وقال القسطلاني: مناسبته بفضل الصلاة بأن المناجاة لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبرًا عما في القلب ولذا قالوا: الصلاة بالقلب اللاهي أقرب إلى العقوبة، انتهى.
(٩ - باب الإبراد بالظهر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك الرد على الشافعي في استحبابه تعجيل الظهر مطلقًا، ثم لما كان الشافعي رحمه الله تعالى علل التعجيل بأنه الأصل، والتأخير حيث ورد فإنه لعارض الانتياب من بعد عقد للرد على ذلك بابًا على حدة، وهو التعجيل في السفر؛ فإن الناس في السفر جميع ولا انتياب، انتهى.
وفي هامشه: لا يبعد عندي أن الإمام البخاري مع الإشارة إلى ما أفاده الشيخ أشار أيضًا إلى رد قيود قيد بها بعض العلماء أحاديث الإبراد إذ لم يقيد ترجمته بشيء من ذلك القيود، فقد قال القسطلاني (٢): قوله: "أبردوا بالصلاة" أي: أخروا صلاة الظهر عند شدة الحر، وعند إرادة صلاتها بمسجد الجماعة حيث لا ظل لمنهاجه في بلد حار لا في بلد معتدل، ولا لمن يصلى في بيته منفردًا، ولا لجماعة مسجد لا يأتيهم غيرهم إلى آخر ما قال، فإطلاق الترجمة يرد على هذه القيود كلها، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري قدمه على أول وقت الظهر.
قال العيني (٣): إنما قدّمه للاهتمام به.
وقال الحافظ (٤): قدَّمه؛ لأن لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله، فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر، أو أشار إلى حديث جابر قال: كان بلال ﵁ يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس، أي: مالت، انتهى.
стр. 789
وأنت خبير بأن هذا أبعد من قول العيني، لأن الإمام يترجم بأول وقت الظهر قريبًا نصًا فأي فاقة إلى الإشارات.
والأوجه عندي: أن تقديمه للإشارة إلى الباب السابق فإن المصلي إذا كان يناجي ربه، فالأولى أن لا يناجيه في شدة الحر؛ لأن المناجاة في شدة الحر لا تورث لذةً وخشوعًا، وتقدم قريبًا "باب الصلاة في موضع العذاب" فكما لا ينبغي الصلاة في موضع العذاب أجدر أن لا ينبغي في وقت يظهر فيه أثر العذاب؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(١٠ - باب الإبراد بالظهر في السفر)
تقدم في الباب السابق من كلام الشيخ ما يتعلق بهذه الترجمة وهو أن الإبراد ليس لأجل صعوبة الناس في الاجتماع؛ لأنه لو كان كذلك لا يندب في السفر لحصول الاجتماع فيه من قبل، وقال بعض الطلبة في الدرس: إن غرض المصنف كما يظهر من دأبه إبطال استدلال الحنفية بحديث الباب على المثلين غير صحيح؛ لأنه كان في السفر، وفي السفر لما يجوز جمع التأخير فالتأخير إلى فيئ التلول أولى بالجواز، فتأمل فإنه محتمل، فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرود عند البخاري.
(١١ - باب وقت الظهر عند الزوال)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أورد المؤلف من الظهر أول وقتها، ومن العصر آخر وقتها، ولم يبيِّن أول وقت العصر ولا آخر وقت الظهر، والظاهر أنه لم يثبت له شيء من روايات المثل أو المثلين على حسب شرطه، ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة منه إلى ما ذهب إليه المحدثون
стр. 790
والشافعي رحمهم الله تعالى من جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وذلك لأنه بيَّن أولًا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، ولا وجه للتوقيت بعد جواز الجمع بينهما إلا بأن يجعل الوقت مشتركًا بينهما، فكان الوقت من الزوال إلى المغرب، كما هو للظهر فكذلك للعصر، انتهى.
بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" أشد البسط، وفيه قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا تجب بأول الوقت، انتهى.
قلت: ما قال الحافظ أن ترجمة الإمام إشارة إلى هذه المسألة بعيد جدًا، ولا أدري كيف كتبه الحافظ مع جلالة قدره، ولا تعلق للترجمة ولا لشيء مما أورد في الترجمة بتلك المسألة إشارة ولا دلالة، والظاهر أنه أشار بالترجمة إلى رد الطائفتين الأخريين:
إحداهما: من جوَّز صلاة الظهر قبل الزوال كما هو منقول عن بعض السلف من الصحابة، وعن أحمد وإسحاق مثله في صلاة الجمعة.
والطائفة الثانية: من قال: إن أول وقت الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك بعد الزوال، والجمهور على الزوال إلى آخر ما في "الهامش"، ويحتمل أن الغرض أن الصلاة في الإبراد مندوب، وأصل الوقت يحصل بالزوال، والله أعلم بمراد العباد.
(١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر)
اختلفوا في غرض الإمام بالترجمة.
قال الحافظ (٢): أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، وإلى انتفاء الفاصلة بين الوقتين، انتهى.
стр. 791
الأول مذهب المالكية، والقول بالفاصلة مذهب داود وبعض الشافعية.
قلت: ما قال الحافظ في غرض الترجمة الجزء الثاني منه صحيح، والأول مشكل، ولذا أشار إلى رده العيني (١) إذ قال: والمراد أنه لما فرغ من صلاة الظهر دخل وقت صلاة العصر، وليس المراد أنه جمع بينهما في وقت واحد، انتهى.
والأوجه عندي: أنه أشار إلى رد كليهما من الاشتراك والفاصلة، وقال السندي (٢): لا يخفى أنه لا دلالة في لفظ الحديث على التأخير لجواز أن ما فعله يكون من باب التقديم، فكأنه أشار بهذه الترجمة إلى توجيه الحديث بأنه لا يحمل على الجمع بين الصلاتين في الوقت حتى يقال: يمكن أن يكون من باب التقديم أو من باب التأخير بل يحمل على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها وضمها إلى الثانية فعلًا، وهذا التأويل في الحديث هو الذي اعتمده كثير من المحققين، وهو أقرب ما قيل فيه، انتهى.
وهو الذي اختاره شيخ المشايخ في "التراجم" (٣).
(١٣ - باب وقت العصر)
تقدم في الباب السابق أن أول وقته آخر وقت الظهر.
قال الحافظ (٤): لما لم يكن حديث أول وقت العصر بالمثل على شرطه ذكر ما يستنبط منه ذلك بطريق الاستنباط، انتهى.
واختلفوا في أن حديث عائشة دليل لتعجيل العصر أو لتأخيره، قال
стр. 792
الطحاوي (١): لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل، وأورد عليه بأن هذا يتصور مع اتساع العرصة، وقد عرف أنها لم تكن متسعة، ورد بأن الإيراد يمكن أن يتوجه لو كانت الجدر طويلة، وقد ثبت أنها كانت صغيرة جدًا، وهذا كله أن حمل الضوء على ما يأتي من رؤوس الجدر، ولو أريد به الضوء الداخل من باب الحجرة، فإن بابه كان غربيًا يدخل منه ضوء الشمس، وكلما يكون أقرب إلى الغروب يكثر الضوء فيه، ولا يخرج منه إلا قريب الغروب، كما هو ظاهر، فحينئذ لا يدل الحديث إلا على غاية التأخير.
وقد بسط في هامش "اللامع" الكلام على اتساع العرصات؛ لأن الحجرات كانت كلها جنب المسجد، وأبوابها كانت مفتوحة إلى المسجد، وأكثرها كانت جهة الشرق من المسجد، ومساحة المسجد كانت سبعين ذراعًا، فلا بد أن يكون اتساع الحجرات شرقًا وغربًا وإلا فلا يمكن بناء عدة الحجرات في جهة الشرق فضلًا عن أكثرها، انتهى.
(١٤ - باب إثم من فاتته العصر)
ههنا عدة أبحاث، الأول: أن الإمام ترجم بترجمتين، الأولى: هذه، والثانية إثم من ترك العصر، وأورد عليه بالتكرار.
