عند الإمام في أقل من ستين يومًا، وتصدق عند صاحبيه في تسعة وثلاثين يومًا وذلك لأن العدة عندهم على الحيض، فلا بد من ثلاث حيض، والحيض مقدر الطرفين ولا حدّ لأكثر الطهر، وأقله خمسة عشر يومًا، فوجه قول الإمام أنه يبعد أن يعتبر الأقل من كل منهما، فالاعتدال أن يعتبر الأقل من جهة والأكثر من جهة أخرى، ولما لم يكن لأكثر الطهر حدّ فلا بد أن يعتبر الأقل منه والأكثر من الحيض، فيكون المجموع ستين يومًا، ووجه قول صاحبيه أن أقل ما يمكن تصديقها فيه أن يعتبر الأقل من كل الجهتين، فيكون المجموع تسعة وثلاثين، والصورة هكذا:
. . . . طهر الطلاق … الحيض الأول … الطهر بعده … الحيض الثاني … الطهر بعده … الحيض الثالث … المجموع
عند الإمام … لحظة … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ١٥ … ١٠ … ٦٠ يومًا
عند صاحبيه … لحظة … ٣ … ١٥ … ٣ … ١٥ … ٣ … ٣٩ يومًا
عند أحمد في المرجوع إليه … لحظة … ١ … ١٣ … ١ … ١٣ … ١ … ٢٩ يومًا
وعلم من هذا كله أن ترجمة الإمام البخاري توافق الإمامين: مالكًا وأحمد، ولا توافق الحنفية والشافعية، انتهى ما في هامش "اللامع" مختصرًا.
قوله: (دعي الصلاة قدر الأيام) قال الحافظ (١): مناسبة الحديث للترجمة من قوله: "قدر الأيام" فوكل ذلك إلى أمانتها ورده إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، انتهى.
وقال الكرماني (٢): المناسبة في إبهام الأيام، وهو محتمل لكون ثلاث حيض في الشهر، انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): محل المناسبة بالترجمة قوله: "ولكن دعي الصلاة" فإنه دليل على أنه فوض الأمر إلى فاطمة، انتهى.
стр. 649
(٢٥ - باب الصفرة والكدرة)
وفي "تراجم (١) شيخ المشايخ": يعني: أنهما ليستا من الحيض، ولا تمنعان الصلاة والصوم، وبعض الفقهاء عدوهما من الحيض، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "في غير أيام الحيض" قصد بهذه الزيادة جمع ما بين الروايات من التعارض، فقد تقدم من قول عائشة أنها قالت: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، ففيه دلالة على أن الصفرة والكدرة من الحيض، وها هنا وقع التصريح بخلافه، فأشار إلى الجمع بينهما بأن هذا في غير أيام الحيض، وذلك فيها، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم جميع العلماء ثم بسطه، قلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى حديث أبي داود برواية أم عطية ﵂ قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا"، فإن قوله: بعد الطهر هو الذي أشار إليه البخاري بلفظ: في غير أيام الحيض، ولا يشكل على الأئمة ما تقدم من اختلافهم في المستحاضة من اعتبار لون الدم؛ لأنها في المستحاضة دون الحيض، فإن ألوان دم الحيض عديدة عند الجميع لا يختص بلون واحد إلى آخر ما بسطه.
وذكر صاحب "الفيض" (٣) فهدر البخاري مسألة التمييز بالألوان، إلا أنه قيَّدها بغير أيام الحيض، ومفهومه اعتبارها في أيام الحيض، قال الحنفية: معنى الحديث: أنه لم تكن عندنا مسألة التمييز بالألوان، فكنا نعدّها كلها حيضًا، وقال الشافعية: معناه: إنا كنا نعد التمييز بالألوان، فنعدّ الحمر والسواد حيضًا، ولا نعد الكدرة والصفرة شيئًا لكونها استحاضة.
والشرح الثالث للبخاري وحاصله: إنا كنا نلغي الألوان في غير أيام الحيض، ومفهومه: إنا كنا نعتبرها في أيام الحيض، ففصل بين رؤية الألوان
стр. 650
في أيام الحيض وبين رؤيتها في الخارج، وهذا التفصيل من جانبه، وكأن البخاري ذهب إلى التمييز بالألوان من وجه وهدره من وجه، وبالجملة لكلامه ثلاثة شروح:
الأول: إنا لم نكن نعتبر الألوان في مدة الحيض، ونعتد كلها من الحيض، نعم كنا نعتمد بها إذا رأيناها من غير أيام الحيض، وحينئذ وافقنا المصنف في مسألة التميز بالألوان وهدرها.
والثاني: إنا لم نكن نعدّ الألوان شيئًا من غير أيام الحيض، أما إذا كانت في أيام الحيض فكنا نعتبر بها، وهذا موافق للشافعية.
والثالث: عدم عبرتها مطلقًا، انتهى.
وأنت خبير بأن ما في "اللامع" أوفق من ظاهر البخاري.
(٢٦ - باب عرق الاستحاضة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: باب بيان أن دم الاستحاضة دم عرق، وليس خارجًا من أحد السبيلين، فلا يتحد حكمهما لما فيهما من بون في الأصل والذات، فيكون سببًا للاختلاف في الآثار والثمرات، انتهى.
وكتب الشيخ أيضًا في "الكوكب" (٢): قوله: إنما ذلك دم عرق. . . إلخ، فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض، وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا، بوجوه مفصلة في الفقه، ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين، وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر، وذلك لأن المراد بالسبيل ها هنا مخرج البول لا أعم منه، ودم الاستحاضة لا يخرج منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن، نعم سبيل المني والاستحاضة واحد، وكذلك الحكم في سبيل البراز، فإن الخارج منها الظاهر لا يؤتى له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه
стр. 651
حقيقة، كما في غُدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل؛ لأنها غير السبيلين، فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها، بل هو خارج عن حكمها، وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس، وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله، غير أن قوله ﷺ في جواب السائل ما الناقض؟: "كل ما خرج من السبيلين" أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاءً لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة، ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين، وليس هذا موضع تفصيله، انتهى.
وفي هامشه: ففي "الفتح الرحماني" عن "نهاية النهاية": أن مدخل الذكر هو مخرج الولد والمني والحيض، وفوقه مخرج البول كإحليل الرجل، وبينهما جلدة رقيقة وفوق مخرج البول جلدة رقيقة يقطع منها في الختان، كذا في "الأوجز" (١)، انتهى.
وفي هامش "اللامع" على قول الشيخ: "إن دم الاستحاضة دم عرق": تقدم في باب الاستحاضة من حديث عائشة أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة" الحديث، وهو أوضح في المقصود، فإن الحيض في اللغة: السيلان، وفي الشرع: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معدودة، والاستحاضة: الدم الخارج في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم اسمه العاذل - بالذال المعجمة - انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٢): قوله: "ذلك عرق" قيل: معناه: إنه ليس دم الرحم حتى يوجب ترك الصلاة والصوم، بل هو دم عرق، فإن قيل: قد تقرر عند الأطباء أن دم الاستحاضة ينفض من الرحم أيضًا فما معنى قوله: "ذلك عرق"؟
стр. 652
قلت: معناه إنما ذلك وجع ومرض فيه، وإطلاق العرق وإرادة المرض والوجع؛ لأن اجتماع الدم وفساده فيه، فهو غالبًا يكون مسببًا للوجع والمرض، فعلى هذا لا مخالفة بين الحديث وبين ما قالته الأطباء، على أن الأطباء أيضًا معترفون بأن أكثر الأمراض بل جلها تكون من سوء مزاج في العروق، انتهى.
قلت: ويشكل عليه أن الاستحاضة مشتق من الحيض، والسين للمبالغة أو التحول، والجواب واضح بأن الاشتقاق باعتبار المعنى اللغوي وهو السيلان واشتركا فيه، وأما باعتبار المعنى الشرعي فدمان مختلفان، ولذا فرق في أحكامهما عند الشرع، ونص عليه الشارع ﵊ بقوله: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة"، انتهى.
(٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)
كانت المسألة خلافية شهيرة في زمن الصحابة كما بسط في هامش "اللامع" (١) من "كتاب الحج"، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على أنها تخرج بعد الإفاضة قبل طواف الصدر، وروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا الحائض بالمقام، ثم رجع ابن عمر وزيد بن ثابت إلى قوله: الجمهور، والإمام البخاري ذكر المسألة في الحيض وفي كتاب الحج على دأبه؛ لأن المسألة المشتركة يذكرها في الموضعين كما تقدمت الأبواب العديدة في كتاب الحيض أيضًا.
(٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر)
اختلفوا في غرض المصنف على أقوال بسطت في "اللامع" (٢) وهامشه، وفيه: تحتمل ترجمة البخاري ثلاثة أوجه عند هذا الفقير، ولا يبعد
стр. 653
إرادة الثلاثة معًا، فإن البخاري أودع الدقائق الكثيرة في التراجم:
الأول: التنبيه على اختلافهم في أقل مدة الطهر، وعلى هذا فميل البخاري على ما يظهر من ظاهر سياق أثر ابن عباس إلى أنه لا تحديد في ذلك، واختلفوا في هذه المسألة على ستة أقوال:
الأول:
أنه خمسة عشر يومًا وهو قول أبي حنيفة والشافعي والجمهور، وحكى البغوي وغيره الإجماع عليه، ورجحه الباجي من المالكية.
والثاني:
ثلاثة عشر يومًا، وهو قول أحمد.
والثالث:
أنه لا حد له، وهو رواية عن مالك، وإليه ميل ابن عباس والبخاري كما عرفت.
والرابع:
خمسة أيام، قاله ابن الماجشون.
والخامس:
ثمانية أيام، قاله سحنون.
والسادس:
عشرة أيام، قاله ابن حبيب.
والوجه الثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى ردّ قول المالكية في مسألة الاستظهار، وهي مسألة شهيرة لهم، قال الموفق (١): قال مالك: لا اعتبار بالعادة إنما الاعتبار بالتمييز، فإن لم تكن مميزة استظهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام، إن لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وهي بعد ذلك
стр. 654
مستحاضة، ولا عبرة بالاستظهار عند الأئمة الثلاثة، قال ابن رُشد في "البداية" (١): وأما الاستظهار الذي قال به مالك بثلاثة أيام فهو شيء انفرد به مالك وأصحابه، وخالفهم في ذلك جميع فقهاء الأمصار ما عدا الأوزاعي، انتهى.
والوجه الثالث: الرد على من منع وطء المستحاضة كما يدل عليه قوله: "يأتيها زوجها"، والمسألة خلافية شهيرة، قال ابن رشد (٢): اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
فقال قوم: يجوز وطؤها، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ابن عباس وغيره.
وقال قوم: لا يجوز، وهو مروي عن عائشة، وبه قال النخعي والحكم.
وقال قوم: لا يجوز ذلك إلا أن يطول ذلك بها، انتهى.
وهو قول أحمد، وفي رواية: إلا أن يخاف زوجها العنت، وإن خاف على نفسه الوقوع في محظور جاز على الروايتين، انتهى من "العيني" و"المغني".
ويؤيد ذلك الوجه أثر ابن عباس في الترجمة، وهذا أوجه الوجوه الثلاثة عندي؛ لأنه لم يحكم في الترجمة بشيء بل ذكرها بلفظ: إذا، وذكر في الجواب أثر ابن عباس، وأيده بقوله: الصلاة أعظم، فكأنه ﵀ استدل بجواز الصلاة على جواز الوطء بالأولوية، ولذا عقبه بحديث عائشة في قصة فاطمة المصرح بأمر الصلاة، وإثبات الترجمة بالأولوية معروف في الأصول، انتهى ما في هامش "اللامع" وبسط الكلام على ذلك فيه أشد البسط.
ويحتمل في غرض الترجمة وجه رابع، وهو الإشارة إلى مسألة شهيرة
стр. 655
خلافية، وهي الطهر المتخلل بسطها الفقهاء ولخصا صاحب "شرح الوقاية" (١)، وقد ترجم البيهقي على أثر ابن عباس المذكور في الترجمة "باب تحيض يومًا وتطهر يومًا"، قال ابن التركماني (٢): الأصح من مذهب الشافعي في مثل هذا أن الدم إذا انقطع على خمسة عشر يومًا أو ما دونها فالكل حيض، انتهى.
وذكر النووي (٣) في مذهبه قولين: الأول: هذا، والثاني: أن أيام الدم حيض وهو منصوص وأيام النقاء طهر، والقولان مصححان عند الشافعية، ولكن الأول صححه الأكثر، وهو منصوص الشافعي، ويسمى قول السحب، والثاني يسمى قول التلفيق واللقط.
قال النووي: وبالتلفيق قال مالك وأحمد، وبالسحب قال أبو حنيفة واستدل ابن قدامة بقول التلفيق بأثر ابن عباس هذا، واستدل الشافعية والحنفية بأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى، والبخاري، مال إلى قول التلفيق، واستدلاله على ذلك بحديث الباب ظاهر، فإن الإقبال والإدبار يعمّ كل حال قليلًا كان الدم أو كثيرًا، وكذا النقاء، والله أعلم.
(٢٩ - باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لما كان أن يتوهم أنها نجسة لما حكم الشارع عليها أن لا تصلي ولا تصوم ولا تدخل مسجدًا، ومن شرائط الصلاة على الميت طهارته؛ فلا يصلى على النفساء؛ ردَّ ذلك بأن الصلاة عليها ثابتة، والسُنَّة في القيام على الحائضة والنفساء وغيرهما القيام على وسط السرير، ليحصل الستر لعدم النعوش يومئذ، ثم استُغْنِي بها عنه، وإن
стр. 656
النساء شقائق الرجال فأخذن حكمهم لارتفاع العارض، انتهى.
وفي هامشه: أن الإمام البخاري ذكر في الباب مسألتين: أولاهما: الصلاة على النفساء، وهي التي ذكرها الشيخ في "اللامع"، قال الكرماني (١): قيل: وهم البخاري في هذه الترجمة حيث ظن أن قوله: "ماتت في بطن" معناه ماتت في الولادة، بل معناه ماتت مبطونة.
وتعقبه الكرماني والحافظ (٢) وغيرهما بأنه ليس وهمًا؛ لأنه قد جاء صريحًا في "باب الصلاة على النفساء" في "كتاب الجنائز" في حديث الباب بلفظ: "ماتت في نفاسها" فالترجمة صحيحة، انتهى.
قال الكرماني: قال صاحب "شرح تراجم الأبواب": فقه الباب من الحديث إما طهارة جسد النفساء وإما أن النفساء وإن عدها من الشهداء، فليس حكمها حكم شهيد القتال، فيصلى عليها كسائر المسلمين، انتهى.
قال العيني (٣): الصواب أن هذا الباب لا دخل له في كتاب الحيض، ومورده في كتاب الجنائز، ومع هذا ليس له مناسبة أصلًا بالباب الذي قبله، ورعاية المناسبة بين الأبواب مطلوبة، وما أفاده العيني بعيد كما بسط في هامش "اللامع".
والمسألة الثانية ما ذكره الإمام البخاري بقوله: وسُنَّتها سُنَّة القيام في الصلاة على الحائض، والإشكال فيها أشدّ من الأولى؛ لأن محلها كتاب الجنائز وسيأتي في محله "باب أين يقوم من الرجل والمرأة؟ "، ويذكر فيه المصنف حديث سمرة هذا، فذكر ها هنا مجرد تكرار في غير محله، ويمكن التفصي عنه بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ها هنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: وغيرهما، وأما الآتي في كتاب الجنائز فهو في محله لبيان مسألة محل قيام
стр. 657
الإمام على جنائز الرجال والنساء المختلفة فيها بين الأئمة، بسطها العيني (١).
وحاصله: أن الإمام يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر في المشهور المرجح عندنا الحنفية، وهو رواية عن أحمد، والمرجح عنده أن يقوم الإمام عند صدر الرجل ومنكبيه وحذاء وسطها، وقال مالك: يقوم عند وسطه وعند منكبيها، وعند الشافعي يقوم عند رأسه وعند عجيزتها على ما هو المشهور مع الاختلاف الكثير في ذلك انتهى من هامش "اللامع".
(٣٠ - باب)
بلا ترجمة، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "وهي مفترشة" أوردها لمناسبة ذكر الصلاة عليها.
والحاصل: أن قرب الحائض لا يمنع جواز الصلاة، فكان ذلك كالتنظير للباب المتقدم، إلا أن بينهما تفاوتًا، فإن القرب في الأول غير القرب في الثاني مع أن الأول معقود لذكر النفساء وهذا في ذكر الحائض، والمفترشة أمام المصلي مقصودة في الأول دون الثاني، والصلاة في الثاني حقيقة وفي الأول دعاء محض، ولذلك أفرد الباب ها هنا، انتهى.
وفي هامشه: اختلفت نسخ البخاري في ذكر الباب، وفي النسخ التي بأيدينا فيها باب بلا ترجمة، وبسط الشرَّاح في أن ذلك من اختلاف الرواة، وليس الباب في رواية الأصيلي وغيره.
قال الحافظ (٣): وقع في رواية "باب" غير مترجم وعادته في مثل ذلك أنه بمعنى الفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته له أن عين الحائض والنفساء طاهرة؛ لأن ثوبه ﷺ كان يصيبها إذا سجد ولا يضره ذلك، انتهى.
