(٨٠ - الخوخة والممر في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك جواز المرور فيه عند عدم مانع من الجنابة وغيرها، وجه الاستدلال ما كانت عليه أصحاب الخوخات من المرور فيه، ولم يكن الأمر بسد الخوخات نسخًا لجواز المرور وإلا لما خصص عنه أبو بكر لكونه أحدًا من أفراد الأمة، بل ليعلم بذلك مزيد اختصاص له بالإمامة الصغرى، فيكون إشارة إلى الإمامة الكبرى مع ما يظهر له في ذلك من زيادة شرف ومنقبة، انتهى.
والظاهر عندي: أن الممر اسم ظرف عطف تفسير للخوخة فإنها قد تكون صغيرة جدًا تكفي للوضوء، وقد تكون كبيرة يمر الناس منها، وعلى هذا فكأن الإمام البخاري أشار عندي بلفظ: الممر، إلى أن المراد بالخوخة المعنى الثاني، أي: الباب الصغير، وعلى هذا فلا يشكل على الإمام تكرار الترجمة فإنه تقدم قريبًا "باب المرور في المسجد"، فلو جعل الممر مصدرًا ميميًا كما عليه عامة الشرَّاح، وعليه بنى الشيخ تقريره يلزم تكرار الترجمة.
فالظاهر عندي ههنا جواز فتح الباب في المسجد عند الحاجة إليه كما يدل عليه الاستثناء لأبي بكر دفعًا لما يتوهم من نسخه.
قوله: (حدثنا محمد بن سنان. . .) الحديث، من منتقدات الدارقطني، والانتقاد عليه إنما هو بحذف الواو عن قوله: عن بسر، ويظهر من كلام الحافظ (٢): أن البخاري صرّح بتغليط حذف الواو، ولذا أورد الحافظ على الدارقطني انتقاده على البخاري، لكن الصحيح ههنا حذف الواو وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، إذ صرحوا أن محمد بن سنان رواه بحذف الواو، وليست الواو في نسخ الشروح والمصرية.
стр. 754
(٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أفاد بذلك دفع ما عسى أن يتوهم من كراهة غلق باب المسجد لكونه عائدًا على موضوعه بالنقض، إذ المسجد حق مشترك فيه، فلا يستبد به أحد منهم فيغلقه ويسده على غيره، فرد هذا التوهم بأن ذلك جائز إذا كان متضمنًا لفائدة من صون متاع المسجد وحفظ ما فيه من الأثاث، ودلالة الرواية والأثر على هذا المعنى ظاهرة، وكان مسجد ابن عباس هذا في الطائف بناء حين انتقل إليها، انتهى.
وفي هامشه: قوله: الغلق بالمعجمة واللام المفتوحتين المغلاق وهو ما يغلق به الباب، وفسَّره شيخ الإسلام بالقفل.
وفي "فيض الباري" (٢): الغلق ترجمته: روك يعني قفل، يا بلائ يا جتخنى، انتهى.
قال العيني (٣): أي: هذا باب في بيان اتخاذ الأبواب للكعبة ولغيرها من المساجد لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية، ولهذا قال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب، وعلل الوجوب بما ذكرنا، انتهى.
قلت: ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن ذلك لا يدخل في قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا﴾ الآية [البقرة: ١١٤]، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٤).
(٨٢ - باب دخول المشرك في المسجد)
قال العيني (٥): أي: هذا باب في بيان جوازه، وفيه خلاف، فعندنا
стр. 755
يجوز مطلقًا، وعند المالكية المنع مطلقًا، وعند الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، انتهى.
قلت: وفيه خلاف الإمام محمد كما بسطه الشامي، وعن أحمد فيه روايتان لا يجوز مطلقًا ويجوز بإذن الإمام، وأما الحرم فلا يجوز له الدخول بحال، كما في "المغني".
(٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد)
قال السندي (١): يحتمل أنه بذكره الحديثين أشار إلى تفصيل بأنه إن كان بلا ضرورة فلا يجوز، وإن كان بضرورة يجوز، أو إلى أنه ممنوع بضرورة أو بلا ضرورة، فلذلك بادر ﷺ إلى قطع الاختصام بينهما الموجب لرفع الصوت في المسجد قطعًا لرفع الصوت فيه، وصارت هذه المبادرة بمنزلة الإنكار على رفع الصوت، والله تعالى أعلم.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: هو مكروه، ولا ينبغي أن يقع من المتقي، انتهى.
وفي "الدر المختار": كراهة رفع الصوت بذكر إلا للمتفقه، انتهى.
وفي "البذل" (٣) في "باب كراهية إنشاد الضالة. . ." إلخ، حتى كره مالك البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره، ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): والحديث الأول من الباب بحسب الظاهر حديث موقوف، ومثل هذا عند المؤلف له حكم المرفوع ولما ذكر فيه لفظ مسجد رسول الله ﷺ ، وقد خالف مسلم في أمثال هذا الحديث
стр. 756
قريبًا من ثلاث مائة حديث، ولم يحكم برفع تلك الأحاديث، انتهى.
وقال الحافظ (١): قوله: "لأوجعتكما"، زاد الإسماعيلي "جلدًا" ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي، انتهى.
(٨٤ - باب الحلق والجلوس في المسجد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن ما ورد من النهي عن التحلق فإنما هو حيث يخل بأمر الصلاة ويشغلهم عنها، فأما إن كان الاجتماع لغيرها من استماع خطبة أو وعظ فلا ضير فيه كما تثبته الروايات، وإثبات الروايات إياه مبني على أن جلوسهم للوعظ إنما كان حلقًا لا صفوفًا، وذلك لما فيه من التوجه التام والإقبال البالغ إلى الواعظ فيكون أبلغ في العظة، مع أن فيه تقربًا إليه، وفي الاصطفاف يقتضي تقرب بعض دون بعض، وقد وقع التصريح أيضًا في الرواية الثالثة، فكان كالقرينة في جلوسهم لاستماع الخطبة في الروايتين المتقدمتين، انتهى.
قلت: وقد ورد النهي عن التحلق في عدة روايات، منها ما رواه مسلم (٣) عن جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: "ما لي أراكم عزين" الحديث، فلا معارضة، لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة، بخلاف تحلقهم حوله كما أفاده الشيخ، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٤): ثبت في الباب جواز الأمرين الاستلقاء
стр. 757
ووضع الرجل على الرجل الذي نهى عنه في حديث آخر، فإما أن يقال: إن هذا ناسخ للنهي، أو يقال: إن النهي محمول على ما إذا كان الإزار ضيِّقًا يخاف انكشاف العورة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك أن ما ورد من النهي عن الاستلقاء في المسجد فإنما هو معلول بكشف الستر، فإذا أمن منه فلا ضير فيه، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بقوله: ومد الرجل في الترجمة كما في نسخة إلى ما اختاره الشيخ في "البذل" (٢) أن وضع الرجل على الرجل وهو مستلق على نوعين: إما أن تكون الرجلان ممدودتين ومبسوطتين على الأرض، فيضع إحداهما على الأخرى، ففي هذه الصورة مأمون عن التكشف، وإما أن تكون إحدى الرجلين مقبوضة ويضع الرجل الأخرى على ركبة الرجل المقبوضة، فعلى هذا إذا كان لابسًا الإزار يحتمل أن تنكشف عورته، فالنهي محمول على هذه الهيئة، وأما إذا كان عليه سراويل، فلا يحتمل كشف العورة فيجوز، انتهى.
فالحاصل: أن الشرَّاح ذهبوا في ذلك إلى أقوال خمسة، الأول: أنه منسوخ، والثاني: أن النهي إذا خشي كشف العورة، والجواز عند الأمن منه، وهو مختار الحافظ، والثالث: أن النهي عند مجتمع الناس والجواز في الخلوة، والرابع: النهي عند ضيق الإزار والإباحة عند سعتها، وهو مختار شيخ المشايخ، والخامس: مختار شيخنا في "البذل" كما تقدم وهو مختار الإمام البخاري عند هذا الفقير، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بذلك إثبات أن المسجد حق العامة
стр. 758
كالطريق، فلكل منهم أن يجعل بعضه مسجدًا إذا لم يضر العامة إلا أنه يمكن لكل واحد منهم أيضًا أن يمنعه عن ذلك وإن لم يكن له ضرر فيهز.
