معناه، فقيل: المراد به العلم إما بالوحي أو بالإلهام أو أنه يرى من عن يمينه ويساره بالتفات يسير، أو كانت له عين خلف ظهره، أو كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، أو أن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وهو الصواب المختار.
قلت: وهو الأوجه عندي: وعلى هذا فلا حاجة إلى المحاذات معجزة له ﷺ كما يكون في القيمة في رؤية الباري، وقيل: كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" (١).
وعلى هذا المعنى الأخير يناسب هذا الجزء من الترجمة بأبواب المساجد.
(٤١ - باب هل يقال: مسجد بني فلان)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان المسجد بيت الله تعالى ودار عبادته أوهم ذلك أن نسبته إلى غيره لعله يكون إشراكًا به، ولا أقل من كراهة ذلك وإساءة الأدب فيه دفعه بإيراد الرواية فكان أمرًا ليس فيه بأس، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "التراجم" (٣) إذ قال: إنما اهتم المصنف بإثبات ذلك؛ لأن كون المساجد مملوكة لله تعالى غير مملوكة لأحد يوهم أنه لا يجوز إضافتها إلى أحد، فلدفع هذا الوهم أثبت أنه يجوز الإضافة لعلاقة ما من البناء أو التولية أو القرب، انتهى.
قلت: أو ترجم بذلك ردًا لما روي عن بعض السلف كراهة ذلك.
قال الحافظ (٤): الجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي؛ لأنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ومصلى بني فلان لقوله
стр. 719
تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، والجواب: إن هذا إضافة تمييز لا ملك، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام لينبِّه على أن فيه احتمالًا إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه، ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر، انتهى.
قلت: ويقوى الاحتمال الثاني ما قالوا في حديث ابن عباس الآتي في أبواب العيد بلفظ: حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت.
قال الحافظ (١): إن تعريفه بكونه عند دار كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فدار كثير بن الصلت محدثة بعد النبي ﷺ ، انتهى.
فيحتمل مثل ذلك في حديث الباب أيضًا.
(٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان قوله ﷺ : "إن هذه المساجد لا يصلح فيه شيء من أمور الناس" أو كما قال، ظاهره يمنع كل أمر من أمورهم بين بذلك أن المراد بالأمور غير ما هو مفتقر إليه، ثم إن حكم تعليق القنو ثابت للشركة في العلة أو لما فيه من القسمة أيضًا، انتهى.
وفي هامشه: هذا أجود مما قاله الحافظ من أن الغرض أن مثل ذلك من الأمور المباحة ليس من اللغو الذي يمنع في المساجد، انتهى.
لأن كون الأمور مفتقرة إليها أليق بشأن المسجد نظرًا على الروايات المتقدمة من كونها مباحة فقط، وما أفاد الشيخ من أن حكم تعليق القنو ثابت للشركة. . . إلخ.
قال الحافظ (٣): لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في تعليق القنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أنسيه، وليس كما قالا، بل أخذه
стр. 720
من جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلًّا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى ما رواه النسائي (١) من حديث عوف الأشجعي قال: "خرج رسول الله ﷺ وبيده عصًا، وقد علق رجل قنا حشف" الحديث، وليس هو على شرطه وإن كان إسناده قويًا فكيف يقال: إنه أغفله، انتهى.
قلت: حديث عوف هذا أخرجه أبو داود (٢) أيضًا، وأخرج الترمذي من حديث البراء (٣) "كان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد" الحديث، واستنبط منه الشيخ في "الكوكب الدري" (٤) تعليق المراوح في المساجد.
والأوجه عندي في ترجمة الإمام البخاري أنه استنبط ذلك بنشر الدراهم في المسجد؛ فإن الدرهم قريب من التمر في الكمية، ولا فرق بين نظمها في القنو ونثرها على الفراش كما استدلوا على جواز السبحة المعروفة بأحاديث عد التسبيح والتحميد بالحصى وغيرها.
قوله: (فاديت نفسي) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): هذا بيان لما حمله من النائبة المجتاحة للكثير من ماله لا أنه بيَّن بذلك إفلاسه وإعدامه؛ لأنه رضي الله تعالى عنه كان ذا مال بعد، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه رد لما توهم بعض الشرَّاح أنه صار فقيرًا إذ جعله مصرفًا للزكاة، إلى آخر ما فيه.
(٤٣ - باب من دعى لطعام في المسجد. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٦): غرضه من عقد هذا الباب جواز الكلام المباح في المسجد، وذلك لدفع ما عسى أن يتوهم من عدم جوازه؛ لأنه
стр. 721
مبنى للطاعة، ولما ورد في الحديث من النهى عن كلام الدنيا في المسجد، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: قلت: نعم، هذه هي الدعوة، ووجه عقد الباب ما تقدم منا قريبًا، انتهى.
وفي هامشه دفع الشيخ بذلك ما يرد على ترجمة الإمام من أن أنسًا لم يدع النبي ﷺ حتى يثبت بالحديث الدعوة لطعام؛ لأن أبا طلحة أرسل مع أنس أقراصًا من شعير ليوصلها إلى النبي ﷺ ، كما سيأتي في الرواية المفصلة في علامات النبوة، فكيف يستدل بذلك الدعوة، وحاصل توجيه الشيخ: أن قول أنس: نعم أرسلني لطعام داخل في الدعوة للطعام.
قلت: أو استدلال بطريق دلالة النص، فإنه إذا جاز أخذ الطعام فيه فالدعاء إليه أولى بالجواز، وهذا غير الإيراد الذي ذكره الحافظ إذ قال: أورد فيه الإمام البخاري حديث أنس مختصرًا، وأورد عليه أنه مناسب لأحد شقي الترجمة وهو الثاني، ويجاب: بأن قوله: "في المسجد"، متعلق بقوله: "دعي" لا بقوله: فالمناسبة ظاهرة، انتهى.
قلت: إن كان تعلقه بطعام كانت المناسبة أظهر؛ لأن الطعام كان إذ ذاك موجودًا في المسجد مع أنس ﵁، انتهى.
(٤٤ - باب القضاء واللعان في المسجد. . .) إلخ
في هامش "اللامع" (٢): اعلم أن الشرَّاح قاطبة أوردوا على الإمام البخاري في قوله: بين الرجال والنساء، وجعلوه كلهم حشوًا وزائدًا، وليس بحشو عندي، بل هو متعلق بلفظ القضاء، وإذا ثبت الجواز بين الرجال والنساء فيثبت بالأولى بين النوع الواحد من الرجال والنساء غاية ما فيه أن الإمام البخاري ذكر بين الظرف ومتعلقه لفظ "اللعان" معترضًا ولا ضير فيه،
стр. 722
ثم غرض الإمام البخاري بالترجمة الإشارة إلى اختلافهم في جواز القضاء في المسجد، ولذا يعيد الترجمة في "كتاب الأحكام" في "باب من قضى ولاعن في المسجد" وبسط فيه الحافظ (١) الاختلاف في ذلك، ونقل عن ابن بطال: القضاء مستحب في المسجد عند طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم، وبه قال أحمد وإسحاق، وكرهت طائفة ذلك إلى آخر ما بسط.
وحكى القسطلاني (٢) عن إمامه الشافعي كراهته إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له فيه حكومة، انتهى.
وفي موضع آخر (٣) قال إمامنا الشافعي: أحب إلي أن يقضى في غير المسجد، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٤): ويقضي في المسجد، ويختار مسجدًا في وسط البلد تيسيرًا للناس، قال ابن عابدين: قوله: يقضي في المسجد، به قال أحمد ومالك في الصحيح عنه خلافًا للشافعي له أن القضاء يحضره المشرك وهو نجس بالنص، انتهى.
(٤٥ - باب إذا دخل بيتًا. . .) إلخ
اختلفوا في غرض الترجمة، ففي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): أي: هو مخير يصلي في أيّ موضع شاء بعد الاستئذان للدخول وحصول الإذن أو يصلي حيث أمر، لكن ينبغي أن لا يكون ذلك مقرونًا بالتجسس المنهي عنه، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي قوله: حيث شاء إن خيره أهل البيت أو حيث أمر، أي: إن أمره بمكان معين ولا يتجسس بعد أمرهم أو بعد ما إذا تقرر مشيته بمكان، انتهى.
стр. 723
قلت: ويؤيده ما تقدم من كلام شيخ المشايخ.
