← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 683–722 · переход к 688.

стр. 683

قال الدردير في الفقه المالكية: هي من رجل ما بين سرة وركبة، قال الدسوقي: وعلى هذا فلا يجوز للرجل أن يرى الفخذ من مثله، وبسط في هامش "اللامع" في مستدلات الجمهور، وتقدم قريبًا في "باب ما يستر من العورة" أن ميل البخاري أن العورة السوءتان فقط، وأن الفخذ ليست بعورة، وقرر السندي (١) استدلال البخاري بحديث زيد بوجه آخر فقال: كأنه بنى الاستدلال بذلك إلى استبعاد وضع الفخذ على فخذ غيره، لو كان الفخذ عورة ولو بحائل كالفرج ونحوه فالوضع دليل على أنه ليس بعورة، ولم يرد الاستدلال بأنه وضع الفخذ بلا حائل؛ لأن الأصل عدمه فإنه باطل بشهادة العادة بالحائل في مثله، فصار الأصل هو الحائل كما لا يخفى، انتهى. لكن يجاب عن تقرير السندي: بأن حكم السوءتين في ذلك خلاف غيرهما، فإن كبس الفخذين بالحائل بخلاف السوءتين فإنهما محل الشهوة. قوله: (حسر النبي ﷺ . . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): إسناد الحسر إليه مجاز، وإنما كان الحسر بعدو الدابة والتغطية عند دخول عثمان ﵁ لم تكن عن تجريد بل كانت تغطيةً بعد أن كانت مغطاةً، واستدلاله بقوله: فخذه على فخذي، مبني على أن الأصل في لفظ الفخذ أن يطلق عليها وليس معها شيء، وأما إثبات الثوب فإثبات لأمر زائد فيحتاج إلى دليل. والجواب: أنه وإن كان الأصل لكن الفخذ الملبوسة بالثياب لما لم تكن لها لفظة غير الفخذ لم تطلق إلا الفخذ، فإن الفخذ وكذا غيرها من الأعضاء لا تتغير أسماؤها إلى غير ما كانت قبل الستر، مع أن القول بعدم كونها عورةً مستلزم لإهمال الرواية القولية فلا يجوز، انتهى.

стр. 684

وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: حسر، الحسر ما يكون بلا اختيار، أو المراد حسر القميص دون الإزار، انتهى. وفي هامش "اللامع" (١): أراد الشيخ من ههنا الجواب من قبل الحنفية وغيرهم عما استدل به الإمام البخاري على مسلكه أن الفخذ ليس بعورة، وحاصل ما أفاده الشيخ أن الحسر لم يكن عن قصد كما يدل عليه رواية مسلم وغيره بلفظ: "فانحسر" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" في شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه. (١٣ - باب في كم تصلي المرأة من الثياب) أجمعوا على جواز الصلاة فيما يستر عورتها ولو كان ثوبًا واحدًا مع الاختلاف بينهم في عورتها في القدمين والاتفاق على عدم عورة الوجه والكفين إلا في رواية عن أحمد، ولا يتوقف على أربعة ثياب أو ثلاث كما قال به بعض السلف، وفي "الأوجز" (٢) عن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب: درع، وخمار، وملحفة، وإزار، وعن عطاء أنه قال: تصلي في درع وخمار وإزار، قال ابن المنذر: أظنه محمولًا على الاستحباب، وقال أيضًا بعد أن حكى عن الجمهور: إن الواجب على المرأة أن تصلي في درع وخمار، المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثوب واسعًا فغطت رأسها بفضله جاز، انتهى ملخصًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الحديث على الترجمة ظاهرة؛ فإن النبي ﷺ لم يسألهن هل تحت مروطهن هذه ثياب أخر أم لا؟ فكان تقريرًا منه ﷺ بالاكتفاء على ثوب لها بعد ما ستر عورتها، انتهى. وقال السندي (٤) ما حاصله: وجه الاستدلال أن الزمان كان زمان قلة

стр. 685

الثياب، فالغالب عدم الزيادة على الواحد ولو فرض فالاحتمال باق قطعًا، وعدم سؤاله ﵊ عن الثوب الزائد دليل الجواز، انتهى. قلت: ويؤيده قوله ﵊: "أو لكلكم ثوبان". (١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أن الصلاة جائزة وإن كان الإقدام على ما فيه اشتغال خلاف ما هو الأولى، انتهى. وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢) إذ قال: أي: لا تفسد صلاته، ولكن تركه أولى، انتهى. وكلا الجزئين واضحان: الأول: لمضيِّه ﷺ في صلاته، والثاني: لكراهته ﷺ ، ثم لا يذهب عليك أن في الرواية الموصولة: "فإنها ألهتني" وفي المعلقة: "أخاف أن تفتني". قال الحافظ (٣): ظاهره يدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع وكذا في رواية مالك في "الموطأ" بلفظ: "فكاد يفتنني"، فلتؤول الرواية الأولى، انتهى. وهكذا راجع الأولى إلى الثانية، ويشكل عليه عندي أنهم قاطبة استدلوا بهذا الحديث على صحة صلاة من حصل له فيها فكر غير متعلق بالصلاة، فإن لم يتحقق الإلهاء فكيف يصح الاستدلال. فالأوجه عندي في وجه التطبيق: أن الإلهاء قد تحقق وهو أخف مما أشار إليه ﷺ بلفظ: الافتتان، ولم يتحقق، والمراد منه زيادة الاشتغال المستغرق فيه وهو لم يتحقق، وأجاد الشيخ في تقرير أبي داود إذ قال:

стр. 686

قوله: شغلتني. . . إلخ، ولعل شغله لم يكن إلا في عجيب صنعة ربه تعالى غير أنه عده نقصًا أيضًا نسبة إلى مرتبته العليا، فلا يستلزم شغله بها أن يكون قد اشتغل عن الحضور في حضرته سبحانه، كما نشاهد في كثير من الناس اشتغالهم بأمرين، ولا يعترى بذلك نقص في أدائهما، انتهى مختصرًا. (١٥ - باب إن صلى في ثوب مصلب. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: (لا تزال تصاويرها. . .) إلخ، فيه دلالة على جواز الصلاة أيضًا، وكذلك في الرواية الآتية وغيرها، فما فيه نوع كراهته وإن كانت الصلاة فيه مما لا ينبغي إلا أنها جائزة، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: "تعرض في صلاتي. . ." إلخ، قال: هذا ولم يعد صلاته ولا أمر لها بإعادة صلاتها مع أن ذلك القرام كان في الجانب المقابل له مائلًا إلى الجانب الأيسر له، فثبت أن الصلاة إلى التصاوير التي تكون بأحد جانبيه أو يكون هو حاملًا للتصاوير أو الصليب بأن تكون في ثوبه صحيحة، لكنها تكره تحريمًا للتشبيه بعبدتهم، ولو كان خلفه فهو أخف كراهة، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢) عن الحافظ: جرى المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه، وهذا مبني على أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ والجمهور إن كان لمعنى في نفسه اقتضاه وإلا لا، وظاهر حديث الباب لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلا بعد التأمل؛ لأن الستر وإن كان ذا تصاوير لكنه لم يلبسه ولم يكن مصلبًا ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا.

стр. 687

والجواب: أما أولًا: فإن منع لبسه بطريق الأولى، وأما ثانيًا: فبإلحاق المصلب بالمصور لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عبد من دون الله تعالى، وأما ثالثًا: فالأمر بالإزالة مستلزم للنهى عن الاستعمال، ثم ظهر لي أن المصنف أراد بقوله: مصلب الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه في اللباس في "باب نقض الصور" قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه، ودلَّ الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه ﷺ لم يقطعها ولم يعدها، انتهى. قلت: ذكر الحافظ أولًا أن المسألة خلافية ولم يذكر تفصيلها، وكذا لم يذكرها القسطلاني والعيني، ويظهر الخلاف مما في هامش "اللامع" (١) عن "المغني" (٢) إذ قال: ما يحرم لبسه والصلاة فيه هو نوعان، أحدهما: النجس لا تصح الصلاة فيه ولا عليه؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط، وقد فاتت، والثاني: المغصوب وهل تصح الصلاة فيه على روايتين، إحداهما: لا تصح، والثانية: تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن التحريم لا يختص الصلاة ولا النهي يعود إليها إلى آخر ما فيه، وفيه عن "الشرح الكبير": أن عدم الصحة أظهر الروايتين لأحمد، وفي موضع آخر من "المغني" (٣): فأما الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات فقال ابن عقيل: يكره لبسه وليس بمحرّم، وقال أبو الخطاب: هو محرم، قال: ويكره الصليب في الثوب، انتهى. وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: تكره الصلاة بثوب فيه التصاوير الظاهرة غير المقطوعة رأسها لذوي الأرواح أو التصاوير للشيء الذي اشتهر في المعبودية كراهة تحريم، انتهى.