ومؤدى ما قال الحافظان (٢) ابن حجر والعيني: إن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، وهذا لا يكفي لدفع إيراد التكرار؛ لأن الثانية أصرح في العمد، وقال شيخ الإسلام: الفرق بينهما أن الترك نص في العمد دون الفوات، ويحتمل أن الإمام فرق في العنوان والتعبير فقط، دون المراد رعاية لألفاظ الروايتين.
стр. 793
والأوجه عندي: أن المراد في الترجمة الأولى الفوات بدون العمد للتقابل بالترجمة الثانية، وهو الذي أراد الإمام الترمذي إذ ترجم على الحديث الأول: "باب ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر"، وإلى ما اخترته مال السندي (١) إذ قال: المتبادر من الفوات أن لا يكون باختيار من العبد، فعلى هذا قوله: "فكأنما وتر أهله وماله" إشارة إلى ما فاته من الخير، وهو المناسب بجعل المصنف الفوت في مقابلة الترك لكن على هذا يشكل إضافة الإثم على فوات إلا أن يراد بالإثم ما يلحقه من الضرر ولو بفوات الفصل، انتهى.
أو يقال: إن لفظ الإثم مجاز عن الأسف وغيره بلفظ الإثم إشارة إلى أن هذا الأسف يكون في الآخرة.
والبحث الثاني: في معنى الفوات، واختلفوا فيه على أقوال من التأخير أو ترك الجماعة أو الترك نسيانًا وغير ذلك بسطت في هامش "اللامع".
والثالث: في تخصيص العصر بذلك، قال الحافظ (٢): ظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها، وذكر العيني (٣) وجوه تخصيص العصر، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون الحديث خرج جوابًا لسائل عن صلاة العصر، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات.
والبحث الرابع: في إعراب لفظ: "أهله وماله" في الحديث الأول.
والبحث الخامس: احتجاج الخوارج من الحديث الثاني كما بسط في هامش "اللامع" (٤).
стр. 794
(١٥ - باب إثم من ترك العصر)
تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
(١٦ - باب فضل صلاة العصر)
قال الحافظ (١): أي: على جميع الصلوات إلا الصبح، كما يظهر من حديثي الباب، ويحتمل أن المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية.
وتعقبه العيني (٢) وقال: لو قال: باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى، وإنما خصص العصر للاكتفاء؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد أيضًا، انتهى.
قلت: لكن فضل الفجر سيأتي قريبًا، فالأوجه عندي أنه أراد الإشارة إلى خلافية شهيرة وهي أن الوعيد المذكور في البابين السابقين مخصوص بالعصر، أو خرج مخرج السؤال كما تقدم، فأشار بهذا الباب إلى القول الأول من التخصيص.
(١٧ - باب من أدرك ركعة من العصر)
يشكل على الإمام البخاري أنه ترجم بإدراك الركعة، وذكر الحديث بإدراك السجدة.
قال الحافظ (٣): كأنه أراد تفسير الحديث، وأن المراد بالسجدة الركعة، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى مسألة خلافية وهي ما قال الموفق: إن مدرك الركعة في آخر الوقت مدرك للصلاة، وهل يدركها بإدراك ما دون الركعة؟ فيه روايتان:
стр. 795
إحداهما: لا يدركها بأقل من ذلك، وهو مذهب مالك.
والثانية: يدركها بإدراك جزء منها أيّ جزء كان، وهو مذهب أبي حنيفة، وللشافعي قولان كالمذهبين، انتهى.
فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الرواية في هذا الباب إلى أن ما ورد في الروايات من لفظ الركعة ليس باحتراز، ثم مطابقة حديثي التمثيل بالباب بأن مدرك آخر الجزء كمدرك الكل، ولذا أتم لهم الأجور، فكذلك مدرك الركعة الأخيرة، بسطه في "فيض الباري" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): المناسبة بالترجمة من حيث إن الاستئجار شامل للوقت إلى الغروب، فمن أتى قبيل الغروب بحيث يمكن له أن يعد اسمه في العاملين كان داخلًا فيهم، وذلك لأن العادة في المستأجرين لا سيما في الكرماء أن ينظروا إلى العَمَلة وقت فراغهم من العمل، فمن وجد منهم ثمة إذًا وجب أجر عمله وإن كان قد أتى بعد الآخرين بكثير، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الكلام عليه في "هامشه".
(١٨ - باب وقت المغرب)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣) تحت قوله في الترجمة: قال عطاء. . . إلخ، مناسبة التعليق بترجمة باعتبار أنه يدل على أن آخر وقت المغرب متصل بأول وقت العشاء؛ لأن الجمع في الحضر محمول عند المؤلف على الجمع في الصورة ولو كان بعذر المرض، انتهى.
وبه جزم الحافظ (٤) إذ قال: أشار بهذا الأثر إلى أن وقت المغرب يمتد إلى العشاء، انتهى.
стр. 796
قلت: فعلى هذا يكون ردًا على من قال بعدم امتداد وقت المغرب، كما هو مشهور مذهب الشافعي ومالك، ففي "الأوجز" (١): وأول المغرب مجمع على أنه من الغروب وآخره عند أئمتنا الثلاثة وبه قالت الحنابلة إلى غروب الشفق، وهو أحد قولي الشافعي ومالك وقالا في قولهما الثاني: لا وقت له إلا وقت واحد وهو أن يتطهر، ويصلي ثلاث ركعات، انتهى.
قوله: (كانوا أو كان النبي ﷺ . . .) إلخ، اختلط كلام الشرَّاح في شرحه وما ظهر لي من كلامهم أن فيه احتمالات، منها ما قال الكرماني (٢): شك من الراوي، أي: قال: كانوا يصلونها بغلس أو كان يصليها بغلس، وهما متلازمان فإنه ﵊ كان معهم وهم كانوا معه، ورجح الحافظان ابن حجر والعيني هذا المعنى، ومنها ما قال ابن بطال: إن فيه حذفين، أحدهما: خبر كانوا، وثانيهما: الجملة بأسرها بعده، أي: كانوا مجتمعين أو لم يكونوا مجتمعين كان ﵇ يصليها بغلس.
ومنها ما قال ابن التين: إن كان تامة بمعنى حضر، وفيه حذف واحد بعد أو، أي: حضروا أو لم يحضروا كان النبي ﷺ يصليها بغلس.
ومنها ما قال ابن المنيِّر: الصبح يصليها بغلس كانوا مجتمعين أو كان ﵇ وحده، فحذف مجتمعين من الأول، ووحده من الثاني.
(١٩ - باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء)
قال الحافظ (٣): لم يجزم به على دأبه؛ لأن الحديث عنده لا يدل على المنع مطلقًا بل يدل على منع الغلبة، وعلة النهي أن العشاء لغة أول ظلام الليل، ومبدؤه من غروب الشفق، فيوهم أن وقت المغرب من غروب الشفق، وأيضًا فيه الالتباس من صلاة العشاء، وأيضًا لفظ صلاة المغرب لفظ شرعي نبوي والعشاء أعرابي، انتهى ملخصًا.
стр. 797
قلت: وأيضًا في إطلاق لفظ العشاء على المغرب محظور شرعي قوي وهو التباس الأحكام؛ فإن الأحكام التي وردت في النصوص للعشاء يوهم إجراءها في المغرب للالتباس في الاسم، بخلاف إطلاق العتمة على العشاء كما سيأتي في الباب الآتي، إذ ليس لفظ العتمة اسم لصلاة أخرى غير العشاء، فلا التباس فيه.
(٢٠ - باب ذكر العشاء والعتمة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك أن النهي تنزيه، وإلا فقد ثبت جواز إطلاق اللفظين معًا في الأخبار والآثار، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو النهي عن غلبة الأعراب على التسميتين، وذلك لأنه لم يثبت عنه ﷺ إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء، فتصرفه في الترجمتين بحسب ذلك، انتهى.