قال الحافظ (١): قيل: مراد الترجمة الاستفهام لكن حذفت أداته، أي: هل يتوقف على إذن صاحب المنزل أو يكفيه الإذن العام في الدخول؟ فأو على هذا ليست للشك، انتهى.
وقال العيني (٢): همزة الاستفهام مقدرة تقديره: أيصلي حيث شاء؟ أو حيث أمر؟ وفي بعض النسخ هكذا بهمزة الاستفهام، والمعنى على هذا وإلا لا يطابق الحديث الترجمة جميعًا، ولا يطابق إلا الجزء الثاني، وعن هذا قال ابن بطال: لا يقتضي لفظ الحديث أن يصلي حيث شاء، وإنما يقتضي أن يصلي حيث أمر لقوله: أين تحب أن أصلي فكأنه قال: "باب إذا دخل بيتًا هل يصلي حيث شاء أو حيث أمر"؛ لأنه ﷺ استأذنه في موضع الصلاة ولم يصل حيث شاء، فيبطل حكم حيث شاء، ويؤيده قوله: ولا يتجسس، أي: لا يتفحص موضعًا يصلي فيه وهو بالجيم، أو الحاء والمعنى متقارب، والأول أظهر، انتهى.
قال الحافظ (٣): قال المهلب: دلَّ الحديث على إلغاء الشق الأول باستئذانه ﷺ ، وقال ابن المنيِّر: إنما أراد البخاري أن المسألة موضع نظر، فهل يصلي [من دُعي] حيث شاء؛ لأن الإذن بالدخول عام في أجزاء المكان، فأينما صلى أو جلس تناوله الإذن؟ أو يحتاج إلى أن يستأذن في تعيين المكان؛ لأنه ﷺ فعل ذلك؟ الظاهر الأول، وإنما استأذن النبي ﷺ ؛ لأنه دعي للصلاة ليتبرك صاحب البيت بمكانه، أما من صلى لنفسه فهو على عموم الإذن، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): فإن قيل: الحديث لا يقتضي أن يصلي حيث شاء، وإنما يقتضي أن يصلي حيث أمر.
стр. 724
قلت: في بعض طرقه إشارة إلى أن عتبان فوض الأمر إليه ﷺ في تخصيص المكان، فلو صلى حيث شاء جاز، لكن رد الأمر إليه تبرعًا، انتهى.
(٤٦ - باب المساجد في البيوت)
لعله إشارة إلى تقوية ما في أبي داود وغيره من اتخاذ المساجد في الدور على أحد القولين في معنى الحديث، فقد ترجم الإمام أبو داود (١) "باب اتخاذ المساجد في الدور" وذكر فيه حديث عائشة قالت: "أمر رسولط الله ﷺ ببناء المسجد في الدور" أي: المحلات أو البيوت كما في "البذل" (٢).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "وأنا أصلي لقومي" ذكره لما أن الإمام أشد اهتمامًا من غيره، فكان عليه أن يحضر المسجد لا محالة، فأحب أن يجعل له النبي ﷺ موضعًا يصلي فيه في مثل تلك الأيام، ويقول لهم: أن لا ينتظروه في يوم كذلك، انتهى.
(٤٧ - باب التيمن في دخول المسجد وغيره)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٤): أي: هو مستحب.
قال الحافظ (٥): قوله: وغيره بالخفض عطفًا على الدخول ويجوز أن يعطف على المسجد لكن الأول أفيد، انتهى.
والأوجه عندي: الثاني، أي: غير المسجد من المواضع المتبركة والغرض أن دخول المسجد أيضًا داخل في عموم شأنه كله.
стр. 725
(٤٨ - باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): وجه الاستدلال عليه بقوله ﷺ : "لعن الله اليهود. . ." إلخ، إنهم لعنوا لارتكابهم ذلك لما فيه من التشبه بعبدة الأوثان، فوجب تسوية القبر لجواز الصلاة في هذا المكان لارتفاع وجه المشابهة، غير أن التسوية تحصل بوجهين: إما بنبش القبر وإخراج عظام الميت من هذا الموضع، أو بتسوية القبر حيث لا يبدو للناظر فيلزم الشبه، وإذا كان كذلك وجب في قبور المشركين نبشها أصلًا لكونهم محل الغضب، فلا يناسب إبقاؤهم في المساجد، ولا كذلك في المسلمين فلا يضر بقاء عظامهم تحت أقدام المسلمين، ووجه الكراهة وهو الشبه منتف، فالاستدلال بالرواية يعم الكافر والمؤمن في أن الصلاة تكره على القبور، والتخصيص بالنبش للكفار حاصل بالرواية الآتية، فافهم؛ فإنه مفتقر إلى فضل تفكر، وحاصل الاحتجاج بذلك الآثار الموردة ههنا: أن الصلاة في مثل تلك الأمكنة جائزة مع الكراهة التحريمية، فإن عمر ﵁ لم يأمر بالإعادة وإنما أمر بالاتقاء عن القبر، فعلم أن الصلاة في المقبرة جائزة إذا لم يسجد إلى القبر وإن لم تخل عن كراهة، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أولًا: أن هذه الترجمة وإثباتها من مشكلات التراجم، وإليه أشار الشيخ بقوله: فافهم؛ فإنه مفتقر إلى فضل تفكر، وقال العيني (٢): لم أر شارحًا ههنا شفى العليل ولا أروى الغليل، انتهى.
وثانيًا أن لفظ "هل" ههنا ليس للاستفهام عند جميع الشرَّاح والمشايخ بل هو بمعنى قد، وعليه بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره.
والأوجه عندي: أنه على معناه الأصلي أي: الاستفهام فإنه أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الثاني والثلاثون تقدم فيه أن الإمام البخاري طالما يترجم بهذا اللفظ تنبيهًا على أن للناظرين هناك مجالًا للنظر
стр. 726
والفكر، وهو كذلك ههنا عندي، فإن ظاهر ما في الباب جواز نبش القبور واتخاذ محلها مسجدًا، وهو نصر حديث الباب في بناء مسجده ﷺ ، ومع ذلك فيه خلاف الأوزاعي، فلعل الإمام البخاري أشار إلى خلافه وأولى منه إلى مستدله بلفظ: هل، وهو أن قبورهم موضع عذاب، فإنه ﷺ لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين"، فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم، انتهى.
وسيأتي قريبًا، وبوَّب عليه الإمام البخاري "باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب".
فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري نبَّه بلفظ "هل" على هذه الأمور.
وثالثًا: أن قوله في الترجمة: "وما يكره" معطوف على قوله: "هل ينبش" عند الشرَّاح كلهم، وجعلوه جزءًا مستقلًا من الترجمة، ولما رأوا أن هذا الجزء من الترجمة لا يثبت بالحديث أثبتوه بأثر عمر ﵁.
والظاهر عند هذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى: أن هذا ليس بترجمة حتى يحتاج لإثباته؛ لأنه سيأتي قريبًا "باب كراهية الصلاة في المقابر" فإن كانت هذه ترجمة يلزم التكرار، وأيضًا لا يثبت هذا بالحديث وإثباته بمجرد الأثر خلاف الأصل، فالظاهر عندي أنه معطوف على لفظ: قول النبي ﷺ داخل تحت اللام، فكأنه بمنزلة الدليل ومثبتة بكسر الموحدة للترجمة السابقة كما بسط في الأصل الستين من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول، فكأنه أثبت جواز نبش القبور بقوله ﷺ ، وبكراهة الصلاة في المقابر، فكأنه قال: يجوز نبش قبور المشركين؛ لأن الصلاة في المقابر مكروهة ولا حرمة لقبور المشركين، فلا بأس بنبشها، انتهى مختصرًا (١).
قوله: (أربعًا وعشرين ليلة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه دلالة
стр. 727
على أن الجمعة لا تجوز في القرى؛ لأن أول جمعة صلَّاها النبي ﷺ في بني سالم كما هو مسلم الفريقين، وكان وجوب جمعة بمكة، فلولا أن الجمعة لا تجوز في القرى لما تركه ﷺ ، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ لا مرية فيه كما بسط في هامش "اللامع"، لكن في الحديث إشكال آخر قوي، وهو أن الوارد في حديث الباب أربع وعشرون ليلة، وسيأتي بهذا السند في "باب مقدم النبي ﷺ إلى المدينة" بلفظ: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، وبسط الكلام على هذا الاختلاف في الجزء الثاني من "اللامع" (١) في "كتاب الجمعة" وفيه: وما قال الشيخ ابن القيم من قيامه ﷺ في قباء أربعة أيام فقط تأبى عنه روايات البخاري، فإن فيها روايتين، إحداهما: رواية أربع وعشرين، والثانية: أربعة عشر، وصوبه الحافظ.
