مُرْسلاً، عن عائشة أنها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك ورفعا الحديث، وقول أيوب وهشام أشبه بالصواب.
وروى الطبراني في " معجمه الوسط والصغير " (١) : حدثنا محمد بن أبي حرملة القلزمي بمدينة قلزم: ثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي: ثنا عمرو بن هاشم (٢) البَيْروتي: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: " لا يقبل الله من امرأة صلاةً حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر " انتهى. وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم (٢) ، تفرد به: إسحاق بن إسماعيل (٣) . ٦٢٣- ص- نا محمدُ بن عُبيد: نا حمادُ بن زيد، عن أيوب، عن محمد أن عائشة نزلت على صَفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله دخلَ وفي حجرتي جارية فألقَى لي حَقْوَه، وقًال: شُقيه شقتَيْن (٤) ، فأعْطي هذه نصفا والفتاةَ التي عند أم سلمة نصفا، فإني لا أراها إلا قد حاضَتْ، أَو لا أراهما إلا قد حَاضَتَا ". (٥)
ش- محمد بن عُبيد: الغبري- بالغين المعجمة- البَصْري، وأيوب: السختياني، ومحمد: ابن سيرين.
قوله: " أم طلحة الطلحات " وقد ذكرنا أن طلحة الطلحات هو طلحة ابن عبد الله بن خلف، وإنما قالوا له: طلحة الطلحات، لأنه كان في أجداده جماعة اسم كل واحد منهم طلحة، فأضيف طلحة إليهم، كما يقال لعبد الله بن قيس: ابن قيس الرُّقَيات، لأنه نكح ثلاث نسوة اسم
стр. 1227
كل واحدة: رقية، وقيل: كان له جدات اسم كل واحدة منهن: رقية، فأضيف إليهن.
قوله: " حَقْوه " الحَقْو: الإزار، والأصل فيه: مَعْقد الإزار، ولكن سمي به الإزار للمجاورة، وقد ذكرناه مَرةً.
قوله: " والفتاةَ " أي: وأعطي الفتاة، والفتاة الشابة.
واستفيد منه: أن البنت إذا حاضت بلغت، وأنه يجب عليها أن تَسْتر بدنها، ولا تكشف منها إلا الوجه والكفيّن سواء كانت في الصلاة أو غيرها، لأن الحرة عورة، يعني جميع بدنها عورة إلا ما استثنى الله تعالى منها وهو الوجه والكفان، وفي القدمين روايتان عن أبى حنيفة، وقد ذكرنا الخلاف عن قريب.
ص- وكذلك رواه هشام، عن محمد بن سيرين.
ش- أي: هشام بن حَسان البصري القُرْدُوسِي. وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: لم يسمع ابن سيرين من عائشة شيئاً.
* * *
٨٠- بَابُ السَّدْل (١) في الصَّلاة
أي: هذا باب في بيان حكم السَّدْلَ في الصّلاة، وَالسَدْلُ: الإرخاء، يُقال: سَدَل ثَوبَه يَسْدُله- بالضم- سَدْلا. وفسره أصحابنا منهم صاحب "الهداية " هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو كتفيه، ثم يُرْسِل أطرافه من جوانِبه.
٦٢٤- ص- نا محمد بن العلاء، وإبراهيم بن موسى، عن ابن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء. قال إبراهيم: عن أبي هريرة، أن رسول الله- ﵇ نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطِي الرجل فاه (٢) .
стр. 1228
/ ش- إبراهيم بن موسى: الرازي الفراء، وعبد الله: ابن المبارك [١/٢١٨-ب والحسن بن ذكوان: البصري أبو سلمة، وليس بأخي الحُسين بن ذكوان.
روى عن: أبي زيد، وعطاء، وسليمان الأحول، وغيرهم. روى عنه:
ابن المبارك، ويحيى القطان، وسعيد بن راشد، وغيرهم. قال ابن معين
وأبو حاتم: ضعيف. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه، ووثقه ابن حبان (١) .
وسليمان: ابن أبي مسلم الأحول المكي، خال ابن أبي نجيح، ويقال:
ابن خالته. روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، وغير هم. روى عنه: ابن جريج، وشعبة، وابن
عُيينة- وقال: كان ثقة-، وقال احمد: ثقة ثقة. روى له
الجماعة (٢) .
وعطاء: ابن أبي رباح.
قوله: " قال إبراهيم: عن أبي هريرة " أي: قال إبراهيم بن موسى في
روايته عن عطاء: عن أبي هريرة أن رسول الله نهى عن السدل، والحكمة
في النهي عن السدل: أنه يُشبه صنيع أهل الكتاب.