قلت: وأيضًا إطلاق العتمة على العشاء ليس بمحظور شرعي كما تقدم.
قوله: (ويذكر عن أبي موسى) فيه دليل على أن ذكر المصنف بصيغة التمريض لا يكون للضعف فقط، بل لوجوه فإنه سيخرج المصنف حديث أبي موسى هذا قريبًا في "باب فضل العشاء" وقد تقدم في مقدمة "اللامع" في خصائص الكتاب البسط في ذلك.
(٢١ - باب وقت العشاء. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): ردّ على من قال: يسمى بالعشاء إذا عجلت، وبالعتمة إذا أخرت، انتهى.
стр. 798
وأنكره العيني (١) بأن الترجمة لا تدل على ذلك، وقال: بل الغرض بيان الوقت المستحب في الاجتماع وغيره، وبه جزم السندي (٢) إذ قال: قوله: "باب وقت العشاء. . ." إلخ، أي: بيان المختار من وقت العشاء، ويفهم من الحديث أن المختار عند اجتماعهم أول الوقت هو أول الوقت، وعند تأخرهم المختار آخر الوقت وأوسطه بل وقت اجتماعهم، فوافق الترجمة الحديث، واندفع أنه لا يفهم من الحديث وقت العشاء أصلًا، انتهى.
(٢٢ - باب فضل العشاء)
قال الحافظ (٣): لم أر من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنه مأخوذ من قوله ﷺ : "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" فعلى هذا في الترجمة حذف، أي: "باب فضل انتظار العشاء"، انتهى.
قلت: عندي فضل انتظار العشاء هو فضل العشاء، وتعقب العيني (٤) كلام الحافظ إذ قال: إن كلامه آل أن الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء، فنقول: مطابقته للترجمة من حيث إن العشاء عبادة قد اختصت بالانتظار لها من بين الصلوات، وبهذا ظهر فضلها، انتهى.
وقال السندي (٥): الفضل هو ما ورد في الحديثين من مدح أهل العشاء والثناء عليهم وتبشيرهم عند انتظارهم، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٦) تحت قوله: "ما ينتظرها أحد من أهل
стр. 799
الأرض. . ." إلخ، الظاهر أن مراده ﵇ أن الصلاة في هذا الوقت مخصوص بهذه الأمة، ويحتمل أن يكون معناه أنكم مخصوصون بهذا الانتظار؛ لأنه كان في أول الإسلام، ولم يكن يصلي الصلاة إلا في مواضع عديدة، والأنسب بترجمة الباب هو الأول، انتهى.
قلت: وعلى ما أفاده شيخ المشايخ من الاحتمال الأول لا تكرار لهذا الباب بما سيأتي من "باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة".
قوله: (قبل أن يفشوا الإسلام) فيه دليل على أن هذه القصة غير الآتية في حديث أبي موسى الآتي فإنه كان في آخر الإسلام حين قدم من الحبشة في السنة السابعة، انتهى من "الفيض" (١).
ثم قال في "باب النوم قبل العشاء" في حديث ابن عباس: إن هذه الواقعة متأخرة جدًا؛ فإن ابن عباس جاء في السنة الثامنة إلى آخر ما قال.
(٢٣ - باب ما يكره من النوم. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخَّص بعضهم فيه في رمضان خاصة.
قال الحافظ: فلعله رد على من خصه برمضان، انتهى.
(٢٤ - باب الثوم قبل العشاء لمن غلب)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني: أن النهي لمن لم يغلب عليه النوم، ومن غلب عليه فله رخصة في النوم، ثم إن غير المغلوب إنما يكره النوم له إذا خاف فوات الجماعة بالنوم وإلا فلا يكره له أيضًا، انتهى.
قال الحافظ (٤): في الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصة بمن تعاطى
стр. 800
في ذلك مختارًا، وقيل: ذلك مستفاد من ترك إنكاره ﷺ على من رقد، ولو قيل بالفرق بين من غلبه النوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبه وهو في منزله مثلًا لكان متجهًا، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمتين إلى الجمع بين مختلف ما روي في النوم قبل العشاء والنهي عنه، وجمع بينهما بوجوه، منها: ما أشار إليه الإمام البخاري، ومنها: ما قال الحافظ ناقلًا عن الترمذي من الرخصة في رمضان خاصة كما تقدم، ومنها: ما قال الحافظ: ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه بما إذا كان من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد، ومنها: ما قال الطحاوي: الرخصة على ما قيل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله، انتهى من هامش "اللامع".
(٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك وقتها المستحب، ثم اختلاف الروايتين بالنصف والثلث مبني على اختلاف التخمين وتقريب الأمر، أو على اختلاف إرادة الشروع والفراغ، انتهى.
وبهذا جزم الشرَّاح من أن المراد الوقت المختار، وأما وقت الجواز فهو إلى الصبح، وقال الإصطخري من الشافعية: وقت الجواز إلى نصف الليل وبعده قضاء لا أداء.
فالأوجه عندي: أن مسلك الإمام البخاري هو مسلك الإصطخري، وهو قول للشافعي ومالك كما في "الأوجز" (٢)، ويدل عليه ظاهر الترجمة كما جزم به الكرماني (٣) إذ قال: إن ظاهرها مشعر لذلك، ولذلك لم يأت بشيء من الأثر، والحديث يدل على الامتداد إلى طلوع الفجر.
стр. 801
وقال الحافظ (١): لم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت، انتهى.
وعلى هذا فلا حاجة عندي لتوجيه الترجمة، ولو سلم صرفها إلى مذهب الجمهور فيمكن توجيهها بما يستنبط من كلام العلامة السندي (٢) وهو أن الغاية في الترجمة داخلة في المغيا، وكأنه أثبت بالترجمة جوازها إلى ما بعد النصف، وثبت ذلك في حديث الباب بلفظ: "أخر العشاء إلى نصف الليل ثم صلى"، فلفظ: "ثم" صريح في الأداء بعد النصف، فإذا ثبت الأداء بعد النصف امتد إلى طلوع الفجر لعدم القائل بالفصل، فإن المذاهب في آخر وقت العشاء ثلاثة: إلى الثلث وإلى النصف وإلى طلوع الفجر، كما في "الأوجز"، وترجم بلفظ: "إلى نصف الليل" رعاية للفظ الحديث الوارد فيه، فتأمل؛ فإنه لطيف، انتهى من هامش "اللامع".
(٢٦ - باب فضل صلاة الفجر والحديث)
هذه الترجمة من التراجم المشكلة، وهي عديدة في البخاري تقدم بعضها، منها: "باب من بدأ بالحلاب والطيب" ويأتي البعض الآخر، وفي هذا الباب يشكل لفظ "الحديث"، ولا يظهر له وجه وجيه، وليس هذا اللفظ في نسخة الكرماني فقال: وفي بعضها: "باب صلاة الفجر والحديث"، ولم تظهر مناسبة لفظ "الحديث"، وقد يقال: الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر، انتهى.
قال الحافظ (٣): ولا يخفى بعده، فالظاهر أنه وهم، يدل عليه أنه ترجم لحديث جرير أيضًا "باب فضل صلاة العصر" بغير زيادة، ويحتمل أنه كان فيه "باب فضل صلاة الفجر والعصر"، فتحرفت الكلمة الأخيرة، انتهى.
стр. 802
وتعقب عليه العيني (١) وقال: كلام الكرماني أوجه من ادعاء الوهم، واحتمال التحريك بعيد جدًا، فإن قلت: ما وجه خصوصية هذا الباب بهذه اللفظة دون سائر الأبواب التي يذكر فيها فضائل الأعمال؟
قلت: يحتمل أن يكون وجه ذلك أن صلاة الفجر إنما هي عقيب النوم، والنوم أخو الموت، فينبغي أن يجتهد المستيقظ على أداء صلاة الفجر شكرًا لله تعالى على حياته، انتهى.