стр. 688

وليس في الحديث الصلاة في الثوب المصور، لكنه لما أمر بإزالة الحذاء؛ لأنها تعرض في الصلاة فالنهي عن اللباس أولى ولما لم يكن فيه جزم بالفساد وعدمه نبَّه عليه بقوله: هل تفسد، وهو الأصل الثاني والثلاثون من أصول التراجم. (١٦ - باب من صلى في فروج حرير) بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم هو القباء المفرج من خلف، والجمهور على الكراهة وعن مالك يعيد في الوقت، كذا في "الفتح" (١)، قيل: أول من لبسه فرعون، كذا في "التراجم" (٢). وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: كالكاره له، وكأن الوحي نزل في أثناء الصلاة كما يدل عليه مبادرته ﷺ إلى النزع بفور تسليمه عن صلاته ففيه دلالة على أن جواز الصلاة يجامع التحريم كما قالت الحنفية، وإن الحرام يكون سببًا للنعمة لجهة أخرى غير الحرمة، وغرض المؤلف من إيراد الأبواب المختلفة إثبات أن الصلاة لا تفسد في شيء من هذه الأمور، وأما الكراهة والندب فأمران آخران، والتعرض ههنا لنفس الجواز، ويجوز مثل ذلك في تأويل الثوب الأحمر أيضًا، وعلى هذا فلا يضر كونه معصفرًا أو مزعفرًا أيضًا لما أنه كان إظهارًا لمسألة جواز الصلاة في نفسها، وفراغ الذمة عن الفريضة ولو بمجامعة مكروه تحريمي، وقد عرفت أن ارتكاب مثل ذلك إذا كان للتعليم سقطت الكراهة، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي ﵀ قوله: (باب من صلى. . .) إلخ، يعني: هل يجوز هذا اقتداء بالنبي ﷺ أم لا؟

стр. 689

فالجواب: لا؛ لأن فعله ﵇ بعضه وقع قبل التحريم وبعضه بعده، وفعل الغير لا بدّ أن يكون بعد التحريم كله، انتهى. وفي هامش "اللامع" وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): قوله: "فنزعه" أي: لا تفسد صلاته لكنه مكروه؛ لأنه ﷺ لم يعد الصلاة، ولكنه نزعه كالكاره له صريح في الكراهية. (١٧ - باب في الثوب الأحمر. . .) إلخ في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: جائزة بلا كراهة إن كان الأحمر غير معصفر، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٣): قال الحافظ: غرض المصنف الإشارة إلى الجواز، والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا: يكره، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برد، وفيها خطوط حمر، انتهى. قلت: اختلفت الحنابلة أيضًا في ذلك كما في هامش "اللامع"، وفيه عن الحافظ: أن للعلماء فيه سبعة مسالك. قلت: للحنفية فيها ثمانية أقوال، وفي "الكوكب الدري" بعد الكلام على الروايات: والمذهب في لبس الحمرة والصفرة أن المزعفر والمعصفر ممنوع عنه الرجال مطلقًا والحمرة والصفرة غير ذلك، فالفتوى على جوازهما مطلقًا، لكن التقوى غير ذلك، انتهى. وبذلك أفتى الشيخ قُدِّس سرُّه في كثير من فتاواه كما في "الفتاوى الرشيدية": أن الفتوى على الجواز والتقوى في الاحتياط، انتهى.

стр. 690

(١٨ - باب الصلاة في السطوح والمنبر) كتب شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): غرضه من عقد هذا الباب أن ما ورد في الحديث: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" لا يقتضي لزوم الصلاة على الأرض، بل يجوز على غير ذلك كالمنبر والخشب والسطوح أيضًا إذا كان طاهرًا، انتهى. قلت: الأوجه عند هذا العبد الحقير: أن هذا الغرض يناسب الترجمة الآتية من "باب الصلاة على الفراش"، والأوجه عندي في الغرض من هذا الباب ما قال الحافظ (٢) من أن المصنف أشار بذلك إلى الجواز، والخلاف في ذلك عن بعض التابعين، وعن المالكية في المكان المرتفع لمن كان إمامًا، وكره الحسن وابن سيرين الصلاة على الخشب، انتهى. وقال الكرماني (٣): كره قوم السجود على العود، انتهى. قول: (قال علي بن عبد الله. . .) إلخ، اختلفوا في شرح هذا القول، ففي شرح شيخ الإسلام: كَفت علي بن مديني نخواسته أم أز ذكر اين حديث مكَر اينكه تحقيق بيغمبر خدا بلند تر اسيتاده بود. . . إلخ. وحاصله: أنه جعله من كلام ابن المديني وحمل لفظ "أردت" على صيغة المتكلم، والأول لا يصح عندي، والظاهر أنه من كلام أحمد بن حنبل، ثم رأيت أن صاحب "فيض الباري" (٤) أيضًا تعقب على ذلك، إذ قال: قوله: "إنما أردت" فاعله أحمد بن حنبل لا ابن المديني، كما حرره شيخ الإسلام بين السطور، انتهى. قلت: المراد ببين السطور نسخ "البخاري" الهندية، فطبع فيها كلام شيخ الإسلام قُدِّس سرُّه في بين سطور الكتاب، وأما الثاني يعني لفظ

стр. 691

"أردت" فهو كذلك عندي، أي: بصيغة المتكلم، وخالفه السندي (١) إذ قال: أردت بالخطاب، انتهى. ولم يتعرض لشرح هذا الكلام أحد من الشرَّاح الثلاثة إلا ما في "الفتح" (٢) إذ قال في الحديث جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، وقد صرح بذلك المصنف في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، انتهى. ويستأنس منه إن ذلك مقولة ابن حنبل لا ابن المديني، وأما مسألة علو الإمام عن القوم ففي "اللامع" (٣): قوله: "فقام عليه. . ." إلخ، فيه جواز قيام الإمام فوق القوم إذا لم تكن فوقية زائدة على مقدار مخصوص، واختلفوا في تحديده، والأصح أن ما دون الذراع لا كراهة، وفوق ذلك يكره، وارتفعت الكراهة فيما نحن فيه لعارض التعليم، ويفسد الاقتداء لو كان الإمام فوقهم أو تحتهم على مقدار قامة الإنسان، وأيضًا ففي الحديث دلالة على جواز الصلاة مع العمل الكثير كالمشي قدمين أو زائد من ذلك بقليل، انتهى. وفي هامشه: قال العيني (٤): وعن أصحابنا عن أبي حنيفة جوازه إذا ى ن الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك تجوز في الارتفاع اليسير، انتهى. وقال الكرماني (٥): جوز - يعني: أحمد - العلو بقدر درجات المنبر، وقال بعض الشافعية: لو كان الإمام على رأس منارة المسجد والمأموم في قعر بئر صح الاقتداء، انتهى. وقال الموفق: المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى

стр. 692

من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره، وقال الشافعي: أختار للإمام الذي يعلِّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، انتهى. قلت: وما قال الشيخ: ويفسد الاقتداء. . . إلخ، لم أر الفساد نصًا، فليفتش، وحاصل ما في "البحر" أن اختلافهم في ذلك في الكراهة لا الفساد إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١). (١٩ - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته) قال الحافظ (٢): أي: هل تفسد صلاته أم لا؟ والحديث دال على الصحة، انتهى. ولا يبعد عندي أن يكون الغرض دفع توهم أن محاذاتها إذا كانت مفسدة للصلاة عند من قال به فملاقاة ثوبه بها أولى أن تكون مفسدة، فدفعه بهذه الترجمة أو يقال: إنه أراد الرد على الفساد بالمحاذاة لقول ميمونة رضي الله تعالى عنها: وأنا حذاءه. قال الحافظ (٣): واستدل المصنف بحديث الباب على أن ملاقاة بدن الطاهر وثيابه لا تفسد الصلاة ولو كان متلبسًا بنجاسة حكمية، وفيه أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة، انتهى. وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): يعني: لا بأس به، ولا تدخل في لمس النساء حتى تفسد صلاته، انتهى.

