهب أبي حنيفة، ومنعه الجمهور وفرَّقوا بأن الحمل مخل بالتنظيم، والاتكاء لا يسمى في العرف حملًا، انتهى. فهذه الترجمة عندي من الأصل الحادي والعشرين الذي أفاده شيخ الهند، انتهى ما في هامش "اللامع" ملخصًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): وتأييد أثر أبي وائل لهذه الترجمة ظاهر، فإنه فيه تلبسًا بنقشه كما أن فيها تلبسًا بلفظه، يعني: أن النقش والألفاظ كلاهما محترم، فلما كان أبو وائل يرسل خادمه بالمصحف فتأخذه بعلاقته، وفيه تلبس الحائض بنقوشه، فكذلك تجوز قراءة القرآن في حجر الحائض وإن كان فيه تلبس لألفاظه بالحائض بنوع مقارنة، انتهى. ثم في المسألة اختلاف مشهور، والحمل بعلاقته جائز عند الإمامين أبي حنيفة وأحمد، ومنع منه الإمامان مالك والشافعي كما في "الأوجز" (٢) عن الموفق إذ قال: ويجوز حمله بعلاقته وهذا قول أبي حنيفة، ومنع منه مالك والشافعي، انتهى. ووقع الغلط في نقل المذاهب في "العيني" إذ حكى جواز الحمل عن الأئمة الأربعة، ثم حديث عائشة يناسب ظاهر ألفاظ الترجمة، وأما على ما اخترت من غرضها تبعًا لابن بطال وصاحب "التوضيح" فيحتاج إلى دقة نظر، أشار إليها صاحب "التوضيح" إذ قال: وجه المناسبة حديث عائشة أن ثيابها بمنزلة العلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في جوفه وحامله، إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف، انتهى. وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في ذكر مناسبة الأثر للباب.

стр. 626

(٤ - باب من سمى النفاس حيضًا) كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أنهما معًا دمان يخرجان من الرحم، فلما جاز إطلاق النفاس على الحيض جاز عكسه لما فيهما من الاشتراط المطلق إطلاق أحدهما على الآخر، والغرض منه أن اشتراكهما في تلك الصفة أو هذا الإطلاق لا يقتضي اشتراكهما في جملة أحكامها، بل لكل منهما أحكام مختصة، نعم يشتركان في بعض الأحكام، وفي الإطلاق المجازي لكل منهما، ويمكن أن يكون قوله: "حيضًا" مفعولًا أولًا له، والنفاس مفعولًا ثانيًا، وعلى هذا فمطابقة الرواية للترجمة ظاهرة، والغرض منه دفع اشتراك أحكامهما باشتراك اسميهما. فصار الحاصل أن ما ورد في الروايات من إطلاق اسم النفاس على الحيض، فإنه مجرد إطلاق اسم للاشتراك بينهما في أنهما دمان خارجان من الرحم، وليس ذلك لكون أحكامهما متحدةً بأسرها، ففيه شيء ما، انتهى. وفي هامشه: حاصل كلام الشيخ أن ها هنا إشكالين: الأول في غرض الترجمة ما هو؟ والثاني في موافقة الترجمة للحديث، فإن في الحديث عكسه، ولذا قيل: إن الترجمة مقلوبة، والصواب: باب من سمى الحيض نفاسًا، وأطال الشرَّاح في هذين الأمرين بأقوال مختلفة، قال ابن بطال (٢): كان حق الترجمة أن يقول: باب من سمى الحيض نفاسًا، فلما لم يجد البخاري للنبي ﷺ نصًا في النفساء وحكم دمها في المدة المختلفة، وسمي الحيض نفاسًا في هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض في ترك الصلاة؛ لأنه إذا كان الحيض نفاسًا وجب أن يكون النفاس حيضًا لاشتراكهما في التسمية من جهة اللغة أن الدم هو

стр. 627

النفس، ولزم الحكم بما لم ينص عليه مما نص وحكم للنفساء بترك الصلاة ما دام دمها موجودًا، انتهى. وقال الكرماني (١): قال شارح التراجم: إن قيل: الحديث يدل على تسمية الحيض نفاسًا لا العكس، فجوابه: أن تقديره: من سمى حيضًا بالنفاس، بتقدير حرف الجر وتقدمه، أو من سمى حيضًا النفاس بتقدير تقدمه فقط، انتهى. وهذا هو مختار الشيخ. وقال الحافظ (٢): قيل: يحمل على التقديم والتأخير والتقدير من سمى حيضًا النفاس، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "من سمى" من أطلق لفظ النفاس على الحيض فيطابق ما في الخبر بغير تكلف، انتهى. وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العليا: أن غرض الترجمة واضح لا خفاء فيه، وهو اشتراكهما في الأحكام كما أشار إليه الشيخ في "اللامع"، ونص به شيخ المشايخ في "التراجم" (٣) إذ قال: حاصل ما أراده البخاري أن إطلاق الحيض على النفاس والنفاس على الحيض شائع فيما بين العرب، فكان ما ثبت من الأحكام للحيض ثابتًا للنفاس أيضًا، فلم يصرح الشارح (٤) بالتفصيل في النفاس، هذا غرضه من حيث القصة، فتدبر، انتهى. وهذا هو غرض الترجمة عندي أن الإمام البخاري لما لم يجد على شرطه أحكامًا للنفاس أثبت بالترجمة أن أحكامهما متحدة لاتحاد اللفظ والمعنى، فإن لفظ النفاس مشترك ومعناهما، أي: الدم الخارج من الرحم أيضًا متحد، لا يقال: إن بينهما اختلافًا في بعض الأحكام كما سيأتي؛ لأن معناه أن ما يثبت من الأحكام لأحدهما ثابت للآخر إلا ما خصَّه دليل،

