إني سمعتُ رسول الله- ﵇ يَقُولُ: " لا تُصلوا (١) في يَوْم مَرتين " (٢) .
ش- أبو كامل: فُضيل بن حُسَيْن الجحدري، ويَزيدُ: ابن زريع أبو معاوية البصري، وحُسَيْن: ابن ذكوان المعلّم البصري، وسليمان مولى ميمونة هو سليمان بن يَسار، أخو عطاء بن يَسار مولى ميمونة زوج النبي- ﵇.
قوله: " على البَلاط " البَلاط- بفتح الباء الموحدة -: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، ثم سمّي المكان بلاطا اتساعا، وهو موضع مَعْروف بالمدينة.
قوله: " قلتُ: ألا تصلي؟ " الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: " قد صليت، قد صليتُ " بالتكرار للتأكيد.
قوله: " لا تصلوا في يَوْم مَرتين " محمول على صلاة الاختيار دون ما لها سببٌ، كالرجل يدرك جماعةً فيُصلي معهم في غير العصر والصبح، وقد كان صلى ليدرك فضيلة الجماعة جمعا بين الأحاديث؟ كذا قاله الخطابيّ.
قلت: هذا محمولٌ على أن يصلي الفَرْض مَرتين بنية الفَرْض في كل منهما، آوْ هو مَحمول على صلاة العَصْر والصّبح، لأن تكرارهما مَنْهي، لورود النهي بعد صلاة العصر والصبح، ويكون سؤال سليمان عن ابن عمر، وجوابه إياه عنْد صلاة العصر أو الصُبْح. والحديث: أخرجه " النسائي- أيضاً
стр. 1122
٥٣- بَابُ: جِمَاع الإمامة وفَضْلِها
أي: هذا باب في بيان جماع الإمامة وفضلها، وفي بعض النسخ: "باب في جماع الإمامة من فضل الإمامة "، وفي بعضها: " أبواب الإمامة " والأول أصح، والجماع- بكسر الجيم وتخفيف الميم- ما يَجْمعُ عددا، وفي الحديث: " حدثني بكلمة تكون جماعاً " أي: كلمة تجمع كلمات، وقال الجوهري: وجماِع الشيء: جمعُه، تقول: جماع الخباء: الأخبية، لأن الجماعَ ما جمعَ عَددا، والمعنى هاهنا: ما يَجْمع أبوابَ الإمامة وأنْواعها.
٥٦٢- ص- نا سليمان بن داود المهْري: نا ابن وهب: أخبرني يحيي بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حَرْملة، عن أبي علي الهمْداني قال: سمعت عقبة بن عامر يقولُ: سمعتُ رسول الله- ﷺ يقول: " مَنْ أمّ الناسَ فأصابَ الوقْتَ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم " (١) .
ش- سليمان بن داود: أبو الربيع المصري، وعبد الله: ابن وهب، ويحمى بن أيوب: الغافقي المصري.
وعبد الرحمن بن حَرْملة: ابن عمرو الأسلمي أبو حرملة المدني. سمع: ابن المسيب، وأبا علي الهمداني، وعبد الله بن دينار. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، ويحيى القطان، ويحيى بن أْيوب المصري، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن معين: / صالح. قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) .
وأبو علي: اسمُه: ثمامة بن شُفي الهمداني، أبو علي، من
стр. 1123
الأحروج بطن من هَمْدان، ويقال: الأصبحي المصْري، وقيل: إنه من أهل الإسكندريّة، وقال أبو أحمد: في المصرين، سكن الإسكندرية. سمع: عقبة بن عامر، وفضالة بن عُبيد، وقبيصة بن ذؤيب. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وابنه: عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن حرملة، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (١) .
قوله: " فله ولكم " يعني: له ثوابُ إصابته، ولكم ثواب الطاعة والسَّمعْ.
قوله: " ومن انتقصَ من ذلك شيئاً " يَعْني: فرضا من فروض الصلاة. قوله: " فعليه ولا عليهم " يعني: على الإمام إثم ما ضيع وما نقص، ولا على القَوْم شيءٌ، هذا إذا لم يَعْلم القومُ أن الإمامَ ضيّعَ فرضاً من الفروض، أما إذا علموا يفسد صلاة مَنْ يعلَمُ وعليه أن يُعيدها، إذا علم حال الإمام من الأول لا يجوز اتباعه إلا أن يخاف منه، فيصلي معه بَعْد أن يُصلي في بَيْته أو يُصلي ثم يُعيدُ. وروى الحاكم على شرط مُسلم، عن سهل بن سَعْد: " الإمام ضامن، فإن أحسنَ فله ولهم، وإن أساء فعليه لا عليهم ". وروى- أيضاً- على شرط البخاري، عن عقبة بن عامر: " من أمَ الناسَ فأتم "، وفي نسخة: " فأصابَ " فالصلاة لهُ ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم "، وهذا مثل رواية أبي داود. وأعقه الطحاوي بانقطاع ما بَين عبد الرحمن بن حرملة وأبي عليّ الهمداني الراوي عن عقبة. وفي " مسند عبد الله بن وهب ": أخبرني يحيى بن أيوب، عن العلاء بن كثير، عن داود بن أيوب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبرة، عن أبي شريح العذري: " الإمام جنة، فإن أتم فلكم وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم التمام". وروى البخاريّ من حديث الفضل بن سهل بإسناده إلى أبي هريرة، عن النبي
(١) المصدر السابق (٤ / ٨٥٣) .
стр. 1124
- ﵇ قال: " يُصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم ".
* * *
٥٤- بَابُ: كراهية التَّدافُع على الإمامة
أي: هذا باب في بيان كراهة التدافع على الإمامة، والتدافع: أرْ يدفع بعضهم إلى بعضٍ. وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في كراهية التدافع ".
٥٦٣- ص- نا هارون بن العباد الأزدي: نا مَرْوان قال: أخبرتني طلحة أم غراب، عن عقيلة أمرأة من بني فزارة مولاة لهم، عن سلامة بنْت الحر أخْت خَرَشَة بن الحرّ الفزاري قالت: سمعتُ رسول الله- ﷺ يقول: " إن من أشراط الساعة: أن يتدافَع أهل المسجد لا يجدون إماماً يُصلِّي بهم " (١) . ش- مروان: ابن معاوية الفزاري الكوفي.
وطلحة أم غراب. روت عن: عقيلة. روى عنها: وكيع بن الجراح، وهارون بن عباد. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (٢) .
وعقيلة امرأة من بني فزارة. روت عن: سلامة بنت الحر (٣) . وقال أبو داود: عقيلة جدّة علي بن غراب. وروى عنها: طلحة أم غراب. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (٤) .
وسلامة بنْت الحرّ: الأسدية أخت خرشة بن الحرّ. روت عن: النبي
﵇ أحاديث، روى حديثها: وكيع عن أم غراب، وروى لها: أبو داود، وابن ماجه (٥) .
стр. 1125
قوله: " إن من أشراط الساعة " الأشراط: جَمع شرَط- بفتح الراء-
وهو العلامة، والأشراط: العلامات، ومنه سفيت شُرَط السلطان،
لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعْرفُون بها، كذا قال أبو عبيد. وحكى
الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير وقال: أشراط الساعة:
ما ينكره الناسُ من صغار أمُورها قبل أن تقوم الساعة، وشُرَطُ السلطان:
نُخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جُنْده. وقال "ابن الأعرابي:
هم الشُرَط- بالفتح- والنسبة إليهم: شُرَطي، والشُرطة والنسبةُ إليهم:
شُرطي. و " لساعة ": القيامة، وا لساعة: الوقت الحاضر، والجمع: [١/ ١٩٩ - أ] الساع والساعات، وأصلَ ساعة: سَوَعَة؟ قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والدليلُ علي إذا صغرتها تقول: " سُوَيْعة ".
قوله: " أن يتدافع " من باب التفاعل وهي للمشاركة نحو: تقاسم
القومُ، والمعْنى: كل واحد منهم يدفع الإمامة إلى الآخر، ولا يَرْضى
أحد أن يتقدم إما لجهلهم بأحوال الإمامة، وإما لاختلافهم وعدم اتفاقِهم
على إمامة واحدٍ، وإما لعدم مَنْ يَؤُم حسْبة لله تعالى، أو غير ذلك من الوجوه. َ والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً.
