شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان، انتهى.
ولذا ترجم الإمام بلفظ الذكر بعد الصلاة، وأورد فيه حديث الدبر أيضًا تنبيهًا على أن المراد منه بعد الصلاة، ويحتمل أيضًا أن الإمام أشار بلفظ الذكر في الترجمة وإيراده حديث ابن عباس ﵄ بلفظ التكبير إلى أن المراد منه مطلق الذكر لا تخصيص التكبير، ولذا فسَّر الكرماني قول ابن عباس في الحديث بالتكبير، أي: بذكر الله، انتهى من هامش "اللامع".
وبسط فيه الكلام على حديث الباب أشد البسط، ومما يجب التنبيه عليه أن رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة أنكره بعض العلماء وليس بوجيه، فإنه ثابت في الروايات الكثيرة كما بسط في "إعلاء السنن" للشيخ التهانوي، و"آثار السنن" للعلامة النيموي ومحمد الزبيدي في "رسالة رفع اليدين بعد الصلاة" المطبوعة على آخر "المنتقى" طبع في الهند، ولشيخنا التهانوي فيها رسالة وجيزة مسماة بـ "استحباب الدعوات عقيب الصلوات" وفيها عن ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١) برواية أنس مرفوعًا: "ما من عبد يبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول: اللَّهم" الحديث، وفيها عن "ميزان الاعتدال" أنه حديث ضعيف، لكنه يعمل به في الفضائل، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) في "مصنفه" عن الأسود العامري عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا" الحديث، ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار.
وقال السيوطي في "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء": وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن الزبير في حديث طويل "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته" رجاله ثقات، انتهى.
стр. 929
وذكر فيها أقوال العلماء عن نصوص الأئمة الأربعة ثم قال: فتحصل من ذلك كله أن الدعاء دبر الصلوات مسنون ومشروع في المذاهب الأربعة.
قوله: (لعهد رسول الله ﷺ ) ومثله يعد مرفوعًا عند الشيخين والجمهور خلافًا لمن أوقفه، كذا قال الحافظ (١)، ثم رفع الصوت بالذكر لم يقل به أحد من الأئمة أو الفقهاء إلا ابن حزم، وأوله الشافعي بأنه كان للتعليم، كذا في هامش "الهندية".
(١٥٦ - باب يستقبل الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك إثبات أن ذلك جائز لا ضير فيه، وأما إثبات المداومة عليه وأنه السُّنَّة فغير مقصود ها هنا وإن كان صحيحًا في نفسه، انتهى.
وفي هامشه: ترجم الإمام بأربع تراجم مسلسلة، كلها يتعلق بمسألة واحدة، وهي مسألة الجلوس بعد الصلاة، فترجم أولًا "باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم" وأشار بذلك إلى جوازه كما اختاره الشيخ، أو إلى ندبه كما اختاره بعض المشايخ، ولعل الشيخ قُدِّس سرُّه اختار الجواز؛ لأن الإمام إذ ذاك مخير بين الاستقبال إلى الناس والتحول إلى اليمين أو الشمال كما سيأتي مفصلًا فلا ترجيح لإحدى الصور على الأخرى.
وفي تقرير المكي: ليس المراد به الانصراف للدعاء بعد الصلاة لا يكون بعدها سُنَّة، فإنه لم يكن باستقبال الناس، بل بالانصراف إلى الأيمن أو الأيسر، وما جاء فيه من لفظ الاستقبال فالمراد به الانصراف مجازًا لأن في الانصراف أيضًا بعض الاستقبال، بل المراد به - أي: في الباب - الاستقبال التام إلى الناس بعد الصلاة لأمر كالوعظ والترغيب في شيء أو نحوه، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي، ثم بسط فيه الكلام في
стр. 930
حكمة الاستقبال وكيفية الانحراف من الشروح وكتب الفقه، وفيه: وعلم من هذا كله أن الإمام عند جمهور العلماء مخير في الجلوس بعد الصلاة سواء يجلس مستقبل القوم أو على يمينه أو يساره، والثالث أرجح عند الحنفية كما في "العيني" عن "التوضيح"، والثاني عند أكثر الشافعية كما في "الفتح" وهو مختار الإمام أحمد، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(١٥٧ - باب مكث الإمام في مصلَّاه بعد السلام)
وهذه الترجمة هي الثانية من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك إثبات أن ما ورد في النهي عنه فإنما هو تنزه وأدب، ومع ذلك فلو صلى هناك فإن صلاته جائزة صحيحة، والاستدلال بالرواية على هذا المدعى ظاهر، انتهى.
وفي هامشه: حاصل ما أفاده الشيخ أن التطوع في موضع الفرض جائز لا بأس به، وما ورد من النهي أدب وبيان للأولى، وعلى هذا فالترجمة مستأنفة لا تعلق لها بما سبق.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنها متعلقة بما سبق كالثالثة والرابعة، والغرض أن ما تقدم من استقبال القوم ليس بواجب حتى لو مكث على حاله مستقبل القبلة فهو جائز، وعلى هذا ذكر التطوع في مكانه استطراد؛ لأنه أيضًا يكون مستقبل القبلة.
وشرح الحافظ هذه الترجمة بوجه آخر، إذ قال (٢): "باب مكث الإمام. . ." إلخ، أي: بعد استقبال القوم، فيلائم ما تقدم، ثم إن المكث لا يتقيد بحال من ذكر أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة، ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوع الإمام في مكانه، انتهى.
وأنت خبير بأن تقدير المكث بعد الانحراف بهذا المقدار مشكل، فإن
стр. 931
الوارد في الروايات من الأدعية دبر الصلاة يزيد على هذا المقدار بكثير، انتهى.
وقال العيني (١): هذا باب في بيان مكث الإمام، ولم يبيِّن البخاري حكمه، هل هو مستحب أو مكروه؟ لأجل الاختلاف فيه بين السلف، فأكثر العلماء على كراهته إلا أن يكون مكثه لعلة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وقال أبو محمد من المالكية: ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره، انتهى.
ثم التطوع في المكان الذي صلَّى فيه الفريضة ظاهر صنيع البخاري أنه لا بأس بذلك عنده.
قال العيني (٢): الجمهور على أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره، وعن القاسم: أن الإمام إذا سلم فواسع أن ينتقل في مكانه، وذكر ابن التين أنه قول أشهب، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(١٥٨ - باب من صلَّى بالناس فذكر حاجته فتخطاهم)
هذه هي الثالثة من التراجم الأربعة.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أثبت بذلك أن النهي عن التخطي في الجمعة وغيرها سواء، وأن المنهي عنه ما إذا وجد بدًّا منه وكان في غير حاجة، وأما عند الحاجة فلا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح وظاهر، والغرض على ما اخترته فيما سبق أنها أيضًا متعلقة بما سبق أن المكث المذكور سواء كان مستقبلًا للقوم أو منحرفًا إلى جهة ليس بواجب، بل مندوب إن لم تكن له حاجة،
стр. 932
فإن كانت يجوز له الخروج من المسجد سريعًا، وذكر التخطي في الترجمة لمزيد إفادة، وهي التي ذكرها الشيخ قُدِّس سرُّه من أن النهي عنه مقيد بعدم الاضطرار إليه، وهو مختار الحافظين (١) ابن حجر والعيني إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٥٩ - باب الانفتال والانصراف. . .) إلخ
هذه هي الرابعة من التراجم الأربعة.