стр. 628

وهذا كقوله ﷺ في حديث يعلى بن أمية: "اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك" مع أن بينهما اختلافًا في بعض الأفعال. قال الحافظ (١): قال المهلب وغيره: لما لم يجد المصنف نصًّا على شرطه في النفساء ووجد تسمية الحيض نفاسًا في هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض، وتعقب بأن الترجمة في التسمية لا في الحكم، انتهى. وأنت خبير بأنه لا يصح التعقب؛ لأن استدلال المصنف بهذه التسمية على الحكم، فإن "الجامع الصحيح" ليس من كتب اللغة حتى يقال: إنه أراد بيان التسمية، ففي هامش "اللامع" على قول الشيخ: وفيه شيء ما: لعله أشار بذلك إلى أنه إذا لم يكن بينهما اشتراك في الأحكام فلم يبق لاتحاد الاسم فائدة. ولذا قال العيني (٢): لا فائدة في الترجمة، وإليه أشار الحافظ بما تعقب على المهلب وغيره، وقد عرفت ما عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري استدل بذلك على اتحاد حكمهما، وقد أجاد في الاستدلال فما أدق نظره ﵁. (٥ - باب مباشرة الحائض) كتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): يعني: أنها جائزة فيما فوق الإزار، وأما فيما تحت الإزار فلا يجوز خلافًا لبعض العلماء، فإنهم يجوّزون ذلك مع التوقي عن الفرج وموضع الدم، انتهى. قلت: والاختلاف في المسألة معروف، والروايات المذكورة في الباب تؤيد من قال بالاتزار ومنع عن المباشرة من السرة إلى الركبة، ففي

стр. 629

"الأوجز" (١): مباشرة الحائض على ثلاثة أنواع: أحدها: المباشرة في الفرج بالوطء وهو حرام بالنص والإجماع. والثاني: المباشرة بما فوق السرة ودون الركبة، وهو مباح بالإجماع. والثالث: الاستمتاع بما بينهما خلا الفرج والدبر فمختلف فيما بين الأئمة، قال أحمد ومحمد: مباح ورجحه الطحاوي من الحنفية، هكذا حكاه الحافظ في "الفتح" (٢)، وتبعه غيره من ابن رسلان وصاحب "التعليق الممجد" (٣) وغيرهما، لكن الطحاوي في "معاني الآثار" رجحه أولًا ثم رجع عنه، ورجح قول الإمام، وقال أيضًا في "مختصره": قال أبو جعفر: ويستمتع من الحائض بما عدا مئزرها، ويجتنب ما تحته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وبه نأخذ، انتهى. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر العلماء: لا يجوز، وهما روايتان عن أبي يوسف، انتهى ما في "الأوجز" مختصرًا. (٦ - باب ترك الحائض الصوم) قال الحافظ (٤): قال ابن رُشيد وغيره: جرى المصنف على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة كان جليًّا من أجل أن الطهارة شرط لها، والصوم لا يشترط لها الطهارة، فكان تركها له تعبدًا محضًا فاحتاج إلى ذكره، انتهى. ولا يبعد عندي أن يقال: إن الصلاة لم تبق عليها فرضًا ولذا لم تقض، والصوم فرض عليها فتقضيه فتتركه حينئذٍ، فذكره المصنف تنبيهًا على أن تركها الصوم في هذا الوقت، وإن كان في الحديث ذكر الصلاة والصوم على نسق واحد.

стр. 630

(٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ اختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" مبني على ظاهر ألفاظ الترجمة، ولذا وجه الشيخ قدس سره الآثار الواردة في الباب إلى ظاهر الترجمة، وإليه مال شيخ المشايخ في "التراجم". والحاصل: أنهم اختلفوا على أربعة أقوال: الأول: جواز مناسك الحج غير الطواف، وإليه مال الشيخ في "اللامع" (١) وشيخ المشايخ في "التراجم". الثاني: جواز قراءة القرآن للحائض، قاله ابن رُشيد تبعًا لابن بطال (٢)، ومسألة قراءة القرآن للحائض والجنب خلافية تقدمت في باب قراءة القرآن بعد الحدث. الثالث: جواز الطاعات البدنية غير ما ثبت منعه من الطواف والصلاة والصوم، نقله الحافظ عن البعض. الرابع: منعها عن الطواف خاصة كما في الباب السابق منعها عن الصوم خاصة، وإليه مال العيني (٣)، وبسط الكلام على ذلك في "اللامع" وهامشه أشد البسط. (٨ - باب الاستحاضة) وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: ماذا حكمه؟ وفي هامشه أشار الشيخ بذلك إلى غرض المصنف بهذه الترجمة، وتوضيح ذلك أنه ورد في الروايات أحكام مختلفة كثيرة كما بسطها أبو داود (٥) والطحاوي، وبوّب

стр. 631

أبو داود لكل حكم ترجمةً مستقلةً من الغسل لكل صلاة، والجمع بين الصلاتين، والغسل مرة عند انقضاء الحيض، والغسل كل يوم مرة، والغسل عند الطهر خاصة وغير ذلك، وذهب إلى كل واحد من الأحكام المذكورة ذاهب من العلماء كما بسط في "الأوجز" (١)، ومذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وجوب الغسل مرة عند انقضاء الحيض على الاختلاف بينهم في أن انقضاءه يكون بالعادة أو التمييز، وعلى هذا فغرض المصنف بالترجمة تأييد الجمهور بوحدة الغسل عند انقضاء الحيض خلافًا لما تقدم من الأحكام المختلفة. لا يقال: إنه ليس في حديث الباب الاغتسال؛ لأنه سيأتي التصريح بذلك قريبًا في "باب إذا حاضت في شهر ثلاثة حيض"، فإنه ذكر فيه هذا الحديث بعينه، وفي آخره: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" وهذا من دأب المصنف المعروف، وهو الأصل الحادي عشر من أصول التراجم، وهذا الغرض هو الأوجه عندي في الترجمة. ولا يبعد أيضًا أنه أشار بالترجمة إلى مسألة أخرى خلافية شهيرة بين العلماء لا سيما عند الحنفية والمالكية، وهي اعتبار العادة أو التمييز، اعتبرت الحنفية الأول وأنكرت الثانية، والمالكية على عكس ذلك، والإمامان: الشافعي وأحمد اعتبرا كليهما، كما بسط في "الأوجز" بأنهما اعتبرا العادة في المعتادة المحضة، والتمييز في المميزة المحضة، فإن كانت معتادةً ومميزةً معًا وتعارضت العادة والتمييز فالشافعي رحمة الله عليه اعتبر التمييز، وأصح قولي أحمد اعتبار العادة. وعلى هذا فكان الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى هذا الاختلاف، وأشار بالرواية الواردة في الباب إلى دلائل الفريقين، ولم يقض فيهما بشيء