стр. 693

(٢٠ - باب الصلاة على الحصير) وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): يعني: أنها جائزة، ومناسبة تعليق الباب مع الترجمة باعتبار أن المقصود من إثبات جواز الصلاة على الحصير، نفي لزوم الصلاة على التراب الذي يمكن أن يتوهم من قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وقوله: "عفِّر وجهك"، وقوله لأفلح: "ترب ترب"، وقس على ذلك "باب الصلاة على الخمرة" إلا أن إيراد لفظ الخمرة لكونه واقعًا في الحديث، وقس على ذلك أيضًا "باب الصلاة على الفراش"، انتهى. والأوجه عندي ما قال الحافظ (٢): النكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، فقالت: لم يكن يصلي على الحصير، فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه كحديث الباب، بل سيأتي عنده من طريق أبي سلمة عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه ويصلي عليه"، وفي "مسلم" عن أبي سعيد: "أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حصير" (٣)، انتهى. قوله: (وصلى جابر وأبو سعيد في السفينة. . .) إلخ، تقدم في كلام شيخ المشايخ مناسبته بالباب، ومثله في كلام الشرَّاح. قال الحافظ (٤): الاستدلال بأثر جابر بأنهما اشتركا في أن الصلاة عليهما غير (٥) الصلاة على الأرض، انتهى.

стр. 694

وعلى ما اخترت من غرض الترجمة من خصوصية الحصير أن الجلوس في السفن يكون غالبًا على الحصر. قوله: (وقال الحسن: يصلي قائمًا. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١) قوله: ما لم تشق على أصحابك، يعني بذلك: ما لم يشق على الراكب، وبنى الأمر على ما هو العادة من الوحدة في العادات فما يشق على أصحابه يشق عليه عادة. والحاصل: أن المصلي في السفينة يصلي قائمًا إن قدر وإلا فقاعدًا، وهذا مما اختاره الصاحبان، وقال الإمام: تجوز الصلاة في السفينة جالسًا شق عليه القيام أو لا، وذلك لإقامة السبب مقام المسبب، والأحكام عامة بعد بنائها على عللها، ويمكن حمل كلام الحسن على مذهب الإمام أيضًا، انتهى. وبقول الصاحبين قال الجمهور، وقال الإمام: يجوز فيها الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام للمشقة كالقصر في السفر، ومعنى قول الحسن تدور معها عندي أن تدور إلى القبلة لا ما قاله القسطلاني (٢)، أي: تدور مع السفينة حيث ما دارت، انتهى. وتبعه صاحب "التيسير" إذ قال: مي كَردى بآن سفينه آنجا كه بكَردد بجانب قبله وغير قبله، انتهى. وتبعه شيخ الإسلام على هامش "التيسير"، ويؤيد مختاري ما في "الفتح" (٣) عن "تاريخ البخاري" عن الحسن يقول: در في السفينة كما تدور إذا صليت، انتهى. ثم رأيت أن مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى حكى ذلك في "تقريره" إذ قال: قوله: تدور معها، أي: لو دارت السفينة من القبلة، فدر أنت إلى القبلة وخالف السفينة، انتهى.

стр. 695

وفي "الدر المختار" (١): ويلزم استقبال القبلة عند الافتتاح وكلما دارت، قال ابن عابدين: وإنما لزمه الاستقبال؛ لأنها في حقه كالبيت، حتى لا يتطوع فيها مومئًا مع القدرة على الركوع والسجود بخلاف راكب الدابة، انتهى من هامش "اللامع". (٢١ - باب الصلاة على الخمرة) وتقدم في الباب السابق كلام شيخ المشايخ مما يتعلق بهذا الباب. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك إثبات جواز الصلاة إذا كان المصلي بعضه على الأرض وبعضه فوق البساط، كما أراد بالأول إثبات الصلاة على غير الأرض، ولا شك أن المسألتان (٣) مما يحتاج إلى بيانه، انتهى. وفي هامشه: قال الكرماني (٤): الخمرة بضم المنقوطة وسكون الميم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط، قال ابن بطال: الخمرة مصلى صغير، فإن كان كبيرًا قدر طول الرجل أو أكبر فإنه يقال له حينئذ: حصير، انتهى. وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من الفرق بين الترجمتين ألطف مما ذكره الحافظ إذ قال (٥): كأنه أفردها بترجمة لكون شيخه أبي الوليد حدثه بالحديث مختصرًا، انتهى. وأنت خبير بأن هذا الوجه لا يكفي لإيراد الترجمة المستقلة، وفيما أفاده الشيخ فائدة جليلة تناسب شأن تراجم البخاري. وقال الكرماني: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها

стр. 696

إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يصلي عليها، ويؤتى بتراب فيوضع على الخمرة، انتهى. ولا يذهب عليك أن الإمام الترمذي بوَّب أيضًا بهذين الترجمتين فبوَّب أولًا: "باب ما جاء في الصلاة على الخمرة". وكتب عليه الشيخ في "الكوكب الدري" (١): هذا لدفع ما يتوهم من عدم أولوية ذلك بناءً على أن النبي ﷺ كان في زمانه لم تفرش المساجد، وكان أكثر صلاتهم على الأرض، وبوَّب ثانيًا: "باب ما جاء في الصلاة على الحصير". وكتب عليه الشيخ: هذا أكبر من الخمرة، أو هو مطلق والغرض في ذلك كله أن الأمر واسع، وإن كانت الصلاة على الأرض أولى للتذلل فيه، انتهى. (٢٢ - باب الصلاة على الفراش) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لا شك في مغايرة هذه الترجمة لما تقدم، فلا إهمال ولا إلغاء، وأثبت بإيراد الأثر وأفعال الصحابة أن الصلاة على الفراش جائزة أعم من أن يكون كله على الفراش أو بعضه كما في السجدة على ثوبه، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٣): كأنه يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان النبي ﷺ لا يصلي في لُحُفنا"، وكأنه لم يثبت عنده أو رآه شاذًا مردودًا، وقد بيَّن أبو داود علته، انتهى. قلت: والأوجه عندي أن غرض المصنف بالترجمة دفع ما يتوهم

стр. 697

من قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" تخصيص الصلاة بالأرض، فأراد إثبات جوازها على غير الأرض، ولا يقال: إن هذا الغرض حصل بالترجمتين السابقتين؛ لأن فيهما كان احتمال التخصيص بالحصير والخمرة، وهذا تعميم بعد تخصيص، وتقدم في البابين المذكورين وجه تخصيصهما بالترجمة. وفي "المغني" (١): لا بأس بالصلاة على الحصير، والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، وهو قول عوام أهل العلم، إلا ما روي عن جابر، أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض، ونحوه قال مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف والشعر: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسًا، والصحيح: أنه لا بأس بالصلاة على شيء من ذلك، انتهى مختصرًا. قال البجيرمي: وما نقل عن مالك هو غير مشهور عند المالكية، فلعل الإمام رجع عنه أو لا يذكرونه لضعفه، انتهى. وتقدم عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يسجد على التراب، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢) مختصرًا، وترجم الإمام الترمذي هذه التراجم الثلاثة على نحو ما ترجم بها البخاري تقدم ذكر الترجمتين سابقًا، وأما الثالثة فبوَّب بلفظ: "باب ما جاء في الصلاة على البسط". وكتب الشيخ عليه في "الكوكب" (٣): اعلم أن كل الأئمة سوى مالك جوَّز الصلاة على كل شيء طاهر يمكن السجود عليه، وأما مالك فلم يجوِّز إلا على ما هو من جنس الأرض كالحصير، فلا تجوز الصلاة على الجلود والصوف ومثل ذلك، ثم اعلم أن من قاعدة المحدثين أنهم لا يحملون المقيد على المطلق فيما ورد بلفظين كالحصير، فإنه ورد ههنا بلفظ البساط،

стр. 698

وفي الرواية الثانية بلفظ الحصير، وههنا وإن كان التعدد في الواقعة أيضًا محتملًا لكنهم لا يبالون بذلك في الواقعة الواحدة أيضًا فهم يستنبطون بذلك حكم المطلق، كما استنبطوا من مقيده حكم المقيد. حاصله: أن واقعة صلاة النبي ﷺ في بيت أم سليم ظاهرها الوحدة، وإن كان يمكن التعدد أيضًا، لكنه لما بيَّنه الراوي مرة بلفظ البساط، وهو عام، ومرة بلفظ الحصير، وهو خاص علم بذلك مسألتان، انتهى. (٢٣ - باب السجود على الثوب. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): هذا إثبات لإسناد ما ذكره أولًا في التعليق فلا تكرار، انتهى. وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن الغرض بيان ما ذكره تعليقًا في "باب الصلاة على الفراش"، وعلى هذا فزيادة قوله: "في شدة الحر" في الترجمة شرح لما تقدم في التعليق إجمالًا. والأوجه عندي: أن غرض المصنف بالترجمة الرد على الشافعية حيث قيدوا الجواز بالثوب المنفصل لا المتصل، واستدل المصنف بالإطلاق على العموم. قال القسطلاني (٢): استدل بالحديث أبو حنيفة ومالك وأحمد على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد، وأوَّله الشافعية بالمنفصل أو بالمتصل الذي لا يتحرك بحركته، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أي: هو جائز، وحديث الباب محمول عند الشافعي على ما إذا كان منفصلًا، وعند الحنفية جائز مع الكراهة، وما قال القسطلاني من أن السجدة على كور العمامة جائز بلا كراهة عند الحنفية، وذلك لأنه أورد مذهب

