(٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طوَّل. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): الغرض منه أنه لا يدخل هذا في الغيبة، انتهى.
(٦٤ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها)
تقدم الكلام عليه قبل بابين.
قال الحافظ (٢): ثبتت هذه الترجمة في بعض النسخ وسقطت في البعض، وعلى تقدير سقوطها فمناسبة الحديث من جهة أن من سلك طريق النبي ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يشكى منه تطويل، انتهى.
(٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي)
قال ابن المنيِّر: التراجم السابقة بالتخفيف تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأموم، لكن حيث تتعلق بشيء يرجع إليه، كذا في "الفتح" (٣)، وكتب تحت الباب السابق: روى ابن أبي شيبة قال: "كانوا، أي: الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة" فبين العلة في تخفيفهم، ولهذا عقَّب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيف النبي ﷺ لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة، بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضي كبكاء صبي، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي إطالة الركوع للجائي، قال الخطابي: استدلوا منه على جواز تطويل الركوع إذا أحس بإقبال الرجل إلى الصلاة ليدركها معهم؛ لأنه إذا جاز الحذف منها بسبب بكاء الصبي كان المكث بسبب الساعي إليها أولى.
стр. 859
قال الحافظ (١): وتعقَّبه ابن المنيِّر بأن التخفيف نقيض التطويل فكيف يقاس عليه إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" وفيه أيضًا: قال الحافظ: وفي المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك، وفي "التجريد" للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: أخشى أن يكون شركاء، انتهى.
وفي "العيني" (٢): قال أحمد: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، انتهى.
(٦٦ - باب إذا صلَّى ثم أَمَّ قومًا)
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب إذا جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، انتهى.
قلت: هذا أصل مطَّرد وهو الأصل الخامس والثلاثون، والمسألة خلافية مبنية على جواز اقتداء المفترض خلف المتنفل، فإن معاذًا لما صلى مع النبي ﷺ فكأنه صلى الفرض معه، ثم إذا صلى مع قومه فلا بد أن يكون متنفلًا على قول من قال: إن صلاته مع النبي ﷺ كانت فرضًا، ومن منع اقتداء المفترض خلف المتنفل حمل صلاة معاذ مع النبي ﷺ على التنفل، فأصل الاختلاف في صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل.
وفي "الأوجز" (٤) تحت قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به": قال في "الاستذكار" (٥): زاد معن في "الموطأ" عن مالك: فلا تختلفوا عليه، ففيه حجة لقول مالك وأبي حنيفة: إن من خالفت نيَّته نيَّة إمامه بطلت صلاة المأموم، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال، انتهى.
стр. 860
وقال الأبي (١) في "شرح مسلم": وفيه رد على الشافعي والمحدثين في قولهم بصحة صلاة المفترض خلف المنتفل، انتهى.
وعن أحمد روايتان، والمختار عند أكثر أصحابه المنع، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٢).
(٦٧ - باب من أسمع الناس تكبير الإمام)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): فيه تصريح بأن أبا بكر لم يكن إمامًا حتى يلزم الائتمام بالمأموم، كما تقدم شيء منه، انتهى.
قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث عائشة والشاهد فيه قوله: "وأبو بكر يسمع الناس التكبير" وهذه اللفظة مفسرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية: "وكان أبو بكر ﵁ يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر"، انتهى مختصرًا.
(٦٨ - باب الرجل يأتم بالإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): قوله: "ويأتم الناس بالمأموم" أي: في إتيان الأفعال، وإلا فالائتمام حقيقة بالإمام لا غير، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٦): هذا الباب يحتمل معنيين:
أحدهما: يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم يعني أنهم يسمعون منه التكبير، ويكون الإمام في الحقيقة للكل واحدًا.
وثانيهما: يأتمون به حقيقة، وذهب المؤلف إلى كلا الاحتمالين في إمامته ﷺ لأبي بكر ﵁ وإمامة أبي بكر للقوم. وما قال به أحمد
стр. 861
من كونه ﷺ مقتديًا بأبي بكر فاحتمال ثالث لم يقل به المؤلف، انتهى.
وفي كلام الشيخ إجمال مخل، وتوضيحه: أن في قصة أبي بكر ثلاث احتمالات:
الأول: أن الإمام في الحقيقة لجميع الناس كان النبي ﷺ ، وأما أبو بكر فكان مبلغًا مسمعًا للناس تكبيره لا غير،
والاحتمال الثاني: أن النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر فقط، وأبو بكر كان إمامًا لبقية الناس.
والثالث: الذي اختاره الإمام أحمد أن كان الإمام في هذه القصة أبا بكر لم يذهب البخاري إلى هذا الاحتمال.
ولذا لم يتعرض له في كتابه بل ذهب إلى الاحتمالين الأولين، وأشار إلى الأول بالباب السابق "باب من أسمع الناس تكبير الإمام" وأشار إلى الثاني بهذا الباب، والأول قول الجمهور، والثاني قول الشعبي.
قال الحافظ (١): ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة؛ لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: "ويأتم الناس بأبي بكر" أنه في مقام المبلغ، وثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الرواية الأولى "يسمع الناس التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به إلى آخر ما قال.
قلت: وصنيع البخاري في تعبير الترجمتين إذ بوَّب الأولى بقوله: "باب من أسمع الناس"، وهذا على ما هو المشهور من دأب المصنف مما لا يرضاه كما تقدم في الأصل الثالث، وترجم بالثاني بـ "باب الرجل يأتم. . ." إلخ، وإليه مال العيني (٢) إذ قال: والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك، ومما يؤكد أن ميل البخاري
стр. 862
إلى مذهب الشعبي كونه صدر هذا الباب بالحديث المعلق، فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف الأول، ومن بعدهم يأتمون به، انتهى.
(٦٩ - باب هل يأخذ الإمام إذا شك. . .) إلخ
الإمام البخاري لم يجزم فيه بشيء.
والأوجه عندي: أنه نبَّه بلفظ: "هل" في الترجمة على الاختلاف في ذلك، ولم يجزم لقوة الاختلاف فيه فهو من الأصل الثاني والثلاثين والعجب من الحافظ أنه قائل بهذا الأصل كما تقدم في الأصول، ومع ذلك لم يذكره ها هنا بل قال: أورد فيه حديث ذي اليدين في السهو وسيأتي الكلام عليه في موضعه، إلى آخر ما قال.
والمسألة خلافية شهيرة كثيرة الفروع من جزم الإمام وشكه، وأخبار الواحد والاثنين محلها كتب الفروع وملخصها كما في "الأوجز" (١): إذا شك الإمام لا يرجع إلى قول المأمومين حتى يتيقن بقولهم وهو مذهب الشافعية، وأما عند مالك إذا سلم الإمام وسبح به من خلفه فإن صدقه كمل صلاته وسجد للسهو، وإن شك في خبره سأل عدلين، وجاز لهم الكلام في ذلك، وإن تيقن الكمال عمل على يقينه وترك العدلين، ومذهب الحنابلة كما في "المغني" (٢): من سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه الرجوع سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو لا، فإن لم يرجع بطلت صلاته، وإن سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب على ظنه، فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه؛ لأنه ﷺ لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، ومذهب الحنفية كما قال ابن عابدين (٣): إن كان الإمام على يقين لا يعيد بقولهم وإن كان في الشك يعيد بقولهم، فلو استيقن الواحد بالنقصان، وشك الإمام والقوم أعادوا احتياطًا إلا إذا استيقن عدلان وأخبراه بذلك، انتهى مختصرًا.
стр. 863
(٧٠ - باب إذا بكى الإمام في الصلاة)
قال الحافظ (١): أي: هل تفسد أو لا؟ والأثر والخبر اللذان في الباب يدلان على الجواز، انتهى.
والمسألة خلافية شهيرة قال العيني (٢): قال أصحابنا: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة قطعها، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين سواء بكى للدنيا أو للآخرة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٧١ - باب تسوية الصفوف. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): المراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): والحجة عليه عموم قوله: "سووا صفوفكم"، وإطلاقه فلا يتقيد بقيد ولا يختص بوقت، وأيضًا قوله: "إني أراكم خلف ظهري" يقتضى الاهتمام بتسوية الصفوف، إذا وقعت ناظرة الإمام عليهم، انتهى. أشار الشيخ بذلك إلى تطابق الروايتين بالترجمة، فإن الترجمة بلفظ: "عند الإقامة وبعدها"، وليس واحد منهما في الروايتين.