والحاصل: أن الطريق بعد ما لم يكن ضيِّقًا فلكل من العامة إحداث شيء فيه ما لم يضر بالعامة، سواء كان ما يحدثه لنفسه خاصةً أو للناس عامة وأيضًا فكما أن لكل منهم حق الإحداث فكذلك لكل منهم منعه عنه لاشتراك الكل فيه، انتهى.
قال الحافظ (١): وبناء المسجد في ملك المرء جائز بالإجماع، وفي غير ملكه ممتنع بالإجماع، وفي المباحات حيث لا يضر بأحد جائز خلافًا لبعضهم كربيعة، ونقله عبد الرزاق عن علي وابن عمر، فأراد البخاري الرد عليه، انتهى من هامش "اللامع".
(٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: المواضع المهيآت للصلاة التي ليس لها حكم المساجد وهي ما جعله الواقف لله تعالى خاصة، وثبت له حكم المسجد بشرائطه المعروفة في الفقه، والقرينة على أن المراد بالمسجد هذا لا الاصطلاحي، قوله: على صلاته في سوقه إذ لو كان المراد فيه هو المسجد الاصطلاحي لما انتقص أجره من صلاة المسجد، انتهى.
وإليه يظهر ميل شيخ المشايخ في "التراجم"، وفي هامش "اللامع": اختلف الشرَّاح في غرض المصنف بالترجمة وحاصل ما أفادوا في ذلك عدة أقوال:
الأول: مختار الشيخ في "اللامع" من أن المراد بالمسجد في الترجمة غير الاصطلاحي، وهو الذي اختاره الكرماني.
والثاني: الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع المساجد في الدار
стр. 759
المحجوبة عن الناس، وتعقب عليه الحافظ بأن الذي في كتب الحنفية الكراهة لا التحريم.
والثالث: مختار ابن بطال أن المراد بالمسجد في الترجمة المسجد الاصطلاحي، وروي أن الأسواق شر البقاع؛ فخشي البخاري أن يتوهم أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق، فاستدل بحديث الباب أنه إذا جازت الصلاة في الأسواق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة.
الرابع: مختار الحافظ من أن حديث الأسواق شر البقاع الذي أخرجه البزار في "مسنده" لا يصح إسناده، ولو صح لم يمنع المسجد في السوق؛ لأن بقعة المسجد تكون بقعة خير، انتهى ملخصًا.
قوله: (وصلى ابن عون في مسجد) قال القسطلاني (١): لا ذكر فيه للسوق، والله أعلم بوجه المناسبة، وكذا أنكرها العيني.
وقال الحافظ (٢): إشارة إلى أن لا يتوهم أحد أن احتجار السوق يمنع المسجد فيه، فأثبت الجواز محتجرًا، وعلى ما في "اللامع" من غرض الترجمة فالتطابق ظاهر
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أن المناسبة باعتبار أنه يدل على أن ابن عون صلى في مسجد وراء المسجد وما أورد عليه أنه صلى ابن عون في مبيته ليس بشيء؛ لأن صلاته كان من حيث كونه مسجدًا ولهذا القدر من المناسبة أورد المؤلف تعليقات الأبواب، بل بأدنى من ذلك، انتهى.
(٨٨ - باب تشبيك الأصابع. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك أن النهي عنه ليس بتحريم بل أدب ومعلل بما فيه من الإعراض والاستغال عن التوجه إلى الصلاة التي
стр. 760
خرج من بيته لأجلها، مع أنه في صلاة منذ خرج منه فلا يشبك، وأما في غير هذا فلا ضير، انتهى.
قال الكرماني (١): لعل مراد البخاري جواز التشبيك مطلقًا؛ لأنه إذا جاز فعله في المسجد ففي غيره أولى، انتهى.
وبه جزم الحافظ (٢)، وإليه ميل شيخ المشايخ في "التراجم" (٣).
وقال: قال ابن بطال: وجه إدخال هذه الترجمة معارضة ما ورد في النهي عن التشبيك في المسجد، وقد ورد فيه مراسيل مسندة من طرق غير ثابتة، وقال ابن المنيِّر: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل، وجمع الإسماعيلي بأن النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك.
وقال العيني (٤): اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبكان في الصلاة، وفي "الدر المختار" (٥) في مكروهات الصلاة: فرقعة الأصابع وتشبيكها ولو منتظرًا لصلاة ولا يكره خارجها لحاجة، قال ابن عابدين: ينبغي أن تكون الكراهة تحريمية، وفي حاشيتي على "البذل" (٦) عن ابن رسلان أن ذلك على مراتب: الأول: في الصلاة وهو أشد كراهة؛ لأنه ينافي الصلاة، والثاني: لمنتظر الصلاة وهو أخف من الأولى، لكن يكره لحديث الباب - يعني: حديث كعب عجرة مرفوعًا عند أبي داود (٧) "إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه"
стр. 761
الحديث -، والثالث: في المسجد بعد الصلاة، وهو مباح لحديث ذي اليدين، والرابع: في غير المسجد وهو أولى بالإباحة، وما ورد من مطلق المنع عنه في المساجد محمول على ما قبل الصلاة، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "المغني" (١): يكره التشبيك في الصلاة، انتهى.
(٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قصد بذلك أن يبين مواضع نزول النبي ﷺ في ذهابه إلى مكة وإيابه عنها ليتبرك بالصلاة والدعاء فيها، ومناسبته بأبواب المساجد ظاهرة، انتهى.
والشرَّاح سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي: أنه أثبت جواز الاستبراك بمشاهد الأنبياء والصالحين استدلالًا بفعل ابن عمر وتحريه ودفعًا لما يتوهم من قول عمر ﵁ كما حكى العيني (٣): أنه ﵁ كان في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه، ويقولون: صلى فيه النبي ﷺ فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب؛ لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم واتخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، انتهى.
ووجه الجمع بين قول عمر وفعل ابنه، بأن عمر ﵁ خشي أن يلتزموه ويجعلوه واجبًا، وكلا الأمرين مأمون من ابنه، ودليل جواز الاستبراك حديث عتبان ﵁ وسؤاله النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإجابة النبي ﷺ لذلك فهو حجة للتبرك بآثار الصالحين وغير ذلك من الآثار والروايات بسطت في هامش "اللامع".
стр. 762
قوله: (والمواضع. . .) إلخ، قال القسطلاني (١): أي: ولم تجعل مساجد، انتهى.
وذكره العيني نسخة وليس في نسخته، وبسط الشيخ الكلام على هذه المواضع في "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
(٩٠ - باب سترة الإمام. . .) إلخ
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): لما فرغ من أحكام المسجد شرع في أحكام السترة، وغرض المؤلف من عقد هذا الباب أن سترة الإمام كاف للقوم، فمع سترة الإمام لو مر المار بين يدي القوم لا يأثم بذلك، والإشارة إلى ما قاله الشافعي في معنى قول ابن عباس: يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، أي: إلى غير سترة ليس على ما ينبغي، بل معناه إلى غير جدار يكون هو سترة، وإن كانت العنزة سترة له؛ لأنه ثبت من تتبع أحواله ﷺ في صلاته في الصحراء أنه ما صلَّى إلا والعنزة تكون بين يديه، ولذلك استشكل استدلال ابن عباس بذلك؛ لأن عدم إنكار أحد له يجوز لكون صلاة رسول الله ﷺ إلى سترة، وسترة القوم سترة الإمام، بل الظاهر هو هذا، فافهم.
ويمكن توجيه قول الشافعي إلى غير سترة، أي: إلى غير سترة جدار دون مطلق السترة، فلا مخالفة بين قوله وقول الآخرين، انتهى.
ومسألة الباب خلافية، ففي هامشي على "البذل" (٣): أجمعوا على أن المأموم لا يحتاج إلى سترة بعد سترة الإمام، واختلفوا في أن الإمام سترة لمن خلفه، أو سترته سترة لمن خلفه قولان للمالكية كما قال الدردير، ومختار الحنفية الثاني، كما في "البحر الرائق"، ونص عليه أحمد، وبه قال
стр. 763
الشافعي كما في "المغني" (١).
وثمرة الخلاف تظهر في المرور أمام الصف الأول، فعلى الأول يحرم؛ لأنه مرور بينه وبين سترته، وعلى الثاني يجوز؛ لأن الإمام حائل بينه وبين سترته، كذا قال الدردير، انتهى.
وفي "الفتاوى الرشيدية": يستثنى منه الصلاة في المقابر؛ فإن فيها لا بدّ من السترة لكل واحد من الإمام والمأموم، انتهى معربًا.