اختلف العلماء في أن المراد بذلك الذهاب إلى حاجته أو الجلوس في المسجد منحرفًا إلى اليمين والشمال والخلاف في ذلك وسيع، وما يظهر لي أن عامة الفقهاء حملوها على الجلوس بعد الصلاة ولذا سووا بين الصور الثلاثة من الاستقبال والتحول يمينًا وشمالًا، ولا يبعد أن الإمام ترجم له مستقبلًا لذلك الاختلاف، فالغرض عندي أن الاستقبال المذكور فيما سبق ليس بمتعين، بل لو شاء جلس منحرفًا إلى اليمين أو الشمال لكنهم لما اختلفوا في المراد بالانصراف ترجم له بترجمة مستقلة، والقرينة على ما اخترته أن الإمام البخاري جمع في الترجمة بين الانفتال والانصراف، فكأنه أشار إلى أن المراد بالانصراف ها هنا هو الانفتال وهو الانحراف جالسًا، كما يشير إليه حديث أبي داود (٢): أنه ﷺ سلَّم عن يمينه وعن يساره ثم انفتل كانفتال أبي رمثة، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى، الحديث، وهذا كالنص على أن هذا الانفتال كان جالسًا لا ذاهبًا إلى بيته، وعلى ذلك حمل الشيخ ابن تيمية أحاديث الانصراف إذ ترجم أولًا "باب الانحراف بعد السلام وقدر اللبث بينهما" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
стр. 933
(١٦٠ - باب ما جاء في الثوم النّي والبصل)
ها هنا عدة أبحاث:
الأول: في ذكر هذه الترجمة ها هنا دون أبواب المساجد.
قال الحافظ (١): هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأما التراجم التي قبلها فكلها من صفة الصلاة لكن مناسبة هذه الترجمة من جهة أنه بنى صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة، ولهذا لم يفرد ما بعد "كتاب الأذان" بكتاب؛ لأنه ذكر فيه أحكام الإقامة ثم الإمامة ثم الصفوف ثم الجماعة ثم صفة الصلاة، فلما كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه من قام به عارض كأكل الثوم، ومن لا يجب عليه ذلك كالصبيان، ومن تندب له في حالة دون حالة كالنساء، فذكر هذه التراجم فختم بها صفة الصلاة، انتهى.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري ذكر هذه الأبواب بمنزلة مسائل شتى في آخر أبواب الصلاة، ولما كانت هذه الأبواب متضمنة لمسائل عديدة من الصلاة وغيرها أفردها بالذكر.
والبحث الثاني: أن الإمام ذكر في هذا الباب مسألتين: أولاهما: بقوله: "ما جاء في الثوم النّي. . ." إلخ، وأشار بذلك عندي إلى الاختلاف في جواز أكل هذه الأشياء، وهذه المسألة لم تكن من باب الصلاة، لكنه ذكرها تبعًا للمسألة الآتية لاستنباطهما من أحاديث الباب ولذا جمعهما في باب، وأفرده عما سبق.
قال الكرماني (٢): الثوم ونحوه من البقول حلال بالإجماع، وحكي تحريمها عن أهل الظاهر؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
стр. 934
والمسألة الثانية: التي أشار إليها في الترجمة بقوله: "وقول النبي ﷺ . . ." إلخ، أيضًا خلافية، وكان منشأ الخلاف اختلافهم في المراد بقوله: "سجدنا" فذكره بعينه في الترجمة، وفي "الكرماني" عن النووي: مذهب بعض العلماء أن النهي خاص بمسجده ﷺ ، والجمهور على أنه عام لكل مسجد، انتهى.
والبحث الثالث: أن الإمام ذكر في الترجمة الكراث أيضًا وليس له ذكر في الحديث.
قال الحافظ (١): أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر ﵁ فقد رواه مسلم (٢) من رواية يحيى القطان عن ابن جريج بلفظ: "من أكل من هذه البقلة الثوم"، وقال مرة: "من أكل الثوم والبصل والكراث" وهذا أولى من قول بعضهم: إنه قاسه على البصل، ويحتمل أن يكون استنبط الكراث من عموم الخضراوات، فإنه يدخل فيها دخولًا أوليًّا لأن رائحته أشد.
البحث الرابع: أنه ذكر في الترجمة من الجوع أو غيره.
قال الحافظ (٣): لم أر التقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنه مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر عند مسلم (٤): بلفظ: "فغلبتنا الحاجة" الحديث، انتهى.
وعلى هذا فغرض الترجمة أنه إذا منع عنها في حالة الجوع والحاجة فغيرهما بالأولى، أو يقال: إن الإمام البخاري أشار بذلك إلى عموم روايات الباب لا يختص بحاجة وغيرها فتكون الترجمة من الأصل الخمسين، وعلى ما اختاره الشرَّاح تكون مركبة من الأصل الحادي عشر والتاسح عشر إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
стр. 935
(١٦١ - باب وضوء الصبيان. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): "قوله: وضوء الصبيان"، أي: إنه ثابت سُنَّة وإن لم يكن واجبًا عليهم، والحجة عليه قوله: "فقمت وتوضأت" وغير ذلك "ومتى يجب عليهم الغسل والطهور". والحجة عليه قوله: "على كل محتلم". "وحضورهم الجماعة العيدين والجنائز" أورده دفعًا لما يتوهم من قوله ﷺ : "جنبوا مساجدكم الصبيان" الحديث، أن الصبيان لا يجوز لهم حضور المسجد والمصلى وغيرهما لأن حضورهم لا بأس به إذا وقع الأمن من التلويث، والحجة عليه الرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة، وكل ذلك بَيّن بأدنى تفكر. "وصفوفهم" أي: وهذا باب في بيان صفوفهم كيف هي، والحجة عليه قوله: "فصففت عليه أنا واليتيم"، وقول ابن عباس: دخلت في الصف، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" أشد البسط، وفيه: أن هذا الباب أيضًا عندي من مسائل شتى، ولذا أفرده عما سبق، ولذا ذكر فيه مسائل شتى من وضوئهم وحضورهم الجماعة وغير ذلك.
قال العيني (٢): الترجمة مركبة من ستة أجزاء، انتهى.
قلت: هذا إذا عد قوله: "ومتى يجب عليهم الغسل والطهور" واحدًا، والظاهر أنهما اثنان، والمراد من الطهور الوضوء لتقابله بالغسل، فتكون الترجمة مركبة من سبعة أجزاء.
وقوله: "وصفوفهم". الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي التي أشار إليها الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: كيف صفوفهم، فإنهم اختلفوا في الصبيان هل يجعل لهم
стр. 936
صفوف مستقلة أو يدخلون في صفوف الرجال؟ قال الشعراني: قول الشافعي مع قول مالك إنه يقف خلف الإمام الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، وبعض أصحاب الشافعي على أن يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم الصلاة منهم، انتهى إلى آخر ما بسط الاختلاف من كتب الفروع في هامش "اللامع".
(١٦٢ - باب خروج النساء إلى المساجد. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): فيه دلالة على أن جواز خروجهن مقيَّد بعدم الفتنة كيف ما كان، فلما كان الغلس والليل سببين لارتفاع الفتنة جاز خروجهن فيهما، فإذا كانتا سببين للفتنة كما نشاهده في زماننا لم يجز الحضور فيهما أيضًا، انتهى.
قال العيني (٢): لما كان في هذا الباب خلاف بين الأئمة لم يجزم البخاري بنفي ولا إثبات، انتهى.
قلت: تقييد الإمام البخاري الترجمة بالليل والغلس يشير إلى جواز خروجهن بهذا القيد، ولذا قالت الشرَّاح: إن الإمام أشار بالترجمة إلى أن المطلق من الروايات في هذا الباب مقيد بذلك القيد واستنبط منه الشيخ قيد عدم الفتنة، هو لطيف جدًا، وموافق لما اختاره جمهور الفقهاء من المنع عن خروجهن في هذا الزمان مطلقًا لما نشاهده من الفتن الشهيرة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من اختلاف العلماء في هذه المسألة من كتب الفروع والشروح.
(١٦٤ - باب صلاة النساء خلف الرجال)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك أن مقامهم خلف مقام
стр. 937
الرجال، ودلالة الرواية على الترجمة في لفظ: "قبل أن يدركهن"، فإن انصراف النساء قبل أن يدركهن الرجال لا يمكن إلا وهن خلفهم، فلو كن متقدمات أو متوسطات لم يتصور ذلك، انتهى.
قال العيني (١): غرض الترجمة بيان أن صلاة النساء خلف صفوف الرجال؛ لأن مبنى أمرهن على الستر وتأخرهن من الرجال أستر لهن إلى آخر ما قال.
قلت: وعلى هذا يكون الباب من الأصل الحادي والأربعين إشارة إلى ما ورد: "أخروهن من حيث أخرهن الله" وهو الأوجه عندي.
