فأباحه المالكية مع الاختلاف فيما بينهم في مقدار التقديم، فقيل: لا يؤذن لها حتى يبقى السدس الأخير، وهو الأظهر، قاله الباجي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يؤذن لها حتى يطلع الفجر، وكره أحمد الأذان قبل الفجر في شهر رمضان خاصة كما في "الأوجز" (١)، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢) تحت حديث الباب: الغرض من وضع الترجمة أن الفصل لا بدّ من بين كل أذانين ولو قليلًا، كيف وإن وقت المغرب أقصر الأوقات وأولاها بالتعجيل في أمر الصلاة فيه، فلما ثبت الفصل فيه ففي غيره أولى، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): لعل البخاري أشار بذلك إلى رواية الترمذي عن جابر بلفظ: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله" الحديث، وإسناده ضعيف فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى تقوية معنى ما في حديث الترمذي لأنه إذا كانت بين كل أذانين صلاة، فلا بد لها من وقت يؤديها فيه فلا بد من أن يفرغ الآكل وغيره من حاجته، فهذا عندي من الأصل الحادي والأربعين من أصول الترجم، انتهى.
(١٥ - باب من انتظر الإقامة)
قال الحافظ (٤): أورده لاحتمال أن يكون هذا خاصًا بالإمام؛ لأن المأموم مندوب إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريبًا من المسجد، انتهى.
стр. 824
(١٦ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء)
قال العيني (١): ليس فيه تكرار؛ لأن المذكور قبل بعض ما دلَّ عليه حديث الباب، وههنا ذكر لفظ الحديث، انتهى.
والظاهر عندي: أنه إشارة إلى أن ما ورد في الرواتب من الروايات القولية والفعلية ليس على الوجوب لقوله: لمن شاء، وسيأتي الاختلاف في التطوع قبل المغرب في بابه.
(١٧ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وذلك لأن الاحتياج إلى تكرار الأذان إنما هو لانتشار الناس في جوانب الأمصار، ولا كذلك في السفر فإنهم مجتمعون ثمة فيكتفي بأذان واحد، انتهى.
وفي هامشه: وإلى عكسه مال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣) إذ قال: قيد السفر اتفاقي، وغرضه من عقد الباب نفي وجوب اجتماع المؤذنين في الأذان كما هو معمول أهل الحرمين، انتهى.
وقال الحافظ (٤): كأنه أشار إلى رد ما ورد في "مصنف عبد الرزاق" (٥): "أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين" وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضر والسفر في أنه لا يتكرر إلى آخر ما ذكره، وظاهره أن الحافظ حمل الترجمة على عدم التكرار في أذان الصبح في السفر، وقال شيخ الإسلام: إن غرض الترجمة الاكتفاء على الإقامة فقط في السفر، ولما لم يكن هذا مرضيًّا للمصنف بوب عليه بباب من قال هكذا، انتهى.
стр. 825
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنه أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من حديث مالك بن الحويرث الآتي في الباب الآتي بلفظ: "إذا أنتما خرجتما فأذنا" الحديث، فقد توهم بعض العلماء بذلك إلى أذان كل واحد منهما في السفر.
قال الحافظ (١): قال ابن القصار: أراد به الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعًا، انتهى.
قلت: وإليه يشير تبويب النسائي إذ بوَّب على لفظ حديث: "أذنا" بـ "باب أذان المنفردين في السفر"، وعلى لفظ: فليؤذن لكم أحدكم بـ "باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر"، انتهى.
(١٨ - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . .) إلخ
قيل: إشارة إلى استحباب الأذان وإن كانوا مجتمعة، ويظهر من كلام الحافظ غرضه أنه مال إلى قول مالك: إنه لا يؤذن في السفر إلا الجيش الذي عليه الأمير، والأئمة الثلاثة إلى مشروعية الأذان لكل من المنفرد والجماعة.
والأوجه عندي: الرد على قول مالك كما يدل عليه قوله في الترجمة: "وكذلك بعرفة وجمع"، فتأمل، وفي "الفيض" (٢): أشار بلفظ: "إذا كانوا جماعة" إلى ترك الأذان في السفر للمنفرد، انتهى.
قوله: (وكذلك بعرفة وجمع) لم يذكر لهما حديثًا، وكأنه أشار بالأول إلى حديث جابر الطويل في "مسلم"، وبالثاني إلى ما سيأتي في "الحج"، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: والظاهر عندي كما تقدم أن غرض الترجمة الرد على قول
стр. 826
مالك، ويؤيده هذا الكلام؛ فإن مالكًا قال في الجمع وعرفة: إن كان معهم الإمام فالأذان والإقامة وإلا فالإقامة فقط، فكأن المصنف رأى أنهما للجماعة لا للإمام.
قوله: (بالأبطح)، قال الحافظ (١): هو موضع معروف خارج مكة، وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة، وليس بذاك بل بين جمع والأبطح مسافة طويلة، وإنما أورد هذا الحديث؛ لأنه يدخل في أصل الترجمة، وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين، انتهى.
وقال العيني (٢): مطابقته ظاهرة لأن فيه الأذان والإقامة، انتهى.
وسكت عنه القسطلاني، وأنت خبير بأنه ليس فيه أذان بل الإقامة فقط.
(١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): غرضه إثبات أن الأذان غير ملحق بالصلاة في الأحكام ولا يشترك فيه الاستقبال، وبهذا تتحقق المناسبة بين الترجمة والآثار الواردة فيه، انتهى.
وهو الأصل الثامن والعشرين من أصول التراجم.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت قوله في الترجمة: "ويذكر عن بلال أنه جعل أصبعيه. . ." إلخ: مناسبته للترجمة من حيث أن إدخال الإصبع في الأذن يعين على رفع الصوت كالالتفات، فإن الالتفات أعون على وصول النداء إلى من في يمينه أو يساره، ثم أورد بتبعية ذكر أحواله ذكر وضوئه وعدم وضوئه، ولعل المراد بالحق والسُّنَّة - أي: في الترجمة - هو الأولى المعمول به، فلا يخالف قوله قول غيره، والترجمة في قوله: "أتتبع فاه ههنا
стр. 827
وههنا"، فإن أبا جحيفة لم يحتج إلى جعل فيه ههنا وههنا إلا إذا جعل بلال فاه ههنا وههنا كما يدل عليه لفظ التتبع، انتهى.
وظاهر كلام الحافظ (١): أن ذكر هذه الآثار لإثبات الالتفات حيث قال: إيراد البخاري قول عائشة في الترجمة للإشارة إلى اختيار قول النخعي ومالك والكوفيين؛ لأن الأذان ليس من جملة الأركان فلا يشترط فيه الطهارة واستقبال القبلة ولا يستحب الخشوع الذي ينافيه الالتفات كما يشترط، ويستحب في الصلاة، ولاختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى ملخصًا.
وفي تقرير المكي قوله: (قال إبراهيم: لا بأس. . .) إلخ، لما وقع الكلام في آداب الأذان قال: هذا أيضًا، أو مناسبته أن الوضوء أيضًا معين في رفع الصوت الذي هو معين في التبليغ؛ لأن الوضوء يرفع التكاسل حيث استيقاظ المؤذن من النوم للأذان، انتهى.
والأوجه عندي: ما أشار إليه الشيخ من قوله: ثم أورد بتبعية ذكر أحواله. . . إلخ، فإن أبواب الأذان كانت تتم بهذا الباب، وسيذكر المصنف من الباب الآتي أحكام الجماعة، فذكر في هذا الباب الأحكام المتفرقة من الأذان كمسائل شتى، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(٢٠ - باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): موقع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة أن المرء عند إجابة المؤذن يحتمل أن يدرك الصلاة كلها أو بعضها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات، انتهى.
قلت: لا يبعد أن يقال: إن المصنف شرع بعد أحكام الأذان الإقامة والجماعة وغيرها من الآداب.
стр. 828
قوله: ("وكره ابن سيرين) في تقرير المكي: أي: (فوت كيا هم كو نماز نى بسبب ناراض هونى كى هم سى) ففيه إشاعة معصية وإظهارها، انتهى.