قوله: " وأن يُغطي " أي: ونهى أن يغطي الرجل فاه أي: فمَه،
والحكمة في هذا: أنه يُشبه فعل المجوس حال عبادة النيران، كذا قاله صاحب " المحيط ".
والحديث: أخرجه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك "
وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه
الترمذي بدون قوله: " وأن يغطي الرجل فاه "، وقال: لا نعرفه من
حديث عطاء، عن أبي هريرة مرفوعا إلا من حديث عِسْل بن سُفْيان.
قلت: تابعه سليمان الأحول- كما تقدم لأبي داود- وتابعه- أيضاً
стр. 1229
عامر الأحول كما أخرجه الطبراني في " معجمه الوسط " عن أبي بحر البكراوي- واسمه: عبد الرحمن بن عثمان-: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً فذكره، ورجاله كلهم ثقات إلا البكراوي، فإنه ضعّفه أحمد وابن معين وغيرُهما، وكان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه وروى عنه. وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه.
ص- قال أبو داود: رواه عسْل، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي
﵇ نهَى عن السدْلَ في الصلاة.
ش- عِسْل- بكسْر العن وسكون اَلسين المهملتين- هو ابن سفيان التميمي اليًربُوعي البَصري، كنيته: أبو قرة. سمع: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة. روى عنه: شعبة، وحماد بن سلمة، والحجاج الباهلي، وغيرهم. قال ابن معين: هو ضعيف، وقال احمد: ليس هو عندي قوي الحديث. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو قليل الحديث، وهو مع ضعفه يكتب حديثه (١) .
٦٢٥- ص- نا محمد بن عيسى بن الطباع: نا حجاج، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يُصلِّي سادلاً (٢) .
ش- حجاج: ابن محمد الأعور. وفي " المصنف " (٣) : نا ابن إدريس "، عن عبد الملك، عن عطاء أنه لم يكن يرى بالسَّدْل بأساً. نا ابن علية، عن ابن جريج قال: أكثر ما رأيت عطاء يَسْدُل.
نا ابن علية.، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم ابنه كان لا يرى به بأساً إذا كان علي قميص.
نا وكيع قال: نا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن محارب قال: رأيت ابن عمر يَسْدُل في الصلاة.
стр. 1230
نا وكيع قال: نا أبو شهاب موسى بن ثابت قال: رأيت سعيد بن جبير
يسدل في التطوع وعليه شقتان (١) مُلفقة.
نا وكيع: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود
أنه كان يَسْدُل في الصلاة.
نا وكيع: نا يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: لا بأس بالسَّدْل في
الصلاة.
نا عَبْدة، عن ابن أبى عروبة قال: رأيت ابن سيرين يَسدُل في الصلاة.
نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي قال: رأيت مكحولا يَسْدل طيلسانه
علي في الصلاة.
نا وكيع، عن مهدي بن ميمون قال: رأيت الحسن يَسْدلُ على القباء.
وروى أبو بكر- أيضاً عن جماعة كراهة ذلك؟ فقال: نا إسماعيل
ابن إبراهيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب،
عن أبيه أن عليا رأى قوماً يصلون وقد سَدَلُوا فقال: كأنهم اليهودُ خرجوا
من فِهرهم.
نا ابن إدريس "، عن ليث، عن مجاهد قال: كره السدل.
نا وكيع: نا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره السَدْل
في الصلاة مخالفةً / لليهود، وقال: إنهم يَسْدُلون (١/٢١٩-١)
* * *
٨١- بَابُ الصَلاة في شُعُرِ النسَاء
أي: هذا باب في بيان الصلاة في شَعُر النساء، والَشُعُر- بضم الشين
والعين - جمع شعار, وهو الثوب الذي يلي الجسدَ، والدثار: الثوب
الذي فوق الشعار.
٦٢٦- ص- نا عبيدُ الله بن معاذ: نا أبي: نا الأشعث، عن محمد، عن
стр. 1231
عبد الله بن شقيق (١) ، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ
لا يُصلي في شُعُرنا أو لحُفنا- شَكّ أبي (٢) ، (٣) .
ش- قد تقدم هذا الحديث في كتاب الطهارة بهذه الترجمة، وبهؤلاء الرواة بأعْيانهم.
قوله: " أو لحفنا " جمع لحاف؛ وهو ما يلتحف به، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به.