وقال السندي (٢): المراد قيامهن في الجماعة خلف صفوف الرجال، ويحتمل أن يقال: المراد اقتداؤهن بالرجال في الصلاة، ولعل هذا هو توجيه ذكر هذا الباب مرتين في الكتاب كما في بعض النسخ، فيحمل مرة على تأخر الصف ومرة على صحة الاقتداء، انتهى مختصرًا.
قلت: والتكرار في نسخة الكرماني، ولم يتعرض لذلك الحافظان ابن حجر والعيني، نعم تعرض له القسطلاني إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(١٦٥ - باب سرعة انصراف النساء من الصبح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): هذا مشير أيضًا إلى منعهن منه عند الفتنة، انتهى.
وفي هامشه: هذا أيضًا عندي من الأصل الحادي والأربعين، أشار الإمام البخاري بذلك إلى قوله ﷺ : "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، قال الزيلعي: أخرجه الجماعة إلا البخاري، انتهى. فإن المرأة كلما كانت في آخر الصفوف تكون أسرع للخروج.
стр. 938
قال الحافظ (١): قيَّد الترجمة بالصبح لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فناسب الإسراع بخلاف العشاء، فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة فلا يضر المكث، انتهى.
(١٦٦ - باب استئذان المرأة زوجها. . .) إلخ
الظاهر عندي: أن الترجمة شارحة، يعني: أن المراد في الحديث الاستئذان للصلاة لا لغيرها لما تقدم في "باب خروج النساء إلى المساجد بالليل" من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا بلفظ: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن"، فهذا نص في ذلك، ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: الخروج إلى المسجد؛ لأنه خروج إلى مناجاة ربه، فإن المصلي يناجي ربه، انتهى.
أي: البراعة في لفظ الخروج، وعندي أن الخروج إلى المسجد خروج إلى بيت الله وهو منتهى الموت، أو يقال: إن الخروج إلى مناجاة ربه هو المرتب على الموت.
وهذا آخر الجزء الثاني من الأبواب والتراجم للبخاري
وقد أمعن النظر فيه وأوضح إجماله الأعزان المكرمان ختني المولوي
الحافظ محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر العلوم، والختن الآخر
المولوي الحافظ محمد سلمان من أكابر المدرسين بالمدرسة المذكورة،
جزاهما الله عني وعن سائر الناظرين لهذا الجزء أحسن الجزاء،
وبارك الله في علومهما وأذاقهما شراب حبه،
ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى أوله "كتاب الجمعة"،
والحمد لله أولًا وآخرًا،
والصلاة والسلام على رسوله سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه سرمدًا ودائمًا
٢٩/ ذو القعدة سنة: ١٣٩٢ يوم الخميس
محمد زكريا عفي عنه
стр. 939
١١ - كتاب الجمعة
قال الحافظ (١): بضم الميم على المشهور وقد تُسَكَّن، وحُكي عن الفراء بفتحها، والزجَّاج الكسر، واختُلف في التسمية بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمَّى في الجاهلية: العروبة - بفتح العين وضم الراء -، فقيل: سُمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، وقيل: خلقُ آدم جُمع فيه، وقيل: كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيذكّرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، وقيل: إن قُصيًّا هو الذي كان يجمعهم، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي. . . إلى آخر ما قال الحافظ.
وقال أيضًا: ذكر ابن القيم في "الهدي" (٢) ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية، انتهى.
واختلف في مبدأ فرضيتها.
قال الحافظ (٣): الأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم من أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، وهو غريب، انتهى.
قلت: أشار الحافظ بقوله: "مقتضى ما تقدم" إلى أن البخاري ترجم "باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية"، وأنت خبير بأن الاستدلال بالآية على مبدأ الفرضية مشكل جدًّا، فإنه لا خلاف بين العلماء في أنه ﷺ دخل المدينة يوم جمعة، وصلَّاهما أول يوم الدخول في مسجد بني سالم، والآية نزلت بعد ذلك بزمان؛ لأن الأذان لم يكن بعدُ
стр. 940
مشروعًا، وهذا لا مراء فيه، ولذا ذكر السيوطي الشافعي في "الإتقان" (١) هذه السورة في أمثلة ما تأخر النزول عن الحكم، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
(١ - باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ. . .﴾ الآية [الجمعة: ٩])
تقدم في كلام الحافظ أن فرضيتها بالمدينة.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أثبت فرضية الجمعة بالآية بطريق الإيماء، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): اعلم أن الجمعة فرضت بمكة، ولم يتمكن النبي ﷺ من إقامتها فيها حتى ورد المدينة، فنزل في قباء أربعة عشر يومًا ولم يُقم الجمعة، وأول جمعة أقامها في بني سالم محلة من المدينة، ونقل الحافظ في "التلخيص" (٥): أن الجمعة فرضت بمكة، انتهى.
قوله: (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩])، كتب الشيخ في "اللامع" (٦): أراد بالسعي المشي والعمل، لا معناه العرفي، والمراد بالذكر أعم من الصلاة والخطبة، أو الخطبة، فثبوت الصلاة بدلالة النص لكونها أهم، انتهى.
وفي "تقرير المكي": السعي، بمعنى الفور، بمعنى: الذهاب والعمل، والعدو إلى الصلاة منهي عنه بالأخبار الصحيحة، فلذا فسره بالإمضاء والذهاب لئلا يتوهم معنى العدو عنه، انتهى.
قال السندي (٧): استدل على الوجوب تارة بأن شرع الأذان للفرائض،
стр. 941
وتارة بأن إيجاب السعي إليها فرع وجوبها. . . إلى آخر ما بسط.
وقال الحافظ (١): الفرضية، قيل: بترك البيع، فإن تحريم المباح لا يكون إلا للواجب، وقيل: بلفظ الأمر، انتهى.
(٢ - باب فضل الغسل يوم الجمعة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: باب ذكر أن الغسل فيه أفضل، وأما قوله في الترجمة: "هل على الصبي شهود يوم الجمعة؟ " فالدال عليه قوله: "كل محتلم"، وهو دالٌّ أيضًا على عدم الغسل على النساء؛ لأن وجوبه على من عليه الجمعة، وليست على النساء صلاة الجمعة، فلا يكون عليهن غسل أيضًا، انتهى.
وفي هامشه: وجَّه الشيخ قُدس سره ترجمة البخاري بذلك لتدل على حكم الغسل، بخلاف ما قال الحافظ (٣)؛ إذ قال عن ابن المنيِّر: لم يذكر الحكم لما وقع فيه من الخلاف، واقتصر على الفضل؛ لأن معناه الترغيب فيه، وهو القدر الذي تتفق الأدلة على ثبوته، انتهى.
قلت: ذكر الفضل إشارةً إلى حكمه، وهو عدم الوجوب، وهو قول الجمهور، خلافًا للظاهرية القائلين بالوجوب. ويمكن الاعتذار عمَّا نقله الحافظ عن ابن المنيِّر بأن الفضل لا يدل على الحكم، فإنه سيبوِّب بـ "باب فضل الجمعة مع فرضيتها"، وتقدم "باب فضل الجماعة" مع تبويبه بـ "باب وجوب الجماعة"، فلأجل ذلك وجَّه الشيخ الترجمة، وأولها إلى قول الجمهور، والمسألة خلافية شهيرة بُسطت في "الأوجز" (٤)، وجملتها: أنه واجب عند الظاهرية، وهو قول لمالك وأحمد، وسُنَّة عند الأئمة الأربعة مؤكدة أو مندوب قولان.
стр. 942
وهنا مسألة أخرى، وهي: أنهم اختلفوا: هل الغسل لليوم حتى يجب على النساء أيضًا، أو للصلاة، فيجب على من تجب عليه الجمعة؟ بُسطت هذه المسألة أيضًا في "الأوجز" (١)، وسيبوِّب لها المصنف قريبًا بـ "باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل. . ." إلخ.