٥٥- بَابُ: مَن أحق بالإمامة
أي: هذا باب في بيان من أحق بالإمامة، وفي بعض النسخ: " باب
ما جاء فيمن أحق بالإمامة
٥٦٤- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة: أخبرني إسماعيل بن
رجاء قال: سمعت أوْس بن ضَمْعجٍ يُحدث عن أي مَسْعود البدري قال:
قال رسول الله ﷺ :" يؤمُّ القومَ أقرؤهُم لكتاب الله وأقدمُهُم قراءةً، فإن
كانوا في القراءة سواءً فليؤمهم أقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهِجرة سواءً
فليؤمَّهم أكبرهم سنا، ولا يُؤَمُّ الرجلُ في بَيْته ولا في سُلطانه، ولا يُجلسُ
على تكْرمته إلا بإذنه " (١) .
стр. 1126
ش- إسماعيل بن رجاء: ابن ربيعة الزبيدي أبو إسحاق الكوفي. سمع: أباه، والمْعْرور بن سُوَيد، وأوس بن ضمعج، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، وإدريس، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . وأوْس بن ضمعج- بفتح الضاد المعجمة، وإسكان الميم، وفتح العين- الحضرمي الكوفي. روى عن، سلمان الفارسي، وأبي مسعود البدري، وعائشة. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن رجاء الزبيدي، وابنه: عمران بن أوس، والسُدي. َ مات سنة أربع وسبعن في ولاية بشر بن مروان. روى له: الجماعة إلا البخاري (٢) .
وأبو مسعود: عُقْبة بن عَمرو؟ وقد ذكرناه.
قوله: " أقرؤهم لكتاب الله، أي: أعلمهم بعلم القراءة، يقف في مواضع الوقف، ويصل في مَوْضع الوصل، ونحو ذلك من التشديد والتخفيف، وغير ذلك من وجوه القراءة، وبه تمسك أبو يوسف: إن الأقرب مقدم على الأفْقه، وبه قال أحمد وإسحاق. وهو وجه عند الشافعية، وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: الأفقه مقدم على الأقرب، لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة احمر لا يَقْدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه؟ قالوا: ولهذا قدم النبي- ﵇ أبا بكر في الصلاة على الباقين (٣) ، مع أنه- ﵇ نصر على أن غيره أقراص منه، قاله النووَي. كذا قلتُ: ولأن أبا بكر ممن كان قد جمع القرآن في حياته
الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (٢٣٥) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: من أحق بالعمامة، وباب: اجتماع القوم وفيهم الوالي (٢ /٧٧) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: من أحق
بالإمامة (٩٨٠) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣ / ٤٤٣) .
(٢) المصدر السابق (٣ / ٥٧٩) . (٣) في الأصل: " الباقيين ".
стр. 1127
- ﵇. ذكر ذلك أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب
لا فضائل الخلفاء "، وكذا ذكره أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ،
فقد اجتمع فيه جميع ما قاله رسول الله في هذا الحديث. وفي حديث
مسلم- أيضاً الذي أخرجه عن (١) أبي مسعود البدري ولفظه: " يؤمُ
القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم
بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُنَة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة
سواء فأقدمهم سنا". وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه- أيضاً
وكذا أبو داود في رواية لما نذكره إن شاء الله تعالى. وأجاب أبو حنيفة
ومن معه عن الحديث: أن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. لكن
يُشكل على هذا قوله: د " فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة لما فإن
هذا دليل على تقديم الأقرإ مطلقاً. وقد نسب الشيخ محيي الدين مذهب
أبي يوسف إلى أبي حنيفة في " شرح مسلم " وليس كذلك، بل مذهب
أبي حنيفة هاهنا: أن الأفقه مقدم- كما ذكرنا- كما هو مذهب الشافعي.
قوله: " فإن كانوا في القراءة سواءً " أي: مُتساويين؛ تقول: هما في
هذا الأمر سواءٌ، وإن شئت: سواءان، وهم سَواءٌ للجمع، وهم
أسْواء، وهم سَوَاسيةٌ، أي: أشباه، مثل ثمانية على غير قياس.
قوله: " أقدمهم هجرةً " الهجرة في الأصل: الاسم من الهجر ضد
الوصل، وقد هجره هجرا وهجراناً، ثم غلب على الخروج من أرض [١/١٩٩-ب] ، إلى أرض، وترك الأولى للثانية / تقول منه: هاجر مهاجرة. وقال الخطابيّ: الهجرة قد انقطعت اليوم إلا أن فضيلتها موروثة، فمن كان من
أولاد المهاجرين أو كان في آبائه وأسلافه من له قدم أو سابقة في الإسلام أو
كان آباؤه أقدم إسلاماً، فهو مقدم على من لا يعدّ لآبائه سابقة أو كانوا
قريبي العهد بالإسلام، فإذا كانوا متساويين في هذه الخلال الثلاث فأكبرهم
سنا مقدم على من هو أصغر سنا لفضِيلة السن ولأنه إذا تقدم أصحابَه في
(١) في الأصل: "من".
стр. 1128
السن فقد تقدّمهم في الإسلام، فصار بمنزلة من تقدمت هجرته. وقال أصحابنا: لما لم تبق الهجرة لقوله- ﵇:" لا هجرة بعد الفتح " أقيم الورع مقامها، لقوله ﵇: " المهاجرُ مَنْ هجر ما نهى الله عنه ".
قوله: " فليؤمهم كبرهم سنا " يعني، بعد التساوي في الهجرة يقدّم الأسن، ولكن كان هذا قبل انقطاع الهجرة، وأما في هذا الزمان فالأورع يُقام مقام الهجرة- لما ذكرنا- فإذا تساووا في الورع يُقدّم أكبرهم سنا، فإن تساووا فيه فأصبحهم وَجْهاً، ثم أشرفهم نسباً، ثم يُقْرع أو الخيار إلى القوم. وقوله: " سنا " و" هجرةً " و" قراءةً " منصوبات على التمييز. قوله:" ولا يُؤم الرجل في بَيْته " على صيغة المجهول، و" الرجل " مرفوع لإسناد الفعل إليه، والمعنى: صاحب البيت أوْلى من غيره- إذا كان من القراءة والعلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة.
قوله: " ولا في سُلطانه " هذا في الجمعات والأعياد لتعلّقهما بالسلاطين، وأما الصلوات المكتوبات فأعلمهم أوْلى بالإمامة، فإن جمع السلطانُ الفضائل كلها فهو أولاهم، وقد يتأول على معنى ما يتسلط عليه الرجل من ملكه في بَيْته أو يكون إمامَ مَسْجده.
قوله: " ولا يُجلسُ على تكرمته " على صيغة المجهول- أيضاً- وفي رواية مسلم: "ولا يقعد في بَيْته على تكرمته إلا بإذنه "، وفي رواية أخرى: "ولا تجلس على تكرمته في بيْته إلا أن يأذن لك ".
ص- قال شعبة: فقلتُ لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشُه.
ش- أي: قال شعبة بن الحجاج: قلت لإسماعيل بن رَجَاء المذكور: ما تكرمته؟ أي: ما تكرمة الرجل؟ وهي بفتح الراء وكسر الراء، وهي الفراش ونحوه مما يُبْسطُ لصاحب البيْت (١) ويختص به. وقال ابن الأثير:
стр. 1129
التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراشِ وسرِيرِ مما يُعدّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكرامة.
قلت: ذكره في باب الكاف، لأن التاء فيه زائدة.
ص- قال (١) أبو داود: كذا قال يحيى القطان، عن شعبة: " أقدمهم قراءةَ ".
ش- أي: كما روى أبو الوليد الطيالسي، عن شعبة في روايته المذكورة: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة " كذلك قال يحيى القطان، عن شعبة:" أقدمهم قراءةَ ".
٥٦٥- ص- نا ابن معاذ: نا أبي، عن شعبة بهذا الحديث قال فيه: " ولا يؤم الرجلُ الرجلَ (٢) " (٣) .
ش- ابن معاذ: هو عُبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري البصري.
قوله: "بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور، وقال فيه: " ولا يَؤم الرجلُ الرجلَ في بَيْته " الرجل الأول مرفوع بالفاعلية، والثاني منصوب على المفعولية.
٥٦٦- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الله بن نُمير، عن الأعمشِ، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج الحَضْرمي قال: سمعت أبا مسعود، عن النبي- ﵇ بهذا الحديث قال: " فإن كانوا في القراءة سواءَ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةَ "، ولم يَقُل: " فأقدمهم قراءةَ (٤) " (٥) .
стр. 1130
ش- الحسن بن عليّ: الخلال الحلواني، وعبد الله بن نُمير:
أبو هشام الخارفي (١) الكوفي.
وهذه الرواية مثل رواية مسلم، وكذا رواه ابن حبان في " صحيحه "،
والحاكم في " مُسْتدركه" إلا أن الحاكم قال عوض قوله: " فأعلمهم بالسنة": " فأفقههم (٢) فقهاً، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا ".