قوله: " شك أبي " أي: قال عُبيد الله بن معاذ: شك أبي: في شعرنا أو لحُفنا؟
* * *
٨٢- بَابُ: الرّجُل يُصَلي عَاقصاً شَعْرَه
أي: هذا باب في بيان الرجل يصلي حال كونه مَعْقوص الشعر، وأصل العقص: الليُّ وإدخال أطرافْ الشعْر في أصُوله، ولكن المراد من الشعر المعقوص: المَضفُورُ. وقال صاحب " الهداية ": ولا يعقص شعره، وهو أن يجمعَ على هامته ويشده بخيطٍ أو بصَمغْ ليتلبدَ.
٦٢٧- ص- نا الحَسنُ بن علي: نا عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبيِ سعيد المقبري يُحدث عن أبيه , أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله ﵊ مر بحسن بن علي وهو يُصلي قائماً وقد غرَزَ ضفْرَه في قفاه فحلها أبو رافع، فالتفتَ حسن إليه مغضباً فقال أبو رافع: أقبلْ على صلاتِك ولا تَغضَبْ، فإني سمعتُ رسول الله يَقولُ: " ذلك كِفْلُ الشَيطان " - يعني: مَقْعَدُ الشيطان، يعني: مَغرزُ ضفره (٤) .
стр. 1232
ش- الحسن بن عليّ: الخلال، وعبد الرزاق: ابن همام.
وعمران بن موسى: أخو أيوب. روى عن: سعيد المقبري، وعمر ابن عبد العزيز. روى عنه: ابن جريج. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (١) .
وأبو سعيد: اسمه: كيْسان المقبري، والد سعيد، الليثي الجندعي المدني، كان منزله عند المقابر فقيل له: المَقْبُري. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. روى عنه: ابنه: سعيد، وعمرو بن أبي عمرو، وحميد بن زياد، وغيرهم. قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بالمدينة. روى له الجماعة (٢) .
وأبو رافع: اسمُه: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، واشتهر بكنيته، وكان قبطيا، وقد ذكرناه.
والحسن بن علي: ابن أبي طالب القرشي الهاشمي، سبط رسول الله وريحانته، يكنى أبا محمد، ولد سنة ثلاث من الهجرة في منتصف رمضان. روى عنه: ابنه: الحسن بن الحسن، وسويد بن غفلة، والشعبي، وجماعة آخرون. مات سنة تسع وأربعين ودفن بالبقيع وصلى علي سعيد بن العاص. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
قوله: " وقد غرزَ ضفره " الضفر: المضفور من الشعر، وأصل الضفْر: الفتل، والضفائر هي العقائص المَضفُورة.
قوله: " ذلك كفل الشيطان " الكِفْل- بكسر الكاف وسكون
стр. 1233
الفاء- أصله: أن يَجمع الكساء على سَنام البَعير ثم يُركَب، قال الشاعر:
وراكبٍ على البَعير مكْتفِلْ يَحْفَى على آثارها ويَنتَعِل
ومراده: مقعد الشيطان- كما فسره في الحديث.
قوله: " يعني: مَغرز ضفره " المَغرز- بفتح الميم-: مَوضع الغَرْز.
وقال الخطابي (١) : وإنما أمرَه بإرسال الشعر ليَسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فسجد معه. وقد روي: " أمرت أن أسجد على سَبْعة آراب، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً " (٢) .
وقال بعض أصحابنا: وجه الكراهة فيه: أنه تشبه بالنساء.
" والحديث (٣) : أخرجه ابن ماجه، ولفظه: عن شعبة، عن مخول ابن راشد: سمعت أبا سعيد يقول: رأيت أبا رافع مولى رسول الله وقد رأى الحسن بن علي وهو يصلي وقد عقص شعره فأطْلقه وقال: نهى رسول الله أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره. وأخرجه الترمذي [١/٢١٩- ب] كأبي داود، إلا أنه قال / فيه عن أبي رافع، لم يقل: إنه رأى أبا رافع وقال: حديث حسن.
ورواه عبد الرزاق في" مُصنفه " (٤) : أخبرنا سفيان الثوري، عن مخول بن راشد، عن رجل، عن أبي رافع قال: نهى رسول الله أن يصلي الرجل ورأسه معقوص.
ورواه الطبراني في " معجمه " بإسناده إلى أبي رافع أن النبي- ﵇ نهى أن يصلي الرجل ورأسه مَعقوص.
стр. 1234
ورواه إسحاق بن راهويه في " مُسنده ". وقال الطحاوي في كتابه " مشكل الآثار" يَبْعد أن يكون أبو سعيد المقبري شاهد من أبي رافع هذه القصة، فإن وفاة أبي سعيد كانت سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت وفاة علي قبل ذلك بخمس وثمانين سنة، ووفاة أبي رافع قبل ذلك، وعلي كان وصي أبي رافع.
