بمطابقته به، بل هو فارغ مصغ إلى إمامه، فإذا سمعه يؤمن أخذ في التأمين، فأما إذا أمن الإمام سرًّا فللمأموم مظنة الفوات إذا أسرع الإمام في تقضيه ولم يتأن، فأمره أن لا يتعجل.
وكذلك قوله: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم، ليس نصًا في الجهر، بل يحتمل كلًّا منهما، وأما أنه لو أخفاه لما سمعه نافع، فأمر مبني على محض توهم؛ لأن كثيرًا من التسبيحات والثناء والتشهد وغير ذلك كان معلومًا للصحابة، ولم يجهر النبي ﷺ بها، فكذلك التأمين علم به نافع وإن لم يجهر به ابن عمر، بل كان ذلك بتعليم منه في خارج الصلاة مع أن من اتصل الإمام في الصف ودنا منه فإنه يسمع في إسراره أيضًا إذا لم يسر أدنى مراتب الإسرار، بل أخذ أوسطها، وأما إذا أخذ بأقصى مراتبها الداخل في أدنى الجهر، فلا شك أنه يسمعه بعض من يليه من الصف الثاني أيضًا، فلا يبعد أن يكون ابن عمر يسره هذا الإسرار ويسمعه ويعلم به نافع وغيره ممن هو قريب بابن عمر.
ولعل هذا هو منشأ الخلاف بين لفظي الرواة، فإنه ﷺ لما أسر به إسرارًا دخل في أدنى الجهر عبره بعضهم بالجهر لما رأى أن صوته في التأمين فوق صوته بالقراءة في السرية، ومن رأى أن صوته بالتأمين أدنى من صوته بالقراءة في الجهرية عبره بالإسرار، ولا يضر لو ثبت أنه ﷺ جهر بالتأمين حتى سمعه غير من في الصف المتقدم مع أنه لم يثبت، وذلك لأنه لو ثبت منه ذلك لكان سبيله سبيل إسماع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، فكما لا تثبت سُنِّية إسماع الآية لا تثبت سُنِّية الجهر بالتأمين.
وأما تعويل المؤلف في احتجاجه بالرواية الموردة في الباب فأمر مطرب عجاب؛ لأنها لا تدل على مدعاه بوجه، ولعله استند بذلك الحديث بأن المأمور به مطلق القول وظاهره الجهر، وأنت تعلم ما فيه فقد ورد في غير ذكر ولا ذكرين أنه ﷺ كان يقوله مع أن الجهر لم يكن مرادًا فيه ولا ثابتًا، نعم يمكن أن يكون احتجاجه بعموم قوله ﷺ : "فقولوا" لأنه
стр. 894
يتناول الجهر والإسرار، فلا يتقيد بأحد متناويله، وهذا مع أنه لا يستلزم مدعاه وهو إثبات الجهر مدفوع بأن المطلق كثيرًا ما يتقيد بالنصوص الأخر الدالة على تقييده مع أن الأمر بهذا الاهتمام ومزيد الاعتناء به يقتضي أن الإمام غير جاهر به، إذ لو كان جاهرًا لم تكن الموافقة مظنة فوات مع أنه قد ورد في بعض طرقه: "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين"، فعلم أنهم ليس لهم سماع لتأمين الإمام وإلا لما بنى الأمر على ختمة الفاتحة لكون التأمين مسموعًا فلا يفتقر إلى إبداع علامة له، وكذلك قول ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين غير مثبت للمراد، إذ لا تنصيص فيه على الجهر، والقول لا يساوق الجهر، انتهى.
ومسألة الجهر بالتأمين خلافية شهيرة وجملتها أن الإمام يجهر بالتأمين في الجهرية عند أحمد، وهو القول القديم للشافعي، ويسر عند الحنفية وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت المالكية كما قال الباجي، وهكذا المذاهب بعينها في المأموم، كما في "الأوجز" (١) عن كتب فروعهم، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أنت تعلم أن ما وقع في حديث الباب من قوله: وإذا قال الأئمة (٣). . . إلخ، لا يدل على ترجمة الباب ظاهرًا ولهذا استدل بهذا الحديث من قال: إن التأمين للمأموم دون الإمام، وقال الشافعي ﵀: معناه أنه إذا قال الإمام هذا اللفظ فاسعدوا التأمين، فإنه هو أيضًا يقول ذلك يستحسن لكم أن توافقوه في زمانه، وكأن المؤلف أشار بعقد الترجمة إلى أن الحديث محمول على هذا المعنى، ومثله لا يستنكر من البخاري، انتهى.
стр. 895
(١١٢ - باب فضل التأمين)
قال الحافظ (١): أورد فيه رواية الأعرج؛ لأنها مطلقة غير مقيدة بحالة الصلاة، قال ابن المنيِّر: وأي فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة، انتهى.
ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها لقوله: "إذا قال أحدكم" لكن في رواية "مسلم" من هذا الوجه "إذا قال أحدكم في صلاته" فيحمل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها "إذا أمن القارئ فأمنوا" فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مصل أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه، انتهى.
قلت: لو حمل الترجمة على الإطلاق فحينئذ هو تقوية لرواية أبي داود: "فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة" الحديث بطوله.
(١١٣ - باب جهر المأموم بالتأمين)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): والكلام فيه مثله في ما تقدم، انتهى.
وفي هامشه: تقدم في أول الباب السابق أن نقلة المذاهب اختلفوا في ذكر قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، والعجب أن عامة الشرَّاح الشافعية من الحافظ والقسطلاني والنووي في "شرح مسلم" لم يتعرضوا لتفسير القولين إلا ما قال الحافظ في "الفتح" (٣): الجهر للمأموم ذهب إليه الشافعي في القديم وعليه الفتوى، وقال الرافعي: قال الأكثر: في المسألة قولان، الأصح الجهر، انتهى.
стр. 896
واختلط الكلام في "شرح المهذب" للنووي، ثم ذكر في هامش "اللامع" توضيح هذا الاختلاط إلى أن قال: وقد بسطت في ذلك لأن نقلة المذاهب من المشايخ اختلفوا في نقل قولي الإمام الشافعي الجديد والقديم، وما ظهر لي بعد إن أصل اختلاف القولين في المأموم الجديد السر والقديم الجهر، وأما الإمام فالمعروف من مذهبه الجهر في القولين، انتهى.
قال العيني (١): قال ابن المنيِّر: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول: آمين، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار وحديث النفس قيد بذلك.
قلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم فلا يجوز، وقال ابن رُشيد: تؤخذ المناسبة من جهة أنه قال: إذا قال الإمام فقولوا، فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة.
قلت: هذا أبعد من الأول وأكثر تعسفًا؛ لأن ظاهر الكلام أن لا يقولها الإمام كما روى مالك لأنه قسم، والقسمة تنافي الشركة، وقوله: إنما قال ذلك جهرًا، لا يدل عليه معنى الحديث أصلًا، فكيف يقول: فكان الظاهر الاتفاق في الصفة، والحديث لا يدل على ذات التأمين من الإمام؟ فكيف يطلق الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات إلى آخر ما بسطه، ثم قال: ويمكن أن يوجه وجه لمناسبة الحديث للترجمة، وهو أن يقال: أما ظاهر الحديث فإنه يدل على أن المأموم يقولها، وهذا لا نزاع فيه، وأما أنه يدل على جهره بالتأمين، فلا يدل ولكن يستأنس له بما ذكره قبل ذلك وهو قوله: "أمن ابن الزبير" إلى قوله: "خيرًا"، انتهى.
стр. 897
(١١٤ - باب إذا ركع دون الصف)
قال الحافظ (١): كان اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة، وقد سبق هناك ترجمة "المرأة وحدها تكون صفًا" إلى أن قال: وقال ناصر الدين ابن المنيِّر: هذه الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب "إذا" لإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله: "ولا تعد"، انتهى.
(١١٥ - باب إتمام التكبير في الركوع)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): المراد بالإتمام الإتيان به من غير أن يحذف كما شاع ذلك في إمارة بني أمية، وسبب اهتمام المؤلف بعقد الأبواب في بيان إتمام التكبيرات في الركوع والسجود والجلسة هو تهاون بني أمية في ذلك كما يدل عليه التاريخ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: في الركوع، الظرف إما متعلق بالإتمام أو بالتكبير، وأيًّا ما كان فالغرض منه أن لا يحذف التكبير حذفًا، بل يأتي به كما هو بالمد والشد، وأداء الحروف من مخارجها، ودلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه قال فيها إلى آخر ما بسط في طريق الاستدلال فارجع إليه لو شئت، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: اختلفوا في غرض الترجمة على أقوال، وما اختاره الشيخ ها هنا من الغرض لطيف جدًا فإنه أقرب بلفظ الإتمام في الترجمة وأوفق بقول الفقهاء في تكبيرات الانتقال، وإليه يظهر ميل الحافظ إذ قال (٤): قوله: إتمام التكبير، أي: مده بحيث ينتهي بتمامه، انتهى.
