مهما لي الليلةَ مَهمالِيَهْ أوْدى بنَعْلي وسِرباليَة
والذي في الحديث من القسم الثاني، فلذلك جزم "أسبقكم" وجزم الجزاء- أيضاً- وهو قوله: (تُدْركوني،، وعلامة الجزم: سقوط نون الجمع.
قوله: " إذا ركعت " بمعنى: حين ركعت.
قوله: " تدركوني به " أي: بالركوع إذا رفعت رأسي، وحاصل المعنى:
لا تَسْبقوني أنتم بالركوع والسجود، فإني متى أسْبقكم بركوع حين أركع، فأنتم تدركونني حين أريد أن أرفع رأسي، وكذلك الكلام في السجود، وإنما بين حكم الركوع وحده بعد أن نهى عن المبادرة بالركوع والسجود، اكتفاء بما دل الحكم في الركوع على الحكم في السجود، ومن هذا قالت العلماء: إن (١) المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه، يصير مدركا لتلك الركعة، فإذا شرع وقد رفع هو رأسه، لا يَصير مدركا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافاً لزفر.
قوله: " واني قد بدنت " يُروى على وجهين: بتشديد الدال ومعناه، كبر السن، يُقالُ: بَدن الرجلُ تبدينا إذا أسن، وبتخفيف الدال مع ضمها ومعناه: زيادة الجسم واحتمال اللحم، وروت عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ ، لما طعن في السن احتمل بدنُه اللحمَ، وكل واحد من كبر السن واحتمال اللحم يُثْقِلُ البدن ويُثبطه عن الحركة.
والحديث أخرجه ابن ماجه، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه "، وعند ابن ماجه بسند منقطع فيما بين سعيد بن أبي بُردة وأبي موسى قال رسولُ الله: " إني قد بَدُنت فإذا ركعت فاركعوا، وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدتُ فاسجدوا، ولا ألفن رجلاً سَبقَني إلى الركوع ولا إلى السجود ".
----------------------
(١) مكررة في الأصل.
стр. 1192
٦٠١- ص- نا حفص بن عُمر: نا شعبةُ، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبدَ الله بن يزيد الخطمي يخطبُ الناس قال: حدثنا البراءُ- وهو غير كذوب- أنهم كانوا إذاَ رفعوا رءوسهم من الركوع مع رسول الله قاموا قياما، فإذا رأوه قد سجد سجَدُوا (١) .
ش- أبو إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي.
وعبد الله بن يزيد: ابن زيد بن حُصَين (٢) بن عمرو بن الحارث بن الخطْمَة، واسم الخطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس أبو مُوسى الأَنصاري الخطمي، سكن الكوفة، رُوِيَ له عن رسول الله سبعة وعشرون حديثاً، أخرج له البخاري حديثين ولم يخرج له مسلم شيئاً، ورويا له عن البراء بن عازب، شهد الحديبية مع رسول الله وهو ابن سبع عشرة سنا، وشهد صفين والجَمل والنهروان مع علي- ﵁ وكان أميرا على الكوفة. روى له أبو داود، والترمذي (٣) .
قوله: " وهو غير كذوب " جملة اسمية وقعت حالاً عن البراء / والذي يفهم من كلام يحمص بن معين في هذا الموضع أنه حال من عبد الله بن يزيد؛ لأنه قال: القائلُ: " وهْوَ غير كذوبا هو أبو إسحاق، قال: ومراده أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليْسِ المراد أن البراء غير كذوب / [١/ ٢١٢ - أ] لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يَحسنُ فيه هذا القولُ. قال الشيخ محي الدين: وهذا الذي قالهَ ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا:
----------------
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: متى يسجد من خلف الإمام (٦٩٠) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (١٩٧ / ٤٧٤) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود (٢٨١) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (٢ / ٩٦) .
(٢) كذا، وفي مصادر الترجمة: " حِصن " وفي تهذيب الكمال (١٦ / ٣٦٥٦) كما عندنا.
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢ / ٣٩١) ، وأعمد الغابة (٣ / ٤١٦) ، والإصابة (٢ / ٣٨٢) .
١٠. شرح سنن أبي داوود ٣
стр. 1193
بل الصواب أن القائل: " وهو غير كذوب "٠ هو عبد الله بن يزيد، ومراده من قوله: " غير كذوب " تقوية الحديث وتفخيمه والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره: قول ابن مسعود: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق، وعن أبي هريرة مثله، وفي " صحيح مسلم ": الخولاني: حدثني الحبيب الأمين: عوف ابن مالك الأشجعي، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم، فثقُوا بما أخبركم به. وقوله: " إن البراء صحابي فينزه عن هذا الكلام" لا وَجه له؛ لأن عبد الله بن يزيد صحابي- أيضاً- معدود في الصحابة، فالذي يقال في البراء يُقال فيه- أيضاً.
قوله: " قاموا قياما " أي: قائمين، وذلك لأنه- ﵇ كان يدعو في الركوع كثيرا وكانوا (١) يرفعون رءوسهم قبله ويقومون قياما، فإذا رأوه قد سجد سجدوا معه. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه.
٦٠٢- ص- نا زُهير بن حَرْب، وهارون بن مَعْروف المعنى قالا: نا سفيان، عن أبان بن تغلب. قال زهير: قال: حدثنا الكوفيون: أبانُ وغيرُه، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ فلا يحنُو أحد منا ظهرَه حتى نرى (٢) النبي- ﵇ يضع (٣) .
ش- زهير بن حَرْب: ابن شداد النسائي، وهارون بن معروف: الخزاز المروري، وسفيان: ابن عُيينة.
وأبان بن تغلب- بالتاء المثناة من فوق- الربعي أبو سَعد الكوفي القاري. روى عن: أبي إسحاق السبِيعي، والحكم، والأعمش،
--------------------
(١) في الأصل: " وكان "
(٢) في سنن أبي داود: " يرى"
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (٢٠٠) .
стр. 1194
وغيرهم. روى عنه: ابن عُيينة، وحماد بن زيد، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عدي: ولأبان أحاديث ونسخ وعامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. روى له: الجماعة إلا البخاري (١) .
والحكم: ابن عُتَيْبة.
قوله: " فلا يحنو " من حَنَى يحنو، يُقال: حنَيتُ ظهري وحنَيْت العُودَ عَطفتُه، وجاء حنى يحني، وهما لغتان حكاهما صاحب " المنتهى " وغيره، يقال: حنيتُ وحنوتُ، والياء أكثرُ.
قوله:" حتى يضع " أي: حتى يضع رأسه للسجود. وفي هذا دليل لمن قال: إن فعل المأموم يقع بعد فعل الإمام، ورواية البخاري: " كان رسول الله إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي- ﵇ ساجدا، ثم نقع سجودا بعده ". ورواية مسلم: " كان لا يَحنِي منا رجل ظهرَه حتى يستتم ساجدا- يعني: رسول الله ". وقال الدارقطني: هذا الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد، عن البراء، ولم يَقُل أحد: " عن ابن أبي ليلى " غيرُ أبان بن تغلب، عن الحكم، وغيرُ أبان أحفظُ منه.
قلت: حديث أبان: خرجه مُسلم في " صحيحه ".
٦٠٣- ص- نا الربيع بن نافع: نا أبو إسحاق- يعني: الفزاري-، عن أبي إسحاق، عن محارب بن دثار قال: سمعت عبد الله بن يزبد بقولُ على المنبر: حدثني البراء أنهم كانوا يُصلون معِ النبي- علبه السلام-، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده لم نزل قياما حتى يَرونه (٢) قد وضع جبهته بالأرض، ثم يتبعونه (٣) .
------------------
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢ / ١٣٥) .
(٢) في سنن أبي داود: " يروه " وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (١٩٩) .
стр. 1195
ش- أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة ابن حُصين (١) بن حذيفة بن بدر الفِزاري الكوفي، سكن المصيصة. سمع: أبا إسحاق السبِيعي، وحميدا (٢) الطويل، ومالك بن أنس، والثوري، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وحماد بن أسامة، وجماعة آخرون. قال ابن عُيينة: كان أبو إسحاق إماما. وقال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. توفي سنة ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
وأبو إسحاق الثاني هو السبيعي.
ومُحارب بن دثار- بكسر الدال وبالثاء المثلثة- ابن كُردُوس بن قِرواش ابن جَعْونة السدوسي، أبو مطرف، أو أبو النضر، أو أبو كُردوس، أو أبو دثار الكوفي قاضيها. سمع: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، [١/ ٢١٢ - ب] وعبد الله / بن يزيد، وابن بُريدة، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومسْعر، والثوري، وشعبة، وابن عُيينة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة صدوق. وقال أبو زمعة: ثقة مأمون. وقال ابن مع " ين: ثقة. توفي في ولاية خالد بن عبد الله. روى له الجماعة (٤) .
قوله: " لم نزل قياما " أي: قائمين، وفي رواية: " لم يزالوا قياما ". قوله: " حتى يَروْنه " وحتى " هنا عاطفة، وفي بعض الرواية: وحتى يَرَوْه " بدون النون، فتكونت حتى، ناصبة بتقديري أنْ ".
قوله: " ثم يتبعونه " بوَجْهين على اختلاف المعطوف عليه. والحديث: أخرجه مُسلم.