وفي حاشية الهندية (٢) عن "الخير الجاري": أقرب الوجوه أن يقال: أراد البخاري بيان أن فضل صلاة الفجر معلوم من حديث مشهور ولو عند البعض ذكره لمزيد الاهتمام بشأنه، انتهى.
وما أورده الشيخ في "اللامع" "باب فضل صلاة الفجر وباب الحديث" فيه كرره إشارة إلى عظم منقبة الحديث الوارد في هذا الباب، انتهى.
هذا أقرب الوجوه المذكورة عندي، والمعنى بيان فضل هذا الحديث الوارد في الباب لما فيه من بشارة الرؤية يوم القيامة، وفي تقرير المكي قال قُدِّس سرُّه: الأقرب عندي أن الحديث عطف على الفضل، والمراد به كلام الناس يعني باب الكلام في هذا الوقت، أي: بعد الفجر هل يكره أم لا؟ فثبت بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية [الحجر: ٩٨] أنه يكره؛ لأن ذلك الوقت وقت تسبيح، وقد ورد في الكراهة الأحاديث، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٣): هذا من عادات المصنف أن الحديث إذا اشتمل على فائدة، ويريد أن ينبّه عليها فيذكرها في الترجمة وإن لم يناسب سلسلة التراجم وأسميه إنجازًا، فقوله: والحديث، أي: الحديث بعد العشاء وإن لم يناسب ذكره ههنا؛ لأنه عقد الترجمة لفضل صلاة الفجر، ولا مناسبة بينه وبين الحديث بعد العشاء إلا أنه لما كان مذكورًا في الحديث ذكره إنجازًا، وقد اضطرب في توجيهه الشارحون ولم يأتوا بشيء، انتهى.
стр. 803
قلت: وقد سنح في خاطري هذا التوجيه منذ زمان، وقد تتبعت لذلك طرق أحاديث جرير في سالف الزمان، ولم أجد فيها تصريحًا بكون هذا الكلام بعد العشاء، فلو ثبت فهذا أقرب التوجيهات، وإلا فيمكن أن يقال: إن من دأب البخاري الاستدلال بكل المحتمل على أن كونه بعد العشاء أقرب لشدة ضوء البدر إذ ذاك وهو كان ملحوظًا في التشبيه، انتهى من هامش "اللامع".
(٢٧ - باب وقت الفجر)
الظاهر أن الغرض منه بيان أول الوقت، ومن الباب الآتي بعده آخر وقته.
وحاصل ما قال الحافظ (١) في الحديث الأول: إنه إذا لم يكن بين الفراغ عن السحور وبين الصلاة إلا قدر قراءة خمسين آية علم منه أن أول وقته طلوع الفجر.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "قدر خمسين. . ." إلخ، فيه دلالة على تغليس النبي ﷺ بالصلاة، وهو المراد في الباب من بيان الوقت، أو المراد في الباب أعم من وقته الشرعي ومن الوقت الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه، انتهى.
(٢٨ - باب من أدرك من الفجر ركعة)
غرضه بيان آخر وقت الفجر كما تقدم في الباب السابق.
(٢٩ - باب من أدرك من الصلاة ركعة)
غرض الترجمة ظاهر من أن لفظ الفجر والعصر في الروايات ليس للحصر.
стр. 804
وقال الكرماني (١): الفرق بين البابين أن الأول فيمن أدرك من الوقت ركعة، وهذا فيمن أدرك من نفسه الصلاة ركعة.
وقال الحافظ (٢): أشار المصنف في الترجمة إلى لفظ مستقل، وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك المغاير نصًا، فللَّه دره، انتهى.
(٣٠ - باب الصلاة بعد الفجر. . .) إلخ
بيان للأوقات المنهية، والأوجه عندي: أن المصنف نبَّه بلفظ: "ترتفع" في الترجمة، أنه هو المراد بالروايات الواردة بلفظ: تطلع الشمس وتشرق، فالترجمة شارحة.
(٣١ - باب لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): كأن بعضهم لما ذهب إلى أن الحرام إنما هو التحري بصلاته للطلوع والغروب لا مطلق وقوع صلاته في هذين الوقتين نبَّه على حجتهم في ذلك، وقد بيَّن قبل ذلك حجة من ذهب إلى عموم النهي عن التحري والوقوع، انتهى. ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، فإنهم اختلفوا في الصلاة في الأوقات المنهية على أقوال بسطت في "الأوجز" (٤).
ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري فرَّق بين الترجمتين، إذ أطلق الترجمة الأولى، أي: الصلاة عند الطلوع، وقيَّد الثانية، أي: الصلاة عند الغروب بالتحري، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، ولا المشايخ سوى العلامة السندي مع أن الأحاديث الواردة في الترجمتين على نسق واحد
стр. 805
من إطلاق النهي في الصلاتين معًا، وكذا التحري ورد فيهما معًا، فكيف غاير الإمام، وتنبه لذلك السندي (١) لكنه سعى باتحاد الترجمتين إذ قال: أما التحري فلعل المراد منه مطلق القصد إلى الوقتين لأجل إيقاع الصلاة فيهما بناء على أن الصلاة فعل اختياري، فمن يفعلها فيهما يقصدهما لأجلها فتوافقت الأحاديث على إطلاق النهي إلى أن قال: وعلى هذا فذكر التحري في أحد البابين دون الآخر إما لمجرد التفنن أو للدلالة على أن التحري لا دخل له في الخصوص، ويمكن أن يقال: ذكر التحري في العصر؛ لأن العصر ورد فيها أنه ﷺ صلى بعدها بخلاف الفجر، لكن هذا لا يناسب بالأحاديث؛ فإنها في الباب سواء، انتهى.
وما يظهر لهذا المبتلى بالسيئات أن المصنف فرَّق بين الترجمتين عمدًا وقصدًا لدقة نظره وعموم اجتهاده؛ لأن الصبح لم يرد فيها على شرط البخاري ما يغاير النهي نصًا بخلاف النهي بعد العصر، فإنه صح عند البخاري فيه ما ينافي إطلاق النهي كما سيأتي قريبًا في "باب ما يصلي بعد العصر" فأطلق المؤلف في الصبح، وقيَّد النهي بعد العصر بالتحري جمعًا بين الروايات، وإشارة إلى أن الراجح عنده في الصبح مسلك الجمهور في إطلاق النهي، وترجح عنده في العصر مسلك بعض الظاهرية أن النهي مقيد بالتحري.
قال الحافظ (٢): لا تكره الصلاة بعد الصبح والعصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر وقوَّاه ابن المنذر، انتهى.
ويرد على المؤلف إيراد روايات التحري في الباب الأول وإيراد روايات الإطلاق في الباب الثاني، والجواب عنه واضح، وهو أنه أشار
стр. 806
بالترجمتين إلى أن روايات التحري في الصبح محمولة عنده على الإطلاق كما أن إطلاق الروايات في العصر عنده مقيد بالتحري، فتكون الترجمة شارحة كما هو أصل مطرد للبخاري، فتأمل، فإن خاطري أبو عذره، فإن كان صوابًا فمن الله، هان كان خطأ فمني ومن الشيطان، والإمام البخاري منه بريء، انتهى من هامش "اللامع".
(٣٢ - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): وكأن هؤلاء لم يبلغهم رواية النهي عن الصلاة عند الاستواء، انتهى.
قال العيني (٢): غرض البخاري بهذا الباب ردّ قول من منع الصلاة عند الاستواء، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): به قال مالك مطلقًا، والشافعي في يوم الجمعة، انتهى.
وكذا حكى الحافظ عن مالك أنه لم يكره مع أنه روى حديث الصنابحي؛ لأنه لعله رأى عمل أهل المدينة على الإباحة عند الاستواء، انتهى.
(٣٣ - باب ما يصلَّى بعد العصر من الفوائت ونحوها. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قال الزين بن المنيِّر: وأشار به إلى إدخال ما له سبب من النوافل، انتهى.