стр. 632

فكانت الترجمة من الأصل الرابع من أصول التراجم، وأشار بلفظ "إذا أقبلت" إلى التمييز، فإن الإقبال والإدبار عندهم من ألفاظ التمييز كما صرَّح به الترمذي، وبلفظ "ذهب قدرها" إلى العادة فإنه كالنص على العادة، والبسط في "الأوجز"، ولا يشكل عليه ما سيأتي قريبًا من باب إقبال المحيض كما سيأتي قريبًا. (٩ - باب غسل دم الحيض) كتب الشيخ في "اللامع" (١): دفع بذلك ما عسى أن يتوهم من مقايسته على المني أن الأمر فيه سهل أيضًا، والجامع كثرة الابتلاء والحكم بالتخفيف في المني ثبت على غير قياس فلا يعدى، انتهى. قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وقد تقدم في "باب غسل الدم" من "كتاب الوضوء" أن الإمام البخاري ترجم بهذا المعنى في ثلاثة مواضع، وقد تقدم هناك الفرق بين الثلاث، ولا يبعد عندي أن الغرض ها هنا غسله من الثوب، وفيما سيأتي في غسل المحيض غسله عن البدن، كما يدل عليه الروايات التي أوردها الإمام البخاري في البابين، فإن الروايتين الواردتين في الباب الأول نصَّان في الثوب، والرواية الواردة في الباب الثاني كالصريحة في البدن لقوله ﷺ : "خذي فرصة ممسكة" الحديث، وفي الرواية التي قبلها: "فتطهري بها"، قلت: "تتبعي بها أثر الدم". (١٠ - باب اعتكاف المستحاضة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن الاستحاضة لا تمنع شيئًا مما كان يمنعه المحيض غير أنها تحتاط في تلويث المساجد وغيرها، انتهى.

стр. 633

وفي هامشه: اعتكاف المستحاضة مجمع عليه لم أر فيه اختلافًا، ومع ذلك احتاج الإمام البخاري إلى تبويبه؛ لأن الظاهر من أحكام المسجد أن يكون ذلك حرامًا، قال صاحب "الدر المختار" (١): لا يجوز البول والفصد ولو في إناء، وقال ابن عابدين: قوله: الفصد ذكره في "الأشباه" بحثًا فقال: أما الفصد فيه في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق، أي: لا فرق بينه وبين البول، انتهى. ومقتضاه أن لا يجوز اعتكاف المستحاضة. قوله: (اعتكف معه بعض نسائه) قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي ﷺ من كانت مستحاضة، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها: "من نسائه" أي: من النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة، ورد الحافظ في "الفتح" على قول ابن الجوزي هذا، وأثبت استحاضة بعض أمهات المؤمنين، وبسط الكلام عليها في "الفتح" (٢)، وهكذا بسط الكلام عليه في "الأوجز". (١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب. . .) إلخ وكتب شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): غرض الباب إثبات جواز ذلك لمكان اعتياد النساء قبل الإسلام بتبديل الثياب بعد انقطاع الحيض، وكن يرين ذلك واجبًا، انتهى. وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر الحديث الوارد فيه، لكن يشكل عليه تبويب المصنف عليه بلفظ "هل"، ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك إلى حديث أم سلمة الماضي في "باب من سمى النفاس حيضًا" والآتي في "باب النوم مع الحائض" بلفظ: فأخذت ثياب حيضتي، وهو يدل على أن ثياب الحيضة

стр. 634

كانت غير ثياب الطهر، فالظاهر أنها لا تصلي في ثياب الحيضة، وهو الأصل الثاني والثلاثون من أصول التراجم، ويجمع بين الروايتين بأن أم سلمة كانت لها ثياب الحيضة، وليست عند عائشة، وقد وردت الروايات العديدة المصرحة بجواز الصلاة في ثياب الحيضة في "سنن أبي داود" (١). (١٢ - باب الطيب للمرأة. . .) إلخ في "تراجم (٢) شيخ المشايخ": يعني: أنه سُنَّة، انتهى. قال الحافظ (٣): أي: متأكد بحيث إنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب، انتهى. وفي هامشي على "البذل" عن ابن رسلان: هو سُنَّة مؤكدة، يكره تركه بعد الغسل على المذهب، وقيل قبله، وإن لم تجد مسكًا فشيء آخر من الطيب، انتهى. ويحتمل عندي أن يكون الغرض أن الوارد في الروايات من الفرصة الممسكة مقصودها الطيب لا نفس المسك لأجل العلوق. وكتب الشيخ في "البذل" (٤): قال النووي: والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الأصح، وقيل: لكونه أسرع إلى الحبل حكاه الماوردي، انتهى. قال العيني (٥): قال ابن بطال: أبيح للحائض محدًا أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلة للصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم برائحة الدم، انتهى.

стр. 635

قوله: (من كست أظفار) وكتب الشيخ في "اللامع" (١): أوجه التقادير فيه أنه عطف بحذف حرف العطف، وهو جار في المحاورات، أي: قسط أظفار، أيما كان منهما أو غيرهما من الطيب، ودلالة الرواية على الترجمة واضحة، فإنها لها أذن لها في التطييب وهي معتدة مع أن المعتدة ممنوعة من الطيب، فالتي ليست معتدة أولى بإتيان الطيب وتلبسه، انتهى. وفي هامشه عن تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: من "كست أظفار"، هذا كان في الأصل: من كست وأظفار بالعطف، وهما نوعان من الطيب، لكنه أضاف الكست إلى الأظفار للتشبيه في القلة، أي: من كست مثل أظفار، والكست "الكت" والأظفار "نكَـ" ونسخة كست ظفار ظاهر، وظفار اسم مدينة، انتهى. قلت: و"نكَـ" طيب معروف في الهند يكون مثل الظفر، يبخر بها الثياب كثيرًا لا سيما ثياب العروس، ويؤيد ما أفاده الشيخ من العطف ما في "الفتح" (٢): ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه: من "قسط أو أظفار" بإثبات "أو" وهي للتخيير. قال العيني (٣): وقع في مسلم: "قسط وأظفار" وهو الأحسن فإنهما نوعان، انتهى. قلت: ولا اختلاف بين الحافظين فإن الواو وأو كليهما روايتان لمسلم إلى آخر ما في هامش "اللامع". (١٣ - باب دلك المرأة نفسهما. . .) إلخ أشكل بأنه ليس في الحديث كيفية الغسل ولا الدلك. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) على قوله: "تتبعي بها أثر الدم. . ." إلخ، ولا يفيد التطيب إلا إذا كان بعد إزالة الدم عن ذلك الموضع، فثبت