وقال العيني (٥): قال الكرماني: المراد من الإتمام أن يمد التكبير
стр. 898
الذي هو للانتقال من القيام إلى الركوع بحيث يتمه في الركوع بأن تقع راء "الله أكبر" فيه، أو إتمام الصلاة بالتكبير في الركوع، أو إتمام عدد تكبيرات الصلاة، انتهى.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري بالترجمة الرد على رواية أبي داود، وذكره الحافظ (١) احتمالا إذ قال: ولعله أراد بلفظ الإتمام الإشارة إلى تضعيف ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: صلَّيت خلف النبي ﷺ فلم يتم التكبير، فإن هذا الحديث ضعيف كما صرَّح به أئمة الحديث، كما بسط في هامش "اللامع".
(١١٦ - باب إتمام التكبير في السجود)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): الكلام فيه مثله فيما تقدم، ويحتمل أن يراد في البابين بالإتمام نفس إتيانه بالتكبير، فإن إتيان التكبير إتمام له كما أن تركه تقصير به، فلا يفتقر إلى تكلف، والأول أولى، انتهى.
(١١٧ - باب التكبير إذا قام من السجود)
والغرض منه على قياس ما عرفت في الأبواب السابقة قوله: "صلَّيت" أي: الظهر "خلف شيخ" هو أبو هريرة ﵁ "فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة" لأن في كل تكبيرة خمس تكبيرات، فيحصل في كل رباعية عشرون تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وفي الثلاثية سبع عشرة، وفي الثنائية إحدى عشرة، ففي الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة، انتهى من "القسطلاني" (٣).
стр. 899
(١١٨ - باب وضع الأكف على الركب)
الظاهر أنه أشار إلى الرد على ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من التطبيق.
قال القسطلاني (١): قال الترمذي: الطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، انتهى.
قيل: ولعل ابن مسعود لم يبلغه النسخ، واستبعد لأنه كان كثير الملازمة له ﷺ ؛ لأنه كان صاحب نعله، يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعيه، فكيف يخفى عليه أمر وضع يديه على ركبتيه، أو لم يبلغه النسخ؟ انتهى.
وهكذا ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢) ثم قال: فالصواب أن يقال: إنه قائل بجواز كلا الأمرين على التخيير، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة عن علي قال: "إذا ركعت فإن شئت قلت: هكذا يعني وضعت يديك على ركبتيك وإن شئت طبقت" (٣) وإسناده حسن، فهذا ظاهر في أنه كان يرى التخيير، كذا قال العيني (٤)، انتهى.
(١١٩ - باب إذا لم يتم الركوع)
قال الحافظ (٥): أفرد الركوع بالذكر مع أن السجود مثله لكونه أفرده بترجمة تأتي، وغرضه سياق صفة الصلاة على ترتيب أركانه، واكتفى عن جواب "إذا" بما ترجم به بعد من أمر النبي ﷺ الذي لم يتم ركوعه بالإعادة، انتهى.
стр. 900
وهذا على مسلك الشافعية، والأوجه عندي: أن المصنف ترك الجواب لقوة الخلاف في ذلك، فإن المسألة خلافية معروفة، ومن دأبه المطَّرد في الكتاب عدم الجزم بالحكم، لقوة الخلاف كما تقدم في الأصل الخامس والثلاثين، والحافظ بنفسه ذكر هذا الأصل، لكنه تركه ها هنا رعاية لمسلكه، انتهى.
قال العيني (١): قوله: "ما صلَّيت" قال بعضهم: هو نظير قوله ﷺ للمسيء: "فإنك لم تصل" فعلى هذا يرجع النفي إلى الكمال لا إلى حقيقة الصلاة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف والشافعي وأحمد، ثم بسط الاختلاف في ذلك، وذكر اختلاف المالكية فيما بينهم في هذه المسألة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٢٠ - باب استواء الظهر في الركوع)
قال الحافظ (٢): أي: من غير ميل في الرأس عن البدن وقوله: "هصر"، بفتح الهاء والصاد المهملتين، أي: أماله، وسيأتي هذا الحديث موصولًا في "باب سُنَّة الجلوس في التشهد" وزاد أبو داود من وجه آخر عن أبي حميد: "ووتر يديه فتجافى عن جنبيه" وله من وجه آخر: "ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده"، انتهى.
قلت: وفيه بوجه آخر: "ثم يعتدل فلا ينصب رأسه، ولا يقنع"، وهذا بعينه الترجمة فهي من الأصل الحادي عشر، وهو الإشارة إلى بعض طرق الحديث.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "ثم هصر ظهره" وهو يستلزم استواء الظهر ولذا ذكره ها هنا، انتهى.
стр. 901
وفي تقرير المكي: قوله: "ثم هصر"، أي: كسر صلبه إلى جانب البطن حتى استوى الظهر والرأس والعجز، انتهى. وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة.
(١٢١ - باب حد إتمام الركوع. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): يعني بذلك حد الاستحباب والسُّنَّة، وإلا فالواجب والفرض يتأديان بدون المذكور في الرواية أيضًا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح، فإنه لم يقل أحد من الأئمة أن هذا المقدار الذي ذكر في الحديث فرض، بل قالت الشافعية: إن تطويل الاعتدال مفسد للصلاة.
قال القسطلاني (٢): قد اختلف هل الاعتدال ركن طويل أو قصير؟ والمرجح عند الشافعية أنه قصير تبطل الصلاة بتطويله، انتهى.
وقال الدردير (٣): الثالثة عشر: طمأنينة في جميع الأركان وهي استقرار الأعضاء، قال الدسوقي: اعلم أن القول بفرضيتها صححه ابن الحاجب، والمشهور في المذهب أنها سُنَّة، وقيل: فضيلة، انتهى.
قال الموفق (٤): يجب أن يطمئن في ركوعه، ومعناه أن يمكث إذا بلغ حد الركوع قليلًا، وقال أبو حنيفة: الطمأنينة غير واجبة، انتهى.
فعلم من ذلك كله أن مقدار الفرض عند القائلين بالفرضية أيضًا هو المكث القليل، والزائد على ذلك سُنَّة، وأشار إليه الشيخ في كلامه، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ (٥): قوله: "وحد إتمام الركوع" ووقع في بعض الروايات
стр. 902
عند الكشميهني وغيره ها هنا "باب إتمام الركوع" ففصله عن الباب الذي قبله بباب، وعند الباقين الجميع في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق عن أبي حميد في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى، ودلالة حديث البراء على ما بعدها، ومطابقة حديث البراء لقوله: "حد إتمام الركوع" من جهة أنه دال على تسوية الركوع والسجود وغيرهما، وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلم تطويل الاعتدال فيؤخذ منه إطالة الجميع، انتهى مختصرًا.
قال السندي (١): لا يخفى أن المساواة بين هذه الأمور لا تدل على الاعتدال في الركوع إذ يمكن تحققها بلا اعتدال، وكأن مدار الدليل أن بعض هذه الأشياء معلومة بالتطويل قطعًا فمساواة الباقي تفيد المطلوب، انتهى.
(١٢٢ - باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: هذه من الترام الخفية، وذلك أن الخبر لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلي، لكنه ﷺ لما قال له: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كل فرد منها، فكل من لم يتم ركوعه أو سجوده مأمور بالإعادة.
قال الحافظ: ووقع في حديث رفاعة عند ابن أبي شيبة في هذه القصة "دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها" (٣)، فالظاهر أن المصنف أشار بالترجمة إلى ذلك، انتهى.
قلت: فكأن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى وجه أمره ﷺ بالإعادة.
стр. 903
(١٢٣ - باب الدعاء في الركوع)
قال الحافظ (١): ترجم بعد هذا بأبواب التسبيح والدعاء في السجود، وساق فيه حديث الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح - مع أن الحديث واحد - أنه قصد الإشارة إلى الرد على من كره الدعاء في الركوع كمالك، أما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتم ها هنا بذكر الدعاء لذلك، انتهى.
قلت: وتفصيل مذهب مالك ما رواه أبو داود حدثنا القعنبي قال: قال مالك: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه، وفي آخره في الفريضة وغيرها (٢).