قوله: (وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟) قيل: أشار إلى عدم وجوبه على الصبيان بلفظ المحتلم، فإنه يخرج الصبي ظاهرًا والنساء؛ لأن الفروض تجب عليهن في الأكثر بالحيض لا بالاحتلام، وقيل: عموم لفظ: "أحدكم" يتناول الصبي والنساء، لكن حديث أبي داود بلفظ: "لا جمعة على امرأة ولا صبي" يخالفه، لكنه ليس على شرطه فذكره بلفظ: "هل"، أو يقال: لفظ: "هل" في حق النساء لاحتمال دخولهن في العموم المذكور، لكن عموم النهي في منعهن من حضور المساجد إلا بالليل يخرج حضورهن الجمعة، انتهى ملخصًا من "الفتح" و"العيني" (٢).
(٣ - باب الطيب للجمعة)
قال الحافظ (٣): لم يذكر المصنف حكمه لوقوع الاحتمال فيه، انتهى.
قلت: الظاهر بدله لوقوع الاختلاف فيه، فإن بعض أهل الظاهر قال بوجوبه.
قوله: (وأما الاستنان والطيب فالله أعلم. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٤): وذلك لأن تقدير الخبر المتقدم وهو قوله: "واجب" يدل على الوجوب، وإفراده ﷺ الغسل عن أخويه وعدم إشراكها جميعًا في خبر واحد، وتعليق مسِّ الطيب بالوجدان، يدل على أن الخبر لعله غير ما تقدم،
стр. 943
فيكون التقدير: وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد أفضل، وعلى هذا لا يثبت الوجوب، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.
(٤ - باب فضل الجمعة)
أورد فيه حديث مالك عن أبي هريرة ﵁، وفيه أبحاث كثيرة من أن الغسل لمن يروح إلى الجمعة أو عام، وهل يكفي غسل الجنابة للجمعة؟ وابتداء ساعات التبكير من الصبح أو الزوال، وهل البُدن يتحقق بالبقر أيضًا؟ والأفضل في الضحايا الإبل أو الغنم، وحكم الغسل يوم الجمعة، بسطت في "الأوجز" (١)، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ (٢): مقتضى الحديث مساواة المبادر إلى الجمعة للمتقرِّب بالمال، فكأنه جمع بين عبادتين بدنية ومالية، وهذه خصوصية للجمعة لا لغيرها من الصلوات، انتهى.
(٥ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (٣): هو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلُّقه به أن فيه إشارة إلى الرد على من ادَّعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر ﵁ أنكر على عدم التبكير بمحضر من الصحابة، ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يلزم من إنكار عمر، فإنه لولا الفضل في ذلك لما أنكر عليه، انتهى.
قلت: ليس بوجيه، ولا يكون هذا جوابًا لإشكال المالكية، إذ قالوا: إن التبكير من الصباح لم يعرف، بل يحتمل تأييد المالكية بذكر الحديث بلفظ: "الرواح"، ويحتمل عندي أن الغرض بيان فضل الجمعة بأمر الاغتسال، ورقم عليه شيخ الهند رمز [نـ] نقطة واحدة.
стр. 944
(٦ - باب الدهن للجمعة)
قال الحافظ (١): أي: استعمال الدهن، ويجوز أن يكون بفتح الدال، فلا يحتاج إلى تقدير، انتهى. ثم لا مناسبة للحديث الثاني بالباب، فقيل: استعمال الدهن بعد غسل الرأس معتاد، وقيل: مذكور في بعض طرقه، انتهى من "الفتح" و"العيني" (٢).
قلت: أو يقال: إن الدهن داخل في الطيب مع أن هذا الحديث والحديث الآتي واحد.
(٧ - باب ما يلبس أحسن ما يجد)
وجه الاستدلال من الحديث تقريره ﵇ لأصل التجمُّل وقصر الإنكار على تلك الحلَّة، وهو مختار الشيخ في "اللامع" (٣)، إذ قال: قوله: "فلبستها يوم الجمعة. . ." إلخ، فكان ذلك تقريرًا لما قاله عمر ﵁، حيث لم ينكر عليه النبي ﷺ ، وإنما أنكر لأجل كونها حريرًا، فعُلم أن تخصيص الجمعة بشيء من ثيابه الحسنة لا بأس به، انتهى.
وتعقب الداودي على الحديث بأن ليس فيه دلالة على الترجمة، وأجاب ابن بطال (٤) بأنه كان معهودًا عندهم أن يلبس أحسن ما يجد، وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل التاسع والأربعين، والأوجه عندي أن الترجمة من الأصل الحادي والأربعين، أشار بذلك إلى روايات تدل على لبس أحسن الثياب، ولا يذهب عليك أن الإمام ترجم عليه ههنا "باب يلبس أحسن ما يجد"، وفي "العيد": "باب التجمل فيه"، وسيأتي الكلام عليه هناك.
стр. 945
قال الدردير: نُدب جميل ثياب، وهو ههنا الأبيض ولو عتيقًا، بخلاف العيد فيُندب فيه الجديد ولو أسود، انتهى. وبسطه الدسوقي.
(٨ - باب السواك يوم الجمعة)
يحتمل عندي أن الغرض الرد على من أوجب السواك يوم الجمعة، واستدل عليه بالحديث، بأنه إذا لم يجب في الليل مع شدة اهتمامه ﵇ له فأولى أن لا يجب في الجمعة، إذ لم يوجد فيها اهتمام مثل اهتمام الليل، ويؤيده أيضًا أن المصنف لم يذكر في هذا الباب السواك يوم الجمعة خاصةً، بل ذكر الحديث السابق بالعموم، وبسط الكلام على مطابقة الأحاديث بالباب في "اللامع" (١) وهامشه.
(٩ - باب من تسوَّك بسواك غيره)
كتب الشيخ في "اللامع": أورده ههنا إشارةً إلى أنه لا ينبغي له أن يترك الاستياك، بل يتسوَّك ولو بسواك الغير، نعم لا بدّ أن يكون بإذنه ولو دلالة، انتهى.
وعندي هذا أوجه مما قاله العيني (٢) بقوله: كأنه يشير إلى جواز ذلك، وإلى طهارة ريق بني آدم خلافًا للنخعي، انتهى. وأنت خبير بأنه لو كان غرض المصنف بيان طهارته لكان محله كتاب الطهارة، فالأوجه ما أفاده الشيخ.
(١٠ - باب ما يقرأ في صلاة الفجر)
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: "ما" في قوله: "ما يقرأ"، الظاهر أنها موصولة لا استفهامية، انتهى.
стр. 946
وتعقبه العيني بقوله: لا مانع من أن تكون استفهامية، انتهى.
وقال ابن المنيِّر: مناسبة الباب لما قبله أن ذلك من جملة ما يتعلق بفضل يوم الجمعة لاختصاص صبحها بالمواظبة على قراءة هاتين السورتين، انتهى من "الفتح".
وغرض الترجمة عندي الرد على من كره سورة السجدة في الفريضة.
قال العيني: قال ابن بطال (١): ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك، فروي عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروي عنه أنه كره للإمام ذلك، إلى آخر ما قال.
(١١ - باب الجمعة في القرى والمدن. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: ماذا حكمها؟ ترك تعيين الخبر لمكان الاختلاف فيه، وأورد في الباب ما يستدل به كل من الفريقين، ولنا أن النبي ﷺ لم يأمر أهل العوالي ولا غيرهم ممن كان من أطراف المدينة من أهل القرى مع أن الجمعة قد فرضت في مكة، فليس ذلك إلا لأن الجمعة لم تكن واجبةً ولا هي مُجزئة عنهم لو أقاموها، وأما قرية جواثى فيجب عليهم إثبات أنها كانت قرية، ومما يدل على مرام الحنفية قوله: "كنا نتناوب الجمعة"، مع أنه لو كانت واجبة لم يكن للتناوب معنًى، وقد ثبت أيضًا أنهم لم يكونوا يجمعون ثمة، فليس ذلك إلا لعدم وجوبها على هؤلاء، ثم حدّ القرية أن يكون فيه خمسة آلاف من بين المسلمين والكافرين والنساء والصبيان، انتهى.