قلت: والأوفق بالروايات رواية أربع وعشرين؛ لأن أكثر الروايات على أنه ﷺ دخل قباء يوم الاثنين وخرج عنها يوم الجمعة، وهذان لا يتفقان إلا على أربع وعشرين بعدم عد يومي الدخول والخروج، ولا يتفقان على رواية أربع عشرة بوجه من الوجوه إلى آخر ما بسط فيه.
(٤٩ - باب الصلاة في مرابض الغنم)
لعل الغرض كما يشير إليه كلام الحافظ (٢) أيضًا أن محبته ﷺ الصلاة في المرابض كما تدل عليه رواية أبي داود (٣) عن البراء: أن رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة كانت قبل بناء المساجد.
стр. 728
(٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الذي ورد من النهي عن الصلاة في مبارك الإبل ليس على عمومه ولا مبنيًا على علة في نفس ذات الإبل (٢)، الوجه في ذلك ما يلزم من تشويش القلب وتفرق البال، فلا ضير لو اطمأن بنوع من أسباب الطمأنينة كما في الرواحل المدربة؛ فإنها لا تكاد تقوم بعد إقعادها، ولا تنفر على صاحبها بعد إناختها، ويستوي في جواز الصلاة بعد تحصيل الطمأنينة وكراهتها عند عدم اطمئنان الواحد والكثير، فصح الاحتجاج بفعل ابن عمر براحلة على جواز ذلك الأمر في رواحل، وإجزاء الصلاة في مبارك الإبل إذ اطمأن منها كما اطمأن منها، انتهى.
وفي هامشه: غرض الإمام البخاري بالترجمة واضح وهو الرد على مسلك الإمام أحمد، إذ قال بفساد الصلاة في مبارك الإبل لرواية البراء المتقدم في الباب السابق، انتهى.
قال الحافظ (٣): كأن المصنف أشار إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، وكونها من الشياطين لو كان ذلك مانعًا من صحة الصلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلي، وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنه ﷺ كان يصلي النافلة وهو على بعيره، انتهى مختصرًا.
وقال السندي (٤): غرض الترجمة أن النهي عن الصلاة في المعاطن وهي مواضع إقامتها عند شرب الماء خاص بالمعاطن، فلا يقاس عليها غيرها من مواضع الإبل، انتهى.
قلت: وفيه أن النهي لم يرد بلفظ المعاطن فقط بل في حديث
стр. 729
جابر ﵁ عند مسلم، وحديث البراء عند أبي داود بلفظ: "مبارك الإبل"، وفي حديث أسيد عند الطبراني: "مناخ الإبل"، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد: "مرابد الإبل".
قال الحافظ (١): ولذا بوب الإمام البخاري بلفظ المواضع؛ لأنها أشمل، والمعاطن أخص منه، وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل، وقيل: هو مأواها مطلقًا، نقله صاحب المغني عن أحمد، انتهى.
(٥١ - باب من صلى وقُدامه تنور. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن المصلي إذا لم ينو بصلاته إلا الله، فإن صلاته جائزة إلا أنه إذا كان فيه شبه بعبدة الأصنام فإنها حينئذ لا تخلو عن كراهة وإن سقطت عن ذمته، انتهى.
قال الحافظ (٣): أشار به إلى ما ورد عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، انتهى.
والمعروف على ألسنة المشايخ أن الإمام البخاري أراد بالترجمة الرد على الحنفية حيث كرهوا الصلاة إليها.
قال القسطلاني (٤): كرهه الحنفية لما فيه من التشبه بعبادة المذكورات، انتهى.
وفي "الشرح الكبير": يكره أن يصلَّى إلى نار، قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه إلى آخر ما في هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): غرض المؤلف من عقد هذا الباب
стр. 730
دفع توهم من توهم أنه لا تجوز صلاة الرجل وقدامه تنور للتشبيه بالمجوس، وفي استدلال المصنف بالرواية نوع خفاء لا يخفى، وتوجيهه أن كون النار قدام المصلي لو كان غير مرضى عند الله ومفسدًا لصلاته لما ساغ ذلك في حق حبيبه ونبيه، ولما أحضرها قدام نبيه ﷺ ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): إن استدلاله بالرواية لا يخلوا عن لطافة ما، فإنه أظهر بذلك أن وجه الشبه إذا كان خفيًا لا يدرك فإنه لا يكون مورثًا للكراهة، ووجهه ارتفاع سبب الكراهة، فإن الذي أمامه نار أو صورة أو قبر فسترها لم يبق بعد الستر شبه بعبدة الأصنام، فكذلك النار الغائبة عن الأعين كما رُئيها النبي ﷺ فإنها لم تصر سببًا للشبه لاستتارها، ومن ههنا يعلم حال التنور الذي ذكره في الترجمة، فإن من صلى وقدامه تنور فإن صلاته خالية عن الكراهة لارتفاع العلة، وعلى هذا حكم النار وغيره، وعلى هذا فلم يكن صلاته ﷺ مما نحن فيه، أي: من الصلوات المكروهة، وأما ما أجاب بعضهم بعد تسليم سبب الكراهة: أن ذلك كان اضطرارًا منه ﷺ لا اختيارًا فبعيد؛ لأن النار لو لم تكن في اختياره فإن صلاته كانت في اختياره، فلو كانت فيه كراهة لا سيما التحريمية لأفسدها، فافهم، انتهى.
وبسط في هامشه كلام الشرَّاح في وجه الاستدلال.
ثم يشكل على البخاري ما تقدم من "باب الصلاة في المصلب والمصور" وما سيأتي من "باب الصلاة في البيعة".
قال الكرماني (٢) في "باب الصلاة في البيعة": إن قلت: ما وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من "باب من صلى وقدامه نار. . ." إلخ، من جواز الصلاة وعدم كراهتها.
قلت: حكم التماثيل غير حكم سائر المعبودات؛ لأنها بأنفسها منكرات؛ إذ الصور محرمة سواء تعبد أم لا؟ بخلاف النار مثلًا فإن عبادتها
стр. 731
محرمة أو لأن التماثيل شاغلة عن الحضور في الصلاة كما سبق في "باب من صلى في ثوب له أعلام" من حديث خميصة أبي جهم، وقال ابن بطال: لا تعارض بين البابين؛ لأن الأول كان بغير الاختيار، وما في هذا الباب كقول عمر: إنا لا ندخل كنائسكم، فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إليه، انتهى.
قلت: وبهذا الأخير جمع بينهما جمع من الشرَّاح، والعجب من الحافظ (١) إذ تعقب على ابن التين بقوله: إن الاختيار وعدمه في ذلك سواء، وتقدم تعقب الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا على هذا الجواب، وأيضًا لو كان ما هناك بدون الاختيار، فكيف استدل به الإمام البخاري على جواز صلاة من صلَّى وقدامه تنور، فالأوجه عندي في الجواب ما بدأ به الكرماني كلامه وهو التفرقة بين التماثيل وغيرها، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" في باب الصلاة في البيعة.
(٥٢ - باب كراهية الصلاة في المقابر)
قال الحافظ (٢): كأن المصنف أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، واستنبط من قوله في الحديث: "ولا تتخذوها قبورًا" إن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة، انتهى.
قلت: واختلفوا في جواز الصلاة في المقبرة، فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء أم لا؟ ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، وفرق الشافعي بين المنبوشة
стр. 732
وغيرها، ولم ير مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وحكي عنه كراهة الصلاة في المقبرة كقول الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (١).
(٥٣ - باب الصلاة في مواضع الخسف)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: إنها جائزة مع كراهة، وذلك لما فيها من الاستقرار والتمكن في تلك الأمكنة، وقد أمرنا أن لا نقر فيها، انتهى.
قلت: ولعله تقوية لما في "أبي داود" عن علي ﵁: نهاني أن أصلي في أرض بابل، قال السندي (٣) ما حاصله: وجه الاستدلال بأن دخولهم فيها مقيدة بالبكاء، والصلاة على هذه الصفة متعسرة عادة بل ربما يخل بالقراءة وغيرها، وأيضًا البكاء بالتفكر في حال المعذبين يمنع التفكر في أمور الصلاة فينبغي أن تكره الصلاة في هذا المكان، انتهى.
قال الموفق (٤): قال أحمد: أكره الصلاة في أرض الخسف؛ لأنها موضع مسخوط عليه، انتهى.