قال الشيخ في "البذل" (٣): وفي المدونة (٤): قال مالك: لا بأس بأن يدعوا الرجل لجميع حوائجه في المكتوبة حوائج دنياه وآخرته في القيام والجلوس والسجود، قال: وكان يكرهه في الركوع، وقال في محل آخر: قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع كان يكره التسبيح في الركوع؟ قال: لا، انتهى مختصرًا.
(١٢٤ - باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . .) إلخ
في تقرير المكي: قوله: في الحديث "قال: اللهم ربنا ولك الحمد"، يعني: جمع بينهما، وإذا جمع ﷺ بينهما كان من خلفه أيضًا جمعهما، وكذا روي عن أبي حنيفة الجمع أيضًا في رواية، لكن أكثر أحاديثه التقسيم، ولذلك صار التقسيم مذهبه المشهور، انتهى. وتوضيح الخلاف في ذلك كما في "الأوجز" (٥): أن المنفرد يجمع بينهما على المشهور عند الأئمة الأربعة، حتى قال الحافظ (٦): حكى الطحاوي وابن عبد البر الإجماع عليه، وأما
стр. 904
الإمام فيأتي بهما عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: يأتي الإمام بالتسميع فقط، وأما المؤتم فيأتي بالتحميد فقط عند الجمهور خلافًا للشافعي، إذ قال: يجمع بينهما، فإذا وضح ذلك فعامة الشرَّاح على أن الإمام البخاري وافق الشافعي في ذلك في أن الإمام والمؤتم كل واحد منهما يجمع بينهما، ويرد على ذلك أنه ليس في الحديث ذكر المؤتم فأجابوا عنه بوجوه.
قال الكرماني (١): دلالة الحديث عليه بانضمام "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وقال الحافظ (٢): أجاب عنه ابن رُشيد بأنه أشار إلى التذكير بالمقدمات لتكون الأحاديث عند الاستنباط نصب عيني المستنبط، فقد تقدم حديث "إنما جعل الإمام ليؤتم به" وحديث "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ويمكن أن يكون قاس المأموم على الإمام لكن فيه ضعف، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الباب الآتي وهو "باب فضل اللَّهم ربنا ولك الحمد" جزء من الباب السابق على الأصل السادس من أصول التراجم، فحينئذ لا يرد أصلًا أنه لم يذكر في الباب ما يقول المؤتم، ويؤيد ذلك أن الحافظ قال أولًا في "باب فضل اللَّهم ربنا لك الحمد": ثبت لفظ باب عند من عدا أبا ذر والأصيلي، والراجح حذفه، انتهى.
فيكون مسلك الإمام البخاري في الإمام الجمع بينهما على مسلك الشافعي ومن وافقه، وأما المؤتم فيأتي بالتحميد فقط على مسلك الجمهور خلافًا للشافعي، وعلى هذا يناسب ذكر الباب الثالث بابًا بلا ترجمة أيضًا؛ لأنه لا تعلق له بفضل التحميد، لكن له تعلقًا ظاهرًا بباب ما يقول الإمام ومن خلفه في القومة، فكأن الإمام البخاري ذكر أولًا ما يقوله الإمام
стр. 905
والمؤتم، ثم فصل بباب بلا ترجمة ما ورد في الروايات في القومة، وليس بمعمول به فكأنه فصل بالبابين بين المعتاد وغير المعتاد، وأما ذكر القنوت فيه فليس في النسخ الشهيرة كما أقر به الشرَّاح؛ ولأنه على نسخة القنوت لا يناسبه حديث رفاعة بن رافع الوارد في هذا الباب، ووجه في تقرير مولانا حسين علي البنجابي بأنه يفهم من إطلاقه عدم القنوت، فالقنوت في حدوث واقعة وعدمه في غيره، انتهى.
وهذا توجيه لطيف على ثبوت القنوت في الترجمة، وعلى هذا تزول الإيرادات عن الأبواب والروايات في ألفاظ التحميد، ولذا اختلفت الأئمة في الراجح من ألفاظه، فعندنا الحنفية أفضلها: اللَّهم ربنا ولك الحمد، وعند الحنابلة: ربنا ولك الحمد بالواو، وفي رواية: اللَّهم ربنا لك الحمد، أي: بدون الواو، والمعروف في متون المالكية: ربنا لك الحمد، وكذا عند الشافعية، قال البجيرمي: أفضلها: ربنا لك الحمد، على المعتمد، انتهى.
لكن حكى الحافظ (١) عن النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، انتهى.
قال ابن القيم في "الهدي": أما الجمع بين اللَّهم والواو فلم يصح، انتهى.
وتعقب عليه الزرقاني والحافظ (٢) في الباب الآتي إذ قال: وفي رواية الكشميهني: ولك الحمد بإثبات الواو، ففيه رد على ابن القيم، انتهى.
(١٢٥ - باب فضل اللَّهم ربنا ولك الحمد)
تقدم ما يتعلق به من الكلام في الباب السابق.
стр. 906
(١٢٦ - باب)
بلا ترجمة، تقدم بعض ما يتعلق به أيضًا فيما سبق.
قال الحافظ (١): كذا للجميع بغير ترجمة إلا للأصيلي فحذفه، والراجح إثباته؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل اللَّهم ربنا لك الحمد إلا بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وذلك أنه لما قال أولًا: "باب ما يقول الإمام. . ." إلخ، وذكر فيه قوله ﷺ : "اللَّهم ربنا ولك الحمد" استطرد إلى فضل ذكر هذا القول بخصوصه، ثم فصل بلفظ "باب" لتكميل الترجمة الأولى فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال كالقنوت وغيره، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ": (٢) قوله: "باب القنوت" هذا الباب قد وجد في كثير من النسخ غير مترجم، وفي بعضها "باب القنوت" وعلى كلا التقديرين فمناسبته بما سبق باعتبار أن ما ذكر في الحديث يدل على قراءة القنوت بعد سمع الله لمن حمده، فهو أيضًا ذكر فيها بعد الركوع في القنوت، كما كان سمع الله لمن حمده أيضًا ذكر فيها، انتهى.
ورقم على هذا الباب في "تراجم" شيخ الهند كما تقدم في الجزء الأول رمز (نـ) أعني نقطة واحدة، وهي إشارة إلى تشحيذ الأذهان.
(١٢٧ - باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع)
في رواية الأكثرين الاطمأنينة، وفي رواية الكشميهني: "باب الطمأنينة" وهي الأصح والموجودة في اللغة، انتهى. قاله العيني (٣)، والمراد بها السكون، وحدّها ذهاب الحركة التي قبلها، كذا في "الفتح" (٤)، وتقدم
стр. 907
في "باب حد إتمام الركوع" الاختلاف في أن الاعتدال ركن طويل أو قصير فتذكر.
(١٢٨ - باب يهوي بالتكبير حين يسجد. . .) إلخ
لعل الغرض منه شرح الحديث، فقد قال الحافظ (١) تحت قوله في الحديث: "ثم يكبر حين يهوي ساجدًا": فيه أن التكبير ذكر الهُوي فيبتدأ به من حين يشرع في الهُويِّ بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدًا، انتهى.
قوله: (وكان ابن عمر. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): استشكل إيراد هذا الأثر في هذه الترجمة، وأجاب ابن المنيِّر بما حاصله: أنه لما ذكر صفة الهوي إلى السجود القولية أردفها بصفته الفعلية، وقال أخوه: أراد بالترجمة وصف حال الهوي من فعال ومقال، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة، فهو مترجم به لا مترجم له، والترجمة قد تكون مفسرة لمجمل الحديث وهذه منها، انتهى.
واختار القسطلاني (٣) والعيني التوجيه الذي حكاه الحافظ عن ابن المنيِّر.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "وكان ابن عمر. . ." إلخ، وذلك لأنه كان ثقيلًا لا يحمله ركبتاه إلا بتعسر، فكان يستعين بيديه، وذكره في الباب من حيث أن كلًّا منهما متعلق بكيفية السجدة، انتهى.
وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الثامن عشر ولا يرد على ذلك شيء لأنه أصل مطرد.
стр. 908
(١٢٩ - باب فضل السجود)
ولم يذكر فضل الركوع؛ لأنه لم يشرع مستقلًا، وفي هامش "اللامع": اعلم أن الإمام البخاري أفرد من جملة أركان الصلاة بفضل السجود خاصة بابًا مفردًا، إما إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، أو لأن للسجود وجودًا مستقلًا في جميع أجزاء الصلاة وهو في سجدة التلاوة عند الجميع، وفي سجدة الشكر والسجدة عند الآيات كما ترجم به أبو داود عند القائلين بهما ولم أر من تعرض لذلك من الشرَّاح إلا ما يستأنس من القسطلاني (١) إذ قال: قوله: "حرَّم الله على النار"، هذا موضع الترجمة، واستشهد له ابن بطال لحديث "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد"، وهو واضح، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال بعضهم: إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقربين، الحديث.