стр. 658
قلت: وما قال من المناسبة واضحة، لكن المسألة لم تبق على هذا من باب الصلاة على النفساء، فالأوجه عندي أنه أراد بذلك إثبات الصلاة على الحائض، ولذا عقبه بالباب السابق، ولما لم تكن الرواية نصًا في ذلك لم يفصح بالترجمة بل أثبتها استنباطًا، فإن المفترشة النائمة قدامه نظير الجنازة الموضوعة قدامه، ويستنبط ذلك من كلام الشيخ أيضًا، انتهى.
ولا يذهب عليك أن شيخ الهند ﵀ رقم عليه نقطتين ومؤدى النقطتين كما تقدم في الجزء الأول في بيان جداول شيخ الهند أن الحديث الوارد في الباب يتعلق بالباب السابق، وهو مؤدى كلام الشيخ في "اللامع" إذ قال: فكان ذلك كالتنظير للباب المتقدم، وهو مؤدى كلام الحافظ بوجه آخر، وهو أيضًا مؤدى هذا العبد الفقير كما تقدم قريبًا.
ثم الحافظ سكت عن براعة الاختتام في كتاب الحيض، وهي عندي بالصلاة على النفساء واضحة، ولا يقال: إنها ليست بآخر باب؛ لأن الباب الآتي بعده ملحق به، ويمكن استنباطها بلفظ: "لا تصلي" فإنه شأن الميت، وأظهر منه قوله: "وهي مفترشة بحذاء مسجده ﷺ "، وهل هي غير صورة الجنازة بحذاء الإمام؟.
* * *
стр. 659
٧ - كتاب التيمم
التيمم تَفَعُّل من الأم، وهو لغةً مطلق القصد، بخلاف الحج فإنه قصد إلى معظم، ولذا اتفقت الأئمة على وجوب النية فيه لوجود معنى القصد، إلا ما حكي عن الأوزاعي، ولذا خالف أصلية الوضوء والغسل عندنا.
قوله: (الآية) كتب الشيخ في "اللامع" (١): لا يحسن الجمع بينهما، وإنما هما نسختان، فالآية مذكورة بتمامها في بعض النسخ، وفي أخرى وقع الاكتفاء بلفظ الآية فقط، انتهى بزيادة.
قال الحافظ (٢): ذكر الآية في الكتاب ظاهر، وإن كانت نسخة الحاشية "باب قوله تعالى. . ." إلخ، فهي ترجمة مستقلة، والمقصود منها تفسير المبهم في حديث عائشة أن المراد من آية التيمم آية المائدة، انتهى ملخصًا.
قلت: ويشكل عليه أنه لا يبقى حينئذ مناسبة الحديث الثاني بالباب، ويشكل أيضًا أن المصنف ترجم بآية النساء في كتاب التفسير وذكر فيه هذا الحديث اللهم إلا أن يقال: إن المقصود منه تفسير الصعيد الطيب في الآية، لكن يشكل عليه أيضًا أنه سيأتي مستقلًا "باب الصعيد الطيب" إلا أن يقال: إن المقصود هناك مسألة أخرى، وهي أن التيمم ينوب الوضوء مطلقًا أم لا، كما سيأتي، والأوجه من الكل أن المصنف أشار بذلك إلى مبدأ حكم التيمم كما هو دأبه في جميع كتابه، ولا يخفى عليك ما في "الأوجز" (٣) في حديث عائشة: فأنزل الله آية التيمم، قال ابن العربي (٤): هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء؛ لأنا نعلم أي الآيتين عنت عائشة رضي الله
стр. 660
تعالى عنها إلى آخر ما بسط فيه من أقوال العلماء في تعيين الآية المبهمة في حديث عائشة.
(٢ - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): الاستدلال بالرواية ظاهر، فإنهم لما لم يعلموا حكم التراب كان التراب في حقهم في حكم العدم، والجواب أنه مبني على ثبوت أنهم لم يؤمروا بالإعادة ولم يثبت وعدم الثبوت لا يساوق ثبوت العدم، مع أنهم لم يؤمروا بالتيمم بعد لا أنهم أمروا ولم يعلموا بالأمر، فإن الحكم واجب العمل بعد التبليغ ولم يبلغ بعد، انتهى.
وفي هامشه: المسألة خلافية شهيرة معروفة بفاقد الطهورين، بسطها الشيخ في "البذل" (٢)، وميل المصنف في هذه المسألة إلى قول الإمام أحمد من إيجاب الأداء بدون القضاء، وعكسه عند أبي حنيفة، وقال صاحباه: يتشبه بالمصلين وجوبًا ثم يقضي، وقال الشافعي في المرجح من أقواله الأربعة: وجوب الأداء مع وجوب القضاء، وعكسه عند مالك، أي: لا أداء ولا قضاء، وهو الصحيح من مذهبه.
وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": باب إذا لم يجد. . . إلخ، أي: حكمه أن يصلي بغير وضوء ولا تيمم ولا إعادة عليه، وهذا هو مذهب المؤلف، وأثبته بظاهر الحديث؛ لأنه ﷺ لما شكا القوم إليه ما أمرهم بإعادة الصلاة، انتهى.
(٣ - باب التيمم في الحضر)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أثبت الحكم في الصلاة مقايسة، فإن
стр. 661
التيمم لما جاز في الحضر لما لم يتوقف على التيمم عند خوف فواته فالصلاة أولى بالجواب؛ لأنها أهم، إلا أنه موقوف على خوف الفوات، انتهى.
وفي هامشه: كتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: أثبته في الحضر؛ لأن الآية وردت في السفر، فأشار إلى أنه قيد اتفاقي، انتهى.
قلت: اختلفوا في جوازه في الحضر لعادم الماء بعد اتفافهم على جوازه للمريض، واختلفوا في الأول لندرة العذر، بل لاستحالة أن يكونوا مقيمين في المصر بدون ماء، وظاهر ما في "الهداية" (١) أن لا يجوز في الحضر، إذ قيَّد جوازه بالمسافر، وبمن هو خارج المصر.
وحكى العيني (٢): جوازه عن "الأسرار" وقال: هو مذهبنا، وعليه بنى صاحب "الدر المختار" (٣)، إذ صرح بأنه يتيمم لبعده ميلًا ولو مقيمًا في المصر، وعليه بنى الشيخ كلامه، ويتيمم عند الأئمة الثلاثة لكنهم اختلفوا في وجوب الإعادة وعدمه، وهما قولان لأحمد كما في "المغني" (٤) والمرجح من قولي الإمام مالك عدم الإعادة، وقال الشافعي بوجوب الإعادة كما بسط في "الأوجز" (٥).
ثم لا يذهب عليك أن أثر ابن عمر الذي علَّقه البخاري ليس فيه ذكر التيمم، وهو موجود في رواية "الموطأ" وغيره.
قال الحافظ (٦): ولم يظهر لي سبب حذفه منه ذكر التيمم مع أنه مقصود الباب، انتهى.
وتعقبه العيني (٧): بأن الذي يظهر لي أنه من الناسخ، واستمر الأمر عليه، وليس له وجه غير هذا، انتهى.
стр. 662
وتبعه القسطلاني في ذلك، والأوجه عندي: أنه من البخاري عمدًا، فإن تشحيذ الأهان من دأبه المعروف، وكتابه مملوء في ذلك، واستند الحافظ في هذا الأصل كثيرًا في كتابه كما تقدم في الأصل الحادي عشر.
ومما يجب التنبيه عليه أن أبا جهيم المذكور في الرواية هل هو بالتصغير أو بالتكبير؟ وهل هو صاحب حديث المرور في الصلاة أو غيره؟ مختلف عند أهل الرجال، وفي الصحابة رجل آخر هو أبو جهم صاحب الأنبجانية وردت الروايات فيه أيضًا بالتصغير، والصواب أنه بالتكبير والأول بالتصغير كما بسط ذلك في "الأوجز" (١) في حديث المرور بين يدي المصلي، انتهى ما في هامش "اللامع".
(٤ - باب هل ينفخ في يديه. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كانت نيابته عن الوضوء يوهم أن الاستيعاب لعله مشروط فيه، كما أن في الوضوء يشترط استيعاب الماء كل المغسول، دفعه بأن الاستيعاب وإن كان مشروطًا إلا أن استيعاب التراب سائر العضو لا يشترط، ودلالة الرواية على هذا المعنى ظاهرة، فإن استيعاب التراب لو كان مقصودًا لما نفخ النبي ﷺ في يديه؛ لأنه يقلل التراب، وتقليله خلاف المقصود على هذا التقدير، انتهى.
وفي هامشه: في الترجمة أمران:
الأول: غرض المصنف بهذه الترجمة، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجهه كما سترى.