قوله: (بمنى إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة أو إلى سترة غير جدار قولان كما سبق في كلام شيخ المشايخ، وبوَّب البيهقي عليه: "الصلاة إلى غير السترة" خلافًا لما أثبته المؤلف.
قال الحافظ (٢): ووقع عند مسلم: "بعرفة".
قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد، ولا سيما مع اتحاد المخرج، فالحق أنه شاذ، انتهى.
ولا يخفى عليك أن الترجمة لفظ حديث للطبراني كما تقدم في الأصول.
(٩١ - باب قدر كم ينبغي. . .) إلخ
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): غرضه من إثبات ذلك أن لا يتجاوز المصلي عن هذا القدر لئلا يفضي إلى تضييق الطريق على الناس، والموضع الذي يكون من القدم إلى موضع الجبهة، وثبت أنه كان بين موضع قيامه ﷺ وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإذا كان كذلك فتقريبًا يبقى بين مصلاه، أي: موضع سجوده وبين الجدار ممر الشاة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): الظاهر أن المصلي على زنة الفاعل،
стр. 764
والمراد بالمسافة الواقعة بينهما هي المسافة بين موضع سجوده والجدار، ولا مانع عن حمله على المفعول درايةً، ولعل الرواية لا تساعد عليه، والمراد بالمصلي جملة ما يكون من مقام المصلي إلى موضع سجوده، فالمقصود على الوجهين جميعًا بيان ما بين الجدار وموضع الجبهة من الأرض، والمراد بقوله: "ممر الشاة" أي: يمكن لها المرور على عسرة ودقة، وفي الرواية الآتية: لا تكاد تمر بسهولة وسعة، أو المراد أنه كان بحيث يمكن فيه مرور الهزيلة والصغيرة، ولا يمكن ممر الكبيرة والسمينة، فالنفي راجع إلى غير ما رجع إليه الإثبات وإن بنى الأمر على أنه تخمين من الكل حسب ظنه، أو أنه تقريب فقط، فالأمر أسهل من أن يجاب، انتهى.
قال الحافظ (١): لفظ المصلي بكسر اللام ويحتمل الفتح، وتعقب عليه العيني (٢): بقوله: هذا احتمال أخذه من كلام الكرماني، ثم رد عليه، واقتصر القسطلاني (٣) على كسر اللام، وهذا كله في الترجمة، وأما في الحديث فبالفتح لا غير.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار في الترجمة حيث بوَّب المصلي بكسر اللام إلى اختلاف بين العلماء في أن هذا المقدار بين السترة وبين موضع السجود أو بينهما وبين موضع القيام، وبالأول قالت الجمهور، وبالثاني قال بعض المالكية، ولذا قال: ينبغي أن يكون الشبر بينه وبين السترة وهو قائم، فإذا ركع تأخر بثلاثة أذرع، قال: والتأخر وإن كان عمدًا لكنه لمصلحة الجمع بين الحديثين، لكن قال السندي (٤): هذا بعيد ما لوجه أن يحمل المصلى على موضع السجود، وما في بعض الروايات من لفظ موضع القيام تصرف من الرواة، انتهى.
стр. 765
قلت: ومسألة حريم المصلي مختلفة، ففي "الأوجز" (١): اختلفوا في قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ومحصوله: أن مالكًا لم يجد في ذلك حدًا إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه، وقدره في فروع الأئمة الثلاثة بقدر ثلاثة أذرع، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
(٩٢ - باب الصلاة إلى الحربة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لما كان النهي عن السجدة إلى ما يلزم فيه تشبه بعبدة الأصنام يقتضي أن لا تجوز الصلاة إلى الحربة والعنزة وغيرها من السلاح لتعظيم بعض الفرق إياها رد ذلك بأن المؤثر في النهي عنه ما اتفقت عليه طائفة ممن يعتد بها واشتهر أمر عظمته، ولا يبالي بفعل من لا يبالي به من الجهلة، وأورد لذلك عدة أبواب دفعًا للفرق بين أفرادها وكبيرها وصغيرها، فعلى هذا لو صلى إلى البقرة لا تكون كراهته مثل كراهة المصلي إلى النار لاشتهار عبادتها فوق اشتهار عبادة البقر، وتعظيم النار في قلوب أهلها فوق عظمة البقر، انتهى.
وفي هامشه: هذا أقصى ما يوجه به ترجمة المصنف بحيث يناسب شأنه، وإلا فالشرَّاح قاطبة سكتوا عن غرضه، ثم بسط في شرح كلام الشيخ وتأييده وفيه ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مقدار السترة طولًا، وترجم بالحربة والعنزة إشارة إلى أنه لا تحديد في ذلك قصرًا وطولًا، فلو ترجم بأحدهما لأوهم تحديده بذلك المقدار إلى آخر ما بسط، ثم لا يخفى عليك أن هذه الترجمة ستأتي في "كتاب العيد" بلفظ "باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد"، ولا يشكل التكرار كما سيأتي هناك فإن الغرض مختلف.
стр. 766
(٩٣ - باب الصلاة إلى العنزة)
تقدم ما يتعلق بهذا الباب من الغرض في الباب السابق.
وقال الحافظ (١): واعترض عليه بأن فيها تكرارًا؛ فإن العنزة هي الحربة، لكن قد قيل: إنما يقال لها: عنزة إذا كانت قصيرة، ففي ذلك جهة مغايرة، انتهى.
قال القسطلاني (٢): العنزة بفتح العين المهملة والنون والزاي وهي أقصر من الحربة، أو الحربة الرمح العريض النصل، والعنزة مثل نصف الرمح، انتهى.
وفي هامش الهندية عن "الخير الجاري": مطابقة الحديث الثاني للترجمة باعتبار أن الترجمة شارحة للحديث وإلا فالصلاة غير مذكورة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: ومعنا عكازة أو عصا أو عنزة لم يذكر تمام الحديث، وهو أنه كان يركزها إذا صلى، وبه تثبت المطابقة، انتهى.
قلت: وههنا إشكال آخر، وهو أن الراوي شك في العنزة، والجواب أن من عادة المصنف الاستدلال بكل المحتمل، وهو السادس العشر من أصول التراجم.
(٩٤ - باب السترة بمكة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لعل المراد به أن السترة لما كانت غير مأمور بها لمن صلى في المطاف والمسجد الحرام كان لمتوهم أن يتوهم أن السترة غير مأمورة بها في الحرم مطلقًا، دفع ذلك الوهم؛ لأنها مندوبة في
стр. 767
الحل والحرم وبمكة وغيرها غير أن سقوط تأكدها في المسجد الحرام مبني على ضرورة الحرج، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: إنما خص البخاري مكة بالذكر دفعًا لتوهم أن السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة.
قال الحافظ: والذي أظن أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق (٢) في "مصنفه": "باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء" وأخرج فيه حديث كثير بن كثير عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي ﷺ يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم سترة، أخرجه أصحاب السنن، ورجاله موثوقون إلا أنه معلول، فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها، هذا هو المعروف عند الشافعية، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة، انتهى.
قلت: هو المرجح عندهم بل جميع الحرم كذلك كما في "المغني"، انتهى مختصرًا.
وترجم عليه ابن تيمية في المنتقى "باب دفع المار وما عليه من الإثم" والرخصة في ذلك للطائفين بالبيت، وذكره الشامي عن بعض الحنفية كما بسط في هامش "اللامع" (٣).
(٩٥ - باب الصلاة إلى الأسطوانة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لما كان النهي عن الصلاة بين السواري يوهم أن ذلك لعلة في نفس الأسطوانة أوردها لدفع ذلك بإثبات جواز الصلاة إليها أنه ليس لنفسها دخل في النهى، بل النهي عنه مبني على أن فيه
стр. 768
انقطاعًا بين الصفوف أو إضرارًا بالمارة، حتى إنه تجوز الصلاة بينها إذا لم يكن شيء من هذين فأثبت الجواز بالباب الآتي، انتهى.
قال ابن بطال (١): لما تقدم أنه ﷺ كان يصلي إلى الحربة كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى؛ لأنها أشد سترة، وحكى الحافظ عن الرافعي أنه أشار بذلك إلى أن الأولى للمنفرد أن يصلي إلى السارية، انتهى.
ولا يبعد عندي أنه أشار بالترجمة إلى استحباب السترة في المساجد والبيوت أيضًا خلافًا لما يتوهم من كلام عامة الفقهاء تخصيص ذلك بالصحراء كما بسط في هامش "اللامع".