стр. 699

أبي حنيفة ﵀ مقابلًا لمذهب مالك، وهو الكراهة فهو أخطأ في نقل المذهب، بل الكراهة عند الحنفية أيضًا ثابتة بلا ارتياب، انتهى مختصرًا. قلت: صرَّح به في "الدر المختار" إذ قال: يكره تنزيهًا بكور عمامته إلا بعذر إلى آخر ما بسطه في هامش "اللامع" (١). (٢٤ - باب الصلاة في النعال) وهو أيضًا من جملة اللباس، ولعله احتاج إلى إثبات جوازه؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] يشير إلى أنه لا يجوز لبسه في المسجد فلا تجوز الصلاة فيه بالأولى، أو لما فيه من مخالفة اليهود كما سيأتي في الباب الآتي. وفي "فيض الباري" (٢): وقد علمت أن النعال غير المداس المعروف الآن في بلادنا، والصلاة في المداس ربما لا تصح؛ لأن القدم تبقى فيها معلقة ولا تقع على الأرض، فلا تتم السجدة، ثم في "الشامي": أن الصلاة في النعلين مستحبة، وفي موضع آخر: أنها مكروهة تنزيهًا إلى آخر ما في "الفيض". (٢٥ - باب الصلاة في الخفاف) في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): غرضه من إثبات جواز الصلاة في الخفاف دفع ما عسى أن يستبعد من جواز الصلاة فيهما لكون خفافهم مثل النعال حيث كانوا يمشون فيها في الطريق والأسواق، انتهى. كذا أفاد فليتأمل. والأوجه عندي: ما قال الحافظ (٤) من أنه أراد الإشارة إلى حديث

стр. 700

شداد بن أوس مرفوعًا: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم"، فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة، انتهى. وكتب شيخنا في "البذل" (١): دلَّ هذا الحديث على أن الصلاة في النعال كانت مأمورة لمخالفة اليهود، وأما في زماننا فينبغي أن تكون الصلاة مأمورة بها حافيًا لمخالفة النصارى، فإنهم يصلون منتعلين لا يخلعونها عن أرجلهم، انتهى. (٢٦ - باب إذا لم يتم السجود) سيعيد المصنف هذه الترجمة والآتية في محلهما من كتاب الصلاة في أبواب السجود، وليست في نسخة المستملي، ولذا رجح الحافظ الحذف ههنا، فقال (٢): كذا وقع عند أكثر الرواة هذه الترجمة، ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك وهو الصواب؛ لأن جميع ذلك سيأتي في مكانه اللائق به، وهو أبواب صفة الصلاة، ولولا أنه ليس من عادة المصنف إعادة الترجمة والحديث معًا لأمكن أن يقال: مناسبة الترجمة الأولى لأبواب ستر العورة الإشارة إلى أن من ترك شرطًا لا تصح صلاته كمن ترك ركنًا، ومناسبة الثانية الإشارة إلى أن المجافاة في السجود لا تستلزم عدم ستر العورة، فلا تكون مبطلة للصلاة، وفي الجملة إعادة هاتين الترجمتين هنا وفي أبواب السجود الحمل فيه عندي على النساخ بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك وهو أحفظهم، انتهى. وفي "الفيض" (٣): يمكن أن يتكلف، ويقال: إن للسجدة شرائط كوجدان حجم الأرض وغيره فهي من شرائط الصلاة من هذه الجهة ومن جهة التعديل والطمأنينة معدودة في صفة الصلاة، انتهى.

стр. 701

وفي هامشه: وهو الأظهر عندي حيث بوب ههنا أولًا: "باب إذا لم يتم السجود" فكأنه أشار إلى أن تمامية السجود من شرائط الصلاة، وثانيًا: "باب يبدي ضبعيه" فهذا وإن كان من تمام السجدة، لكنه أشار إلى أنه ليس من شرائط الصلاة، ثم إذا بوَّب أولًا: " باب يبدي ضبعيه. . ." إلخ ، وهذه هي صفة السجود فقدمها في "باب صفة الصلاة" بخلاف تبويبه في شرائط الصلاة، ثم بوَّب في آخره: "إذا لم يتم السجود" وإنما أخَّره ههنا؛ لأنه من صفات السجود عدمًا، كما كانت الأولى من صفاته وجودًا، انتهى. والأوجه عند هذا الفقير: أن المؤلف ذكر هذا الباب ههنا تنبيهًا على اتباع سُنَّته ﷺ في الصلاة في الخفاف مخالفة لليهود التي يحكم على تاركها أنه لو مات على غيره مات على غير سُنَّة محمد ﷺ فكأنه تكملة للباب السابق، ويحتمل أن يقال: إنها تكملة للباب السابق بوجه آخر بأن جواز الصلاة في النعال والخفاف معلق على ما إذا أتم السجود، وأما إذا لم يتمه بأن كانت القدم معلقة في السجدة ولم تقع على الأرض فلا تصح، أو يقال: إن هذا الباب تمهيد للباب الآتي فنبّه أولًا على اهتمام إتمام السجود، ثم ذكر سُنَّته في إبداء الضبعين، فلو وقع الإبداع فلا ينافي زينة الصلاة. (٢٧ - باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ تقدم الكلام عليه في الباب السابق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٢٨ - باب فضل استقبال القبلة) كتب الشيخ في "اللامع" (١): يقال: إن البخاري رحمه الله تعالى يبتدأ

стр. 702

بالبسملة ما يكتبه بعد فترة تعتريه في الكتابة والتأليف لأجل عائق يمنع عنها، انتهى. وفي هامشه: هذا هو المعروف على ألسنة المشايخ، ولم أره في الشروح، لكنه وجيه، ولذا ترى المصنف طالما يذكر التسمية بين أبواب كتاب واحد كما ذكرها على "باب فضل الصلاة في مسجد مكة"، ثم ذكر قريبًا منه على "باب استعانة اليد في الصلاة"، وتقدم في مبدأ كتاب الإيمان بشيء من التفصيل. قال العيني (١): لما فرغ من بيان أحكام ستر العورة بأنواعها شرع في بيان استقبال القبلة على الترتيب؛ لأن الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولًا إلى ستر العورة، ثم إلى استقبال القبلة، وذكر توابعها من أحكام المساجد، انتهى. وكتب شيخ المشايخ (٢): ثبت بحديث الباب فضله؛ لأنه ﵊ جعل الاستقبال خصلة واحدة من الخصال المميزة بين المسلم وغيره الفارقة بينهما، انتهى. قوله: (يستقبل بأطراف رجليه) هذا في غير محله على الظاهر، ولا يثبت بالرواية سيعيده المصنف في محله من أبواب السجود. قال الحافظ (٣): أراد بذكره ههنا بيان مشروعية الاستقبال بجميع ما يمكن من الأعضاء، انتهى. وقال السندي (٤): أي: فالاستقبال لفضله مطلوب مهما أمكن، انتهى.