فأجاب الشيخ قُدِّس سرُّه: بأن استدلاله بالعموم، وهذا هو الأصل الثاني من أصول التراجم، وجعل الحافظ الترجمة من الأصل الحادي عشر، إذ قال: أشار بذلك إلى ما في بعض الطرق كعادته ففي "مسلم": "أنه ﷺ قال عندما كاد أن يكبر"، وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا: "أقيمت الصلاة فأقبل علينا فقال" الحديث، انتهى.
стр. 864
ثم تسوية الصف من سُنَّة الصلاة وليس بشرط في صحتها عند الأئمة الثلاثة، وقال أحمد: من صلَّى خلف الصف وحده بطلت صلاته.
قال الحافظ: وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٧٢ - باب إقبال الإمام على الناس. . .) إلخ
سكتوا عن غرضه، والأوجه عندي: أنه إشارة إلى أن الإمام إذا توجه إلى القبلة ثم أعرض عنه للتسوية فليس هذا بإعراض عن التوجه إلى الله الذي شرعه، ويحتمل أنه تنبيه للإمام على أن من آدابه التعرض للتسوية، ولا يتوهم أن التسوية حق المأمومين وليس من وظائف الإمام.
(٧٣ - باب الصف الأول)
قال الحافظ (١): المراد به ما يلي الإمام مطلقًا، وقيل: أول صف تام يلي الإمام، لا ما تخلله شيء كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلَّى آخر الصفوف، قاله ابن عبد البر.
قال النووي: القول الأول هو الصحيح المختار وإليه أشار البخاري، انتهى.
فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى رد ما قاله ابن عبد البر؛ لأنه لا تبقى حينئذ حاجة إلى الاستهام.
(٧٤ - باب إقامة الصف من تمام الصلاة)
قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: إنما قال البخاري في الترجمة: "من تمام الصلاة" ولفظ الحديث: "من حسن الصلاة"؛ لأنه أراد أن يبيّن أنه المراد بالحسن هنا، وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب، بل المقصود
стр. 865
منه الحسن الحكمي بدليل حديث أنس، وهو الثاني من حديثي الباب.
قلت: ويحتمل عندي أنه إشارة إلى أن لفظ الإقامة في الحديث الذي استدل به بعض الظاهرية على وجوب التسوية هو بمعنى التمام، فقد قال ابن دقيق العيد كما في "الفتح" (١): قد يؤخذ من قوله: "تمام الصلاة" الاستحباب؛ لأن تمام الشيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، انتهى.
(٧٥ - باب ثم من لم يتم الصفوف)
قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: أورد فيه حديث أنس "ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف" وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السُّنَّة فلا يدل ذلك على حصول الإثم، ثم أجاب عنه الحافظ بأجوبة عديدة.
والأوجه عندي ما قال السندي (٣) في الجواب بأنه أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: "سووا" ونحوه لا يفيد مطابقة هذا الحديث بالترجمة ودلالته عليها، بل يصير الدليل على الترجمة حديث: "سووا" ونحوه لا هذا الحديث إلا أن يقال: قد لا تكون الترجمة للاستدلال بالحديث عليها بل لبيان ما هو الصحيح في محمل الحديث بدلائل أخر، فها هنا بالترجمة أفاد أن إنكار أنس محمول على إنكار على ترك الواجب لا على إنكار على ترك السُّنَّة بدليل "سووا صفوفكم" ونحوه، وقد يقال: إن الحديث يدل على أن ترك إقامة الصفوف خلاف ما كان عليه أمر النبي ﷺ والأصل فيه هو التأثيم، إلى آخر ما قال.
قلت: حاصله: أن الأصل في المخالفة الإثم، وحاصل التأويل الأول أن الترجمة شارحة.
стр. 866
(٧٦ - باب إلزاق المنكب بالمنكب)
في تقرير مولانا حسين علي الفنجابي عن شيخه الكَنكَوهي: اعلم أنه لا يتصور إلصاق الكعبين والمنكبين من الجانبين إلا لبعض الناس بتكلف وهيئة غير هيئة الصلاة والخضوع، فالمراد القرب والمحاذاة في الكعبين، وكذا المراد في المنكبين، ألا ترى إلى من لم يكن قدماه مساويين - أي: بقدمي صاحبه - وكذا المراد من إلصاق القدم، انتهى.
وبهذا قال الجمهور: إن المراد شدة القرب لا الإلصاق الحقيقي.
قال الحافظ (١): المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، انتهى.
وهكذا قال العيني (٢) والقسطلاني، وأبدع عندي الإمام البخاري في الترجمة إذ ترجم بإلزاق المنكب والقدم؛ لأن حقيقة الإلصاق لا يتصور في المناكب إلا أن يكون كل الصف مساوي القامة، وكذا إلصاق القدم لا يمكن إلا أن يكون كلهم متساوية الأقدام، وهذان ممتنعان عادة فترجم بهما البخاري إشارة إلى أنه لا يمكن فيهما إلا المبالغة في القرب والمحاذاة لا الإلصاق الحقيقي، ثم ذكر حديث النعمان تعليقًا للإشارة إلى أن ما هو المراد في الأولين هو المراد في الثالث لاتحاد سياق الروايات إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٧٧ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): تقدم أكثر لفظ هذه الترجمة قبل بنحو من عشرين بابًا لكن ليس هناك لفظ "خلفه" وقال هناك: "لم تفسد صلاتهما" بدل
стр. 867
قوله: "تمت صلاته" ولم ينبِّه أحد من الشرَّاح على حكمة هذه الإعادة، والذي يظهر لي أن حكمهما مختلف لاختلاف الجوابين، فقوله: لم تفسد صلاتهما، أي: بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفًا وهو من مصلحة الصلاة أيضًا، وقوله: "تمت صلاته" أي: المأموم ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولًا مع كونه في غير موقفه، ولأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): هذا الحديث، أي: حديث ابن عباس أخرجه المؤلف في مواضع، ويستنبط منه في كل موضع ما يتعلق بذلك الموضع من الأحكام، وقد أكثر مثله في كتابه هذا وهو يدل على قوة اجتهاد المؤلف فإنه استنبط كل جزئي من الحديث مع قلة الصحيح منه، ومطلب هذا المقام يتعلق بمسألة الجماعة، فإن سُنَّة القيام إذا كان المأموم فردًا واحدًا أن يقوم عن يمين الإمام، ومع ذلك لو قام عن يساره لم تفسد صلاته، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): الوجه في التكرار أن المقصود أولًا كان بيان موضع الإمام والمأموم فقط وذكر مسألة التحويل إنجازًا وها هنا هي المقصودة، أو يقال: إن المقصود في الأولى بيان العمل القليل والكثير، وها هنا بيان تمامية الصلاة مع أن بعضها صليت على خلاف ترتيب موضع المأموم حتى حوله عنه، انتهى.
وبسطت في نقل كلامهم بتمامه ليظهر اختلاف آرائهم في الفرق بين الترجمتين، ولم يتعلق بقلبي الجريح شيء من ذلك، بل ما يظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم أن غرض الترجمتين مختلف جدًا، ولا شائبة للتكرار لاختلاف غرض الترجمتين، وإن قاربت ألفاظهما فهو من الأصل
стр. 868
الثاني والعشرين، وما ذكروا من الفرق بينهما بحمل إحداهما على العمل الكثير، لو صح لا يناسب المقام؛ لأن مسألة العمل الكثير محلها "باب العمل في الصلاة" تأتي في محلها وليس ها هنا إلا محل أحكام الصفوف والإمامة والاقتداء ونحوها.
فالظاهر عندي: أن مقصود الترجمتين الإشارة إلى مسألتين خلافيتين شهيرتين، الأولى منهما بيان موقف الإمام والمأموم إذا كان واحدًا وأن من خالف موقفه تصح صلاته عند الجمهور خلافًا للإمام أحمد إذ قال: إنه تفسد صلاته، فهذه المسألة هي غرض الترجمة الأولى عندي، ولذا ترجم فيها "لم تفسد صلاتهما"، وأما هذه الترجمة الثانية فغرضها عندي تقدم المأموم على إمامه، ولذا قيَّد هذه الترجمة بلفظ "خلفه"، ولم يذكر هذه اللفظة فيما سبق؛ لأنه كان مسألة أخرى لا تعلق لها بخلفه، وهذه كانت متعلقة بالتقدم على الإمام، فقيَّد الصحة فيها بخلفه، قال الموفق (١): السُّنَّة أن يقف المأموم خلف الإمام، فإن وقفوا قدامه لم تصح، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: تصح إلى آخر ما بسط، فغرض الترجمة الأولى تأييد للجمهور، ورد على الإمام أحمد في مسألة الموقف، وغرض الترجمة الثانية تأييد للجمهور، ورد على قول مالك في مسألة التقدم على الإمام، انتهى.