قد أجمل الشيخ الكلام على هذه الأبحاث الطويلة الذيول كدأبه الشريف في هذا التقرير المنيف اتكالًا على فهم الطالبين واكتفاءً على بسطه
стр. 947
من الكلام في "الكوكب الدري"، وبسط شيء من الكلام في هامش "اللامع"، وفيه: المسألة من أشهر المسائل الخلافية، والمشهور على ألسنة الناس أن الحنفية لا يجوِّزون الجمعة في القرى بخلاف غيرهم، وهذا من قلة النظر على مسالك الأئمة الأربعة. والعجب من الحافظ (١) إذ قال: في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خصّ الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مروي عن الحنفية، انتهى.
وظاهره أيضًا يوهم أن الحنفية متفردون بمنع الجمعة في القرى، وليس كذلك، فإن المسألة إجماعية عند الأربعة في أن الجمعة ليست كسائر الصلوات تقام في كل المواضع، بل لا بدّ لها من نوع من المدينة مع الاختلاف بينهم في تفاصيل هذه المدينة، كما بسط في "الأوجز" (٢).
وإلى التفريق بين القرى مال الإمام البخاري أيضًا كما يدل عليه صنيعه فيما يأتي في "باب من أين تؤتى الجمعة"، إذ ذكر فيه أثر عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . . إلخ، فعُلم أن القرى بعضها جامعة وبعضها غير جامعة. وقد قال إمام دار الهجرة في "الموطأ" (٣): إذا نزل الإمام بقرية تجب فيها الجمعة والإمام مسافر، فإن أهل تلك القرية وغيرهم يجمِّعون معه، فإن جمَّع الإمام بقرية لا تجب فيها الجمعة، فلا جمعة له ولا لأهل تلك القرية، إلى آخر ما قال. فعُلم بذلك أن القرى على نوعين عند مالك. . . وهو كذلك عند بقية الأئمة الأربعة، وكذا فروع الشافعية أيضًا متضافرة على التفريق بين القرى، كما بسط في "الأوجز"، انتهى.
(١٢ - باب هل على من لا يشهد الجمعة غُسل. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): ترجم الإمام بلفظ الاستفهام للاحتمال الواقع في حديث أبي هريرة: "حق على كل مسلم أن يغتسل" فإنه شامل للجميع،
стр. 948
والتقييد في حديث ابن عمر ﵄ بمن جاء منكم يُخرج من لم يجئ، والتقييد في حديث أبي سعيد بالمحتلم يُخرج الصبيان، والتقييد في النهي عن منع النساء بالليل يُخرج الجمعة، وعُرف بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة.
وقوله في الترجمة: (قال ابن عمر ﵄: إنما الغسل. . .) إلخ، قد تقرر أن الآثار التي يوردها البخاري في التراجم تدل على اختيار ما تضمنته عنده، فهذا مصير منه أن الغسل للجمعة لا يشرع إلا لمن وجبت عليه الجمعة، انتهى.
وهذا أصل مطَّرد معروف من أصول تراجمه، وهو الأصل الأربعون، والغرض عندي أن الإمام أشار إلى مسألة خلافية، وهي: أن الغسل لليوم أو للصلاة؟ كما تقدمت الإشارة إليه في "باب فضل الغسل يوم الجمعة"، وبه جزم شيخ المشايخ في "تراجمه" (١) وقال: والأحاديث في هذه المسألة ناظرة إلى كلا الاحتمالين؛ لأن تعليق ابن عمر والحديث الأول من الباب صريحان في أن الغسل للصلاة، والأحاديث الأخر ظاهرة في أنه لليوم، وكذا قال الشافعي: إن سنية الغسل لليوم لكن ينبغي تقريبه من الصلاة، والصلاة به بلا تخلُّلِ حدثٍ عملًا بجميع الأحاديث، انتهى.
قال ابن عابدين (٢): كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول أبي يوسف.
وقال الحسن بن زياد: هو لليوم، ونسب إلى محمد، وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه.
وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء، نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف، وكذا من اغتسل قبل الفجر وصلى به نال عند أبي يوسف لا عند الحسن. . . إلى آخر ما بسط، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
стр. 949
(١٤ - باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر)
قال الحافظ (١): به قال الجمهور، ومنهم من فرَّق بين قليل المطر وكثيره، وعن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر، انتهى.
(١٥ - باب من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب؟. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني الوجوب المستفاد من تلك الآية لمن هو؟ وماذا حدّه؟ فالجار والمجرور متعلقان بالإتيان والوجوب، ثم قوله: "في قرية جامعة" دالٌّ على أن الجمعة ليست في القرى، وقوله: "وكان أنس في قصره"، معناه: أنه كان في فناء البصرة، فكان يحضر البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يقيم الجمعة حيث هو، وإنما جاز له ذلك لكونه في فناء البصرة، وأما إن لم يكن قصره في فنائها، فمعناه: أنه كان يحضر الجمعة في البصرة أحيانًا ولا يحضرها أحيانًا، بل يصلي الظهر حيث هو في قصره، وذلك لعدم وجوب الجمعة، نعم إذا حضرها أجزأته عن الظهر، انتهى. وبسط الكلام في هامشه أشد البسط، zeta/ وفيه: هذا من أشهر المسائل الخلافية، وهي وجوب الجمعة على من هو خارج المصر. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
قوله: (وقال عطاء: إذا كنت في قرية جامعة. . .) إلخ، زاد عبد الرزاق (٣) فيه: قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذة بعضها بعضًا مثل جدّة، انتهى. وهذا عين مذهب الحنفية. والعجب من المصنف ﵀ أنه حذف تلك القطعة، انتهى من "فيض الباري" (٤).
стр. 950
قوله: (أحيانًا يجمع. . .) إلخ، في تقرير المكي: أي: يأتي إلى جامع البصرة فيصلي الجمعة فيها، (وأحيانًا لا يجمع) أي: لا يأتي إلى جامع البصرة فلا يصلي الجمعة فيها، أو معناه: أحيانًا يصلي الجمعة في قصره، وأحيانًا لا يصلي الجمعة في قصره، قال: ومراد البخاري المعنى الأول دون الثاني، انتهى.
قلت: وذلك لأن تبويب البخاري بلفظ: "من أين تؤتى الجمعة" يوافق المعنى الأول دون المعنى الثاني، ثم كتب في هامش تقريره: فاعلم أن الجمعة ليست بواجبة في القرى عندنا، خلافًا للشافعي.
فإن قيل: الجمعة لا تجوز أصلًا، فكيف صلّاها أنس في قصره في الزاوية؟
قلنا: جواز الجمعة في القرى كان مذهب أنس على خلاف مذهبنا، وكذا على خلاف مذهب الشافعي، وهو وجوبها في القرى، ثم الحديث ساكت من أنه صلّى الظهر في قصره، أو صلّى الجمعة في قصره، فإن كان الأول ثبت مذهبنا، وهو عدم وجوب الجمعة، وإن كان الثاني ثبت مذهب الشافعي وهو وجوبها في القرى، انتهى.
وهذا من غاية سماحة الشيخ رعايةً لمذهب الشافعية، وإلا فظاهر أثر أنس يوافق الحنفية قطعًا كما يدل عليه تبويب البخاري "من أين تؤتى الجمعة"، وإلا فإن كان أنس يصلي الجمعة في قصره لا يصح إيراد الإمام البخاري هذا الأثر في هذا الباب، فإن معناه قطعًا أن أنسًا قد يحضر الجمعة في البصرة تحصيلًا لمزيد الأجر والمثوبة، وقد لا يحضر لعدم وجوبها في القرى، وهذا واضح وخالٍ عن الإيرادات التي أشار إليها الشيخ في كلامه، انتهى (١).
стр. 951
(١٦ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس. . .) إلخ
قال الحافظ (١): جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، انتهى.
وهذا أصلٌ معروف مطَّرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس والأربعون، والخلاف في ذلك شهير، قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوَّزاها قبل الزوال، انتهى من هامش "اللامع" (٢) مختصرًا.
(١٧ - باب إذا اشتد الحرّ يوم الجمعة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): هذا تنصيصٌ منه على أن الجمعة لا تخالف الظهر في استحباب الإبراد عند شدة الحر، وهذا هو مختار الإمام رحمه الله تعالى، انتهى.