стр. 636

دلكه ضرورةً؛ لأنه لا يزول إلا بالدلك، وهذا إذا كان المراد بالنفس في الترجمة هو المقام المخصوص الذي هو محل الدم، وإن أريد بالنفس ذات المرأة وسائر بدنها فإثبات الدلك لها مجرد قياس؛ لأنها لما أمرت بإزالة الوسخ عن هذا المقام بذاك الاهتمام وباستعمال الطيب أيضًا بعد الغسل والدلك، فأولى أن يثبت ذلك لسائر بدنها، وقد توسخ في مدة ذاك مع أنها تلابس المسلمات، وتقبل على الرب ﵎ في الصلوات والدعوات، وتتلبس بالملائكة، فأولى أن تؤمر بتنظيف بدنها وإزالة أوساخه، ولا يحصل إلا بالدلك، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، وفي تقرير مولانا حسين علي الفنجابي: المناسبة أن التتبع لزيادة النظافة ويفهم الدلك، فإن فيه النظافة، أو يقال باستخراجه من صيغة التطهير للمبالغة، انتهى. وكذا في تقرير مولانا محمد حسن المكي إذ قال: دلك المرأة يستنبط من قوله: "تطهري"، وكذا من قوله: "تتبعي"؛ لأنهما من صيغة المبالغة، فإذا كانت مبالغة الطهارة في باطن البدن كانت في ظاهره أيضًا بالدلك، انتهى. وفي أخرى له ﵀: قوله: "تتبعي" أي: ضعي في داخل فرجك ليحصل له القوة، ويندفع النتن، وليس هذا محل الترجمة، بل محل الترجمة حذف من هذا الحديث، وفي الحديث اختصار، انتهى. وهو مختار الحافظ في "الفتح" (١)، إذ قال: قيل: ليس في الحديث ما يطابق الترجمة. وأجاب الكرماني (٢) تبعًا لغيره: بأن تتبع الدم يستلزم الدلك بأن المراد من كيفية الغسل الصفة المختصة بغسل المحيض وهي التطيب لا الاغتسال، وهو حسن، وأحسن منه أن المصنف أشار حسب عادته إلى الروايات الدالة

стр. 637

على ذلك وإن لم يكن المقصود منصوصًا فيما ساقه، ففي رواية أخرجها مسلم (١): "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها - أي: أصوله - ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة" الحديث، فهذا مراد الترجمة لاشتمالها على كيفية الغسل والدلك، انتهى. ولا يبعد عندي أن تكون الترجمة شارحة على الأصل الثالث والعشرين، والغرض منه الرد على من حمل المسك على الطيب المعروف كما حمله عليه بعضهم، وأكثر العلماء على أن المراد من المسك الجلد ليكون أنجح في الدلك، فالظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ الدلك في الترجمة إلى أن المراد منه ما يناسب الدلك لا الطيب، فإنه قد أثبته في الترجمة السابقة. وقوله: (فرصة ممسكة) قال الحافظ (٢): بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة، انتهى، كذا في "البذل" (٣). وفي هامشي على "البذل": قوله: "ممسكة" قال ابن رسلان: بضم الميم الأولى وسكون الثانية وفتح السين أو كسرها، قاله القيسي، وقال القرطبي: روايتنا ضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، أي: مطيبة بالمسك، وقال الزمخشري: الممسكة الخلقة، يعني: لا تستعمل الجديد؛ لأن الخلق أوفق حالًا، قال في "النهاية": الأقوال كلها بعيدة، والأوجه قطعة من مسك ليزيل الرائحة الكريهة لا للعلوق، انتهى ما في هامشي على "البذل".

стр. 638

(١٤ - باب غسل المحيض) وكتب الشيخ في "اللامع" (١): ضبطوه بضم الغين وفتحها، فإن كان الأول فذاك، وإن كان الثاني ففيه تكرار إذ قد تقدم "باب غسل دم الحيض" إلا أن يحمل الباب المتقدم على غسل الثوب، وهذا على غسل البدن كما هو الظاهر من الروايتين الموردتين فيهما، وحينئذ فلا تكرار على أي من الروايتين، انتهى. وبسط في هامشه كلام الشرَّاح في غرض الترجمة وتكرارها، وفيه: والأوجه عندي أن الباب بضم الغين، والغرض بيان الاغتسال من المحيض وكيفيته، وتقدم في بيان غسل الجنابة في "باب تخليل الشعر" أن ميل الإمام البخاري عند هذا الفقير إلى ما روي عن الإمام أحمد من الفرق بين الاغتسال من الجنابة والاغتسال من الحيض في نقض الضفائر، فبين ها هنا كيفية الاغتسال من الحيض، والبابان الآتيان جزءان من هذا الباب، نبَّه بهما على بيان الفرق خاصة، فتأمل، انتهى. وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": يعني: أنه واجب ثابت ومناسبة الحديث بالترجمة قول الأنصارية: "كيف أغتسل؟ " يدل على أن أصل الغسل مسلم الثبوت والسؤال إنما هو عن كيفيته، انتهى. (١٥ - باب امتشاط المرأة. . .) إلخ وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإثبات الحكم بحديث الباب قياس؛ لأن المذكور فيه ليس هو الامتشاط عند الغسل من المحيض، وإنما كان غسلها لأجل التطيب والنظافة، وكانت في غسلها حائضة، فلما أمرها بالامتشاط في هذا الغسل فأولى أن تمتشط في الغسل عن المحيض؛ لأن