(٧٨ - باب المرأة وحدها تكون صفًا)
قال الحافظ (٢): أي: في حكم الصف، وبهذا يندفع اعتراض الإسماعيلي حيث قال: الشخص الواحد لا يسمى صفًا، وأقل ما يقوم الصف باثنين، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك أن الصبي كما يقام في
стр. 869
الصف عند توحده، وكونه ليس معه غيره، فالمرأة ليست كذلك بل تقام خلف الرجال، سواء كان معها غيرها من النسوة أو انفردت، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (١): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البر من حديث عائشة مرفوعًا: "المرأة وحدها صف"، انتهى. وهو الأصل الأول من أصول التراجم.
قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" يعني: أنه مختص بالرجال، والحديث المذكور أخرجه ابن حبان وفي صحته نظر، إلى آخر ما قال.
ثم المسألة إجماعية، قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٣): لا خلاف في أن سُنَّة النساء القيام خلف الرجال ولا يجوز لهن القيام معهم في الصف، ومع ذلك لو قامت بجنب الرجل اختلفوا في صحة الصلاة، وهي مسألة المحاذاة المعروفة، فعند الجمهور أجزأت صلاتهما، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، انتهى مختصرًا.
(٧٩ - باب ميمنة المسجد والإمام)
قال الحافظ (٤): كأنه أشار إلى ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن البراء قال: "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه" (٥). ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (٦)، انتهى.
стр. 870
وقال العيني (١): أي: هذا باب في بيان أن ميمنة المسجد والإمام هي مكان المأموم إذا كان وحده، انتهى.
قلت: وفيه أنه قد تقدم موقف المأموم الواحد في "باب يقوم عن يمين الإمام. . ." إلخ، وكان في قلبي من سالف الزمان أن غرض الإمام بذلك بيان اتحادهما دفعًا لما يتوهم من أن ميمنة أحدهما ميسرة الآخر لأن وجه المسجد إلى الإمام، ثم رأيت ذلك في تقرير المكي تحت قوله في الحديث: عن يمينه، أي: ويمينه ميمنة وميمنة المسجد أيضًا، وليس المراد بميمنة المسجد ميمنة الحقيقية فإنها ميسرة الإمام، انتهى.
وقال السندي (٢): قال الكرماني: دلالته على يمين المسجد لأن يمين الإمام يمينه، قال السندي: لأن وجه المسجد إلى الكعبة كوجه الإمام لأن المساجد بنيت متوجهة إليها، ولا تعتبر المواجهة بين الإنسان والمسجد حتى ينقلب الأمر بالعكس، انتهى. والبسط في هامش "اللامع".
(٨٠ - باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط)
أشار الإمام البخاري إلى مسألة خلافية كثيرة الفروع، أشار إلى بعضها الإمام فيما ذكر في الترجمة من الآثار، وهي موانع الاقتداء باعتبار المكان، والمعروف على ألسنة المشايخ، وهو الذي أشار إليه الشعراني في "الميزان" أن اختلاف المكان مانع عن الاقتداء عند الحنفية بخلافهم، والحائل مانع عندهم بخلاف الحنفية، وظاهر تبويب البخاري أن كليهما لا يمنعان الاقتداء.
قال الحافظان (٣) ابن حجر والعيني: ما في الباب يدل على أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية، وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، انتهى.
стр. 871
قال القسطلاني (١): إذا جمعهما مسجد، وعلم بصلاة الإمام بسماع تكبير أو تبليغ جاز عند الشافعية، وقال الموفق (٢): إن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام، أو من ورائه، ففيه روايتان: إحداهما: يصح، والثانية: لا يصح، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٨١ - باب صلاة الليل)
هذه الترجمة من أصعب التراجم لكونها في غير محلها.
قال القسطلاني (٣): كذا في رواية المستملي وحده، ولا وجه لذكره ههنا؛ لأن الأبواب ههنا في الصفوف، وصلاة الليل بخصوصها أفرد لها المصنف كتابًا مفردًا في هذا الكتاب، انتهى.
قال الحافظ (٤): ولم يعرّج عليه أكثر الشرَّاح، وهو وجه السياق، ولما كانت الصلاة بالحائل يتخيل أنها مانعة من إقامة المف ترجم لها وأورد ما عنده فيها، فأما صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد سيأتي في آخر الصلاة، وكأن النسخة وقع فيها تكرير لفظ: "صلاة الليل" وهي الجملة في آخر الحديث الذي قبله فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة فصدرها بلفظ: "الباب"، وقد تكلف ابن رُشيد توجيهًا بما حاصله: أن من صلى بالليل مأمومًا في الظلمة كانت فيه مشابهة بمن صلى وراء حائل، وأبعد منه من قال: يريد إن من صلى بالليل مأمومًا في الظلمة كان كمن صلى وراء حائط، ثم ظهر لي احتمال أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحذف لفظ جماعة، والذي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها في عدد الركعات ونحو ذلك، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): أن المؤلف أورد هذا الباب في هذا
стр. 872
المقام لإفادة جواز الجماعة في النوافل على خلاف مذهب الحنفية، وذلك لأن صلاة التراويح لم تكن في ذلك الوقت من المؤكدات بل كانت كسائر النوافل والسنن، فلما جوَّز رسول الله ﷺ الجماعة فيها علم منه تجويزها في كل نفل وإن كان الأفضل أداءها في البيوت منفردًا تحرزًا عن شبهة الرياء، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري لما أثبت في الباب السابق صحة الائتمام بحيلولة الجدار ونحوه أثبت بهذا الباب مرامه بوجه آخر، وهو الاقتداء في الليل، فإنه يدل على صحة الاقتداء في الظلمة مع أنه لا يرى فيه المؤتم الإمام، فثبت بذلك مرامه الأول بالالتزام، ولذا أفرد له بابًا لثبوته بالالتزام دون النص، وهذا هو الذي قاله ابن رُشيد وغيره، وليت شعري كيف جعله الحافظ بعيدًا مع أنه جدير بل أجدر بشأن البخاري لدقته في الاستنباط، وعلى هذا لا يرد على المصنف إيراد الترجمة على غير ملحها، انتهى من هامش "اللامع"، وبسط فيه الأبحاث الفقهية المناسبة بالمقام.
(٨٢ - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بالتكبير تكبيرة الافتتاح، فيكون الافتتاح لازمًا لها، وصار المعنى باب بيان افتتاح الصلاة بما هو، انتهى.
وفي هامشه: ههنا عدة أبحاث، الأول: في صحة كلام الإمام البخاري في الترجمة فإن ظاهر سياقه أنه ترجم بترجمتين: الإيجاب والافتتاح، وظاهر مقصده أنه أراد بيان وجوب تكبيرة الافتتاح، فأوَّلوا كلامه بوجوه: منها ما أفاده الشيخ وهو واضح أن المراد بالتكبير تكبيرة الافتتاح، وقوله: والافتتاح كأنه عطف تفسير، ومنها ما قالته الشرَّاح.
стр. 873
قال الحافظ (١): الظاهر أن الواو عاطفة إما على المضاف، وهو إيجاب، وإما على المضاف إليه، والأول أولى، إن كان المراد بالافتتاح الدعاء؛ لأنه لا يجب، والذي يظهر من سياقه أن الواو بمعنى مع، وأن المراد بالافتتاح الشروع في الصلاة إلى آخر ما قال.
وتعقبه العيني (٢) فقال: لا نسلم أن الواو ههنا عاطفة، بل الواو ههنا إما بمعنى الباء، والمعنى إيجاب التكبير بافتتاح الصلاة، وإما بمعنى لام التعليل، أي: لأجل افتتاح الصلاة إلى آخر ما قال.