стр. 703

والأوجه عندي: أن هذه ليست ترجمة حتى يرد عليها الإيرادات المذكورة، بل بيان للمبالغة في الاستقبال حتى يستقبل برؤوس أصابع رجليه أيضًا، والمقصود فيما سيأتي في محله بيان كيفية السجود، ثم رأيت في تقرير المكي كتب بنحوه إذ قال: هذا ليس بداخل في الترجمة، بل هو زيادة للمبالغة في الاستقبال يعني استقبال كل البدن حتى أطراف رجليه أيضًا، انتهى. (٢٩ - باب قبلة أهل المدينة. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: أين هو؟ والرواية دالة على أنها بين المشرق والمغرب، ثم قوله: المشرق إن كان معطوفًا على قوله: قبلة، فهو داخل تحت الباب، والمعنى: "باب ذكر المشرق أنه ليس قبلة أهل المدينة"، وإن كان مرفوعًا فهو ابتداء كلام. والمعنى: أما المشرق فليس مدار القبلة على المشرق ولا على المغرب، وإنما القبلة البيت إلى أيّ جهة وقعت وأيًا ما كان، فترك ذكر المغرب وهو مراد بناءً على الظهور، فإن المشرق والمغرب لا يتفاوتان في هذا الحكم، فذكر أحدهما مغن عن ذكر الآخر، وكثيرًا ما يحذف المعطوف لدلالة المعطوف عليه عليه، انتهى. وفي هامشه: هذه الترجمة من التراجم الصعبة. قال العيني (٢): هذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغن شيئًا، بل بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فنقول - وبالله التوفيق -: ثم بسط في مختاره. وحاصل ما ذكر الشرَّاح أن ههنا بحثين:

стр. 704

الأول: في إعراب المشرق هل هو بالجر أو بالضم؟ والثاني: في ذكر لفظ: "قبلة"، في آخر الكلام بعد قوله: "ولا في المغرب" فهو موجود في بعض النسخ دون بعض، أما على النسخ التي ليس فيها هذا اللفظ، فلفظ باب منون، وقوله: "قبلة أهل المدينة" مبتدأ. خبره: "ليس في المشرق"، ويشكل على هذا تذكير لفظ: "ليس" إذ حقه إذ ذاك لفظ: ليست، فأولوه بالمستقبل. قال الكرماني (١): ويؤول تذكير لفظ: "ليس" بأن المراد بالقبلة المستقبل، أي: مستقبل أهل المدينة ليس في جهة المشرق والمغرب، انتهى مختصرًا. وعلى هذا يكون لفظ المشرق مجرورًا لا محالة، وعلى الثاني يكون المراد بالمشرق أهل المشرق؛ كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وأما على النسخ التي يوجد فيها لفظ قبلة فقوله: "ليس في المشرق" جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، كما قالوا، وعلى هذا فلفظ المشرق يحتمل الجر ويكون المراد منه شرقًا خاصًا، وهو مشرق أهل المدينة خاصة، وخصهم بالذكر؛ لأنهم كانوا إذ ذاك مأمورين بالإسلام، ويوضح المراد ما في هامش "الكوكب" (٢) في "باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة" فارجع إليه لو شئت، ويحتمل أيضًا أن يكون المشرق بالضم على رواية الأكثر، وصوَّبه الزركشي عطفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثم حذف باب وحكم، وأقيم المشرق مقام الأول، وهذا هو الذي اختاره الشيخ قُدِّس سرُّه. والأوجه عندي أن قوله: والمشرق إن كان بالجر فيكون المراد به المشرق الخاص كما تقدم، وإن كان بالضم فهو على ما أفاده الشيخ يكون عامًا لأهل المشرق كلها، وأيًا ما كان فغرض المصنف بالترجمة قوله: ليس

стр. 705

في المشرق والمغرب قبلة أي: لأهل المدينة، وهو المقصود بالترجمة، فكأنه أراد بذلك الرد على المذهب الثامن من المذاهب الثمانية المذكورة في "الأوجز" (١) في "باب النهي عن استقبال القبلة واستدبارها"، وهو مذهب أبي عوانة صاحب "المزني" إذ قال: إن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، أما من كانت قبلته إلى الشرق أو الغرب، فيجوز له الاستقبال والاستدبار لقوله ﷺ : "لكن شرِّقوا أو غرِّبوا"، فنبّه المصنف بالترجمة أن حكم النهي عام، وقوله ﷺ : "شرِّقوا أو غرِّبوا" خاص لأهل المدينة والشام؛ لأنه ليس قبلتهم في المشرق ولا في المغرب، فتأمل، فإن خاطري أبو عذره فإن كان صوابًا فمن الله عز اسمه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، انتهى ملخصًا. (٣٠ - باب قول الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك توكيد أمر القبلة أنها من التأكد بحيث إذا وردت هذه الآية لم يترك النبي ﷺ بالصلاة خلف المقام فرض الاستقبال، وأيضًا ففي عقد الترجمة دلالة على أن الآية ليست بموجبة استقبال المقام إذ لو كان كذلك لما صلى في وجه البيت؛ لأن المقام يكون خلفه حينئذ، فأراد أن الأمر في الآية ليس بإيجاب، وإنما هو أمر استحباب وسُنَّة، انتهى. وفي هامشه: يشكل على الترجمة أن الإمام البخاري ترجم بالآية المتضمنة للأمر، ثم أورد فيها الروايات التي لا تدل على اتخاذ المقام مصلى، وأجاب عنه الشيخ بجوابين: إن المصنف أشار بذلك إلى توكيد أمر الاستقبال إلى الكعبة، إذ لم يتركه النبي ﷺ مع هذا الأمر، فكان

стр. 706

أمره آكد من هذا الأمر، والثاني: الإشارة إلى أن الأمر الوارد في آية الترجمة للندب، وقال السندي (١): يمكن أن يقال: أشار بأحاديث الباب إلى أن الأمر مخصوص بركعتي الطواف، أو أنه للندب حيث فعله تارةً وتركه أخرى، أو أشار إلى أن المراد بمقام إبراهيم البيت أو الحرم، انتهى. وقال الحافظ (٢): قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ في روايتنا بكسر الخاء على الأمر، وهي إحدى القرائتين، والأخرى بالفتح على الخبر، والأمر دال على الوجوب، لكن انعقد الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة، فدل على عدم التخصيص، وهذا بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدمه وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم كله، والأول أصح، واستدل المصنف على عدم التخصيص أيضًا بصلاته ﷺ داخل الكعبة، فلو تعيَّن استقبال المقام لما صحت هناك؛ لأنه كان حينئذ غير مستقبل، وهذا هو السر في إيراد حديثي ابن عمر عن بلال في هذا الباب، انتهى. والمقام في هذا الزمان في المحل الذي كان فيه زمن النبي ﷺ كما في هامش "اللامع". (٣١ - باب التوجه نحو القبلة. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "فتحرف القوم" دلالته على الترجمة ظاهرة؛ لأن القوم كانوا يصلون في غير مقام صلاة النبي ﷺ ، فعلم أن الاستقبال غير مختص بمكان دون مكان، بل يجب الاستقبال حيث كان المصلى، انتهى. وفي هامشه: وعلى هذا فغرض الترجمة أن استقبال القبلة لا يختص

стр. 707

بموضعه ﷺ ، بل في أيّ مكان كان المصلى، وبذلك جزم الكرماني (١) حيث قال: وكان تامة، أي: حيث وجد الشخص، قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] انتهى. وأنت خبير أن هذا الغرض من الترجمة لا يليق بشأن تراجم البخاري، وأولها الحافظ (٢) ومن تبعه بقوله: أي: حيث وجد الشخص في سفر أو حضر، والمراد بذلك في صلاة الفريضة كما يتبين ذلك في الحديث الثاني في الباب وهو حديث جابر، انتهى. والأوجه عندي في غرض المصنف اللائق بشأنه: أنه أراد بذلك دفع ما يتوهم من حديث أبي هريرة الذي ذكره في الترجمة أن استقبال القبلة يكفي في أول الصلاة عند التحريمة فقط، فدفعه بالروايات الواردة في الباب إذا استقبل أهل القبلتين في أثناء الصلاة، وكذا النبي ﷺ حتى في سجدة السهو وكذلك في حديث جابر إذ نزل فاستقبل في السفر، انتهى. (٣٢ - باب ما جاء في القبلة. . .) إلخ في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): ظاهر هذه الترجمة الإشارة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المصلي لو أخطأ في تحري القبلة في ليلة ظلماء، وصلى إلى غير القبلة فصلاته جائزة، وليس عليه أن يعيد خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى، والاستدلال بفعله ﵊ من حيث أنه ﵇ أقبل على الناس بوجهه، وانصرف من القبلة ومع ذلك بنى على صلاته ولم يستأنف، فتأمل. والحديث الأول من الباب ناظر إلى الجزء الأول من الترجمة وهو قوله: "ما جاء في القبلة" أي: ما جاء في صورة القبلة قبله، ونزول آية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: اجعلوا مقام إبراهيم بينكم