وفي "الطحطاوي (٥) على المراقي": ومنها كل محل حل به غضب كأرض ثمود وبابل وديار قوم لوط، انتهى.
وبسط الكلام في هامش "اللامع" على شرح هذا الباب.
стр. 733
(٥٤ - باب الصلاة في البيعة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعل المراد بذلك أنها جائزة فيها بدون كراهة إذا لم تكن فيها معصية؛ كالإشراك بالله والتصاوير والقبور وغير ذلك وجائزة مع كراهة إن كان فيها شيء من هذه الأمور، ومطابقة الآثار والروايات بهذا المعنى واضحة، فإن وجود التصاوير ووضعها فيه صار سببًا للعن أولئك، ثم يصير سببًا لمن شاركهم في العبادة ثمة، وإن كانت اللعنة الواردة على الصانعين أوفر منها على العابدين هناك من المسلمين، انتهى.
واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس، قال الطحطاوي (٢): تكره الصلاة في سائر محال الشياطين إلى أن قال: وبهذا يعلم كراهة الصلاة في البيع والكنائس لما فيها من التماثيل، فتكون مأوى الشياطين، انتهى.
وظاهر كلام الشامي (٣): أن الكراهة عامة وإن لم تكن فيها تماثيل، وقال الموفق (٤): ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، رخص فيها الحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، وكره ابن عباس ومالك الكنائس من أجل الصور، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" (٥)، وذكره فيه تحت هذا الباب عدة أبحاث فارجع إليه لو شئت.
(٥٥ - باب)
بلا ترجمة، قال الحافظ (٦): كذا في أكثر الروايات بغير ترجمة، وقد سقط من بعض الروايات، وقد قررنا أن ذلك كالفصل من الباب، فله تعلق بالباب الذي قبله، والجامع بينهما الزجز عن اتخاذ القبور مساجد،
стр. 734
وكأنه أراد أن يبيِّن أن فعل ذلك مذموم سواء كان مع تصوير أم لا؟ انتهى.
وبهذا جزم العيني، وعلى هذا فكان غرض الترجمة السابقة الكراهة لأجل الصور خاصة، وأشار بهذا إلى التعميم.
والأوجه عندي: أن الباب السابق لما كان مختصًا بالبيعة وهي معبد النصارى أراد بذلك إدخال معبد اليهود فيما سبق كما يشير إليه الروايتان الواردتان في الباب، ولعل وجه حذف الترجمة عدم كون الروايتين نصًا فيه، والله أعلم، ورقم في "تراجم شيخ الهند" قُدَّس سرُّه على هذا الباب النقطتين وهو إشارة إلى أن الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق كما تقدم في الجزء الأول.
(٥٦ - باب قول النبي ﷺ : جعلت لي الأرض. . .) إلخ
قال الحافظ (١): وإيراده ههنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدًا" أي: كل جزء منها يصلح أن يكون مكانًا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة، ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم، وعموم حديث جابر مخصوص بها، والأول أولى، انتهى.
(٥٧ - باب نوم المرأة في المسجد)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: هو جائز وإن كان احتمال ورود الطمث، لكن المذهب أن المرأة إذا حاضت في المسجد خرجت ولا يحرم عليها النوم ابتداء، انتهى.
قلت: الأوجه عندي: أنه ﵁ مال إلى جواز النوم في المسجد وأفرد
стр. 735
ذكر المرأة وقدمه لما فيها من احتمال كشف العورة والطمث، فكان أبعد عن الجواز فأثبت جوازه بالحديث.
قال القسطلاني بعد ذكر الحديث (١): وفيه يبيت من لا مسكن له في المسجد سواء كان رجلًا أو امرأة عند أمن الفتنة، وفي "الشرح الكبير" للدردير: وجاز بمسجد سكنى لرجل لا لمرأة، فيحرم عليها أو يكره ولو تجردت للعبادة؛ لأنها قد تحيض، وقد يلتذ بها أحد من أهل المسجد فتنقلب العبادة معصية، وظاهره الحرمة، ولو كانت عجوزًا لا أرب للرجال فيها؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة، انتهى.
(٥٨ - باب نوم الرجال في المسجد)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: هو جائز مع احتمال الاحتلام، انتهى.
قلت: وقد ورد في "كنز العمال" برواية عبد عن جابر: "قوموا لا ترقدوا في المسجد"، وفي أخرى: ضربنا بعسيب كان في يده، وقال: قوموا لا ترقدوا في المسجد، فلعل البخاري أشار إلى الجواز بروايات الباب، والمسألة خلافية ففي هامش "الهندية" (٣) والجواز قول الجمهور، وروي عن ابن عباس ﵄ كراهيته إلا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا له مسكن فيباح، كذا في "الفتح" (٤)، انتهى.
وفي "العيني" (٥): وبقول مالك: قال أحمد.
قلت: قد بوَّب الإمام الترمذي أيضًا بهذه الترجمة.
стр. 736
قال الشيخ في "الكوكب" (١): هذا ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى التحرز عنه إلا إذا اضطر إليه إلى آخر ما بسطه.
وفي هامشه: فقد عد صاحب "الدر المختار" فيما يكره في المسجد النوم لغير المعتكف، انتهى.
(٥٩ - باب الصلاة إذا قدم من سفر)
غرضه ظاهر، وهو التنبيه على هذا الأدب الذي كان معروفًا من عادته الشريفة ﷺ ليزوره الناس الذين يسمعون قدومه ﷺ ويسرعون إلى زيارته ﷺ كما يشير إليه لفظ البخاري في غزوة تبوك ولفظه: كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس الحديث، وتعلقه بالمسجد ظاهر.
قال العيني (٢): وغالب الأبواب في هذا الموضع فيما يتعلق بالمساجد فلا يحتاج إلى زيادة طلب وجوه المناسبات فيها، انتهى.
وقد أعاد المصنف هذا الباب في "كتاب الجهاد" لمناسبة السفر.
(٦٠ - باب إذا دخل أحدكم المسجد. . .) إلخ
فيه خمسة أبحاث:
الأول: في حكم هذه الصلاة فهي سُنَّة أو مستحبة عند الأئمة الأربعة خلافًا للظاهرية إذ أوجبوها.
الثاني: هل تختص بمن أراد الجلوس أو تعم الكل سواء يريد الجلوس أو يدخل مجتازًا؟ بالأول قال مالك، وبالثاني قالت الجمهور.
الثالث: هل تفوت بالجلوس أم لا؟ فيفوت بالجلوس عمدًا
стр. 737
وبالجلوس الطويل ساهيًا عند الشافعي وأحمد، ولا تفوت مطلقًا عندنا الحنيفة والمالكية.
الرابع: أقلها ركعتان عند الأئمة الأربعة لا تجزئ بالأقل منهما مع صحة التطوع بركعة واحدة عند الشافعي وأحمد.
الخامس: هل تجوز في الأوقات المكروهة أم لا؟ فبالأول قال الشافعي، وبالثاني قالت الأئمة الثلاثة إلا أن الإمام أحمد خص من ذلك الداخل عند الخطبة ففي ذلك خاصة هو مع الإمام الشافعي، كما بسطت هذه المباحث كلها في "الأوجز" (١)، انتهى من هامش "اللامع" (٢)، فكأن الإمام البخاري أشار إلى الكل بلفظ الترجمة.
(٦١ - باب الحدث في المسجد)
قال الحافظ (٣): أشار البخاري إلى الرد على من منع للمحدث دخول المسجد وجعله كالجنب، انتهى.
قلت: لو كان ذاك الغرض لبوب بالمحدث في المسجد، ويمكن أن يكون المقصود جواز الحدث وهو ثابت بالحديث، أو كراهته للحرمان عن دعاء الملائكة، وهذان الوجهان أظهر عندي، وهل يجوز إخراج الريح في المسجد؟ اختلفوا فيه، ففي "الأوجز" (٤): قال النووي في "شرح المهذب": لا يحرم للإنسان أن يخرج الريح من دبره فيه، وقال السروجي: وهذا عندنا مكروه، انتهى.
قال الدردير: منع إخراج ريح في المسجد لحرمته، وإن لم يكن به أحد، انتهى.
стр. 738
وقال ابن عابدين (١): لا يخرج فيه الريح، واختلف فيه السلف، فقيل: لا بأس به، وقيل: يخرج إذا احتاج إليه، وهو الأصح، انتهى.