стр. 639

الطيب والطهارة فيه أحب؛ لأنه للصلاة، وهذا إنما كان لأفعال الحج بل كان زائدًا غير مفتقر إليه؛ لأن غسل الإحرام قد كان منها قبل ذلك ولم تبق محرمة، انتهى. وفي هامشه: سكت الشرَّاح عن غرض المصنف بهذا الباب، والأوجه عندي: أن هذا الباب الآتي جزءان من الباب السابق، والمقصود من الثلاثة بيان كيفية غسل المحيض، انتهى. وما حكى الحافظ في " باب نقض المرأة شعرها "، لخصه من كلام الموفق، ووقع فيه اختصار مخل، كما نبَّهت عليه في هامش "اللامع"، انتهى ما في الهامش. (١٦ - باب نقض المرأة شعرها) تقدم في الباب السابق أن هذا الباب جزء من الباب السابق، وقد تقدم أيضًا بيان المذاهب في تلك المسألة. (١٧ - باب قول الله : ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك أن المخلقة يطلق على معنيين: أحدهما: ما تم خلقه وكمل، وغيره المخلقة بحسب ذلك ما فيه نقص ما، والثاني: ما لم يأخذ في الصورة ولم يتكوّن إلا قليل منه كيد أو رجل، وغير المخلقة حينئذ ما لم يتخلق شيء منه. فإن كان المراد هو الأول من معنييه فالغرض من إيراده أن المخلقة وغير المخلقة مستويان في الأحكام، كانقضاء العدة وحكم النفاس وغير ذلك، وإن كان المراد هو الثاني فإيراده لإفادة أن المخلقة وغير المخلقة

стр. 640

ليستا مسويتين في الحكم، بل المخلقة منهما له حكم الولد في الأحكام المذكورة دون غير المخلقة، حتى لا يكون ما يتعقب غير المتخلقة بهذا المعنى من الدم نفاسًا، بل كان حيضًا، انتهى. وفي هامشه: واختلفوا في غرض المؤلف بهذه الترجمة، ولا ريب في أن غرض المصنف بها ها هنا خفي، فاعلم أولًا أن هذه قطعة من الآية التي في أول سورة الحج، وترجمها في تفسير "بيان القرآن" (١) بلفظ: "بهر بوىى س (كه علقه ميى سختي آجان س حاصل هوتا هـ) كه (بعض) بوري هوتي هـ (كه اس ميى بور أعضاء بن جات هيى) اور (بعض) ادهورىِ بهي (هوتي هع كه بعضل أعضاء ناقص ره جات هيى) "، انتهى. وفي "الجمل" (٢): مخلقة تامة الخلق، وغير مخلقة، أي: غير تامة الخلق، يعني: غير مصورة أو غير تامة التصوير، انتهى. ثم اختلف شرَّاح البخاري في غرض المصنف بهذا الباب، وأجاد الشيخ في توجيه الغرض حتى صح إدخالها في كتاب الحيض. وقال شيخ المشايخ في "التراجم": غرضه تفسير هذا اللفظ من القرآن، وإيراده في كتاب الحيض لأدنى مناسبة، انتهى. وبذلك جزم بعض الشراح منهم الحافظ، ويشكل عليه أنه كان حقه إذا كتاب التفسير، وقال ابن بطال (٣): غرضه في إدخاله في الحيض تقوية مذهب من يقول: إن الحامل لا تحيض، وهو قول الكوفيين وأحمد وإليه ذهب الشافعي في القديم، وفي الجديد: أنها تحيض، وعن مالك روايتان، انتهى.

стр. 641

قلت: والمشهور منهما أنها تحيض، وعليه مشى الإمام مالك في "الموطأ" كما بسط في "الأوجز" (١)، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع". والأوجه عندي: أن يكون هذا الباب من أبواب النفاس، أي: كون هو بعد كلتي المولودتين تامة وغير تامة. (١٨ - باب كيف تهل الحائض) هذا باب رابع بلفظ "كيف"، وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ" قُدِّس سرُّه: قال القسطلاني في معناه (٣): ليس المراد بالكيفية الصفة بل بيان صحة إهلال الحائض، وعندي أنه على الظاهر، والغرض إثبات صفة الإهلال إذا أهلت الحائض، وهي أن يكون إهلالها مقرونًا بالغسل وإن كان ذلك الغسل في أثناء الحيض، وغسل عائشة ﵂ يحتمل ذلك، انتهى. قال الحافظ (٤): مراده صحة إهلال الحائض، ومعنى "كيف" في الترجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام لا الكيفية التي يراد بها الصفة، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال، انتهى. قلت: والظاهر عندي أن المصنف نبَّه بلفظ: "كيف" على كيفية الغسل بأنه مستحب أو واجب؛ لأنه وقع في أثناء الحيض فليس بمطهر، فأشار بلفظ "كيف" على هذا الغسل، أي: كيفيته باعتبار الحكم، فهذا الغسل مستحب عند الكل، غير ابن حزم فإن غسل الحائض والنفساء فرض عنده كما في "جزء حجة الوداع" (٥) عن "العيني".

стр. 642

(١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): أن لهما علامات يعرفان بها، وأن حكم الإقبال غير حكم الإدبار، ففي الأول ترك الصلاة والصوم وغيرهما، وفي الثاني خلافه إلى غير ذلك، ثم إن ذلك في أيام الحيض، انتهى. وفي هامشه: لم يتعرض الشرَّاح عن غرض المصنف بالترجمة، وما يظهر من كلام الحافظ أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى اختلافهم فيما يعرف به إدبار الحيض إذ قال: اتفق العلماء على أن إقبال الحيض يعرف بالدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف، وهو أن يخرج ما يحتشى به جافًا، وقيل: بالقصة البيضاء، وإليه ميل المصنف، انتهى. والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى ما هو المصطلح المعروف عند المحدثين أن لفظ الإقبال والإدبار عندهم من مستدلات التمييز بالدم، ولذا أورد الإمام البخاري فيه ما يتعلق بالألوان، والحنفية لما لم يقولوا بالتمييز حملوا روايات الإقبال والإدبار على إقبال أيام العادة، والإمام البخاري لم يفصح في ذلك بشيء، بل نبَّه بالترجمة على ما هو المصطلح عندهم، فلا ينافي ما قلته في باب الاستحاضة، بل لو قيل: إن المصنف مال إلى عدم الاعتبار بالتمييز لكان له وجه؛ لأنه أتى في الباب بأثر عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء"، فإنه صريح في عدم الاعتبار بالتمييز. قوله: (ترين القصة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: أن الطهر لا يتحقق إلا إذا كان البياض الخالص، انتهى. وبسط في هامشه الكلام في معنى القصة هل المراد بها القطنة التي أدخلت في الفرج فتخرج بيضاء نقية لا يخالطها صفرة؟ وقيل: القصة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة عند انقطاع الحيض.