وفي بعض رواية مسلم: " فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْماً "
مكان: " سنا ". وقال ابن أبي حاتم في " العلل ": اختلفوا في متنه،
فرواه فِطْر، والأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج،
عن أبي مسعود. ورواه شُعْبة / والمسعودي، عن إسماعيل فلم يقولا: [١/٢٠٠-أ] "أعلمهم بالسنة " قال أبي: وكان شعبة يهاب هذا الحديث يقول: حكم
من الأحكام لم يشارك إسماعيل فيه أحد؟ ! فقلت لأبي: أليس قد رواه
السديّ عن أوْس؟ فقال: إنما هو من رواية الحسن بن يزيد الأصم، عن السديّ، وهو شيخ، أين كان الثوري وشعبة عن هذا الحديث؟ وأخاف
أن لا يكون محفوظاً. وقد قال بعضهم: لو أطاع الناسُ أبا حاتم في هذا
التعنت الزائد لبطلت السنَنُ.
٥٦٧- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا أيوب، عن عَمرو بن
سلمة قال: كنا بحاضر يمر بنا الناسُ (٣) إذا أتوا النبي- ﵇
فكَانوا إذا رجعوا مروا بنًا فأخبرونا أن رسولَ الله ﷺ قال كذا وقال (٤) كذا،
وكنتُ غلاما حافظا فحفظت من ذلك قرآنا كثيراً، فانطلق أبي وافدا إلى
стр. 1131
رسول الله صلى الله غليه وسلم في نفر من قومه، فعلمهم الصلاةَ وقال (١) : " يَؤمكُم أقرؤكم" فكنتُ (٢) أقَرأهم لما كنتُ أحفَظ فقدموني، فكنتُ أؤُمهُم وعلي بُرْدة لي صفراء صغيرةٌ (٣) فَكنتُ إذا سجدتُ انكشفَتْ (٤) عني. فقالت امرأة من النساء: وارُوا عنا عورة قارِئكمَ، فاشْترَوْا لي قميصاً عُمَانيا، فما فرحتُ بشيء بعد الإسلام ما فرحتُ (٥) به، فكنتُ أؤمُهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين (٦) .
ش- حماد: ابن سلمة، وأيوب: السختياني.
وعَمْرو بن سلمة- بكسر اللام- بن نُفَيع، وقيل: سلمة بن قَيْس، وقيل: عمرو بن سلمة بن لائم (٧) ، يكنى أبا بريدة (٨) - بالباء الموحدة، وبالراء- الجَرْمي، روى قصته في صلاته بقومه على عهد النبي ﵇، وهو مَعدودٌ فيمنْ نزل البَصْرة ولم يَلْق النبي- ﵇ ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه: سلِمة على النبي- ﵇ وأسْلم، وقد رُوِيَ من وجه غريب أن عَمْراً- أيضاً- قدم على النبي- ﵇. روى عنه: أبو قلاَبة عبد الله بن زيد الجرمي، وأيوب السختياني، وعاصم الأحول، وغيرهم. روى له: أبو داود، وا لنسائي (٩) .
قوله: " كنا بحاضر" الحاضرُ: القومُ النزولُ على ماء يُقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقال للَمناهل: المَحاضِر للاجتماع والحضور عليها.
стр. 1132
قال الخطابي (١) : ربما جَعلوا الحاضر اسماً للمكان المَحْضور، يقال: نزلنا حاضِرَ بني فلان، فهو فاعل بمعنى مفعول.
قوله: " وكنتُ غلاماً " الغلام الذي لم يَحْتلم.
وقوله: " حافظاً " أي: ذا قوةِ حافظةِ.
قوله: " فحفَظتُ من ذلك " أي: منْ قرآنهم الذي حفظوه من النبي
﵇.
قوله: " وافداَ " نصب على الحال من قوله: " أبي"وهو فاعل من وفد يفد إذا قصد أميراً أو كبيراً للزيارة أو الاسترفاد أو غير ذلك، وقد ذكر غير مرة.
قوله: " في نفر " النفر- بالتحريك- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنَّفيرُ مثله.
قوله: " لما كنتُ أحفظ " أي: لأجل الذي كنتُ أحْفظ ما أسمع منهم من القراءة التي كانوا يحفظونه من النبي- ﵇ أو لكوني أحْفظُ منهم، فتكون " ما " مَصْدريةَ.
قوله:" فقدموني" أي للإمامة.
قوله:" وعلي بردة لي صفراءُ" جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في " أؤمهم "، والبُردة- بضم الباء- الحملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صِفر تلبَسُه الأعرابُ، وجمعها: بُرَد، وقوله "صفراء" صفتها، وكذا قوله: " صغيرة ".
قوله: " واروا " أي: استروا، من الموارة
قوله: " عمانيا "- بضم العن المهملة وتخفيف الميم- مَنْسوب إلى عمان بلدة كبيرة من بلاد اليمن، وقيل: صُقْع عند البَحْرين، وقيل: كُورة.
стр. 1133
قوله: " وأنا ابن سبع سنين " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي
في " أؤمهم".
واستدل الشافعي بهذا الحديث في جوار إمامة الصبي للبالغين في جميع
الصلوات، وله في الجمعة قولان. وقال أبو حنيفة: المكتوبة لا يصح (١)
خلفه. وهو قول أحمد، وإسحاق، وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة وأحمد. وقال داود: لا يصح فيهما، وحكاه ابن أبي شيبة، عن الشَعْبي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وجوزها مالك في
[١/٢٠٠-ب] النافلة دون الفريضة. وقال الزهري: إذا / اضْطروا إليه أمهم. وقال صاحب " الهداية": وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجور اقتداء المفترض به.
وفي التراويح والسنن المطلقة جوزه مشايخ بلخ، ولم يجوزه مشايخنا،
أي: علماء بخارى وسمرقند. والسنن المطلقة كالسنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها وصلاة العيد في إحدى الروايتين والوتر على قولهما
وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء.
والجواب عن الحديث: أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ في
ابتداء الإسلام، حين لم تكن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام. وقال
ابن حزم: لو علمنا أن النبي- ﵇ عرف بإمامته وأقره لقلنا به.
وقال الخطابي (٢) : إن الإمام أحمد كان يضعف حديث عمرو بن
سلمة. وقال مرةَ: دَعه ليس بشيء بينِ.
وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلِمة، قال: لا أدري
ما هذا، ولعله لم يتحقق بلوغ أمره النبي- ﵇ وقد خالفه
أفعال الصحابة، قال: وفيه قال عمرو: وكنت إذا سجدتُ خرجت استي
قال: وهذا غير سائغ. وذكر الأثرم بسند له عن ابن مسعود أنه قال: لا
يؤلم الغلام حتى تجب علي الحدود. وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى
يَحتلم
стр. 1134
٥٦٨- ص- نا النفيلي: نا زهير، نا عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة في هذا الخبر (١) قال: فكنتُ أؤمهم في بُرْدة مُوصلة فيها فتق، قال: فكَنتُ إذا سجدتُ خرجت اسْتي (٢) .
ش- النفيلي: عبد الله بن محمد بن نفيل، وزهير: ابن معاوية بن حُديج، وعاصم: ابن سليمان الأحول.
قوله: "في هذا الخبر " أي: الخبر المذكور.
قوله: " مُوصّلة " وهي العتيقة التي وُصِل بعضها ببَعضِ.
قوله: "خرجت اسْتي" الاسْت: العجُز، وقد يراد به حلقة الدُبر، وأصلها: سَتَهْ على فعل بالتحريك، يدل على ذلك أن جمْعه: أسْتاه، مثل جَمل وأجْمال.
٥٦٩- ص- نا قتيبة: نا وكيع، عن مسْعر بن حبيب الجَرْمي: حدثني عمرو بن سلمة، عن أبيه أنهم وفدوا إلى النبي- ﵇ فلما أرادوا أن ينصرفوا قَالوا: يا رسول الله، مَنْ يَؤُمنا؟ فقال: " أكثرُكُم جمْعا للقرآن، أو أخذاً للقرآن ". قال: فلم يكن أحد من القوم جَمَع ما جمَعْتُ، قالَ: فقدمُوني وأنا غلام وعلي شَملة لي، فما شهدتُ مجمعاً من جَرْمٍ إلا كنتُ إمامَهم، وكنتُ أصلي على جنائزهم إلى يَوْمي هذا (٣) .
ش- مسعر بن حبيب: أبو الحارث الجرمي البصري. سمع: عمرو ابن سلمة. روى عنه: يحيي بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد، وعبد الصمد. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (٤) .
قوله:" مَنْ يؤمنا؟ " "من" للاستفهام هاهنا.