وأنكره العيني (٥) وقال: بل المراد من ذلك دخول مثل صلاة الجنازة إذا حضرت في ذلك الوقت وسجدة التلاوة، والنهي الوارد في هذا الباب
стр. 807
عام يتناول النوافل التي لها سبب والتي ليس لها سبب، انتهى.
قلت: فكل من الشارحين فسَّر مراد البخاري على مسلكه، فإن عند الشافعية يجوز في الأوقات المنهية من النوافل ما كانت ذات سبب، ولا يجوز عند الحنفية كما بسط الاختلاف في ذلك في هامش "اللامع" و"الأوجز" وهامش "الكوكب".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): غرضه من عقد هذا الباب الإشارة إلى توجيه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنه لم يكن رسول الله ﷺ يدع الركعتين بعد العصر بأنه كان ذلك قضاء لراتبة الظهر، ومعنى قولها: "ما تركهما" ترك نسخ، بل كان ﵇ إذا فاتته راتبة الظهر أو راتبة صلاة أخرى صلاها بعد العصر، لكن هذا التوجيه لا يمشي في آخر أحاديث الباب، انتهى.
قوله: (شغلني ناس. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه دلالة على جواز القضاء في ذلك الوقت غير أن السنن لما لم تكن مقضية لعدم الوجوب ليس لأحد قضاؤها في الأوقات سيما المكروهة، ثم إن الركعتين من خصوصيات النبي ﷺ ، ومن صلَّى من الصحابة فإنما صلى لحمله فعله ﵇ على التشريع مع أنه لم يكن تشريعًا، وكان يصليهما يوم عائشة لابتدائهما أولًا في يومها، انتهى. وفي هامش "اللامع": أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في هذا الكلام المختصر الوجيز البديع الإشارات إلى ستة أبحاث طويلة الأذيال جديرة بالباب:
الأول: منها إثبات الترجمة، وهو جواز القضاء في أوقات النهي.
الثاني: ما يتوهم من أحاديث الباب وجوب قضاء السنن والنوافل.
الثالث: جواز قضاء السنن وغيرها في الأوقات المنهية.
стр. 808
الرابع: أن هاتين الركعتين من خصوصياته ﷺ فلا يقاس عليه غيره.
الخامس: الجواب عما ورد من الآثار في جواز النفل بعد العصر.
السادس: أن هاتين الركعتين الواردتين في الباب اختلفت الروايات في إثباتهما ونفيهما.
وبسط الكلام على هذه المباحث في هامش "اللامع" (١).
(٣٤ - باب التبكير بالصلاة في يوم غيم)
أشكل على الترجمة بوجهين:
الأول: أن المطابقة لقول بريدة لا للحديث.
والثاني: أن في الحديث تبكير العصر لا مطلق الصلاة، والترجمة مطلقة.
والجواب: أن القرينة دلَّت على أن قول بريدة: "بكروا بالصلاة" كان في وقت دخول العصر في يوم غيم، فأمر بالتبكير حتى لا يفوتهم بخروج الوقت، ويفهم بإشارته أن بقية الصلوات كذلك، انتهى من "العيني" (٢) مختصرًا.
وسلك السندي (٣) مسلكًا آخر إذ قال: لعله أراد بالصلاة، أي: في الترجمة العصر فقط، وقد استدل على ذلك بالحديث المرفوع بالنظر إلى استنباط الصحابي وفهمه؛ فإن بريدة قد أسند قوله: "بكروا" إلى الحديث المرفوع، واستدل به عليه فليست هذه الترجمة مبنية على قول بريدة كما زعمه الإسماعيلي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "بكروا بالصلاة" إن كان المراد بالصلاة صلاة العصر فالمطابقة بالترجمة ثابتة بنوع مقايسة، وعموم الحكم
стр. 809
بعموم العلة، وإن لم يكن المراد بالصلاة إلا المطلقة فالمطابقة بينهما واضحة، غير أن الاحتجاج على دعوى التبكير بالصلاة بقوله ﷺ : "من ترك صلاة العصر" مفتقر إلى المقايسة، وتعدية الحكم بعموم العلة، انتهى.
(٣٥ - باب الأذان بعد ذهاب الوقت)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: للقضاء والفوائت، وهذا إذا فاتت صلاة جماعة، وأما الفذ المنفرد فالأدب له إخفاء فعله لما فيه من إساءة؛ فإن إظهار فوت الصلاة اجتراء وشناعة فلا يستحب له التأذين إلا حيث لا يطلع عليه أحد، انتهى.
قال الحافظ (٢): وفي الحديث ما ترجم له وهو الأذان للفائتة، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد، وقال في الجديد: لا يؤذن، وبه قال مالك، انتهى.
وبالأول قالت الحنفية كما في "العيني" (٣).
(٣٦ - باب من صلَّى بالناس جماعة. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قال الزين بن المنيِّر: إنما قال البخاري: "بعد ذهاب الوقت" ولم يقل مثلًا لمن صلَّى صلاة فائتة للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها لا كالفوائت التي جهل يومها أو شهرها، انتهى.
قال الحافظ (٥): وباستحباب قضاء الفوائت بالجماعة قال أكثر أهل العلم إلا الليث مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت إلى آخر ما بسط في ما يستفاد من الحديث.
стр. 810
قوله: (فصلى العصر) قال الحافظ: قال الكرماني (١): فإن قلت: كيف دلَّ الحديث على الجماعة؟
قلت: إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارًا وإما من إجراء الراوي الفائتة التي هي العصر والحاضرة التي هي المغرب مجرى واحدًا، ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة لما هو معلوم من عادته.
قال الحافظ: وبالاحتمال الأول جزم ابن المنيِّر، وهو الواقع في نفس الأمر، ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: فصلى بنا العصر، انتهى مختصرًا.
(٣٧ - باب من نسي صلاة. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): مقصوده عدم وجوب الترتيب بين الوقتية والفوائت على خلاف مذهب أبي حنيفة، انتهى.
قلت: الظاهر عكسه، والمسألة خلافية، فعند الشافعي لا يجب الترتيب مطلقًا ويجب عند أحمد مطلقًا، وعندنا الحنفية ومالك يجب إلى خمس صلوات لا بعدها.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة" أورده إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات أن من فاتته صلاة فإن عليه قضائها ومثلها بأن ذلك منسوخ، ولا يجب عليه إلا صلاة واحدة فقط، وليس ذلك إشارة إلى دفع مذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب، وذلك لأن المذكور ههنا الوجوب بفور الذكر، والذكر يقتضي سابقية النسيان، ولا شك أن الترتيب ساقط بالنسيان، فليس في هذا الحديث ما يدخل على مثبت وجوب الترتيب، والحجة له ما أورده المؤلف بعد
стр. 811
ذلك؛ فإن النبي ﷺ فاتته الصلوات بمرات، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لربما تركه في بعضها، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" أشد البسط.
قال الحافظ (١): يحتمل أن يكون البخاري أشار بذلك إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم بلفظ: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضورها مثلها من الوقت الآتي إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
ولا يبعد عندي أنه أشار إلى رد قول الإمام أحمد إذ قال: فيمن ترك صلاة سُنَّة يصليها ويعيد كل صلاة صلاها وهو ذاكر لما ترك من الصلاة، كما في "المغني"، فهذا يرده قول النخعي في الترجمة، وأما عند الحنفية والمالكية فيسقط الترتيب بعد خمس صلوات، ويسقط بالنسيان عندنا وأحمد، ولا يسقط عند المالكية.
(٣٨ - باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى)
قال السندي (٣): أي: مراعاة الترتيب في القضاء إذا تعدد، وكأنه استدل عليه بالحديث؛ لأنه إذا روعي الترتيب بين القضاء والأداء فبالأولى أن يراعى بين القضائين، انتهى.