وفي هامشه: لم يجزم الإمام البخاري بالحكم في الترجمة لاختلاف العلماء في ذلك عندي، لكن يظهر ميله في ذلك من الروايات الواردة في الباب من أنه مال إلى التفريق في البرد والحر، فعدم الجزم في الترجمة عندي من الأصل الخامس والثلاثين من أصول التراجم، وما يظهر من ميله في المسألة هو الأصل الأربعون.
ومال ابن المنيِّر إلى أن عدم الجزم في الترجمة من الأصل الثامن والستين، إذ قال الحافظ (٤) عن ابن المنير: نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة ولم يبتَّ الحكم بذلك؛ لأن قوله: "يعني الجمعة" يُحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه، ويحتمل أن يكون من نقله، فرجح عنده
стр. 952
إلحاقها بالظهر؛ لأنها إما ظهر وزيادة، أو بدل عن الظهر، وأيّد ذلك قول أمير البصرة لأنس وجوابه، انتهى.
قلت: اختلف العلماء في وقت استحباب الجمعة، ففي "الدر المختار" (١): الجمعة كظهر أصلًا واستحبابًا في الزمانين؛ لأنها خلفه، قال ابن عابدين: قوله: أصلًا، أي: من جهة أصل الوقت، وقوله: استحبابًا في الزمانين، أي: الشتاء والصيف، انتهى.
قلت: وبنحو قولهم قالت المالكية، كما قال الدردير (٢). وقال الموفق (٣): يصلِّيها (٤) في أول وقتها في الشتاء والصيف، فلو انتظر الإبراد لَشَقّ على الحاضرين. . . إلى آخر ما قال. وإلى ذلك ميل الشافعي، فقد حكى القسطلاني (٥) أنه يُندب الإبراد بالظهر في شدة الحر بقطر حار لا بالجمعة. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(١٨ - باب المشي إلى الجمعة. . .) إلخ
في تبويب المصنف عندي ثلاثة أوجه:
الأول: ما أفاده الشيخ في "اللامع" (٦) تحت قوله في الحديث: "من اغبرت قدماه": دلالته على استحباب المشي ظاهر، فإن الاغبرار لا يتصور دونه، انتهى.
وعلى هذا فيكون المراد من الترجمة والآية المشي دون الركوب.
والوجه الثاني: أن يكون المراد بالمشي ضد العَدْو.
وعلى هذا يكون قوله تعالى كالتفسير للمشي، وتوضيح المراد بالمشي، وعليه حمله ابن المنيِّر.
стр. 953
والثالث: أن تكون الترجمة مركبة من جزئين: الأول: المشي ضد الركوب، والثاني: عدم العدو، وهو المراد بقوله تعالى.
وعلى هذا يكون "وقول الله تعالى" مستأنفًا جزءًا ثانيًا للترجمة مستقلًا، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (وهو مسافر فعليه أن يشهد) قال الحافظ (١): أي: استحبابًا لما روي عنه بنفسه أن لا جمعة على مسافر وهو إجماع، انتهى.
وبسط العيني (٢) الاختلاف في ذلك، وحكى عن النخعي عدم جواز السفر بعد العشاء ليلة الجمعة.
وأما السفر قبل الزوال فجوّزه جماعة، منهم مالك، وفي "شرح المهذب": الأصح تحريمه.
وأما السفر بعد الزوال فلا يجوز عند مالك وأحمد، وجوّزه أبو حنيفة، انتهى.
(١٩ - باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): قد فسَّر التفريق بوجهين، أحدهما: تخطي الرقاب. والثاني: الجلوس بين الاثنين اللذين هما أخوان أو صديقان، وإيقاع الوحشة بينهما بهذا الفعل، انتهى. وهكذا فسَّره الشرَّاح. وزاد الحافظ (٤) وجهًا ثالثًا وهو: إخراج أحدهما والقعود مكانه، انتهى. وترجم له المصنف الباب الآتي.
قال العيني (٥): قال صاحب "التوضيح": اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا الكراهة إلا أن يكون قدَّامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره، ونقل ابن المنذر كراهته مطلقًا عن أحمد، وعن مالك كراهته إذا جلس
стр. 954
الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وعند أصحابنا الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، انتهى.
(٢٠ - باب لا يقيم الرجل أخاه. . .) إلخ
قال الحافظ (١): هذه الترجمة مقيدة بيوم الجمعة مع عموم حديث الباب لورود حديث صحيح أخرجه مسلم (٢) بلفظ: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة" الحديث، لكنه ليس على شرطه، وتقدم بيان دخول هذه الصورة في التفريق بين الاثنين كما تقدم في الباب السابق، انتهى.
(٢١ - باب الأذان يوم الجمعة)
قال الحافظ (٣): أي: متى يشرع، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "فلما كان عثمان وكثر الناس. . ." إلخ، والناس وإن كانوا كثيرين في زمن الشيخين أيضًا إلا أن بركة قرب صحبة النبي ﷺ لم تتركهم في أيام أبي بكر ولا الصولة العمرية في زمنه أن يتخلفوا عن حضور الجمعة من أنفسهم، فلم يحتج إلى الأذان الثالث، وكان عثمان ﵁ حييًّا فاجترأ الناس في أيامه على ما لم يجترؤوا عليه في أيام عمر، وأسهل ما لم يكن سهلًا في وقته، ونشأ وهن ما في أمور الدين، فزاد أذانًا ثالثًا، إلى آخر ما قال.
(٢٢ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٥): يعني: ما صار معمول الناس الآن في الحرمين وغيرهما من أن يؤذن يوم الجمعة، وفي سائر الأيام المؤذنون
стр. 955
مجتمعين رافعين أصواتهم، ما كان ذلك على عهده ﵊، بل كان يؤذن هناك مؤذن واحد، وأما ما صار معمول الناس بعدُ فمن البدعات الحسنة، وأصله مأخوذ من أمره ﷺ لعبد الله بن زيد أن يلقي على بلال، فنادى كل منهما بصوته رافعًا فاحفظ، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): استحسن العلماء تعدد المؤذنين عند الضرورة، انتهى.
وفي هامشه: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: كان النبي ﷺ إذا رقى المنبر وجلس أذّن المؤذنون وكانوا ثلاثة، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب، وممن قال به ابن حبيب (٢)، انتهى.
قلت: هذا أوجه مما قاله شيخ الإسلام في شرحه: إن الغرض دفع توهم كون الأذان الثالث في زمنه ﷺ ، بل كان من زمن عثمان، انتهى. وأنت خبير بأن هذا المعنى قد ظهر من الباب السابق نصًا، فلا وجه لتوهمه.
ومسألة تعدد المؤذنين بسطت في "الأوجز" (٣)، وحاصل ما فيه: إذا أذّن اثنان معًا فمنعه قوم، وقال الشافعية: لا يكره إلّا إن حصل منه تهوش، وقال الموفق (٤): لا يستحب الزيادة على المؤذنين إلا للحاجة، انتهى.
وفي "الهداية" (٥): إذا أذّن المؤذنون، قال في هامشه: المؤذنون بلفظ الجمع إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإن المتوارَث في أذان الجمعة اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر، وفي "السعاية" (٦) عن ابن عابدين: لا خصوصية للجمعة، إذ الفروض الخمسة تحتاج إلى الإعلام، انتهى مختصرًا.
стр. 956
(٢٣ - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني: أن النهي عن الصلاة والكلام بعد خروج الإمام وقيامه عن مقامه إنما هو للمأمومين والمستمعين لا للإمام؛ فإنه يجيب الأذان؛ لأن الكلام لم يحرم عليه، وذلك لأن خطبته خطاب مع القوم فلا يكون كلامه حرامًا أيضًا، انتهى. ويؤيد ذلك تقييد المصنف الترجمة بلفظ الإمام.
قال الحافظ في فوائد الحديث (٢): فيه أن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، انتهى من هامشه، وبسط فيه الكلام على المباحث الفقهية.
(٢٤ - باب الجلوس على المنبر عند التأذين)
قال الحافظ (٣): أشار ابن المنيِّر إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال: الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع، وهو عن بعض الكوفيين، وقال مالك والشافعي والجمهور: هو سُنَّة، انتهى.