والأوجه عندي: أن فيه نسبة تقصير الفوت إلى الصلاة.
(٢١ - باب ما أدركتم فصلوا. . .) إلخ
لعل المصنف ترجم بلفظ الحديث لما فيه من الأبحاث:
الأول: المسبوق يدرك أول صلاته أو آخرها؟
والثاني: مدرك الركوع مدرك للركعة أم لا؟ وفائت أول الجمعة ما يفعل؟
بسط الكلام عليها في "الأوجز" (١) فارجع إليه لو شئت.
(٢٢ - باب متى يقوم الناس. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أظهر تأويلات هذه الترجمة أن يقال: إن قوله: إذا رأوا الإمام جواب يعني يقومون إذا رأوا الإمام، انتهى.
قال الحافظ (٣): أورد الترجمة بلفظ الاستفهام؛ لأن قوله في الحديث: "لا تقوموا" نهي عن القيام، وقوله: "حتى تروني" تسويغ للقيام عند الرؤية، ومن ثم اختلف السلف في ذلك، انتهى.
وفي "التيسير": يقومون عند الحنفية على حي على الصلاة، وعند أحمد عند قد قامت الصلاة، وعند الشافعي بعد الفراغ من الإقامة، وعند مالك في بدء الإقامة، انتهى.
стр. 829
وهكذا المذاهب في القسطلاني (١) إلا أن فيه عن أبي حنيفة أنه يقوم عند حي على الفلاح، وعند أحمد إذا قال: حي على الصلاة، انتهى.
(٢٣ - باب لا يقوم إلى الصلاة مستعجلًا. . .) إلخ
سكتوا عن غرض الترجمة.
والظاهر عندي: أنه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ الآية [الجمعة: ٩]، فإن بين الآية والحديث تعارضًا بحسب الظاهر.
قال الحافظ (٢): وجه الجمع بينهما أن المراد بالسعي العمل الذي هو الطاعة لا سعي الدنيا كالبيع والصناعة، وقيل: المراد بالسعي في الآية المضي، وفي الحديث العدو، انتهى.
(٢٤ - باب هل يخرج من المسجد لعلة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن الخروج بعد الأذان، فالمراد به من غير ضرورة، وأما عند الضرورة فقد ثبت منه ﷺ بنفسه، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم شيخ المشايخ في "التراجم" (٤) وجمع من الشرَّاح، والعجب أنهم سكتوا عن تقييد الإمام الترجمة بالاستفهام مع أن رواية الباب صريحة في الجواز فكأنه أشار بلفظ: "هل" إلى أن فيه احتمالًا فهو من الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، انتهى.
وذلك لأن الوارد في الحديث الجنابة وهي مما لا بد لها من الخروج؛ لأنه لا يستطيع معها الصلاة، فهل تدخل في ذلك علة أخرى غير الجنابة أم لا؟
стр. 830
(٢٥ - باب إذا قال الإمام: مكانكم انتظروه)
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): أي: ينبغي أن ينتظروه ولا يقيموا مقامه إمامًا آخر، ولا يتفرقوا من موافقهم، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني: أنه إذا خرج لأجل الضرورة فإن لهم انتظاره إذا كانوا على رصدة من عوده سواء كانت على قوله أو على شيء من القرائن، وأما إذا ذهب ولا يدري بحاله فإن لهم أن يصلوا ويؤمهم غيره، انتهى.
وهكذا ذكره الشرَّاح في فوائد الحديث، وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألة أخرى، وهي أنهم إن لم يستخلفوا أحدًا انتظروه قيامًا، والصلاة في هذه الصورة تفسد عندنا الحنفية؛ إذ بقوا خاليًا كما بسط في الفروع، وكذا عند مالك فالإمام البخاري يكون ممن قال: إنهم يمكثون قيامًا منتظرين إلا أن حديث البخاري ليس فيه دخوله ﷺ في الصلاة، انتهى.
(٢٦ - باب قول الرجل: ما صلينا)
كذا في أكثر النسخ، وفي نسخة الحافظ: "باب قول الرجل للنبي ﷺ : ما صلينا"، في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): الاهتمام بإثبات ذلك لأجل ما ذهب إليه بعض العلماء من كراهة التكلم بمثل فاتتنا الصلاة أو ما صلينا كما سبق مثل ذلك، لكن لو استدل على ذلك بقول النبي ﷺ : "ما صليتها" لكان أنسب؛ لأنه ﷺ صرح بلفظ: "ما صليت"، انتهى.
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: فيه رد لقول إبراهيم النخعي: يكره أن
стр. 831
يقول الرجل: لم نصل، والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبه على أن قول النخعي ليس على إطلاقه، ولو أراد الرد عليه مطلقًا لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة: "فاتتنا الصلاة"، ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفي فيه من قوله ﷺ لا من قول الرجل، لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرجل أيضًا، وهو عمر ﵁، وهذه عادة معروفة للمؤلف، انتهى.
والأوجه عندي: أن الترجمة في قوله ﷺ والمشهور في النسخ "قول الرجل: ما صلينا" وهو ثابت بلا مرية، وأما قوله للنبي ﷺ فلا يثبت في أكثر النسخ، لكنه موجود في نسخة الحافظ، فإيراد الحافظ مبني على نسخته.
(٢٧ - باب الإمام تعرض له الحاجة. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: خصَّ المصنف الإمام بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجته ﷺ لأنه لو كانت الحاجة للرجل لقال أنس ﵁: ورجل يناجي النبي ﷺ ، انتهى.
وهذا ليس بلازم وفيه غفلة عما في "مسلم" (٢) بلفظ: "قال رجل: لي حاجة".
والذي يظهر لي: أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، انتهى.
قوله: (ورجل يناجي. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): لم أقف على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشرَّاح أنه كان كبيرًا في قومه فأراد أن يتألفه على الإسلام، ولم أقف على مستند ذلك، قيل: ويحتمل أن يكون ملكًا ولا يخفى بعده، انتهى.
стр. 832
والحديث أخرجه البخاري في "الاستئذان" ولم يتعرض فيه الحافظ بل أحاله على ما سبق، وفي "الفيض" (١): هذه وقعة واحدة، وما توهمه ألفاظ الترمذي أنها كانت عادة له فقد علله البخاري، وأما الرجل فلم يدركه الشارحان وقد وجدت اسمه في "الأدب المفرد" فليراجع له فإنه مهم، إلى آخر ما قال.
قلت: قد راجعته ولم أجد فيه اسمه بل فيه في "باب سخاوة النفس" عن أنس في قصة: وأقيمت الصلاة وجاء أعرابي فأخذ بثوبه فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها فقام معه ثم فرغ من حاجته، الحديث.
(٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة)
قال الحافظ (٢): غرض الترجمة الرد على من كرهه مطلقًا، انتهى.
قال العيني (٣) تحت حديث الباب السابق: قال صاحب "التلويح": فيه جواز الكلام بعد الإقامة، هان كان إبراهيم والزهري وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك.
قلت: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان بغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره، انتهى.
(٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): وهو المراد بقول من قال: إنها سُنَّة والفرق إنما هو في العبارة دون المعنى، ودلالة قول الحسن على هذا المعنى واضحة إذ لو لم تكن الجماعة واجبة لما كانت له معاصاة أمه في تركها، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٥): بت الحكم في هذه المسألة، وكان ذلك
стр. 833
لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن أثر الحسن يشعر بكونه وجوب عين لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها، انتهى.
وما قال إنه أعم من كونه وجوب عين أو كفاية هما قولان للعلماء، فإنهم اختلفوا في ذلك على خمسة أقوال: الأول: إنها شرط لصحة الصلاة، والثاني: فرض عين، والثالث: فرض كفاية، والرابع: سُنَّة مؤكدة، والخامس: مندوب، إلى آخر ما بسط في تعيين القائلين في هامش "اللامع".
(٣٠ - باب فضل صلاة الجماعة)
قال الحافظ (١): أشار ابن المنيِّر إلى أن ظاهر هذه الترجمة ينافي الترجمة التي قبلها، ثم أطال في الجواب ويكفي منه أن كون الشيء واجبًا لا ينافي كونه ذا فضيلة، ولكن الفضائل تتفاوت، فالمراد منها بيان زيادة ثواب الجماعة على ثواب الفذ، انتهى.