قال الحافظ (٤): وهذه الترجمة عبَّر عنها بعضهم بقوله: "باب ترتيب الفوائت" وقد تقدم نقل الخلاف في هذه المسألة، ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي ﷺ المجردة للوجوب، اللَّهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني
стр. 812
أصلي"، انتهى.
وتقدم عن السندي أن إثبات الترجمة بالأولوية، ومسألة الترتيب بين الفوائت مختلف فيها، فيجب عند الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي: لا يجب.
(٣٩ - باب ما يكره من السمر. . .) إلخ
ذكر فيه حديث النهي عن الحديث بعد العشاء، فكأنه أشار بالترجمة إلى أن المنهي عنه السمر لا مطلق الكلام، فكانت الترجمة شارحة للفظ الحديث، ثم استثنى منه التكلم في الخير فترجم بـ "باب السمر في الفقه والخير" قال ابن المنيِّر: الفقه يدخل في عموم الخير لكنه خصه بالذكر تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره، ثم استثنى منه ثانيًا بـ " باب السمر مع الأهل والضيف " قال ابن المنيِّر: اقتطع البخاري هذا الباب من "باب السمر في الفقه والخير" لانحطاط رتبته عن مسمى الخير؛ لأن الخير متمحض للطاعة، وهذا النوع من السمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقهما فيلتحق بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(٤٠ - باب السمر في الفقه والخير. . .) إلخ
تقدم ما يتعلق بهذه الترجمة في الباب السابق ولا يشكل التكرار بما تقدم من "باب السمر بالعلم" لأنه كان تحريضًا وتنويهًا بشأن العلم، وههنا للاستثناء عن النهي فلا تكرار.
(٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن جواز السمر غير متوقف على كونه وعظًا وذكرًا بل يجوز غير ذلك أيضًا، والمكروه ما كان سببًا
стр. 813
لفوت صلاة الفجر، انتهى.
وتقدم عن الحافظ في الباب السابق ما يتعلق بهذه الترجمة.
قوله: (ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادم) قال الكرماني (١): قوله: "وخادم" يحتمل العطف على أمي وعلى امرأتي، والثاني أقرب لفظًا، انتهى.
وعلى هذا يكون الخادم داخلًا في الشك وهو مختار مولانا الشيخ أنور في "الفيض"، ولا يذهب عليك ما في حاشية النسخة الهندية من نقل كلام الكراماني بلفظ عطف على امرأتي أو أمي، والثاني أقرب لفظًا فيه تحريف من التقديم والتأخير فانقلب الأمر، وفي تقرير المكي قوله: "وخادم" عطف على "أمي"؛ لأن الشك في مجرد قوله: "وامرأتي" لا غير، فعلى هذا هو ليس بمشكوك، وهذا هو الأوجه عندي، انتهى.
وقال العيني (٢): قوله: "خادم" بالرفع عطف على "امرأتي" على تقدير: أن يكون لفظ امرأتي موجودًا فيه، وإلا فهو عطف على أمي، انتهى.
قوله: (وإن أبا بكر تعشى. . .) إلخ، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): في هذا الحديث تقديم وتأخير؛ لأن أكله ﷺ وحنثه في يمينه ينبغي أن يذكر قبل قوله: "فشبعوا أو صارت أكثر"، وما وقع في الحديث من قوله: "تعشى أبو بكر عند النبي ﷺ " فتقرير الكلام أن يقال: إن قول الراوي: ثم لبث حتى صليت العشاء تفصيل لما سبق من قوله: "تعشى أبو بكر"، انتهى.
وبسط الكلام عليه في "اللامع" (٤) وهامشه فارجع إليه لو شئت.
قوله: (وكان بيننا وبين قوم عقد) أي: عهد مهادنة (فمضى الأجل)
стр. 814
فجاءوا إلى المدينة (ففرقنا اثني عشر رجلًا) أي: ميزنا أو جعلنا كل رجل من اثني عشر رجلًا فرقة مع كل رجل منهم أناس، والله تعالى أعلم كم مع رجل، هكذا شرحه القسطلاني (١)، ونحوه في "العيني" و"الفتح"، ولم أتحصل بعد ما قالوا، وأجاد فيه في "اللامع" إذ قال (٢): فمضى الأجل وحان قتالهم؛ فبعث رسول الله ﷺ اثني عشر رجلًا لقتالهم مع كل منهم رجال فأكلوا، انتهى.
وهذا أحسن وأوجه وأوضح، لكني ما وجدته في الشروح، فتأمل، ثم سكت الحافظ عن بيان براعة الاختتام ههنا، والظاهر عندي أن البراعة في قوله: "ومضى الأجل"، والله أعلم.
* * *
стр. 815
١٠ - كتاب الأذان
الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع.
وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، قال القرطبي: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد، ثم بإثبات الرسالة، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة، عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، انتهى.
(١ - باب بدء الأذان وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ. . .﴾ [المائدة: ٥٨] إلخ)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ولما ثبت الأذان بالآية كان له بدء أيضًا وإن لم يذكر فيها صراحة، وكذلك في الآية الثانية، مع أن مطلق ذكر الأذان في الآية من غير ذكر البدء كاف للمناسبة بين الآية والترجمة، ولا يفتقر إلى إبداء البدء في الآية، انتهى.
وفي هامشه: ويظهر من كلام الشرَّاح أن الآيتين تشيران إلى البدء أيضًا.
стр. 816
قال الحافظ (١) في الآية الأولى: يشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا: لقد أبدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى فنزلت هذه الآية، وقال أيضًا في الآية الثانية: يشير بذلك أيضًا إلى الابتداء؛ لأن ابتداء الجمعة كان بالمدينة، واختلف في السنة التي فرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: كان في الثانية، وروي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، انتهى.
وعلى هذا فيكون غرض الإمام بذكر الترجمة وإيراد الآيتين المدنيتين الإشارة إلى ترجيح شرعيته بالمدينة ردًا على ما روي في بعض الروايات من شرعيته ليلة الإسراء، بسطها الحافظ مع الكلام عليها، انتهى مختصرًا.
قلت: ويشكل على آية الجمعة أن الترجمة عامة، ولا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى ما روي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، كما تقدم عن الحافظ.
(٢ - باب الأذان مثنى مثنى)
يحتمل أن يكون الغرض من هذا الباب تفسير لفظ الشفع الوارد في الحديث، فإنه أعم فتكون الترجمة شارحة، ويمكن أن يقال: إن الغرض الرد على من قال بالترجيح من الشافعية والمالكية خلافًا للحنفية والحنابلة.
قال العيني (٢): لفظ مثنى معدول من اثنين اثنين، ولا إشكال في النسخة التي لم يكرر فيها هذا اللفظ، وأما في النسخ المشهورة فالتكرار للتوكيد رعاية لرواية الطيالسي، أو يقال: إن الأول لإفادة التثنية لكل ألفاظ الأذان، والثاني لكل أفراد الأذان، انتهى.
стр. 817
(٣ - باب الإقامة واحدة. . .) إلخ
لعلَّ المصنف أشار به إلى تفسير الوتر الوارد في الحديث؛ لأن الوتر أعم من الواحد، انتهى من "الفتح" (١).
أورد على من قال: إن الإقامة كالأذان كما قال به الحنفية، أورد على المالكية في قولهم بإفراد الإقامة حتى في لفظ: قد قامت الصلاة.
(٤ - باب فضل التأذين)
قال الحافظ (٢): راعى المصنف لفظ "التأذين" لوروده في حديث الباب، قال ابن المنيِّر: التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعل وهيئة، والظاهر أن التأذين ههنا أطلق بمعنى الأذان، انتهى.
والأوجه عندي: أن الباب الآتي باب في باب فلا يشكل إذًا أنه لا يثبت فضل التأذين بحديث الباب نصًا بل إشارة فإنه يثبت بهذا إشارة وبالآتي نصًا، وكذلك يناسب إذًا أثر عمر بن عبد العزيز في الباب الآتي بهذا الباب نصًّا.