*********
--------------------------
(١) في الأصل: " حضين " خطأ.
(٢) في الأصل: " حميد ".
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢ / ٢٢٥) .
(٤) المصدر السابق (٢٧ / ٥٧٩٣) .
стр. 1196
٦٩- بَابُ: التَشْديد فيمَنْ يَرْفعُ قبل الإِمام أو يضع قبله
أي: هذا باب في بيانَ التشديد فيمَنْ يرفع رأسه قبل الإمام أو يضعها قبل وضعه، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في التشديد ".
٦٠٤- ص- نا حفص بن عُمر: نا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ " أمَا يخشىِ أو [أ] لا يَخشى أحدُكم إذا رفع رأسَه والإمامُ ساجداً أن يُحول الله رأسه رأسَ حمار، أو صُورتَه صورةَ حمارٍ " (١) .
ش- محمد بن زياد: أبو الحارث القرشي الجُمحي مولى عثمان بن مَظعون، مديني الأصل، سكن البصرة. سمع: أبا هريرة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي. روى عنه: شعبة، وقرة بن خالد، والحمادان، وغيرهم. وقال أحمد، ويحيى، والترمذي: هو ثقة. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " أو [أ] لا يخشى " شك من الراوي.
قوله: " والإمام ساجد " جملة اسمية وقعت حالاً.
قوله: " أن يُحول اللهُ " في محل النَصْب على أنه مفعول " [أ] ، لا يخشى و " أنْ " مصدرية، والتقدير: لا يخشى أحدكم تحويلَ اللهِ رأسَه.
قوله: " رأس حمار" منصوب بنزع الخافض أي، كرأس حمار ولا يجور أن يكون منصوبا بقوله:" يُحول " لأن حَول لا يتعدى إلى مفعولَين،
----------------------
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: إثم من يرفع رأسه قبل الإمام، رقم (٦٩١) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما،
رقم (٤٢٧) ، الترمذي: كتاب الجمعة، باب: ما جاء في التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام (٥٨٢) ، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (٢ / ٩٦) ، ابن ماجه: كتاب " قامة الصلاة والمنَة فيها، باب: النهي أن بسبق الإمام بالركوع والسجود (٩٦١) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٥ / ٥٢٢٢) .
стр. 1197
بل الغالب فيه اللزوم، وقد يجيء متعديا إلى مفعول واحد، وهاهنا قد تعدى إلى قوله: " رأسَه ".
قوله: " أو صورتَه " شك من الراوي- أيضاً- أي: أن يحولَ الله صُورتَه.
فإن قيل: ما المراد من الصُّورة؟ قلت: الصُّورَة تطلَقُ على الوَجْه كما في قوله: " الصُّورة محرمة " أراد بها الوجه، وتُطلق على معنى حقيقة الشيء وهيئاته وعلى مَعنى صفته، يُقال: صورة الفعل كذا وكذا، أي: هيئاته، وصورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، ثم إنه يجوز أن يكون المراد من الصورة هاهنا معنى الوجه؟ والمعنى: يحولَ الله وَجْهه وجه حمار، ويجوز أن يكون بالمعنى الثاني بمعنى يُحول الله حقيقته وهيئته، ثم هذا الكلام يحتمل أن يكون حقيقةً وهو تغيير الصُورة الظاهرة، ويحتمل أن يكون مجازا على سبيل الاستعارة وذلك أن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب علي من فرض الصلاة ومُتابعة الإمام. فإن قيل: كيف وجه احتمال الحقيقة في هذا الكلام، ولم يقع ذلك مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام؟ قلت: ليس في الحديث ما يدل على وقوع ذلك؛ وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك، وكون فعله صالحا لأن يقع عنه ذلك الوعيدُ، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، وأيضا- فالمُتوعدُ به لا يكون موجوداً في الوقت الحاضِر أعني: عند الفِعْل.
ثم اعلم أن في الحديث دليلاً على منع تقدّم المأموم على الإمام، لأنه توعد على هذا الفعل، ولا يكون التوعد إلا على ممنوع.
فإن قيل: المنع المذكور مخصوص في حالة السجدة بظاهر الحديث أو عام؟ قلت: بل عام، والدليل على ذلك: ما روي عن ابن مسعود أنه نظر إلى من سَبق إمامَه فقال: " لا وَحْدك صليت، ولا بإمامك اقتديت " وعن ابن عمر نحوه، وأمره بالسعادة، ولكن خصّ في الحديث حالة
стр. 1198
السجدة لكثرة وجود المخالفة في هذه الحالة، فيقاس عليها غيرُها. فإن
قيل: ما حكم هذا المخالف، فهل تجوز صلاته أم لا؟ قلت: قال
القرطبي وغيرُه: من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته
عند جمهور العلماء /. وفي " المغنى " لابن قدامة: فإن سبق إمامه فعليه [١/ ٢١٣ - أ] ، أن يرفع ليأتي بذلك مؤتما بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً أو
جهلاً فلا شيء علي، فإن سبقه عالما بتحريمه فقال أحمد في " رسالته ":
ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ، لقوله: " أما يخشى الذي يرفع رأسه " الحديث، ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخش علي العقاب.
والحديث أخْرجه الأئمة الستة، وفي " المصنف " عن أبي هريرة موقوفا:
إن الذي يخفضُ ويرفعُ رأسَه قبل الإمام، إنما ناصيتُه بيد شيطان. وكذا
قاله- أيضاً- سلمانُ من طريق ليْث بن أبي سُليم.
****
٧٠- بَابٌ: فيمَنْ يَنصرفُ قبل الإمام
أي: هذا باب في بيان مَنْ ينصرف من الصلاة قبل انصراف إمامه،
وفي بعض النسخ: " باب الرجل ينصرف قبل الإمام "، وفي بعضها:
" باب فيما جاء فيمن ينصرف ".
٦٠٥- ص- نا محمد بن العلاء: نا حفص بن بُغيل الدهني: نا زائدةُ،
عن المختار بن فلفل، عن أنس أن النبي ﷺ حَضهم على الصلَاة ونهاهُم أن
ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة (١) .
ش- حَفص بن بُغَيل- بضم الباء الموحدة، وفتح الغين المعجمة-
الدهني (٢) الكوفي. روى عن: زائدة، إسرائيل بن يونس. روى
عنه: محمد بن العلاء، وأحمد بن بديل. روى له: أبو داود. والدهني: بضم الدال المهملة وكسر النون.
--------------------
(١) تفرد به أبو داود.
(٢) جاه في تهذيب الكمال (٧ / ٥) بدل " الدهني: " المُرْهبي " وعلقِ محققه
قائلاً: " علق المؤلف في الحاشية بقوله:" كان فيه الدهني، وهو وهم "
стр. 1199
وزائدة: ابن قدامة.
والمختار بن فُلْفُل: المخزومي الكوفي مولى اّل عمرو بن حريث. سمع: أنس بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البَصْري، وطلق ابن حبيب. روى عنه: الثوري، وزائدة، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وسئل عنه أحمد فقال: لا اعلم إلا خيراً (١) . قوله: " حضهم " أي: حرضهم على حفظ الصلاة في وقتها.
قوله: " قبل انصرافه " أي: قبل انصراف النبي- ﵇، والمراد منه: قبل سلامه، ثم إذا انصرف المقتدي قبل سلام الإمام بعد ما قعد قدر التشهد تجوز صلاته عندنا، ويكون مسيئا لتركه السلام الواجب مع الإمام، وارتكابه النهْي، وعند الشافعي: لا تجوز وتفسد صلاته؛ بناء على أن السلام فرض عنده.
***
٧١- باب: جمَاع أثواب (٢) ما يُصَلى فيه
أي: هذا باب في بيان جَماع أثواب ما يصلى فيه، والمعنى: عَدد أثواب ما يصلى فيه، وجماع الشيء- بكسر الجيم-: عدده، وفي بعض النسخ: " باب الصلاد في الثوب الواحد،، والنسخة الصحيحة: بابُ جامع ما يُصلى فيه ".
٦٠٦- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله " ﷺ سُئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال النبي- ﵇: " أو لكلكم ثوبانِ؟ " (٣) .
-------------------
(١) المصدر السابق (٢٧ / ٥٨٢٧) .
(٢) في سنن أبي داود: " البواب ".
(٣) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل والشبان والقبان (٣٦٥) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (٢٧٥ / ٥١٥) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في الثوب الواحد
(٢ / ٥٤) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: الصلاة في الثوب الواحد (١٠٤٧) .
стр. 1200
ش- الهمزة في " أو لكلكم " للاستفهام، و" ثوبان " مرفوع على
الابتداء، وخبره: قوله: " لكلكم ". واعلم أن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى: الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم
من العدم وضيق الثياب، يقول: فإذ كنتم بهذه الصفة، وليس لكل
واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب
الواحد جائزة.
وهذا الحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة بلا كراهة،
ولا يعارضه قوله- ﵇: " لا يصلي أحدكم في الثوب
الواحد " لان هذا النهي للتنزيه لا للتحريم. وقد روى ابن أبي شيبة، عن
وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حَارم، عن أبي هريرة قال:
رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتَيْه،
ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع قبض علي يخاف أن تبدو عورته.