стр. 643

(٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة) في "تراجم (١) شيخ المشايخ": معناه: أن الحائض تترك الصلاة ولا تقضيها، وتعليق الباب للجزء الأول فما قال القسطلاني (٢): إن ترك الصلاة يستلزم عدم قضائها؛ لأن الشارع أمر بتركها، والمأمور بتركه لا يجب فعله، فلا يجب قضاؤه، لا حاجة إليه على أنه منتقض بالصوم، فتأمل، انتهى. قال الحافظ (٣): فإن قيل: الترجمة لعدم القضاء، وهذان الحديثان لعدم الإيقاع، فما وجه المطابقة؟ أجاب الكرماني (٤): بأن الترك في قوله: "تدع الصلاة" مطلق أداءً وقضاءً، انتهى. وهو غير متجه؛ لأن منعها إنما هو في زمن الحيض فقط، وقد وضح ذلك من سياق الحديثين، والذي يظهر لي أن المصنف أراد أن يستدل على الترك أولًا بالتعليق، وعلى عدم القضاء بحديث عائشة، فجمل المعلق كالمقدمة للحديث الموصول الذي هو مطابق للترجمة، والله أعلم، انتهى. (٢١ - باب النوم مع الحائض. . .) إلخ الظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى رد ما يتوهم من رواية أبي داود (٥): عن عائشة قالت: "كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ، ولم ندن منه حتى نطهر". وكتب الشيخ في "البذل" (٦): هذا الحديث يخالف (٧) الأحاديث

стр. 644

المتقدمة الصحيحة، فلا بد من التأويل فيه، قال صاحب "المجمع": والحديث منسوخ إلا أن يحمل القرب على الغشيان، انتهى. أو يؤول بأن ترك القرب والدنو كان من جانب عائشة رضي الله تعالى عنها لا منه ﷺ ، انتهى. وفي هامشي على "البذل": قال ابن رسلان: حديث أبي داود متمسك ابن عباس وأبي عبيدة، وهو موافق لما حكاه النووي في "الروضة" تبعًا للرافعي، وهو قول شاذ من أقوال العلماء، انتهى. وفي الأوجز (١) عن العيني: وحكي عن عبيدة السلماني وغيره أنه لا يباشر شيئًا من الحائض قط، وهو قول شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكور في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، انتهى. (٢٢ - باب من اتخذ ثياب الحيض. . .) إلخ وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": الاستدلال بحديث الباب موقوف على أن يحمل قول أم سلمة ﵂: "فأخذت ثياب حيضتي" على الثياب التي يلبسها الإنسان، دون الخرق التي تحتشي بها الحائض عند ظهور دم الحيض، ويحتمل ذلك أيضًا، انتهى. قلت: إرادة القطن بالثياب بعيد، وأجاب عنه القسطلاني (٣): بأنها ﵂ كَنَّتْ عن الخرق بالثياب تجملًا وتأدبًا، ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما تقدم: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد"؛ لأنه باعتبار وقتين: حالة الإقتار وحالة السعة، انتهى.

стр. 645

قلت: أو باعتبار المرأتين، فإن عائشة ﵂ لكثرة صدقاتها لا تترك شيئًا في بيتها كما هو معروف من عادتها، والأوجه عندي في غرض المصنف بالترجمة دفع ما يتوهم من حديث عائشة المتقدم بلفظ: لم يكن لنا إلا ثوب واحد، أن اتخاذ الثياب للحيض خاصة إسراف، فدفعه الإمام البخاري بهذه الترجمة. (٢٣ - باب شهود الحائض العيدين. . .) إلخ غرض المؤلف بهذه الترجمة يحتمل عندي وجهين: أحدهما: دفع ما يتوهم أنها إذا كانت ممنوعة عن الصلاة فلا فائدة في خروجها إلى المصلى، مع أن خروج المرأة عن بيتها شنيع. والوجه الثاني: بيان أن المصلى ليس في حكم المسجد في منع دخول الحائض، وهو مذهب الجمهور خلافًا لما حكى بعضهم من عدم جواز دخولهن في المصلى؛ لأنه يشبه المسجد، كما في هامش "اللامع" (١) في "باب اعتزال الْحُيَّض المصلى" من كتاب العيدين، وسيأتي هناك أيضًا "باب خروج النساء والْحُيَّض إلى المصلى". (٢٤ - باب إذا حاضت في شهر. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وهذا مبني على أنه لم يتحقق عند قائله أقل مدة الحيض والطهر، ومبنى الاستدلال بالرواية أنها مطلقة من ذكر المقدار، فلا ينبغي التقييد بشيء من الأيام، إلا أن الإمام لما تحققت له الرواية ذهب إلى أنهما مقدران شرعًا، ومعنى قوله: لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، أن الكتمان لما كان حرامًا عليهن بهذه الآية كان حمل قولهن على الكذب حملًا لمقالة المسلم على الكذب، ولا يجوز ذلك، انتهى.