(٦٢ - باب بنيان المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أشار بإيراد الآثار والرواية المخالفة لها بحسب الظاهر إلى أن تنقيش المسجد وتجصيصها يكره إذا كان فخرًا ورياء وسببًا للهو المصلين واشتغال بالهم كما هو مقتضى الآثار، ولا كراهة فيه إذا لم تكن لأجل ذلك كما هو محمل صنيع سيدنا عثمان ﵁، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه والإيرادات والأجوبة عنها في تشييد المساجد وعدمه فارجع إليه لو شئت التفصيل.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الترجمة أمران:
الأول: الاهتمام لبنائه حتى أنه ﵊ قدم تعميره في أول دخوله المدينة على كل الأبنية، وقد ورد الأمر ببنائه في الدور عند أبي داود كما تقدم في "باب المساجد في البيوت".
والأمر الثاني: التوقي عن التزخرف في بنائه، وعلى هذا لا تكرار بما سيأتي من "باب من بنى مسجدًا. . ." إلخ.
وحمل الحافظ هذا الباب على بناء المسجد النبوي خاصة، والباب الآتي على الفضل في بنائه، وعلى هذا يشكل أثرا أنس وابن عباس في هذا الباب، اللهم إلا أن يقال: ذكرهما استطرادًا وتنبيهًا على الاحتراز والتوقي عن التزخرف، ووافق الحافظ العلامة العيني في غرض الترجمة، وسكت عن وجه مطابقة هذين الأثرين، وقال في غيرهما: مناسبته بالترجمة ظاهرة.
стр. 739
(٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أشار بذكر الآية في الترجمة إلى أن تعمير المشركين غير مقبول إذا كان مبنيًا على صفة الإشراك وهو كونه تعظيمًا لآلهتهم أو فخرًا أو رياءً وسمعةً، فكذلك من فعل المسلمين مثل فعلهم بأن طلب في تعمير المسجد ومعاونته صيتًا ومباهاة كان غير مقبول منه، فأما إذا عاون في تعميره لله تعالى فإنه لا ضير فيه، ولو كان المعمر مشركًا، ويدل عليه تقرير النبي ﷺ مسلمي أمته على الصلاة في الحرم، وكان من بناء المشركين، فافهم، انتهى.
وفي هامشه: سكتوا عن غرض المصنف بالترجمة إلا ما قال العيني (٢): أشار بهذا إلى أن في ذلك أجرًا، ومن زاد في عمله في ذلك زاد في أجره، انتهى.
وهذا ظاهر لكنه ليس فيه شيء يليق بشأن تراجم البخاري، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أمرين:
الأول: أنه ينبغي التعاون في بنائه للمصلين فيه كلهم؛ لأن بنائه حق مشترك عليهم أجمعين لا على المتولي فقط.
والثاني: دفع ما يتوهم من قصة بنائه ﷺ مسجده الشريف إذ ساوم بني النجار أرض المسجد، وقالوا: لا نطلب ثمنه فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله إلا بالثمن، وهذا يوهم عدم جواز التعاون في بنائه فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.
وأما ذكر الآية فلعله إشارة إلى الاحتراز عن أموالهم، وقد ورد في أبي داود مرفوعًا (٣): "نهيت عن زبد المشركين".
قوله: (يدعونه إلى النار) أجاد الشيخ في "اللامع" (٤) توجيهه
стр. 740
وحاصله: أن فعلهم موجب له وإن ارتفع لأجل الاجتهاد؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨]، وبسط في هامشه الكلام أشد البسط.
قلت: وقوله: "تقتله الفئة الباغية" قال صاحب "تاريخ الخميس" عن "خلاصة الوفاء": أن عمرو بن العاص ﵁ كان وزير معاوية ﵁، فلما قتل عمار ﵁ أمسك عن القتال، وتابعه على ذلك خلق كثير، فقال له معاوية: لم لا تقاتل؟ قال: قتلنا هذا الرجل، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية"، قال له معاوية: أسكت أنحن قتلناه؟ وإنما قتله علي ﵁ وأصحابه، وفي رواية قال: قتله من أرسله إلينا يقاتلنا فبلغ ذلك عليًّا فقال: إن كنت أنا قتلته فالنبي ﷺ قتل حمزة ﵁ حين أرسله إلى قتال الكفار، انتهى مختصرًا.
(٦٤ - باب الاستعانة بالنجار والصناع. . .) إلخ
قال الحافظ (١): الصناع - بضم المهملة - جمع صانع، وذكره بعد النجار من العام بعد الخاص، وحديث الباب يتعلق بالنجار فقط، ومنه تؤخذ مشروعية الاستعانة بغيره من الصنَّاع لعدم الفرق، وكأنه أشار بذلك إلى حديث طلق بن علي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ فكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسًا وأشدكم له سبكًا"، رواه أحمد (٢)، انتهى.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى رد ما ورد في "كنز العمال" (٣): "جنبوا صناعكم مساجدكم".
стр. 741
(٦٥ - باب من بنى مسجدًا)
قال الحافظ (١): أي: ما له من الفضل، انتهى.
وتقدم ما يتعلق بهذا الباب في باب بنيان المسجد ويورد على حديث الباب من قوله: "بنى الله له مثله الحسنة بعشر أمثالها" وجمع بوجوه:
الأول: أنه قبل نزول الآية.
الثاني: أنه لا ينفي الزيادة.
الثالث: أن المقصود منه بيان المماثلة فقط.
الرابع: بأن المثلية باعتبار الكمية والعشرة من حيث الكيفية.
الخامس: بأنه محمول على العدل والآية من قبيل الفضل.
وغير ذلك من الأقاويل كما بسط في هامش "اللامع" (٢).
(٦٦ - باب يأخذ بنصول النبل. . .) إلخ
غرض الترجمة ظاهر، وهو الأدب والتنبيه على الأخذ بالنصول لئلا يجرح أحدًا يمسه كما نبَّه عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في الترجمة الآتية، فعلى رأي الشيخ هذه الترجمة توطئة للترجمة الآتية، وهو الأوجه عندي.
(٦٧ - باب المرور في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لعل المراد بذلك أن المرور في المسجد جائز إذا لم يكن منجرًا إلى مفسدة كالإضرار بالمسلمين وتلويث المسجد إذا اعتاد الناس ذلك، ويمكن أن يكون ذلك إثباتًا لما ذهب إليه الشافعي من جواز دخول الجنب في المسجد على جهة المرور، ووجه الاستدلال إطلاق اللفظ وهو يعم الجنب وغيره.
стр. 742
والجواب: أنه لم يقيِّد ههنا لكونه معلومًا إذ من المعلوم أن المتعفن بأكل الثوم أو الذي يسيل دمه لا يجوز لهما دخوله، لما فيه من تلويت المسجد مع أن اللفظ بإطلاقه شامل لهما، فالحق أن الحكم على الشيء بالجواز وعدمه كثيرًا ما يبتني على النظر إليه في نفسه، ولا ينظر إلى ما يعتريه من عارض مثبت خلاف هذا الحكم كما في كثير من المباحاث المحرمة لأجل عارض، انتهى.
وفي هامشه: اختلف في غرض المصنف بالترجمة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا سيما أول الاحتمالين من كلامه أوجه عندي مما قالته الشرَّاح في غرض الترجمة.
قال العيني (١): أي: هذا باب في بيان جواز المرور بالنبل في المسجد إذا أمسك نصاله، وفي هذه الترجمة نوع قصور على ما لا يخفي، انتهى.
وتبعه القسطلاني ولم يذكر الإيراد بنوع قصور، والمراد بالقصور أنه لم يذكر في الترجمة إمساك النصل، والإيراد عندي ساقط نشأ بالغرض الذي اختار العلامة العيني، وعلى هذا يلزم تكرار الترجمة بما سبق، فالوجه عندي في غرض الترجمة ما تقدم في كلام الشيخ من أول الاحتمالين، فإن الحديث السابق لما كان يثبت منه جواز المرور أثبته الإمام البخاري مستقلًا لكون المسألة خلافيةً، فإن يكره عندنا الحنفية أن يتخذ المسجد طريقًا، قال صاحب (٢) "الدر المختار": وكره تحريمًا اتخاذه طريقًا لغير عذر، وصرح في "القنية" بفسقه باعتياده، قال ابن عابدين: وفي التعبير باتخاذ إيماء إلى أنه لا يفسق بمرة أو مرتين، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
стр. 743
ثم لا يشكل عليك التكرار بما سيأتي من باب الخوخة والممر في المسجد؛ فإن للتوجيه مساغًا كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.