وعن ابن وهب: صلاة الرجل في ثوب واحد رخصةٌ، وفي ثوبين
مأمور به.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عُيَيْنة، عن عمرو، عن الحسن قال:
اختلف أبي بن كعب وابن مَسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أبي:
لا بأس به. وقال ابن مَسْعود: إنما كان ذلك إذ كان النًاس لا يجدون
ثيابا، فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين، فقام عُمر- ﵁
على المنبر فقال: الصواب ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود. ورواه في
" المُصنف،- أيضاً- وحديث أبي هريرة: أخرجه البخاريّ /، ومسلم، [١/ ٢١٣ - ب] والنسائي، وابن ماجه.
٦٠٧- ص- نا مسدد: نا سفيان، عن أبي الزناد، من الأعرج، عن
أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يصلي أحدُكم
في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء" (١) .
------------------------
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على=
стр. 1201
ش- يُريدُ أنه لا يَتزر به في وسطه، ويشد طرفيه على حَقْويه، ولكن يتزر به ويرفع طرفَيْه، فيخالف بينهما، ويَشدُّه على عاتقه، فيكون بمنزلة الإزار والرداء، هذا إذا كان الثوب واسعا، فإذا كان ضيقا شده على حَقْوَيْه. وقالت العلماء: الحكمة: أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء، لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يدَيه، فيشتغل بذلك وتفوته سُنة وضع اليد اليمنى على اليُسْرى تحت سرته، ولأن فيه ترك ستر أعالي البدن ومَوْضع الزينة، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذوا زِينَتَكُمْ﴾ (١) ، ثم قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي والجمهور: هذا النهي للتنزيه- كما ذكرنا- " للتحريم "، فلو صلى في ثوب واحد ساترٍ لعورته ليس على عاتقه منه شيء، صحت صلاته بالكراهة، سواء قدرَ على شيء يَجعله على عاتقِه أم لا. وقال أحمد وبعض السلف: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه، لظاهر الحديث. وعن أحمد رواية: إنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه. وحجة الجمهور: قوله ﵇ في حديث جابر: " فإن كان واسعا فالْتحِفْ به، وان كان ضيقا فاتزِر به " رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال الطحاوي: صلاة النبي- ﵇ في الثوب الواحد في حال وجود غيره من " لأخبار المتواتر " والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. ٦٠٨- ص- نا مسدد: نا يحيى ح، ونا مسدد: ما إسماعيل المعنى، عن هشام بن أبي عبد الله، عن يحي بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة
--------------------
=عاتقيه (٣٥٩) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (٥١٦) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء (٢/ ٧١) .
(١) سورة الأعراف: (٣١) .
стр. 1202
قال: قال رسول الله ﷺ " إذا صلّى أحدُكم في ثوب فليخالِف بطرفيه على عاتقيه " (١) .
ش- يحيى: القطان، وإسماعيل: ابن عليّة، وهشام بن أبي عبد الله - سنبر- البَصري، ويحيى بن أبي كثير- صالح- الطائي، وعكرمة: مولى ابن عباس.
قوله: " على عاتقيه " العاتق: موضع الرداء من المنكب، يُذكر ويؤنث، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه: هو التوشحِ، وهو الاشتمال على منكبَيْه، وإنما أمر بذلك ليستر أعالي البدن، وموضع الزينة. وقال ابن بطال: وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع. قلت: يجور أن تكون الفائدة: أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور، حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء صحت صلاته- لما ذكرناه. والحديث: أخرجه البخاريّ.
٦٠٩- ص- نا قتيبة بن سَعِيد: نا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي ثمامة بن سَهْل، عن عُمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله يُصلي في ثوب واحد ملتحفا مخالفا بين طرفيه على منكبَيْه (٢) .
ش- الليث: ابن سَعْد، ويحيى بن سعيد: الأنْصاري، وأبو أسامة: أسْعد بن سهل بن حُنيف الصحابي ابن الصحابي.
وعمر بن أبي سلمة- عبد الله- بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله
----------------
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه (٣٦٠) .
(٢) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به (٣٥٤) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (٢٧٨ / ٥١٧) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد (٣٣٩) النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في الثوب الواحد (٢ / ٧١) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه (٥٤١)
стр. 1203
ابن عمر بن مخزوم، يكنى أبا حفص، رَبيب النبي- ﵇ أفه: أم سلمة بنت أمية بن المغيرة روج النبي- ﵇، مات النبي ﵇ وهو ابن تسع سنن، رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثاً، اتفقا على حديثين. روى عنه: أبو أسامة بن سَهْل، وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، ووهب بن كيسان. توفي في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وثمانين، وقيل: كان مولده في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " ملتحفا مُخالفاً " حالان من الضمير الذي في " فصلى " إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة، وفي رواية لمسلم: " مشتملاً به، واضعا طرفيه على عاتقيه"، وفي حديث جابر: " متوشحا به " المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا، ولفظ البخاريّ عن عمر ابن أبي سلمة أن النبي- ﵇ صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه، وفي لفظ: في بَيْت أم سلمة ألقى طرفيه على عاتقيه، وفي لفظ: واضعا طرفيه على عاتقيه. ويستفاد من الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد. وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[١/ ٢١٤ - أ] / ٦١٠- ص- نا مسدد: نا ملازم بن عَمرو الحنفي: نا عبد الله بن بَدْر، عن قَيْس بن طَلق، عن أبيه قال: قدمْنا على نبي الله- ﵇ فجاء رجل فقال: نا نبي الله، ما ترى في الَصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلقَ رسولُ الله إزارَه طارَقَ له (٢) رداءه، فاشتملَ بهِما، ثم قام فصَلى بنا نبي الله، فلما أن قضى الصلاة قال: " أو كلكُم يجدُ ثوبيْن؟ " (٣) .
ش- مُلازم بن عمرو: ابن عبد الله بن بدر بن قيس بن طلق بن سنان الحنفي، قد ذكرناه، وعبد الله بن بدر: ابن عُميرة بن الحارث بن سمرة
----------------------------
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢ / ٤٧٤) ، وأسد الغابة (٤ / ١٨٣) ، والإصابة (٢ / ٥١٩) .
(٢) في سنن أبي داود: " به ".
(٣) تفرد به أبو داود.
стр. 1204
الحنفي اليمامي، وقيس بْن طلق: ابن علي بن شيبان الحنفي، وطلق بن علي الصحابي، وقد ذكرناهم مرةً.
قوله: " فأطلق رسول الله إزارَه " أي: أرسلها.
قوله: "طارَقَ له رداءه " من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين إذا ظاهر بينهما، أي: لبسَ أحد " ما على الآخر، وطارق بين نعلين أي: خصف أحدهما فوق الأخرى، ومحلها النصب على الحال بتقدير: قدْ، أي: أطلقَ إزاره قد طارقَ له رداءه. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: " فأطلق النبي- ﵇ إزاره، فَطارقَ به رداءه، ثم اشتمل بهما " الحديث، فيكون قوله: " فطارق " بالفاء عطفا على قوله:" فأطلَق ". قوله:، فاشتمل بهما " أي: بالإزار والرداء، والاشتمالُ: التلقفُ. قوله: " أو كلكم يجدُ ثوبَيْن " لفظة استخبار، ومعناه: إخبارهم عن ضيق حالهم وتقريرها عندهم، وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصر عليهم واستزاد فهمهم فكأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبا والصلاة لازمةً، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ "
****
٧٢- بَابُ: الرجل يَعْقدُ الثوب في قفاه ثم يصلي
أي: هذا باب في بيان الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يُصلي، وفي بعض النُسخ: " باب ما جاء في الرجل ".
٦١١- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد قال: لقد رأيتُ الرجال عاقدي أزْرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله- ﵇-َ في الصلاة (١) كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا مَعشر النساء، لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجالُ (٢) .
-----------------------
(١) قوله: وفي الصلاة، غير موجود في سنن أبي داود.
(٢) البخاري: كتاب الأذان، باب: عقد الثياب وشدها، ومَن ضم أليه ذويه (ذا=
стр. 1205
ش- سفيان: الثوري، وأبو حازم: كلمة بن دينار.
قوله: " عاقدي أزرهم " أصله: عاقدين أزرهم، سقطت النون بالإضافة ونصبه علَى الحال؟ لأن " رأيتُ " بمعنى أبصرتُ فلا يتعدى الا (١) إلى مفعول واحد. والأزر- بضم الهمزة، وسكون الزاي- جمع إزار؛ والإزار يذكر ويؤنث، وجمعه للقلة: آزرة وللكثرة: أزْر، كحمار وأحمرة وحُمرٍ.