(٩٦ - باب الصلاة بين السواري. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب من كلام الشيخ في الباب السابق ولا يبعد عندي في غرض الترجمة: أن أثر ابن عمر المتقدم لما كان يوهم عدم جواز الصلاة بين الأسطوانتين حتى أدناه إلى سارية دفعه بذلك، وقيَّده بغير جماعة إشارةً إلى الاختلاف في ذلك.
واختلف العلماء في هذه المسألة وعلَّة النهي بعد اتفاقهم أنه جائز عند الضيق، ففي هامشي على "البذل" (٢) قال صاحب "المنهل": كراهيته مطلقًا للمنفرد والجماعة عند المالكية، وعن أحمد كراهته للمأمومين لا لغيرهم، وعن الكوفيين الإباحة مطلقًا، وعن الشافعي كراهته للمنفرد دون الجماعة، انتهى.
قلت: مذهب الإمام أبي حنيفة أنه يجوز للمنفرد والجماعة، ويكره للإمام، وأما وجوه النهي فقال ابن العربي: وذلك إما لانقطاع الصفوف أو لأنه موضع صلاة الجن المؤمنين أو لأنه موضع جمع النعال، انتهى.
أو لأنه محل الشياطين كما قال الدردير أو الإضرار بالمارة كما تقدم
стр. 769
في كلام الشيخ أو عدم استواء سواري مسجد النبي ﷺ كما في "الكوكب" (١)، انتهى من هامش "اللامع".
(٩٧ - باب)
بغير ترجمة، في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): هذا الباب لا ترجمة له فهو كفصل الباب الأول من أنه شرع لمقام رسول الله ﷺ ؛ لأنه يفهم منه أنه ﷺ صلى بين العمودين وكان بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع، انتهى.
قلت: هو الأصل العشرون من أصول التراجم.
وقال الحافظ (٣): كذا للأكثر بلا ترجمة وفصله عما قبله؛ لأنه ليس فيه ذكر السواري بل بيان المسافة بينه وبين الجدار، انتهى. وهو مختار العيني.
وقال الكرماني (٤): فصل هذا الحديث؛ لأنه لا يدل صريحًا على الصلاة بين الساريتين، لكن المراد منه ذلك لما علم من سائر الأحاديث أو لأن الموضع المذكور من كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كونها بين الأسطوانتين، انتهى.
ولا يبعد عندي: أنه فصل للتنبيه على مسألة جواز الصلاة في كل البيت بقوله: وليس على أحدنا بأس. . . إلخ، وأيضًا فيه الاستبراك، ورقم على الباب في "تراجم شيخ الهند" قُدِّس سرُّه رمز نقطة واحدة، وهو إشارة إلى أنه المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
стр. 770
(٩٨ - باب الصلاة إلى الرحلة. . .) إلخ
قال الحافظ (١): المذكور في الحديث الراحلة والرحل، فكأنه ألحق البعير بالراحلة بالمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أبي داود: كان يصلي إلى بعيره (٢). وألحق الشجر بالرحل بطريق الأولوية، ويحتمل أن يكون إشارة إلى حديث علي رواه النسائي (٣) قال: "رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم (٤) إلا رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح"، انتهى.
قلت: أشار الإمام البخاري بذلك إلى خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٥) وفيه: وعلم مما سبق أن الصلاة إلى البعير والدابة لا يستحب عند الشافعية والمالكية، ولا بأس به عند الحنابلة والحنفية، انتهى.
قوله: (إذا هبت الركاب) الشرَّاح كلهم على أن معناه: هاجت.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٦) قوله: (إذا هبت. . .) إلخ، أي: ذهبت إلى المرعى، ولا ينطبق ما ذكره في الحاشية بين السطور أن المراد إذا هاجت وتحركت؛ لأنه إذا كان أمرهم كذلك لم تستقم الصلاة فيه، ولا يفيد وضع الرحل أمامه في دفع التشويش الناشئ بهيجانها، انتهى.
(٩٩ - باب الصلاة إلى السرير)
قال الحافظ (٧): أورد عليه الإسماعيلي بأن الحديث دال على الصلاة على السرير لا إلى السرير، ثم أشار إلى أن رواية مسروق عن عائشة دالة على المراد؛ لأن لفظه: كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة كما سيأتي،
стр. 771
فكان ينبغي له ذكرها في هذا الباب، وأجاب الكرماني عن أصل الاعتراض بأن حروف الجر تتناوب فمعنى قوله في الترجمة: إلى السرير، أي: على السرير، وادعى قبل ذلك أنه وقع في بعض الروايات على السرير.
قال الحافظ: ولا حاجة إلى الحمل المذكور، فإن قولها: "فيتوسط السرير" يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه، وقد بان من رواية مسروق عنها أن المراد الثاني، انتهى.
وتعقبه "العيني" (١)، واختار مختار الكرماني، وبه جزم السندي وبسطه لكنه أورد أنه لا تعلق حينئذ بأبواب السترة.
والأوجه عندي ما قال الحافظ؛ لأن الترجمة من أبواب السترة فلو صارت الترجمة الصلاة على السرير كما قالاه لم تبق من أبواب السترة، انتهى من هامش "اللامع".
(١٠٠ - باب ليرد المصلي. . .) إلخ
فيه ثلاثة مذاهب، رخصة عندنا الحنفية فتركه أولى ومندوب عند الجمهور، حتى حكى ابن رسلان الإجماع عليه، وواجب عند الظاهرية، فلعل المصنف أراد الرد على الأول، وذكر لفظ الحديث بلفظ الأمر لاحتماله القولين الآخرين، والظاهر أن ميلانه إلى الوجوب.
وقال القسطلاني (٢): في قوله: "باب يرد المصلي" أي: ندبًا، انتهى.
(١٠١ - باب إثم المار. . .) إلخ
سكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن المصنف أراد شرح لفظ الحديث بأن المراد ماذا عليه، أي: من الإثم، وأوجه منه أنه أراد ترجيح أحد القولين من أن الأمر بالدفع لمصلحة المصلي أو لمصلحة المار.
стр. 772
قال الحافظ (١): قال ابن بطال: هل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المار؟ الظاهر الثاني، انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من الاشتغال بدفع الإثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁: "أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته"، وروى أبو نعيم عن عمر ﵁: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس"، فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي ولا يختص بالمار، انتهى.
(١٠٢ - باب استقبال الرجل الرجل. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي: هل يكره أو لا، أو يفرق بين ما إذا ألهاه أو لا؟ وإلى هذا التفصيل جنح المصنف وجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأثرين اللذين ذكرهما عن عثمان وزيد بن ثابت، ولم أره عن عثمان إلى الآن، وإنما رأيته في "مصنف عبد الرزاق" وغيره من طريق هلال عن عمر ﵁ أنه زجر عن ذلك، وفيه [عن] عثمان ما يدل على عدم كراهيته ذلك، فليتأمل لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل التصحيف، انتهى.
وتعقبه العيني (٣) إذ قال: لا يلزم من عدم رؤيته أن لا يكون منقولًا عنه، فليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل، انتهى.
وقال أيضًا ما ملخصه: في الحديث استقبال الرجل المرأة، فقيل: هما سواء، وقيل: لما لم ير بها بأسًا، فالرجل بالأولى، ثم قال: أكثر العلماء على كراهة الاستقبال بالوجه، انتهى.
وفي "المغني" (٤): يكره أن يصلي مستقبلًا وجه إنسان؛ لأن عمر ﵁ أدب على ذلك، انتهى.
стр. 773
(١٠٣ - باب الصلاة خلف النائم)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بالخلف معنى أعم من معناه المشهور كما يعلم من الرواية الموردة في هذا الباب، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): كأنه أشار إلى تضعيف ما ورد في أبي داود من النهي عن الصلاة إلى النائم، وكره مالك الصلاة إلى النائم، وظاهر تصرف المصنف عدم الكراهية حيث يحصل الأمن من الإلهاء، انتهى.
ولا يكره عند الحنفية كما نقله ابن عابدين عن شرح "المنية"، وعن أحمد ثلاث روايات كما في "المغني": الكراهة مطلقًا، وعدم الكراهة مطلقًا، والكراهة في الفريضة خاصةً دون التطوع، ثم يشكل عندي أن الإمام البخاري استدل بالحديث ههنا على الصلاة خلف النائم، وظاهر أنها كانت مستدبرةً حتى يتم الاستدلال على الخلف، وقد استدل به في الباب السابق، وظاهره أنها كانت مستقبلةً حتى يتم الاستقبال، ويزيد الإشكال ما يظهر من كلام الحافظ اتحاد الروايتين.