قلت: والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه العزيز أن الواو عاطفة، وقوله: "افتتاح الصلاة" تنبيه على أنه لما فرغ عن مقدمات الصلاة أراد بيان صفة الصلاة فقال: افتتاح الصلاة كما ترجم أبو داود على صفة الصلاة بقوله: "باب تفريع استفتاح الصلاة"، وترجم هكذا النسائي ومالك وابن ماجه، وهذا شائع عند المحدثين، ويرد عليه أنه كان ينبغي له حينئذ أن يقول: "باب افتتاح الصلاة وإيجاب التكبير" لأن تكبير التحريمة أيضًا داخل في صفة الصلاة، ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك التقديم والتأخير كدأبه في بدائع التراجم إلى ترجيح قول الحنفية في مسألة خلافية، وهي أن تكبيرة الافتتاح ركن الصلاة كما قال به الجمهور، أو شرط لها، كما هو عند الحنفية، فلا يبعد أن الإمام البخاري أيضًا مال إلى أنه شرط مقدم على الصلاة، ولذا بدأ بإيجاب التكبير وثنى بافتتاح الصلاة، انتهى. وبسط الكلام فيه أشد البسط.
(٨٣ - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لا يقدم الرفع على التكبير ولا يؤخره عنه، دلالة الرواية عليه لكون الرفع في الرواية، قد وقع ظرفًا للافتتاح أو جزاء له، وأيًّا ما كان فالاتصال بينهما ثابت، انتهى.
стр. 874
قلت: الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألتين خلافيتين:
الأولى: رفع اليدين في التكبيرة الأولى، وهذا الرفع وإن كان مجمعًا عليه عند الجمهور حتى حكى عليه الإجماع، ومع ذلك ففيه اختلاف معروف من أنه سُنَّة عند الجمهور، وفرض عند ابن حزم لا تجوز الصلاة إلا به، وروي الوجوب عن داود وغيره، قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي، وقيل: لا يستحب، حكاه الباجي عن كثير من المالكية، فأشار البخاري بأول الترجمة إلى تأييد الجمهور ردًا على من أنكره.
والمسألة الثانية: هي التي أشار إليها الشيخ وهي مقارنة الرفع التكبير، وهي أيضًا خلافية، فالمرجح عندنا الحنفية تقديم الرفع، وحكى المغني عن الحنابلة رواية واحدة، وهي المقارنة، والأصح عند الشافعية والمالكية أيضًا المقارنة.
(٨٤ - باب رفع اليدين إذا كبر. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قد صنَّف البخاري في هذه المسألة جزءًا مفردًا، انتهى.
قلت: والمسألة من أشهر المسائل الخلافية بسط الكلام عليها الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢) أشد البسط من دلائل الفريقين والكلام عليها، والجواب عن أدلة القائلين بالرفع، وشيء من الكلام على ذلك في "الأوجز" (٣)، وبسط فيه في بيان وجوه الترجيح لعدم الرفع باثني عشر وجهًا، فارجع إليه لو شئت.
стр. 875
(٨٥ - باب إلى أين يرفع يديه)
قال الحافظ (١): لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به قبل وبعد جريًا على عادته لقوة الخلاف فيه، لكن الأرجح عنده محاذاة المنكبين لاقتصاره على إيراد دليله، انتهى. وبه جزم العيني.
وفي "الأوجز" (٢) تحت قوله في حديث ابن عمر: رفع يديه حذو منكبيه، قال الزرقاني (٣): وبهذا أخذ مالك والشافعي، وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن الحويرث، وفيه: حتى يحاذي بهما أذنيه، انتهى.
قلت: لكن في "مختصر عبد الرحمن وفضائلها": رفع اليدين عند الإحرام حتى تقابلا الأذنين، انتهى.
وكذا كلام الباجي يدل على أن مالكًا يوافق الحنفية إلى آخر ما فيه، وحقق فيه أيضًا أن هذا الخلاف لفظي كما نقل عن ابن الهمام وغيره.
(٨٦ - باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين)
غرض الترجمة ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة.
قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٤): هذا الحديث أخرجه البيهقي والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، قال في "الجوهر النقي" بعد ذكر هذا الحديث: وفيه زيادة على ذلك، وهي الرفع عند القيام من الركعتين، وهي زيادة مقبولة، ولم يقل بها الإمام الشافعي، فما لزم خصمه من القول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه لزمه مثله من القول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين، انتهى.
стр. 876
(٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى)
قال العيني (١): الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه:
الأول في أصل الوضع، فعندنا يضع، وبه قال الشافعي وأحمد، والمشهور عن مالك أنه يرسله.
والثاني في صفة الوضع: وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى، فيكون الرسغ وسط الكف، وفي "الدراية" (٢): يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال الشافعي وأحمد.
والثالث في مكان الوضع: فعندنا تحت السرة، وعند الشافعي على الصدر، انتهى.
وفي "البذل" (٣) عن الشوكاني: مذهب جمهور الشافعية هو أن الوضع يكون تحت صدره فوق سرته، وعن أحمد روايتان، انتهى مختصرًا.
قلت: ومختار الخرقي تحت السرة كما عند الحنفية.
(٨٨ - باب الخشوع في الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لعل المراد بالخشوع السجود، ودلالة الرواية الأولى على الترجمة من حيث إرادة السجود بلفظ الخشوع في الرواية الأولى، ويمكن أن يكون على حقيقة معناه، فالمراد بالسجود في الرواية الثانية هو الخشوع لكونهما متلازمتين، فإن السجدة وهو وضع الجبهة أعلى درجات المسكنة والخشعة، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاد الشيخ من التوجيه الأول يشكل عليه أن الترجمة تكون في غير محلها، فإن أبواب السجود تأتي في محلها، فالصواب هو
стр. 877
التوجيه الثاني، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري ذكر "باب الخشوع" متصلًا بأبواب الرفع المذكورة تنبيهًا وإشارة إلى مسلك من اختار عدم الرفع في المواضع المذكورة، لكونه أقرب إلى السكون وهو الخشوع، وأما حكم الخشوع فقال الحافظ (١): قد حكى النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يرد عليه قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حد يذهب معه الخشوع أبطلت الصلاة لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المراد بالإجماع أنه لم يصرح أحد بوجوبه إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٨٩ - باب ما يقرأ بعد التكبير)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أورد فيه روايتين، الأولى: بيان ما يبدأ فيها جهرًا، والثانية: ما فيها المبدوء به سرًّا، وهو الدعاء، انتهى.
وفي هامشه: اختلفوا في غرض المصنف، وعامة الشرَّاح على أن الغرض بيان الدعاء في الاستفتاح، وقال شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه": إن المؤلف مرة يصرح بالترجمة لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، ومن لم يتأمل وقنع على الظاهر يقع في التكلف والتخبط.
ثم قال بعد ذكر بعض أمثلته: وهكذا قال: "باب ما يقول بعد التكبير"، وأدخل فيه حديث الكسوف أيضًا فأشكل التوفيق فتكفوا، والوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يفهم أن غرض المؤلف من هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح، وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، وحينئذ
стр. 878
ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في ال باب ، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء، انتهى.
والأوجه عندي: أن غرض المصنف بهذا الباب إشارة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي أن دعاء الاستفتاح مندوب عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة على الاختلاف بينهم في تعيين الدعاء خلافًا للإمام مالك إذ لم يقل بدعاء الاستفتاح، وقال باستفتاح الصلاة بالقراءة لحديث أنس هذا، فهذا من الأصل الرابع من أصول التراجم، لم يجزم الإمام في الترجمة بشيء، وأتى في الباب بالروايتين المختلفتين استدل بهما الفريقان، انتهى.
(٩٠ - باب)
بغير ترجمة، كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "فقام فأطال القيام" فيه الترجمة فإن الثابت بفعله ﷺ هذا إطالة القيام، فجاز أن يطيل القيام أعم من أن يأتي فيه بالقراءة أو الدعاء، ويمكن أن يقال: إن الباب معقود لبيان ما يقرأ بعد الافتتاح، لكنه أفرد الباب ههنا؛ لأن الروايتين الأوليين دلتا على ما يقرأ بعد الافتتاح صراحة، وههنا لم يثبت الحكم إلا بقرينة المقام، وعلى هذا فالروايات الثلاثة بأسرها دالة على ما يقرأ بعد التكبير، ولا يبعد أن يقال: إن الباب معقود لبيان ذكر الثناء قبل القراءة لا غير، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): قوله: "باب" كذا في رواية الأصيلي بلا ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر وغيره، وعلى هذا فمناسبة حديث الكسوف غير ظاهرة للترجمة، وعلى تقدير ثبوت لفظ باب فهو كالفصل من الباب الذي قبله، فله به تعلق.