(٣١ - باب فضل صلاة الفجر في جماعة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): استدلال المؤلف على مدعاه بما أورد في الباب من الروايات مبني على أن الحكم في سائر الصلوات لما كان كذلك فإن صلاة الفجر أولاها بذلك، لما فيها من المشقة وشهود الملائكة وغيره من الأمور الموجبة للفضل، وأيضًا فإن في الروايات دلالة على أن الفضل والمزيد كثيرًا ما يبنيان على الأمور العارضة والأسباب الخارجة، فتزيد الفضيلة للفجر لكثرة الأسباب الموجبة لزيادة الفضل فيها، انتهى.
وفي هامشه: في تطابق الروايات الواردة في الباب خفاء جدًا، ولذا وجّه المشايخ التطابق بوجوه مختلفة، منها ما قرره الشيخ قُدِّس سرُّه وهو
стр. 834
أيضًا وجيه، ومنها ما في "تراجم" شيخ المشايخ (١): أن هذا الباب باب في باب فلا إشكال في ربط الحديثين الأخيرين مع الترجمة فتدبر، انتهى.
وهذا أصل من أصول التراجم وهو الأصل السادس.
ومنها ما قال الكرماني (٢): أن صلاة الجماعة إنما كثر ثوابها للمشقة الحاصلة منها، والمشي إلى الجماعة في الفجر أشق من غيرها للظلمة ومصادفة المكروه فيكون الأجر أكثر، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٣٢ - باب فضل التهجير إلى الظهر. . .) إلخ
قال العيني (٣): التهجير: التبكير إلى كل شيء أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وعامة نسخ البخاري هكذا، وفي بعضها "باب فضل التهجير إلى الصلاة" وهذه النسخة أعم وأشمل، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد؛ لأنه عند اشتداد الحر والتهجير هو الأصل، وهو عزيمة، وذاك رخصة، انتهى.
(٣٣ - باب احتساب الآثار)
قال الحافظ (٤): أي: إلى الصلاة، وكأنه لم يقيِّدها لتشمل كل مشي إلى كل طاعة، والاحتساب هان كان أصله العد، لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنية خالصة، انتهى.
وغرض الترجمة ظاهر وهو التنبيه على نية حصول الأجر والثواب عند كل عمل، كما صرحوا بذلك في قوله ﵊: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا" (٥) فإنه لاستحضار الأجر والثواب تأثيرًا قويًّا في تحمل المشاق وازدياد الاشتياق إلى الطاعات كما هو ظاهر.
стр. 835
والأوجه عند هذا العبد الضعيف في اتصال هذا الباب بالباب السابق أن العادة في التهجير توسيع الخطوات وتبعيدها اتقاء عن حر الشمس، وهو خلاف الوقار والسكينة المأمور في قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة" فنبَّه المصنف باتصال هذه الترجمة على اقتراب الأقدام لكونه موجبًا لكثرة الثواب، فقد ورد في حديث طويل: "ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد" الحديث.
(٣٤ - باب فضل صلاة العشاء في الجماعة)
قال الحافظ (١): أورد فيه الحديث الدال على فضل العشاء والفجر، فيحتمل أن يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة أو إثبات أفضليتها على غيرها والظاهر الثاني، ووجهه أن الفجر ثبتت أفضليتها كما تقدم، وسوَّى في هذا بينها وبين العشاء، ومساوي الأفضل يكون أفضل جزمًا، انتهى.
(٣٥ - باب اثنان فما فوقهما جماعة)
هو لفظ حديث ضعيف عند ابن ماجه، فكأن المصنف أراد الاستشهاد به، وهو الأصل الأول من أصول التراجم.
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة، منها في "ابن ماجه" من حديث أبي موسى الأشعري، ثم قال بعد حديث الباب: واعترض على أصل الاستدلال بهذا الحديث بأن مالك بن الحويرث كان مع جماعة من أصحابه، فلعل الاقتصار على التثنية من تصرف الرواة، والجواب أنهما قضيتان، انتهى.
стр. 836
(٣٦ - باب من جلس في المسجد. . .) إلخ
قال الحافظ (١): أي: ليصليها جماعة، انتهى.
ولم يتعرض هو ولا غيره من الشرَّاح عن غرض الترجمة، وبوَّب على حديث الباب أبو داود "باب فضل القعود في المسجد".
وكتب الشيخ نوَّر الله مرقده في "البذل" (٢): صنيع البخاري يدل على أنه حمل الحديث على القعود لانتظار الصلاة، وأما صنيع المؤلف - أبو داود - فيدل على أن القعود في المسجد عنده عام، سواء كان لانتظار الصلاة أو بعد الفراغ من الصلاة للذكر وتلاوة القرآن وغيرها من العبادات، ويمكن أن يقال: إن البخاري زاد قوله: "وفضل المساجد" ليدل على أن القعود فيه لانتظار الصلاة وغيرها يقتضي الفضل، انتهى.
وقلت: تقييد البخاري الترجمة بانتظار الصلاة واضح من الروايات الواردة في ذلك، وعليه يدل لفظ الحديث "ما لم يحدث" فإنه إذا أحدث لم يكن منتظرًا للصلاة.
(٣٧ - باب فضل من خرج إلى المسجد ومن راح)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لعل المراد بالغدوة والروحة إذا كانتا لفريضة وإلا فالأفضل في التطوع أن يكون في البيت، انتهى.
وفي هامشه: مما يجب التنبيه عليه أولًا: أن الإمام البخاري عقَّب هذه الترجمة بالحديث السابق، وفيه: "رجل قلبه معلق بالمسجد" فكأنه أشار إلى أن ثمرة تعليق القلب بالمسجد كثرة التردد إلى المسجد، وثانيًا: أن الإمام عدل في الترجمة عن لفظ الحديث؛ فإن الحديث كان بلفظ "غدا وراح" وهما المشي صباحًا ومساء، وترجم عليه الإمام البخاري بلفظ "خرج
стр. 837
وراح" والخروج عام لا يقابله الرواح في المعنى المشهور، فأبدع المصنف في ذلك عندي نكتة بديعة، وهي أنه أشار بلفظ "خرج" في الترجمة إلى أن لفظ "غدا" في الحديث ليس بمعنى المشي صباحًا، بل المراد منه المشي مطلقًا في أي وقت كان، ولفظ الترجمة في "الفتح" "باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح".
قال الحافظ (١): هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث، ولأبي ذر بلفظ "خرج" بدل "غدا" وعلى هذا فالمراد بالغدو الذهاب، وبالرواح الرجوع، انتهى.
قلت: هذا هو اللائق بدقائق البخاري فكأنه أشار بذلك إلى تقوية معنى حديث أبي داود (٢) عن أُبي بن كعب في قصة رجل بعيد الدار عن المسجد، قال: ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: أردت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال: "أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع"، انتهى.
(٣٨ - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بذلك أنه ليس في هذا المكان غير المكتوبة، وذلك لما ورد في كثير من الروايات تأكيد سُنَّة الفجر مع التأكيد في أمر الجماعة حتى إن كثيرًا من العلماء قال بوجوبها، فطريق العمل بهما أن يأتي بالسنن في غير ذلك المكان إذا لم يخف فوات الجماعة، جمعًا بين المنقبتين وإحرازًا لكلتا المكرمتين، كيف وقد ورد في الرواية استثناء بقوله: "إلا ركعتي الفجر"، انتهى.
والمسألة خلافية شهيرة ذكروا فيها تسعة مذاهب بسطت في
стр. 838
"البذل" (١)، ومذاهب الأئمة الأربعة كما في "الأوجز" (٢) أن من لم يصل ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فلا يصليهما عند الشافعي وأحمد مطلقًا، وعند مالك يصليهما خارج المسجد إن تيقن أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، وعند الإمام أبي حنيفة يصليهما ما لم يخف فوت الركعتين معًا، انتهى من هامش "اللامع".