والأمر الثاني: أن النفخ موجود في الرواية نصًا فلم بوَّب عليه الإمام البخاري بلفظ: "هل"، المشعر إلى التردد؟
قال الحافظ (٣): إنما ترجم بلفظ الاستفهام لينبه على أن نفخه عليه
стр. 663
الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لشيء علق بيده الشريفة، أو لتقليل فلعله كثر، ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، ومن ثم تمسك به من أجاز التيمم بغير التراب زاعمًا أن نفخه يدل على أن المشترط في التيمم الضرب من غير زيادة على ذلك، فلما كان هذا الفعل محتملًا لما ذكر أورده بلفظ الاستفهام، انتهى.
وبه قال العيني (١) مع ترجيح الثالث وإضافة الرابع أنه لا وجه له إذ قال: وتبويب البخاري أيضًا بالاستفهام غير سديد، انتهى مختصرًا.
ولا يبعد عندي أنه أشار بلفظ: "هل" إلى أن ظاهر الحديث النفخ، وقد ورد في فضل تراب العبادات روايات كثيرة، منها أحاديث غبار الجهاد، ومنها قوله ﷺ لمعاذ: "عفِّر وجهك في التراب"، وغير ذلك من الروايات.
قال الحافظ (٢): والفرق بينهما أن التنظيف مطلوب شرعًا، والغبار أثر الجهاد وإذا انقضى فلا معنى لبقائه، بخلاف الوضوء فالمقصود منه الصلاة، فاستحب بقاء أثره حتى يحصل المقصود فافترقا، انتهى.
وهذا المعنى بعينه موجود في التيمم، ولذا أشار إليه الإمام البخاري بلفظ "هل" عندي.
وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": النفخ مستحب إذا تعلق بالأعضاء غبار كثير تحرزًا عن المثلة، انتهى.
كأنه أشار إلى الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في كلام الحافظ، وبه جزم الكرماني (٤)، ويمكن عندي وجه آخر أيضًا، يليق بشأن البخاري، وهو أن نفخه ﷺ في حديث الباب ليس لتراب التيمم؛ لأنه ﷺ لم يتيمم إذ
стр. 664
ذاك في الحقيقة بل أراه كيفية التيمم فنفخ فيه؛ لأن هذا لم يكن تراب التيمم حتى يعد مع تراب الغبار في سبيل الله، فنبّه الإمام بلفظ: "هل" إلى التردد في أن ينفخ تراب التيمم أيضًا أم لا؟ ووجه التردد كون هذا التراب أثر العبادة بخلاف التراب الذي التحق بيده الشريفة في الإراءة، فتأمل فإنه لطيف، انتهى ملخصًا ما في هامش "اللامع".
لكن يشكل على هذا التوجيه أن الإمام البخاري ترجم بعده " باب التيمم للوجه والكفين " وأخرج فيه حديث عمار هذا، فعلى هذا هو محمول عنده على حقيقة التيمم، فتأمل.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من قوله: فإن استيعاب التراب لو كان. . . إلخ، يؤيده ما في "أبي داود" (١) من حديث عمار بن ياسر بلفظ: ولم يقبضوا من التراب شيئًا، وفي هامشي على "البذل" (٢) عن ابن رسلان: يؤخذ منه أنه يجوز التيمم وإن لم يعلق بهما التراب، وبه قال مالك وأبو حنيفة خلافًا للشافعي وأحمد إذ قالا: لا يجوز إلا أن يعلق بالكف من التراب شيء، انتهى.
وفيه أيضًا عن ابن رسلان على قوله: "ثم نفخهما": فيه دليل على ما تقدم أن التيمم يجوز بدون الغبار، إذ لو كان الغبار مطلوبًا ما نفخ فيه، وأجيب بأنه يحتمل تقليلًا للتراب، انتهى.
(٥ - باب التيمم للوجه والكفين)
في "تراجم (٣) شيخ المشايخ": مذهب المؤلف في هذه المسألة مثل ما يقوله أصحاب الظواهر وبعض المجتهدين من أن التيمم للوجه والكفين فقط، ولا يلزم المسح إلى المرفقين خلافًا للجمهور، وهم يقولون: إن
стр. 665
قوله: "إنما يكفيه. . ." إلخ، حصر إضافي بالنسبة إلى نفي التمرغ فقط، وليس معناه إثبات الضربة الواحدة ومسح الكفين فقط، بدليل ما أورده في "الصحيح" مرفوعًا: "أنه ﷺ ضرب ضربتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين"، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (١): اعلم أن الأئمة اختلفوا في التيمم في الموضعين: الأول: في عدد الضربات، فقال الإمام أحمد: التيمم ضربة للوجه والكفين، وإليه ميل البخاري كما جزم به في الترجمتين، الأولى هذه، والثانية تأتي في آخر التيمم "باب التيمم ضربة"، وقالت الحنفية والشافعية: التيمم ضربتان، ولمالك روايتان كالمذهبين، والثالثة المرجحة في فروعه: الضربة الواحدة فريضة والثانية سُنَّة.
والموضع الثاني: في مقدار اليدين، وهو الكفان فقط عند أحمد والشافعي في القديم، وإليه ميل البخاري، وإلى المرفقين عند الشافعية والحنفية، وهما روايتان لمالك، انتهى.
(٦ - باب الصعيد الطيب. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث بسط الحافظ في تخريجه كما في هامش "اللامع" (٣)، وفيه: قال شيخ المشايخ في "التراجم" (٤): غرضه من عقد الباب إثبات أن التراب له حكم الماء عند عدم وجدانه، فإذا تيمم يصلي بها ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث كما هو حكم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة خلافًا للشافعي وغيره من الأئمة، ومحل الاستشهاد في حديث الباب قوله ﷺ : "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"؛ لأن الظاهر المتبادر من الكفاية أن يكون له حكم الماء، وإلا
стр. 666
كانت الكفاية ناقصةً مع أن المطلق ينصرف إلى الكامل، انتهى.
قلت: ويوضح مراد المصنف إيراد أثر الحسن في الترجمة فهو نص في وفاق الحنفية، قال الحافظ: وهو أصرح في مقصود الباب، وأشار المصنف بهذا الباب إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور، إلى آخر ما في هامشه. وفيه: وما جمع الحافظ في كلامه الكوفيين والجمهور تسامح منه، وإجمال مخل، وتوضيح ذلك أن ها هنا مسألتين طالما يلتبس فيهما في النقل، وبسطتا في "الأوجز" (١):
الأولى: أن التيمم بمنزلة الوضوء عند الحنفية وإليه ميل البخاري، فيصلي به إلى متى شاء، وبه قال أهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه وبه قال مالك والشافعي: إنه لا بد للتيمم في كل وقت صلاة مفروضة.
والمسألة الثانية: ما قال الموفق: وله أن يصلي به ما شاء من الصلاة، فيصلي الحاضرة ويجمع بين الصلاتين، ويقضي الفوائت، ويتطوع قبل الصلاة وبعدها، قال مالك والشافعي: لا يصلي به فرضين، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، انتهى.
قوله: (وأم ابن عباس) قال الحافظ (٣): أشار المصنف بذلك إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطهارة به ضعيفة لما أمّ ابن عباس وهو متيمم من كان متوضئًا، انتهى.
قوله: (على السبخة) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أراد بها ما فيه سباخ لا ما صار سباخًا كلية، فلا ينافي مذهب الحنفية، انتهى.
стр. 667
وفي هامشه: قال العيني (١): السبخة بفتح حروفها كلها واحدة السباخ، قال صاحب لغات "الصراح": سبخة شوره (كَندهك)، انتهى.
وما يظهر من "المحيط الأعظم" أن كَندهك غيرها، يقال لها في العربية: كبريت، وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: قوله: السبخة، أي: إن كانت الأرض غالبة وإلا فلا يجوز هذا في السبخة التي ليست سبخها من جنس الأرض أعني يذاب بالإحراق ويصير رمادًا، انتهى.
قال الحافظ (٢): هذا الأثر يتعلق بقوله في الترجمة: "الصعيد الطيب"، أي: المراد بالطيب الطاهر، واحتج ابن خزيمة لجواز التيمم بالسبخة بحديث عائشة في شأن الهجرة أنه قال ﷺ : "أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل" يعني: المدينة، قال: وقد سمى النبي ﷺ المدينة طيبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيب، ولم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه فإنه لم يجوز التيمم بها، انتهى.
وهو رواية عن أحمد كما في "المغني"، ولا يذهب عليك أن حديث عمران بن حصين هذا يأتي في "باب علامات النبوة في الإسلام" أيضًا، وبين سياقيهما اختلافات كثيرة، ويسمى حديث ليلة التعريس، وهل وقعت مرة أو أكثر، فيه خلاف بسط في "الأوجز" (٣)، وعندي الأوجه الثاني.