(٦٨ - باب الشعر في المسجد)
وقد ورد النهي عنه في عدة أحاديث كما في رواية أبي داود والترمذي، ولعل الغرض أنه جائز عند الضرورة.
قال العيني (١): مراد البخاري الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، وذكره الحافظ بقوله: "يحتمل"، وحديث الباب سيأتي في كتاب بدء الخلق، وفيه التصريح أنه كان في المسجد وبه تحصل المطابقة.
(٦٩ - باب أصحاب الحراب في المسجد)
الحراب - بكسر الحاء المهملة - جمع حربة - بفتحها - قاله القسطلاني (٢).
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن أمثال هذه المباحات التي تجري فيها نيَّة العبادة لا ضير في إتيان شيء منها في المساجد بعد ما لم تكن عادةً للعامة ولا مضرًا بالمسلمين أو متضمنًا لمفسدة أخرى، انتهى.
وفي هامشه عن تقرير المكي: هذا كان بقصد الجهاد ولم يكن في المسجد غيرهم، وأما الأمر بإمساك النصال فذلك حين اجتماع الناس والمصلين مخافة الأذية إليهم، وللإشارة إلى هذا اتصل البابين، انتهى.
ويظهر من كلام الحافظ غرض الترجمة أنهم لا يؤمرون بأخذ النصول كما تقدم؛ لأنهم حينئذ في شغل، والجرح في المرور أقرب من ههنا؛ لأنه قد يقع الجرح في المرور بغتة، انتهى.
стр. 744
(٧٠ - باب ذكر البيع والشراء)
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): غرضه إثبات جواز التكلم بالإيجاب والقبول للبيع في المسجد بلا إحضار المبيع فيه لكونه مثل التكلم كسائر الكلمات المباحة في المسجد، لكن في دلالة الحديث المخرج في الباب على ذلك نوع خفاء؛ لأنه ﷺ ذكر البيع والشراء في المسجد لإفادة حكم شرعي، فهي إفادة علمية ليست مما نحن فيه، لكن خصَّ المؤلف نظرًا إلى مجرد ذكر البيع والشراء جاء منه ﷺ ، والإيجاب والقبول بلا إحضار المبيع ليس إلا ذكر البيع والشراء فيجوز وإن كان هذا من وجه وهذا من وجه آخر، ومثل هذه الاستدلالات كثير في "البخاري"، انتهى.
قلت: وهذا هو الاستدلال بالعموم وهو الأصل الخمسون من أصول التراجم.
قال الحافظ (٢): مطابقة الحديث للترجمة بقوله: "ما بال أقوام يشترطون" فإن فيه إشارة إلى القصة المذكورة، وقد اشتملت على بيع وشراء وعتق وولاء، وَهمَ بعض من تكلم على هذا الكتاب فقال: ليس فيه أن البيع والشراء وقعا في المسجد ظنًا منه أن الترجمة معقودة لبيان جواز ذلك، وليس كما ظن للفرق بين جريان ذكر الشيء والإخبار عن حكمه فإن ذلك حق وخير، وبين مباشرة العقد، فإن ذلك يفضي إلى اللغط المنهي عنه، انتهى.
فقد ورد النهي عن مباشرة العقد في كثير من الروايات، ففي رواية عند أبي داود (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد" الحديث.
قال السندي (٤): قوله: "باب ذكر البيع" أي: ذكر مسائله نبَّه على أن
стр. 745
ما ورد النهي عنه هو فعل البيع والشراء في المسجد، وأما ذكرهما وذكر ما يتعلق بهما من العلم فليس بمنهي عنه، انتهى.
قوله: (ذكرته ذلك) قال السندي (١): المشهور على الألسنة بالتشديد كأنه بناء على ما زعموا من كونه متعديًا إلى مفعولين، والمخفف لا يتعدي إليهما فجعلوه مشددًا، لكن مقتضى المشدد أنه ﷺ كان عالمًا بالأمر قبل؛ إلا أنه نسيه أو غفل عنه فذكرته عائشة الأمر، وهذا لا معنى له ههنا، فالوجه أن يقرأ مخففًا، والحمل على الحذف والإيصال، أي: ذكرت له ذلك أو على أن ذلك بدل من الضمير والجار والمجرور محذوف، أي: له، وهذا هو الموافق للروايات، انتهى.
وهو الأوجه عندي وبسطوا في الكلام عليه لا سيما القسطلاني إذ جمع كلام الحافظ والعيني وغيرهما.
(٧١ - باب التقاضي والملازمة في المسجد)
قال العيني (٢): وجه مطابقة الحديث بالترجمة في التقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة فبوجهين، أحدهما: أن كعبًا لما طالب بدينه في المسجد لازم ابن أبي حدرد إلى أن خرج النبي ﷺ وفصل بينهما، وثانيهما: أن هذا الحديث يأتي في "باب الصلح" وفي "باب الملازمة"، وفيه تصريح الملازمة، انتهى مختصرًا.
قلت: قد ورد كما في "الكنز": "جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم" الحديث، فلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى جواز شيء من ذلك إذا لم يتفاحش، والله تعالى أعلم، وسيأتي في "كتاب الخصومات" "باب في الملازمة" و"باب التقاضي"، ولا يشكل التكرار؛ فإن المؤلف ذكرهما من حيث أحكام المساجد وفيما يأتي لكونهما من باب الخصومة.
стр. 746
(٧٢ - باب كنس المسجد)
أشار الإمام البخاري بذلك كله إلى ما ورد في بعض طرق الحديث صريحًا عند البيهقي وابن خزيمة فثبت كل أجزاء الترجمة كما ذكره الحافظ (١) والعيني (٢).
ولعل الغرض أن ما في أبي داود مرفوعًا أن الحصاة للتنائد الذي يخرجها من المسجد مقيَّد بعدم الضرورة، ولا يدخل فيه الكناسة.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣) تحت لفظ الحديث: "فأتى قبره فصلى. . ." إلخ، فيه فضيلة هذا الفعل الذي أوجب له هذا الاعتناء من النبي ﷺ ولهذا التنبيه عقد الباب، انتهى.
يعني: غرض الترجمة التنبيه على فضل كنس المسجد حتى لا يعد فعلًا حقيرًا لحقارة هذا الفعل في أعين الناس، وبه جزم ابن بطال، والبسط في هامش "اللامع".
(٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك: أن تسمية مثل هذه الأشياء المستقذرة المحرمة؛ كالخمر والخنزير في المسجد لا بأس بها إذا كان مبنيًّا على غرض صحيح من بيان المسألة وغيره، انتهى. وهذا ظاهر وبه جزم عامة الشرَّاح.
وقوله: (ثم حرم تجارة الخمر)، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): لما كان حرمة الربا لكونه عقدًا متضمنًا لمفسدة ووجد النبي ﷺ تجارة الخمر مشاركة للربا فيه عقب لذلك قراءة الآيات المذكورة بتحريم تجارة الخمر، انتهى مختصرًا.
стр. 747
قال عياض: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الربا لمدة طويلة، فيحتمل أنه ﷺ أخبر بتحريمها مرة بعد أخرى تأكيدًا ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم تجارة الخمر فيها قبل ذلك، كذا في هامش "اللامع" عن الكرماني.
قال الحافظ (١): ويحتمل أن يكون تحريم التجارة فيها تأخر عن وقت تحريم عينها، انتهى.
قلت: وظاهر لفظ الترجمة يشير إليه.
(٧٤ - باب الخدم للمسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن للمتولي وغيره أن يجعل للمسجد خادمًا يقوم عليه سواء كان بشرائه من مال المسجد إذا افتقر إليه أو من مال نفسه أو بالاستئجار، أو أن يخدم المسجد أحد احتسابًا على الله ﵎، فإن كل ذلك جائز لا ضير فيه، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ في استنباط المسألة الجديرة بشأن تراجم البخاري، وهذا أجود مما ذهبت إليه الشرَّاح في غرض الترجمة.
قال الحافظ (٣): كأن غرض البخاري بإيراد أثر ابن عباس ﵄ إشارة إلى أن تعظيم المسجد بالخدمة كان مشروعًا عند الأمم السابقة حتى إن بعضهم وقع منه نذر ولده لخدمته، ومناسبة الحديث بالباب من جهة صحة تبرع تلك المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النبي ﷺ ، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "محررًا"، أي: خادمًا، ثم الولد لا تجب عليه الخدمة بما قال أبوه، بل هو مختار فيه في شريعتنا، وكان وجوبها عليه في شريعة من قبلنا، وجعل الرجل نفسه أو ابنه أو عبده
стр. 748
أو أجيره خادم المسجد جائز مستحسن، لكن الأجير لا يثاب بخدمة المسجد، بل ينتقل ثوابه إلى المستأجر، والعبادة إذا كانت فرض عين أو فرض كفاية كالإمامة أو تعليم القرآن لا يجوز أخذ الأجرة به بل يحرم، لكن المتأخرين أفتوا الآن على جوازه، وإذا كانت مستحبةً يجوز أخذ الأجرة بها، لكنه ينتقل ثوابه إلى المستأجر، انتهى.