وقال عبد الحق في " أحكامه ": وهذا الذي استبعده الطحاوي ليس ببعيد، فإن المقبري سمع عمر بن الخطاب على ما ذكر البخاري في " تاريخه ". وقال أبو عمر بن عبد البر: توفي أبو رافع في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة علي، وهو أصح. وقال ابن القطان في " كتابه ": وهذا الذي قاله يحتاج إلى زيادة، وذلك إذا سلمنا أن أبا سعيد توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأن بين وفاته ووفاة عليّ خمساً وثمانين سنة، لأن عليا مات سنة أربعين، فينبغي أن نضيف إلى ذلك أيّامه وهي: أربع سنين وتسعة أشهر، وأيام عثمان وهي ثنتا عشرة سنةً، فهذه سبع عشرة سنةً غير رُبْع، فجاء الجميع مائة سنة وسنتَيْن، فلنفرض أنه سمع من عُمر في آخر حياته فلا أقلّ أن يكون سن مَنْ يَضْبطُ كثمانِ سنين أو نحوها، فهذه مائة سنة وعشر فيحتاج سن أبي سعيد أن يكون هذا القدر، وإلا فلا يصحّ سماعُه من أبي رافع؟ وهذا شيء لا يُعرف له ولا ذكر به، قال: فالأولى في ذلك: أن يُقال: إن وفاة أبي سعيد المقبري لم تكن سنة خمس وعشرين ومائة، فإني لا أعرف أحداً قال ذلك إلا الطحاوي، وإنما المعروف في وفاته إما سنة مائة- كما حكاه الطبري في كتابها" ذيل المذيل " (١) ، وقاله أبو عيسى الترمذي- وإما في خلافة الوليد بن عبد الملك- كما قاله الواقدي وغيرُه، وكانت وفاة الوليد سنة ست وتسعين- وإما في خلافة عبد الملك- وهو قول أبي حاتم الرازي- فلينزل على أبعد
стр. 1235
هذه الأقوال- وهو قول من قال: سنة مائة- حتى يكون بين وفاته ووقت حياة أبي رافع ستون سنة أو أكثر بقليل، وهذا لا يعد فيه، ولا يحتاج معه إلى تقدير سماعه من عمر، فانه وإن حكاه البخاري مشكوك فيه، ولم يحكه بإسْناد، والذي قاله غير البخاري أنه روى عن عمر، وهذا لا ينكر فإنه قد يُرْسل عنه، قال: ويؤيد ما قلناه: أن المقبري لا يَبْعد سماعُه من أبي رافع أن أبا داود روى الحديث المذكور وقال فيه عن أبي سعيد أنه رأى أبا رافع مرّ بالحسن، ففي هذا اللفظ أنه رأى هذا الفعل من أبي رافع وشاهد، ولكن في إسناده: عمران بن موسى، ولا أعرف حاله، ولا أعْرِف روى عنه غير ابن جريج. انتهى كلامه (١) .
٦٢٨- ص- نا محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن عَمْرو بن الحارث، أن بكيراً حدثه، أن كريباً مولى ابن عباس حدثه، أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يُصلي ورأسه مَعقوصٌ من ورائه فقَامَ وراءه فجعَل يَحلهُ وأقر له الآخر، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مَا لكَ ورأسي؟ قال: إني سمعتُ رسول الله يَقولُ: " إنما مثل هذا مثل الذي يُصلِي وهو مكتوف " (٢) .
ش- بُكير: ابن عبد الله الأشج، وكُريب: ابن أبي مسلم، وعَبْد الله ابن الحارث: ابن جَزْء الصحابي.
قوله: " ورأسه مَعْقوص " جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي في " يُصلي ".
стр. 1236
قوله: " وهو مكتوف " حال- أيضاً- المكتوف: الذي شذت يداه من
خلفه، فشبّه به الذي يَعْقدُ شَعَره في رأسه. والحديث: أخرجه النسائي.
وفي " المصنف ": نا ابن مهدي، عن زهير بن محمد، عن زيد بن
اسلم، عن أبان بن عثمان قال: رأى عثمان رجلاً يُصلي وقد عقد شعره
فقال: يا ابن أخي، مثل الذي يصلي وقد عقص شعره، مثل الذي
يصلي وهو مكتوف.
نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب /، عن عبد الله أنه (١/٢٢٠-١) دخل المسجد، فإذا فيه رجل يُصلّي عاقصٌ شعرَه، فلما انصرف قال عبد الله:
إذا صلّيت فلا تعقص شعرك، فإن شعرك يَسْجد معك، ولك بكُل شعرةٍ
اجر، فقال الرجل: إني أخاف أن يتترّب، فقال: تَتْريبُه خير لك.