стр. 1135
قوله: " من جَرْم "- بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم- هو جَرْم ابن ربان من قضاعة، وربان: بفتح الراء، وتشديد الباء الموحدة، وبعد الألف نون. وفي بَجيلة: جَرْم، وفي عاملة: جَرْم- أيضاً-، وفي طيء: جرمٌ - أيضاً.
قوله: " على جنائزهم " جمع جنازة، الجنَازة بالكسْر والفتح: الميّت بسريره، وقيل: بالكسْر: السر ير، وبالفتح: الميّت.
صِ- قال أبو داود: رواه يزيد بن هارون، عن مسْعر بن حبيب الجرْمي، عن عمرو بن سلِمة قال: لما وفد قومي إلى النبي- ﵇ لم يَقُل: عن أبيه.
ش- أي: روى هذا الحديث يزيد بن هارون السلمي أبو خالد الواسطي، ولم يَقُل في روايته: عن أبيه.
٥٧٠- ص- نا القعنبي: نا أنس- يعني: ابن عياض ح، ونا الهيثم بن خالد الجهني- المَعْنى- نا ابن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العُصْبةَ قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا. زادَ الهيثم: وفيهم: عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد (١) .
ش- أنس بن عياض: ابن ضمرة المدني.
والهيثم بن خالد: أبو الحسن الجهني. روى عن: حسين بن عليّ الجُعْفي، ووكيع بن الجراح. روى عنه: أبو داود (٢) .
وابن نمير: هو عبد الله بن نمير الخارفي (٣) الكوفي، وعبيد الله: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع: مولى ابن عمر.
[١/٢٠١-أ] قوله: " نزلوا العَصْبة " العَصْبة- بفتح العين المهملة، / وسكون
стр. 1136
الصاد، وفتح الباء الموحدة- وهو موضع بقُباء. وروي: " المُعصب " - بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الصاد المهملة، بعدها باء مُوَحدة- ويقال: العُصْبة بضم العن وسكون الصاد. وقال ابن الأثير: وضبطه بعضهم بفتح العَيْن والصاد.
قوله: " قبل مقدم رسول الله " المقدم- بفتح الدال- مصدر ميمي بمعنى
القدوم.
قوله: " سالم مولى أبي حذيفة " وكنية سالم: أبو عبد الله، كان من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وكبارهم، كان من أهل فارس من إصطخر، وقيل: إنه من العجم من سَبْي كرمان، وكان يعد في قريش لتبني أبي حذيفة له، ويعد في العجم لأصله، ويُعد في المهاجرين لهجرته ويُعد للأنصار (١) لأن مُعتِقته أنصارية، ويُعد في القراء، وقيل: عُد في المهاجرين لِتَبني أبي حذيفة له، قتل يوم اليمامة شهيداً هو وأبو حذيفة، فوجد رأس سالم عند رجل أبي حذيفة ورأس أبي حذيفة عند رجل (٢) سالم.
٥٧١- ص- نا مُسدد: نا إسماعيل ح، ونا مسدد: نا مسلمة بن محمد
- المعنى واحد- عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن حُويرث أن النبي ﵇ قال له أو لصاحب له: " إذا حَضَرت الصلاةُ فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما (٣) " (٤) .
стр. 1137
ش- إسماعيل: ابن عُلية.
ومسلمة بن محمد: الثقفي البصري. روى عن: داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، روى عنه: مُسدد. قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بمشهور يكتب حديثه. روى له: أبو داود، والنسائي (١) .
وخالد: ابن مهران الحذاء. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي البصري.
ومالك بن حُويرث: ابن حُشَيْش (٢) بن عوف بن جندع أبو سُليمان الليثي، قدم على النبي- ﵇ وأقام عنده أياماً، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله، رُوِي له عن رسول الله خمسة عشر حديثاً، اتفقا على حديثين وللبخاري حديث واحد. روى عنه: أبو قلابة، ونصر بن عاصم، نزل البصرة، روى له: الجماعة (٣) .
والحديث أخرجه الأئمة الستة، ولفظ البخاري في "باب من قال: ليؤذن
في السفر مؤذن واحد ": حدَثنا مُعلى بن أسد: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث قال: أتيتُ النبي- ﵇ في نفرٍ من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيما رقيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: " ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلُوا، فإذا حَضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". ولفظ خالد، عن أبي قلابة في " باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعه ": أتى رجلاًن النبي- ﵇ يُريدان السفر فقال: " إذا أنتما خرَجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما"، وفي باب اثنان فما فوقهما جماعة": " إذا حضرت الصلاة فأذنا "، وفي "باب
стр. 1138
إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم": قدمْنا على النبي- ﵇
ونحنُ شبَبَة متقاربُون، وفيه: " لو رجعتَم إلى بلادكم فعلمتموهم،
فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا "،ْ وفي
"إجازة خبر الواحد ": فلما ظن أنا قد اشتَقْنا أهلنا، سألنا عمن تركنا
بعدنا فأخبرناه فقال:" ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومُرُوهم " وذكر أشياء أحفظها و" صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفي
" باب رحمة النساء والبهائم " نحوه.
قوله: "فأذنا ثم أقيما " عام للمسافر وغيره. وقال قاضي خان: رجل
صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يكره، قال: الكراهة مقصورة
على المسافر، ومن صلى في بيْته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم، لتكون على
هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهر بالقراءة في حقه أفضل.
قوله: " ليؤمكما أكبركما " قال القرطبي: يدل على تساويهما في
شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن.
قلت: لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا
جميعاً وأسلموا جميعاً وصحبوا رسول الله- ﵇ ولازموه
عشرين ليلةَ، فاستووا في الأخذ عنه، فلم يبق ما يقدم به إلا السن.
وفيه حجة لأصحابنا في تفضيل الإمامة على الأذان، لأنه- ﵇
قال: " ليؤمكما أكبركما " خص الإمامة بالأكبر، وفيه دليل أن الجماعة
تصح بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين / وفيه الحض على المحافظة [١/٢٠١-ب] على الأذان في الحضر والسفر، وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان على
المسافرين
ص- وقال في حديث مسلمة: قال: وكنا يومئذ متقاربتين في العِلم.
ش- أي: مسلمة بن محمد.
قوله:" قال: وكنا يومئذ " أي: قال مالك بن الحويرث: وكنا يوم قال
لنا النبي- ﵇ قوله ذلك متقاربَيْن- بفتح الباء الموحدة- أي:
стр. 1139
مُتساوِيَيْن في العلْم، وفي رواية ابن حزْم: " مُتقارنَيْن " بالنون في الموضعين من المقارنة، تقول: فلان قرين فلان إذا كان قريبَه في السِن، وكذا إذا كان في العلم.
ص- وقال في حديث إسماعيِل: قال خالد: قلت لأبي قلابة: فأينَ القراءةُ (١) ؟ قال: إنهما كانا مُتقارِبيْن.
ش- أي: في حديث إسماعيل بن عُلية: قال خالد بن مهران الحذاء: قلت لأبي قلابة عبد الله بن زيد: فأين القراءة؟ قال: إنهما- أي: مالك بن الحويرث وصاحب له، وفي رواية ابن أبي شيبة: وابن عم له- كانا متقاربَيْن أي: في القراءة، ولما كانا متقاربَين في العلم والقراءة لم يبق إلا أن يؤمهما أكبرهما سنا- كما ذكرنا-.
٥٧٢- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا حُسين بن عيسى الحنفي: نا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم (٢) " (٣) .
ش- الحسين بن عيسى الحنفي: أخو سُلَيم القارئ الكوفي. روى عن: الحكم بن أبان، ومعمر بن راشد. روى عنه: عثمان بن أبي شيبة، وإسماعيل بن موسى السُّدِّي، وأبو سعيد الأشج وغيرهم، سئل عنه أبو حاتم (٤) فقال: ليس بالقوي، روى عن الحكم أحاديث منكرة. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٥) والحكم بن أبان: العدني أبو عيسى. سمع: عكرمة، وطاوساً، وعبد الرحمن بن زامرد العدني. روى عنه: معمر، وابن عيينة، وابن جريج، وابنُ علية، والحُسين بن عيسى الحنفي، وغيْرهم. قال ابن
стр. 1140
معين: ثقة. مات سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنةً. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله:" خِيارُكم " أي: خيْرُكم.
قوله: " وليؤمكم أقرؤكم " أي: أعلمكم بعلم القرآن- كما ذكرنا. وذكر الدارقطني أن الحسن بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان.
* * *
٥٦- بَابُ: إمامة النِّساءِ
أي: هذا باب في بيان إمامة النساء، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في إمامة النساء "، والنساءُ جمع " امرأة " من غير لفظه، وكذلك النُّسوة- بكسر النون وضمها- والنسوان، كما يقال: خلِفة ومخاض وذاك وأولئك.