(٥ - باب رفع الصوت بالنداء)
تقدم أنه عندي باب في باب.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "وقول عمر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا. . ." إلخ، أشار به إلى أن المراد بالرفع في الرواية والترجمة هو الذي لا يورث البحة والخشونة في الصوت، وهو الرفع البالغ إلى حد يتعب صاحبه، بل المراد الرفع الغير المتعب، انتهى.
وقال الحافظ (٤): الظاهر أنه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع، لا أنه نهاه عن رفع الصوت.
стр. 818
وقال العيني (١): قال الداودي: لعل هذا المؤذن لم يكن يحسن مد الصوت إذا رفع بالأذان فعلمه، وليس أنه نهاه عن رفع الصوت، انتهى.
قال العيني: كأنه يطرب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مد الصوت فأمره بالسماحة والسهولة بترك التطريب وبمد صوته، انتهى.
والأوجه عندي: أن التطريب يكون مانعًا عن رفع الصوت فأمره بتركه ليكون أعون في رفع الصوت، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود وأوفق بالترجمة والرواية إلا أن تمام أثره المذكور في ابن أبي شيبة يدل على أن نكيره كان على التطريب، انتهى من هامش "اللامع".
(٦ - باب ما يحقن بالأذان من الدماء)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى: فيها فضل التأذين، والثانية: فيها الشهادة له، والثالثة: حقن الدماء، انتهى ملخصًا.
(٧ - باب ما يقول: إذا سمع المنادي)
قال الحافظ (٣): لم يجزم المصنف بالجواب لقوة الخلاف في ذلك كما سيأتي.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت قوله: "فقولوا مثل ما يقول المؤذن": فيه تغليب وإلا ففي الحيعلتين ليس الجواب مثل قوله، انتهى.
وفي هامشه: وهذا هو المرجح عند الأئمة الأربعة، قال الزرقاني تبعًا للحافظ: وهو المشهور عند الجمهور، وقيل: يجمع بينهما، نقله ابن عابدين عن البعض، وهو وجه لبعض الحنابلة ولبعض المالكية، كما في "الأوجز" (٥).
стр. 819
قال الحافظ (١): قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فتارة يقول كذا وتارة يقول كذا، انتهى.
قال العيني (٢): احتج بالحديث أصحابنا على أن إجابة المؤذن واجبة، وبه قال ابن وهب من المالكية، وهو مذهب الظاهرية، وقال الأئمة الثلاثة: مستحبة، وهو اختيار الطحاوي، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): يجيب وجوبًا، وقال الحلواني: ندبًا، انتهى.
(٨ - باب الدعاء عند النداء)
أي: عند تمام النداء لرواية مسلم بلفظ: "قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة"، وكأن المصنف لم يقيَّده بذلك اتباعًا لإطلاق الحديث، واستدل بحديث الباب الطحاوي على أن الإجابة المعروفة ليس بواجب، انتهى.
قلت: ولعل إليه ميل المصنف، وأجاد في ذكر هذا الباب بعد الباب السابق.
(٩ - باب الاستهام في الأذان. . .) إلخ
الشرَّاح سكتوا عن غرض الإمام ويحتمل عندي في غرض الترجمة أنه أراد بيان جواز الاستهام لذلك خاصة أو مطلقًا خلافًا لمن قال: إن القرعة منسوخة، أو يقال: إنه رد على من قال بجواز الأكثر من مؤذن واحد.
قوله: (ويذكر. . .) إلخ، لعله ﵁ ذكره لتعيين معنى الاستهام؛ لأن الشرَّاح اختلفوا في معناه هل هو الاقتراع أو الترامي بالسهام.
قوله: (فأقرع بينهم سعد) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): القرعة منسوخة
стр. 820
عندنا لإثبات الحكم، وأما لإطابة القلب ودفع تهمته الجور عن نفسه فلا، انتهى.
وترجم الإمام البخاري لهذه المسألة في مواضع من صحيحه، منها ههنا، ومنها ما سيأتي من "باب هل يقرع في القسمة؟ " ومن "باب القرعة في المشكلات" ومن "باب القرعة بين النساء" وغير ذلك، وأنت خبير بأن هذه المواضع كلها من القرعة التي لم ينكرها الحنفية، ولم يترجم الإمام البخاري بقرعة قالت الحنفية بنسخها في موضع ما من كتابه، فهل هذا مصير منه أيضًا إلى أن القرعة في المشكلات لتطييب القلب لا لإثبات الحكم؟ فتأمل، انتهى من هامش "اللامع".
(١٠ - باب الكلام في الأذان)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): يعني: أن الكلام لا يقطع الأذان كما يقطع الصلاة، فإن اتفق الكلام في خلاله لا يعاد، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): لا بأس به عندنا أيضًا ما لم يخل بالمقصود، وهو الإعلام بأن يوقع بكلامه بينه فصلًا يخرجه عن إفادته، ودلالة الرواية عليه في قوله: "فعل هذا من هو خير منه"، فإنه لما فعله ﷺ وأمر به كان حجة لجواز الكلام في أثنائه؛ فإنه لا شك في كونه كلامًا، انتهى.
وفي هامشه: ليس مراد الشيخ بقوله: لا بأس الإباحة كما يوهمه ظاهر اللفظ لأن المعروف في كتب الفقه الكراهة.
قال النووي: التكلم في الأذان مختلف بين الأئمة، فكرهه الأئمة الثلاثة، ورخص فيه الإمام أحمد إلى آخر ما في "الأوجز" (٣)، انتهى.
стр. 821
قوله: (وقال الحسن: لا بأس أن يضحك. . .) إلخ، قال العيني (١): هذا غير مطابق للترجمة لأن الضحك ليس بكلام، انتهى.
وقال الحافظ (٢): قيل: مطابقته للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكثر فتفسد الصلاة، ومن منع الكلام في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، انتهى.
وفي هامش الهندية (٣): وإذا كان الضحك صحيحًا فالكلام بالطريق الأولى، انتهى.
ثم إنه أورد في "تيسير القاري": أن قوله في الحديث: "الصلاة في الرحال" صار جزء الأذان إذ ذاك فكيف يصح الاستدلال منه على الترجمة، وتخلص منه بحمل الكلام في الترجمة على العموم من كلام المؤذن أو السامع، فحديث ابن عباس يدل على كلام السامع، وقول سليمان وحسن على كلام المؤذن، انتهى.
(١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك: أنه لا ضير في أذانه إذا لم يفت المقصود وهو الإعلام في الوقت؛ فإنه مع كونه أعمى لما أخبره الثقة بالوقت كان بمنزلة غيره، انتهى.
وفي هامشه: ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح، والنقل عن الحنفية غير صحيح، بل صرح ابن عابدين بعدم كراهته كما في "الأوجز" (٥)، انتهى.
стр. 822
(١٢ - باب الأذان بعد الفجر)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة "الأذان بعد الفجر" على ترجمة "الأذان قبل الفجر" مع أن مقتضى الترتيب عكسه؛ لأن الأصل أن لا يؤذن بعد الفجر فكان هذا الباب على الأصل، وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفي به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لا يقع قبل الفجر، انتهى.
(١٣ - باب الأذان قبل الفجر)
قال الحافظ (٢): أي: ما حكمه هل هو مشروع أم لا؟ وإذا شرع هل يكتفي به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ والحديث الأول يدل على الأول، والثاني على خلافه ولذا عقَّبه به، انتهى.
وعندي غرض الترجمة الإشارة إلى مصلحة الأذان قبل الفجر، فقد بينت الرواية المصلحة.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): وأنت تعلم أنه لم يكن للصلاة وإلا لاكتفى به، ولم يؤذن ابن أم مكتوم، وإنما لم نقل بسنيته للسحور والتهجد لترك العمل به في زمن الخلفاء الراشدين، فعلم أن النبي ﷺ لم يجعله سُنَّة وإنما فعله لعارض، انتهى.