стр. 646

وفي هامشه: قال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): أي: هو ممكن، وإذا ادعت المرأة ذلك تُصُدِّقَتْ فيه، والآية دالة على أن قولها مقبول فيه، وجميع تعاليق الباب دالة على أنه ليس في الحيض تحديد، وإنما هو مفوض إلى قول المرأة لكن فيما يمكن، انتهى. وسكت الشَّراح عن غرض المصنف بالترجمة. والظاهر عندي: أن الإمام البخاري ذكر في الباب مسألتين: أولاهما: اختلافهم في مدة الحيض، وعليه يتفرع ما في الترجمة من الادعاء بثلاث حيض في شهر، وإليه أشار الشيخ في "اللامع" بقوله: هذا مبنى. . . إلخ، فالترجمة في هذا الجزء من الأصل الثامن عشر من أصول التراجم. والمسألة الثانية: صرح بها بقوله: "وما يصدق النساء" وهو كالنص في غرضه، والاستدلال بالآية بأنها تدل على وجوب إظهارها، فلو لم تصدق فيه لم يكن للإظهار فائدة. وأجاد صاحب "البدائع" (٢) إذ قال: تصدق في قولها؛ لأنها أمينة في أخبارها عن انقضاء عدتها، فإنه تعالى ائتمنها في ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، والقول قول الأمين مع اليمين كالمودع، ثم لا يقبل قولها فيما لا تحتمله المدة؛ لأن قوله الأمين يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، انتهى. أما المسألة الأولى: فاختلفوا في تحديد الحيض والطهر، أما الحيض فمسلك الحنفية أن أقله ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة، وقال الشافعي وأحمد: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا ولياليها أو سبعة عشر، قولان لكل منهما، وقال مالك: لا حد لأقله، وأكثره سبعة عشر أو ثمانية

стр. 647

عشر، وأما الطهر فأقله ثلاثة عشر يومًا عند أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة: خمسة عشر يومًا، ذكر أبو ثور أن ذلك لا يختلفون فيه، انتهى. كذا في "الأوجز" (١). ثم عدة المطلقة ثلاثة قروء بالنص، ولا خلاف بينهم في ذلك، واختلفوا في المراد بالقرء فقالت: الحنفية: المراد به الحيض، وهو الذي رجع إليه أحمد وهو المرجح في مذهبه، وقوله الآخر: إن المراد به الطهر، وهو مذهب الشافعي ومالك، كذا في "الأوجز". وإذا عرفت ذلك فقد عرفت أن المرأة إذا ادعت بثلاث حيض في شهر يقبل دعواها في المرجوح عند أحمد، بل يقبل عنده على هذا القول في ثمانية وعشرين يومًا ولحظتين، وكذلك يقبل قولها عند مالك في ثلاثين يومًا وأربع لحظات، ولا يقبل قولها عند الشافعي في أقل من اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، انتهى. قلت: وتوضيح مسالك الأئمة الثلاثة هكذا: . . . . الطهر الذي طلق فيه … الحيض الأول … الطهر بعده … الحيض الثاني … الطهر بعده … بدء الحيض الثالث الذي تمت فيه العدة عند مالك … لحظة … لحظة … ١٥ يوم … لحظة … ١٥ يوم … لحظة … فالمجموع ٣٠ يومًا وأربع لحظات عند الشافعي … لحظة … ١ يوم … ١٥ … ١ يوم … ١٥ يوم … لحظة … فالمجموع ٣٢ يومًا عند أحمد في المرجوع عنه … لحظة … ١ يوم … ١٣ … ١ يوم … ١٣ يوم … لحظة … فالمجموع ٢٨ يومًا ولحظتان وأما عندنا الحنفية فاختلفت الروايات والتخاريج في ذلك جدًا كما بسط في "البدائع" (٢) والمعروف في شروح "البخاري" وغيرها أنها لا تصدق

стр. 648

عند الإمام في أقل من ستين يومًا، وتصدق عند صاحبيه في تسعة وثلاثين يومًا وذلك لأن العدة عندهم على الحيض، فلا بد من ثلاث حيض، والحيض مقدر الطرفين ولا حدّ لأكثر الطهر، وأقله خمسة عشر يومًا، فوجه قول الإمام أنه يبعد أن يعتبر الأقل من كل منهما، فالاعتدال أن يعتبر الأقل من جهة والأكثر من جهة أخرى، ولما لم يكن لأكثر الطهر حدّ فلا بد أن يعتبر الأقل منه والأكثر من الحيض، فيكون المجموع ستين يومًا، ووجه قول صاحبيه أن أقل ما يمكن تصديقها فيه أن يعتبر الأقل من كل الجهتين، فيكون المجموع تسعة وثلاثين، والصورة هكذا: . . . . طهر الطلاق … الحيض الأول … الطهر بعده … الحيض الثاني … الطهر بعده … الحيض الثالث … المجموع عند الإمام … لحظة … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ٦٠ يومًا عند صاحبيه … لحظة … ٣ … ١٥ … ٣ … ١٥ … ٣ … ٣٩ يومًا عند أحمد في المرجوع إليه … لحظة … ١ … ١٣ … ١ … ١٣ … ١ … ٢٩ يومًا وعلم من هذا كله أن ترجمة الإمام البخاري توافق الإمامين: مالكًا وأحمد، ولا توافق الحنفية والشافعية، انتهى ما في هامش "اللامع" مختصرًا. قوله: (دعي الصلاة قدر الأيام) قال الحافظ (١): مناسبة الحديث للترجمة من قوله: "قدر الأيام" فوكل ذلك إلى أمانتها ورده إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، انتهى. وقال الكرماني (٢): المناسبة في إبهام الأيام، وهو محتمل لكون ثلاث حيض في الشهر، انتهى. وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): محل المناسبة بالترجمة قوله: "ولكن دعي الصلاة" فإنه دليل على أنه فوض الأمر إلى فاطمة، انتهى.