٥٧٣- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع بن الجراح: نا الوليد بن عبد الله بن جُميع قال: حدَّثتني جَدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنْت نوفل أن النبي- ﵇ لما غزا بدراَ قالت: قلتُ له: يا رسولَ الله، ائذنْ لي في الغَزْوِ معك أمر ض مَرْضاكم، لعل الله يَرْزقني (٢) شهادةَ، قال: " قري في بيتك، فإن الله يرزقك الشهادة " قال: فكانت تُسمى الشَهيدةَ، قالَ: وكانت قد قرأت القرآنً فاستأذنت النبي ﵇ أن تتخذ في دارها مُؤذناً فأذنَ لها، وكانت قد دبرت غلاماً لها وجاريةَ، فقاما إليها بالليِل فغماها بقطيفةَ لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عُمر فقام في الناس فقال: منْ كان عنْدَه منَ هذين علم أو مَنْ رآهما فليجئْ بهما، فأمرَ بهما فصلِبَا، فكانا أول مَصْلوبِ بالمدينة (٣) .
ش- الوليد بن عبد الله بن جُميع: الزهري الكوفي. روى عن:
стр. 1141
عامر بن واثلة وغيره. روى عنه: أبو أسامة، وأبو أحمد الزبيري، الكوفي، ووكيع. روى له: مسلم، وأبو داود (١) .
وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري: روى عن: أم ورقة بنت نوفل، ولها صحبة. روى عنه: الوليد بن عبد الله بن جُميع. روى له: أبو داود (٢) .
وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال: بنت نوفل الأنصارية، كان رسولُ الله يَزُورها ويسميها الشهيدة. روى عنها: عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري. روى لها: أبو داود (٣) .
قوله: " لما غزا بدرا" وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة.
قوله: " أمرض " بتشديد الراء، من مَرضتُه تمريضا إذا قمت عليه في مرضه.
[١/٢٠٢-أ] قوله: " قرى " - بكسر القاف / وتشديد الراء- أمر من تقرين، من
قر يقر من باب ضرب يضرب، ويجور فتح القاف في " قري" ويكون أمراً من باب علم يعلم، والأول أفصحُ.
قوله: " وكانت دبرت " من التدبير، وهو تعليق العتْق بمُطلق مَوته، مثل أن يقول لعبده: إذا مت فأنت حر، أو: أنت حر عن دبر مني، أو: أنت مُدبر، أو: قد دبرتك، صار العبدُ في ذلك كله مدبرا، فلا يجوز بعد ذلك بيْعه ولا هبته، وهو حر من باقي الثلث، ويجور استخدامه وإجارته، ووطئها وتزويجها.
قوله: "فغَماها بقطيفة " من غممتُه إذا غطيته، والقَطيفةُ- بفتح القاف وكسر الطاء-: كنساء له خمول. وقال في " الَصحاح ":
стр. 1142
القطيفة دِثار مُخمل، والجمع: قطائفُ وقُطف مثل صحيفة وصُحفِ وصحائف.
٥٧٤- ص- نا الحسن بن حماد الحَضْرمي: نا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جُميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة ابنة (١) عبد الله ابن الحارث بهذا الحديث والأول أتمّ قال: وكان رسول الله يَزورُها في بَيْتها وجعل لها مؤذنا يُؤذن لها، وأمَرها أن تؤم أهلَ دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذنَها شيخا كبيرا (٢) .
ش- الحسن بن حماد: ابن كُسيب أبو علي الحضرمي المعروف بسَجادة. سمع: أبا بكر بن عياش، وعطاء بن مسلم، وأبا خالد الأحمر، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: صاحب سُنَة، ما بلغني عنه إلا خيرا. وقال الخطيب: كان ثقة. مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين. وروى عنه: ابن ماجه، والنسائي، عن رجل عنه (٣) . ومحمد بن فُضَيْل: ابن غزوان الكوفي.
قوله: " والأول " أي: الحديث الأول أتم، ورواه الحاكم في " المستدرك"ولفظه: " فأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض" قال: ولا أعرف في الباب حديثاً مسندا غير هذا.
ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: أن قرار النساء في بيوتهن أفضل من خروجهن إلى الجهاد، إلا إذا كان النفير عاما.
الثانية: جوار اتخاذ المؤذن للنساء. وقال أصحابنا: ليس على النساء أذان ولا إقامة، لما روى أبو بكر: نا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن ومحمد بن سيرين قالا: ليس على النساء أذان ولا إقامة.
وكذا روى بإسناده، عن عطاء، وعن ابن المسيب، وعن الزهري،
стр. 1143
وعن الضحاك. وإن أذنت أو أْقامت فلا بأس، لما روى أبو بكر قال: نا ابن علية، عن ليث، عن طاوس، عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم. الثالثة: فيه جواز التدبير.
الرابعة: جواز صَلْب القاتل.
الخامسة: جواز ثمامة النساء للنساء، وتقوم وسطهنّ، لما روى ابن عدي في " الكامل " (١) ، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب " الأذان " عن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي- ﵇ قال: " ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال، ولا تقدمهن امرأة، ولكن تقوم وسطهنّ "
قلت: هذا الحديث أنكره ابن الجوزي في " التحقيق "فقال: لا نعرفه مرفوعا، إنما هو شيء يروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وردّه الشيخ في " الإمام" وحديث آخر موقوف: رواه عبد الرزاق في مصنفه: اْخبرنا إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصن، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساءَ تقوم في وسطهنّ.
وقال أبو بكر: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه اسمها: حُجيرة قالت: أمتنا أم سلمة قائمة وَسْط النساء.
حدَثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة أنها كانت تؤم النساء تقوم معهن في صفّهن.
وقال صاحب " الهداية ": وإن فعلن قامت الإمام وسطهن، لأن عائشة- ﵂ فعلت كذلك، وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام.
قلت: وكذا ذكر في" المبسوط" و" المُحيط "، ولكن فيه بُعْد؟ لأنه
стр. 1144
- ﵇ أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة- كما رواه البخاري ومسلم- ثم تزوج عائشة بالمدينة، وبنى بها وهي بنت تسع، وبقيت عنده
﵇ تسع سنين، وما تصلي إماما إلا بعد بلوغها، فكيف
يَسْتقيم حمله على ابتداء الإسلام؟ / لكن يمكن أن يقال: إنه منسوخ، [١/٢٠٢-ب] وفعلت ذلك حين كانت النساء تحضرن الجماعات ثم نُسخت جماعتهن،
والله أعلم.
* * *
٥٧- بَاب: في الرجل يَؤمُّ القومَ وَهُمْ لهُ كَارِهُونَ
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يؤم جماعة والحال أنهم كارهون إيّاه، وفي بعض النسخ: "باب ما جاء في الرجل".
٥٧٥- ص- نا القعنبي: نا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن ابن زياد، عن عمران بن عَبْد المُعافِري، عن عبد الله بن عَمرٍ وأن رسول الله ﷺ كانَ يقولُ: " ثلاثة لا تقبل منهم (١) صلاة: من تَقدّم قوماً وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا- والدبارُ: أن يأتيها بعد أن تفُوتَه- ورجل اعْتَبد مُحرّرَهُ" (٢) .
ش- عبد الرحمن بن زياد: ابن أنعم الإفريقي وهو ضعيف- كما ذكرناه. وعمران بن عَبْد المُعافري: المصْري، أبو عبد الله. روى عن: ابن عَمرو بن العاص. روى عنه: عبد الرحمن بن زياد. وعمران بن عبْد (٣) روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) .
قوله: "ثلاثة " أي: ثلاثُ طوائف لا يقبل الله منهم صلاة، وفي رواية كذا:" لا يقبل الله".
стр. 1145
قوله: " منْ تقدّم قوماً " أي: أحدها: من تقدم قوماً والحال أنهم كارهون إياه، وهذا الوعيد في حق الرجل الذي ليس من أهل الإمامة، فيتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما المستحق للإمامة فاللومُ على مَنْ كرِهَهُ.
قوله: " ورجل " أي: وثانيها: رجل أتى الصلاة دبارا فهو أن يكون
قد اتخذه عادةَ حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس، وقيل: أن يأتيها بعد ما يفوت وقتها أو يأتيها حين أدبر وقتها.
قوله: " دبارا " نَصب على الظرفية، ويجوز أن ينتصب على الحالية بمعنى: ورجَل أتى الصلاة حال كونها مُدبرةَ أي: مُوليه "، بمعنى: أن يأتيها بعد توليها وذهابها. وقال في " الصحاح": فلان يأتي الصلاة دبارا أي: بعد ما ذهب الوقتُ. وقال ابن الأثير: وقيل: دبار جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء كالأدبار في قوله تعالى:" وَأدْبَارَ السجُود " (١) ويقال: فلان ما يَدْري قبالَ الأمر من دباره أي: ما أوله من آخره، والمراد: أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتُها.