قال الكرماني (٣): إن دعاء الافتتاح مستلزم لتطويل القيام، وحديث الكسوف فيه تطويل القيام فتناسبا، إلى آخر ما قال، ولا يبعد عندي أن
стр. 879
الإمام البخاري ترجم بما يقرأ بعد التكبير وذكر بعد ذلك ثلاث روايات، إحداهن: في الفاتحة، والثانية: في الدعاء، ولما كانت الفاتحة واجبة والدعاء سُنَّة قدم الأولى على الثانية، والرواية الثالثة: في ضم السورة، ولما كان ضم السورة بعد الفاتحة حتمًا فصل بينهما في الباب تنبيهًا على تأخر السورة عن الفاتحة، والثلاثة داخلة فيما يقرأ بعد التكبير.
وترجم صاحب "التيسير" على حديث الكسوف "باب العمل في الصلاة"، ثم قال: لم يذكر في بعض النسخ الترجمة أصلًا، وفي بعضها ذكر الترجمة المذكورة، وهو أيضًا لا يناسب، انتهى.
قلت: لأن باب العمل في الصلاة يأتي في محله، ثم هذا الباب لم يذكره شيخ الهند قُدِّس سرُّه في الجدول الرابع الذي جمع فيه الأبواب بلا ترجمة.
(٩١ - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١) في الباب الآتي "باب رفع البصر إلى السماء. . ." إلخ: لما كان جواز الرفع إلى الإمام يجوز الرفع إلى السماء لكونها متقاربين، وفي جهة دفع ذلك بأن مناط الجواز هو الحاجة وإصلاح الصلاة لكن الغالب في رفع البصر إلى الإمام لما كان هو الإصلاح، وفي رفعه إلى السماء غيره أطلق الأمر والنهي فيهما مع أن الرفع إلى السماء لو كان مفيدًا كالنبي ﷺ حين انتظر تحويل القبلة جاز، والرفع إلى الإمام لو لم يكن مفيدًا؛ كمن أخذ ينظر إلى ثوبه وعمامته لم يكن جائزًا، ثم إن رفع البصر إلى الإمام قد يجب لعارض؛ كالأصم ائتم بغيره، فإنه لا بد له من الرفع إلى إمامه ليكون من حاله على بصيرة، سيما إذا لم يكن معه غيره، انتهى.
стр. 880
وفي هامشه: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل البابين على الجواز والكراهة وهو ظاهر سياق البابين لأنه ذكر في الأول رفع البصر إلى الإمام وفي الثاني رفعه إلى السماء على منوال واحد، ولما ذكر في الأول روايات الإباحة وفي الثاني روايات الكراهة، فكلام الشيخ قُدِّس سرُّه واضح جدًا.
لكن الأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار في الباب الأول إلى مسألة خلافية، لكونها أجدر بتراجم البخاري، وهي ما قال الحافظ (١): قال ابن بطال: فيه حجة لمالك أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة، وقال الشافعي والكوفيون: يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، انتهى. وهو مذهب أحمد كما في "المغني".
وأما المسألة الثانية، وهي التي أشار إليها بالباب الثاني وهي النظر إلى السماء فقد قال ابن بطال: أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء فكرهه شريح وطائفة وأجازه الأكثرون.
قال الحافظ (٢): وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): عقد هذا الباب لما تقرر أن الأولى أن ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده ومع ذلك لو رأى إلى إمامه ولم ينظر إلى ذلك الموضع لم تفسد عليه صلاته، والحديث المعلق مناسبته بترجمة الباب باعتبار أنه يدل على أنه ﷺ نظر قدامه في صلاته، ولم ينظر إلى موضع سجوده، فيقاس عليه المأموم إذا نظر إلى إمامه، وقد مرَّ غير مرة أن البخاري ربما يعقد الترجمة لأمر خاص من بين العام مع أن مراده إثبات ذلك العام، انتهى مختصرًا، وهذا هو الأصل الثامن عشر من أصول التراجم.
стр. 881
(٩٢ - باب رفع البصر إلى السماء. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
(٩٣ - باب الالتفات في الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): هذا أيضًا تقييد وتفسير لما تقدم قريبًا من أن الالتفات المذكور من قبل المرخص فيه هو الذي يتضمن إصلاحًا وإلا فهو اختلاس شيطان ينقص به أجره وثوابه، انتهى.
وفي هامشه: والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أطلق الترجمة ولم يجزم فيه بشيء لوسع الاختلاف في حكم الالتفات، وذكر فيه روايتين، الأولى دالة على المنع لكونه اختلاسًا من الشيطان، والثانية على الجواز لنظره ﷺ إلى الخميصة، فالترجمة عندي من الأصل الرابع من أصول التراجم.
وقال الحافظ (٢): لم يبين المؤلف حكمه، لكن الحديث الذي أورده دال على الكراهة وهو إجماع، لكن الجمهور على أنها للتنزيه وقيل: يحرم إلا لضرورة، وهو قول أهل الظاهر، انتهى.
وبسط الكلام على أنواع الالتفات في "الأوجز" (٣)، وحاصله: أن الالتفات ثلاثة أنواع: الأول: بالنظر وهو جائز عند الكل، لكن الأولى تركه لأنه ينافي الخشوع، والثاني: بتحويل الوجه هو مكروه عند الكل إلا لضرورة، والثالث: بتحويل الصدر مفسد عند الحنفية والشافعية، وقالت المالكية كما في "الشرح الكبير": كره الالتفات يمينًا وشمالًا ولو بجميع جسده حيث بقيت رجلاه للقبلة بلا حاجة، وإلا فلا كراهة، وعند الحنابلة كما في "نيل المآرب" (٤): محل الكراهة إذا كان الالتفات بلا حاجة كخوف
стр. 882
ومرض، والمراد بالالتفات الذي يكره، ولا تبطل به الصلاة إذا لم يستدبر بجملته ويستدبر القبلة، ويبطلها استدبار القبلة حيث شرط استقبالها، انتهى.
(٩٤ - باب هل يلتفت لأمر ينزل به)
قال الحافظ (١): الجامع بين جميع ما ذكر في الترجمة حصول التأمل المغائر للخشوع، وأنه لا يقدح إلا إذا كان لغير حاجة، انتهى.
(٩٥ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): استدل على مدعاه بأن الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصلوات أو المصلين، ثم إن الحسن وزفر ذهبا إلى إيجاب القراءة في ركعة من الفريضة، والحنفية في اثنتين، ومالك في الثلاث، والشافعي في الأربعة، وهو الذي قصد المؤلف إثباته، وأنت تعلم أنه غير ثابت.
نعم! غاية ما ثبت أنه ﷺ كان يقرأ فيها كلها، ونحن لا ننكر ذلك، وإنما النزاع في إثبات ركنيتها فكان دوامه على القراءة كدوامه على الأذان والإقامة وغيرهما من السنن، فعليهم إثبات أن القراءة ركن تفسد الصلاة بعدمها، انتهى.
وفي هامشه: وجه الشيخ قُدِّس سرُّه توجيهًا كليًّا لتطابق الترجمة بالروايات بأن الإمام البخاري أخذ في هذا الباب الاستدلال بالعموم، وهو أصل مطرد وهو الأصل الخمسون، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوجيه في الروايات وإبداء الاحتمالات كما ذكره الشرَّاح ونقل عنهم في هامش "اللامع".
والأوجه عندي: أن هذا الباب بمنزلة الكتاب لأبواب القراءة الآتية كلها فما سيأتي من الأبواب شرح وتفصيل لهذا الباب بمنزلة الباب في
стр. 883
الباب، وهذا مما لا بد منه لئلا يرد ما أوردوا على بعض الأبواب الآتية من أنه لا حاجة لهذا الباب كما قالوا في "باب القراءة في المغرب"، وفي "باب الجهر بالمغرب" وغير ذلك من الأبواب فإنها ليست بأبواب مستقلة، بل تفصيل للقراءة في الصلوات كلها، وما يجهر وما يخافت.
وقال القسطلاني (١): قوله: "باب وجوب القراءة. . ." إلخ، هذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، حيث قالوا: لا تجب على المأموم، انتهى.
وليت شعري كيف صدر الكلام من مثل العلامة القسطلاني فإن عدم وجوب القراءة على المقتدي مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة غير الشافعي مع الاختلاف بينهم في ندبها للمقتدي، ولا تجب القراءة على المقتدي إلا في قول واحد من أقوال الإمام الشافعي كما بسط في "الأوجز" (٢) عن فروعهم، فتدبر قول العلامة القسطلاني: "هذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفية"، فإن الجمهور عنده اسم لمن هو على مسلكه وإن كانت شرذمة قليلة، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم لوجوب القراءة مطلقًا، ولم يبوب في صحيحه ترجمة لفاتحة الكتاب خاصة مع تخريجه رواية عبادة بن الصامت الآتية قريبًا، ومن عادته المعروفة أنه يترجم على رواية واحدة عدة أبواب لمسائل مختلفة، فظاهر صنيعه أنه مال في تلك المسألة إلى قول الحنفية: إن الفرض مطلق القراءة وهي رواية لأحمد والأخرى له وهو مذهب الإمامين مالك والشافعي أن الفرض قراءة الفاتحة خاصة.