стр. 708

وبين الكعبة في صلاتكم، فهذه الآية دالة على كون الكعبة قبلة والأحاديث الأخر ناظرة إلى الجزء الثاني من الترجمة، انتهى. قال الحافظ (١): قوله: (باب ما جاء في القبلة) أي: غير ما تقدم، انتهى. والأوجه عندي: أن الباب في متعلقات القبلة، وبه جزم السندي (٢) إذ قال: قوله: "باب ما جاء في القبلة" أي: في متعلقاتها كمقام إبراهيم أو فيها ومقام إبراهيم هي الكعبة، انتهى. ويحتمل أيضًا أن يقال: إنهما ترجمتان الأولى في بدأ القبلة، والثانية فيمن سها. قال الحافظ (٣): قوله: (ومن لم ير الإعادة. . .) إلخ، أصل المسألة أن المجتهد في القبلة إذا تبين خطأه فلا إعادة عند الكوفيين، وعن مالك: تجب الإعادة في الوقت لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقًا، انتهى. مختصرًا. قوله: (وقد سلم النبي ﷺ . . .) إلخ، مناسبة هذا التعليق أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال الاستدبار في حكم الصلاة، قاله الحافظ. قوله: (وافقت ربي في ثلاث) قال الحافظ (٤): مناسبته للترجمة ما قال الكرماني: إن المراد من الترجمة ما جاء في القبلة وما يتعلق بها، وقال ابن رُشيد: إن تعلق الحديث بالترجمة الإشارة إلى موضع الاجتهاد في القبلة؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه اجتهد في أن اختار أن يكون المصلى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه الكعبة، فاختار إحدى جهات القبلة بالاجتهاد، وحصلت موافقته على ذلك فدل على تصويب اجتهاد المجتهد إذا بذل وسعه، انتهى.

стр. 709

قلت: والأمور التي وافق عمر رضي الله تعالى عنه فيها ربه ﵎، قد وصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين ذكرها صاحب الجمل والسيوطي في "تاريخ الخلفاء" كذا في هامش "الكوكب". قلت: وللسيوطي رسالة مستقلة سماها "قطف الثمر في موافقات عمر ﵁" في كتاب الحاوي. (٣٣ - باب حك البزاق) كتب الشيخ في "اللامع" (١): لما كان فيه من الكراهة الطبعية ما يوهم أن ذلك لا يجوز رد عليه بإثباته عن النبي ﷺ ، انتهى. وفي هامشه: شرع الإمام البخاري من ههنا أبواب المساجد. قال العيني (٢): من ههنا إلى قوله: "باب سترة الإمام" خمسة وخمسون بابًا كلها فيما يتعلق بأحكام المساجد، فلا يحتاج إلى ذكر وجه المناسبة بينها على الخصوص، انتهى. وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣) من ههنا شرع المؤلف في بيان أحكام المساجد وما يتعلق بها خصائل استقبال القبلة وأحكامها، انتهى. واختلفوا في غرض المصنف بهذه الترجمة والمغايرة بينها وبين الترجمة الآتية. قال الحافظ (٤): قوله: باليد، أي: سواء كان بآلة أم لا؟ ونازع الإسماعيلي في ذلك فقال: أي: تولى ذلك بنفسه لا أنه بأشر بيده النخامة، انتهى. قلت: والأوجه عندي أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمتين على الفرق

стр. 710

بين البزاق والمخاط، ولذا اكتفى على الأول باليد وقيد الثاني بالحصى، وإليه أشار الحافظ (١) إذ قال: وجه المغايرة بين هذه الترجمة والتي قبلها من طريق الغالب، وذلك أن المخاط غالبًا يكون له جرم لزج فيحتاج في نزعه إلى معالجة، والبصاق لا يكون له ذلك فيمكن نزعه بغير آلة إلا إن خالطه بلغم فيلتحق بالمخاط، انتهى. قلت: وهذا هو الظاهر من مغايرة الترجمتين. (٣٤ - باب حك المخاط بالحصى. . .) إلخ وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): غرض المؤلف من عقد هذا الباب أن ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المخاط نجس، وتمسكوا بهذا الحديث حيث قالوا: إن حكه ﵇ كان للتطهير لا للتنظيف محتمل الحديث، ويحتمل أن يكون غرضه إبطال ذلك المذهب، ومثل ذلك يفعل المؤلف في كتابه كثيرًا، وإيراد تعليق الباب لأجل هذه المناسبة، وههنا توجيه آخر مطرد في أكثر المواضع وهو أجود التوجيهات عندي وهو أنه من دأب المصنف أن يورد حديثًا واحدًا متعدد الطرق مرارًا متعددةً، ويعقد كل ترجمة بلفظ آخر واقع في ذلك الحديث، ومقصوده ليس إلا إكثار طرق الحديث كما وقع في هذا المقام، انتهى. قلت: وهذا هو الأصل السابع عشر من أصول التراجم. قلت: وما أفاد شيخ المشايخ ويحتمل أن يكون غرضه إبطال ذلك المذهب، هو مذهب جماعة من التابعين، قال ابن رسلان: قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا لأحد في أن البزاق طاهر إلا ما روي عن سلمان الفارسي فإنه جعله غير طاهر، والحسن البصري كرهه في الثوب تنزهًا، انتهى.

стр. 711

وحكى ابن العربي (١) عن النخعي نجاسة الريق كذا في هامشي على "البذل" (٢)، ثم يشكل على الروايات الواردة في الترجمتين. قال الكرماني (٣): في حديث ابن عمر ﵄ في الباب الأول: هذا يدل على بعض الترجمة إذ لا يعلم منه أن حكه كان بيده ومن المسجد. قلت: المتبادر إلى الفهم من إسناد الحك إليه ﷺ أنه كان بيده الشريفة، والمعهود من جدار القبلة جدار قبلة مسجد رسول الله ﷺ ، انتهى. قال الحافظ (٤): قوله: "في جدار القبلة" وفي رواية: "في جدار المسجد"، وللمصنف في آخر الصلاة من طريق أيوب عن نافع في قبلة المسجد، وهو مطابق للترجمة، انتهى. وقال الكرماني (٥) في أول حديث للباب الثاني: فإن قلت: عقد الباب على حك المخاط، والحديث يدل على حك النخامة. قلت: لما كانا فضلتين طاهرتين لم يفرق بينهما إشعارًا بأن حكمهما واحد، انتهى. وقال العيني (٦): والأوجه أن يقال: وإن كان بينهما فرق، وهو أن المخاط يكون من الأنف والنخامة من الصدر، لكنه ذكر المخاط في الترجمة، والنخامة في الحديث إشعارًا بأن بينهما اتحادًا في اللزوجة، وأن حكمهما واحد من هذه الحيثية أيضًا، انتهى. قلت: وهذا هو الأوجه مما ذكره الكرماني، انتهى من هامش "اللامع" مع زيادة من حواشي "البذل". قوله: (وقال ابن عباس. . .) إلخ، لا تعلق لهذا الأثر بالترجمة على الظاهر، ولذا اختلفوا في توجيهه.

стр. 712

وكتب الشيخ في "اللامع" (١): أشار بنقل الأثر إلى أن الوجه في كراهة البصاق ليس هو التقذر إذ لو كان الوجه هو التقذر لفرق بين رطبه ويابسه كما فرق ابن عباس بينهما في النعل لذلك، انتهى. وحاصل ما أفاده الشيخ: أن كراهة البصاق ليست لمجرد التقذر بل لاحترام المسجد، ولذا يحك عن المسجد مطلقًا، ولفظ تقرير مولانا محمد حسن المكي رحمه الله تعالى: أما المسجد فيحك عنه اليابس أيضًا، وبه حصلت المناسبة بترجمة الباب، انتهى. وفي تقرير مولانا حسين على البنجابي رحمه الله تعالى: القذر أعم من النجس إذ معناه ما يقذره الطبيعة، والمخاط والبزاق من القذر فلا حاجة إلى بيان المناسبة، انتهى. وذكر في هامش "اللامع" عدة توجيهات من الشروح، وفي آخره: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمتين وبذكر التعليق على إزالة البزاق وغيره من المسجد مطلقًا احترامًا للمسجد كما تقدم في كلام الشيخ، ويكفي للبزاق اليد، وللمخاط وغيره ينبغي الحصى ونحو لشدة اللزوجه، وهذا كله في اليابس، ولا بد من غسل الرطب؛ لأنه لا يزول بالحك، وعلى هذا فذكر التعليق تنبيهًا على إزالة الرطب للغسل، فتأمل، انتهى. (٣٥ - باب لا يبصق عن يمينه) اعلم أن الإمام البخاري ترجم ههنا بخمسة تراجم متقاربة ينبغي للناظر أن يخرج لها وجوهًا تناسب شأن تراجم البخاري، ولعل الشيخ سكت عنها تبعًا للشرَّاح تشحيذًا لأذهان الطالبين، فإنهم إذا رأوها خمسةً متقاربةً فلا بدّ أن يتدبروا فيها، وما يظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى شأنه: أن الإمام البخاري أشار فيها إلى أبحاث لطيفة، فالأول منها هذا الباب، ونبَّه