وفي هامشه: ثم اعلم أنهم بعد إجماعهم على أنه لا يجوز تقديم الأذان قبل الوقت في غير الفجر، اختلفوا في أذان الفجر قبل الوقت،
стр. 823
فأباحه المالكية مع الاختلاف فيما بينهم في مقدار التقديم، فقيل: لا يؤذن لها حتى يبقى السدس الأخير، وهو الأظهر، قاله الباجي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يؤذن لها حتى يطلع الفجر، وكره أحمد الأذان قبل الفجر في شهر رمضان خاصة كما في "الأوجز" (١)، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢) تحت حديث الباب: الغرض من وضع الترجمة أن الفصل لا بدّ من بين كل أذانين ولو قليلًا، كيف وإن وقت المغرب أقصر الأوقات وأولاها بالتعجيل في أمر الصلاة فيه، فلما ثبت الفصل فيه ففي غيره أولى، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): لعل البخاري أشار بذلك إلى رواية الترمذي عن جابر بلفظ: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله" الحديث، وإسناده ضعيف فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى تقوية معنى ما في حديث الترمذي لأنه إذا كانت بين كل أذانين صلاة، فلا بد لها من وقت يؤديها فيه فلا بد من أن يفرغ الآكل وغيره من حاجته، فهذا عندي من الأصل الحادي والأربعين من أصول الترجم، انتهى.
(١٥ - باب من انتظر الإقامة)
قال الحافظ (٤): أورده لاحتمال أن يكون هذا خاصًا بالإمام؛ لأن المأموم مندوب إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريبًا من المسجد، انتهى.
стр. 824
(١٦ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء)
قال العيني (١): ليس فيه تكرار؛ لأن المذكور قبل بعض ما دلَّ عليه حديث الباب، وههنا ذكر لفظ الحديث، انتهى.
والظاهر عندي: أنه إشارة إلى أن ما ورد في الرواتب من الروايات القولية والفعلية ليس على الوجوب لقوله: لمن شاء، وسيأتي الاختلاف في التطوع قبل المغرب في بابه.
(١٧ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وذلك لأن الاحتياج إلى تكرار الأذان إنما هو لانتشار الناس في جوانب الأمصار، ولا كذلك في السفر فإنهم مجتمعون ثمة فيكتفي بأذان واحد، انتهى.
وفي هامشه: وإلى عكسه مال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣) إذ قال: قيد السفر اتفاقي، وغرضه من عقد الباب نفي وجوب اجتماع المؤذنين في الأذان كما هو معمول أهل الحرمين، انتهى.
وقال الحافظ (٤): كأنه أشار إلى رد ما ورد في "مصنف عبد الرزاق" (٥): "أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين" وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضر والسفر في أنه لا يتكرر إلى آخر ما ذكره، وظاهره أن الحافظ حمل الترجمة على عدم التكرار في أذان الصبح في السفر، وقال شيخ الإسلام: إن غرض الترجمة الاكتفاء على الإقامة فقط في السفر، ولما لم يكن هذا مرضيًّا للمصنف بوب عليه بباب من قال هكذا، انتهى.
стр. 825
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنه أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من حديث مالك بن الحويرث الآتي في الباب الآتي بلفظ: "إذا أنتما خرجتما فأذنا" الحديث، فقد توهم بعض العلماء بذلك إلى أذان كل واحد منهما في السفر.
قال الحافظ (١): قال ابن القصار: أراد به الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعًا، انتهى.
قلت: وإليه يشير تبويب النسائي إذ بوَّب على لفظ حديث: "أذنا" بـ "باب أذان المنفردين في السفر"، وعلى لفظ: فليؤذن لكم أحدكم بـ "باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر"، انتهى.
(١٨ - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . .) إلخ
قيل: إشارة إلى استحباب الأذان وإن كانوا مجتمعة، ويظهر من كلام الحافظ غرضه أنه مال إلى قول مالك: إنه لا يؤذن في السفر إلا الجيش الذي عليه الأمير، والأئمة الثلاثة إلى مشروعية الأذان لكل من المنفرد والجماعة.
والأوجه عندي: الرد على قول مالك كما يدل عليه قوله في الترجمة: "وكذلك بعرفة وجمع"، فتأمل، وفي "الفيض" (٢): أشار بلفظ: "إذا كانوا جماعة" إلى ترك الأذان في السفر للمنفرد، انتهى.
قوله: (وكذلك بعرفة وجمع) لم يذكر لهما حديثًا، وكأنه أشار بالأول إلى حديث جابر الطويل في "مسلم"، وبالثاني إلى ما سيأتي في "الحج"، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: والظاهر عندي كما تقدم أن غرض الترجمة الرد على قول
стр. 826
مالك، ويؤيده هذا الكلام؛ فإن مالكًا قال في الجمع وعرفة: إن كان معهم الإمام فالأذان والإقامة وإلا فالإقامة فقط، فكأن المصنف رأى أنهما للجماعة لا للإمام.
قوله: (بالأبطح)، قال الحافظ (١): هو موضع معروف خارج مكة، وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة، وليس بذاك بل بين جمع والأبطح مسافة طويلة، وإنما أورد هذا الحديث؛ لأنه يدخل في أصل الترجمة، وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين، انتهى.
وقال العيني (٢): مطابقته ظاهرة لأن فيه الأذان والإقامة، انتهى.
وسكت عنه القسطلاني، وأنت خبير بأنه ليس فيه أذان بل الإقامة فقط.
(١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): غرضه إثبات أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام ولا يشترك فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار الواردة فيه، انتهى.
وهو الأصل الثامن والعشرين من أصول التراجم.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت قوله في الترجمة: "ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه. . ." إلخ: مناسبته للترجمة من حيث أن إدخال الإصبع في الأذن يعين على رفع الصوت كالالتفات، فإن الالتفات أعون على وصول النداء إلى من في يمينه أو يساره، ثم أورد بتبعية ذكر أحواله ذكر وضوئه وعدم وضوئه، ولعل المراد بالحق والسُّنَّة - أي: في الترجمة - هو الأولى المعمول به، فلا يخالف قوله قول غيره، والترجمة في قوله: "أتتبع فاه ههنا
стр. 827
وههنا"، فإن أبا جحيفة لم يحتج إلى جعل فيه ههنا وههنا إلا إذا جعل بلال فاه ههنا وههنا كما يدل عليه لفظ التتبع، انتهى.
وظاهر كلام الحافظ (١): أن ذكر هذه الآثار لإثبات الالتفات حيث قال: إيراد البخاري قول عائشة في الترجمة للإشارة إلى اختيار قول النخعي ومالك والكوفيين؛ لأن الأذان ليس من جملة الأركان فلا يشترط فيه الطهارة واستقبال القبلة ولا يستحب الخشوع الذي ينافيه الالتفات كما يشترط، ويستحب في الصلاة، ولاختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى ملخصًا.
وفي تقرير المكي قوله: (قال إبراهيم: لا بأس. . .) إلخ، لما وقع الكلام في آداب الأذان قال: هذا أيضًا، أو مناسبته أن الوضوء أيضًا معين في رفع الصوت الذي هو معين في التبليغ؛ لأن الوضوء يرفع التكاسل حيث استيقاظ المؤذن من النوم للأذان، انتهى.
والأوجه عندي: ما أشار إليه الشيخ من قوله: ثم أورد بتبعية ذكر أحواله. . . إلخ، فإن أبواب الأذان كانت تتم بهذا الباب، وسيذكر المصنف من الباب الآتي أحكام الجماعة، فذكر في هذا الباب الأحكام المتفرقة من الأذان كمسائل شتى، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(٢٠ - باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): موقع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة أن المرء عند إجابة المؤذن يحتمل أن يدرك الصلاة كلها أو بعضها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات، انتهى.
قلت: لا يبعد أن يقال: إن المصنف شرع بعد أحكام الأذان الإقامة والجماعة وغيرها من الآداب.