стр. 649

(٢٥ - باب الصفرة والكدرة) وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": يعني: أنهما ليستا من الحيض، ولا تمنعان الصلاة والصوم، وبعض الفقهاء عدوهما من الحيض، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "في غير أيام الحيض" قصد بهذه الزيادة جمع ما بين الروايات من التعارض، فقد تقدم من قول عائشة أنها قالت: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، ففيه دلالة على أن الصفرة والكدرة من الحيض، وها هنا وقع التصريح بخلافه، فأشار إلى الجمع بينهما بأن هذا في غير أيام الحيض، وذلك فيها، انتهى. وفي هامشه: وبذلك جزم جميع العلماء ثم بسطه، قلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى حديث أبي داود برواية أم عطية ﵂ قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا"، فإن قوله: بعد الطهر هو الذي أشار إليه البخاري بلفظ: في غير أيام الحيض، ولا يشكل على الأئمة ما تقدم من اختلافهم في المستحاضة من اعتبار لون الدم؛ لأنها في المستحاضة دون الحيض، فإن ألوان دم الحيض عديدة عند الجميع لا يختص بلون واحد إلى آخر ما بسطه. وذكر صاحب "الفيض" (٣) فهدر البخاري مسألة التمييز بالألوان، إلا أنه قيَّدها بغير أيام الحيض، ومفهومه اعتبارها في أيام الحيض، قال الحنفية: معنى الحديث: أنه لم تكن عندنا مسألة التمييز بالألوان، فكنا نعدّها كلها حيضًا، وقال الشافعية: معناه: إنا كنا نعد التمييز بالألوان، فنعدّ الحمر والسواد حيضًا، ولا نعد الكدرة والصفرة شيئًا لكونها استحاضة. والشرح الثالث للبخاري وحاصله: إنا كنا نلغي الألوان في غير أيام الحيض، ومفهومه: إنا كنا نعتبرها في أيام الحيض، ففصل بين رؤية الألوان

стр. 650

في أيام الحيض وبين رؤيتها في الخارج، وهذا التفصيل من جانبه، وكأن البخاري ذهب إلى التمييز بالألوان من وجه وهدره من وجه، وبالجملة لكلامه ثلاثة شروح: الأول: إنا لم نكن نعتبر الألوان في مدة الحيض، ونعتد كلها من الحيض، نعم كنا نعتمد بها إذا رأيناها من غير أيام الحيض، وحينئذ وافقنا المصنف في مسألة التميز بالألوان وهدرها. والثاني: إنا لم نكن نعدّ الألوان شيئًا من غير أيام الحيض، أما إذا كانت في أيام الحيض فكنا نعتبر بها، وهذا موافق للشافعية. والثالث: عدم عبرتها مطلقًا، انتهى. وأنت خبير بأن ما في "اللامع" أوفق من ظاهر البخاري. (٢٦ - باب عرق الاستحاضة) كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: باب بيان أن دم الاستحاضة دم عرق، وليس خارجًا من أحد السبيلين، فلا يتحد حكمهما لما فيهما من بون في الأصل والذات، فيكون سببًا للاختلاف في الآثار والثمرات، انتهى. وكتب الشيخ أيضًا في "الكوكب" (٢): قوله: إنما ذلك دم عرق. . . إلخ، فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض، وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا، بوجوه مفصلة في الفقه، ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين، وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر، وذلك لأن المراد بالسبيل ها هنا مخرج البول لا أعم منه، ودم الاستحاضة لا يخرج منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن، نعم سبيل المني والاستحاضة واحد، وكذلك الحكم في سبيل البراز، فإن الخارج منها الظاهر لا يؤتى له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه

стр. 651

حقيقة، كما في غُدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل؛ لأنها غير السبيلين، فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها، بل هو خارج عن حكمها، وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس، وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله، غير أن قوله ﷺ في جواب السائل ما الناقض؟: "كل ما خرج من السبيلين" أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاءً لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة، ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين، وليس هذا موضع تفصيله، انتهى. وفي هامشه: ففي "الفتح الرحماني" عن "نهاية النهاية": أن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض، وفوقه مخرج البول كإحليل الرجل، وبينهما جلدة رقيقة وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، كذا في "الأوجز" (١)، انتهى. وفي هامش "اللامع" على قول الشيخ: "إن دم الاستحاضة دم عرق": تقدم في باب الاستحاضة من حديث عائشة أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة" الحديث، وهو أوضح في المقصود، فإن الحيض في اللغة: السيلان، وفي الشرع: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معدودة، والاستحاضة: الدم الخارج في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم اسمه العاذل - بالذال المعجمة - انتهى. وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٢): قوله: "ذلك عرق" قيل: معناه: إنه ليس دم الرحم حتى يوجب ترك الصلاة والصوم، بل هو دم عرق، فإن قيل: قد تقرر عند الأطباء أن دم الاستحاضة ينفض من الرحم أيضًا فما معنى قوله: "ذلك عرق"؟

стр. 652

قلت: معناه إنما ذلك وجع ومرض فيه، وإطلاق العرق وإرادة المرض والوجع؛ لأن اجتماع الدم وفساده فيه، فهو غالبًا يكون مسببًا للوجع والمرض، فعلى هذا لا مخالفة بين الحديث وبين ما قالته الأطباء، على أن الأطباء أيضًا معترفون بأن أكثر الأمراض بل جلها تكون من سوء مزاج في العروق، انتهى. قلت: ويشكل عليه أن الاستحاضة مشتق من الحيض، والسين للمبالغة أو التحول، والجواب واضح بأن الاشتقاق باعتبار المعنى اللغوي وهو السيلان واشتركا فيه، وأما باعتبار المعنى الشرعي فدمان مختلفان، ولذا فرق في أحكامهما عند الشرع، ونص عليه الشارع ﵊ بقوله: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة"، انتهى. (٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة) كانت المسألة خلافية شهيرة في زمن الصحابة كما بسط في هامش "اللامع" (١) من "كتاب الحج"، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على أنها تخرج بعد الإفاضة قبل طواف الصدر، وروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا الحائض بالمقام، ثم رجع ابن عمر وزيد بن ثابت إلى قوله: الجمهور، والإمام البخاري ذكر المسألة في الحيض وفي كتاب الحج على دأبه؛ لأن المسألة المشتركة يذكرها في الموضعين كما تقدمت الأبواب العديدة في كتاب الحيض أيضًا. (٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر) اختلفوا في غرض المصنف على أقوال بسطت في "اللامع" (٢) وهامشه، وفيه: تحتمل ترجمة البخاري ثلاثة أوجه عند هذا الفقير، ولا يبعد
следующие страницы →