* * *
٨٣- بَاب: فِي الصَّلاة في النعْلِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة في النعْلَ، وفي بعض النسخ: " باب
فيما جاء في الصلاة في النعل ".
٦٢٩- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابن جريج: حدثني محمّد بن
عباد بن جَعْفر، عن ابن سفيان، عن عبد الله بن السائب قال: رأيتُ
رسولَ الله يُصلي يومَ الفتح ووَضع نعلَيْهِ عن يَسارِه (١) .
ش- ابن سُفيان: اسمه: عبد الله أبو مسلمة، سماه أبو حاتم، وكناه
البخاري ولم يسمه، وكذا سماه أبو بكر في " مصنفه ". روى عن:
عبد الله بن السائب، وأبي أمية بن الأخنس (٢) . روى عنه: محمد بن
عباد، ويحيى بن صيفي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.
стр. 1237
قال أحمد: ثقة مأمون. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وعبد الله بن السائب: ابن أبي السائب- واسمه: صيفي- بن عابد (٢) - بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي القارئ، يكنى أبا السائب، وقيل: أبا عبد الرحمن، رُوِيَ له عن رسول الله- ﵇ سبعة أحاديث، روى له مسلم حديثاً وأحداً. توفي بمكة قبل ابن الزبير بيسير. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (٣) .
وفي الحديث من الأدب: أن تصان الميامن عن كل شيء مما يكون محلاً للأذى. ومن الأدب: أن يضع المصلي نعله عن يَسارِه إن كان وَحْده. والحديث: رواه أبو بكر بن أبي شيبة.
٦٣٠- ص- نا الحسنُ بن عليّ: نا عبد الرزاق، وأبو عاصم قالا: أنا ابن جريج قال: سمعتُ محمد بن عباد بن جعفر يَقولُ: أخبرني أبو سلمة ابن سفيان، وعبد الله بن المُسيب العَابدي، وعبد الله بن عَمْرو، عن عبد الله ابن السائب قال: صلى بنا رسول الله الصبحَ بمكة فاستفتح سُورةَ المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون وذكر مُوسَى وعيسى- ابنُ عباد شكّ أو اختلفوا- أخذت النبيَّ- ﵇ سَعْلة فحذف " فركعَ، وعبدُ الله بن السائب حاضر لذلك (٤) .
стр. 1238
ش- عبد الله بن المُسيّب: ابن أبي السائب العابدي القرشي. روى عن: عبد الله بن السائب، وعن: عمر، وابن عمر. روى عنه: ابن أبي مليكة، وعبد الله بن أبي جميلة (١) ، والعابدي: بالباء الموحدة. وعبد الله بن عَمرو هذا: ليس عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي،
بل هو عبدُ الله بن عَمرو الحجازي. روى عن: عبد الله بن السائب. روى عنه: أبو سلمة بن سفيان. روى له: مسلم، وأبو داود (٢) . قوله: " ابن عباد شك " أي: محمد بن عَباد المذكور شكّ بين ذكر موسى وهارون وبين ذكر موسى وعيسى.
قوله: " أو اختلفوا " أي: الرواةُ، منهم مَن قال: حتى إذا جاء ذكر مُوسى وهارون أخذت النبيَّ سَعْلة، ومنهم من قال: حتى إذا جاء ذكر موسى وعيسى أخذت النبيَّ سَعْلَة، والسَّعْلة- بفتح السن وسكون العن المُهملتين- وهي مرة من السُّعَالِ.
قوله: " فحذفَ "- بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة وفاءِ- أي: ترك بقية القراءة، وحذف الشيء: إسقاطه.
والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، وعند ابن ماجه: " فلما بلغ ذكر عيسى وأمّه أخذته سَعْلة أو قال: شَهْقة "، وفي رواية: " شرْقة ". وأخرجه الطبراني ولفظهُ: " يوم الفتح ". وأخرجه البخاري تعليقاً.
ويُستفادُ من الحديث فوائد، الأولى: استحباب القراءة الطويلة في صلاة الصبح، ولكن على قدر حال الجماعة.
الثانية: جواز قطع القراءة، وهذا لا خلاف فيه ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن عذر فلا كراهة- أيضاً - وهذا مذهب الجمهور، وعن مالك في المشهور: كراهته
стр. 1239
الثالثة: جواز القراءة ببعض السورة.