(١٣٠ - باب يبدي ضبعيه. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): تقدم قبيل أبواب القبلة أنه وقع في كثير من النسخ وقوع هاتين الترجمتين هذه والتي بعدها هناك وأعيدا ها هنا وأن الصواب إثباتهما هنا، وذكرنا توجيه ذلك بما يغني عن إعادته، انتهى.
قلت: وقد تقدم البسط في ذلك هناك.
(١٣١ - باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة)
قال القسطلاني (٣): هذا الباب والذي قبله ثبتا في الفرع كأصله، وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضها.
قال الكرماني (٤): لأنهما ذكرا مرة قبل "باب فضل استقبال القبلة"،
стр. 909
وتعقب بأنه لم يذكر هناك إلا الأول، وأما الباب الثاني فلم يذكر هناك بترجمة، فلهذا كان الصواب إثباتهما، انتهى.
قلت: هو كذلك لأن المصنف ذكره هناك تعليقًا لا ترجمة كما تقدم الكلام عليه هناك.
(١٣٢ - باب إذا لم يتم سجوده)
ذكر الإمام البخاري فيه الحديث الذي تقدم في "باب إذا لم يتم الركوع"، وتقدم الكلام هناك على المسألة.
(١٣٣ - باب السجود على سبعة أعظم)
قال الحافظ (١): لفظ المتن الذي أورده في هذا الباب "على سبعة أعضاء"، لكنه أشار بذلك إلى لفظ الرواية الأخرى، وقد أوردها من وجه آخر في الباب الذي يليه، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ووضع تمام الجبهة مستلزم لوضع الأنف، ويتطرق النقصان في الصلاة لو لم يضع الأنف؛ لأن فيه نقصًا بوضع الجبهة مع أنها صحيحة، انتهى.
وأجاد الشيخ الكلام على أحاديث البابين، وأشار بذلك إلى الجمع بين ما يظهر اختلافها، وذلك أنه ﷺ ذكر في الحديث الأول سبعة أعضاء وعدّ منها الجبهة فقط، وفي الثاني ذكر هذا اللفظ، وأشار بلفظ الجبهة إلى الأنف، وهو عضو (٣) مستقل غير الجبهة، فكيف أشار النبي ﷺ بلفظ الجبهة إلى الأنف؟ وأجاب عنه الشيخ بأن وضع تمام الجبهة مستلزم لوضع الأنف أيضًا، فإن أحدًا إن لم يضع الأنف لا بد أن يرتفع شيء من أسفل الجبهة، فكأنه ﷺ أشار بالإشارة إلى الأنف إلى أن تكميل وضع الجبهة يكون بوضع الأنف، فللَّه دره.
стр. 910
قال الحافظ (١): قوله: "على الجبهة" وفي الحديث الآتي "أشار بيده على أنفه"، وعند النسائي في آخر الحديث: "قال ابن طاوس: ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه وقال: هذا واحد"، فهذه رواية مفسرة.
قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع، وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جعلا كعضو واحد وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، قال: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكتفى بالسجود على الأنف كما يكتفى بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف إلى أن قال: وجواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعية، ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي أيضًا، انتهى.
قال العيني (٢): احتج بالحديث أحمد وإسحاق على أنه لا يجزيه من ترك السجود على شيء من الأعضاء السبعة، وهو الأصح من قولي الشافعي، وكأن البخاري مال إلى هذا القول، ولم يذكر الأنف في هذا الحديث، وذكره في الحديث الآتي قريبًا، واختلفوا في السجود على الأنف هل هو فرض مثل غيرها؟ ثم بسط الاختلاف في ذلك، وحاصله: أنه يجوز الاقتصار على الجبهة عند الجمهور خلافًا لأحمد، وأما الاقتصار على الأنف دون الجبهة فلا يجوز إلا عند أبي حنيفة، انتهى.
وفي هامش "الكوكب" (٣): السجدة واجبة على الأعضاء السبعة الواردة في الحديث عند الشافعية في أظهر قوليه وزفر ورواية لأحمد، وفي
стр. 911
الأخرى له، وبه قال مالك والحنفية: لا يجب غير الوجه، ثم في الوجه هل يجب الجمع بين الجبهة والأنف أم لا؟ مختلف إلى آخر ما فيه.
(١٣٤ - باب السجود على الأنف)
سيأتي الكلام على الفرق بين هذا الباب والآتي في الباب الآتي.
(١٣٥ - باب السجود على الأنف في الطين)
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): المقصود بهذا الباب بيان تأكد السجود على الأنف أيضًا؛ لأن النبي ﷺ اهتم به حتى لم يتركه في حالة الحرج أعني الطين، ولو لم يكن متأكدًا لتركه في مثل هذه الحالة، انتهى.
وقال الحافظ (٢): هذه الترجمة أخص من التي قبلها، وكأنه يشير إلى تأكد أمر السجود على الأنف بأنه لم يترك مع وجود عذر الطين الذي أثر فيه، انتهى. قلت: لا شك أن غرض هذه الترجمة هو ذاك كما جزم به المشايخ، لكن الترجمة السابقة من "باب السجود على الأنف" الظاهر منها أن الغرض هو الإشارة إلى الاختلاف في الاكتفاء بالأنف وإلا فلا وجه لها، وتقدم قريبًا اختلاف الأئمة في ذلك.
(١٣٦ - باب عقد الثياب وشدها. . .) إلخ
اعلم أن الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب: الأول "باب عقد الثياب. . ." إلخ، وأورد عليه أنها من أبواب الثياب ليست في محلها حتى قال بعضهم: إن ذلك من النساخ فذكروا بابين من أبواب الثياب ها هنا، وذكروا ترجمتين من أبواب صفة الصلاة في أبواب الثياب، وهما "باب إذا لم يتم السجود" و"باب يبدي ضبعيه".
стр. 912
والأوجه عندي: أن ذلك كله من لطائف البخاري ودقة نظره المعروفة تشحيذًا للأذهان، والغرض من ذكر هذا الباب ها هنا أن ما سيأتي من النهي عن كف الثياب محمول على الأمن من الكشف، أما إذا خاف كشف العورة فلا بد من عقدها لأن الفرض أهم من المستحبات.
قال الحافظ (١): قوله: باب عقد الثياب. . . إلخ؛ كأنه يشير إلى أن النهي الوارد عن كف الثياب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، ووجه إدخال هذه الترجمة في أحكام السجود من جهة أن حركة السجود والرفع منه تسهل مع ضم الثياب وعقدها لا مع إرسالها وسدلها، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، انتهى.
والأوجه عندي: أنه ذكره في أبواب السجود لأن الكشف أقرب في السجود لما فيه من إبداء الضبعين وتجافي اليدين، فكأنه ﵁ ذكر الثياب ها هنا مخافة أن لا يبالي أحد بإتمامه اهتمامًا باشتمال الثياب وعدم الكشف، فذكر في الموضعين المسألتين اهتمامًا بهما لئلا يقصر أحد في إحداهما اهتمامًا بالآخر، ثم ذكر الإمام ثانيًا "باب لا يكف شعره"، وثالثًا "باب لا يكف ثوبه. . ." إلخ، وفرقهما على عادته اهتمامًا بكل واحد منهما.
قال الحافظ (٢): المراد بالشعر شعر الرأس، ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو يلف، وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد عليها الشيطان حالة الصلاة، كما جاء في "سنن أبي داود"، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن المصنف ذكر في "باب لا يكف ثوبه" حديث ابن عباس المذكور في الباب الماضي، وسياق الحديث في البابين على نسق واحد ومع ذلك أطلق الإمام الترجمة الأولى، وقيَّد الثانية بقوله: "في الصلاة" ولم أر من نبَّه على ذلك الفرق.
стр. 913
والأوجه عندي: أن النهي عن كف الشعر عند الإمام مطلق سواء فعله قبل الصلاة أو فيها؛ لكونه معقد الشيطان، والنهي عن كف الثوب عنده مقيد بالصلاة فكأنه مال في ذلك خاصة إلى ما جنح إليه الداودي.
فقد قال العيني (١) في "باب السجود على سبعة أعظم" تحت قوله ﷺ : "لا يكف شعرًا وثوبًا": فيه كراهة كف الثوب والشعر، وظاهر الحديث النهي عنه في حال الصلاة، وإليه مال الداودي خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، انتهى من هامش "اللامع".