قال الحافظ (٣): حديث الترجمة أعم من حديث الباب؛ لأنه يشمل الصلوات كلها، وحديث الباب يختص بالصبح فيحتمل أن يقال: اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد، انتهى.
قلت: أو يقال: إن الترجمة شارحة بأنه بين وجه الإنكار، أو يقال: إن الاختلاف كان في الفجر فقط وأما غيرها فاتفقوا على أن لا يصلي فيها إلا المكتوبة.
(٣٩ - باب حد المريض أن يشهد الجماعة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لمَّا كان حالة المرض والضعف تستدعى أن لا يجوز للمريض حضور المسجد خوفًا من أن يزداد مرضه، فيتلوث المسجد، دفعه بأن المريض يجوز له الحضور ما لم يظن به الفساد والتلويث، وأما مجرد الاحتمال والوهم فلا يعتبر به ولا يمكن أن يراد حد المريض في وجوب الحضور في المسجد؛ لأنه لم يذهب أحد من الفقهاء إلى وجوب الحضور عليه حين لا يمكن له المشي برجليه من غير إعانة اثنين، مع أنه لو كان الحضور إذ ذاك واجبًا يلزم أن يكون النبي ﷺ ترك الواجب؛ لأنه لم يشهد المسجد في كثير من صلوات أيام مرضه، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة والغرض منها.
стр. 839
قال الحافظ (١): قال ابن التين تبعًا لابن بطال: معنى الحد ههنا الحدة، وقد نقله الكسائي قال: والمراد ههنا الحض على شهود الجماعة، قال ابن التين: ويصح أن يقال: "جد" بكسر الجيم وهو الاجتهاد في الأمر، لكن لم أسمع أحدًا رواه بالجيم، وقد أثبت ابن قرقول رواية الجيم وعزاها للقابسي، وقال ابن رُشيد: إنما المعنى ما يحد للمريض أن يشهد معه الجماعة، فإذا جاوز ذلك الحد لم يستحب له شهودها، قال: ويمكن أن يقال: معناه "باب الحد الذي للمريض أن يأخذ فيه بالعزيمة في شهود الجماعة"، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): الحد ههنا من الحدة يعني باب فضل تكلف المريض، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة الحض على حضور الجماعة إلى ذلك الحد.
(٤٠ - باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلى في رحله)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الرواية الأولى على هذا المعنى ظاهرة، وأما الرواية الثانية فالظاهر منها وإن كان توقف الإجازة على مجموع العلتين المذكورتين فيها، إلا أن النظر في الروايات يقتضي أن كلًّا من العمى والظلمة والسيل مستقل في إفادة الرخصة في القعود عن الجماعة، أو يقال: إن معنى قول عتبان: أنه يكون الظلمة والسيل، وقد عرفت أنك يا رسول الله ترخص في مثل ذلك أن يتخلف من الجماعة وإني أعمى، وقد علمت أيضًا جواز القعود عند العذر مثل الأعمى فكيف لي وقد اجتمعت لي علتان موجبتان للرخصة، انتهى.
стр. 840
وفي هامشه: دفع الشيخ بذلك ما يوهمه ظاهر لفظ الحديث من أن مدار الرخصة مجموع العلل الثلاثة من الظلمة، والسيل، والعمى، مع أن هذه الثلاثة كل واحد منها علة مستقلة في الرخصة عند الفقهاء كما بسطها أصحاب الفروع، ثم بسط في الأعذار المسقطة للجماعة.
(٤١ - باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. . .) إلخ
غرض الترجمة واضح، وهو أن ما تقدم من قوله ﷺ : "صلُّوا في الرحال"، ليس على الإيجاب بل على الإباحة، وبنحو ذلك قال جميع الشرَّاح.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): مقصوده أنه يترك الجماعة والخطبة لعذر المطر أو هل يصلي بالجماعة ويخطب بمن حضر ولو كانوا قليلًا؟ انتهى.
قلت: بقي ههنا شيء لم يتعرض له أحد منهم وهو أن المصنف لم قيد الترجمة بلفظة "هل" الدالة على التردد؟
والأوجه عندي: أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة وهي أن أصحاب الأعذار المرخصة للجماعة والجمعة هل تنعقد معهم الجمعة وهل يعتبر بمحضرهم الخطبة أم لا؟ ولذا قارن الإمام البخاري الصلاة بالخطبة، قال الموفق: ما كان شرطًا لوجوب الجمعة فهو شرط لانعقادها، فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها لم يصح ولزمهم أن يصلوا ظهرًا وحكي عن مالك: أنه كان لا يجعل المطر عذرًا في التخلف عنها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إمامًا فيها ووافقهم مالك في المسافر، فأما المريض ومن حبسه العذر من المطر والخوف، فإذا تكلف حضورها وجبت عليه وانعقدت به، ويصح أن يكون إمامًا فيها لأن
стр. 841
سقوطها منهم إنما كان لمشقة السعي، فإذا تكلفوا وحصلوا في الجامع زالت المشقة فوجبت عليهم كغير أهل الأعذار، انتهى.
وعلى هذا فالترجمة من الأصل الثاني والثلاثين من أصول التراجم، نبَّه بلفظ "هل" على أن فيه مجالًا للناظر، انتهى.
والجزء الثاني للترجمة أعني قوله: وهل يخطب يوم الجمعة في المطر، لعل ثبوته بفعل ابن عباس وقد عزاه إلى النبي ﷺ ، وكونه في يوم الجمعة مصرّح في رواية ابن علية، كما صرح به الحافظ (١) في "باب الكلام في الأذان".
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "باب هل يصلي الإمام بمن حضر. . ." إلخ، دلالة الرواية الأولى على هذا المعنى من حيث أن ابن عباس لمَّا زاد في النداء قوله: الصلاة في الرحال، عمل بها بعضهم فلم يحضر عملًا بالرخصة، ولم يعمل بها آخرون عملًا بالعزيمة فحضروا، فكان صلاته بهم هي الصلاة بمن حضر، وأما الرواية الثانية فتثبت المدعى من حيث إن أبا سعيد الخدري حضر الصلاة معه فعلم حضور البعض، وقد علم أيضًا أنه كان يرخص لهم في القعود فلا يحضرها بعضهم، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): مطابقة حديث أبي سعيد من جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس، وأما قول بعض الشرَّاح: يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة، فمردود؛ لأنه سيأتي في "الاعتكاف" أنها كانت صلاة الصبح، وحديث أنس لا ذكر للخطبة فيه، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة، انتهى.
قلت: لا صراحة بالجمعة في الترجمة فلا حاجة لإبداء احتمال أبداه بعض الشرَّاح، فإن الترجمة "الصلاة بمن حضر" مطلقًا بدون قيد الجمعة.
стр. 842
(٤٢ - باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أشار بقوله في الترجمة: "وقلبه فارغ" إلى الجمع بين ما ورد في ذلك الباب من الروايات المختلفة، ففي بعضها تقديم الأكل، وفي الأخرى: لا تؤخر الصلاة لشيء.
وحاصل الجمع: أن تقديم الأكل حيث اشتغل به قلبه، وإلا فلا تؤخر الصلاة، فما ورد من تقديم الطعام من قصة عمر وغيرها محمول على ما إذا شغله الطعام عن الصلاة، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي هامشه: اختلفت الروايات في ذلك كما أفاده الشيخ، واختلفوا في الجمع بينها، قال الشوكاني بعد ذكر أحاديث تقديم العشاء: ظاهر الأحاديث أنه يقدم العشاء مطلقًا، سواء كان محتاجًا إليه أم لا؟ وسواء خشي فساد الطعام أم لا؟ وسواء كان خفيفًا أم لا؟ وخالف الغزالي فزاد "خشية فساد الطعام"، والشافعية فزادوا قيد "الاحتياج" ومالك فزاد قيد "أن يكون الطعام خفيفًا"، وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أحمد وغيره فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قُدِّمَت، وذهب الجمهور إلى الكراهة، وأيضًا ظاهر الأحاديث أنه يقدم الطعام وإن خشي خروج الوقت، وإليه ذهب ابن حزم وهو وجه لبعض الشافعية، وذهب الجمهور إلى أنه إذا ضاق الوقت صلى على حاله محافظة على الوقت، ولا يجوز تأخيرها، انتهى.