والأوجه عندي: أنهما قصتان مختلفتان، فإن ظاهر سياق الأول أنها كانت يقظى كما يشير إليه قولها: "وأنا مضطجعة على السرير فتكون لي الحاجة"، وظاهر أن اعتراء الحاجات يكون في اليقظة، ونص الرواية الثانية أنها كانت راقدةً والنوم المندوب يكون متوجهًا إلى القبلة فلا بد أن تكون مستدبرةً عنه ﷺ ، وهذا هو الأوجه عندي في مطابقة الروايتين بالترجمتين كما أشار إليه الحافظ (٣) عندي بقوله: وقد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى، وأما على اتحاد الروايتين فيمكن أن يجاب بأن من دأب المصنف المعروف الاستدلال بكل المحتمل، كما تقدم في الأصول، أو يقال: إن الاستدلال في الماضي بقولها: أكره أن أستقبله، وههنا بفعلها من الرقود
стр. 774
أمامه ﷺ إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(١٠٤ - باب التطوع خلف المرأة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لعل المراد بذلك أن ما اشتهر من نقض الصلاة بمحاذاة المرأة فإنما هو حيث اشتركا تحريمةً وأداءً، فأما إذا كان الرجل يصلي صلاته لنفسه فلا بأس بوقوعه في جنب المرأة أو خلفها، ويمكن أن يكون غرضه إثبات ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى من أن صلاة الرجل لا تفسد بوقوعه في جنب المرأة أو خلفهما حيث لم تفسد صلاته ﷺ ، وأيًا ما كان فاستدلاله مبني على أن يكون الحكم في كونها مصلية عينه عند عدمه، وهو في حيز الخفاء، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن في الترجمة احتمالين:
الأول: جواز كون المرأة أمام المصلي بغير اشتراكهما في الصلاة.
والثاني: أنه أراد مسألة المحاذاة المعروفة المختلفة، وأشار إليها بقوله: ويمكن أن يكون. . . إلخ.
والأوجه عندي الأول لاتصاله بـ "باب الصلاة خلف النائم" ولكونه داخلًا في أبواب السترة، ولعله ترجم بذلك لما فيه شيء من الاختلاف.
قال الموفق (٣): ويكره أن يصلي وأمامه امرأة تصلي لقوله ﷺ : "أخروهن من حيث أخرهن الله تعالى"، وأما في غير الصلاة فلا يكره لخبر عائشة، وإن كانت عن يمينه أو يساره لم يكره وإن كانت في صلاة، انتهى.
ويمكن أيضًا أن الإمام البخاري ترجم بذلك دفعًا لما يتوهم من روايات القطع بمرورها أن استقرارها أمام المصلي أولى بالقطع، فبهذه الوجوه ترجم الإمام بذلك عندي، وأما مسألة المحاذاة فلا تعرض لها في
стр. 775
الترجمة ولا في ما أورده من حديث الباب، ومحلها ما سيأتي من "باب المرأة وحدها تكون صفًا".
(١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء)
لا يخفى عليك أنه قد سقط في بعض النسخ الهندية من سهو الكاتب لفظ "قال"، ففيه: "باب من لا يقطع. . ." إلخ، وهو موجود في نسخ الشروح. في "تراجم شيخ المشايخ": غرض المؤلف من عقد هذه الأبواب إلى آخر الكتاب الإشارة إلى أن المرأة غير قاطعة للصلاة، انتهى.
ويشكل أن ظاهر حديث عائشة: شبهتمونا بالحمر والكلاب إنهما يقطعان فكيف الترجمة؟ اللَّهم إلا أن يقال: إن الوارد في أحاديث القطع العلة بأنه شيطان، وهذا يعم المرأة وغيرها فلما ثبت عدم القطع في أحدها ثبت في الآخرين، ولذا استدل به الزهري في الحديث الثاني، ولذا عقبه البخاري.
وقال القسطلاني (١) بعد حديث عائشة: وإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك بل أولى، انتهى.
وبسط في "الفيض" (٢) في معنى القطع الوارد في الأحاديث، وأنكر نسخها وتأويلها حيث قال: ولا تأول في أحاديث القطع وأحملها على ظاهرها إلى آخر ما قال.
وحاصله: أن المراد بالقطع قطع وصلة المناجاة بين العبد والرب ﵎ كما يتناجي اثنان، فيحول الثالث بينهما فهو قاطع لمناجاتهما.
стр. 776
(١٠٦ - باب إذا حمل جارية صغيرة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بذلك الرد على من زعم بانتقاض الطهارة بمس المرأة ولو صغيرة، ولا يلزم بذلك تسليم الانتقاض بمس الكبيرة، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ محتمل لكن فيه أنه يكون إذًا محله أبواب نواقض الوضوء من كتاب الطهارة، وقال ابن بطال: أراد البخاري أن حملها إذا كانت لا يضر فمرورها بين يديه لا يضر؛ لأن حملها أشد من مرورها، كذا في "الفتح" (٢).
وهو الأوجه عندي؛ لأن المصنف بصدد أن لا يقطع الصلاة شيء لا سيما المرأة، ولذا ذكر عدة أبواب مختلفة كلها يؤيد عدم القطع، وفي "الفيض" (٣) فيه مسألتان: الأولى: مسألة حمل الصبي، والثاني: مسألة ثياب الصبي، ثم بسطهما.
قال القسطلاني (٤): فعله ﷺ لبيان الجواز وهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين، وهذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وادعى المالكية نسخه بتحريم العمل في الصلاة إلى آخر ما بسطه، ويقابله ما قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن مثل هذا مكروه فيكون إما في النافلة أو إما منسوخًا إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٥)، وفيه أيضًا عن "الدر المختار": يكره حمل الطفل وما ورد نسخ بحديث "إن في الصلاة لشغلًا" وبسطه ابن عابدين وما ورد في الحديث من نسبة الرفع والوضع إليه ﷺ مجاز، وذلك لأن الصبية قد ألفته ﷺ وأنست بقربه فإذا سجد جاءت وتعلقت بأطرافه إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٦).
стр. 777
(١٠٧ - باب إذا صلى إلى فراش. . .) إلخ
قال الحافظ (١): أي: هل يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على أن لا كراهة، انتهى.
قال العيني (٢) تحت الحديث الأول: مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة عند التأمل، ولكن اعترض فيه أنه كيف دلَّ على الترجمة التي هي كون المصلي منتهيًا إلى الفراش؛ لأنه قال: إذا صلى إلى فراش، وكلمة: "إلى" لانتهاء الغاية؟ وأجيب بأن الترجمة ليست معقودة للاعتراض، فإن المتعلق بالاعتراض قد تقدم، والذي قصده البخاري بيان صحة الصلاة ولو كانت الحائض بجنب المصلي ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي وبين القبلة، انتهى.
وتعبيره بقوله: "إلى" أعم من أن تكون بينه وبين القبلة، فإن الانتهاء يصدق على ما إذا كانت أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، انتهى بزيادة من "الفتح".
وقال السندي (٣): كأن المصنف حمله على أن الفراش كان في حذاء المصلي أمامه لا في جانبه، لكن الحديث الثاني وهو: "وأنا إلى جنبه" لا يوافق الترجمة، والله تعالى أعلم، انتهى.
(١٠٨ - باب هل يغمز الرجل امرأته. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): في الترجمة التي قبلها بيان صحة الصلاة ولو أصابت المرأة بعض ثياب المصلي، وفي هذه الترجمة بيان صحتها ولو أصابها بعض جسده، انتهى.
стр. 778
قال العيني (١): يعني: نعم، إذا غمزها فلا شيء يترتب عليه من فساد الصلاة، انتهى.
ويشكل عليه زيادة لفظ: "هل" في الترجمة، والحديث نص في مطابقة الباب، ولا يبعد أن يقال: إنه إشارة إلى إشكال وهو أن المس ينقض الوضوء عندهم.
(١٠٩ - باب المرأة تطرح عن المصلي. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: هذه الترجمة قريبة من التراجم التي قبلها، وذلك أن المرأة إذا تناولت ما على ظهر المصلي فإنها تقصد إلى أخذه من أيّ جهة أمكنها تناوله، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه فليس بدونه، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٣): وقد تقدم "باب إذا ألقى على ظهر المصلي قذر. . ." إلخ، ولا يتوهم التكرار؛ لأن المنظور هناك صحة الصلاة بمصاحبة النجاسة كما يدل عليه سياق التراجم هناك، والمقصود ههنا إثبات عدم قطع الصلاة بمرور المرأة فأثبته المصنف بجهات مختلفة ودلائل عديدة، انتهى.