قوله: " كأمثال الصبيان "، وفي رواية البخاري: " كهيئة الصبيان" وقال السفَاقُسي: لو كان لهم غيرها ما احتيج أي نهي النساء عن رفع رءوسهن حتى يجلسَ الرجالُ، وقال: لا خلاف بين العلماء أن المصلي إذا تقلّص مئزره، أو كشفت الريح ثوبه وظهرت عورته، ثم رجع الثوب في حينه وفوره، أنه " لا يضر ذلك المصلي شيئا، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة مثل ذلك، إنما يحرم النظر مع العمد، ولا يحرم النظر فجأة، فإذا صحت صلاة الإمام، فأحرى أن تصح صلاة المأموم. وقال ابن القاسم: إن فرط في رد إزاره فصلاته وصلاة من تأمل عورته باطلة. وعن سحنون: إن رفع الريح ثوب الإمام فانكشف عن دبره فأخذه مكانه، أجزأت ويُعيد كل مَن نظر إلى عورته ممن خلفه، ولا شيء على من لم ينظر وروي عنه: إن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة وإن أخذه مكانه. وعن الشافعي: لو انكشف شيء من العورة في الصلاة بطلت صلاته، ولا يعفى عن شيء منها ولو شعرة من رأس الحرة أو ظفرها. وعند أحمد: يعفى عن القليل ولم يحدها. وعند أصحابنا: الانكشاف القليل لا يمنع، وكذا الكثير في الزمن القليل، وهو أن لا يؤدي فيه ركنا من أركان الصلاة، حتى لو انكشفت عورته في الصلاة فغطاها في الحال لا تفسد صلاته
------------------
= خاف أن تنكشف عورته (٨١٤) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: آخر النساء المصليات آراء الرجال أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال
، (١٣٣ / ٤٤١) ، النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في القرار (٢ / ٧٠) . (١) في الأصل: " إلى"
стр. 1206
وإذا أدى به ركنا فسدت، ولا يصح شروعه في الصلاة مع الانكشاف.
وذكر ابن شجاع: أن من نظر في زيقه فرأى فرجه لم تصح صلاته،
وعامة أصحابنا جعلوا السَتر شرطا عن غيره لا عن نفسه، لأنها ليست
عورة في حق نفسه. وبقول ابن شجاع: قال الشافعي، وأحمد. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
***
/ ٧٣- بَابٌ: في الرَّجُل يُصَلي في ثَوْب بَعْضُه عَلى غَيْره [ ١/٢١٤-ب]
أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يصلي في ثوبِ والحال أن بَعْضه
على غيره.
وقوله: " بعضه " مبتدأ، وخبره: "على غيره "، ومحله من الإعراب
يجوز أن يكون جرا على أنه صفة لثَوْب، ويجوز أن يكون نصبا على أنه
حال بترك الواو من قبيل: كلمتُه فوه إلىَ فيَّ. وفي بعض النسخ: "باب
ما جاء في الرجل يصلي في ثوب واحدِ بعضُه على غيره " (١) .
٦١٢- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا زائدة، عن أبي حَصين، عن
أبي صالح، عن عائشة أن النبي- ﵇ صلى في ثوبٍ واَحد بَعْضُه
علي (٢) .ً
ش- رائدة: ابن قدامة، وأبو حَصِين- بفتح الحاء- عثمان بن عاصم
الأسدي، وأبو صالح: السمان.
قوله: "بعضُه " أي: بعض الثوب (علي) . وهذه الجملة محلها
الجر، لأنها وقعت صفةً للثوب، ويجوز أن تكون حالاً بترك الواو كما
ذكرنا الآن. وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب بعضُه عليه وبعضُه على
المرأة، ما لم تكن المرأة مشاركة معه في الصلاة، وعلى غير المرأة- أيضاً-
سواء كان مشاركا معه في الصلاة أو لم يكن، وسواء كانت المرأة
стр. 1207
حائضا أو جنبا أو طاهرة، لما رُوِيَ عن عائشة- ﵂: كان النبي- ﵇ يُصلي من الليل وأنا إلى جَنْبه، وأنا حائض " وعَلَي مِرْط وعليه بَعْضُه إلى جَنْبه.
***
٧٤- بَابُ: الرَّجل يُصَلي في قميصٍ واحد
أي: هذا باب في بيان الرجل يصلي في قميص واحد، وفي بعض النسخ:" باب ما جاء في الرجل يُصلي في قميص واحد ".
٦١٣- ص- نا القعنبي: نا عبد العزيز- يعني: ابن محمد-، عن مُوسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل أَصيدُ أَفاصلّي في القميص الواحد؟ قال: " نعم، وازرُرْه ولو بشوكة" (١) .
ش- عبد العزيز: ابن محمد الدراوردي.
وموسى بن إبراهيم: ابن [عبد الرحمن بن] عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي. سمع: أباه، مسلمة بن الأكوع. روى عنه: عطاء بن خالد، والدراوردي، وعبد الرحمن بن أبي الموالي (٢) . روى له: أبو داود، والنسائي (٣) .
قوله: " أفأصلي " الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: "نعم"أي: صَل.
قوله: " وازْرُرْه " أمر من زر يَزر، من باب نصر ينصر، ويجوز فيه:
" زُرَّ " من حيث القاعدة بالحركات الثلاث في الراء كمُد، وبالفك يكون فيه الربعة أحوال، وإنما أمره بالزر ليأمن من وقوع النظر على عورته من
стр. 1208
زيقه حالة الركوع. ومن هذا أخذ ابن شجاع من أصحابنا أن من نظر إلى عورته من زيقه تفسد صلاته، وقد مر عن قريب.
قوله: " ولو بشوكة " الباء فيها متعلقة بمحذوف تقديره: ولو أن تزره بشوكة. وهذا الحديث: ليس بموجود في بعض النسخ، ولكنه صح في روايةَ أبي حفص الخولاني، عن أبي داود، وكذا رواه أبو سعيد بن الأعرابي، عن محمد بن عبد الملك، عنه. وأخرجه النسائي.
٦١٤- ص- نا محمد بن حاتم بن بزيع: نا يحيى بن أبي بُكير، عن إسرائيل، عن أبي حَرْمل (١) العامري- كذا قال: وهو أبُو (٢) حَوْمل العامري-، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه قال: أمنا جابر بن عبد الله في قميص ليس علي رداء، فلما انْصرف قال: إني رأيتُ رسول الله يُصلي في قميصٍ (٣) .
ش- يحيى بن أبي بكير- نَسْر- أبو زكرياء الكرْماني، وإسرائيل: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
وأبو حَوْمل العامري: روى عن: محمد بن عبد الرحمن، وروى عنه: إسرائيل. روى له: أبو داود (٤) .
وهو بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، وبعضهم قال: بالراء "حرْمل "، وليس بصحيح، والصواب بالواو، فلذلك نبه عليه أبو داود بقوله: " كذا قال وهو أبو حَوْمل " بالواو.
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر: ابن عُبَيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة، أبو غِرارة القرشي التيمي المُليكي المكي، زوج جَبْرة- بالجيم
стр. 1209
والباء الموحدة- روى عن: أبيه، وابن أبي مُليكة، وموسى بن عقبة، وغيرهم. روى عنه: أبو حومل العامري، وأبو عاصم النبيل، ومسدد، وغيرهم، فقال أحمد: لا بأس به، وكذا قال أبو زرعة. روى له:
أبو داود، وابن ماجه (١) .
وأبوه: عبد الرحمن، روى عن: جابر بن عبد الله، وابنه، وعمه: [١/٢١٥-أ] عبد الله، والقاسم بن محمد، / وغيرهم. روى عنه: أبو معاوية، ويزيد بن هارون، وروح بن عبادة، وغيرهم. قال ابن معين: ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) .
واستفيد من هذا الحديث: جواز الصلاة في قميصِ واحد. وعن ابن
عباس: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان ضيقا. وبهذا أخذ
أصحابنا حتى إذا كان القميص رفيعا بحيث أنه يُرى منه جسده لا تجور
الصلاة فيه.
***
٧٥- بَاب: إذا كان ثوبا ضيقا (٣)
أي: هذا باب في بيان ما إذا كان علي ثوبا ضيقا، وفي بعض النسخ:
" إذا كان ثوب ضيق ".
٦١٥- ص- نا هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، ويحيى بن الفضل السِجسْتاني قالوا: نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل- نا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَة، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابرا- يعني: ابن عبد الله- قال: سرتُ مع رسول الله- ﵇ في غزوة فقامَ يُصلي وكانت علي بُردة ذهبتُ أخالفُ بَين طرفيها، فلم تبلغ لي وكانت لها ذباذبُ فنكستُها ثم خالفت بين طرَفيها، ثم تواقصتُ عليها لا
стр. 1210
تسقط، ثم جئتُ حتى قمتُ عن يَسارِ رَسُول الله ﷺ ، فأخذ بيدي (١) حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صَخْرٍ حتى قامِ عن يَسارِه، فأخذنا بيديْه جميعاً حتى أقامنا خلَفه، قال: وجعل رسولُ الله يرْمُقُني وأناَ لا أشعُرُ ثم فطنتُ به، فأشارَ إلي أن اتزرْ بها، فلما فرغ رسولُ الله قال: " يا جابرُ"، قلتُ (٢) : لبيكَ يارسول الله، قال: " إذا كان واسعا فخالفْ بين طرفَيْه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حَقْوِك " (٣) .
ش- هشام بن عمار: أبو الوليد الدمشقي، وسليمان بن عبد الرحمن:
أبو أيوب الدمشقي، وحاتم: ابن إسماعيل الكوفي المدني، ويعقوب بن مجاهد: القاص المدني، وعُبادة بن الوليد: ابن عبادة بن الصامت أبو الصامت الأنصاري المدني، والكل ذكرناهم.
قوله: " بُرْدة " البُرْدة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مُربع، وقد ذكرت غير مرة.