(١٣٧ - باب لا يكف شعرًا)
تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن ما تقدم من جواز عقد الثياب وضمها فإنما هو حيث خاف كشف الستر؛ لأن الفرض أهم، وأما إذا أمن ذلك فإنه لا يكف شعرًا لما فيه من ترك الخشوع والالتفات إلى الغير ومنع الثياب وما يكفه عن السجدة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أي: لا يصلي الصلاة بهذه الهيئة؛ لأن المستحب أن يصلي الرجل في الهيئة المعتادة المستحسنة عنده، وهيئة كف الشعر وجمعه وشده على الرأس هيئة غير معتادة للعرب، بل عادتهم إرسال الشعر، وها هنا أسرار دقيقة تضيق عنها نطاق النطق والبيان، انتهى.
(١٣٨ - باب لا يكف ثوبه في الصلاة)
تقدم الكلام عليه، وفي "القول الفصيح" لمولانا فخر الدين أحمد ﵀: ثم في وضع مسألة النهي عن كف الثياب عقيب عقد الثياب
стр. 914
وشدها إيماء إلى أن النهي عن الكف فيما إذا كان الثوب فاضلًا مسترسلاً على البدن، أما إذا كان الثوب ضيقًا لا تستمسك على البدن إلا بالشد والعقد فيه، ولو ترك غير مشدود انكشفت عورته في الركوع أو السجود، فالعقد متعين البتة حتى لا تبدوا عورته، انتهى.
(١٣٩ - باب التسبيح والدعاء في السجود)
تقدم الكلام على هذه الترجمة فيما تقدم من "باب الدعاء في الركوع".
(١٤٠ - باب المكث بين السجدتين)
أي: الجلوس بين السجدتين قدر الاعتدال وهو ثابت بقوله ﷺ : "ثم سجد ثم رفع رأسه هنية"، وهل يقرأ بين السجدتين شيئًا من الدعاء؟ مختلف بين العلماء. قال الموفق (١): المستحب عند أحمد أن يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي، يكرر ذلك مرارًا، والواجب منه مرة، وقال في موضع آخر: المشهور عن أحمد أنه واجب، وفي رواية أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء، انتهى.
قلت: ولم يذكر هذا الذكر صاحب "شرح الاقناع"، وفي "البذل" (٢) تحت حديث "وكان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي": قال القاري: هو محمول على التطوع عندنا، انتهى.
(١٤١ - باب لا يفترش ذراعيه في السجود. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: أخذ لفظ الترجمة من حديث أبي حميد، والمعنى من حديث أنس، وأراد بذلك أن الافتراش المذكور في حديث أبي حميد بمعنى الانبساط في حديث أنس، انتهى.
стр. 915
والذي يظهر لي أنه أشار إلى رواية أبي داود، فإنه أخرج حديث الباب بلفظ "ولا يفترش" بدل ينبسط، انتهى.
(١٤٢ - باب من استوى قاعدًا. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): المقصود من الباب إصالة إثبات جلسة الاستراحة، وهي التي تكون في الوتر، أي: ما بعد الركعة الأولى أو بعد الثالثة، انتهى.
وفي هامش "اللامع": واختلفوا في النهوض في الفرد هل يقوم على صدور قدميه أو يجلس أولًا ثم يقوم، وإلى الثاني مال الإمام البخاري، وفي "البذل" (٢): قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: ينهض على صدور قدميه ولا يجلس، وبه قال أحمد والمعروف عنه روايتان كما في "المغني" (٣): قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، أي: لا يجلس، انتهى.
قال العيني (٤): في حديث الباب دليل لمذهب الشافعية على ندبية جلسة الاستراحة، انتهى.
وقال الطحاوي: لو كانت هذه الجلسة مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، انتهى.
(١٤٣ - باب كيف يعتمد على الأرض)
وهذا السادس من الأبواب المبدوءة بلفظ "كيف".
وكتب الشيخ في "اللامع" (٥) تحت قوله: "وإذا رفع رأسه في السجدة الثانية. . ." إلخ: هذا بيان لكيفية الاعتماد، وأنه بعد رفع الرأس من السجدة
стр. 916
وبعد الجلوس، وأنه على الأرض لا على شيء من جسده فكان موافقًا للترجمة، انتهى.
وفي هامشه: هذا توجيه لمطابقة الحديث بالترجمة فإنهم أوردوا على الحديث بأنه لا يوافق الترجمة.
قال الحافظ (١): إن قيل: ترجم على كيفية الاعتماد، وفي الحديث إثبات الاعتماد فقط، أجاب الكرماني بأن بيان الكيفية مستفاد من قوله: جلس واعتمد على الأرض ثم قام، فكأنه أراد بالكيفية أن يقوم معتمدا عن جلوس لا عن سجود، وقيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد؛ لأنه افتعال من العماد والمراد به الاتكاء وهو باليد، انتهى.
ولا يبعد عندي أن غرض المصنف بالترجمة ليس بيان الكيفية، بل ذكر لفظ "كيف" تنبيهًا على اختلافهم في بيان كيفية الاعتماد، وغرض الترجمة إثبات الاعتماد على الأرض عند النهوض كما نبّهت على ذلك في مقدمة "اللامع" من أن الإمام البخاري طالما يشير بلفظ "كيف" إلى مجرد الاختلاف في الكيفية بدون إثبات الكيفية، ومسألة الاعتماد على الأرض عند النهوض عن السجود أو التشهد أيضًا خلافية شهيرة، والمعروف على ألسنة المشايخ أن الاعتماد على الأرض عند النهوض يستحب عند الشافعي ومالك، ولا يستحب عند الحنفية، وليس كذلك، بل الاعتماد على الأرض مندوب عند الشافعي فقط دون الأئمة الثلاثة.
ذكر صاحب "السعاية": ذكر الفقية المالكي ابن أبي زيد في رسالته: تسجد للثانية كما فعلت أولًا، ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدًا على يديك: لا ترجع جالسًا لتقوم من جلوس، انتهى.
وظاهره أن مذهب مالك في الاعتماد مثل مذهب الشافعي، وفي
стр. 917
الجلسة مثل مذهبنا لكن المشهور المحكي عنه في كتب أصحابنا أن مذهبه فيهما كمذهبنا، انتهى كلام "السعاية".
قلت: وهو كذلك ليس الاعتماد على الأرض مندوبًا مستقلًا عند المالكية، لكن المستحب عندهم في الرفع عن السجدة تقديم الركبتين وتأخير اليدين، فيتوهم من ذلك من توهم أنهم قائلون بندبية الاعتماد على الأرض، ومذهب الحنفية في ذلك ما في "الدر المختار" (١) أنه يكبر للنهوض على صدور قدميه بلا اعتماد وقعود، قال ابن عابدين: قال في الكفاية: أشار به إلى خلاف الشافعي في موضعين: أحدهما: يعتمد بيديه على ركبتيه عندنا، وعنده على الأرض، والثاني: الجلسة الخفيفة، انتهى.
وقال الموفق (٢) بعد ذكر القولين لأحمد في جلسة الاستراحة: وعلى كلتا الروايتين ينهض إلى القيام على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، قال القاضي: لا يختلف قوله، أنه لا يعتمد على الأرض، سواء يجلس للاستراحة أو لا يجلس، وقال مالك والشافعي: السُّنَّة أن يعتمد على يديه في النهوض، انتهى. مختصرًا من هامش "اللامع".
(١٤٤ - باب يكبر وهو ينهض من السجدتين)
قال الحافظ (٣): ذهب أكثر العلماء إلى أن المصلي يشرع في التكبير أو غيره عند ابتداء الخفض أو الرفع، إلا أنه اختلف عن مالك في القيام إلى الثالثة من التشهد الأول، فروى في "الموطأ" عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما "أنهم كانوا يكبرون في حال قيامهم"، وروى ابن وهب عنه أن التكبير بعد الاستواء أولى، وفي "المدونة": لا يكبر حتى يستوي قائمًا، ووجهه بعض أتباعه بأن تكبير الافتتاح يقع بعد القيام فينبغي أن يكون هذا نظيره من حيث إن الصلاة فرضت أولًا ركعتين ثم زيدت الرباعية فيكون
стр. 918
افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه، وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحب رفع اليدين حينئذ لتكمل المناسبة، ولا قائل منهم به، انتهى.
وقال الحافظ أيضًا: وأما مقصود الباب فالمشهور عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يكبر حين يقوم ولا يؤخره حتى يستوي قائمًا كما تقدم عن "الموطأ"، وأما ما تقدم في "باب ما يقوم الإمام ومن خلفه" من حديثه بلفظ: "وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر" فيحمل على أن المعنى إذا شرع في القيام، قال ابن المنيِّر: أجرى البخاري الترجمة وأثر ابن الزبير مجرى التبيين لحديثي الباب؛ لأنهما ليسا صريحين في أن ابتداء التكبير يكون مع أول النهوض، انتهى.