ثم براعة الاختتام عندي في قوله: "لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب"، ولم يذكر البراعة ههنا الحافظ قُدِّس سرُّه كما نبهت عليه في مقدمة "اللامع".
* * *
стр. 779
٩ - كتاب مواقيت الصلاة
قال الحافظ (١): "المواقيت" جمع ميقات، وهو مفعال من الوقت، وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان، انتهى.
ومناسبته بما سبق وكذا الكلام على المناسبات بين أبواب كتاب الصلاة تقدم في أول كتاب الصلاة.
(١ - باب مواقيت الصلاة وفضلها)
اختلفت نسخ "البخاري" في ذكر عنوان الكتاب والباب كما يظهر من نسخ الحاشية.
والأوجه عندي نسخة "كتاب مواقيت الصلاة وفضلها، باب مواقيت الصلاة" والضمير في فضلها راجع إلى الصلاة، فالكتاب مشتمل على بيان مواقيت الصلاة وعلى فضائل الصلاة، وعلى هذا فلا يحتاج إلى توجيهات في بيان المناسبة بين الأبواب والكتاب، ثم قوله: "باب مواقيت الصلاة" بعد ذكر كتاب المواقيت لا تكرار فيه، فإن المقصود بالباب عندي بيان مبدأ المواقيت كما هو دأب المصنف؛ فإنه يشير في أوائل أكثر الكتب إلى مبدأ هذا الحكم نصًا أو إشارةً كما لا يخفى على من أمعن النظر في تراجم "البخاري"، وعلى هذا يكون باب المواقيت متضمنًا لأمرين: بيان المبدأ وبيان الفضل.
وهذا هو الأوجه عندي، ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان الفضل فقط، فيكون قوله: "وفضلها" عطفًا تفسيريًا، وبيان الفضل ظاهر من الحديث؛ فإن جبريل ﵇ نزل لتعليمها عشر مرات في يومين، وهذا لغاية الاهتمام بذلك.
стр. 780
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (١): إنما عقَّبه بباب مواقيت الصلاة؛ لأن المراد بكتاب المواقيت كتابها مطلقًا، وببابها المواقيت من حيث إنها شرعت بالوحي أم بالاجتهاد، وأدرج المصنف في كتاب مواقيت الصلاة أبوابًا دالة على فضائل الصلاة، انتهى.
فأشار شيخ المشايخ إلى أنها ذكرت استطرادًا وتبعًا.
ثم يشكل على تقسيم أوقات الصلاة عدم التوازن والتناسب فيها، فإن الوقت فارغ من الصباح إلى الظهر، ثم تتوالى الصلوات إلى ثلث الليل، ثم لا صلاة إلى الصباح طول الليل، وتكلموا على الحكم في ذلك بوجوه كثيرة، ولا ريب في أن حكم الله ﵎ في أحكامه وتنويعها كثيرة لا تدركها القوة البشرية، وإنما تكلموا عليها حسبما بلغت إليها فراستهم، وارتقت إليها قوتهم الفكرية، وتكلم على حكم قسمة المواقيت مشايخ عديدة، منهم: الرازي في "التفسير الكبير"، وشارح "المنهاج"، والشيخ التهانوي قُدِّس سرُّه في "المصالح العقلية".
والأوجه عند ذلك المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات: أن الله لم يخلقنا إلا للعبادة فقط، كما حصره في قوله عزَّ اسمه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وكان حق ذلك صرف الأوقات كلها في العبادات، وأهمها الصلاة؛ كالملائكة فإن منهم القائمين والراكعين والساجدين إلى يوم القيامة، لا سيما إذا كان الأجر منه عزَّ اسمه يصل إلينا في كل ساعة ونفس في صورة النفس والصحة والسماعة والرؤية وقوة البطش والمشي وغير ذلك من الأيادى المتوالية في كل ساعة، فقد صدق عزَّ اسمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولا مراء في أن عد منافع نعمة واحدة أيضًا من نعمه تعالى خارج عن الطاقة البشرية فكان حق ذلك أن نقوم في الطاعة في كل ساعة من ليل ونهار.
стр. 781
لكن أرحم الراحمين لما رأى عجزنا واحتياجنا إلى المنام والمعاش وغير ذلك من الحوائج مَنَّ علينا بتقسم الملوين فجعل من كل واحد منهما نصفًا لحق العبادة، ونصفًا لنا لحوائجنا، فإن الحوائج تختلف فإن بعضها يختص بالليل، وبعضها يختص بالنهار، ولذا لم يوجب في النصف من كل منهما صلاة وأوجب في النصف الآخر من كل منهما صلوات، وكان حق ذلك أن يصرف هذا النصف بتمامه في الصلوات.
ولذا قال أهل الأصول: إن العظيمة في كل صلاة أن يؤدى في تمام الوقت، فكان ينبغي أن يؤدى كل صلاة من أول وقته إلى آخر وقته لكن أرحم الراحمين منَّ علينا مرة أخرى إذ قبل من جميع الأوقات عدة ركعات تؤدى في وقت يسير، إلا أن الطبائع لمَّا كانت على أحوال مختلفة فبعضها متقاصرة متكاسلة في أداء ما يطلب منهم، وبعضها مستعدة مجتهدة يعدون صرف جميع أوقاتها في أداء ما أرضى مالكهم غاية سعادتهم ومنتهى مأمولهم، فرض الله عزَّ اسمه ركعات عديدة رعاية للأولين ومنًّا عليهم وشرع للآخرين النوافل المخصوصة في أوقاتهم الخاصة تكميلًا لما انتقص من أوقاته عز اسمه، فشرع بمقابلة الظهر الضحى، وبمقابلة العصر الإشراق، كما يومئ إليه حديث علي في "الشمائل" (١) إذ قال: "إذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من ههنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من هنا عند الظهر صلى أربعًا" الحديث، وبمقابل العشائين التهجد في آخر الليل، ومن رحمته الواسعة أن الصحيفة إذا كانت في طرفيها عبادة يكفِّر بفضلها ما بينهما كما دلت عليه النصوص الكثيرة من الآيات والأحاديث، قال عزَّ اسمه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وفي "الدر" برواية أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فيما يذكر عن ربه ﵎:
стр. 782
"اذكرني بعد العصر وبعد الفجر ساعة أكفك فيما بينهما"، "فضائل ذكر"، حتى ورد عن ابن عباس مرفوعًا: "افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله، ولقنوهم عند الموت: لا إله إلا الله، فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله، وآخر كلامه لا إله إلا الله، ثم عاش ألف سنة لم يسأل عن ذنب واحد"، وذكر ابن الجوزي إياه في الموضوعات متعقب كما في رسالتي "فضائل الذكر عن اللآلي" وغيره.
قال ابن عابدين (١) في بيان كراهة السمر بعد العشاء: والمعنى فيه أن يكون ختام الصحيفة بالعبادة، كما جعل ابتدائها بها ليمحى ما بينهما من الزّلات، ولذا كره الكلام قبل صلاة الفجر، وتمامه في "الإمداد"، انتهى.
ولذلك ندب عندي التعجيل في الظهر والتأخير في العصر ليكونا في طرفي الوقت الذي هو حقه تعالى، وأيضًا منتظر الصلاة يكون في حكم الصلاة فلانتظار الصلاة الأخرى يعد مصليًا في سائر وقته عزَّ اسمه، ولأجل ذلك ندب عندي تعجيل المغرب وتأخير العشاء ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخره إلى شطر الليل ليحصى جميع وقته تعالى، ومن ههنا يظهر معنى قوله ﷺ : "اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم"، فإن ظاهر كونها صلاة لنا أن نبادر بها تنويهًا بشأنها ونأتي بها في أول أوقاتها اهتمامًا بها، لكن النبي ﷺ جعل كونها صلاة لنا علة لتأخيرها، فهذا لا يستقيم إلا بالنظر الدقيق على ما قلنا من أن الأصل فيها كان أداؤها في آخر وقتها لتقع في آخر النصف من حقه عزَّ اسمه.