قلت: ما حكى الشوكاني من مذهب أحمد من فساد الصلاة عند التقديم يأباه كتبه، قال الموفق (٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلَّى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته إن صلاته تجزئه، انتهى.
قلت: وحمل الطحاوي في "مشكل الآثار" روايات الباب على الصائم
стр. 843
إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١).
(٤٣ - باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قيل: أشار بهذا الباب إلى أن الأمر في الباب السابق للندب لا للوجوب، وقد فصل بعضهم بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده، فيحتمل أن المصنف كان يرى التفصيل، ويحتمل تقييده في الترجمة بالإمام أنه كان يرى تخصيصه به دون غيره من المأمومين، قال ابن المنيِّر: لعله ﷺ أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته، وأيكم يملك أربه، انتهى.
(٤٤ - باب من كان في حاجة أهله. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوق إليه، إذ لو كان كذلك لم يبق للصلاة وقت في الباب، انتهى.
(٤٥ - باب من صلَّى بالناس. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لما كان ذلك يوهم أن لا تجوز هذه الصلاة، لما أنه ليس لوجه الله تعالى خاصة، بل المقصود منها التعليم، رد هذا الوهم بأنه لا ينافي الإخلاص، فإن التعليم أيضًا لوجه الله، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): مقصوده من عقد هذا الباب أنه ليست هذه الصلاة صلاة المرائي، بل فيه ثواب الصلاة للمصلي مع ثواب التعليم أيضًا، انتهى.
стр. 844
وقال الحافظ (١): لم يجزم بالحكم لما فيه من إيهام التشريك في العبادة، انتهى.
(٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): استدل المؤلف بإمامة أبي بكر على فضله، فحاصل الاستدلال: أن أفضلية أبي بكر معلومة لنا قطعًا بالأحاديث المتواترة المعنى، وعلمنا منه هذه المسألة في الإمامة، وقال بعضهم: إن هذه الإمامة هي الدالة على أفضليته، ولا يخفى أنه حينئذ يلزم الدور في الاستدلال، انتهى.
قال الحافظ (٣): قوله: "أحق بالإمامة" أي: ممن ليس كذلك، ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل، وذكر الفضل بعد العلم من العام بعد الخاص، وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمة بعد بابين، انتهى.
وقال السندي (٤): يحتمل أن مراده بيان أن أهل العلم أولى بالإمامة من أهل القراءة كما قال الجمهور: إن الأعلم أولى من الأقرأ، وهذا مبني على أن أُبيًّا كان أقرأ القوم كما جاء "أقرؤكم أُبي" ومع ذلك اختار ﷺ أبا بكر للإمامة لأنه كان أعلم، وعلى هذا فقيل: إن تقديم الأقرأ منسوخ، وقيل: بل تقديم الأقرأ مبني على أن أقرأهم كان أعلمهم، ولا يخفى أن لازم الجواب الثاني أن يكون أُبي أعلمهم لأنه أقرأهم وهو يفسد أصل الاستدلال، والله تعالى أعلم، انتهى.
стр. 845
قلت: ويمكن التفصي عنه بأن كلًّا من أبي بكر وأُبي بن كعب كانا أقرأهم، وما ورد في حق أبي من كونه أقرأهم فهو من حيث شدة الحفظ وإتقانه، وما قيل: أقرأهم كان أعلمهم فباعتبار كمية القرآن.
(٤٧ - باب من قام إلى جنب الإمام لعلة)
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): أي: هو جائز، لوجود علة مثل كون الإمام ضعيفًا لا يسمع الناس صوته من بعيد، فيقوم واحد إلى جنبه، ويسمع الناس تكبير الإمام وغير ذلك، انتهى.
قال العيني (٢): إنما قال هذا؛ لأن الأصل أن يتقدم الإمام على المأموم، ولكن للمأموم أن يقف بجنب الإمام عند وجود أسباب تقتضي ذلك، ثم بسط العيني تلك الأسباب.
(٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: (تأخر الأول أو لم يتأخر. . .) إلخ، أما ثبوت جواز التأخر فبفعل أبي بكر الذي فعله، وأما جواز عدمه فبقوله ﷺ : "امكث على مكانك" وهذا على رأي البخاري، وأما عندنا فكان تأخر أبي بكر لحصره عن القراءة، ولا يجوز التأخر للإمام لضرورة، انتهى.
كذا في الأصل لضرورة والصواب على الظاهر بدله: إلا لضرورة، وما أفاده الشيخ واضح فإن فيه إثبات جزئي الترجمة بحديث الباب.
وقال الحافظ (٤): يشير بالشق الأول وهو ما إذا تأخر إلى رواية عروة عنها في الباب الذي قبله، حيث قال: "فلما رآه استأخر"، وبالثاني وهو ما إذا لم يتأخر إلى رواية عبد الله عنها حيث قال: "فأراد أن يتأخر"، وقد
стр. 846
تقدمت في "باب حد المريض" والجواز مستفاد من التقرير، وكلا الأمرين قد وقعا في حديث الباب، انتهى.
ومال مولانا الشيخ أنور شاه في "الفيض" (١) إلى أن المقصود بالترجمة الجزء الأول فقط وذكر له حديثًا، وأما الجزء الآخر يعني قوله: "لم يتأخر" فمن باب التكميل لدفع توهم الاختصاص، انتهى.
قلت: وهذا هو الأصل الرابع والثلاثون من أصول التراجم، انتهى من هامش "اللامع". وفيه أيضًا على قول الشيخ: "وهذا على رأي البخاري": هو المرجح عند الشافعية، وبقول الحنفية قال الجمهور، انتهى.
(٤٩ - باب إذا استووا في القراءة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه إشارة إلى أن ما ورد في الرواية من تقديم الأكبر سنًّا فإنما هو حيث كانوا مستوين في العلم والقراءة، وإن لم يستووا فيهما فلا تقديم للأسن، انتهى.
قلت: حاصله أن الترجمة شارحة للحديث، وعلى هذا فالترجمة من الأصل الثالث والعشرين، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): الحديث الذي هو نص في هذه الترجمة أورده مسلم وغيره فكأنه ما وجده على شرطه، انتهى.
قلت: ولفظ حديث مسلم (٤): عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًّا" الحديث، وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الأول من أصول التراجم إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
стр. 847
وقال السندي (١): أراد بالقراءة - في الترجمة - ما يستحق به الإمامة أعم من القراءة والعلم، واستواء أصحاب مالك بن الحويرث في ذلك من حيث إنهم كانوا مستوين في الإقامة عنده ﷺ ، والغالب في مثلهم الاستواء في الأخذ، والله تعالى أعلم.
قلت: واختلف الفقهاء في هذه المسألة فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة ومحمد: تقديم الأعلم على الأقرأ، وعند الإمام أحمد وأبي يوسف يقدم الأقرأ.
(٥٠ - باب إذا زار الإمام قومًا فأمهم)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن ما ورد من النهي عن أن يؤم قومًا، فالمراد به ليس هو النهي بإطلاقه بل النهي مقيد بعدم الإذن، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه وفيه: المعروف عند شرَّاح البخاري في غرض الترجمة أن الإمام الأعظم إذا زار قومًا لا يحتاج إلى إذنهم في التقدم [على] الإمامة.
قال الحافظ (٣): أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك الذي أخرجه أبو داود وغيره "من زار قومًا فلا يؤمهم" الحديث محمول على من عدا الإمام الأعظم إلى آخر ما قال.
وتعقبه العيني (٤) ومال إلى أن الإمام الأعظم أيضًا محتاج إلى الإذن إذ قال: لم يبين البخاري حكمه هل للإمام ذلك أم يحتاج إلى الإذن؟ فاكتفى بما ذكر في حديث الباب فإنه يشعر بالاستئذان.