(٧ - باب إذا خاف الجنب على نفسه. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): مراده إلحاق خوف المرض، وفيه اختلاف بين الفقهاء بخوف العطش ولا اختلاف فيه، انتهى.
والخلاف في تيمم الجنب للبرد والمرض كان في السلف، لا سيما بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والحسن البصري، وهو مقتضى قول
стр. 668
ابن مسعود إلا أنهم اختلفوا في الإعادة، فلا يجب عندنا ومالك، ويجب عند الصاحبين، وهما روايتان لأحمد، ويجب عند الشافعي للحاضر دون المسافر، كذا في هامشي على "البذل" (١).
قوله: (فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار. . .) إلخ، هذا السياق واضح، وهذا يدل صريحًا على أن في سياق أبي داود وغيره تقديمًا وتأخيرًا، والحديث الآتي في ال باب الآتي موافق لسياق أبي داود، وفيه: أن ابن مسعود لما استدل أولًا بالآية وسكت عليه أبو موسى فلم ذكر بعد ذلك قصته مع عمر؟ فالصحيح أن أبا موسى ذكر أولًا قصة عمار مع عمر فلم يقبله عبد الله وقال: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ فكيف يستدل بأمر لم يقنع عمر عليه ولم يقبله، فاحتاج إلى الاستدلال بالآية، فقال: دعنا من قول عمار.
(٨ - باب التيمم ضربة)
وقد تقدم ما يتعلق بهذه الترجمة في "باب التيمم للوجه والكفين".
(٩ - باب)
بلا ترجمة، قال الحافظ (٢): كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلًا، فعلى روايته هو من جملة الترجمة الماضية، وعلى الأول هو بمنزلة الفصل من الباب كنظائره، وليس في الحديث التصريح بكون الضربة مرة واحدة، والاستدلال بعدم التقييد فإن المرة الواحدة أقل ما يحصل به الامتثال، انتهى.
وفي "تراجم (٣) شيخ المشايخ": هذا الباب لا ترجمة له، ولا يوجد في النسخ الصحيحة وهو الصحيح، فمناسبة حديث الباب بترجمة الباب
стр. 669
السابق باعتبار أن قوله ﵊: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، كما أنه عام بالنسبة إلى أنواع الصعيد كذلك له عموم بالنسبة إلى كيفية التيمم، ويحتمل أن يكون بضربة أو ضربتين، فتأمل، انتهى.
والأوجه عندي: أن المصنف أشار بذلك إلى دفع إيراد مشهور على الحديث السابق بأنه إن نزلت آية التيمم فلم تَمَعّك، وإن لم تنزل فكيف عرف أن التراب بدله؟
وحاصل ما أشار إليه البخاري أنه لعله سمع قوله ﵇: "عليك بالصعيد" فحمله على سائر البدن، ورقم على هذا الباب شيخ الهند نوَّر الله مرقده نقطة واحدة التي هي علامة حذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، وما ذكرته من المناسبة جدير أن يدخل في توجيه شيخ الهند نوَّر الله مرقده.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: "فإنه يكفيك"، فإنه إشارة إلى أن الكفاية بما أورده، والأوجه عند هذا الفقير على أصله لفظ: "عليك بالصعيد"، فإنه إشارة إلى دخول القبر، ع:
مىي مي مىي مل كَئي انجام دنيا ديكه لى
ويحتمل أن تكون البراعة في قوله: "معتزلًا" أيضًا، فإنه حالة دخول القبر، فإنه معتزل عن الدنيا وما فيها.
* * *
стр. 670
٨ - كتاب الصلاة
قال الحافظ (١): قد تأملت كتاب الصلاة فوجدته مشتملًا على أنواع تزيد على العشرين، فرأيت أن أذكر مناسبتها في ترتيبها قبل الشروع في شرحها، فأقول: بدأ أولًا بالشروط السابقة على الدخول في الصلاة، وهي الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ودخول الوقت، ولما كانت الطهارة تشتمل على أنواع أفردها بكتاب واستفتح كتاب الصلاة بذكر فرضيتها لتعيّن وقته دون غيره من أركان الإسلام، وكان ستر العورة لا يختص بالصلاة، فبدأ به لعمومه، ثم ثنَّى بالاستقبال للزومه في الفريضة والنافلة إلا ما استثنى كشدة الخوف ونافلة السفر، وكان الاستقبال يستدعى مكانًا، فذكر المساجد ومن توابع الاستقبال سترة المصلي فذكرها، ثم ذكر الشرط الباقي وهو دخول الوقت وهو خاص بالفريضة، وكان الوقت يشرع الإعلام به فذكر الأذان، وفيه إشارة إلى أنه حق الوقت، وكان الأذان إعلامًا بالاجتماع إلى الصلاة فذكر الجماعة، وكان أقلها إمام ومأموم فذكر الإمامة، ولمَّا انقضت الشروط وتوابعها ذكر صفة الصلاة، ولما كانت الفرائض في الجماعة قد تختص بهيئة مخصوصة فذكر الجمعة والخوف، وقدَّم الجمعة لأكثريتها، ثم تلا ذلك بما يشرع فيه الجماعة من النوافل، فذكر العيدين والوتر والاستسقاء والكسوف، وأخَّره لاختصاصه بهيئة مخصوصة، وهي زيادة الركوع، ثم تلاه بما فيه زيادة سجود، فذكر سجود التلاوة؛ لأنه قد يقع في الصلاة، وكان إذا وقع اشتملت الصلاة على زيادة مخصوصة فتلاها بما يقع فيه نقص من عددها وهو قصر الصلاة، ولما انقضى ما يشرع فيه الجماعة ذكر ما لا يستحب فيه وهو سائر التطوعات.
стр. 671
ثم للصلاة بعد الشروع فيها شروط ثلاثة: وهي ترك الكلام، وترك الأفعال الزائدة، وترك المفطر، فترجم لذلك ثم بطلانها يختص بما وقع على وجه العمد فاقتضى ذلك ذكر أحكام السهو، ثم جميع ما تقدم متعلق بالصلاة ذات الركوع والسجود، فعقّب ذلك بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود وهي الجنازة، انتهى.
قلت: لا ريب في أن المناسبات التي ذكرها الحافظ أجود وألطف، ومع ذلك تظهر في بعض المواضع بدقة النظر مناسبة ألذ بما ذكره الحافظ مثلًا ما ذكر من مناسبة أبواب السهو، الأوجه منه عندي أنها تكملة لأبواب العمل في الصلاة، فإن الإمام البخاري لما ذكر أبواب العمل في الصلاة بدأ بالأعمال الظاهرة، ولما فرغ عنها عقّبها بعمل القلب فترجم بـ "باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة" فإنه من عمل القلب، ولما يتفكر الرجل في الشيء لا بدّ من أن يقع السهو في الصلاة فترجم "بأبواب السهو" فهي ليس بأبواب مستقلة؛ بل هي ثمرة التفكر داخلة في جملة أبواب العمل في الصلاة، ولذا ترى أنه ذكر بعدها "باب إذا كلم وهو يصلي. . ." إلخ، و"باب الإشارة في الصلاة" وهما من جملة أبواب العمل في الصلاة، فلو كان أبواب السهو مستقلة يبقى هذان البابان غير مناسبين بالكتاب مذكورين في غير محلهما، وهكذا في مواضع أخر سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله في مواضعها، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(١ - باب كيف فرضت الصلاة)
وهذا باب خامس من الأبواب المصدّرة بكيف، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أقول: حديث الباب من حيث إفادته أنها فرضت أولًا ليلة الإسراء خمسين، ثم تقرر الأمر على الخمس يثبت كيفية من كيفياته، انتهى.
стр. 672
قلت: وثبت أيضًا من الحديث الثاني أنها فرضت أولًا ركعتين، ثم استقر الأمر على الأربع.
قال الحافظ (١): استفتح كتاب الصلاة بذكر فرضيتها لتعين وقته دون غيره من أركان الإسلام، انتهى.
والأجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى مبدأ الفرضية كما هو دأبه في أكثر أحكام الإسلام، وصرَّح ههنا بمبدأ الفرضية نصًّا دون إشارة لثبوته بحديث المعراج نصًا، ولفظ الترجمة نص في أن الإمام البخاري ذهب إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء والخلاف فيه مشهور، ولذا جمعهما في باب واحد، ولمَّا كان المقصود في أبواب السير ذكر الأحوال فصلهما في بابين كما سيأتي قبيل باب الهجرة.