(٧٥ - باب الأسير أو الغريم. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): دلالة حديث الباب على جواز ذلك ظاهر، والحديث الذي في الباب الثاني لهذا الباب أظهر في ذلك، ولهذا ينبغي أن يقال: إنه باب في باب، وبهذا ينحل ما يشكل في عقد المؤلف ذلك الباب بباب الاغتسال إذا أسلم إنه يناسب إيراده في "كتاب الغسل" لا ههنا، فتأمل، انتهى.
وقال العيني (٢): الأسير ظاهر، وأما الغريم فبالقياس؛ لأنه كالأسير في يد صاحب الدين، انتهى.
(٧٦ - باب الاغتسال إذا أسلم. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): هذا من الأبواب التي زادها تنبيهًا على أن الحديث الآتي من الباب المتقدم يتضمن مسألة أخرى وراء ما ذكر في الترجمة السابقة؛ إلا أنه نبَّه أيضًا على الترجمة المتقدمة بإعادتها، ونبّه بكلمة "أيضًا" على أن الحكم وإن كان يثبت بالحديث السابق أيضًا قياسًا على العفريت؛ إلا أنا نذكر ما يمكن الاستدلال صراحة على ربط الأسير في المسجد، وإنما كان الاغتسال للإسلام من أبواب المسجد حيث أورده في أبوابه بناء على أن دخوله الآن فيه إنما كان لقبول الإسلام، فاستحب الغسل لدخول المسجد للإسلام، انتهى.
стр. 749
فهذا الباب من الأصل السادس من أصول التراجم كما تقدم في كلام شيخ المشايخ، وهذا على النسخ التي بأيدينا.
قال الحافظ (١): كذا في أكثر الروايات، وسقط للأصيلي وكريمة قوله: وربط الأسير إلى آخره، وعند بعضهم "باب" بلا ترجمة، وكأنه فصل من الباب الذي قبله، ويحتمل أن يكون بيّض للترجمة فسد بعضهم البياض إلى آخر ما قال.
والأوجه عندي: نسخة "باب الاغتسال إذا أسلم"؛ لأنها مسألة مهمة مختلفة بين الأئمة، فكانت جديرة أن ينبه عليها الإمام البخاري، ولا يورد أن حقها كان كتاب الطهارة لا تعلق له بأبواب المساجد، إما لما ذكره الشيخ من وجه المناسبة، أو لأن الإمام البخاري لم يذكرها إصالة حتى يحتاج إلى المناسبة، بل ذكرها بابًا في باب للتنبيه على فائدة جليلة تبعًا لكون المسألة خلافية شهيرة.
وحاصل مذاهب الأئمة: أن الغسل يجب على الكافر إذا أسلم مطلقًا عند الإمام أحمد خلافًا للائمة الثلاثة، إذ أوجبوا الغسل بعد إسلامه حين ما وجد منه في زمن كفر ما يوجب الغسل، فإن وجد شيء منه ثم اغتسل حال كفره يكفي عند الحنفية؛ لأن النية ليست بشرط عندهم، ولا يكفي عند الشافعي مطلقًا، وأما عند مالك فيكفي الغسل إذا اغتسل بعد الإجماع بقلبه وإن لم يسلم بلسانه، فإذا وضح ذلك فالظاهر عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى هذا الاختلاف، ولقوة الخلاف لم يحكم في الترجمة بشيء كما هو معروف من دأبه، وهو الأصل الخامس والثلاثون من أصول التراجم، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
стр. 750
(٧٧ - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم)
قال الحافظ (١): أي: جوازه.
قوله: (فإذا سعد يغزو) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لم يكن دمه سائلًا حين ضربت له خيمة وإلا لما خيموا له في المسجد لتلويثه، بل كان دمه منقطعًا فسال مرة، ولا يبعد أن يكون المسجد المذكور ههنا الموضع المعد للصلاة عند حفر الخندق لا المسجد النبوي ولا المسجد الاصطلاحي، انتهى.
(٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أي: هو جائز إذا وجد سبب داع إليه، وركوبه ﷺ في الطواف كان في عمرة القضاء، وسجب ذلك خوفه ﵇ من المشركين أن يكيدوا كيدًا ولم يتمكنوا منه بسبب ركوبه ﵊، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك: أنهم ينهون عنه لما فيه من احتمال تلويث المسجد، فإذا احتيج إلى إدخال شيء من الدواب فيه أو حصل الأمن من بوله وروثه لكونه مدربًا فلا بأس، انتهى.
وأشار الشيخ بذلك إلى أن لفظ العلة في الترجمة معناه الحاجة.
قال الحافظ (٥): قوله: للعلة، أي: للحاجة، وفهم منه بعضهم أن المراد بالعلة الضعف، فقال: هو ظاهر في حديث أم سلمة دون ابن عباس، ويحتمل أن يكون المصنف أشار بالتعليق المذكور إلى ما أخرجه أبو داود من حديثه: "أن النبي ﷺ قدم مكة وهو يشتكي" (٦) الحديث، انتهى.
стр. 751
قال العيني (١) بعد ذكر ما ذكره الحافظ: ومع هذا كله تقييد العلة بالضعف لا وجه له؛ لأنا قلنا: إنها أعم، فتناول الضعف، وأن يكون طوافه على بعيره ليراه الناس، كما جاء عن جابر: أنه إنما طاف على بعيره ليراه الناس وليسألوه فإن الناس غشوه، انتهى من هامش "اللامع".
(٧٩ - باب)
بغير ترجمة، في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): هذا الباب وقع بلا ترجمة، ومناسبة حديثه مع الأبواب السابقة باعتبار أن خروج الرجلين من الصحابة كان بعد تحدثهما عن النبي ﷺ ليلًا في المسجد، فيستنبط منه جواز التكلم والتحدث في المسجد، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ربما يخفى مناسبة الباب، والجواب: أن. . .، انتهى. وفي هامشه: أراد الشيخ بيان غرض الباب ولم يتفق له لعارض فترك البياض بعد قوله: والجواب: أن. . .، وأفاد والدي المرحوم عند الدرس أن رأس عصا كل واحد منهما كان شبيهًا برأس البعير، فلذلك ألحقه الإمام البخاري بـ "باب إدخال البعير"، وهذا توجيه لطيف، لكني لم أر بعد في شيء من الكتب إنهما كانا شبيهين برأس البعير، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قد خلق بقدرة الله تعالى في رأس عصا أحدهما نور مثل المصباح يمشيان بضوئه، فلما افترقا خلق في رأس عصا الآخر أيضًا مصباح، فثبت منه جواز إخراج المصباح من المسجد للظلمة؛ كإدخال البعير فيه، وفي تقريره الآخر: وجه المناسبة أن الطواف في المسجد عبادة فأعطي ببركته البعير لعذر المرض ليسهل له المرور في المسجد، فكذلك
стр. 752
الخروج من المسجد بعد انتظار الصلاة، والتأخر عنده ﵊ عبادة ومرور في المسجد، فأعطي ببركته النور لعذر الظلمة فكما أعطي في الأول لبركة العبادة البعير أعطي في الثاني النور، انتهى.
وبسط الكلام على وجوه المناسبة في هامش "اللامع" (١)، وفي آخره: وعلم من هذا كله كما يظهر من أقوالهم أنهم اختلفوا في وجه المناسبة على أحد عشر قولًا:
الأول: توجيه الوالد قُدَّس سرُّه.
الثاني والثالث: ما تقدم آنفًا عن تقرير المكي.
الرابع: أن لا مناسبة بالباب السابق بل بأبواب المساجد مطلقًا، وكأنه أشار إلى قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ الآية [النور: ٤٠].
الخامس: الإشارة إلى أن من يسبح لله تعالى في المسجد جعل الله له نورًا من بين يديه.
السادس: أشار إلى حديث أبي داود وغيره: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" وهو مختار الحافظ.
السابع: إشارة إلى قوله عزَّ اسمه: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الحديد: ١٢].