قلت: هو مسنون عند الحنفية على الاختلاف فيما بينهم من أنه للاستراحة أو لانتظار الأذان، وعلى الثاني لا يسن في خطبة العيد، كما في كتب الفقه.
(٢٥ - باب التأذين عند الخطبة)
غرض الترجمة عندي تنبيه على أن الجمعة مستثنى مما تقدم من "باب كم بين الأذان والإقامة"، ويؤيده ما ذكره في "الفيض" (٤) في الباب السابق: كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني به: أن أذان يوم الجمعة كان على خلاف دأب سائر الأيام، ففي سائر الأيام كان يقدم شيئًا، وفي الجمعة كان متصلًا بالخطبة بدون مكث طويل بعده، انتهى مختصرًا.
стр. 957
(٢٦ - باب الخطبة على المنبر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "كان جذع يقوم عليه. . ." إلخ، إيراد الرواية في هذا الباب إشارة إلى أن المنبر سُنَّة لا واجب، فإن مقامه على الجذع وإن كان متروكًا لكن تركه لم يكن لنسخه حتى لا يجوز العمل عليه، بل الترك إنما كان لأنّ الجلوس على المنبر للوعظ وغيره أسهل، وكذا القيام عليه للخطبة أفيد، والحجة على عدم النسخ خطبته في العيدين وغيرهما قائمًا ولو إلى غير جذع، انتهى.
وكتب الشيخ في "الكوكب" (٢): أراد بذلك دفع ما عسى أن يُتوهم من كونه بدعة أو من عادة الجبابرة والمتكبرين، انتهى.
قال العيني (٣): والمصنف لم يقيده بالجمعة إشارة إلى أن سائر الخطب كذلك، انتهى.
وغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ أن المصنف أشار بهذا إلى ما قال ابن بطال (٤): إن كان الخطيب هو الخليفة فسُنَّته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يخيَّر بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض، فأراد البخاري أن هذا التفصيل غير مستحب، انتهى.
(٢٧ - باب الخطبة قائمًا)
سُنَّة عند الإمام، وواجب عند مالك، وشرطٌ عند الباقين، كذا في "الفتح" (٥).
стр. 958
(٢٨ - باب استقبال الناس الإمام إذا خطب)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): هذا إذا لم يخلّ استقبالهم إيَّاه بتسوية الصفوف بأن اعتادوها، فلا يُفتقر إلى زيادة وقت فيها، أو لم يكن بعد الخطبة صلاة، وأمّا إذا لم يعتادوا بإقامة الصفوف إلّا بتكلف ومزيد اهتمام فليس لهم استقباله، إلّا إذا لم تكن بعدها صلاة كما في العيدين، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار إلى مذهب المالكية، إذ قالوا بوجوب الاستقبال إلى الإمام بحيث يغيِّرون جِلستهم التي كانت إلى القبلة كما بسطه الدردير (٢)، وحكى الموفق (٣) إجماع الأئمة الأربعة وغيرهما على استحباب ذلك، قلت: وفي "الكبيري" (٤) بعد ما حكى استحبابه عن الإمام: لكن الرسم الآن أنهم يستقبلون القبلة للحرج في تسوية الصف. . . إلى آخر ما قال.
(٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. . .) إلخ
لم أر من تعرَّض للترجمة واضحًا إلّا ما قاله الحافظ عن ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون "من" موصولة، والمراد به النبي ﷺ كما في أحاديث الباب، ويحتمل أن تكون شرطية والجواب محذوف، أي: فقد أصاب السُّنَّة، وعلى التقديرين ينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيًا واتباعًا.
قال الحافظ: وكأن البخاري لم يجد في خطبته ﵇ يوم الجمعة حديثًا على شرطه، فاقتصر على ذكر الثناء. وبنحوه قال العيني (٥).
ويشكل عليه أن المصنف ترجم بذلك في خطبة الكسوف أيضًا وذكر خطبته كما في حديث الباب، ولم يبوِّب لذلك في العيد ولا الاستسقاء، ولا يبعد عندي في الغرض أن ظاهر لفظ: "أما بعد" ينبغي أن يكون منكرًا لما أنه يستلزم اختتام الحمد وانتهاءه، وقد ورد في الروايات من الأدعية
стр. 959
بلفظ: "لك الحمد حمدًا دائمًا مع دوامك، ولك الحمد حمدًا خالدًا مع خلودك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له. . ."، وغير ذلك من الأدعية.
وكلمة "أما بعد" يقال لها: فصل الخطاب، وأول من تكلم بها قيل: داود ﵇، وقيل: يعقوب ﵇، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: سحبان بن وائل، وقيل: قس بن ساعدة، انتهى.
(٣٠ - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: لم يصرِّح بحكم الترجمة؛ لأن مستند ذلك: الفعل، ولا عموم له، انتهى.
قال الحافظ: ولا اختصاص بذلك لهذه الترجمة، فإنه لم يصرح بحكم غيرها من أحكام الجمعة، والظاهر أنه يقول بوجوبها، انتهى. وجزم العيني (٢) بالأول.
ويحتمل عندي أن يكون الغرض الرد على ما حكى العيني عن بعض الشافعية أن المقصود الفصل سواء كان بالسكوت أو الجلوس أو الكلام.
(٣١ - باب الاستماع إلى الخطبة)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): قد أثبت بحديث الباب أن ملائكة يستمعون الخطبة، فأن يستمع الناس بالطريق الأولى؛ لأن الناس مكلَّفون بالعبادات، انتهى.
وسيأتي قريبًا "باب الإنصات يوم الجمعة"، فأشار المصنف إلى أن كليهما واجب، يستمع إن كان قريبًا، ويُنصِت إن كان بعيدًا.
стр. 960
(٣٢ - باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب)
قال الحافظ في الباب الآتي عن ابن المنيِّر (١): إن الأمر بالركعتين يتقيد برؤية الإمام الداخل في حال الخطبة بعد أن يستفسره هل صلى أم لا؟ وذلك كله خاص بالخطيب، وأما حكم الداخل فلا يتقيد بشيء من ذلك، بل يستحب له أن يصلي تحية المسجد، فأشار المصنف إلى ذلك كله بهذا الباب والباب السابق مع أن الحديث فيهما واحد، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢) في الباب الآتي: حاصل هذا الباب: أن على من جاء في هذا الوقت أن يصلي ركعتين، وحاصل الباب السابق: أن على الإمام أمره بهما، وكان شغله بالخطبة يمنعه عن الاشتغال بالأمور الأجنبية، فالفرق واضح، فلا يتوهم التكرار، انتهى.
(٣٣ - باب من جاء والإمام يخطب. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في الباب السابق، والمسألة خلافية، ففي هامش "الكوكب" (٣): اختلفوا في تحية المسجد للداخل عند الخطبة، فقال بها الشافعي وأحمد وإسحاق، ويستحب أن يتجوز فيهما، قاله النووي (٤). وقال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، انتهى. والبسط في "الأوجز" (٥).
(٣٤ - باب رفع اليدين في الخطبة)
قال الحافظ (٦): فيه إشارة إلى أن حديث عمارة الذي أخرجه مسلم في إنكار ذلك ليس على إطلاقه، لكن قيَّد مالكٌ الجواز بدعاء الاستسقاء، انتهى.
стр. 961
قال العيني (١): إشارة إلى أن المراد بالرفع في الباب المد كما في حديث الباب، لا كالرفع الذي في الصلاة، انتهى.
قلت: أو المراد عكسه أن المراد بالمد في الحديث الرفع فتكون الترجمة شارحة.
(٣٥ - باب الاستسقاء في الخطبة)
قال الحافظ: وهذا أحد صور الاستسقاء مشروع إجماعًا، انتهى.
قلت: وهو من دلائل الحنفية في أن الاستسقاء ليس له صلاة مستقلة.
(٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام على ذلك في باب الاستماع.
قال العيني (٣): الجديد الصحيح من قولَي الشافعي أنه لا يحرم الكلام ويسن الإنصات، وبه قال الثوري وداود، وفي القديم أنه يحرم، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، انتهى مختصرًا.
(٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة)
بلغت الأقوال فيها إلى خمسين كما جزم به القاري (٤)، وذكر الحافظ اثنين وأربعين، وتبعه الشيخ في "البذل" (٥). وفي "الأوجز" (٦): المشهور أحد عشر، والأشهر اثنان.