فمقتضى الاهتمام بها أن تؤدى في أصل وقتها وهو آخر الوقت المباح، ولهذه الوجوه العديدة قلت: أولا: أن هذه الحكمة أولى عندي من الأقوال الأخر التي ذكرت في ذلك؛ لأنه يظهر من ذلك معنى الروايات الأخر ويطابقه الأصول، ويظهر منه وجه تعجيل الظهر والمغرب وتأخير
стр. 783
العصر والعشاء وغير ذلك من المعاني اللطيفة التي تظهر عند التأمل في الروايات، انتهى من هامش "اللامع" (١).
قوله: (إن جبريل ﵇ نزل فصلى. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): بيَّنه مالك في "موطئه" بتفصيل الأوقات والصلوات، وأورده ههنا مختصرًا، انتهى.
وفي هامشه قوله: "بيَّنه مالك" هذه سبقة قلم ليس ذلك في رواية مالك أصلًا، نعم ذكر التفصيل أبو داود، انتهى.
فلا يرد أنه ليس في الحديث إلا ذكر الصلوات العديدة لا بيان المواقيت.
وقال العيني (٣): مناسبة الحديث بأنه علم منه أن الصلاة لها أوقات إذ صلاها خمسًا، انتهى.
(٢ - باب قول الله : ﴿مُنِيبِينَ. . .﴾ إلخ)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): قصد بذلك أن الله ﵎ ذكر ترك الصلاة بلفظ الإشراك حيث قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، فكان تركها إشراكًا أو فعل المشركين، ودلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه جعل الصلاة جزء الإيمان وانتفاء الجزء هو انتفاء الكل من حيث كونه كلًّا.
والجواب عنه ما مر من أنه جزء للكامل من الإيمان لا مطلقه والإشراك في الآية إتيان أفعال المشركين، أو هو شرك دون شرك، انتهى.
وبنحو ذلك قال السندي (٥). وفي هامش "اللامع" في هذه الترجمة
стр. 784
عدة أبحاث، الأول في غرض الترجمة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى روايات وردت في كفر تارك الصلاة كما في "مسلم" وغيره (١): "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" وغير ذلك من الروايات، وهذا هو الأصل الحادي والأربعون من أصول التراجم، وهو أصل مطرد كثير الوقوع في "البخاري".
وقال الحافظ (٢): وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها، انتهى.
والثاني: مناسبة هذا الباب بالكتاب، فإن كان الكتاب "كتاب مواقيت الصلاة وفضلها" كما اخترته فالمناسبة بالجزء الثاني من الترجمة واضحة، وإن كان الكتاب "كتاب المواقيت" فقط، فتوجيه المناسبة أن الوارد في الباب: " ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ "، وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها كما في "الدر"، وأما على توجيه شيخ المشايخ فذكر هذا الباب وأمثاله استطراد.
والثالث: مناسبة الحديث بالترجمة، وفيها كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح وأجود.
وقال الحافظ (٣): ومناسبة الحديث أن في الترجمة اقتران نفي الشرك بإقامة الصلاة، وفي الحديث إثبات التوحيد بإقامتها، انتهى ملخصًا.
(٣ - باب البيعة على إقامة الصلاة)
مناسبتها بفضلها ظاهرة، وأما بالوقت فباعتبار أن الوقت داخل في الإقامة كما تقدم في قول قتادة.
стр. 785
(٤ - باب الصلاة كفارة)
مناسبة الحديث بالباب ظاهرة، وأما بالكتاب فبفضلها أيضًا ظاهرة، وأما بالمواقيت فيحتمل أن يقال: إنه إشارة إلى أن كونها مكفِّرة مقيَّد بإقامتها في أوقاتها كما يشير إليه الحديث الثاني، لكن يشكل عليه أن هذا المعنى سيأتي قريبًا في ترجمة مستقلة "باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلَّاهن لوقتهن. . ." إلخ، اللَّهم إلا أن يقال: إن الغرض فيما سيأتي عدم التقيد بالجماعة.
(٥ - باب فضل الصلاة لوقتها)
قال العيني (١): كان الأصل أن يقال: فضل الصلاة في وقتها؛ لأن الوقت ظرف لها، ولذكره هكذا وجهان، الأول: حروف الجر يقام بعضها مقام البعض، والثماني: اللام ههنا مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: مستقبلات لعدتهن، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): قوله: (باب فضل الصلاة لوقتها) أي: في وقتها أو على وقتها، انتهى.
قلت: ولا يبعد عندي أن الترجمة شارحة للحديث بأن "على" في الحديث بمعنى اللام إذ لفظ "على" يوهم تقدم الصلاة على وقتها، إذ الشيء على الشيء يكون خارجًا عنه.
(٦ - باب الصلوات الخمس. . .) إلخ
ههنا بحثان:
الأول: الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من باب الصلاة كفارة، قال الحافظ (٣): هي أخص من الترجمة السابقة لأن الأولى يتناول الخمس
стр. 786
وغيرها، والأوجه عندي: أن قوله: "إذا صلاهن لوقتهن" ليس بفارق بين الترجمة؛ لأن هذا القيد وإن لم يذكر فيما سبق نصًا، لكنه ملحوظ معنى لذكره إياها في كتاب المواقيت وإلا لم يبق لذكره وجه ههنا، فالغرض عندي بهذه الترجمة أن الصلاة مكفرة سواء صليت بالجماعة أو بغيرها، وعلى هذا فالفرق واضح.
والبحث الثاني: أن تمثيله ﷺ بالغسل في النهر ظاهره غسل جميع الخطايا سواء كانت صغيرة أو كبيرة، واتفقوا على أن أمثال هذه الأحاديث مقيَّدة بالصغائر للنصوص الأخر من القرآن والأحاديث خلافًا للمرجئة فعندهم أفعال الخير مكفرة للصغائر والكبائر.
وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (١) الكلام عليه، وحاصله: أن مراتب الغسل متفاوته جدًا، فمن غاسل ليس له غير سقوط الفرض لو جنبًا، وغير البرد لو طاهرًا، أو من غاسل يهتم باغتساله بالصابون وغيره، وآخر منهم يدخل الحمام فلا يخرج منه في أقل من نصف يوم؛ أفتراهم تساووا في تحصيل النظافة لا والله، انتهى.
يعني: فكذلك بالوضوء تحصل الدرجة الأولى، وبالصلاة معه الدرجة الثانية وبالتوبة الدرجة الثالثة، وأجاب عنه السندي (٢) بجواب آخر وهو لطيف جدًا.
وحاصله: أن أثر الصغائر يكون على ظاهر البدن كما يدل عليه حديث خروج المعاصي عن أعضاء الوضوء وأثر الكبائر يكون على الباطن كما في حديث الآخر: "أن المؤمن إذا ارتكب معصية تحصل في قلبه نقطة سوداء" فكما أن الغسل يذهب بدرن الظاهر دون الباطن، فكذلك الصلاة تكفِّر، ويمكن عندي أن يجاب عنه ثالثًا أن الدرن ولو كان على ظاهر البدن
стр. 787
تتفاوت مراتبه جدًا؛ فإن الدرن لو كان بمثل التراب والحمأ وغير ذلك يزول بمجرد الغسل بداهة لكنه إن كان قارًا مثلًا لا يزول عن البدن أصلًا لا بمجرد الغسل ولا بالصابون حتى يلط عليه شيء آخر يزيله كالنفط، فالصغائر بمنزلة الأول والكبائر بمنزلة القار لا تزول إلا بمزيل خاص لذلك وهو التوبة والندم، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(٧ - باب في تضييع الصلاة عن وقتها)
لعله إشارة أنه داخل في وعيد قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، ولذا بكى أنس على الفرق بين فعلهم وفعل السلف، وتعلقه بفضل الصلاة ظاهر وبالمواقيت بأن التضييع هو التأخير عن الوقت، ولا يبعد أن يكون غرض المصنف بيان المراد بالإضاعة في الآية إذ اختلفوا في أن المراد بالتضييع التأخير عن وقت الجواز أو عن الوقت المستحب، وعلى هذا فالاستدلال يتوقف على فعل أمراء بني أمية، والمشهور أنهم يؤخرونها عن الوقت المستحب، ومال الحافظان ابن حجر والعيني وتبعهما القسطلاني أنهم يؤخرونها عن وقت الجواز، وبسط في هامش "اللامع" الكلام على حديث الباب.
(٨ - باب المصلي يناجي ربه)
قال الحافظ (٢): ومناجاة الرب ﷻ أرفع درجات فينبغي المحافظة على الفرائض في وقتها بتحصيل هذه المنزلة، انتهى.
وبه تحصل المطابقة بالمواقيت والفضل معًا.
وقال الكرماني (٣): مناسبته بكتاب المواقيت أن أوقات الصلاة أوقات المناجاة مع الله ، انتهى.