قال الحافظ (٢): هذا مصير من المصنف إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء، وقد وقع في ذلك اختلاف، فقيل: كانا في ليلة واحدة في يقظته ﷺ ، وهذا هو المشهور عند الجمهور، وقيل: كانا جميعًا في ليلة واحدة في منامه، وقيل: وقعا جميعًا مرتين في ليلتين مختلفتين، إحداهما: يقظة، والأخرى: منامًا، وقيل غير ذلك، والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهرًا وباطنًا حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى ويصلي بمن سكنه من الأنبياء وبالملائكة وليناجي ربه، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه جل وعلا، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس) كتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): مناسبة مع ترجمة الباب باعتبار أن فرضية الصلاة كانت في أول الإسلام حتى
стр. 673
بلغت في أقصى مراتب الاشتهار، وشاعت في بعيد الأقطار، انتهى.
قال الحافظ (١): ومناسبة لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأن أبا سفيان لم يلق النبي ﷺ بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل، انتهى.
(٢ - باب وجوب الصلاة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قلت: حاصل الترجمة أمران: وجوب الستر، والاكتفاء بأقل ما يحصل به التستر، وهذا الأخير له شعب وتفاصيل نبَّه على أكثرها ورودًا، وكل أبواب هذه الأقسام تفصيل لهذا الباب المعقود أولًا، فلا يعترض بتكرار بعض التراجم، فإنها تفصيل لإجمال هذا الباب، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: غرض الترجمة الرد على المالكية إذ المعروف عنهم كون التستر سُنَّة لا يبطل الصلاة بتركه، ومنهم من فرَّق بين العامد والناسي، وجزم الإمام البخاري بالوجوب لقوة الدلائل، وبه قالت الأئمة الثلاثة الباقية، انتهى.
وهذا هو الأصل السادس والأربعون من أصول التراجم، ويحتمل أنه أشار بالترجمة إلى الاختلاف في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] في أن الأمر للوجوب أو الندب، كما في "الأوجز" (٣)، وفيه عن ابن رشد ومن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة، قالوا: ولذلك من لم يجد ما يستر به عورته لم يختلف في أنه يصلي، انتهى.
стр. 674
قوله: (ومن صلى ملتحفًا. . .) إلخ، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): غرضه الإشارة إلى حديث الأمر بالاستحباب لمن صلى في ثوب واحد؛ لأنه يدل أن وجوب أصل الصلاة (٢) مسلَّم ثابت في الشرع حيث لم يتعرض إلا لبيان الكيفيات من الالتحاف والاشتمال والتوشيح وغيرها، وقس على هذا قوله: ويذكر عن سلمة بن الأكوع. . . إلخ، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن هذا الجزء من الترجمة والآتي كلها من الأصل الستين من أصول التراجم كما تقدم في الجزء الأول، وفيه: أن الشرَّاح اضطربوا في إثباتها بالحديث وأتوا لذلك ولدفع التكرار عنها بتوجيهات عديدة؛ فإن هذه الترجمة ستأتي قريبًا مستقلًا، وليست الترجمة عندي مثبتة - بفتح الموحدة - حتى يقال فيها ما قالوا، بل هي مثبتة - بكسر الموحدة - لوجوب الثياب، انتهى.
قوله: (ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه. . .) إلخ، وكتب شيخ المشايخ في "التراجم" (٣): احتاج في هذا الباب إلى هذا النوع من الاستدلال بالإيماءات والإشارات الخفية؛ لأنه لم يرد فيه نص يدل عليه، انتهى.
قال الحافظ (٤): يشير إلى ما رواه أبو داود (٥) والنسائي وغيرهما من طريق معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة: "هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى"، وهذا من الأحاديث التي تضمنتها التراجم بغير رواية حتى ولا التعليق، انتهى.
قلت: ويمكن عندي أن يستدل له بما سيأتي من قوله عليه الصلاة
стр. 675
والسلام: "أو لكلكم ثوبان"، والأوجه منه أن هذا الجزء أيضًا مثبت لما سبق فلا يحتاج لإثباته إلى دليل، وهكذا قوله: أمر النبي ﷺ : "أن لا يطوف بالبيت عريان. . ." إلخ، يشكل عليه بوجهين، أحدهما: عدم ثبوته بالحديث الوارد في الباب، والثاني: أن المسألة من كتاب الحج، وسيأتي في محله "باب لا يطوف بالبيت عريان" وعلى ما اخترته في ذلك من أنه ليس بمقصود بالذكر، بل ذكره مبالغة في وجوب الثياب للصلاة؛ فإنه ﷺ منع الطواف بالبيت عريانًا، والطواف بالبيت صلاة حكمًا، فكيف بالصلاة حقيقة، انتهى.
(٣ - باب عقد الإزار)
أي: عند الضيق إذا لم يمكن الاشتمال، وسيأتي الفرق بينه وبين الباب الآتي إذا كان الثوب ضيقًا، قوله: "فقال له قائل. . ." إلخ.
قال الحافظ (١): وقع في رواية مسلم أنه عبادة بن الوليد، وسيأتي قريبًا أن سعيد بن الحارث سأله عن هذه المسألة، ولعلهما جميعًا سألاه، وسيأتي عند المصنف في "باب الصلاة بغير رداء" عن ابن المنكدر فلعل السؤال تعدد، وقال في جواب ابن المنكدر، فأحببت أن يراني الجهال مثلكم، فالمراد من الأحمق الجاهل، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: (أحمق مثلك) أي: ممن ليس له تمييز بين الواجبات والسنن والمستحبات، وغرض المؤلف من إيراد مثل هذه الروايات والآثار إثبات أن الصلاة جائزة في كل أنواع الثياب، وأنه يأتزر به إذا كان قصيرًا، ويجعل على عاتقه إن كان صغيرًا بحيث يفيد العقد على القفا، ويمكن ذلك منه ويلتحف به إن كان فوق ذلك رعاية للأوكد فالأوكد، انتهى.
стр. 676
(٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا)
لعله أشار بذلك إلى ردِّ ما روي عن ابن مسعود ﵁ وغيره، قال: لا تصلين في ثوب واحد وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض.
قال الحافظ (١): كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديمًا، ونسب ابن بطال ذلك لابن عمر ثم قال: لم يتابع عليه ثم استقر الأمر على الجواز، انتهى.
قلت: وعلى هذا فزيادة "ملتحفًا" لمزيد الفائدة، وأصل الغرض مجرد الجواز في الثوب الواحد، ثم لا يذهب عليك ما في "الأوجز" (٢): أن مراد ابن مسعود خلاف الأفضل، فقد روى عنه أحمد إنما كان ذلك، أي: الصلاة في الثوب الواحد إنما كان ذاك إذا كان في الثياب قلة، وأما إذا وسَّع الله فالصلاة في الثوبين أزكى، وكذلك روي عن ابن عمر أنه قال: فالله أحق أن تتزين له، كما في "البدائع" (٣)، فالظاهر أنهما موافقان للجمهور.
(٥ - باب إذا صلى في الثوب الواحد. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، والنهي في الذي قبله على التنزيه، وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه جعله من الشرائط، وعنه: تصح ويأثم جعله واجبًا مستقلًا، انتهى.
(٦ - باب إذا كان الثوب ضيقًا)
استثناء مما سبق، يعني: إن كان الثوب واسعًا فيجب ما تقدم، وإذا كان الثوب ضيّقًا فلا يجب وضع شيء على عاتقه، سواء يعقد على القفا أو على الحجز، ولذا ذكر فيه الحديثين معًا، ولعل الفرق بينه وبين ما سبق
стр. 677
من قوله: عقد الإزار إن ضيق الإزار له مراتب، فإن كان أوسع فالاشتمال، وإن كان أوسط فالعقد على العنق إن أمكن فهو مقدم وإلا يتزر، وإليه يشير ترتيب تراجم الثلاثة وذكر بينها فليجعل على عاتقيه؛ لأن ذلك لا يمكن إلا في الصورتين الأوليين، ولا يمكن ذلك في الاتزار، والبسط في هامش "اللامع" (١).
(٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وذلك لأن الأصل هو الطهارة، والنجاسة لعارض فلا يعارض الأصل إلا بدليل، انتهى.
وفي هامشه: أشار الشيخ بذلك أن نظر الإمام البخاري في الترجمة إلى طهارة منسوجات الكفار، وعليه حملته الشرَّاح قاطبة، وفي "فيض الباري" (٣): الظاهر أن نظره إلى قطعه يعني أن الثوب إذا قطع على طريق غير طريق العرب جازت الصلاة فيه، وليس نظره إلى مسألة الطهارة والنجاسة كما فهموه، انتهى.
والأوجه عندي: الأول لذكر الإمام البخاري في الترجمة أثري الزهري وعلي ﵁، قال العيني (٤): المراد بالجبة الشامية هي التي تنسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ الشامية مراعاة للفظ الحديث، وكان هذا في غزوة تبوك والشام إذ كانت بلاد كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أوّلنا بهذا؛ لأن الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تحقق نجاستها، انتهى.