стр. 962
قال ابن القيم (١): أرجح هذه الأقوال قولان، تضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة كما في حديث أبي موسى ﵁ رواه مسلم (٢)، والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهو قول عبد الله بن سلام، وهذا أرجح القولين، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
(٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣) في قوله: "من بقي": دلالة على أن النافرين لم يعودوا، فكان ردًّا على من ذهب في تعيين أقل عدد الجماعة بأربعين رجلًا، وعندنا تنعقد الجمعة إذا نفروا بعد الشروع فيها ولو كلهم، وأما قبل الشروع فلا بدّ أن يبقى اثنان سوى الإمام، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٤): ظاهر الترجمة أن استمرار الجماعة الذي تنعقد بهم الجمعة إلى تمامها ليس بشرط في صحتها، بل يشترط أن تبقى منهم بقية ما، ولم يتعرض البخاري لعدد من تقوم بهم الجمعة؛ لأنه لم يثبت منه شيء على شرطه، وجملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولًا بُسطت في هامش "اللامع"، فعند أبي حنيفة ثلاثة مع الإمام، وعند صاحبيه الاثنان معه، وعند الشافعي أربعون بالإمام، وعند أحمد في المشهور عنه خمسون رجلًا، وعند مالك اثنا عشر غير الإمام، كما قال الدردير (٥).
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٦): قد فسر قولَه: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ جمهور المفسرين لقيامه في الخطبة، فمناسبة الحديث بالترجمة باعتبار أن خطبة الجمعة لها حكم الصلاة، فلما أتم ﵇ خطبته مع خروجهم من المسجد كان هذا حكم الصلاة أيضًا، وأما إذا فسر لقيامه في الصلاة فلا إشكال،
стр. 963
وهذا الحديث حجة على الشافعي، حيث شرط لانعقاد الجمعة حضور أربعين رجلًا، ومن ههنا شرط مالك حضور اثني عشر رجلًا، فافهم، انتهى.
(٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)
قال الحافظ (١) ما حاصله: كأنه أشار إلى أن لا فرق بين الظهر والجمعة في ذلك، وقدم البعدية لثبوتها صريحًا.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): حديث الباب ساكت عن إثبات راتبة قبل الجمعة. وقال القسطلاني: إنه يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر، انتهى. والمؤلف اكتفى على حديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا من حديث جابر أنه [قال:] دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، الحديث، انتهى.
قلت: وعلى القول الأول تكون الترجمة من الأصل الثالث والخمسين، وعلى القول الثاني تكون من السابع والعشرين.
وقال الحافظان ابن حجر والعيني (٣) في مناسبة الحديث بالباب: كأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب عن ابن عمر ﵄: أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين. وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الحادي عشر. وأنكر ابن القيم (٤) الرواتب قبل الجمعة، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على إثباتها كما بسط في "الأوجز" (٥).
стр. 964
(٤٠ - باب قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠])
قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى أن الأمر في قوله: "فانتشروا" و"ابتغوا" للإباحة لا للوجوب لاشتغالهم في حوائجهم، خلافًا للداودي وبعض الظاهرية، انتهى.
(٤١ - باب القائلة بعد الجمعة)
سكتوا عن غرض المصنف، والأوجه عندي: أنه تأييد لما في الترجمة السابقة من عدم وجوب الانتشار والابتغاء، ثم براعة الاختتام نبَّه عليها الحافظ بقوله: ثم تكون القائلة، وهو كذلك عندي، فإن النوم أخو الموت.
* * *
стр. 965
١٢ - أبواب صلاة الخوف
عقبها الجمعة؛ لأن كلًّا منهما بدل الصلاة المكتوبة إلا أنَّ التغير في الأول أخف، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وههنا ثمانية أبحاث لطيفة لا بدّ لطالب الحديث النظر فيها، بُسطت في "الأوجز" (٢)، وأشير إليها في هامش "اللامع".
(١ - [باب صلاة الخوف] وقول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: ١٠١])
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): حملت الحنفية هذه الآية على السفر، وقيدُ الخوف عندهم اتفاقي، والشافعي ﵀ حملها على الظاهر، وجرى المؤلف على ذلك، وهو الظاهر من سياق كلامه، انتهى.
قلت: يشكل عليه استدلال الشافعية على إباحة القصر دون الوجوب بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فكيف يقال: إنهم حملوها على الخوف؟ وفسَّر الآية صاحب "الجلالين" (٤) وغيره من الشافعية بالسفر، وبسطه في "التفسير الكبير" (٥)، وذكر في تفسيره ثلاثة أقوال، لكن لم ينسب قول الخوف إلى الشافعية، وكذا لم أجد التفريق في الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني". ثم الظاهر عندي أنّ المصنف اختار من صور صلاة الخوف الصورة التي ذكرت في حديث ابن عمر حديث الباب، وهذه
стр. 966
الصورة أقرب إلى قول الحنفية؛ لأنهم ذكروا هذا الحديث في مستدلاتهم، والله تعالى أعلم.
(٢ - باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني: إذا اشتد الخوف فلم يقدروا على أدائها كما شُرعت، ولا كما ذكرت في الآية، يصلون فرادى رجالًا أو ركبانًا، يومِئون بالركوع والسجود، وأما في حالة القتال فلا تتأدى بل تؤخر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول من الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلّى على أيّ جهة حصلت القدرة عليه، بدليل الآية، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنها إشارة إلى تفسير قوله عزَّ اسمه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أن المراد بقوله: رجالًا قيامًا لا ماشيًا، ورد على من أباح الصلاة ماشيًا، كما قال به أحمد، وبه قال الشافعي في المطلوب كما سيأتي، فإن لفظ الرجال يطلق على المشاة أيضًا كما في "سورة الحج": ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] الآية، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة على أن المراد في آية صلاة الخوف بالرجال: القائمون، ولذا قال: راجل: قائم، وذكر فيه أثر مجاهد: "إذا اختلطوا قيامًا"، وأيَّدّه بالمرفوع: "فليصلوا قيامًا وركبانًا"، فتأمل. ويؤيده ما قال الحافظ: وفي "تفسير الطبري" بسند صحيح عن مجاهد: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائمًا أو ركبانًا، انتهى.
لكن في هذا الغرض أنه سيأتي قريبًا "باب صلاة الطالب والمطلوب"،
стр. 967
ويمكن التفصِّي عنه بأن ما سيأتي مقيد بـ "راكبًا"، فالجواز في حالة الركوب، وههنا الرد على كونه ماشيًا.
(٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا)
قال الحافظان ابن حجر والعيني (١): قال ابن بطال: محلُّ هذه الصورة إذا كان العدوُّ في جهة القبلة ولا يفترقون، والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر. وقال الطحاوي: ليس هذه بخلاف القرآن، لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه ﷺ ، ثم بَيَّنَ كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): لم أتحصل هذه الترجمة، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دون صفة، ولقائل أن يقول: إنه ترجم به لذكر الحراسة في متن الحديث، فهذه الترجمة نظرًا إلى لفظ الحديث لا إشارة إلى مسألة، أو دفعًا لمغلطة، ثم إن الصورة المذكورة أنفع فيما لو كان العدو إلى القبلة، انتهى.
وسكت عن غرض الترجمة صاحب التيسير وشيخ الإسلام وغيرهما. وما ظهر لهذا العبد الفقير: أن الإمام البخاري لم يرد بالترجمة صورةً خاصةً، بل نَبَّهَ بالترجمة على أمرٍ مهمٍّ في صلاة الخوف مستدلًّا عليه بلفظ الحديث: "يحرس بعضهم بعضًا"، وهو أنّ ما ورد في الروايات الكثيرة من الإقبال إلى الصلاة والنظر فيها إلى مواضع خاصة، وأن الالتفات فيها اختلاس من الشيطان، وأنّ الله تعالى لا يزال مقبلًا ما لم يلتفت، وغير ذلك، فصلاة الخوف مستثناة من هذه الأمور، فإن الغرض من شرعيتها أن