قلت: وهذا الغرض أعني الرد على المالكية هو الأوجه عندي، وما نقل الحافظ من إشكال ابن رشيد من تكرار هذه الترجمة بما سبق "باب التكبير إذا قام من السجود"، وبسط الكلام في توجيهه لا يحتاج إليه عندي، وذلك لاختلاف الغرضين في الموضعين، فالغرض ها هنا كما عرفت آنفًا هو الرد على المالكية، والغرض من الباب السابق هو بيان تكبيرات الانتقال كما يظهر من سياق التراجم هناك، وتقدم في الأصول أن الاتحاد في الألفاظ مع اختلاف الأغراض لا يسمى تكرارًا وهو الأصل الثاني والعشرون.
(١٤٥ - باب سُنَّة الجلوس في التشهد)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): وسُنَّته عندنا للرجل في التشهدين غير ما هو سُنَّة للمرأة فيهما.
وقال العيني (٢) على قوله: "جلسة الرجل": إنه المختار عند الحنفية، ولا يصح هذا إلا إذا أريد بجلسة الرجل جلسته على ما ذهب إليه أصحاب
стр. 919
التورك، فإن جلسته عند هؤلاء يقارب جلسة المرأة عندنا، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه بعد نقل عبارة العيني: والظاهر عندي أن في عبارة العيني سقوطًا من الكاتب لأن ذلك الكلام يخالفه كلام العيني بنفسه فيما سيأتي قريبًا من قوله: وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا، انتهى.
واعلم أن ها هنا مسألتين: إحداهما: التفريق بين جلسة الرجل والمرأة، فالتفريق بينهما مسلك الحنفية والحنابلة، بخلاف المالكية والشافعية فإنهم لم يفرقوا بينهما، والمسألة الثانية: سُنَّة الجلوس فعندنا الافتراش مطلقًا في جميع الصلوات، والتورك مطلقًا عند مالك، وأما عند الشافعي وأحمد فالجمع بينهما بأن السُّنَّة عند الشافعية في الجلسات بين الصلاة كالحنفية وفي الجلسة الأخيرة كالمالكية، وعند أحمد الافتراش في الجلسات كلها كالحنفية إلا في صلاة فيها تشهدان فيتورك في الثاني منهما، والإمام البخاري ترجم بسُنَّة الجلوس، ولم يحكم في الترجمة بشيء، بل ذكر فيها الروايتين، فالظاهر أن الترجمة على الأصل الرابع من أصول التراجم، ويحتمل أن يكون من الأصل الخامس والثلاثين.
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: ضمن هذه الترجمة ستة أحكام: وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول والأخير وبينهما وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سُنَّة، وأن لا فرق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يحتج بعمله، انتهى.
قال الحافظ: وهذا الأخير إنما يتم إذا ضم أثر أم الدرداء إلى الترجمة، انتهى.
والظاهر عندي أن غرضه من أثرها أن لا فرق بين ذلك في الرجال والنساء كما قال به الشافعية.
стр. 920
وفي تقرير المكي: قوله: فقيهة، فعلم أن جلسة الرجل للمرأة أيضًا جائز، وهو الغرض للبخاري، انتهى.
ثم اختلفوا في أن أم الدرداء هذه كبيرة أو صغيرة، أما الكبيرة فهي صحابية اسمها خيرة بنت أبي حدرد، والصغيرة تابعية اسمها هجيمة، واختلفوا أيضًا في أن قوله: "وكانت فقيهة" من قول البخاري أو من كلام مكحول إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١). فارجع إليه لو شئت.
(١٤٦ - باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. . .) إلخ
اعلم أن الإمام البخاري ترجم للتشهد ثلاثة أبواب، الأول هذا واستدل له بأنه ﷺ قام إلى الثالثة ولم يرجع إلى الجلوس، فلو كان فرضًا لا بد من الرجوع إليه وهذا واضح جدًا، ولما كانت المسألة كالإجماعية جزم بالحكم فيها، ولم يلتفت إلى الخلاف لشذوذه، كما بسط في "الأوجز" (٢) من أن التشهدين معًا سُنَّة مؤكدة عند مالك، ولا يذهب عليك أن سجدة السهو عندهم يجب بترك السنن المؤكدة، وعن أحمد الإيجاب فيها، والصواب في مذهبه أن التشهد الأول واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا ويسجد السهو في السهو، والثاني ركن، كما في "المغني" (٣).
وأما عند الشافعي فالتشهد الثاني عنده من الأركان، والأول من الأبعاض التي تجبر بسجدة السهو، وعندنا الحنفية الثاني واجب، وكذا الأول في ظاهر الرواية، وقيل: الأول سُنَّة، والمعروف [في المتون] الأول، والواجب عندنا ما يجبر بسجدة السهو، إذا عرفت ذلك فظهر لك أن ترجمة الإمام توافق الأئمة الأربعة، فإنه لم يقل أحد منهم: إنه فرض وركن من أركان الصلاة، وما حكي عنهم من الوجوب في ذلك كالحنفية والحنابلة فهو وجوب دون وجوب، فالنفي في الترجمة عن الوجوب الذي
стр. 921
بمعنى الفرض، لكن بقي حينئذ أنه إذا لم يكن ركنًا وفرضًا فماذا حكمه؟ فترجم لذلك الترجمة الثانية " باب التشهد في الأولى " ولم يفصح في ذلك بحكم على عادته المعروفة، كما في الأصل الخامس والثلاثين لكنه أتى فيها رواية تدل على حكمه، وهو وجوب سجدة السهو وهو مذهب الأئمة الأربعة وإليه ميل البخاري إذ أورد فيه رواية سجود السهو، ثم لما كان حكم التشهد الآخر غير الأول عند الجمهور أفرد له ترجمة ثالثة ولم يذكر فيها أيضًا حكمًا على الأصل المذكور، لكنه ذكرها على نسق الترجمة الثانية إشارة منه إلى أن حكمهما عنده واحد، وأتى فيها رواية ألفاظ التشهد تجديدًا وتكميلًا للفائدة، انتهى ما في هامش "اللامع".
(١٤٧ - باب التشهد في الأولى)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: بيان حكمه إذا تركه المصلي ماذا يفعل؟ والباب المعقود قبل ذلك إنما كان المقصود منه بيان أن التشهد ليس ركنًا للصلاة تفوت بفوته، فلا تكرار، وأيضًا ففي هذا الباب دلالة على أن السجود للسهو واحد لا يتكرر بتكرر السهو، وترك الواجبين، فإن التشهد لما كان واجبًا والقعدة الأولى واجبًا وبتركهما لم يسجد إلا سجدتين لا أربعًا علم أن السجود غير متكرر بتكرر السهو، ولو عقد الباب لهذا لكان أبعد من توهم التكرار، انتهى.
قلت: هو واضح لكن الباب حينئذ يكون من أبواب السهو الآتية بعد ذلك، لا من أبواب صفة الصلاة، فالظاهر من محل التبويب أن المقصود هو الذي تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وعلى ما اخترته كما تقدم في الباب السابق لا إشكال في التراجم الثلاثة، ولا شائبة للتكرار فيها، انتهى.
стр. 922
(١٤٨ - باب التشهد في الآخرة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): دلالة الرواية عليه من حيث إن المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة فلا يتقيد بشيء منهما، بل يثبت في كل جلسة ثبتت عنه ﷺ طويلة، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق غرض الإمام البخاري بإفراد هذه الترجمة عندي الإشارة إلى اختلافهم في حكم التشهدين، وذكر ألفاظ التشهد فيه تجديدًا للفائدة ولا تختص هذه الألفاظ بالأخير، بل يعم التشهدين، ومع ذلك تقييد الإمام البخاري الترجمة بالتشهد الأخير إشارة إلى بعض طرقه على الأصل الحادي عشر، وذكر تشهد ابن مسعود في هذا الباب مصير منه إلى اختياره، انتهى.
(١٤٩ - باب الدعاء قبل السلام)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): أشار بزيادة لفظ: "قبل السلام" إلى أن الدعاء لم يثبت إلا في القعدة الأخيرة، وإن كان المذكور في الرواية مطلقًا، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني (٣): الحديث يدل على أن الدعاء كان في الصلاة فدلالته على الترجمة من حيث إن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا، فيتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ عن الكل، وهو آخر الصلاة، أو علم من مثل الحديث الذي في الباب بعده، انتهى.