قوله: " ذباذبُ " ذباذب الثوب: أهْدابُه، سُميت بذلك لتذبذبها. وقال ابن الأثير: ذباذبُ الثوب: أطرافه، واحدها: ذِبْذب- بالكسْر- سميت بذلك لأنها تتحرك على لابسها إذا مشى.
قو له: "فنكستُها " أي: قلبتُها.
قوله: " ثم تواقصتُ عليها" أي: انحنيتُ وتقاصرتُ لأمسكها بعُنقي كأنه يحكي خلْقة الأوقص من الناس، وهو الذي قصرت عنقه خلْقةً. قوله: " فجاء ابن صَخْر " هو أبو عبد الله: جبار بن صخر الأنصاري السلمي، شهد بدرا والعقبة، جاء مبينا في " صحيح مُسلم ".
قوله: " يَرْمُقني " أي: يَنظر إلي، من رَمَقْتُه أرمُقه رمقا نظرتُ إليه، ورمق ترميقاً: أدام النظرَ.
стр. 1211
قوله: " ثم فطنت به " أي: فهمته، من فطن للشيء بالفتح، ورجل فَطِن، وفَطُن- بكسر الطاء وضمها- وقد فطِن- بالكسْر- فطْنة وفِطانة وفَطانِية.
قوله: " لبيك " معناه: لزمتُ لزوما بطاعتك بعد لزوم، وقيل: أجبتُ إجابةً بعد إجابة، من ألب بالمكان إذا أقام به، وأصله: ألبيتُ إلبابا بعد إلباب أي: إقامةً على طاعتك بعد إقامةٍ، ثم حذف الصلات تخفيفاً ثم الفعل استغناء بأحد المصدرين، ثم حذف زوائدهما، ثم ثُنيا وأضيفا إلى الكاف فصار لبيك، وقال يونس: هو مفرد أصله سبب، فقلبت لامه الأخيرة ياء ثم ألفاً ثم أضيف إلى الكاف فقلبت ياء، لأنه يلازم الإضافة وعدم التصرف كعليك ولديك، وهذا من القسم الذي حذف فعله سماعاً. وقد قيل: هذا النوع سماعية من جهة أنه لا يجاوز ما سمع من المثنى بهذا المعنى، ولا يقاس علي ما لم يُسْمع، وقياسيّة من جهة أن كل ما جاء مثنى بهذا (١) المعنى حذف فعله وجوبا من غير أن يحتاج إلى سماع.
قوله: " على حَقْوك " الحقو- بفتح الحاء المهملة وكسرها-: الإزار، والأصل فيه: مَعْقدُ الإزار، ثم سمي به الإزار للمجاورة، وجمعه: أحْقٍ وأحْقاء.
ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا صلى مع واحد يقيمه عن يمينه.
الثانية: أنه إذا صلى مع اثنين يتقدم عليهما.
الثالثة: أن العمل اليسير لا يفسد (٢) الصلاة.
الرابعة: أنه إذا رمق إلى صاحبه وهو في الصلاة لا بأس عليه.
[١/٢١٥-ب) / والخامسة: أن الإشارة في الصلاة لا تُبطلها.
стр. 1212
والسادسة: أن الثوب إذا كان واسعا يخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا يَشده على حَقْوه. والحديث: أخرجه مسلم في أثناء حديث آخر الكتاب.
***
٧٦- بَابُ: مَنْ قالَ: يتّزرُ به إذا كَان ضيقا (١)
أي: هذا باب في بيان من قال: يتزر بالثوب إذا كان ضيقا، ولم يقدر أن يخالف بين طرفيه.
٦١٦- ص- نا سليمان بن حرب: نا حَمادُ بن زَيْد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: قال عمر: إذا كان لأحدكم ثوبان فليُصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتّزر (٢) ولا يَشْتملْ اشتمال اليهود (٣) .
ش- أيوب: السختياني.
واشتمال اليهود المنهي عنه: هو أن يُجلّل بدنه الثوب، ويُسْبله من غير
أن يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث: فهو أن يجللَ بدنه الثوب ثم يرفعَ طرفيْه على عاتقه الأيْسر. وفي " المصنف ": نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب- ﵁ رأى رجلاً يُصلي ملتحفا فقال: لا تشبهوا باليهود، من لم يجد منكم إلا ثوبا وأحداً فليتّزر به.
حدَّثنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد قال: إذا أراد الرجل أن يُصلي، فلم يكن له إلا ثوب واحد اتّزر به.
٦١٧- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا سعيد بن محمد: نا أبو تُمَيلة: نا أبو المُنيب: عبيد الله العتكي، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: نهى رسولُ اَلله أن يُصلى في لحاف ولا يُوشحَ (٤) به، والآخر أَن تُصلي في سراويل ليْس عليك رداءٌ (٥) .
ش- سعيد بن محمد: ابن سعيد، أبو محمد الجرمي. سمع:
стр. 1213
شريكا، وعلي بن غراب، وأبا تُميلة، وأبا يوسف القاضي، وغيرهم. روى عنه: محمد بن هارون، والبخاري، ومسلم، وروى أبو داود وابن ماجة عن رجل، عنه. وقال ابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ثقة (١) .
وأبو تُميلة- بضم التاء المثناة من فوق- اسمه: يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم المروري. سمع: ابن إسحاق، وأبا حمزة السكري، وموسى بن عبيدة، وأبا المُنيب، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، والنُّفيلي، وإسحاق بن راهوَيه، ويعقوب الدورقي، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ليس به بأس، زاد أحمد: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. روى له الجماعة (٢) .
وأبو المُنيب عُبيد الله: ابن عبد الله المروزي أبو منيب السًنجي العتكي. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن بُريدة، والحسن البصري، وغيرهم. روى عنه: زيد بن الحباب، وأبو تُميلة، وعلي بن الحسن، وغيرهم. قال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: هو صالح. وقال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وعبد الله بن بُريدة: ابن الحُصيب (٤) .
قوله: "في لحافٍ " للحافُ: اسم ما يلتحف به، وكل شيء تغطيتَ
به فقد التحفت به.
قوله: "ولا يوشح به" التوشح: أن يَتشح بالثوب، ثم يُخرج طرفه
стр. 1214
الذي ألْقاه على عاتقه الأيْسر من تحت يده اليمنى، ثم يعْقد طرفيهما على صدْره، وقد وشحه الثوبَ.
قوله: " في سراويل " زعم ابن سيده أنه فارسيّ مُعرّب يُذكرُ ويؤنَث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، وجمعه: سراويلات، وقال سيبويه: لا يكسر، لأنه لو كسر لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد فترك. وقد قيل: سراويل جمع واحده سروالة، والسراوين: السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام، وفي " الجامع " للقزاز: سراويل وسرْوال وسرويل ثلاث لغات. وفي " الصحاح ": وهي مصروفة من النكرة، والعمل على هذا القول وعدم الصرف أقوى منه. وقال أبو حاتم السجستاني: السراويل مؤنثة لا يُذكرها أحد علمناه، وبعضُ العرب يَظنّ السراويلَ جماعةً، وسمعتُ من الأعراب من يَقولُ: الشِرْوال- بالشن المعجمة.
قلتُ: الشروال مثل السراويل، ولكنه يُلْبسُ فوق القماش كله لأجل حفظه عن الطين والوسخ، وغالب ما يُلبْسُه المسافرون لأجل التشمِير وحفْظ القماش، / والعجم تقول للسراويل: شلْوار. [١/٢١٦-أ] .
ووَجْه النهي عن الصلاة في لحاف لا يتوشحُ به: أنه إذا لم يتوشح به ربما تنكشف عورته، وأما وجهه عنً الصلاة في سراويل وليْس عليه رداء: فالظاهر أنه إذا كان قصيرا لا يَسْتر عورته، فأما إذا كان طويلاً وصلى فيه بدون الرداء، فصلاته جائزة، إلا أنها تكره، ومن هذا كره بعضُ أصحابنا الصلاة في السراويل وَحْدها.
***
٧٧- بَابُ: الإِسْبَال فِي الصَّلاة
أي: هذا باب في بيان إسْبال الإِزار في الصَلاةِ، والإسْبال: الإرْسالُ، وليْس في غالب النسخ: "باب الإِسْبال في الصلاة " بل ذكر حديث أبي هريرة الذي نذكره الآن عجيب حديث عبد الله بن بريدة بلا
стр. 1215
فاصلٍ بينهما ببابٍ ونحوه، وفي بعض النسخ الصحيحة الحديثاًن اللذان ذكرا في هذا الباب ذُكِرا عَقيب حديث جابر مُتصلٍ به بدُون ذكر بابٍ، وذكر "بابُ مَن قال يَتزر به " عقيبَ هَذين الحديثين.
٦١٨- ص- نا (١) موسى بن إسماعيل: نا أبانٌ: نا يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة قال: بيْنما رجل يُصَلي مُسْبِلاً إزارَه إذ قال له رسول الله- ﵇: " اذهب توضأ (٢) " فذهب فتوضأ ثم جاء، ثم قال: " اذهب فتوضَأ " فذهبَ فتوضأَ ثم جاء / ثم قال: اذهب فتوضأ " فذهب فتوضأ ثم جاء / (٣) فقال له رجل: يا رسول الله، مَا لكَ أمَرْتَه أن يَتَوضأ؟ قال (٤) : " إنه كان يُصلي وهو مُسْبِلٌ إزارَه، وإن الله لا يقبلُ صلاةَ رجل مُسْبلٍ إزارَه " (٥) .