стр. 848
فالحاصل أنهم اختلفوا في الغرض على ثلاثة مسالك: الأول: ما أفاده والدي في تقريره، وهو مؤدى كلام شيخ المشايخ في "التراجم" (١) من أن النهي عن إمامة الزائر مقيد بعدم الإذن، والثاني: ما ذهب إليه الحافظ أن الإمام الأعظم لا يحتاج إلى الإذن، وهو الذي حكاه مولانا محمد حسن المكي في تقريره، والثالث: ما ذهب إليه العيني أن الإمام الأعظم أيضًا يحتاج إليه.
وعندي ظاهر ألفاظ الترجمة يرجح ما أفاده في تقرير المكي، انتهى. من هامش "اللامع" (٢) مختصرًا.
(٥١ - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أشار بذكر صلاته ﷺ في مرضه أنه لا يجب متابعة الإمام فيما إذا ترك الإمام فرضًا لعذر أو لغير عذر، فإنه ﷺ جلس للعذر، ولم يجلس القوم، ولذلك أورد الآثار فإنه إذا ترك السجدة لأجل الزحام؛ فإنه لا يتابع الإمام إذ يلزم في متابعته رفض الفرض، وذا لا يجوز كما لا يجوز له أن يترك سجدة لكونها فريضة، وكذلك أثر ابن مسعود أورده لتأكيد أن المتابعة واجبة ما لم يترك واجبًا، ومعنى قول الحسن أن الذي لم يتمكن من السجود لأجل الزحام أو غيره ينتظر حتى لو سلم الإمام فإنه لا يسلم بتسليمه؛ لأن في متابعته إذ ذاك ترك الفرض، فإذا وجد فرجة سجد سجدتين للثانية، ثم يعيد الركعة الأولى لعدم الاعتداد بما أداه منها لعدم السجود، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: قال الحافظ (٤): هذه الترجمة قطعة من الحديث الآتي في الباب، والمراد بها أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال
стр. 849
الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دلَّ الدليل الشرعي عليه، انتهى.
(٥٢ - باب متى يسجد من خلف الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بذلك إثبات أن أفعال المأمومين ينبغي أن تقع بعد الإمام بعدية متصلة ليس فيها فصل، إلا أنه إذا كان الإمام كبير السن ضعيف القوى بطيء الحركات وجب التأخير في الابتداء حتى تتحقق البعدية المتصلة في الانتهاء؛ لأنهم لو أخذوا بعده بعدية متصلة في الإتيان بالفعل الذي شرع فيه الإمام لزم فراغهم قبل فراغ الإمام لتبطئه في الحركات وتسارعهم، فأشار إلى أول الدعوى بحديث أنس "إذا سجد فاسجدوا"، فإنه يدل على التعاقب وعدم الفصل، والرواية المذكورة في الباب دالة على فصل في ابتداء فعل الإمام والمأموم، فالنظر إلى مجموعهما يثبت المرام، فكان كل من الروايتين بمنزلة التفسير للأخرى فافهم، انتهى.
وفي هامشه: في غرض الباب ثلاثة احتمالات:
الأول: ما أفاده الشيخ، وحاصله: أن الغرض التنبيه على أن تعقيب أفعال المقتدين كما هو لازم في شروع الفعل، كذلك هو واجب في آخره.
والثاني: أن ظاهر قوله ﷺ : "إذا سجد فاسجدوا" يوهم أن يقع سجود المؤتم بعد فراغ الإمام عن السجود كما هو ظاهر التعقيب فدفع الإمام البخاري هذا الاحتمال بحديث البراء بأن التعقيب باعتبار الشروع لا باعتبار الفراغ، وهذا خاطري أبو عذره.
والثالث: ما اختاره في "الفيض" (٢) فارجع إليه لو شئت، ثم ذكر في هامش "اللامع" ههنا مسألة المبادرة من الإمام فقال: ههنا ثلاثة مسائل: التحريمة، والسلام، وبقية الأركان.
стр. 850
أما الأول: فالأئمة الأربعة متفقون على أن التقدم على الإمام فيها مبطل للصلاة إلا في قول للشافعي غير مرضي عند أصحابه.
وأما الثاني: أي: السلام فالمشهور عن المالكية أن المقارنة في السلام مفسدة فالتقدم بالأولى، وعند الشافعي وأحمد التقدم مفسد والمقارنة مكروهة مع صحة الصلاة، وعند الحنفية التقدم في السلام مكروه غير مفسد، فالمقارنة أولى بعدم الإفساد.
وأما الثالث: أعني بقية الأركان فالجمهور منهم الأئمة الثلاثة على إجزاء الصلاة مع التحريم إلا في رواية لأحمد فالتقدم فيها أيضًا مبطل، وبه قال أهل الظاهر، انتهى.
(٥٣ - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام)
قال الحافظ (١): أي: من السجود لرواية ابن خزيمة بزيادة "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد" فتبين أن المراد الرفع من السجود ففيه تعقب على من قال: إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه، ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، انتهى.
وتعقب العيني (٢) كلام الحافظ أشد التعقب فارجع إليه لو شئت.
(٥٤ - باب إمامة العبد والمولى. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): المولى العتيق، قال ابن المنيِّر: لم يفصح بالجواز،
стр. 851
لكن لوَّح به لإيراده أدلته، ثم قال: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئًا وهم لا يقرؤون فيؤمهم، إلا في الجمعة؛ لأنها لا تجب عليه.
قوله: (وولد البغي والأعرابي) وإلى صحة إمامتهما ذهب الجمهور خلافًا لمالك، وعلَّته عنده غلبة الجهل، انتهى.
قوله: (من المصحف)، قال العيني (١): ظاهره يدل على جواز القراءة من المصحف في الصلاة، وبه قال ابن سيرين، وأجازه مالك في قيام رمضان، وكرهه النخعي وهي مفسدة عند أبي حنيفة؛ لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز؛ لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وبه قال الشافعي وأحمد، انتهى مختصرًا.
وفي هامش "اللامع" وأما أثر عائشة ليس بنص في الباب، لما فيه من الاحتمالات، قال السرخسي في "مبسوطه": ليس المراد بحديث ذكوان أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة، إنما المراد بيان حاله أنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب، والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليس بفرض، انتهى.
ومعناه: أنه كان يقرأ بعض القرآن لا كله، ويحتمل أن يكون المعنى كان يقرأ من القرآن، أي: الآيات منه لا سورة كاملة في ركعة كما أن هذين الطريقين معروفان عند القراء، فبعضهم يقرؤون في كل ركعة سورة قصيرة، وبعضهم الركوعات المتفرقة، ويحتمل أيضًا أن يكون المعنى أنه كان ينظر في المصحف بعد الترويحة إذا تعايا عليه، ثم يقرأ بعد ذلك في الصلاة، وهذا الطريق أيضًا معروف، لا سيما للحفاظ الذين لم يكن عندهم من يفتح عليهم، انتهى.
стр. 852
وهذا التوجيه الأخير اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه" (١)، انتهى.
قوله: (والغلام الذي لم يحتلم)، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا يصح استدلاله بعموم قوله ﷺ : "أقرؤهم"؛ لأنه لو سلم عمومه لزم جواز إمامة الكافر والمرأة والمجنون، مع أن أحدًا لا يقول به، فكما أنهم يخصون من عموم الأقرئية، كذلك نخصه، أي: الصبي منه، والحجة في تخصيصه النصوص الواردة في عدم تكليفه، انتهى.
وفي هامشه: والمسألة خلافية، قال العيني (٣): ظاهره يتناول المراهق وغيره، ويفهم منه أن البخاري يجوز إمامته، وهو مذهب الشافعي أيضًا، ومذهب أبي حنيفة: أن المكتوبة لا تصح خلفه، وبه قال أحمد وإسحاق، وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة، وبالجواز في النفل قال أحمد، انتهى.
قال الموفق (٤): لا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، وبه قال مالك إلى آخر ما قال.
(٥٥ - باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): لفظ التمام مشير إلى أن ذلك في الأمور الزائدة على نفس الصلاة من السنن والمستحبات، وأما أركان الصلاة وشرائطها، فإن إخلال الإمام بشيء منها يستلزم الإخلال بصلاة من خلفه، ولعل المؤلف لا يقول إلا ما قالته الشافعية من أن فساد صلاة الإمام لا يستلزم فساد صلاة المأمومين، وعلى هذا فالتمام على عمومه، ولا يتقيد بما دون أركان الصلاة وشرائطها، والله أعلم، انتهى.