وتعقب عليه الحافظ (٤): بأن ما قال الكرماني من أن لكل مقام ذكرًا فيه نظر؛ لأن التعين الذي ادعاه لا يختص بهذا المحل إلى أن قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث تعيينه بهذا
стр. 923
المحل، فقد وقع في بضع طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، انتهى مختصرًا.
وعلى هذا فيكون الترجمة من الأصل الحادي عشر، وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، فمن مظانها هذا الموطن، انتهى.
قلت: وهذا هو الأصل الخمسون من أصول التراجم.
قال الحافظ (١): ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر ﵁ عن ذلك كان عند قوله لما علمهم التشهد: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"، ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك، انتهى.
يعني: ومن ثم ذكر البخاري بعد ذلك " باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد "، انتهى. إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٥٠ - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد)
تقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب في الباب السابق.
قال الحافظ (٢): يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب، وإن كان قد ورد بصيغة الأمر، وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يترجم بعد التشهد بابًا للصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر في هذا الباب أيضًا حديثًا يتعلق بها، ولا يقال: إن حديثها لم يكن على شرطه، فإنه يترجم بها في "كتاب الدعوات"، ويذكر فيه حديث كعب بن عجرة، وفيه صلاة التشهد، وأخرج أيضًا بمعناه حديث الخدري اللَّهم إلا أن يقال: إنها ليست بواجبة عنده في الصلاة، فهي داخلة في عموم الأدعية في الصلاة، وذكرها ها هنا كان يوهم الإيجاب، والمسألة خلافية شهيرة بين الأئمة، قال
стр. 924
الموفق (١): الصلاة في التشهد واجبة في صحيح المذهب، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: أنها غير واجبة، وهذا قول مالك والشافعي (٢) وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: هو قول جل أهل العلم إلا الشافعي، انتهى.
(١٥١ - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): الظاهر أن المراد إثبات أن المسح وعدمه كلاهما جائز، ويمكن أن يكون القصد إثبات عدم الجواز بمعنى أن الترك على حاله هو الأولى، والمعنى على الأول: باب من لم ير المسح سُنَّة، وعلى الثاني: باب من لم ير المسح مكروهًا، والرواية يمكن الاستدلال بها على كل من المرامين، انتهى.
وفي هامشه: قال ابن المنيِّر ما حاصله: ذكر البخاري المستدل ودليله ووُكّل الأمر فيه لنظر المجتهد هل يوافق الحميدي أو يخالفه، وإنما فعل ذلك لما يتطرق إلى الدليل من الاحتمالات؛ لأن بقاء أثر الطين لا يستلزم نفي مسح الجبهة، إذ يجوز أن يكون مسحها وبقي الأثر بعد المسح، ثم بعد ذكر عدة احتمالات قال: وفي قوله: رأيت الحميدي. . . إلخ، إشارة إلى أنه يوافقه على ذلك، ومن ثم لم يتعقبه، انتهى.
قلت: في قوله: إشارة إلى أنه يوافقه. . . إلخ، أن المعروف في أصول التراجم أن الترجمة من باب من قال كذا، إشارة إلى أن المصنف لم يره، وقد تقدم ما فيه في أصول التراجم، فمجرد ذكره قول الحميدي ليس بحجة على أنه وافقه لاحتمال أنه ذكر قوله لبيان من في الترجمة كما أشار إليه ابن المنيِّر من أن الإمام ذكر المستدل وهو الحميدي ودليله، ووكّل
стр. 925
الأمر فيه إلى المجتهد، وتقدم في "باب السجود على الأنف في الماء والطين" اختلاف الأئمة في ذلك، انتهى.
(١٥٢ - باب التسليم)
قال الحافظان (١) ابن حجر والعيني: أي: في آخر الصلاة، وإنما لم يشر إلى حكمه هل هو واجب أم سُنَّة؟ لوقوع الاختلاف فيه، لتعارض الأدلة.
قال العيني: واختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى مختصرًا.
(١٥٣ - باب يسلم حين يسلم الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: ترجم بلفظ الحديث، وهو محتمل؛ لأن يكون المراد أنه يبتدأ السلام بعد ابتداء الإمام له، فيشرع فيه قبل أن يتمه الإمام، ويحتمل أن يكون المراد أن المأموم يبتدأ السلام إذا أتمه الإمام، فلما كان محتملًا للأمرين وكل النظر فيه إلى المجتهد، انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أراد أن الثاني ليس بشرط؛ لأن اللفظ يحتمل الصورتين، فأيهما فعل المأموم جاز، وكأنه أشار إلى أنه يندب أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإمام متشاغلًا بدعاء وغيره، ويدل عليه ما ذكره من أثر ابن عمر، انتهى.
وبهذا الأخير جزم العلامة العيني (٣) وقال: في هذا عن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم بعد سلام إمامه، وفي رواية: يسلم مع الإمام،
стр. 926
وقال الشافعي: يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى، انتهى.
قلت: وقد تقدم حكم المتقدم على الإمام في "باب متى يسجد من خلف الإمام" وتقدم هناك أن المشهور عن المالكية أن المقارنة في السلام مفسدة، وعند الشافعي وأحمد مكروه.
(١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يمكن أن يكون المراد بذلك بيان حكم من لم ينو الإمام بتسليمته، واكتفى بلفظ التسليمة، وتخصيص الإمام بالذكر لأن من تركه فهو لمن سواه أترك، فصار المعنى أن من لم ينو في تسليمته أحدًا واكتفى بمجرد اللفظ ولم يفهم المراد به ولا عين المسلم عليه فماذا حكمه؟ ثم أثبت بإطلاق الرواية وعدم تقييد التسليم فيها بشيء من النيات وغيرها أن صلاته جائزة لا تفسد، وأما أنه هل ترك بذلك سُنَّة أو مستحبًا؟ فأمر آخر غير متعرض به ها هنا، والله أعلم، ولعل معنى قوله: واكتفى بتسليم الصلاة على هذا التقدير أنه لم ينو بتسليمته إلا الخروج من الصلاة لا غير، انتهى.
وفي هامشه: غرض الترجمة عندي واضح لا غبار عليه، والعجب أن المشايخ والشرَّاح اختلفوا في غرضه على أقوال مع وضوح غرض البخاري بذلك، وهو أنه أراد الرد على من قال بتسليمة ثالثة ردًا على الإمام لرواية أبي داود (٢): عن سمرة قال: أمرنا النبي ﷺ أن نرد على الإمام، وأخرج مالك في "الموطأ" عن ابن عمر ﵄: أنه إذا قضى تشهده، وأراد أن يسلم قال: السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه، وبسط في "الأوجز" (٣): أن مذهب الإمام مالك وحدة السلام للإمام والفذ تلقاء وجهه وتثليث السلام للمأموم، انتهى.
стр. 927
وقال الحافظ (١): أورد البخاري فيه حديث عتبان واعتماده فيه على قوله: "وسلمنا حين سلم" فإن ظاهره أنهم سلموا نظير سلامه، وسلامه إما واحدة، وهي التي يتحلل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها، فيحتاج من يستحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين - كما تقوله المالكية - إلى دليل خاص، وإلى رد ذلك أشار البخاري، وقال ابن بطال: أظنه قصد الرد على من يوجب التسليمة الثانية، وقد نقله الطحاوي عن الحسن، وفي هذا الظن بعد، انتهى.
قلت: والبعد ظاهر، فإن التسليمتين ثبتا من فعله ﷺ في روايات عديدة ذكرها العيني (٢) عن عشرين صحابيًا، فكيف يمكن أن يرد عليه البخاري، وأعجب منه ما قال الكرماني (٣): يحتمل أن يراد به التسليمة الأولى التي بها تحلل الصلاة، وأن يراد ما في التحيات من "سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" المتناول للإمام، انتهى.
فإنه لا تعلق له بالترجمة بقوله: "باب من لم يرد السلام" اللَّهم إلا أن يقال: إنه أثبتها بعدم ذكر الثالث واكتفى في العمل على رواية أبي داود المذكورة بالتسليمة الأولى في الصلاة أو بتسليمة التحيات، انتهى.
(١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة)
سكتوا عن غرض المصنف بذلك، ويحتمل عندي أن يكون غرضه الرد على من كره الفصل بين المكتوبات والرواتب بالأوراد، وحمل الروايات الواردة في ذلك على الفراغ من الرواتب كما بسط البحث في ذلك شارح "المنية" وغيره، ويحتمل أيضًا في غرض الترجمة أنه أراد بذلك دفع ما توهم به بعض الخلف من أن الأدعية الواردة في دبر الصلاة محمولة على ما قبل السلام، قال ابن القيم: دبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان
стр. 928
شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان، انتهى.