стр. 713

بذلك على مسألة خلافية شهيرة وهي: النهي عن البزاق إلى اليمين هل يختص بالصلاة أو يعم خارجها أيضًا؟ وتبويبه يشير إلى أنه مال إلى الأول. قال الحافظ (١): ليس في حديثي الباب التقييد بحال الصلاة، وسيأتي التقييد به في الرواية الآتية في الباب الذي يليه، فجرى المصنف على عادته في التمسك بما ورد في بعض طرق الحديث وكأنه جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فيهما، وهو ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة، وقد جزم النووي بالمنع مطلقًا في الصلاة وخارجها وفي المسجد وغيره، وقد نقل عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، انتهى. قلت: ما قال الحافظ: إن البخاري ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة عجيب؛ فإنه قد جزم بنفسه أن البخاري جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فكأن الإمام البخاري مال في ذلك عندي إلى قول الإمام مالك، ولذا قيَّد الترجمة بالصلاة، والثاني من التراجم "باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى"، وحمل الشيخ في "اللامع" (٢) لفظ: "أو" على التنويع حيث قال: قوله: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه" أي: إذا كان في غير المسجد ولم يكن إلى يساره أحد، أو تحت قدمه اليسرى إذا كان في المسجد أو كان عن يساره أحد، انتهى. ويحتمل عندي التخيير، والأوجه عندي: أن هذا الباب والباب الآتي أشار بهما الإمام البخاري إلى مسألة خلافية شهيرة بين النووي والقاضي عياض، وذكر في البابين مستدل الفريقين. قال الحافظ (٣): وحاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله "البزاق في المسجد خطيئة"، وقوله ﷺ : "ليبصق عن يساره أو تحت قدمه"، فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد،

стр. 714

والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها إلى آخر ما بسطه الحافظ. فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى مسلك من سلك مسلك القاضي عياض، ولذا ترجمه بالعموم، وأشار بالباب الثالث وهو "باب كفارة البزاق في المسجد" إلى مسلك من سلك مسلك النووي؛ لأن لفظ الكفارة يشعر إلى السيئة، وأيضًا ذكر المصنف فيه حديث البزاق في المسجد خطيئة وهو نص في كونه خطيئة وسيئة، ثم ترجم رابعًا "باب دفن النخامة في المسجد" وأشار عندي منه أيضًا إلى مسألة خلافية وهي جواز دفنها في المسجد؛ فإن بعضهم لم يقولوا بذلك، والأحاديث صريحة في ذلك ولذا ترجم به إثباتًا لجوازه. قال الحافظ (١): قال الجمهور يدفنها في تراب المسجد، وحكى الروياني أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلًا، انتهى. ثم ترجم خامسًا بباب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه، وأشار به إلى أن لفظ: "أو" في حديث الباب للتنويع لا للتخيير، وهو محمول على ما إذا بدره، فكأنه أشار بالترجمة إلى أنه لا يبصق في الثوب بدون الحاجة للتقذر. قال الحافظ (٢): ليس في الحديث التقييد بالمبادرة فكأنه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث ذكرها الحافظ كما ذكره في هامش "اللامع" (٣)، وقال السندي (٤): أشار بهذه الترجمة إلى أن الحديث المطلق المذكور في الباب محمول على التقييد بشهادة روايات لم يذكرها المصنف لكونها ليست على شرطه، انتهى.

стр. 715

قلت: وهذا أصل مطرد وهو الأصل الحادي عشر من أصول التراجم. (٣٦ - باب ليبصق عن يساره. . .) إلخ لا يبعد أن المصنف أراد الإشارة بذكر الحديث الخالي عن الأمر إلى أن الأمر فيما تقدم ليس للوجوب لخلو أكثر الروايات عنه، والأوجه أنه أراد جواز البصاق في المسجد كما قال به عياض كما تقدم قريبًا. قال الكرماني (١): هذه الترجمة مطلقة، والحديث فيها مقيَّد بالصلاة عكس الترجمة السابقة، فإنها مقيَّدة بالصلاة والحديث فيها مطلق، والجواب أن المطلق فيه محمول على المقيَّد، فإن قلت: لفظ الترجمة مقيَّد بالقدم اليسرى ولفظ القدم في الحديث لا تقييد فيه. قلت: تقيَّد به عملًا بالقاعدة المقررة من تقييد المطلق، فإن قيل: كان ينبغي أن يذكر هذا الحديث في الباب الأول، وبالعكس. قلت: لعل غرضه بعد معرفة نفس الأحكام بيان استخراج الأحكام ومعرفة طريق استنباطها تكثيرًا للفائدة، انتهى. (٣٧ - باب كفارة البزاق في المسجد) لعل المؤلف أشار إلى أن العمومات في الباب السابق مقيَّدة بالدفن وإن لم يذكر في بعض الروايات فكأن هذه الترجمة قيد للسابق. فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة السابقة إلى مسلك القاضي، وبهذه إلى مسلك النووي كما تقدم مفصلًا. (٣٨ - باب دفن النخامة في المسجد) سكتوا عن غرض المصنف ولا يبعد عندي أنه أشار إلى أن حكم

стр. 716

الدفن يختص بالمسجد، ولا يحتاج إليه إذا صلى خارج المسجد، فكأنه تقييد لعموم الحديث. والأوجه: أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية بين الجمهور والروياني كما تقدم، ولا يذهب عليك أن ما في حديث الباب، فإن عن يمينه ملكًا، ليس المراد منه كاتب الحسنات فلا إشكال لكون الكاتب على اليسار أيضًا، بل المراد به الملك الموكل به وعلى اليسار قرينه كما ورد في حديث أبي أمامة على ما رواه الطبراني (١): "فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره"، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك، كذا في هامش الهندية (٢) عن "الخير الجاري" و"العيني". (٣٩ - باب إذا بدره البزاق. . .) إلخ تقدم الكلام عليه أيضًا فيما تقدم. قال الحافظ (٣): واستشكل التقييد في الترجمة بالمبادرة مع أنه لا ذكر لها في الحديث، فكأنه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث المذكور، وهو ما رواه مسلم (٤) عن جابر بلفظ: "وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به باردة فليقل بثوبه هكذا" الحديث، فأشار إليه بالترجمة وقيد العموم به، انتهى. وقال السندي (٥): أشار بهذه الترجمة إلى أن الحديث المطلق في الباب محمول على التقييد بشهادة روايات لم يذكرها المصنف لكونها ليست على شرطه، انتهى.

стр. 717

(٤٠ - باب عظة الإمام الناس. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: (وذكر القبلة) أي: هذا باب يذكر فيه القبلة إلى أيّ جهة هي، انتهى. وفي هامشه: اعلم أولًا: أن الإمام البخاري ترجم في الباب ترجمتين، الأولى: عظة الإمام، والثانية: ذكر القبلة، والأولى هي المقصود الأصلي من عقد الباب عندي خلافًا لما عليه الشرَّاح، فقد قال الحافظ (٢): قوله: "وذكر القبلة" بالجر عطفًا على "عظة"، وأورده للإشعار بمناسبة هذا الباب لما قبله، انتهى. وأبعد منه ما قال العيني (٣): من أن الأبواب السابقة كان فيها أمر ونهي وتشديد فيهما، وهي كلها وعظ، وهذا الباب أيضًا في الوعظ، انتهى. والأوجه عندي: أنه نبَّه بذلك على أهم المصالح من حكم المسجد والجماعة، ولذا ذكره في أبواب المساجد كأنه نبَّه بذلك على أنه ينبغي للإمام أن يلاحظ أحوال المصلين وينبههم على تقاصيرهم في الصلاة، وبسط شيخ المشايخ في "حجة الله البالغة" في مصالح الجماعة ذكرت في هامش "اللامع" (٤)، وأما الجزء الثاني من الترجمة وهو قوله: و"ذكر القبلة"، فذكره استطرادًا لينبه بذلك قارئ "الصحيح" على أن لا يمر على ما في حديث الباب من ذكر القبلة نائمًا؛ فإنه جدير بغاية التدبر؛ لأن ظاهر سياق الحديث بلفظ: هل ترون قبلتي ههنا بالاستفهام الإنكاري يشعر أن قبلته ﷺ ليست على الجهة التي توجه إليها، وهذا المعنى ظاهر البطلان فنبَّه بلفظ: "ذكر القبلة" في الترجمة على أن يتدبر طالب الحديث في معناه. وقوله ﷺ : "إني لأراكم من ورائي" قال الحافظ (٥): قد اختلف في