стр. 853
وفي هامشه: والمسألة خلافية شهيرة، قال العيني (١): مذهب الشافعية أن صلاة الإمام إذا فسدت لا تفسد صلاة المقتدي، وعند الحنفية تفسد صلاة المقتدي أيضًا، وبقول الشافعي قال مالك وأحمد، انتهى.
قلت: هذا هو المعروف على ألسنة المشايخ، والصحيح أن ذلك متفق عليه عندهم في مسألة الحدث فقط لا في غيرها، وفيه التفاصيل ثم بسطها فارجع إليه لو شئت.
(٥٦ - باب إمامة المفتون والمبتدع)
قال الحافظ (٢): قوله: المفتون، أي: الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام، ومنهم من فسَّره بما هو أعم من ذلك، انتهى.
وقال العيني (٣): المفتون، هو من فتن الرجل فهو مفتون إذا ذهب ماله وعقله، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، وتعقّب عليه حيث قال: هذا التفسير لا ينطبق إلا على الفاتن، لأنه الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام، وكان ينبغي للبخاري أن يقول "باب إمامة الفاتن"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "خلف المخنث" وهو الرجل المتشبه بهن أو المشابه بهن، وجواز الصلاة خلفه لكونه رجلًا والكراهة لشبهه بالنسوة (٥) فإن إمامتهن مفسدة، وقوله في الحديث: "ولو لحبشي" دلالته على الترجمة من حيث إن الحبشي لا يكون إمامًا إلا بالتغلب والجور، أو بأن ينصبه غيره للإمامة، وكل من الحبشيين أمرنا بإطاعته، ومن جملة ذلك الصلاة خلفه فكانت الصلاة خلف الفسقة جائزةً، وهو المراد بالمفتون والمبتدع، انتهى.
стр. 854
قال الكرماني (١): المخنث مفتتن في تشبهه بالنساء كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد منهما مفتون في طائفة فلما شملهم معنى الحكم فكرهت إمامتهم إلا من ضرورة، انتهى. والبسط في هامش "اللامع".
(٥٧ - باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "سواء" تأكيد لقوله: "بحذائه" لئلا يتوهم أنه مجاز، وإلا فالمحاذاة تستلزم مساواتهما في المقام، ودلالة الرواية على ذلك من حيث إن المذكور فيها: قوله: "جعلني عن يمينه"، وإثبات أنه كان متخلفًا عنه قليلًا إثبات لأمر زائد، والأصل في لفظ "عن يمينه" هو المحاذاة، وهو الذي اختاره الإمام، وقال صاحباه: يصير وراءه قليلًا ولا يحاذيه سواء، انتهى.
وفي هامشه: في الباب مسألتان:
أولاهما: إن كان المأموم واحدًا يقوم عن يمين الإمام، قال الشعراني: هو قول الأئمة الثلاثة، فإن قام على يساره لا تبطل عندهم، وقال أحمد: إنها تبطل.
والمسألة الثانية: هل يساوي المأموم الإمام أو يتأخر عنه شيئًا؟ كما أشار إليه الشيخ في آخر القول، وميل الإمام البخاري إلى الأول كما هو نص ترجمته، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والثاني مذهب الشافعي، انتهى.
(٥٨ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام)
قال الحافظ (٣): وعن أحمد تبطل، وعند الجمهور: لا تبطل، انتهى.
وسيأتي مثل هذه الترجمة والجواب عن التكرار هناك.
стр. 855
(٥٩ - باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم. . .) إلخ
قال الحافظ (١): لم يجزم بحكم المسألة لما فيه من الاحتمال؛ لأنه ليس في حديث ابن عباس التصريح بأنه ﷺ لم ينو الإمامة كما أنه ليس فيه أنه نوى لكن في إيقافه إياه منه موقف المأموم ما يشعر بالثاني، وأما الأول فالأصل عدمه، وهذه المسألة مختلف فيها، والأصح عند الشافعية لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة وذهب أحمد إلى أن ينوي في الفريضة دون النافلة، انتهى.
قال العيني (٢): وعندنا في حق الرجال ليست بشرط، وفي حق النساء شرط، وقال الشافعي ومالك: ليست بشرط، انتهى.
(٦٠ - باب إذا طوَّل الإمام وكان للرجل حاجة)
قال الحافظ (٣): هذه الترجمة عكس التي قبلها؛ لأن في الأولى جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وفي الثانية جواز قطع الائتمام بعد الدخول فيه، وأما قوله في الترجمة: "فخرج" فيحتمل أنه خرج من القدوة، أو من الصلاة رأسًا، أو من المسجد، قال ابن رُشيد: الظاهر أن المراد خرج إلى منزله فصلى فيه.
قال الحافظ: وليس الواقع كذلك، فإن في رواية النسائي: "فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد" (٤) وهذا يحتمل أن يكون قطع الصلاة أو القدوة، لكن في "مسلم": "فانحرف الرجل فسلم ثم صلى وحده" (٥)، انتهى.
وهذا الأخير هو الذي اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه" (٦).
стр. 856
قال العيني (١): واختلف الأئمة فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها؟ فعند الشافعية - وإليه مال البخاري - يجوز أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، وعند الحنفية والمالكية لا يجوز، وعن أحمد روايتان، انتهى.
(٦١ - باب تخفيف الإمام في القيام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أشار بذلك إلى جمع ما ورد في صلاته ﷺ من ألفاظ ظاهرها المخالفة فيما بينها، فقد ورد أنه كان أخف الناس وإنه كان أخف الناس صلاة في تمام.
وحاصل الجمع: أن التخفيف في القيام بالاقتصار على مقدار السُّنَّة في القراءة والإتمام في الركوع والسجود، ويمكن الجمع بينهما بأنه كان آخذًا بأقل مراتب الإطالة، فهو تمام من جهة إتيان الواجبات على وجهها، وتخفيف باعتبارة ما فوقها من المراتب، انتهى.
وفي هامشه: التوجيه الأول واضح جدير بألفاظ الترجمة بأن متعلق التخفيف القيام، ومتعلق الإتمام الركوع والسجود، ومراعاة السُّنَّة ملحوظة في كليهما، لكن التوجيه الثاني لا يناسب الترجمة فإنها مقيدة بالتخفيف بالقيام والإتمام بالركوع والسجود، ولو يقال هذا في الترجمة الآتية: "باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها" كان أولى، اللَّهم إلا أن يقال: إن الشيخ قُدِّس سرُّه أراد بذلك الجمع بين الروايات لا شرح الترجمة، وهذا هو الفرق عندي بين هذه الترجمة والترجمة الآتية المذكورة آنفًا أن الإيجاز باعتبار أقل مراتب الكمال، والإكمال باعتبار مراعاة الآداب فلا تكرار.
ثم قال الكرماني (٣): فإن قلت: الحديث دل على الجزء الأول. قلت: الواو في "وإتمام" بمعنى "مع" كأنه قال: باب التخفيف بحيث
стр. 857
لا يفوته شيء من الواجبات فهو تفسير لقوله في الحديث: "فليتجوز"، انتهى.
فالترجمة على هذا شارحة ومخصص لعموم قوله: "فليتجوز"، قال الحافظ (١): والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته.
والأوجه عندي: الترجمة شارحة فهو من الأصل الثالث والعشرين، وعلى ما أفاده الشيخ من الأصل الخامس، وعلى ما أفاده الحافظ من الأصل الحادي عشر، انتهى مختصرًا.
(٦٢ - باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان الباب الأول يرد التطويل كان لمتوهم أن يتوهم كراهة التطويل مطلقًا سواء صلى لنفسه أو أم قومًا، فدفعه بإيراد الحديث بعده، انتهى.