ولذا ترجم الإمام بلفظ الذكر بعد الصلاة، وأورد فيه حديث الدبر أيضًا تنبيهًا على أن المراد منه بعد الصلاة، ويحتمل أيضًا أن الإمام أشار بلفظ الذكر في الترجمة وإيراده حديث ابن عباس ﵄ بلفظ التكبير إلى أن المراد منه مطلق الذكر لا تخصيص التكبير، ولذا فسَّر الكرماني قول ابن عباس في الحديث بالتكبير، أي: بذكر الله، انتهى من هامش "اللامع".
وبسط فيه الكلام على حديث الباب أشد البسط، ومما يجب التنبيه عليه أن رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة أنكره بعض العلماء وليس بوجيه، فإنه ثابت في الروايات الكثيرة كما بسط في "إعلاء السنن" للشيخ التهانوي، و"آثار السنن" للعلامة النيموي ومحمد الزبيدي في "رسالة رفع اليدين بعد الصلاة" المطبوعة على آخر "المنتقى" طبع في الهند، ولشيخنا التهانوي فيها رسالة وجيزة مسماة بـ "استحباب الدعوات عقيب الصلوات" وفيها عن ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١) برواية أنس مرفوعًا: "ما من عبد يبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول: اللَّهم" الحديث، وفيها عن "ميزان الاعتدال" أنه حديث ضعيف، لكنه يعمل به في الفضائل، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) في "مصنفه" عن الأسود العامري عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا" الحديث، ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار.
وقال السيوطي في "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء": وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن الزبير في حديث طويل "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته" رجاله ثقات، انتهى.
стр. 929
وذكر فيها أقوال العلماء عن نصوص الأئمة الأربعة ثم قال: فتحصل من ذلك كله أن الدعاء دبر الصلوات مسنون ومشروع في المذاهب الأربعة.
قوله: (لعهد رسول الله ﷺ ) ومثله يعد مرفوعًا عند الشيخين والجمهور خلافًا لمن أوقفه، كذا قال الحافظ (١)، ثم رفع الصوت بالذكر لم يقل به أحد من الأئمة أو الفقهاء إلا ابن حزم، وأوله الشافعي بأنه كان للتعليم، كذا في هامش "الهندية".
(١٥٦ - باب يستقبل الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك إثبات أن ذلك جائز لا ضير فيه، وأما إثبات المداومة عليه وأنه السُّنَّة فغير مقصود ها هنا وإن كان صحيحًا في نفسه، انتهى.
وفي هامشه: ترجم الإمام بأربع تراجم مسلسلة، كلها يتعلق بمسألة واحدة، وهي مسألة الجلوس بعد الصلاة، فترجم أولًا "باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم" وأشار بذلك إلى جوازه كما اختاره الشيخ، أو إلى ندبه كما اختاره بعض المشايخ، ولعل الشيخ قُدِّس سرُّه اختار الجواز؛ لأن الإمام إذ ذاك مخير بين الاستقبال إلى الناس والتحول إلى اليمين أو الشمال كما سيأتي مفصلًا فلا ترجيح لإحدى الصور على الأخرى.
وفي تقرير المكي: ليس المراد به الانصراف للدعاء بعد الصلاة لا يكون بعدها سُنَّة، فإنه لم يكن باستقبال الناس، بل بالانصراف إلى الأيمن أو الأيسر، وما جاء فيه من لفظ الاستقبال فالمراد به الانصراف مجازًا لأن في الانصراف أيضًا بعض الاستقبال، بل المراد به - أي: في الباب - الاستقبال التام إلى الناس بعد الصلاة لأمر كالوعظ والترغيب في شيء أو نحوه، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي، ثم بسط فيه الكلام في
стр. 930
حكمة الاستقبال وكيفية الانحراف من الشروح وكتب الفقه، وفيه: وعلم من هذا كله أن الإمام عند جمهور العلماء مخير في الجلوس بعد الصلاة سواء يجلس مستقبل القوم أو على يمينه أو يساره، والثالث أرجح عند الحنفية كما في "العيني" عن "التوضيح"، والثاني عند أكثر الشافعية كما في "الفتح" وهو مختار الإمام أحمد، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(١٥٧ - باب مكث الإمام في مصلَّاه بعد السلام)
وهذه الترجمة هي الثانية من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك إثبات أن ما ورد في النهي عنه فإنما هو تنزه وأدب، ومع ذلك فلو صلى هناك فإن صلاته جائزة صحيحة، والاستدلال بالرواية على هذا المدعى ظاهر، انتهى.
وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن التطوع في موضع الفرض جائز لا بأس به، وما ورد من النهي أدب وبيان للأولى، وعلى هذا فالترجمة مستأنفة لا تعلق لها بما سبق.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنها متعلقة بما سبق كالثالثة والرابعة، والغرض أن ما تقدم من استقبال القوم ليس بواجب حتى لو مكث على حاله مستقبل القبلة فهو جائز، وعلى هذا ذكر التطوع في مكانه استطراد؛ لأنه أيضًا يكون مستقبل القبلة.
وشرح الحافظ هذه الترجمة بوجه آخر، إذ قال (٢): "باب مكث الإمام. . ." إلخ، أي: بعد استقبال القوم، فيلائم ما تقدم، ثم إن المكث لا يتقيد بحال من ذكر أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة، ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوع الإمام في مكانه، انتهى.
وأنت خبير بأن تقدير المكث بعد الانحراف بهذا المقدار مشكل، فإن
стр. 931
الوارد في الروايات من الأدعية دبر الصلاة يزيد على هذا المقدار بكثير، انتهى.
وقال العيني (١): هذا باب في بيان مكث الإمام، ولم يبيِّن البخاري حكمه، هل هو مستحب أو مكروه؟ لأجل الاختلاف فيه بين السلف، فأكثر العلماء على كراهته إلا أن يكون مكثه لعلة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال أبو محمد من المالكية: ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، انتهى.
ثم التطوع في المكان الذي صلَّى فيه الفريضة ظاهر صنيع البخاري أنه لا بأس بذلك عنده.
قال العيني (٢): الجمهور على أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره، وعن القاسم: أن الإمام إذا سلم فواسع أن ينتقل في مكانه، وذكر ابن التين أنه قول أشهب، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(١٥٨ - باب من صلَّى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم)
هذه هي الثالثة من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أثبت بذلك أن النهي عن التخطي في الجمعة وغيرها سواء، وأن المنهي عنه ما إذا وجد بدًّا منه وكان في غير حاجة، وأما عند الحاجة فلا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح وظاهر، والغرض على ما اخترته فيما سبق أنها أيضًا متعلقة بما سبق أن المكث المذكور سواء كان مستقبلًا للقوم أو منحرفًا إلى جهة ليس بواجب، بل مندوب إن لم تكن له حاجة،
стр. 932
فإن كانت يجوز له الخروج من المسجد سريعًا، وذكر التخطي في الترجمة لمزيد إفادة، وهي التي ذكرها الشيخ قُدِّس سرُّه من أن النهي عنه مقيد بعدم الاضطرار إليه، وهو مختار الحافظين (١) ابن حجر والعيني إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٥٩ - باب الانفتال والانصراف. . .) إلخ
هذه هي الرابعة من التراجم الأربعة.
اختلف العلماء في أن المراد بذلك الذهاب إلى حاجته أو الجلوس في المسجد منحرفًا إلى اليمين والشمال والخلاف في ذلك وسيع، وما يظهر لي أن عامة الفقهاء حملوها على الجلوس بعد الصلاة ولذا سووا بين الصور الثلاثة من الاستقبال والتحول يمينًا وشمالًا، ولا يبعد أن الإمام ترجم له مستقبلًا لذلك الاختلاف، فالغرض عندي أن الاستقبال المذكور فيما سبق ليس بمتعين، بل لو شاء جلس منحرفًا إلى اليمين أو الشمال لكنهم لما اختلفوا في المراد بالانصراف ترجم له بترجمة مستقلة، والقرينة على ما اخترته أن الإمام البخاري جمع في الترجمة بين الانفتال والانصراف، فكأنه أشار إلى أن المراد بالانصراف ها هنا هو الانفتال وهو الانحراف جالسًا، كما يشير إليه حديث أبي داود (٢): أنه ﷺ سلَّم عن يمينه وعن يساره ثم انفتل كانفتال أبي رمثة، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى، الحديث، وهذا كالنص على أن هذا الانفتال كان جالسًا لا ذاهبًا إلى بيته، وعلى ذلك حمل الشيخ ابن تيمية أحاديث الانصراف إذ ترجم أولًا "باب الانحراف بعد السلام وقدر اللبث بينهما" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".