وقال مولانا العلامة الشيخ أنور في "الفيض" (٣): عمم المصنف في الترجمة بالأنواع كلها وجهر به ولم يتكلم في حق المقتدي بحرف، وأخفاه
стр. 884
مع أن جملة الخبر ومحط النظر هو ذلك لا غير، وهذا يدل على أن في النفس منه شيء، ولو كان هناك منصف لكفى له صنيع المؤلف ﵀ وشفاه في هذا الباب، فإنه مع شغفه بإيجاب الفاتحة [على] المقتدي لم يجد إلى إثباته سبيلًا، وذلك لأن قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" لم يقم عنده دليل على الإيجاب وإلا لجهر به على عادته إلى آخر ما بسطه.
(٩٦ - باب القراءة في الظهر)
قال الحافظ (١): هذه الترجمة والتي بعدها يحتمل أن يكون المراد بهما إثبات القراءة فيهما وإنها تكون سرًّا إشارة إلى من خالف في ذلك كابن عباس، ويحتمل أن يراد به تقدير المقروء أو تعيينه، والأول أظهر لكونه لم يتعرض في البابين لإخراج شيء مما يتعلق بالاحتمال الثاني، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): إن المصنف لما لم يجد دليلًا للفرق بين الفاتحة والسورة ترجم على نفس القراءة الفاتحة وغيرها سواء.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الرواية على الترجمة على تقدير نسخة العشي ظاهرة وعلى النسخة المكتوبة في المتن وهو قوله: "صلاتي العشاء"، فالمدعى حاصل بالقياس، فلما ثبت القرآن في العشاء يثبت أيضًا في الظهر إذ لا قائل بالفصل، وما نقل عن ابن عباس أنه كان لا يرى القراءة في الظهر والعصر فضعيف أو مؤول، ثم الظاهر أن سعدًا ذكر في كلامه الصلوات الخمس بأسرها من صلاة الفجر، وصلاتي العشى وصلاة العشاء غير أن الرواة اختلفوا في رواية قطعة قطعة منها ولم يستوفوا كلامه، انتهى.
قال الكرماني (٤): قوله: "صلاتي العشى" يريد بها صلاتي الظهر، والعصر ليطابق الترجمة، لكن الجوهري قال: العشي من المغرب إلى
стр. 885
العتمة، والعشاء بالكسر والمد مثله، والعشاءان المغرب والعتمة، وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، انتهى.
وعامة الشرَّاح ذكروا المطابقة بلفظ العشي ولم يذكروا المطابقة بلفظ العشاء مع ذكرهم إياه في اختلاف النسخ، انتهى من هامش "اللامع".
(٩٧ - باب القراءة في العصر)
تقدم الكلام عليه في الباب السابق وعلى ما يؤخذ من الترجمة تصريحًا أو إشارة.
(٩٨ - باب القراءة في المغرب)
قال الحافظ (١): المراد تقديرها لا إثباتها لكونها جهرية، بخلاف ما تقدم في "باب القراءة في الظهر" من أن المراد إثباتها، انتهى.
(٩٩ - باب الجهر في المغرب)
قال الحافظ (٢): اعترض ابن المنيِّر على هذه الترجمة والتي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه وهو عجيب؛ لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي، وليس هو مقصورًا على الخلافيات، انتهى.
(١٠٠ - باب الجهر في العشاء)
قال الحافظ (٣): قدَّم ترجمة الجهر على ترجمة القراءة عكس ما صنع في المغرب ثم الصبح، والذي في المغرب أولى ولعله من النساخ، انتهى.
وتعقبه العيني كدأبه فقال (٤): المقصود الأعظم بيان الحكم لا الترتيب
стр. 886
في الأبواب، وأيضًا راعى المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله لأنه في الجهر، ورعاية المناسبة مطلوبة، انتهى.
(١٠١ - باب القراءة في العشاء بالسجدة)
لعل غرض الترجمة الرد على قول الإمام مالك حيث كره السجدة في الفريضة، يعني: في المشهور عنه، لكن أشكل عليه أن الثابت بالحديث فعل الصحابي والحديث المرفوع ليس فيه السجدة في الصلاة.
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: لا حجة فيه على مالك لأنه ليس مرفوعًا، وغفل من رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد بلفظ: "صليت خلف أبي القاسم فسجد بها" (٢) أخرجه ابن خزيمة، انتهى.
قلت: الأوجه في الاستدلال قوله: "خلف أبي القاسم ﷺ "، فإن هذا اللفظ كالصريح في الصلاة إلا أنه ليس فيه تصريح بصلاة العشاء إلا أن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أومأ إلى الاتباع فيكون إشارة إلى فعله ﷺ .
(١٠٢ - باب القراءة في العشاء)
قد تقدم في "باب وجوب القراءة على الإمام والمأموم" أن الأوجه عندي: أن الأبواب الآتية تفصيل لهذا الباب فكن منه على ذكر.
(١٠٣ - باب يطول في الأوليين. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: من صلاة العشاء، ذكر فيه حديث سعد، وقد تقدم الكلام عليه هناك ووجهه ها هنا إما الإشارة إلى إحدى الروايتين في قوله: "صلاتي العشاء أو العشي" وإما لإلحاق العشاء بالظهر والعصر لكون كل منهن رباعية، انتهى.
стр. 887
(١٠٤ - باب القراءة في الفجر)
قال الحافظ (١): كأن المصنف قصد بإيراد حديثي أم سلمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر، ثم ثلّث بحديث أبي هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين، انتهى.
وأيضًا قال في الباب الآتي: قوله: "قالت أم سلمة ﵄" وصله المصنف في "باب طواف النساء" من "كتاب الحج"، ولفظه: "قالت: شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي فقال: طوفي وراء الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت حينئذ والنبي ﷺ " الحديث، وليس فيه بيان أن الصلاة حينئذ كانت الصبح، ولكن تبين ذلك من رواية أخرى أوردها بعد ستة أبواب ولفظه فقال: "إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي"، وأما ما أخرجه ابن خزيمة بلفظ: "قالت: وهو يقرأ في العشاء الآخرة"، فشاذ إلى أن قال: فعرف بهذا اندفاع الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية حيث أنكر أن تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح فقال: ليس في الحديث بيانها.
قال الحافظ: هو رد للحديث الصحيح بغير حجة، انتهى مختصرًا.
(١٠٥ - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر)
قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: ليس في حديث أم سلمة نص على ما ترجم له من الجهر بالقراءة، إلا أنه يؤخذ بالاستنباط من حيث إن قولها: "طفت وراء الناس" يستلزم الجهر بالقراءة لأنه لا يمكن سماعها للطائف من ورائهم إلا أن كانت جهرية، ثم ذكر البخاري حديث ابن عباس في قصة سماع الجن القرآن، والمقصود منه ها هنا قوله: "وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له" وهو ظاهر في الجهر، ثم ذكر حديث ابن عباس أيضًا قال: قرأ النبي ﷺ . . . إلخ.
стр. 888
ووجه المناسبة منه: ما تقدم من إطلاق قرأ على جهر لكن كان يبقى خصوص تناول ذلك لصلاة الصبح فيستفاد ذلك من الذي قبله، فكأنه يقول: هذا الإجمال ها هنا مفسر بالبيان في الذي قبله؛ لأن المحدث بهما واحد أشار إلى ذلك ابن رُشيد، ويمكن أن يكون مراد البخاري بهذا ختم تراجم القراءة في الصلوات إشارة منه إلى أن المعتمد في ذلك هو فعل النبي ﷺ ، وأنه لا ينبغي لأحد أن يغير شيئًا مما صنعه، انتهى.