٦٣١- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن أبي نعامة السعْدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسولُ الله ص يُصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يَساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نِعالهم، فلما قضى رسول الله صلاتَه قال: " ما حملكم على إلقائكم (١) / [١/٢٢٠ - ب] نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيتَ نعلكَ (٢) فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﵇: " إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهمَا قذراً (٣) ، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعْليْه قذراً أو أذى فليَمْسَحْه، وليُصلي فيهما " (٤) .
ش- حماد: ابن سلمة.
وأبو نعامة: اسمه: عبدْ ربه البصري السَّعْدي. روى عن: أبي عثمان النهدي، وشهر بن حوشب، وأبي نضرة. روى عنه: أيوب السختياني، وشعبة، وحماد بن سلمي، ومرحوم بن عبد العزيز العطار. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٥) .
وأبو نَضْرة: المنذر بن مالك العَبْدي البصري.
قوله: " إذ خلع نعليه " جواب قوله: " بينما "، وقد مر الكلام في "بينما" غير مرة.
قوله: " أو أذى " أي: نجاسةً. والحديث: رواه ابن حبان في "صحيحه " في النوع الثامن والسبعة من القسم الأول، إلا أنه لم يقل فيه:
стр. 1240
" وليُصل فيهما ". ورواه عبد بن حُميد، وإسحاق بن راهوَيه، وأبو يعلى المَوْصلي في " مسانيدهم " بنحو أبي داود.
وبالحديث استدل أبو يوسف (١) أن الخف أو النعل ونحوهما إذا أصابته نجاسة فَدلكه بالأرض ومسَحه يَطهرُ، سواء كان رطباً أو يابساً، وسواء كان لها جرمٌ أو لم يكن، لإطلاق الحديث، وبه أفتى مشايخ ما وراء النهر، لعموم البلوى. وقال أبو حنيفة: المراد من الأذى: النجاسة العينية اليابسة، لأن الرطبة تزداد بالمسْح انتشاراً أو تلوثاً. وقال محمد: لا يطهر إلا بالغسل، وبه قال زفر، والشافعي، ومالك، وأحمد. والحديث حجة عليهم.
ويُستفاد من الحديث فوائد، الأولى: المسألة المذكورة.
الثانية: ذكرها الخطابي (٢) أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإن صلاته مجزئة ولا إعادة علي.
وقال أصحابنا: ولو رأى في ثوبه نجاسةَ، ولم يدر متى أصابته لا يُعيد صلاته حتى يتحقق بالإجماع، وفي رواية: يُعيد صلاة يوم وليلةِ.
فإن قيل: هذا إذا علم بها بعد أن صلى، وأما إذا علم بها وهو في الصلاة، فلا خلاف فيه أن صلاته تبطل، وعليه أن يستأنفها، فكيف يكون الجواب عن الحديث؟ لأنه- ﵇ علم بالنجاسة وهو في الصلاة ولم يُعدها. قلت: الجواب عن ذلك من وجهن، الأول: أن الحظْر مع النجاسة نزل حينئذ.
والثاني: يحتمل أنه كان أقل من الدرهم.
الثالثة: أن الأدب للمصلي إذا صلى وحده فخلع نعليه أن يضعها عن يساره، وأما إذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس، فإنه يضعها بين رجليه. وفي " المصنف،: نا وكيع: نا ابن أبي ذئب،
стр. 1241
عن سعيد المقبري، عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: كيف أصنع بنعلي إذا صليتُ؟ قال: اجعلهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلماً.
ونا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: رأيت ابن عمر خلع نعليه فجعلهما خلفه.
نا شبابة: نا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليْه ". الرابعة: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة، وهو الذي لا يحتاج فيه إلى استعمال اليدين.
الخامسة: ذكرها الخطابي (١) : أن الاقتداء برسول الله- ﵇ في أفعاله واجب كهو في أقواله، وهو أنهم لما رأوا رسول الله خلع نعله خلعوا نعالهم.
وقد قال الشيخ جلال الدين الخبازي في كتابه " المغني ": إن الأمر يتوقف على الصيغة عندنا خلافاً للشافعي حتى لا تكون أفعال النبي- ﵇ مُوجبة، لأنه يصح أن يقال: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه، ولو كان الفعل أمراً لكان هذا تناقضاً. انتهى.
قلت: كأنه بنى على هذا الاختلاف أن أفعال النبي- ﵇ غير موجبة.