ش- أبان: ابن يزيد العطار، ويحيى: ابن أبي كثير، وأبو جَعْفر: رجل من أهل المدينة لا يُعْرف له اسمٌ. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " بينما رجل " قد مرّ غير مرة أن أصله: " بَيْنَ"، وأنه ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويَحتاجُ إلى جواب يَتم به المعنى، وجوابه: " إذ قال له " وأنه يُضافُ إلى جملة من فعل وفاعل، أو مُبتدإ وخبر. وقوله: " رجل " مرفوع على أنه مُبتدأ قد تخصص بالصفة وهو قوله: " يُصلّي "، والخبر محذوف، و" مُسْبلاً " حالٌ، وتقدير الكلام: بَيْنما رجل مُشتغل بالصلاة في مكان، حال كونه مُسبلاً إزاره، إذ قال له- ﵇. وفي بعض النسخ المضبوطة: " مُسبلٌ إزاره" بالرفع، فوجهُه: أن يكون خبراً بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مسبل، هذا على
стр. 1216
تقدير صحة الرواية بالرفع. وإنما أمرَه- ﵇ بالوضوء مرتين زجرا علي لما فعل من إسبال إزاره، فكأنه- ﵇ رأى وضوءه وهو في هذه الحالة كَلا وضوء، والصلاة لا تجوز إلا بوضوء. والحديث منسوخ وضعيف- أيضاً-، لأن فيه رجلاً مجهول الاسم، وهو أبو جعفر المذكور.
٦١٩- ص- نا زبد بنِ أخزم: نا أبو داود، عن أبي عوانة، عَن عاصمٍ، عن أبي عثمان، عن ابن مسعُود- ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يَقول: " من أسْبَلَ إزارَه في صلاته خُيَلاءَ فليْس من الله في حل ولا حَرَ أم " (١) .
ش- زيد بن أخزم: أبو طالب الطائي النبهاني الحافظ البصري. روى عن: عبد الرحمن بن مَهْدي، وأبي عاصم النبيل، وإبراهيم بن سَعْد، وغير هم. روى عنه: البخاري، ومسلم، َ وأبو ما ود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. مات بعد دخول الزنج البصرة وذبحته الزنج سنة سبع وخمسين ومائتين (٢) . وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وأبو عوانة: الوضاح، وعاصم: ابن سليمان الأحول.
وأبو عثمان: ابن سَنَّةَ الخزاعي الكعبي الشامي الدمشقي. روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مَسْعود. روى عنه: الزهري وغيره، سئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعْرف اسمَه (٣) .
قوله: " خُيلاء " نَصْب على التعليل يعني: لأجل الاختيال، أو نصب على الحال يعني: مختالا، الخُيلاء- بالضيم والكسر-:َ الكبْرُ والعُجْبُ
стр. 1217
يُقال: اختال فهو مُختال وفيه خُيلاء ومَخيلة أي: كبر، ويُقال: خَال الرجلُ فهو خَائل أي: مُختال.
قوله: " فليس من الله في حل ولا حَرامٍ " الحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال والمعنى (١) ، وكلمة
" من " هاهنا بمعنى: " عند " كما في قوله تعالى: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادهم مَّنَ الله شيئاً﴾ (٢) ، [١/٢١٦ - ب] والمعنى: / فليْس عند الله في شيء، وقد شاع بَيْنَ العَرب ضربُ المثل بقولهم: فلان لا ينفع للحلال ولا للحرام، ويُريدون به أنه سَاقط من الأعْين، لا يُلْتفتُ إليه، ولا يُعبا به وبأفْعاله، وكذلك معنى الحدَيث: من أسْبل إزاره في صلاته خُيلاء فليْس هو عند الله في شيء، ولا يَعْبا الله به ولا بصلاته، ثم إسبالُ الثوْب خارج الصلاة إن كان لأجل الاختيال يكره- أيضاً-َ، وإن لم يكن للاختيال لا يكره، وكرهه البعض " مطلقا في الصلاة وغَيْرها للاختيال وغيرها.
ص- قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفا على ابن مسعود , منهم: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية.
ش- أي: روى هذا الحديث جماعة من أهل الحديث عن عاصم الأحول غيرَ مرفوع إلى النبي- ﵇، بل موقوفا على عبد الله ابن مَسعود، منهم: الحمادان، وأبو الأحوص: عوفُ بن مالك، وأبو مُعاوية الضرير.
***
٧٨- بَاب: فِي كم تُصلِي المرأة ؟
أي: هذا باب في بيان حكم المرأة تصلي في كم من الثياب؟ وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في كم تصلي المرأة؟ ".
стр. 1218
اعلم أن " كم " في كلام (١) العرب على وَجْهين، بمعنى: " كثيرِ " واستفهاميّة يعني: أيُ عدد؟ ويشتركان في خمسة أمور: الاسمية، والإبهام، والافتقار إلى التمَييز، والبناء، ولزوم التصدير، ويفترقان في خمسة أمور: الأول: أن الكلام مع الخبرية يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الاستفهامية، الثاني: أن المتكلم بالخبريّة لا يستدعي من مخاطبه جواباً، لأنه مخبر، بخلاف المتكلم بالاستفهامية، لأنه مُستخبِرْ، الثالث: أن الاسم المبدل من الخبريّة لا يقترن بالهمزة، بخلاف المبدل من الاستفهامية، يُقال في الخبرية: كم عبيد لي خمسون بل ستون، وفي الاستفهامية: كم مالك: عشرون أم ثلاثون؟ الرابع: أن تمييز الخبرية مفرد أو مجموع تقول: كم عبد ملكت؟ وكم عبيد ملكتُ؟ ولا يكون تمييز الاستفهامية إلا مفرداً، خلافاً للكوفيين، والخامسُ: أن تمييز الخبرية واجب الخفض وتمييز الاستفهامية منصوب، ولا يجوز جرة مطلقاً، خلافاً للفراء الزجاج وابن السِّراج، بل بشرط أن تجر " كم " بحرف جر، فح (٢) يجوز في التمييز وجهان: النصب- وهو الكثير- والجرّ خلافاً للبعض. وإنما طولت الكلام- وإن كان هذا ليس بمناسب لهذا المقام- ليعرف المُحدّث كل " كم " تقع في هذا الكتاب من أي قسم هو؟ وما حالُه من الإعراب؟ فيَسْهلَ علي المعنى.
٦٢٠- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن زَيْد بن قنفذ، عن أمه، أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت (٣) : تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يُغيب ظهور قدمَيْها (٤) .
ش- مالك: ابن أنس.
ومحمد بن زيد: ابن المهاجر بن قنفذ التيمي الجُدْعاني المدني. روى عن: عبد الله بن عمر، وعُمير مولى آبي اللحم، وأبي سلمة بن
стр. 1219
عبد الرحمن، وأمّه. روى عنه: مالك بن أنس، ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، وحفص بن غياث، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
قوله: " ماذا تصلي فيه " اعلم أن " ماذا " على أوجه، أحدها: أن تكون " ما " استفهاماً، و" ذا " إشارةً نحو: ماذا الوقوف؟ والثاني: أن تكون " ما " استفهاماً، و " ذا " موصولة، نحو قوله تعالى: " ماذَا يُنفقُونَ " (٢) في أحد الوجهين، الثالث: أن يكون " ماذا " كله استفهاماً علَى التركيب، كقولك: لماذا جئت؟ الرابع: أن يكون " ماذا " كله اسم جنس بمعنى " شيء " أو موصولاً بمعنى " الذي "، الخامس: أن تكون "ما" زائدة و " ذا " للإشارة، السادسُ: أن تكون " ما " استفهاماً و" ذا " زائدة؟ أجازه جماعة , منهم: ابن مالك في نحو: ماذا صنعتَ؟
قوله: " في الخمار " الخمار- بكسر الخاء- للمرأة، يُسمّى به لتخمير المرأة رأسَها به، أي: تُغطِيها به، ومنه الخمرُ، لأنها تغطي العَقْل. والخُمُر- بتحريك الميم- وهو كل ما سَتَرك من شجر أو بناء أو غيره، ومكان خِمرٌ - بكسر الميم- أي: ساتِرٌ، وخُمارُ الناس- بالضم- رَحمتهم.
قوله: "الدرع السابغ " الدرعْ- بكسر الدال- القمِيصُ، والسابغ - بالغين المعجمة- بمعنى الشامل على جميع بدنها، يقال: شيء سابغ، أي: كامل وافِ.