(١٠٦ - باب الجمع بين السورتين في ركعة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أن فرض القراءة ساقط كيف ما قرأ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فلا يتقيد بشيء من القيود، نعم الاستحباب والسُّنِّية شيئان آخران لا ينكر ثبوتهما في بعض دون بعض بالروايات، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، وفيه حمل للترجمة على أمر متفق عليه، وكأنه حمل عليه الحافظ أيضًا نقلا عن ابن المنيِّر إذ قال: إن جميع ما استدل به البخاري محمول على بيان الجواز، واختاره العلامة العيني أيضًا فتكون الترجمة من الثامن عشر من أصول التراجم، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة من أصل آخر معروف من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول، وهو الأصل الثالث عشر، فقد ترجم ابن أبي شيبة في "مصنفه": "باب من كان لا يجمع بين السورتين في ركعة"، وأخرج فيه عن عكرمة بن خالد قال: كان أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث لا يجمع بين السورتين في ركعة ولا يجاوز سورة إذا ختمها حتى يركع، وأخرج عن أبي عبد الرحمن أنه كان لا يقرن بين السورتين في ركعة، وغير ذلك من الآثار المذكورة في هامش "اللامع"، فغرض المؤلف بهذه الترجمة هو الرد على هذا وهو الأصل الثالث عشر.
стр. 889
ثم ذكر المصنف في الترجمة أربع مسائل:
الأولى: هذه أعني الجمع بين السورتين في ركعة وهي خلافية، قال العلامة العيني (١): في حديث أنس ﵁ جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية، انتهى.
قلت: لا بأس بالجمع بين السورتين في النافلة عند أحمد، وفي المكتوبة عنه روايتان: الكراهة وعدمها كما في "المغني" (٢)، وقال ابن عابدين (٣) عن أبي حنيفة أنه قال: لا أحب أن يقرأ سورتين بعد الفاتحة في المكتوبات، ولو فعل لا يكره، وفي النوافل لا بأس به، انتهى.
والمسألة الثانية: القراءة بالخواتيم، وعامة الشرَّاح على أن هذا الجزء من الترجمة لا يثبت بشيء من الروايات ولا الآثار إلا أن يثبت بالإلحاق أو بعموم قول قتادة: كل كتاب الله، ويمكن عندي أن يقال: إنه لما فرق السورة في الركعتين فلا بد أن يقرأ في الأولى بالأوائل، وفي الثانية بالأواخر، فوجد القراءة بالخواتيم من هذا الوجه إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: قال الموفق (٤): لا تكره القراءة أواخر السور وأوساطها في إحدى الروايتين، والرواية الثانية يكره، انتهى. وعندنا الحنفية مكروه، كما في "الدر المختار".
المسألة الثالثة: قراءة سورة قبل سورة، قال الحافظ (٥): إنه خلاف الأولى عند مالك والشافعي، وعن أحمد والحنفية أنه مكروه.
والمسألة الرابعة: القراءة بأول سورة.
قال العيني (٦): لا خلاف فيه، ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن لعذر فلا كراهة أيضًا عند الجمهور، وعن مالك في المشهور كراهته،
стр. 890
وبقي ها هنا المسألة الخامسة والسادسة لم يذكرهما الإمام في الترجمة ومذكوران في قول قتادة إلا أن الإمام البخاري لم يصرِّح بهما في الترجمة وهما تفريق سورة واحدة في الركعتين، وترديد سورة واحدة في الركعتين إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٠٧ - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعل المراد أن يثبت فرضيتها فيهما وهو غير ثابت إلا السُّنِّية، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإن المسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٢)، وجملتها أن القراءة واجبة في ركعة واحدة فقط عند زفر والحسن وغيرهما، وفي ركعتين في المشهور عن الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وفي ثلاث ركعات على ما نقل عن مالك، وفي أربع ركعات عند الشافعية، وهو المصحح عند الحنابلة، ولا يبعد في غرض الترجمة أن تكون إشارة إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا وهي: الزيادة على الفاتحة فيما بعد الأوليين، وعليه حمل الحافظ الترجمة، وكذا العلامة العيني.
وتوضيح الخلاف فيها أن الأئمة الثلاثة كرهوا قراءة شيء بعد الفاتحة في الأخريين وثالثة المغرب، لرواية أبي قتادة المذكورة في الباب، وللشافعي فيه قولان: القديم مع الجمهور، والجديد استحباب السورة في الأخريين أيضًا، كما في "الأوجز" فتكون الترجمة ردًّا عليه، انتهى.
(١٠٨ - باب من خافت القراءة في الظهر والعصر)
والمسألة وفاقية، قال الحافظ (٣): ودلالة حديث خباب ﵁ للترجمة واضحة، انتهى.
стр. 891
(١٠٩ - باب إذا أسمع الإمام الآية)
أي: لا يضره ذلك، قال الحافظ (١): أي: في السرية، خلافًا لمن قال يسجد للسهو إن كان ساهيًا، وكذا لمن قال: يسجد مطلقًا، انتهى.
(١١٠ - باب يطول في الركعة الأولى)
والمسألة خلافية بين العلماء، قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢): والمذهب عندنا ما في "الهداية" (٣): ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على إدراك الجماعة، وركعتا الظهر سواء، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحب إلي أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها، وحديث الباب محمول على الإطاعة من حيث الثناء والتعوذ، انتهى.
وفي هامشي على "البذل": ودليلنا - الشيخين - رواية مسلم: "كان يقرأ في الظهر في الأوليين بقدر ثلاثين آية"، ولذا بوّب ابن حبان "السبب الذي من أجله يطول الأولى" ثم ادّعى أن طول الأولى يكون للترتيل وغيره، قاله ابن رسلان.
وفي "المغني" (٤): يستحب أن يطيل الركعة الأولى من كل صلاة، ليلحقه القاصد للصلاة، وقال الشافعي: يكون الأوليان متساويين، ووافقنا أبو حنيفة في الصبح، ووافق الشافعي في بقية الصلوات، انتهى.
قلت: وفي "شرح الإقناع" (٥): ويسن أن يطول من تسن له السورة قراءة أولى على ثانية للاتباع، انتهى.
وفي حاشيته للبجيرمي قوله: من تسن له السورة، وهو الإمام والمنفرد، انتهى.
стр. 892
قال النووي (١) في "شرح مسلم": الأشهر عندنا أن لا يطول، والصحيح المختار استحباب تطويل الأولى قصدًا، انتهى.
(١١١ - باب جهر الإمام بالتأمين)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): إن قصد إثبات سُنِّية الجهر، وأنه هو الحق، فغير ثابت بما ذكره في الباب، وإن قصد جواز الجهر كجواز الإسرار فثابت بما ذكره ها هنا، وتثبت سُنِّية الإخفاء بما ذكره غيره من حملة الحديث، ثم إن مقصوده بقوله: آمين دعاء، أنه لما كان دعاء كان الإسرار والجهر جائزين فيه كجوازهما في سائر الأدعية المأثورة وغيرها، قلنا: لا يجوز في شيء من الصلوات الجهرية ولا السرية أن يرفع صوته بالدعاء وإن كانت صلاته لا تفسد أيضًا بذلك، فيلزم أن يكون الحكم بين الدعاء وآمين غير مفترق حسب استدلالكم.
وأما لجة المسجد بتأمين ابن الزبير ومن معه فليس بمستلزم جهرهم به؛ لأن اللجة واللجلجة وهو اضطراب الصوت وتحركه من جهة إلى جهة، وهو حاصل بالإسرار والجهر كليهما، فلا دلالة فيه على تعيين (٣) الجهر، وقوله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام. . . إلخ، لا ينهض حجة على المدعي أيضًا؛ لأن الظاهر منه عدم المسارعة به حتى لا يحصل التوافق لمن خلفه، فكما تفوت الموافقة بالإسراع في الجهر فكذلك هو فائت في الإسرار أيضًا؛ لأن الإمام إذا قصد الانفراغ منه بعجلة كان المؤتمون غير ملتحقين به في وقت قوله إياه، وإذا تأنى فيه ولم يتعجل كانوا معه، بل الظاهر منه أن الإمام كان يخفيه، إذ لا حاجة عند جهره به إلى شيء من ذلك، فإن تأمينه مسموع معلوم، فإذا قاله الإمام يقوله المؤتم أيضًا، ولا يلزم فوات المطابقة، وليس المأموم مشتغلًا في شيء من القراءة وغيرها حتى يخل ذلك
стр. 893
بمطابقته به، بل هو فارغ مصغ إلى إمامه، فإذا سمعه يؤمن أخذ في التأمين، فأما إذا أمن الإمام سرًّا فللمأموم مظنة الفوات إذا أسرع الإمام في تقضيه ولم يتأن، فأمره أن لا يتعجل.