فإن قيل: يرد عليه أن النبي- ﵇ إذا فعل فعلاً وواظب عليه من غير تركه مرة، تكون واجبة، مع أنه لم توجد فيه صيغة الأمر، قلت: يمكن أن يقال: المواظبة أمر زائد على نفس الفعل، والنزاع ليس إلا فيه، ثم تحرير / الخلاف في هذا الموضع أنه إذا نقل إلينا فعل من أفعاله- ﵇، التي ليست بسَهو مثل الزلات ولا طبع مثل الأكل والشرب، ولا من خصائصه مثل وجوب التهجد والضحى، ولا ببيان
стр. 1242
لمجمل مثل المسح على الناصية، هل يَسَعُنا أن نقول فيه: أمَر النبي- ﵇ بكذا؟ وهل يجب علينا اتباعُه في ذلك أم لا؟ فعند مالك في رواية وبعض الشافعية: يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة، ويجب علينا الاتباع، وعندنا: لا، من وجوه ثلاثة (١) ، الأول: يلزم التناقض في قولنا: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه على تقدير كون الفعل أمراً، والتناقض محال، وكل تقدير يلزم منه المحال فهو محال.
الثاني: لو كان الأمر حقيقة في الفعل لاطرد في كل الفعلِ، إذ لاطراد من غير مانع من أمارات الحقيقة، ولكنه لم يَطرد، إذ لا يقال: الآكل أو الشارب آمِر، فوجب أن لا يكون حقيقة فيه، لأن كل مقصود من مقاصد الفعل كالماضي والحال والاستقبال، مختصة بصيَغ وُضعَت لها، والمراد بالأمر من أعظم المقاصد لحصول الابتلاء به، فاختصاصُه بالعبارة أحق من غيره، فإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقةَ، ولا يكون حقيقة في غيره وإلا يلزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، ويُؤيدُ هذا كله: أنه- ﵇ لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناسُ نعالهم، فقال ﵇ منكراً عليهم بعد فراغه من الصلاة: " ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " فلو كان الفعلُ موجباً وأمراً لصَار كأنه أمَر بخلع النعال، ثم أنكر عليهم وهو باطل، وفيه نظر، لأنه- ﵇ عقل الإنكار في خلع النعال بأن جبريل- ﵇ قد أتاه وأخبره بأن فيهما قذراً، فالإنكار وقع لأمر زائد على الاتباع، وكيف يجوز الإنكار على نفس الاتباع؟ وقدْ أمِرنا بالاتباع والتأسي به لقوله تعالى: ﴿فَاتبعُوني﴾ (٢) ، ولقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمِْ فِي رَسُول الله أسوَة حَسَنَة﴾ (٣) ،َ ولقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فخُذوهُ﴾ (٤) وَفعله مما أتى به.
قلت: الصحيح المختار عند فخر الإسلام وشمس الأئمة ما قاله الإمام
стр. 1243
أبو بكر الرازي والجصاص: أن ما علمنا من أفعال النبي- ﵇ واقعاً على صفة من كونها واجبةً أو مَندوبةً أو مباحةً علينا اتباعُه، والاقتداء على تلك الصفة، وما لم نعلم من أفعاله على أي صفة فعلها قلنا: متابعته على أدنى منازل أفعاله وهي الإباحة، لأن الاتبَاع والاقتداء برسول الله هو الأصل لما تلونا.
٣٦٢- ص- نا موسى: نا أبان: نا قتادة: حدَّثني بكر بن عبد الله، عن النبي- ﵇ بهذا (١) قال: " فيهما خبَث ". قال في الموضعين: خبث (٢) .
ش- موسى: ابن إسْماعيل، وأبان: ابن يزيد، وبكر بن عبد الله: ابن عمر بن هلال أبو عبد الله المصري.
قوله: " قال: فيهما خبث " أي: في النعلين، والخبث- بفَتْحتين-: النجس.
قوله: " قال في الموضعين " وهما: قوله: " فأخبرني أن فيهما "، وقوله: " فإن رأى في نعليه "، وهذه رواية مُرْسلة.
٦٣٣- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا مروان بن معاوية الفزاري، عن هلال ابن ميمون الرملي، عن يَعْلى بن شداد بن أوس، عن أبيه قال: قال رسولُ الله: " خالِفوا اليهود، فإنهم لا يُصلون في نعالهم ولا خفافهم " (٣) .
ش- مروان بن معاوية: أبو عبد الله الوزاري الكوفي، وهلال بن ميمون: أبو علي الجهني الفِلَسطيني.