وفي هامشه: وعليه عامة الشرَّاح، وعلى هذا فمعنى قوله في الحديث: "فليطول ما شاء" أي: بقدر ما شاء، ولا يبعد عندي أن يكون قوله: "ما شاء" مفعولا والمعنى فليطول أي جزء شاء، كما ورد عن أنس عند "مسلم" وغيره "أنه ﷺ إذا قال: سممع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم"، وعلى هذا ففي الترجمة إشارة إلى مسألة خلافية وهي تطويل ركن قصير كما ذكرت في هامشي على "البذل" (٣) فارجع إليه لو شئت، وتطويل القومة مندوب عند الحنابلة كما بسطه الموفق، وفي "البذل" عن الشوكاني: اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر خلافًا للمرجح في المذهب إلى آخر ما قال، وسيأتي المزيد عليه في "باب حد إتمام الركوع".
стр. 858
(٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طوَّل. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): الغرض منه أنه لا يدخل هذا في الغيبة، انتهى.
(٦٤ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها)
تقدم الكلام عليه قبل بابين.
قال الحافظ (٢): ثبتت هذه الترجمة في بعض النسخ وسقطت في البعض، وعلى تقدير سقوطها فمناسبة الحديث من جهة أن من سلك طريق النبي ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يشكى منه تطويل، انتهى.
(٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي)
قال ابن المنيِّر: التراجم السابقة بالتخفيف تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأموم، لكن حيث تتعلق بشيء يرجع إليه، كذا في "الفتح" (٣)، وكتب تحت الباب السابق: روى ابن أبي شيبة قال: "كانوا، أي: الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة" فبين العلة في تخفيفهم، ولهذا عقَّب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيف النبي ﷺ لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة، بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضي كبكاء صبي، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي إطالة الركوع للجائي، قال الخطابي: استدلوا منه على جواز تطويل الركوع إذا أحس بإقبال الرجل إلى الصلاة ليدركها معهم؛ لأنه إذا جاز الحذف منها بسبب بكاء الصبي كان المكث بسبب الساعي إليها أولى.
стр. 859
قال الحافظ (١): وتعقَّبه ابن المنيِّر بأن التخفيف نقيض التطويل فكيف يقاس عليه إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" وفيه أيضًا: قال الحافظ: وفي المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك، وفي "التجريد" للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: أخشى أن يكون شركاء، انتهى.
وفي "العيني" (٢): قال أحمد: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، انتهى.
(٦٦ - باب إذا صلَّى ثم أَمَّ قومًا)
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب إذا جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، انتهى.
قلت: هذا أصل مطَّرد وهو الأصل الخامس والثلاثون، والمسألة خلافية مبنية على جواز اقتداء المفترض خلف المتنفل، فإن معاذًا لما صلى مع النبي ﷺ فكأنه صلى الفرض معه، ثم إذا صلى مع قومه فلا بد أن يكون متنفلًا على قول من قال: إن صلاته مع النبي ﷺ كانت فرضًا، ومن منع اقتداء المفترض خلف المتنفل حمل صلاة معاذ مع النبي ﷺ على التنفل، فأصل الاختلاف في صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل.
وفي "الأوجز" (٤) تحت قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به": قال في "الاستذكار" (٥): زاد معن في "الموطأ" عن مالك: فلا تختلفوا عليه، ففيه حجة لقول مالك وأبي حنيفة: إن من خالفت نيَّته نيَّة إمامه بطلت صلاة المأموم، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال، انتهى.
стр. 860
وقال الأبي (١) في "شرح مسلم": وفيه رد على الشافعي والمحدثين في قولهم بصحة صلاة المفترض خلف المنتفل، انتهى.
وعن أحمد روايتان، والمختار عند أكثر أصحابه المنع، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٢).
(٦٧ - باب من أسمع الناس تكبير الإمام)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): فيه تصريح بأن أبا بكر لم يكن إمامًا حتى يلزم الائتمام بالمأموم، كما تقدم شيء منه، انتهى.
قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث عائشة والشاهد فيه قوله: "وأبو بكر يسمع الناس التكبير" وهذه اللفظة مفسرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية: "وكان أبو بكر ﵁ يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر"، انتهى مختصرًا.
(٦٨ - باب الرجل يأتم بالإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): قوله: "ويأتم الناس بالمأموم" أي: في إتيان الأفعال، وإلا فالائتمام حقيقة بالإمام لا غير، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٦): هذا الباب يحتمل معنيين:
أحدهما: يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم يعني أنهم يسمعون منه التكبير، ويكون الإمام في الحقيقة للكل واحدًا.
وثانيهما: يأتمون به حقيقة، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين في إمامته ﷺ لأبي بكر ﵁ وإمامة أبي بكر للقوم. وما قال به أحمد
стр. 861
من كونه ﷺ مقتديًا بأبي بكر فاحتمال ثالث لم يقل به المؤلف، انتهى.
وفي كلام الشيخ إجمال مخل، وتوضيحه: أن في قصة أبي بكر ثلاث احتمالات:
الأول: أن الإمام في الحقيقة لجميع الناس كان النبي ﷺ ، وأما أبو بكر فكان مبلغًا مسمعًا للناس تكبيره لا غير،
والاحتمال الثاني: أن النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر فقط، وأبو بكر كان إمامًا لبقية الناس.
والثالث: الذي اختاره الإمام أحمد أن كان الإمام في هذه القصة أبا بكر لم يذهب البخاري إلى هذا الاحتمال.
ولذا لم يتعرض له في كتابه بل ذهب إلى الاحتمالين الأولين، وأشار إلى الأول بالباب السابق "باب من أسمع الناس تكبير الإمام" وأشار إلى الثاني بهذا الباب، والأول قول الجمهور، والثاني قول الشعبي.
قال الحافظ (١): ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة؛ لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: "ويأتم الناس بأبي بكر" أنه في مقام المبلغ، وثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الرواية الأولى "يسمع الناس التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به إلى آخر ما قال.
قلت: وصنيع البخاري في تعبير الترجمتين إذ بوَّب الأولى بقوله: "باب من أسمع الناس"، وهذا على ما هو المشهور من دأب المصنف مما لا يرضاه كما تقدم في الأصل الثالث، وترجم بالثاني بـ "باب الرجل يأتم. . ." إلخ، وإليه مال العيني (٢) إذ قال: والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك، ومما يؤكد أن ميل البخاري
стр. 862
إلى مذهب الشعبي كونه صدر هذا الباب بالحديث المعلق، فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف الأول، ومن بعدهم يأتمون به، انتهى.
(٦٩ - باب هل يأخذ الإمام إذا شك. . .) إلخ
الإمام البخاري لم يجزم فيه بشيء.
والأوجه عندي: أنه نبَّه بلفظ: "هل" في الترجمة على الاختلاف في ذلك، ولم يجزم لقوة الاختلاف فيه فهو من الأصل الثاني والثلاثين والعجب من الحافظ أنه قائل بهذا الأصل كما تقدم في الأصول، ومع ذلك لم يذكره ها هنا بل قال: أورد فيه حديث ذي اليدين في السهو وسيأتي الكلام عليه في موضعه، إلى آخر ما قال.
والمسألة خلافية شهيرة كثيرة الفروع من جزم الإمام وشكه، وأخبار الواحد والاثنين محلها كتب الفروع وملخصها كما في "الأوجز" (١): إذا شك الإمام لا يرجع إلى قول المأمومين حتى يتيقن بقولهم وهو مذهب الشافعية، وأما عند مالك إذا سلم الإمام وسبح به من خلفه فإن صدقه كمل صلاته وسجد للسهو، وإن شك في خبره سأل عدلين، وجاز لهم الكلام في ذلك، وإن تيقن الكمال عمل على يقينه وترك العدلين، ومذهب الحنابلة كما في "المغني" (٢): من سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه الرجوع سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو لا، فإن لم يرجع بطلت صلاته، وإن سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب على ظنه، فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه؛ لأنه ﷺ لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، ومذهب الحنفية كما قال ابن عابدين (٣): إن كان الإمام على يقين لا يعيد بقولهم وإن كان في الشك يعيد بقولهم، فلو استيقن الواحد بالنقصان، وشك الإمام والقوم أعادوا احتياطًا إلا إذا استيقن عدلان وأخبراه بذلك، انتهى مختصرًا.