وكذلك قوله: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم، ليس نصًا في الجهر، بل يحتمل كلًّا منهما، وأما أنه لو أخفاه لما سمعه نافع، فأمر مبني على محض توهم؛ لأن كثيرًا من التسبيحات والثناء والتشهد وغير ذلك كان معلومًا للصحابة، ولم يجهر النبي ﷺ بها، فكذلك التأمين علم به نافع وإن لم يجهر به ابن عمر، بل كان ذلك بتعليم منه في خارج الصلاة مع أن من اتصل الإمام في الصف ودنا منه فإنه يسمع في إسراره أيضًا إذا لم يسر أدنى مراتب الإسرار، بل أخذ أوسطها، وأما إذا أخذ بأقصى مراتبها الداخل في أدنى الجهر، فلا شك أنه يسمعه بعض من يليه من الصف الثاني أيضًا، فلا يبعد أن يكون ابن عمر يسره هذا الإسرار ويسمعه ويعلم به نافع وغيره ممن هو قريب بابن عمر.
ولعل هذا هو منشأ الخلاف بين لفظي الرواة، فإنه ﷺ لما أسر به إسرارًا دخل في أدنى الجهر عبره بعضهم بالجهر لما رأى أن صوته في التأمين فوق صوته بالقراءة في السرية، ومن رأى أن صوته بالتأمين أدنى من صوته بالقراءة في الجهرية عبره بالإسرار، ولا يضر لو ثبت أنه ﷺ جهر بالتأمين حتى سمعه غير من في الصف المتقدم مع أنه لم يثبت، وذلك لأنه لو ثبت منه ذلك لكان سبيله سبيل إسماع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، فكما لا تثبت سُنِّية إسماع الآية لا تثبت سُنِّية الجهر بالتأمين.
وأما تعويل المؤلف في احتجاجه بالرواية الموردة في الباب فأمر مطرب عجاب؛ لأنها لا تدل على مدعاه بوجه، ولعله استند بذلك الحديث بأن المأمور به مطلق القول وظاهره الجهر، وأنت تعلم ما فيه فقد ورد في غير ذكر ولا ذكرين أنه ﷺ كان يقوله مع أن الجهر لم يكن مرادًا فيه ولا ثابتًا، نعم يمكن أن يكون احتجاجه بعموم قوله ﷺ : "فقولوا" لأنه
стр. 894
يتناول الجهر والإسرار، فلا يتقيد بأحد متناويله، وهذا مع أنه لا يستلزم مدعاه وهو إثبات الجهر مدفوع بأن المطلق كثيرًا ما يتقيد بالنصوص الأخر الدالة على تقييده مع أن الأمر بهذا الاهتمام ومزيد الاعتناء به يقتضي أن الإمام غير جاهر به، إذ لو كان جاهرًا لم تكن الموافقة مظنة فوات مع أنه قد ورد في بعض طرقه: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين"، فعلم أنهم ليس لهم سماع لتأمين الإمام وإلا لما بنى الأمر على ختمة الفاتحة لكون التأمين مسموعًا فلا يفتقر إلى إبداع علامة له، وكذلك قول ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين غير مثبت للمراد، إذ لا تنصيص فيه على الجهر، والقول لا يساوق الجهر، انتهى.
ومسألة الجهر بالتأمين خلافية شهيرة وجملتها أن الإمام يجهر بالتأمين في الجهرية عند أحمد، وهو القول القديم للشافعي، ويسر عند الحنفية وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت المالكية كما قال الباجي، وهكذا المذاهب بعينها في المأموم، كما في "الأوجز" (١) عن كتب فروعهم، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أنت تعلم أن ما وقع في حديث الباب من قوله: وإذا قال الأئمة (٣). . . إلخ، لا يدل على ترجمة الباب ظاهرًا ولهذا استدل بهذا الحديث من قال: إن التأمين للمأموم دون الإمام، وقال الشافعي ﵀: معناه أنه إذا قال الإمام هذا اللفظ فاسعدوا التأمين، فإنه هو أيضًا يقول ذلك يستحسن لكم أن توافقوه في زمانه، وكأن المؤلف أشار بعقد الترجمة إلى أن الحديث محمول على هذا المعنى، ومثله لا يستنكر من البخاري، انتهى.
стр. 895
(١١٢ - باب فضل التأمين)
قال الحافظ (١): أورد فيه رواية الأعرج؛ لأنها مطلقة غير مقيدة بحالة الصلاة، قال ابن المنيِّر: وأي فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة، انتهى.
ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها لقوله: "إذا قال أحدكم" لكن في رواية "مسلم" من هذا الوجه "إذا قال أحدكم في صلاته" فيحمل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها "إذا أمن القارئ فأمنوا" فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مصل أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه، انتهى.
قلت: لو حمل الترجمة على الإطلاق فحينئذ هو تقوية لرواية أبي داود: "فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة" الحديث بطوله.
(١١٣ - باب جهر المأموم بالتأمين)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): والكلام فيه مثله في ما تقدم، انتهى.
وفي هامشه: تقدم في أول الباب السابق أن نقلة المذاهب اختلفوا في ذكر قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، والعجب أن عامة الشرَّاح الشافعية من الحافظ والقسطلاني والنووي في "شرح مسلم" لم يتعرضوا لتفسير القولين إلا ما قال الحافظ في "الفتح" (٣): الجهر للمأموم ذهب إليه الشافعي في القديم وعليه الفتوى، وقال الرافعي: قال الأكثر: في المسألة قولان، الأصح الجهر، انتهى.
стр. 896
واختلط الكلام في "شرح المهذب" للنووي، ثم ذكر في هامش "اللامع" توضيح هذا الاختلاط إلى أن قال: وقد بسطت في ذلك لأن نقلة المذاهب من المشايخ اختلفوا في نقل قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، وما ظهر لي بعد إن أصل اختلاف القولين في المأموم الجديد السر والقديم الجهر، وأما الإمام فالمعروف من مذهبه الجهر في القولين، انتهى.
قال العيني (١): قال ابن المنيِّر: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول: آمين، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار وحديث النفس قيد بذلك.
قلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم فلا يجوز، وقال ابن رُشيد: تؤخذ المناسبة من جهة أنه قال: إذا قال الإمام فقولوا، فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة.
قلت: هذا أبعد من الأول وأكثر تعسفًا؛ لأن ظاهر الكلام أن لا يقولها الإمام كما روى مالك لأنه قسم، والقسمة تنافي الشركة، وقوله: إنما قال ذلك جهرًا، لا يدل عليه معنى الحديث أصلًا، فكيف يقول: فكان الظاهر الاتفاق في الصفة، والحديث لا يدل على ذات التأمين من الإمام؟ فكيف يطلق الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات إلى آخر ما بسطه، ثم قال: ويمكن أن يوجه وجه لمناسبة الحديث للترجمة، وهو أن يقال: أما ظاهر الحديث فإنه يدل على أن المأموم يقولها، وهذا لا نزاع فيه، وأما أنه يدل على جهره بالتأمين، فلا يدل ولكن يستأنس له بما ذكره قبل ذلك وهو قوله: "أمن ابن الزبير" إلى قوله: "خيرًا"، انتهى.
стр. 897
(١١٤ - باب إذا ركع دون الصف)
قال الحافظ (١): كان اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة، وقد سبق هناك ترجمة "المرأة وحدها تكون صفًا" إلى أن قال: وقال ناصر الدين ابن المنيِّر: هذه الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب "إذا" لإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله: "ولا تعد"، انتهى.
(١١٥ - باب إتمام التكبير في الركوع)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): المراد بالإتمام الإتيان به من غير أن يحذف كما شاع ذلك في إمارة بني أمية، وسبب اهتمام المؤلف بعقد الأبواب في بيان إتمام التكبيرات في الركوع والسجود والجلسة هو تهاون بني أمية في ذلك كما يدل عليه التاريخ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: في الركوع، الظرف إما متعلق بالإتمام أو بالتكبير، وأيًّا ما كان فالغرض منه أن لا يحذف التكبير حذفًا، بل يأتي به كما هو بالمد والشد، وأداء الحروف من مخارجها، ودلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه قال فيها إلى آخر ما بسط في طريق الاستدلال فارجع إليه لو شئت، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: اختلفوا في غرض الترجمة على أقوال، وما اختاره الشيخ ها هنا من الغرض لطيف جدًا فإنه أقرب بلفظ الإتمام في الترجمة وأوفق بقول الفقهاء في تكبيرات الانتقال، وإليه يظهر ميل الحافظ إذ قال (٤): قوله: إتمام التكبير، أي: مده بحيث ينتهي بتمامه، انتهى.
وقال العيني (٥): قال الكرماني: المراد من الإتمام أن يمد التكبير