قوله: " الذي يُغيّب ظهور قدمَيْها " تفسير السابغ بمعنى الشامل- كما ذكرنا- لأنه / إذا كان شاملاَ يكون ساتراً ظهور قدمَيْها. [١/٢١٧ - ب]
ويُسْتفادُ من الحديث: أن المرأة إذا صلّت وظهور قدميها مكشوفة لا تجور صلاتها، وبه قال مالك، والشافعي، وقال مالك: إن صلت
стр. 1220
وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت، وكذلك إن صلت وشعرها مكشوف. وقال الشافعي: تعيد أبداً. وقال أحمد: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وقال أبو حنيفة، والثوري: قدم المرأة ليست بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوف لم تُعدْ. ويروى عن أبي حنيفة أن قدميها عورة- أيضاً- لعموم قوله- ﵇: " الحرة عَوْرة "، واستثني عنها الوجهُ والكفان ت لقوله تعالى: ﴿ولا يبدينَ زِينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ منْهَا " (١) . وقال ابن عباس: هو الكحل والخاتمَ. وأخرج البيهقي عن عَقبة الأصم، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة في قوله تعالى: ﴿ولا يبدينَ زينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ منْهَا﴾ قالت: ما ظهر منها: الوجه والكفّان. قالَ الشيَخ في " الإمام ":َ وعقبة تكلم فيه.
٦٢١- ص- نا مجاهد بن موسى: نا عثمان بن عمر: نا عبد الرحمن بن عبد الله- يعني: ابن دينار-، عن محمد بن زيد بهذا الحديث قال عن أم , سلمة، أنها سألت رسول الله ﷺ : أتصلي المرأةُ في درعْ وخمار ليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرعُ سابغاً يُغطي ظهور قدمَيْها " (٢) .
ش- مجاهد بن موسى: أبو علي الخوارزمي.
وعثمان بن عمر: ابن فارس بن لقيط بن قيس أبو محمد أو أبو عدي العبدي البصري. روى عن: عبد الله بن عون، وداود بن قيس، ويونس بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: البخاري، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومجاهد بن موسى، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة رجل صالح. توفي ليلة الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة تسع ومائتين. وروى له: أبو داود، والنسائي (٣) .
وعبد الرحمن بن عبد الله: ابن دينار المديني العدوي مولى عبد الله بن
стр. 1221
عمر بن الخطاب. روى عن: أبيه، وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار. روى عنه: يحيى القطان، ومعن بن عيسى، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال ابن معين: في حديثه ضعْف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: بعض ما يرويه منكر لا يُتابع علي. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١) . ومحمد بن زيد: قد مر الآن.
قوله: " اتُصلي المرأة " الألف فيه للاستفهام.
قوله: " إذا كان الدرع " إلى آخره جوابُه محذوف تقديره: إذا كان القميص شاملاَ على جميع بدنها يُغطي ظهور قدميها تُصلي فيه وإلا لا. وفي " المصنف ": نَا أبو أسامة، عن الجريري، عن عكرمة قال: تصلي المرأة في درع وخمار حَصِيف.
ونا أبان بن صَمْعة، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صَفيقاً.
ونا أبو أسامة، عن الجُريري، عن عكرمة أنه كان لا يرى بأساً بالصلاة في القميص الواحد حصيفاً.
وذكر عن ميمونة بسند صحيح أنها صلت في درع وخمارٍ. ومن طريق أخرى صحيحة أنها صلت في درع واحد فُضُلاً، وقد وضعتْ بعض كمها على رأسها.
ومن طريق مكحول، عن " عائشة وعلي- ﵄: تُصلي في درع سابغ وخمارِ. وعن ابن عمر بسند صحيح: في الدرع والخمار والملحفة. وعن عبيدة ومحمد بن سيرين: الدرع والخمار والحَقوة. وعن إبراهيم: في الدرع والجلباب. وعن عروة، وقتادة، وجابر بن زيْد،
стр. 1222
وعطاء: في درع وخمار حَصيف. وعن الحكم: في درع وخمار. وعن
حماد: درع وملحفة تُغطِي رأسهَا. ومن حديث ليْث، عن مجاهد: لا
تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. وعن مجاهد، وعطاء، وابن
سيرين: إذا حضرتها الصلاة وليس لها إلا ثوب واحد، قالوا: تتزر به.
وفي " صحيح البخاري ": قال عكرمة: لو وارَت جسَدها في ثوب
جار- وفي نسخة: لأجْزأها (١) . وقوله: " وخمار حَصِيف " أي:
محكم، من أحْصفتُ الأمرَ أحكمتُه- بالحاء والصاد المهملتين- والمرادُ
منه: الصفيق. وقوله:" في درع واحد فُضُلاَ " أي: زيادة عليها.
قوله: " والجلباب " الإزار والر داء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة
تُغطي به المرأة رأسها وظهرها وصَدْرها، وجمعها: جلابيب.
ص- قال أبو داود: روى هذا الحديث: / مالك بن أنس، وبَكْرُ بن [١١/ ٢١٧] مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جَعْفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم
النبي- ﵇، قصَرُوا به على أم سلمة.
ش- بكرُ بن مُضر: ابن محمد المصري، وحفص بن غياث: ابن
طلق النخعي قاضي الكوفة، وإسماعيل بن جَعْفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني، وابنُ أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن، وابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق.
قوله:" قصرُوا به " أي: بهذا الحديث على أم سلمة، ولم يرفعوه
إلى النبي- ﵇.
" وسئل (٢) الدارقطني عن هذا الحديث فقال: يَرويه محمد بن زيد بن
المهاجر بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة، واختلف عنه في رفعه، فرواه
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عنه مرفوعا إلى النبي- ﵇
стр. 1223
وتابعه هشام بن سَعْد، وخالفه ابن وهب (١) ، فرواه عن هشام بن سَعْد موقوفا، وكذلك رواه مالك، وابن أبي ذئب، وابن لهيعة، وأبو غسان: محمد بن مطرف، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة موقوفا، وهو الصواب. وقال صاحب " التنقيح ": وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار روى له البخاري في " صحيحه "، ووثّقه بعضهم، لكنه غلط في رفع هذا الحديث. وروى الحاكم هذا الحديث في المستدرك " (٢) وقال: إنه على شرط البخاريّ. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وهذا الحديث فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والظاهر أنه غلِط في رفع هذا الحديث.
قلت: وكذا ذكره ابن حبان (٣) في " الضعفاء والمتروكين ".
٧٩- بَابُ المرأةِ تُصَلّي بغَيْر خِمَار
أي: هذا باب في بيان المرأة التي تصلي بغير خمارِ، وفي بعض النسخ:" بابُ ما جاء في المَرأة تصلي بغير خمار ".
٦٢٢- ص- نا محمد بن المثنى: نا حجاج بن منهال: نا حماد، عن قتاد (ة) ،،، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة زوج النبي- ﵇ قال: " لا تقبلُ صلاةُ (٤) حائضٍ إلا بخمارٍ " (ْ) . (٥)
стр. 1224
ش- حجاج بن المنهال: الأنماطي، أبو محمد السُّلمي مولاهم. وقيل: البُرساني، وبُرسان بطن من الأزْد. سمع: جرير بن حازم، وشعبة بن الحجاج، وأبا عوانة، وغيرهم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. وقال أحمد بن عبد الله: بصري ثقة، رجل صالح، وكان سمسارا يأخذ من كل دينار حبةً، فجاءه خراساني مُوسرٌ من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطاً فأعطاه ثلاثين ديناراً، فقال له: ما هذه؟ قال له: سَمْسرتك خذها، قال: دنانيرك أهون علينا من هذا التراب، هات من كل دينار حبةً، فأخذ دينارا وكسْرا. توفي في شوال سنة سبع عشرة ومائتين. روى له: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وحماد: ابن سلمة، وقتادة: ابن دعامة.
وصفية ابنة الحارث: البصرية، وهي أم طلحة الطلحات، وهو طلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي. روت عن: عائشة- ﵂، وكانت عائشة نزلت عليها قصر عبد الله بن خلف بالبصرة فسمعت منها صفية ونساء أهل البصرة. روى عنها: محمد بن سيرين، وقتادة. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " لا تقبل صلاةُ "، وفي رواية: " لا يقبل الله صلاة حائض " " أراد بالحائض: المرأة التي قد بلغت سن المحيض، ولم يرد به المرأة التي هي في أيام حَيضتها، فإن الحائض لا تصلي بوجه، ويُقال: الحائض هاهنا: من بلغت وأدركت سن المحيض، كما يًقال: محرم ومُتْهِم ومُنْجِد لمن دخل الحرم وتهامة ونجدا، ولم يرد به الحائض في أيام حَيْضها. قلت: هذا من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، إذ الحيض من أسباب البلوغ. وبهذا الحديث استدل صاحب " الهداية " في وجوب ستر العورة
стр. 1225
فقال: ويستر عورته لقوله تعالى: ﴿خُذوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجد﴾ (١)
أي: ما يُواري عورتكم عند كل صلاة، وقال- ﵇: " لا
صلاة لحائض إلا بخمار ِ" أي: لبالغة،
والحديث: أخرجه الترمذي- أيضاً- في الصلاة، وابن ماجه في
الحيض، وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن خزيمة، وعنه: ابن
[١/٢١٨- أ] حبان في "صحيحيهما" ولفظهما: " لا يقبل اللهُ / صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار " ذكره ابن حبان في أول القسم الثاني، ورواه الحاكم
في " المستدرك "َ في أثناء الصلاة، وقال: حديث صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجاه وأظنه لخلاف فيه على قتادة، ثم أخرجه عن سعيد،
عن قتادة، عن الحسن أن النبي- ﵇ قال: " لا صلاة لحائض
إلا بخمارِ"
قلتُ: بهذا اللفظ ذكره صاحب " الهداية " - كما ذكرناه.