قلت: الدبار- بكسر الدال- وأما الدبار- بفتح الدال- مثل الدمَّار، وبضم الدال: اسمُ يَوم الأربعاء، من أسمائهم القديمة.
قوله:" ورجل اعتبد مُحرّره " أي: ثالثها. رجل اتخذ محرره عبدا، وهو أن يعتقه ثم يكتم عتقه، أو يُنكره، أو يَعْتقله بعد العتق فيَستخدمه كرها، أو يأخذ حرا فيدعيه عبدا ويتملكه، وهذا الوجه قاله البعْض، ولكن فيه بُعْد، لأن قوله:" محرره" بالإضافة يَمْنعُ هذا الوجه ويتمشى هذا الوجه على رواية من روى " اعتبد حُرا " بدون الضمير، ويدخل في القسم الثالث: غالب ملوك الترك في هذا الزمان، فإن منهم من يَعْتق مملوكه، ثم يُنكر عتاقه، ومنهم من يعتقه ثم يستخدمه كرها، وهذا كثير جدا، ومنهم من يَشْتري الغلمان على أنهم مماليك، وهو يَعرف أنهم
стр. 1146
أحرار أولاد أحرار، وهذا الصنف كثير- أيضاً. وقوله: " اعتبد " من باب الافتعال وهو الاعتباد فالاعتبادُ والاستعباد والتَعْبيد كلها بمعنى واحدة وهو أن يتخذه عبدا.
* * *
٥٨- (١) بَاب ٌ: فِي إمامة الأعْمى
أي: هذا باب في بيان إمامة الأعمى، وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في إمامة الأعمى "، الأعمى أفعلُ من عَمِي يعْمى عَما من باب علم
يعلم، والعَمَى: ذهاب البصر.
٥٧٦- ص- نا محمد بن عبد الرحمن العَنْبري أبو عبد الله: نا ابن
مهدي: نا عمران القَطان، عن قتادة، عن أنس أن النبي- ﵇ استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناسَ وهو أعْمَى (٢) .
ش- ابن مَهْدي: هو عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري.
وعمران القطان: هو عمران بن داور أبو العوام البصري. روى عن:
الحسن، وابن سيرين، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: ابن
مهدي، وأبو داود الطيالسي، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. قال أحمد:
أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في " الثقات ". روى له: الجماعة
إلا مسلما، [و] البخاري في المتابعات (٣) .
قوله: / [" استخلف "] من الاستخلاف، وهو أن يجعل غيره خلَفا [١/٢٠٣-أ]
стр. 1147
عنه. وحكى النمري أنه استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرةً: في غزوة الأبْواء، وبُواط، وذي العُسَيْرة، وخروجه إلى ناحية جهَيْنة في طلب كُرز بن جابر، وفي غزوة السويق، وغطفان، وأُحُد، وحمراء الأسد، وبُحْران (١) ، وذات الرِقاع، واستخلفه حين سار إلى بَدْر، ثم رد أبا لبابة واستخلفه عليها، واستخلفه عُمر- أيضاً- في حجة الوداع. وذكر البغوي أنه- ﵇ استخلفه يوم الخندق. ويُستفاد من الحديث أن إمامة الأعمى جائزة بلا خلاف، ثم إنها هل تكره أم لا؟ فقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا تكره. وقال أصحابنا: تكره، وعللوا بأنه لا يتوق النجاسة. وروى أبو بكر قال: نا وكيع، عن سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القِبْلة؟ !
ونا الفضل بن دكين، عن حسن بن أبي الحسْناء، عن زياد النميري قال: سألت أنسا عن الأعمى يؤم فقال: ما أفقركم إلى ذلك؟
وحدثنا زيد بن حباب، عن إسرائيل، عن مرزوق، عن سعيد بن جبير أنه قال: الأعمى لا يؤم.
* * *
٥٩- بَابُ: إمامة الزائر
أي: هذا باب في بيان إمامة الرجل الزائر قوماً.
٥٧٧- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا أبان، عن بُديل قال: حدثني أبو عطية مولى منَّا قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مُصلانا هذا، فأقيمت الصلاة فَقلنا له: تقدَّمْ فصَلهْ! فقال لنا: قدمَوا رجلاً منكم يُصلي بكم، وسَأحدثكم لم لا أصلي بكم، سمعتُ رسولَ الله ﷺ
يَقولُ: " مَنْ زار قوماً فلا يؤمَّهُم وليؤَمهم رجلٌ منهم " (٢) .
стр. 1148
ش- مسلم بن إبراهيم: القصّاب، وأبان: ابن يزيد العطار.
وبُدَيل: ابن مَيْسرة العقيلي البصري. روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية البَرَّاء، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وشعبة، وأبان بن يزيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له: الجماعة إلا " البخاري (١) .
وأبو عطية مولى لبني عقيلٍ. روى عن: مالك بن الحويرث. روى عنه: بديل بن مَيْسرة. قال أبو حاتم: لا يُعرف ولا يسمّى. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) .
قوله: " فصلَّهْ " الهاء فيه هاء السكْت دون الضمير. والحديث: أخرجه النسائي مختصرا، وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسَن، والعملُ على هذا عند كثر أهل العلم من أصحاب النبي- ﵇ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق: لا يصلي اْحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم يقول: ليُصل بهم رجل منهم.
* * *
٦٠- بَابُ: الإِمَام يَقُوم مكانا أَرْفعَ مِن مكان القَوْم
أي: هذا باب في بيان الإمام يقوم في مكان اْرفع من مكان القوم، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الإمام يقوم مكانا "، وانتصاب " مكانا " على الظرفية، و" أرفع " نصب على أنه صفته.
٥٧٨- ص- نا أبو مسعود الرازي أحمد بن الفُرات، وأحمد بن سنان
- المعنى- قالا: نا يعلى: ما الأعمش، عن إبراهيم، عن همام أن حذيفة
стр. 1149
أمّ الناسَ بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجَبَذهَ، فلما فرِغَ
من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلكَ؟ قال: بلى، قد
ذكرتُ حين مَدَدْتني (١) .
ش- أحمد بن الفرات: ابن خالد الضبي أبو مسعود الرازي الوراق،
أحد الأئمة الأعلام، وحفاظ الحديث، ونُقاد الأثر. سمع: حماد بن
أسامة، ويعلى، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم. روى عنه: أبو داود،
وحميد بن الربيع، وعبد الله بن جعفر بن أحمد، وغيرهم. قال أحمد
ابن حنبل: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله من أبي مَسْعود.
وقال إبراهيم بن محمد الطيّان: سمعت أبا مسعود يقول: كتبتُ عن ألف
وسبع مائة وخمسين رجلاً، أدخلتُ في مُصنفي ثلثمائة وعشرة وعطلْتُ
سائر ذلك، وكتبتُ ألف ألف حديث وخمس مائة ألف حديث، فأخذت [١/ ٣.٢ - ب] من ذلك ثلثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد / وغيره. توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين بأصبهان، وقبرُه ظاهر يُزارُ (٢) .
واْحمد بن سنان: القطان الواسطي.
ويَعْلى: ابن عُبيد بن أبي أمية أبو يوسف الطنافسي الإيادي الحنفي
الكوفي، أخو محمد وإبراهيم وعمر. سمع: يحيى بن سعيد الأنصاري
والأعمش، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أخوه: محمد، وأبو بكر
ابن أبي شيبة، وأحمد بن سنان، وأحمد بن الفرات، وغيرهم. قال
أحمد بن حنبل: كان صحيح الحديث صالحا في نفسه. وقال ابن معين:
ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة تسع ومائتين. روى له:
الجماعة (٣) .
وإبراهيم: النخعي، وهمام: ابن الحارث النخعي الكوفي، وحذيفة:
ابن أليمان.
стр. 1150
قوله: " بالمدائن " أي: في المدائن؛ وهي مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد سهما سَبْعة فراسخ، وفيها كانت إيوان كسْرى، واسمها بالفارسية: طَيْسَفُون.
قوله: " على دكان" الدكان واحد الدكاكين وهي الحوانيت فارسي معرب، وقيل: الدكان: الدكة المَبْنِية للجلوس عليها، واختلف في النون فمنهم يَجْعلها أصلاً، ومنهم من يَجْعلها زائدةً.
قوله: " أبو مسعود " هو عقبة بن عَمرو البدري.
وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن الإمام إذا كان وحده على الدكان يكره ذلك، لأنه يُشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام بالمكان، وكذا إذا كان القوم على الدكان وحدهم، لأنه ازدراء بالإمام.