وقال الحافظ (٥): وجه الدلالة من الرواية أنه ﷺ لبسها ولم يستفصل، وروي عن أبي حنيفة كراهة (٦) الصلاة فيها إلا بعد الغسل، وعن مالك إن
стр. 678
فعل يعيد في الوقت إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" في ثياب الكفار والفساق.
قوله: (ما صبغ بالبول)، كتب الشيخ في "اللامع" (١): معناه: أنه كان يلقى البول في صبغه ثم إنهم يبيعونها بعد غسلها كما هو العادة، فلا يتوهم نجاستها ما لم يظهر أثرها أو يتيقن بعدم الغسل بعد التيقن بوقوع النجس فيه، انتهى.
قال الحافظ (٢): إن كان المراد الجنس فمحمول على أنه كان يغسله قبل لبسه، وإن كان للعهد فالمراد بول ما يؤكل لحمه؛ لأنه كان يقول بطهارته، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٣): لعل المراد منه اللبس بعد الغسل؛ لأن مذهبه نجاسة الأبوال ويومئ إليه ما عند البخاري: "هل تشرب أبوال الإبل. . ." إلخ، فالاستدلال منه على طهارته عنده في حيز الخفاء، انتهى.
كذا في الأصل، وفيه إجمال مخل، ثم قال صاحب "الفيض": ورأيت أثرًا في الخارج أن عمر رضي الله تعالى عنه أراد أن ينهى عن ثياب اليمن وكانت تصبغ بالبول، فقام أُبيّ وقال: إنك لا تستطيعه؛ لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، فسكت عمر ﵁، انتهى.
(٨ - باب كراهية التعري)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): والرواية تثبت كراهته في غيرها فيثبت الحكم فيها بالأولى، انتهى.
وفي هامشه قوله: "في الصلاة وغيرها" هكذا في النسخ الموجودة عندنا من الهندية، وكذا في نسخة الكرماني، وليس في النسخة المصرية
стр. 679
ولا في الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" لفظ: "وغيرها"، بل قالوا: زاد الكشميهني والحموي: "وغيرها"، وعلى نسختهم يشكل تكرار الترجمة، فإن وجوب الصلاة في الثياب قد تقدم، ولم تبق فاقة بعده إلى هذه الترجمة بخلاف وجود "وغيرها"؛ فإنه يفرق بينهما إذا بالتخصيص والتعميم، ولو يقال: إن لفظ التعري في الترجمة أيضًا عام من العورة وغيرها يزيد تعميم الترجمة والفرق بين الترجمتين إلى آخر ما في هامش "اللامع" من كلام الحافظ والعيني في تفصيل القصة.
وقال الحافظ (١): مطابقة الحديث للترجمة بقوله: فما رؤي عريانًا بعد، وهو يعم بعد النبوة والصلاة وغيرها، انتهى.
فلا إشكال بأن القصة قبل النبوة، والأوجه عندي: أن المراد بما سبق من قوله وجوب الثياب وجوب ستر العورة، وههنا كراهة تعرى سائر البدن كما يدل عليه عموم لفظ: عريانًا.
(٩ - باب الصلاة في القميص. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن الصلاة جائزة في كل ما حصل به ستر العورة، وأما التبان فإن لم يكن ساترًا بانفراده فإنه ساتر بانضمام غيره إليه، فكذلك جواز الصلاة به يتوقف علم ضم غيره من الثياب إليه، وهذا كله حكم الجواز، وأما الاستحباب لمن وجد سعةً فالتوسع في الملبوس كما دل عليه قوله: "إذا وسَّع الله فأوسعوا"، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أن جواز الصلاة في التبان فقط يوافق مذهب مالك؛ لأن التبان يستر نصف الفخذ لا كلها، انتهى.
قلت: وسيأتي الكلام على الفخذ قريبًا، وميل البخاري في مسألة
стр. 680
الفخذ إلى قول الظاهرية فلا إشكال على مسلكه في ذكر التبان فقط في الترجمة، وما أفاده الشيخ في التبان وسبق إلى نحو ذلك في "الفتح" مبنيان على مسلكهما، فإن مسلك الحنفية والشافعية أن الفخذ عورة.
ثم كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعل الوجه في إيراد رواية ابن عمر ههنا أن الممنوع عن هذه الملابس هو المحرم، فيكون لبسها جائزًا لغير المحرم، ولا ينافيه كراهة المزعفر والمعصفر له فإن ثبوت كراهتهما بنص آخر، أو يقال: إن جواز لبسهما للنساء كاف في ذلك، ولا يبعد أن يكون إيراد الحديث ههنا؛ لأن الإزار والرداء الباقيين بعد استثناء ما استثني من الألبسة من جملة الثياب التي جازت الصلاة فيها، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ من المناسبة ألطف مما ذكرت الشرَّاح من المطابقة.
قال الحافظ (٢): وموضع الحاجة من الحديث ههنا أن الصلاة تجوز بدون القميص والسراويل وغيرهما من المخيط بأمر المحرم باجتناب ذلك وهو مأمور بالصلاة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): مناسبته بالترجمة من حيث جواز الصلاة في الثياب الغير المخيطة أيضًا مع كون أهل الثوب واجدًا، انتهى.
وجزم صاحب "تيسير القاري": أن الحديث لا يطابق الترجمة، والأوجه عندي الجواز في السراويل فقط من غير ثوب فوقه من القميص وغيره لما سيأتي في كتاب الحج من "باب من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل".
стр. 681
(١٠ - باب ما يستر من العورة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: ما يستر معروف أو مجهول، وعلى الأول فالمفعول محذوف، أو كلمة "من" زائدة، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في حد العورة، فقال أهل الظاهر: لا عورة من الرجل إلا القبل والدبر، وقال الشافعي ومالك وأحمد: حدها ما بين السرة والركبة، وقال أبو حنيفة: الركبة أيضًا عورة، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ (٢): قوله: (باب ما يستر من العورة) أي: خارج الصلاة، والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوأتين فقط، وأما في الصلاة فعلى ما تقدم من التفصيل، وأول أحاديث الباب يشهد له، انتهى.
قلت: ولذا ذكر في هذا الباب أحاديث ستر الفرج فقط، وذكر فيما سيأتي الاختلاف في الفخذين، ولما رجح فيهما عدم العورة فالركبة أولى أن لا تكون عورة.
(١١ - باب الصلاة بغير رداء)
لا يبعد عندي في غرض الترجمة أن ظاهر قوله ﵊: "أو كلكم يجد ثوبين"، وقوله عمر رضي الله ﵎ عنه: "إذا وسع الله فأوسعوا" أن لا تجوز الصلاة في ثوب واحد للقادر على الثوبين، فدفعه بحديث الباب بأنه ﵁ صلى في ثوب واحد مع وجدان الرداء.
وكتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣): قوله: باب الصلاة بغير رداء أي: هو جائز، انتهى.
стр. 682
(١٢ - باب ما يذكر في الفخذ)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): المذاهب فيه مختلفة: فعند الشافعي وأبي حنيفة: الفخذ عورة، وإنما الخلاف بينهما في الركبة والسرة، وعند مالك: الفخذ ليس بعورة، والأحاديث في هذا الباب متعارضة والقوة من حيث الرواية لما ذهب إليه مالك، ووجه الجمع بين تلك الأحاديث أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة إلى خاصة الرجل ومحارم أسراره، أعني الذين هم كثير الدخول عليه شديد التردد إليه، وأما بالنسبة إلى العامة ومن يزور الرجل غبًا فإنه عورة، يدلك على هذا التطبيق حديث دخول عثمان على النبي ﷺ وستره فخذه مع كشفه إياه عند أبي بكر وعمر، وأما ما ذهب إليه مالك من أنه يجوز للعملة والحمالين وأمثالهم الاقتصار على ما دون الفخذ في الصلاة، فلا شبهة في صحته عندنا لما رُوي من طرق كثيرة حتى حصل العلم الضروري أن النبي ﷺ لم يكلفهم ولا أمثالهم بستر الفخذ إلى الركبة في الصلاة، وههنا قاعدة وهي: أن النبي ﷺ قد بيَّن لها وجهين من الصلاة صلاة المحسنين وصلاة عامة المؤمنين وكم من أشياء قد جوَّزها في الثانية، ونهى عنها في الأولى، وإذا أنت حفظت هذه القاعدة سهل عليك أكثر المواضع المتناقضة في باب الصلاة، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢): قال القسطلاني (٣): قال الجمهور من التابعين وأبو حنيفة ومالك في أصح أقواله والشافعي وأحمد في أصح روايتيه وأبو يوسف ومحمد: الفخذ عورة، وذهب داود وأحمد في رواية إلى أنه ليس بعورة، انتهى.