ص- قال أبو داود: رواه سعيد- يعني: ابن أبي عروبة-، عن قتادة،
عن الحسن، عن النبي- ﵇.
ش- أي: روى هذا الحديث: سعيد بن أبي عروبة، وقد وقع الخلاف
فيه على قتادة- كما ترى- فلذلك لم يخرجاه، وإن كان الحديث
صحيحا كما قال الحاكم. " (٢) ورواه أحمد، وإسحاق بن راهويه،
وأبو داود الطيالسي في " مَسانيدهم " قال الدارقطني في كتاب " العلل ":
حديث " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارِ " يَرويه قتادة، عن محمد
ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، واختلف فيه على
قتادة، فرواه حماد بن سلمة عن قتادة هكذا مسنداَ مرفوعا عن النبي
﵇، وخالفه شعبة، وسعيد بن بشير (٣) ، فروياه عن قتادة
موقوفا، ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حَسان، عن ابن سيرين
стр. 1226
مُرْسلاً، عن عائشة أنها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك ورفعا الحديث، وقول أيوب وهشام أشبه بالصواب.
وروى الطبراني في " معجمه الوسط والصغير " (١) : حدثنا محمد بن أبي حرملة القلزمي بمدينة قلزم: ثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي: ثنا عمرو بن هاشم (٢) البَيْروتي: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: " لا يقبل الله من امرأة صلاةً حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر " انتهى. وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم (٢) ، تفرد به: إسحاق بن إسماعيل (٣) . ٦٢٣- ص- نا محمدُ بن عُبيد: نا حمادُ بن زيد، عن أيوب، عن محمد أن عائشة نزلت على صَفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله دخلَ وفي حجرتي جارية فألقَى لي حَقْوَه، وقًال: شُقيه شقتَيْن (٤) ، فأعْطي هذه نصفا والفتاةَ التي عند أم سلمة نصفا، فإني لا أراها إلا قد حاضَتْ، أَو لا أراهما إلا قد حَاضَتَا ". (٥)
ش- محمد بن عُبيد: الغبري- بالغين المعجمة- البَصْري، وأيوب: السختياني، ومحمد: ابن سيرين.
قوله: " أم طلحة الطلحات " وقد ذكرنا أن طلحة الطلحات هو طلحة ابن عبد الله بن خلف، وإنما قالوا له: طلحة الطلحات، لأنه كان في أجداده جماعة اسم كل واحد منهم طلحة، فأضيف طلحة إليهم، كما يقال لعبد الله بن قيس: ابن قيس الرُّقَيات، لأنه نكح ثلاث نسوة اسم
стр. 1227
كل واحدة: رقية، وقيل: كان له جدات اسم كل واحدة منهن: رقية، فأضيف إليهن.
قوله: " حَقْوه " الحَقْو: الإزار، والأصل فيه: مَعْقد الإزار، ولكن سمي به الإزار للمجاورة، وقد ذكرناه مَرةً.
قوله: " والفتاةَ " أي: وأعطي الفتاة، والفتاة الشابة.
واستفيد منه: أن البنت إذا حاضت بلغت، وأنه يجب عليها أن تَسْتر بدنها، ولا تكشف منها إلا الوجه والكفيّن سواء كانت في الصلاة أو غيرها، لأن الحرة عورة، يعني جميع بدنها عورة إلا ما استثنى الله تعالى منها وهو الوجه والكفان، وفي القدمين روايتان عن أبى حنيفة، وقد ذكرنا الخلاف عن قريب.
ص- وكذلك رواه هشام، عن محمد بن سيرين.
ش- أي: هشام بن حَسان البصري القُرْدُوسِي. وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: لم يسمع ابن سيرين من عائشة شيئاً.
* * *
٨٠- بَابُ السَّدْل (١) في الصَّلاة
أي: هذا باب في بيان حكم السَّدْلَ في الصّلاة، وَالسَدْلُ: الإرخاء، يُقال: سَدَل ثَوبَه يَسْدُله- بالضم- سَدْلا. وفسره أصحابنا منهم صاحب "الهداية " هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو كتفيه، ثم يُرْسِل أطرافه من جوانِبه.
٦٢٤- ص- نا محمد بن العلاء، وإبراهيم بن موسى، عن ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء. قال إبراهيم: عن أبي هريرة، أن رسول الله- ﵇ نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطِي الرجل فاه (٢) .
стр. 1228
/ ش- إبراهيم بن موسى: الرازي الفراء، وعبد الله: ابن المبارك [١/٢١٨-ب والحسن بن ذكوان: البصري أبو سلمة، وليس بأخي الحُسين بن ذكوان.
روى عن: أبي زيد، وعطاء، وسليمان الأحول، وغيرهم. روى عنه:
ابن المبارك، ويحيى القطان، وسعيد بن راشد، وغيرهم. قال ابن معين
وأبو حاتم: ضعيف. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه، ووثقه ابن حبان (١) .
وسليمان: ابن أبي مسلم الأحول المكي، خال ابن أبي نجيح، ويقال:
ابن خالته. روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، وغير هم. روى عنه: ابن جريج، وشعبة، وابن
عُيينة- وقال: كان ثقة-، وقال احمد: ثقة ثقة. روى له
الجماعة (٢) .
وعطاء: ابن أبي رباح.
قوله: " قال إبراهيم: عن أبي هريرة " أي: قال إبراهيم بن موسى في
روايته عن عطاء: عن أبي هريرة أن رسول الله نهى عن السدل، والحكمة
في النهي عن السدل: أنه يُشبه صنيع أهل الكتاب.
قوله: " وأن يُغطي " أي: ونهى أن يغطي الرجل فاه أي: فمَه،
والحكمة في هذا: أنه يُشبه فعل المجوس حال عبادة النيران، كذا قاله صاحب " المحيط ".
والحديث: أخرجه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك "
وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه
الترمذي بدون قوله: " وأن يغطي الرجل فاه "، وقال: لا نعرفه من
حديث عطاء، عن أبي هريرة مرفوعا إلا من حديث عِسْل بن سُفْيان.
قلت: تابعه سليمان الأحول- كما تقدم لأبي داود- وتابعه- أيضاً
стр. 1229
عامر الأحول كما أخرجه الطبراني في " معجمه الوسط " عن أبي بحر البكراوي- واسمه: عبد الرحمن بن عثمان-: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً فذكره، ورجاله كلهم ثقات إلا البكراوي، فإنه ضعّفه أحمد وابن معين وغيرُهما، وكان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه وروى عنه. وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه.
ص- قال أبو داود: رواه عسْل، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي
﵇ نهَى عن السدْلَ في الصلاة.
ش- عِسْل- بكسْر العن وسكون اَلسين المهملتين- هو ابن سفيان التميمي اليًربُوعي البَصري، كنيته: أبو قرة. سمع: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة. روى عنه: شعبة، وحماد بن سلمة، والحجاج الباهلي، وغيرهم. قال ابن معين: هو ضعيف، وقال احمد: ليس هو عندي قوي الحديث. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو قليل الحديث، وهو مع ضعفه يكتب حديثه (١) .
٦٢٥- ص- نا محمد بن عيسى بن الطباع: نا حجاج، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يُصلِّي سادلاً (٢) .
ش- حجاج: ابن محمد الأعور. وفي " المصنف " (٣) : نا ابن إدريس "، عن عبد الملك، عن عطاء أنه لم يكن يرى بالسَّدْل بأساً. نا ابن علية، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يَسْدُل.
نا ابن علية.، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم ابنه كان لا يرى به بأساً إذا كان علي قميص.
نا وكيع قال: نا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن محارب قال: رأيت ابن عمر يَسْدُل في الصلاة.
стр. 1230
نا وكيع قال: نا أبو شهاب موسى بن ثابت قال: رأيت سعيد بن جبير
يسدل في التطوع وعليه شقتان (١) مُلفقة.
نا وكيع: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود
أنه كان يَسْدُل في الصلاة.
نا وكيع: نا يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: لا بأس بالسَّدْل في
الصلاة.
نا عَبْدة، عن ابن أبى عروبة قال: رأيت ابن سيرين يَسدُل في الصلاة.
نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي قال: رأيت مكحولا يَسْدل طيلسانه
علي في الصلاة.
نا وكيع، عن مهدي بن ميمون قال: رأيت الحسن يَسْدلُ على القباء.
وروى أبو بكر- أيضاً عن جماعة كراهة ذلك؟ فقال: نا إسماعيل
ابن إبراهيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب،
عن أبيه أن عليا رأى قوماً يصلون وقد سَدَلُوا فقال: كأنهم اليهودُ خرجوا
من فِهرهم.
نا ابن إدريس "، عن ليث، عن مجاهد قال: كره السدل.
نا وكيع: نا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره السَدْل
في الصلاة مخالفةً / لليهود، وقال: إنهم يَسْدُلون (١/٢١٩-١)
* * *
٨١- بَابُ الصَلاة في شُعُرِ النسَاء
أي: هذا باب في بيان الصلاة في شَعُر النساء، والَشُعُر- بضم الشين
والعين - جمع شعار, وهو الثوب الذي يلي الجسدَ، والدثار: الثوب
الذي فوق الشعار.
٦٢٦- ص- نا عبيدُ الله بن معاذ: نا أبي: نا الأشعث، عن محمد، عن