٥٧٩- ص- نا أحمد بن إبراهيم: نا حجاج، عن ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن: فأقيمت الصلاةُ فتقدّم عمّار بن ياسر وقامَ على دُكانٍ يُصلي والناس أسفلَ منه، فتقدّمَ حذيفةُ فأخذ على يدَيْهً فاتبعَه عمَار حتى أنزلَه حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تَسْمَعْ رسول الله يَقولُ: " إذا أم الرجلُ القومَ فلا يَقُم في مكان أرفعِ من مقامِهم " أو نحو ذلك؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذتَ علي يدي (١) .
ش- أحمد بن إبراهيم: ابن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي أبو عبد الله المعروف بـ " الدورقي ". سمع: أخاه: يعقوب، وابن مهدي، والحجاج، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغير هم. قال أبو حاتم: صدوق. مات بالعسكر يوم السبْت لسبع بقين من شعبان، سنة ست وأربعة ومائتين (٢) .
وحجاج: ابن محمد الأعور، وعبد الملك: ابن جريج.
стр. 1151
وأبو خالد: روى عن: عدي بن ثابت، روى عنه: ابن جريج. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " أسفل منه " منصوب على الظرفية.
قوله: " لذلك " أي: لأجل قول النبي- ﵇ هذه المقالة. وفي إسناد الحديث رجل مجهول.
* * *
٦١- بَابُ: إمامة مَنْ صَلى (٢) بقَوْم وَقد صلى تِلك الصَّلاةَ
أي: هذا باب في بيان إمامة من صلى بقوم والحال أنه قد صلى تلك الصلاة التي يصليها بالقوم.
٥٨٠- ص- نا عُبيد الله بن عُمر بن مَيْسرة: نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان: نا عُبَيْد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، أن معاذَ بن جبل كان يُصلّي مع رسول الله " ﷺ " العشاء، ثم يأتي قومَه فيُصلي بهم تلك الصلا (٣) .
ش- عبيد الله بن مقسم المديني مولى ابن أبي نمير. سمع: عبد الله ابن عُمر، وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن أبي كثير، وابن عجلان، وسلمة بن دينار، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: الجماعة إلا الترمذي (٤) .
وبهذا الحديث استدل الشافعي على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، فقال: لأن صلاة معاذ مع رسول الله هي الفريضة، وإذا كان قد صلى فرضه كانت صلاته بقومه نافلة له، وبه قال أحمد، والأوزاعي، وهو قول عطاء وطاوس. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، وهو قول
стр. 1152
الزهري، وابن المسيب، والنخعي، وأبي قلابة، ربيعة بن أبي عبد الرحمن،
ويحمى بن سعيد الأنصاري، والحسن البصري في رواية، ومجاهد،
ومالك بن اْنس، واستدل على ذلك بقوله- ﵇: " إنما جعل
الإمام ليُؤتم به، فلا تختلفوا علي ". قال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم
من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة / المتنفل لما [١/ ٤، ٢ - أ] شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا
تصح الصلاة معها في غير الخوف، لأنه- ﵇ كان يمكنه أن
يصلي مع كل طائفة جميع صلاته، وتكون الثانية له نافلةً وللطائفة الثانية
فريضةً.
والجواب عن حديث معاذ- ﵁ من وجوه، الأول: أن
الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي- ﵇، وشرطه:
علمهُ بالواقعة، وجاز أن لا يكون علم بها، وأنه لو علم لأنْكر.
فإن قيل: يَبْعُد أو يمتنعُ في العادة أن لم يعلم النبي ﵇
بذلك من عادة معاذ. قلتُ: لا يَبْعدُ ولا يمتنع ذلك، ألا ترى إلى قوله
﵇: " يا معاذ، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن
تخفف عن قومك "، وذلك حين أتى سُلَيم رسولَ الله فقال: إنا نُصلي
في أعمالنا فنأتي حين نُمسي فنُصلي، فيأتي معاذ بن جبلٍ فيُنادي بالصلاة
فنأتيه فيُطوّل علينا، فقوله ﵇ هذا يدل على أنه عند رسول
الله كان يفعل أحد الأمْرين: إما الصلاة معه أو بقومه وأنه لم يكن يَجْمعهما، لأنه قال: إما أن تصلي معي أي: ولا تُصل بقومك، وإما
أن تخففه بقومك أي: ولا تصل معي، ولو كان جمعه بينهما صحيحا
لأمره بالتخفيف فقط.
الثاني: أن النية أمر باطن لا يطلع علي إلا بإخبار الناوِي، فجاز أن
تكون نيته مع النبي- ﵇ الفرض، وجاز أن تكون النفل ولم
يَرِد عن معاذ ما يدل على أحدهما، وإنما يعرف ذلك بأخباره.
стр. 1153
فإن قيل: قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطني (١) من حديث
أبي عاصم وعبد الرزاق، عن عَمرو، أخبرني جابر، أن معاذا كان يصلي مع النبي- ﵇ العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة هي لهم فريضة وله تطوع. وفي " مسند الشافعي " بسند صحيح، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عمرو: فيُصليها لهم، هي له تطوع ولهم مكتوبة. قال: البيهقي: هذا حديث ثابت لا أعلم حديثاً يروى من طريق واحدة أثبت من هذا، ولا أوثق رجالا. وكذا رواه أبو عاصم النبيل، عبد الرزاق، عن ابن جريج بذكر هذه الزيادة. قلت: ذكر الطحاوي أن ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر فلم يذكر " هي له نافلة ولهم فريضة "، فيجور أن يكون من قول ابن جريج، أو من قول عمرو، أو من قول جابر بناء على ظن واجتهاد لا بجزم "، وزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد. زاد ابن قدامة في " المغني ": وقد روى الحديث: منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت كانت ظنا من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في " العارضة ". فإن قيل: لا يظن معاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي- ﵇ ويأتي بها مع قومه. قلت: قال ابن العربي: وفضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه تقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره- ﵇ في ثمامة قومه زيادة طاعة، أو يحمل على أن معاذا كان يصلي مع النبي- ﵇ صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: " فهي لهم فريضة وله نافلة، بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحدِ.
الثالث: أن هذا حكاية حالِ لم يُعلم كيفيتها فلا يعمل بها، ويُستدل
стр. 1154
بما في صحيح ابن حبان: " الإمام ضامن " يعني: يضمنها صحةً وفسادا،
والفرض ليست مضمونا في النفل. فإن قيل: إن النبي- ﵇
قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " فكيف يظن بمعاذ مع
سماع هذا، أن يصلي النافلة مع قيام المكتوبة؟ قلت: إن مفهومه أن لا
يُصلي نافلة كير الصلاة التي تقام، لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة،
وهذا المحذور منتف مع الاتفاق في الصلاة المُقامة، ويؤيد هذا الاتفاق من
الجمهور على جواَز اقتداء المتنفل بالمفترض، ولو تناوله النهي لما جاز
مطلقا.
الرابع: أن هذا حديث منسوخ، قال الطحاوي: يحتمل أن يكون
ذلك وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام
حتى نهى عنه، ثم ذكر حديث ابن عمر /: " لا تُصفى صلاة في يوم [١/ ٤، ٢ ب] مرتين "
فإن قيل: إثبات النسخ بالاحتمال لا يجور. قلت: يُسْتَدلُّ على ذلك
بوجه حسنِ، وذلك أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي- ﵇ بعد سنين من الهجرة صلاة (١) الخوف غير مرة من وجه وقع فيه
مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة، فيُقال: لو جازت صلاة المفترض
خلف المتنفل، لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صُليت على هذا الوجه مع إمكان
دفع المفسدات- على تقدير جوار اقتداء المفترض بالمتنفل - دل على أنه لا
يجور ذلك.
الخامس: قال المُهلب: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام
وقت عدم القراء، ووقت لا عوض للقوم من معاذ، فكًانت حال ضرورة
فلا تجعل أصلاَ يُقاسُ عليه.
٥٨١- ص- نا مُسدد: نا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن
стр. 1155
عبد الله يقول: إن معاذاً كان يُصلِّي مع النبي- ﵇ ثم يرجعُ فيؤمُ قومَه (١) . ش- الحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، ولفظ مسلم: " إن معاذا كان يُصلي مع رسول الله عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة ". ولفظ البخاري: " فيُصلي بهم الصلاة المكتوبة ".
* * *
٦٢- باب: الإمام يصلي من قعود
أي: هذا باب في بيان حكم الإمام يصلي قاعدا، وفي بعض النسخ: " باب إذا صلى الإمام قاعدا وفي بعضها: " إذا صلى من قعود ".