стр. 788
وقال القسطلاني: مناسبته بفضل الصلاة بأن المناجاة لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبرًا عما في القلب ولذا قالوا: الصلاة بالقلب اللاهي أقرب إلى العقوبة، انتهى.
(٩ - باب الإبراد بالظهر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك الرد على الشافعي في استحبابه تعجيل الظهر مطلقًا، ثم لما كان الشافعي رحمه الله تعالى علل التعجيل بأنه الأصل، والتأخير حيث ورد فإنه لعارض الانتياب من بعد عقد للرد على ذلك بابًا على حدة، وهو التعجيل في السفر؛ فإن الناس في السفر جميع ولا انتياب، انتهى.
وفي هامشه: لا يبعد عندي أن الإمام البخاري مع الإشارة إلى ما أفاده الشيخ أشار أيضًا إلى رد قيود قيد بها بعض العلماء أحاديث الإبراد إذ لم يقيد ترجمته بشيء من ذلك القيود، فقد قال القسطلاني (٢): قوله: "أبردوا بالصلاة" أي: أخروا صلاة الظهر عند شدة الحر، وعند إرادة صلاتها بمسجد الجماعة حيث لا ظل لمنهاجه في بلد حار لا في بلد معتدل، ولا لمن يصلى في بيته منفردًا، ولا لجماعة مسجد لا يأتيهم غيرهم إلى آخر ما قال، فإطلاق الترجمة يرد على هذه القيود كلها، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري قدمه على أول وقت الظهر.
قال العيني (٣): إنما قدّمه للاهتمام به.
وقال الحافظ (٤): قدَّمه؛ لأن لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله، فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر، أو أشار إلى حديث جابر قال: كان بلال ﵁ يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس، أي: مالت، انتهى.
стр. 789
وأنت خبير بأن هذا أبعد من قول العيني، لأن الإمام يترجم بأول وقت الظهر قريبًا نصًا فأي فاقة إلى الإشارات.
والأوجه عندي: أن تقديمه للإشارة إلى الباب السابق فإن المصلي إذا كان يناجي ربه، فالأولى أن لا يناجيه في شدة الحر؛ لأن المناجاة في شدة الحر لا تورث لذةً وخشوعًا، وتقدم قريبًا "باب الصلاة في موضع العذاب" فكما لا ينبغي الصلاة في موضع العذاب أجدر أن لا ينبغي في وقت يظهر فيه أثر العذاب؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(١٠ - باب الإبراد بالظهر في السفر)
تقدم في الباب السابق من كلام الشيخ ما يتعلق بهذه الترجمة وهو أن الإبراد ليس لأجل صعوبة الناس في الاجتماع؛ لأنه لو كان كذلك لا يندب في السفر لحصول الاجتماع فيه من قبل، وقال بعض الطلبة في الدرس: إن غرض المصنف كما يظهر من دأبه إبطال استدلال الحنفية بحديث الباب على المثلين غير صحيح؛ لأنه كان في السفر، وفي السفر لما يجوز جمع التأخير فالتأخير إلى فيئ التلول أولى بالجواز، فتأمل فإنه محتمل، فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرود عند البخاري.
(١١ - باب وقت الظهر عند الزوال)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أورد المؤلف من الظهر أول وقتها، ومن العصر آخر وقتها، ولم يبيِّن أول وقت العصر ولا آخر وقت الظهر، والظاهر أنه لم يثبت له شيء من روايات المثل أو المثلين على حسب شرطه، ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة منه إلى ما ذهب إليه المحدثون
стр. 790
والشافعي رحمهم الله تعالى من جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وذلك لأنه بيَّن أولًا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، ولا وجه للتوقيت بعد جواز الجمع بينهما إلا بأن يجعل الوقت مشتركًا بينهما، فكان الوقت من الزوال إلى المغرب، كما هو للظهر فكذلك للعصر، انتهى.
بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" أشد البسط، وفيه قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا تجب بأول الوقت، انتهى.
قلت: ما قال الحافظ أن ترجمة الإمام إشارة إلى هذه المسألة بعيد جدًا، ولا أدري كيف كتبه الحافظ مع جلالة قدره، ولا تعلق للترجمة ولا لشيء مما أورد في الترجمة بتلك المسألة إشارة ولا دلالة، والظاهر أنه أشار بالترجمة إلى رد الطائفتين الأخريين:
إحداهما: من جوَّز صلاة الظهر قبل الزوال كما هو منقول عن بعض السلف من الصحابة، وعن أحمد وإسحاق مثله في صلاة الجمعة.
والطائفة الثانية: من قال: إن أول وقت الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك بعد الزوال، والجمهور على الزوال إلى آخر ما في "الهامش"، ويحتمل أن الغرض أن الصلاة في الإبراد مندوب، وأصل الوقت يحصل بالزوال، والله أعلم بمراد العباد.
(١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر)
اختلفوا في غرض الإمام بالترجمة.
قال الحافظ (٢): أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، وإلى انتفاء الفاصلة بين الوقتين، انتهى.
стр. 791
الأول مذهب المالكية، والقول بالفاصلة مذهب داود وبعض الشافعية.
قلت: ما قال الحافظ في غرض الترجمة الجزء الثاني منه صحيح، والأول مشكل، ولذا أشار إلى رده العيني (١) إذ قال: والمراد أنه لما فرغ من صلاة الظهر دخل وقت صلاة العصر، وليس المراد أنه جمع بينهما في وقت واحد، انتهى.
والأوجه عندي: أنه أشار إلى رد كليهما من الاشتراك والفاصلة، وقال السندي (٢): لا يخفى أنه لا دلالة في لفظ الحديث على التأخير لجواز أن ما فعله يكون من باب التقديم، فكأنه أشار بهذه الترجمة إلى توجيه الحديث بأنه لا يحمل على الجمع بين الصلاتين في الوقت حتى يقال: يمكن أن يكون من باب التقديم أو من باب التأخير بل يحمل على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها وضمها إلى الثانية فعلًا، وهذا التأويل في الحديث هو الذي اعتمده كثير من المحققين، وهو أقرب ما قيل فيه، انتهى.
وهو الذي اختاره شيخ المشايخ في "التراجم" (٣).
(١٣ - باب وقت العصر)
تقدم في الباب السابق أن أول وقته آخر وقت الظهر.
قال الحافظ (٤): لما لم يكن حديث أول وقت العصر بالمثل على شرطه ذكر ما يستنبط منه ذلك بطريق الاستنباط، انتهى.
واختلفوا في أن حديث عائشة دليل لتعجيل العصر أو لتأخيره، قال
стр. 792
الطحاوي (١): لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل، وأورد عليه بأن هذا يتصور مع اتساع العرصة، وقد عرف أنها لم تكن متسعة، ورد بأن الإيراد يمكن أن يتوجه لو كانت الجدر طويلة، وقد ثبت أنها كانت صغيرة جدًا، وهذا كله أن حمل الضوء على ما يأتي من رؤوس الجدر، ولو أريد به الضوء الداخل من باب الحجرة، فإن بابه كان غربيًا يدخل منه ضوء الشمس، وكلما يكون أقرب إلى الغروب يكثر الضوء فيه، ولا يخرج منه إلا قريب الغروب، كما هو ظاهر، فحينئذ لا يدل الحديث إلا على غاية التأخير.
وقد بسط في هامش "اللامع" الكلام على اتساع العرصات؛ لأن الحجرات كانت كلها جنب المسجد، وأبوابها كانت مفتوحة إلى المسجد، وأكثرها كانت جهة الشرق من المسجد، ومساحة المسجد كانت سبعين ذراعًا، فلا بد أن يكون اتساع الحجرات شرقًا وغربًا وإلا فلا يمكن بناء عدة الحجرات في جهة الشرق فضلًا عن أكثرها، انتهى.
(١٤ - باب إثم من فاتته العصر)
ههنا عدة أبحاث، الأول: أن الإمام ترجم بترجمتين، الأولى: هذه، والثانية إثم من ترك العصر، وأورد عليه بالتكرار.
ومؤدى ما قال الحافظان (٢) ابن حجر والعيني: إن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، وهذا لا يكفي لدفع إيراد التكرار؛ لأن الثانية أصرح في العمد، وقال شيخ الإسلام: الفرق بينهما أن الترك نص في العمد دون الفوات، ويحتمل أن الإمام فرق في العنوان والتعبير فقط، دون المراد رعاية لألفاظ الروايتين.