الثامن: بيان لفضيلة الانتظار لصلاة العشاء.
التاسع: بياض في الأصل، كأن البخاري أراد وضع ترجمة لكن لم يتفق له.
العاشر: بيان الفضيلة لمجرد القعود في المسجد.
الحادي عشر: جواز التحدث في المسجد، انتهى.
ورقم على هذا الباب شيخ الهند رمز نقطة واحدة وهو إشارة إلى أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
стр. 753
(٨٠ - الخوخة والممر في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك جواز المرور فيه عند عدم مانع من الجنابة وغيرها، وجه الاستدلال ما كانت عليه أصحاب الخوخات من المرور فيه، ولم يكن الأمر بسد الخوخات نسخًا لجواز المرور وإلا لما خصص عنه أبو بكر لكونه أحدًا من أفراد الأمة، بل ليعلم بذلك مزيد اختصاص له بالإمامة الصغرى، فيكون إشارة إلى الإمامة الكبرى مع ما يظهر له في ذلك من زيادة شرف ومنقبة، انتهى.
والظاهر عندي: أن الممر اسم ظرف عطف تفسير للخوخة فإنها قد تكون صغيرة جدًا تكفي للوضوء، وقد تكون كبيرة يمر الناس منها، وعلى هذا فكأن الإمام البخاري أشار عندي بلفظ: الممر، إلى أن المراد بالخوخة المعنى الثاني، أي: الباب الصغير، وعلى هذا فلا يشكل على الإمام تكرار الترجمة فإنه تقدم قريبًا "باب المرور في المسجد"، فلو جعل الممر مصدرًا ميميًا كما عليه عامة الشرَّاح، وعليه بنى الشيخ تقريره يلزم تكرار الترجمة.
فالظاهر عندي ههنا جواز فتح الباب في المسجد عند الحاجة إليه كما يدل عليه الاستثناء لأبي بكر دفعًا لما يتوهم من نسخه.
قوله: (حدثنا محمد بن سنان. . .) الحديث، من منتقدات الدارقطني، والانتقاد عليه إنما هو بحذف الواو عن قوله: عن بسر، ويظهر من كلام الحافظ (٢): أن البخاري صرّح بتغليط حذف الواو، ولذا أورد الحافظ على الدارقطني انتقاده على البخاري، لكن الصحيح ههنا حذف الواو وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، إذ صرحوا أن محمد بن سنان رواه بحذف الواو، وليست الواو في نسخ الشروح والمصرية.
стр. 754
(٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أفاد بذلك دفع ما عسى أن يتوهم من كراهة غلق باب المسجد لكونه عائدًا على موضوعه بالنقض، إذ المسجد حق مشترك فيه، فلا يستبد به أحد منهم فيغلقه ويسده على غيره، فرد هذا التوهم بأن ذلك جائز إذا كان متضمنًا لفائدة من صون متاع المسجد وحفظ ما فيه من الأثاث، ودلالة الرواية والأثر على هذا المعنى ظاهرة، وكان مسجد ابن عباس هذا في الطائف بناء حين انتقل إليها، انتهى.
وفي هامشه: قوله: الغلق بالمعجمة واللام المفتوحتين المغلاق وهو ما يغلق به الباب، وفسَّره شيخ الإسلام بالقفل.
وفي "فيض الباري" (٢): الغلق ترجمته: روك يعني قفل، يا بلائ يا جتخنى، انتهى.
قال العيني (٣): أي: هذا باب في بيان اتخاذ الأبواب للكعبة ولغيرها من المساجد لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية، ولهذا قال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب، وعلل الوجوب بما ذكرنا، انتهى.
قلت: ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن ذلك لا يدخل في قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا﴾ الآية [البقرة: ١١٤]، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٤).
(٨٢ - باب دخول المشرك في المسجد)
قال العيني (٥): أي: هذا باب في بيان جوازه، وفيه خلاف، فعندنا
стр. 755
يجوز مطلقًا، وعند المالكية المنع مطلقًا، وعند الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، انتهى.
قلت: وفيه خلاف الإمام محمد كما بسطه الشامي، وعن أحمد فيه روايتان لا يجوز مطلقًا ويجوز بإذن الإمام، وأما الحرم فلا يجوز له الدخول بحال، كما في "المغني".
(٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد)
قال السندي (١): يحتمل أنه بذكره الحديثين أشار إلى تفصيل بأنه إن كان بلا ضرورة فلا يجوز، وإن كان بضرورة يجوز، أو إلى أنه ممنوع بضرورة أو بلا ضرورة، فلذلك بادر ﷺ إلى قطع الاختصام بينهما الموجب لرفع الصوت في المسجد قطعًا لرفع الصوت فيه، وصارت هذه المبادرة بمنزلة الإنكار على رفع الصوت، والله تعالى أعلم.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: هو مكروه، ولا ينبغي أن يقع من المتقي، انتهى.
وفي "الدر المختار": كراهة رفع الصوت بذكر إلا للمتفقه، انتهى.
وفي "البذل" (٣) في "باب كراهية إنشاد الضالة. . ." إلخ، حتى كره مالك البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره، ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): والحديث الأول من الباب بحسب الظاهر حديث موقوف، ومثل هذا عند المؤلف له حكم المرفوع ولما ذكر فيه لفظ مسجد رسول الله ﷺ ، وقد خالف مسلم في أمثال هذا الحديث
стр. 756
قريبًا من ثلاث مائة حديث، ولم يحكم برفع تلك الأحاديث، انتهى.
وقال الحافظ (١): قوله: "لأوجعتكما"، زاد الإسماعيلي "جلدًا" ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي، انتهى.
(٨٤ - باب الحلق والجلوس في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن ما ورد من النهي عن التحلق فإنما هو حيث يخل بأمر الصلاة ويشغلهم عنها، فأما إن كان الاجتماع لغيرها من استماع خطبة أو وعظ فلا ضير فيه كما تثبته الروايات، وإثبات الروايات إياه مبني على أن جلوسهم للوعظ إنما كان حلقًا لا صفوفًا، وذلك لما فيه من التوجه التام والإقبال البالغ إلى الواعظ فيكون أبلغ في العظة، مع أن فيه تقربًا إليه، وفي الاصطفاف يقتضي تقرب بعض دون بعض، وقد وقع التصريح أيضًا في الرواية الثالثة، فكان كالقرينة في جلوسهم لاستماع الخطبة في الروايتين المتقدمتين، انتهى.
قلت: وقد ورد النهي عن التحلق في عدة روايات، منها ما رواه مسلم (٣) عن جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: "ما لي أراكم عزين" الحديث، فلا معارضة، لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة، بخلاف تحلقهم حوله كما أفاده الشيخ، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٤): ثبت في الباب جواز الأمرين الاستلقاء
стр. 757
ووضع الرجل على الرجل الذي نهى عنه في حديث آخر، فإما أن يقال: إن هذا ناسخ للنهي، أو يقال: إن النهي محمول على ما إذا كان الإزار ضيِّقًا يخاف انكشاف العورة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك أن ما ورد من النهي عن الاستلقاء في المسجد فإنما هو معلول بكشف الستر، فإذا أمن منه فلا ضير فيه، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بقوله: ومد الرجل في الترجمة كما في نسخة إلى ما اختاره الشيخ في "البذل" (٢) أن وضع الرجل على الرجل وهو مستلق على نوعين: إما أن تكون الرجلان ممدودتين ومبسوطتين على الأرض، فيضع إحداهما على الأخرى، ففي هذه الصورة مأمون عن التكشف، وإما أن تكون إحدى الرجلين مقبوضة ويضع الرجل الأخرى على ركبة الرجل المقبوضة، فعلى هذا إذا كان لابسًا الإزار يحتمل أن تنكشف عورته، فالنهي محمول على هذه الهيئة، وأما إذا كان عليه سراويل، فلا يحتمل كشف العورة فيجوز، انتهى.
فالحاصل: أن الشرَّاح ذهبوا في ذلك إلى أقوال خمسة، الأول: أنه منسوخ، والثاني: أن النهي إذا خشي كشف العورة، والجواز عند الأمن منه، وهو مختار الحافظ، والثالث: أن النهي عند مجتمع الناس والجواز في الخلوة، والرابع: النهي عند ضيق الإزار والإباحة عند سعتها، وهو مختار شيخ المشايخ، والخامس: مختار شيخنا في "البذل" كما تقدم وهو مختار الإمام البخاري عند هذا الفقير، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بذلك إثبات أن المسجد حق العامة