٥٨٢- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ركب فرسا، فصُرع عنه فجُحشَ شقُّهُ الأيمنُ، فصلى صلاةً من الصلواتِ وهو قاعد وصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا صلّى قائما فصلوا قياما، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا رفع فارْفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " (٢) .
стр. 1156
ش- " صرع عنه " أي: سقط؛ وكذا في رواية البخاري.
قوله: " فجُحش "- بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وبالشين المعجمة- من الجحش وهو مثل الخَدْش، وقيل: فوقه. وقال الخطابي (١) : معناه: أنه قد انسحج جلْده، وقد يكون ما أصاب رسول الله من ذلك السقوط مع الخدش رض في الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة.
قوله: "وهو قاعد " جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي في " فصلّى ".
قوله: " قعودا " حال أي: قاعدين، وهو جمع قاعد، كالسجود جمع ساجدٍ.
قوله: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " تمسّك به أبو حنيفة ومالك فقالا: يأتم به في الأفعال والنيات. وعند الشافعي وغيره: يأتم به في الأفعال " الظاهرة "
قوله: " قياما " حال أيضاً- أي: قائمين، وهو جمع قائم، كالصيام جمع صائم.
قوله: " وإذا رفع " أي: رأسه، فارفعوا رءوسكم.
قوله: " وإذا قال: سمع الله لمنْ حمده " ما وهذا مجاز عن الإجابة، والإجابة مجاز عن الدعاء، فصار هذا مجاز المجاز، والهاء فيه للسكتة والاستراحة، لا للكتابة حتى لا يجوز فيه إلا الوقف.
قوله: " ربنا ولك الحمد " انتصاب " ربنا " على أنه منادى، وحرف النداء محذوف، فهذه الواو زائدة، وقيل: عاطفة تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد. وبه استدل أبو حنيفة على أن وظيفة الإمام: التسميع،
стр. 1157
ووظيفة المقتدي: التحميد، لأنه- ﵇ قسَم، والقسمة تنافي الشركة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وعند أبي يوسف ومحمد: يأتي الإمام بهما، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، والحديث حجة عليهم. وأما المؤتم: فلا يقول إلا " ربنا لك الحمد " ليس إلا عندنا. وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما، وسنَسْتوفي الكلام في هذا الباب عند انتهائنا إلى بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: " جلوسا " حال- أيضاً- أي: جالسين، وهو جمع جالس. قوله: " أجمعون " تأكيد للضمير المرفوع الذي في قوله: " فصَلوا ". والحديث أخرجه باقي الأئمة الستة، واستدلوا به الإمام أحمد، وإسحاق ابن راهويه، وابن حزم، والأوزاعي، ونفى من أهل الحديث: أن الإمام إذا صلى قاعدا يصليْ خلفه قعوداً. وقال مالك، لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائما ولا قاعداً. وقال أبو حنيفة، والشافعي، [١/ ٥، ٢ - أ] والثوري /، وأبو ثور، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يُصلي خْلف القاعد إلا قائما. وقال المرغيناني: النفل والفرض سواء. والجواب عن الحديث من وجوه، الأول أنه منسوخ، وناسخه:صلاة النبي- ﵇ بالناس في مرض موته قاعداً وهم قيام، وأبو بكر قائم يُعلمهم بأفْعال صلاته، بناء على أن النبي- ﵇ كان الإمامَ، وأن أبا بكر كان مأموما في تلك الصلاة.
فإن قيل: كيف وجه هذا النَسْخ، وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك
أن هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه أنه كان ﵇ إماما وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنَسائي عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مَسْروق، عن عائشة قالت: " صلى رسولُ الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا ". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرج النسائي- أيضاً-، عن حُميد، عن أنسٍ قال: آخر صلاة صلاها رسول الله مع القوم صلى في
стр. 1158
ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر؟ قلت: مثل هذا ما يُعارضُ مَا وقع في " الصحيح " مع أن العلماء جمعوا بيْنهما، فقال البيهقي في " المعرفة ": ولا تعارض بين الخبَريْن، فإن الصلاة التي كان فيها النبي- ﵇ إماما هي صلاة الظهر يوم السَّبْت أو الأحد، والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها- ﵇ حتى خرج من الدنيا. قال: وهذا لا يُخالفُ ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه- ﵇ الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه- ﵇ وجد في نفسه خفةً، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. وقال القاضي عياض: نسخْ إمامة القاعد محتملة بقوله- ﵇: " لا يؤمن اْحد بَعْدي جالسا " وبفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم اْحد منهم قاعدا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي- ﵇ فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه- ﵇ عن إمامة القاعد بعده.
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في ما سننهما، عن جابر الجُعفي، عن الشعبي، وقال الدارقطني: لم يَرْوه عن الشعبي غير جابر الجُعْفي، وهو متروك، والحديث مُرْسل لا تقوم به حجة. وقال عبد الحق في " أحكامه ": ورواه عن الجُعْفي: مجالد، وهو- أيضاً- ضعيف.
الثاني: أنه كان مخصوصا بالنبي- ﵇. وفيه نظر، لأن الأصل عدم التخصيص حتى يدلّ علي دليل- كما عرف في الأصول. الثالث: يُحمل قوله: " فإذا صلى جالسا فصلّوا جلوسا " على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس فاجْلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك " إذا صلى قائما فصّلوا قياما " أي: إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: " فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ". ولقائل أن يقول: لا يَقْوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور أنه- ﵇ صلى جالسا والناس خلفه قيام، بل ولا يصلح لأنه
стр. 1159
يجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائما ثم قعد لعُذر، ويجعلون هذا منه سيّما وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي- ﵇ أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر، رواه الدارقطني في
" سننه " وأحمد في " مسنده "
فإن قيل: قال ابن القطان في كتابه " الوهم والإيهام ": وهي رواية
مُرْسلة، فإنها ليست من رواية ابن عباس عن النبي- ﵇،
وإنما رواها ابن عباس، عن أبيه: العباس، عن النبي- ﵇،
كذلك رواه البزار في " مسنده " بسند فيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف،
ثم ذكر له مثالب في دينه قال: وكان ابن عباس كثيرا ما يُرْسل. قلت:
رواه ابن ماجه من غير طريق قيس، فقال: حدَّثنا علي بن محمد: ثنا
وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن
ابن عباس قال: لما مرض رسول الله ﷺ ، فذكره إلى أن قال: قال ابن
عباس: وأخذ رسول الله في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر- رضي [١/ ٥،٢ - ب] الله عنه- /.
وقال الخطابي (١) : وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر،
وأبي هريرة، وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله- ﵇ آخر
ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام وهذا آخر الأمرين من
فعله- ﵇. ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب: أن يذكر الحديث في بابه ويذكر الذي يُعارضُه في باب آخر على
إثْره، ولم أجده في شيء من النُّسَخ، فلستُ ادْري كيف أغفلَ ذكر هذه
القصّة وهي من أمهات السنن؟ وإليه ذهب كثر الفقهاء.
قلت: إما تركها سَهْواً وغفلةً، أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما
ذهب إليه الإمام أحمدُ، فلذلك لم يذكر ما يَنْقضه، والله أعلم.
٥٨٣- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن
стр. 1160
أبي سفيان، عن جابر قال: ركب رسول الله ﷺ فرسا بالمدينة فصرَعه على جذْم نخلة فانفكّت قدمُه، فأتيناه نَعُوده فوجدناه في مَشْرُبَة لعائشةَ يُسبح جالسا، قًال: فقمنا خَلفه فسكت عنّا، ثم أتَيْناه مرةً أخرى نعُوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا قال: فلما قضى الصلاةَ قال: " إذا صلى الإمامُ جالسا فصلوا جلوسا، " إذا صلى الإمام قائما فصَلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعلُ أهلُ فارسٍ بُعظمائها " (١) .
ش- جرير: ابن عبد الحميد.
وأبو سفيان: اسمه: طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي ويقال: المكي. روى عن: عبد الله بن عباس، وابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعُبيد بن عُمير. روى عنه: الأعمش، وأبو خالد الدالاني، وحجاج بن أرطاة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لا بأس به. روى له: الجماعة إلا البخاريّ (٢) .
وجابر: ابن عبد الله.
قوله: "على جِذم نخلة "- بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة- أي: أصل نخلةٍ، وجذْم كل شيء: أصله.
قوله: " في مَشْرُبة "- بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وضمها- وهي الغرفة، وقيل: كالجرانة فيها الطعام والشراب، وبه سفيت مشربةً، والميم فيها زائدة.
قوله: " يُسبّح جالسا " أي: يصلي بصلاة الضحى حال كونه جالساً قوله: " بُعظماها " العُظماء: جمع عظيم، كالكرماء جمع كريم