وما قال شيخ المشايخ من مذهب مالك أن الفخذ ليس بعورة عنده، هو المعروف على ألسنة المشايخ، لكن المنقول في كتب المذاهب الأول،
стр. 683
قال الدردير في الفقه المالكية: هي من رجل ما بين سرة وركبة، قال الدسوقي: وعلى هذا فلا يجوز للرجل أن يرى الفخذ من مثله، وبسط في هامش "اللامع" في مستدلات الجمهور، وتقدم قريبًا في "باب ما يستر من العورة" أن ميل البخاري أن العورة السوءتان فقط، وأن الفخذ ليست بعورة، وقرر السندي (١) استدلال البخاري بحديث زيد بوجه آخر فقال: كأنه بنى الاستدلال بذلك إلى استبعاد وضع الفخذ على فخذ غيره، لو كان الفخذ عورة ولو بحائل كالفرج ونحوه فالوضع دليل على أنه ليس بعورة، ولم يرد الاستدلال بأنه وضع الفخذ بلا حائل؛ لأن الأصل عدمه فإنه باطل بشهادة العادة بالحائل في مثله، فصار الأصل هو الحائل كما لا يخفى، انتهى.
لكن يجاب عن تقرير السندي: بأن حكم السوءتين في ذلك خلاف غيرهما، فإن كبس الفخذين بالحائل بخلاف السوءتين فإنهما محل الشهوة.
قوله: (حسر النبي ﷺ . . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): إسناد الحسر إليه مجاز، وإنما كان الحسر بعدو الدابة والتغطية عند دخول عثمان ﵁ لم تكن عن تجريد بل كانت تغطيةً بعد أن كانت مغطاةً، واستدلاله بقوله: فخذه على فخذي، مبني على أن الأصل في لفظ الفخذ أن يطلق عليها وليس معها شيء، وأما إثبات الثوب فإثبات لأمر زائد فيحتاج إلى دليل.
والجواب: أنه وإن كان الأصل لكن الفخذ الملبوسة بالثياب لما لم تكن لها لفظة غير الفخذ لم تطلق إلا الفخذ، فإن الفخذ وكذا غيرها من الأعضاء لا تتغير أسماؤها إلى غير ما كانت قبل الستر، مع أن القول بعدم كونها عورةً مستلزم لإهمال الرواية القولية فلا يجوز، انتهى.
стр. 684
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: حسر، الحسر ما يكون بلا اختيار، أو المراد حسر القميص دون الإزار، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (١): أراد الشيخ من ههنا الجواب من قبل الحنفية وغيرهم عما استدل به الإمام البخاري على مسلكه أن الفخذ ليس بعورة، وحاصل ما أفاده الشيخ أن الحسر لم يكن عن قصد كما يدل عليه رواية مسلم وغيره بلفظ: "فانحسر" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(١٣ - باب في كم تصلي المرأة من الثياب)
أجمعوا على جواز الصلاة فيما يستر عورتها ولو كان ثوبًا واحدًا مع الاختلاف بينهم في عورتها في القدمين والاتفاق على عدم عورة الوجه والكفين إلا في رواية عن أحمد، ولا يتوقف على أربعة ثياب أو ثلاث كما قال به بعض السلف، وفي "الأوجز" (٢) عن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب: درع، وخمار، وملحفة، وإزار، وعن عطاء أنه قال: تصلي في درع وخمار وإزار، قال ابن المنذر: أظنه محمولًا على الاستحباب، وقال أيضًا بعد أن حكى عن الجمهور: إن الواجب على المرأة أن تصلي في درع وخمار، المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثوب واسعًا فغطت رأسها بفضله جاز، انتهى ملخصًا.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الحديث على الترجمة ظاهرة؛ فإن النبي ﷺ لم يسألهن هل تحت مروطهن هذه ثياب أخر أم لا؟ فكان تقريرًا منه ﷺ بالاكتفاء على ثوب لها بعد ما ستر عورتها، انتهى.
وقال السندي (٤) ما حاصله: وجه الاستدلال أن الزمان كان زمان قلة
стр. 685
الثياب، فالغالب عدم الزيادة على الواحد ولو فرض فالاحتمال باق قطعًا، وعدم سؤاله ﵊ عن الثوب الزائد دليل الجواز، انتهى.
قلت: ويؤيده قوله ﵊: "أو لكلكم ثوبان".
(١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أن الصلاة جائزة وإن كان الإقدام على ما فيه اشتغال خلاف ما هو الأولى، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢) إذ قال: أي: لا تفسد صلاته، ولكن تركه أولى، انتهى.
وكلا الجزئين واضحان: الأول: لمضيِّه ﷺ في صلاته، والثاني: لكراهته ﷺ ، ثم لا يذهب عليك أن في الرواية الموصولة: "فإنها ألهتني" وفي المعلقة: "أخاف أن تفتني".
قال الحافظ (٣): ظاهره يدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع وكذا في رواية مالك في "الموطأ" بلفظ: "فكاد يفتنني"، فلتؤول الرواية الأولى، انتهى.
وهكذا راجع الأولى إلى الثانية، ويشكل عليه عندي أنهم قاطبة استدلوا بهذا الحديث على صحة صلاة من حصل له فيها فكر غير متعلق بالصلاة، فإن لم يتحقق الإلهاء فكيف يصح الاستدلال.
فالأوجه عندي في وجه التطبيق: أن الإلهاء قد تحقق وهو أخف مما أشار إليه ﷺ بلفظ: الافتتان، ولم يتحقق، والمراد منه زيادة الاشتغال المستغرق فيه وهو لم يتحقق، وأجاد الشيخ في تقرير أبي داود إذ قال:
стр. 686
قوله: شغلتني. . . إلخ، ولعل شغله لم يكن إلا في عجيب صنعة ربه تعالى غير أنه عده نقصًا أيضًا نسبة إلى مرتبته العليا، فلا يستلزم شغله بها أن يكون قد اشتغل عن الحضور في حضرته سبحانه، كما نشاهد في كثير من الناس اشتغالهم بأمرين، ولا يعترى بذلك نقص في أدائهما، انتهى مختصرًا.
(١٥ - باب إن صلى في ثوب مصلب. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: (لا تزال تصاويرها. . .) إلخ، فيه دلالة على جواز الصلاة أيضًا، وكذلك في الرواية الآتية وغيرها، فما فيه نوع كراهته وإن كانت الصلاة فيه مما لا ينبغي إلا أنها جائزة، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: "تعرض في صلاتي. . ." إلخ، قال: هذا ولم يعد صلاته ولا أمر لها بإعادة صلاتها مع أن ذلك القرام كان في الجانب المقابل له مائلًا إلى الجانب الأيسر له، فثبت أن الصلاة إلى التصاوير التي تكون بأحد جانبيه أو يكون هو حاملًا للتصاوير أو الصليب بأن تكون في ثوبه صحيحة، لكنها تكره تحريمًا للتشبيه بعبدتهم، ولو كان خلفه فهو أخف كراهة، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢) عن الحافظ: جرى المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه، وهذا مبني على أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ والجمهور إن كان لمعنى في نفسه اقتضاه وإلا لا، وظاهر حديث الباب لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلا بعد التأمل؛ لأن الستر وإن كان ذا تصاوير لكنه لم يلبسه ولم يكن مصلبًا ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا.
стр. 687
والجواب: أما أولًا: فإن منع لبسه بطريق الأولى، وأما ثانيًا: فبإلحاق المصلب بالمصور لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عبد من دون الله تعالى، وأما ثالثًا: فالأمر بالإزالة مستلزم للنهى عن الاستعمال، ثم ظهر لي أن المصنف أراد بقوله: مصلب الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه في اللباس في "باب نقض الصور" قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه، ودلَّ الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه ﷺ لم يقطعها ولم يعدها، انتهى.
قلت: ذكر الحافظ أولًا أن المسألة خلافية ولم يذكر تفصيلها، وكذا لم يذكرها القسطلاني والعيني، ويظهر الخلاف مما في هامش "اللامع" (١) عن "المغني" (٢) إذ قال: ما يحرم لبسه والصلاة فيه هو نوعان، أحدهما: النجس لا تصح الصلاة فيه ولا عليه؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط، وقد فاتت، والثاني: المغصوب وهل تصح الصلاة فيه على روايتين، إحداهما: لا تصح، والثانية: تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن التحريم لا يختص الصلاة ولا النهي يعود إليها إلى آخر ما فيه، وفيه عن "الشرح الكبير": أن عدم الصحة أظهر الروايتين لأحمد، وفي موضع آخر من "المغني" (٣): فأما الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات فقال ابن عقيل: يكره لبسه وليس بمحرّم، وقال أبو الخطاب: هو محرم، قال: ويكره الصليب في الثوب، انتهى.
وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: تكره الصلاة بثوب فيه التصاوير الظاهرة غير المقطوعة رأسها لذوي الأرواح أو التصاوير للشيء الذي اشتهر في المعبودية كراهة تحريم، انتهى.