стр. 718

معناه، فقيل: المراد به العلم إما بالوحي أو بالإلهام أو أنه يرى من عن يمينه ويساره بالتفات يسير، أو كانت له عين خلف ظهره، أو كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، أو أن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وهو الصواب المختار. قلت: وهو الأوجه عندي: وعلى هذا فلا حاجة إلى المحاذات معجزة له ﷺ كما يكون في القيمة في رؤية الباري، وقيل: كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" (١). وعلى هذا المعنى الأخير يناسب هذا الجزء من الترجمة بأبواب المساجد. (٤١ - باب هل يقال: مسجد بني فلان) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان المسجد بيت الله تعالى ودار عبادته أوهم ذلك أن نسبته إلى غيره لعله يكون إشراكًا به، ولا أقل من كراهة ذلك وإساءة الأدب فيه دفعه بإيراد الرواية فكان أمرًا ليس فيه بأس، انتهى. وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "التراجم" (٣) إذ قال: إنما اهتم المصنف بإثبات ذلك؛ لأن كون المساجد مملوكة لله تعالى غير مملوكة لأحد يوهم أنه لا يجوز إضافتها إلى أحد، فلدفع هذا الوهم أثبت أنه يجوز الإضافة لعلاقة ما من البناء أو التولية أو القرب، انتهى. قلت: أو ترجم بذلك ردًا لما روي عن بعض السلف كراهة ذلك. قال الحافظ (٤): الجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي؛ لأنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ومصلى بني فلان لقوله

стр. 719

تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، والجواب: إن هذا إضافة تمييز لا ملك، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام لينبِّه على أن فيه احتمالًا إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه، ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر، انتهى. قلت: ويقوى الاحتمال الثاني ما قالوا في حديث ابن عباس الآتي في أبواب العيد بلفظ: حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت. قال الحافظ (١): إن تعريفه بكونه عند دار كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فدار كثير بن الصلت محدثة بعد النبي ﷺ ، انتهى. فيحتمل مثل ذلك في حديث الباب أيضًا. (٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان قوله ﷺ : "إن هذه المساجد لا يصلح فيه شيء من أمور الناس" أو كما قال، ظاهره يمنع كل أمر من أمورهم بين بذلك أن المراد بالأمور غير ما هو مفتقر إليه، ثم إن حكم تعليق القنو ثابت للشركة في العلة أو لما فيه من القسمة أيضًا، انتهى. وفي هامشه: هذا أجود مما قاله الحافظ من أن الغرض أن مثل ذلك من الأمور المباحة ليس من اللغو الذي يمنع في المساجد، انتهى. لأن كون الأمور مفتقرة إليها أليق بشأن المسجد نظرًا على الروايات المتقدمة من كونها مباحة فقط، وما أفاد الشيخ من أن حكم تعليق القنو ثابت للشركة. . . إلخ. قال الحافظ (٣): لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أنسيه، وليس كما قالا، بل أخذه

стр. 720

من جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلًّا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى ما رواه النسائي (١) من حديث عوف الأشجعي قال: "خرج رسول الله ﷺ وبيده عصًا، وقد علق رجل قنا حشف" الحديث، وليس هو على شرطه وإن كان إسناده قويًا فكيف يقال: إنه أغفله، انتهى. قلت: حديث عوف هذا أخرجه أبو داود (٢) أيضًا، وأخرج الترمذي من حديث البراء (٣) "كان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد" الحديث، واستنبط منه الشيخ في "الكوكب الدري" (٤) تعليق المراوح في المساجد. والأوجه عندي في ترجمة الإمام البخاري أنه استنبط ذلك بنشر الدراهم في المسجد؛ فإن الدرهم قريب من التمر في الكمية، ولا فرق بين نظمها في القنو ونثرها على الفراش كما استدلوا على جواز السبحة المعروفة بأحاديث عد التسبيح والتحميد بالحصى وغيرها. قوله: (فاديت نفسي) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): هذا بيان لما حمله من النائبة المجتاحة للكثير من ماله لا أنه بيَّن بذلك إفلاسه وإعدامه؛ لأنه رضي الله تعالى عنه كان ذا مال بعد، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه رد لما توهم بعض الشرَّاح أنه صار فقيرًا إذ جعله مصرفًا للزكاة، إلى آخر ما فيه. (٤٣ - باب من دعى لطعام في المسجد. . .) إلخ في "تراجم شيخ المشايخ" (٦): غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، وذلك لدفع ما عسى أن يتوهم من عدم جوازه؛ لأنه

стр. 721

مبنى للطاعة، ولما ورد في الحديث من النهى عن كلام الدنيا في المسجد، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: قلت: نعم، هذه هي الدعوة، ووجه عقد الباب ما تقدم منا قريبًا، انتهى. وفي هامشه دفع الشيخ بذلك ما يرد على ترجمة الإمام من أن أنسًا لم يدع النبي ﷺ حتى يثبت بالحديث الدعوة لطعام؛ لأن أبا طلحة أرسل مع أنس أقراصًا من شعير ليوصلها إلى النبي ﷺ ، كما سيأتي في الرواية المفصلة في علامات النبوة، فكيف يستدل بذلك الدعوة، وحاصل توجيه الشيخ: أن قول أنس: نعم أرسلني لطعام داخل في الدعوة للطعام. قلت: أو استدلال بطريق دلالة النص، فإنه إذا جاز أخذ الطعام فيه فالدعاء إليه أولى بالجواز، وهذا غير الإيراد الذي ذكره الحافظ إذ قال: أورد فيه الإمام البخاري حديث أنس مختصرًا، وأورد عليه أنه مناسب لأحد شقي الترجمة وهو الثاني، ويجاب: بأن قوله: "في المسجد"، متعلق بقوله: "دعي" لا بقوله: فالمناسبة ظاهرة، انتهى. قلت: إن كان تعلقه بطعام كانت المناسبة أظهر؛ لأن الطعام كان إذ ذاك موجودًا في المسجد مع أنس ﵁، انتهى. (٤٤ - باب القضاء واللعان في المسجد. . .) إلخ في هامش "اللامع" (٢): اعلم أن الشرَّاح قاطبة أوردوا على الإمام البخاري في قوله: بين الرجال والنساء، وجعلوه كلهم حشوًا وزائدًا، وليس بحشو عندي، بل هو متعلق بلفظ القضاء، وإذا ثبت الجواز بين الرجال والنساء فيثبت بالأولى بين النوع الواحد من الرجال والنساء غاية ما فيه أن الإمام البخاري ذكر بين الظرف ومتعلقه لفظ "اللعان" معترضًا ولا ضير فيه،

стр. 722

ثم غرض الإمام البخاري بالترجمة الإشارة إلى اختلافهم في جواز القضاء في المسجد، ولذا يعيد الترجمة في "كتاب الأحكام" في "باب من قضى ولاعن في المسجد" وبسط فيه الحافظ (١) الاختلاف في ذلك، ونقل عن ابن بطال: القضاء مستحب في المسجد عند طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم، وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت طائفة ذلك إلى آخر ما بسط. وحكى القسطلاني (٢) عن إمامه الشافعي كراهته إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له فيه حكومة، انتهى. وفي موضع آخر (٣) قال إمامنا الشافعي: أحب إلي أن يقضى في غير المسجد، انتهى. وفي "الدر المختار" (٤): ويقضي في المسجد، ويختار مسجدًا في وسط البلد تيسيرًا للناس، قال ابن عابدين: قوله: يقضي في المسجد، به قال أحمد ومالك في الصحيح عنه خلافًا للشافعي له أن القضاء يحضره المشرك وهو نجس بالنص، انتهى. (٤٥ - باب إذا دخل بيتًا. . .) إلخ اختلفوا في غرض الترجمة، ففي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): أي: هو مخير يصلي في أيّ موضع شاء بعد الاستئذان للدخول وحصول الإذن أو يصلي حيث أمر، لكن ينبغي أن لا يكون ذلك مقرونًا بالتجسس المنهي عنه، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: حيث شاء إن خيره أهل البيت أو حيث أمر، أي: إن أمره بمكان معين ولا يتجسس بعد أمرهم أو بعد ما إذا تقرر مشيته بمكان، انتهى.
следующие страницы →