ويَعْلى بن شداد بن أنس: ابن ثابت الأنصاري الخزرجي التجاري المقدسي. روى عن: أبيه، روى عنه: عيسى بن سنان، والحسن بن الحسن، وهلال بن ميمون. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) . وشداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناف بن
стр. 1244
عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وشداد هو ابن أخي حسان بن ثابت
شاعر النبي- ﵇ الأنصاري النجاري المدني، يكنى أبا يعلى،
سكن بيْت المقدس وأعقب بها، رُوِيَ له عن رسول الله- ﵇
خمسون حديثاً، وأخرج له البخاري حديثاً ومسلم آخر. روى عنه: ابنه:
يعلى، وأبو إدريس الخولاني، ومحمود بن لبيد، وعبد الرحمن / بن [١/٢٢١-ب]
عمرو، وأبو الأشعث الصنعاني، وجماعة آخرون. مات ببَيْت المقدس
سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربع
وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باقِ إلى
الآن. روى له الجماعة (١) .
قوله: " خالفوا اليهودَ " يعني: خالفوا اليهودَ في لُبس النعال والخفاف
في الصلاة " فإنهم " الفاء فيه للتعليلَ، والخفاف جمع " خُف " وفيه
جواز الصلاة في النعل والخف إذا كانا طاهرَين، وكذلك كل ما يَلبسه
الرجل في رجْله تجوز الصلاة فيه إذا كان طاهراً.
٦٣٤- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا علي بن المبارك، عن حُسين المعلم،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: رأيتُ رسولَ الله يُصَلي
حافياً ومُنتعِلاً (٢) .
ش- مسلم بن إبراهيم: القصّاب البصري، وعلي بن المبارك: الهنائي
البصري، وحُسَن المعلم: ابن أكوان المكتب البصري.
قوله: " حافياً ومنتعلاً " حالاًن من الضمير الذي في " يُصفي " والحافي
مِن حفِي يَحْفَى من باب علم يعلم، وهو الذي يَمشِي بلا خُف ولا نعلِ،
وقال الكسائي: رجل حافِ بَين الحِفْوة والحِفْية والحِفاية والحِفاءِ بالمد،
стр. 1245
وقال: وأما الذي حَفِي من كثرة المشِي أي: رقت قدمُه أو حافره فإنه حَف بَين الحَفَا مقصور، والمُنتعلُ مِن انتعلتُ إذا احتذيت وكذلك نعلتُ، ورجل ناعلٌ ذو نعلِ، والنعلُ: الحَذَاءُ مُؤنثة وتصغيرها: نُعَيْلةْ. وفي الحديث: جواز الصلاة بلا كراهة حافياً ومُنتعلاً. وإنما ذكر الشيخ هذا الحديث عقيب الحديث المذكور حتى يُفهم أن الصلاة في النعْل غير واجبة، وإنما هي جائزة. والحديث: أخرجه النسائي.
***
٨٤- بَاب: المُصَلِّي إذا خَلع نَعْليْه أينَ يضعهما ؟
أي: هذا باب في بيان المُصلي إذا قلع نَعْليه وهو يريدُ الصلاةَ أينَ يضعها؟ وفي بعض النسخ: " باب في المُصلي"
٦٣٥- ص- نا الحسَنُ بن علي: نا عثمان بن عمر: ثنا صالح بن رستم أبو عامر، عن عبد الرحمن بن قَيْس، عن يوسف بن ماهك، عن أبي هريرة أن رسول الله- ﵇ قال: " إذا صلى أحدكم فلا يضع نعلَيه عن يمينه ولاعن يَساره فيكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجْليه " (١) .
ش- الحسَن بن علي: الخلال، وعثمان بن عمر: ابن فارس البصري. وصالح بن رستم: المزني مولاهم المصري أبو عامر الخزاز. سمع: الحسن البصري، وحميد بن هلال، وثابت بن أسلم البناني، وغيرهم. روى عنه: هشيم بن بشير، ويحي القطان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. وعن ابن معين: لا شيء. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود الطيالسي: نا أبو عامر، وكان ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (٢) .
وعبد الرحمن بن قَيس: روى عن: يوسف بن مَاهَك، وابن
стр. 1246
أبي رافع، حديثه في البصريين. روى عنه: صالح بن رستم. روى لي: أبو داود (١) .
ويوسُف بن ماهك: ابن بهزاد القرشي الفارسي المكي. سمع: ْ ابن عباس، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعائشة، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم بن مهاجر، ومحمد بن يزيد البصري، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " فلا يَضع نعليه عن يمينه " كلمة "عَنْ " يجوز أن تكون بمعنى "عَلى"، والتقدير: على موضع في جهة يمينه، ويجوز أن تكون بمعنى: " جانب "، والتقدير: فلا يضع نعليه جانبَ يمينه. أما اليمين فلأنه تُصان عن كل شيء مما يكون محلا للأذى، وأما يساره: فإنما لا يَضع فيه إذا كان في يساره ناس، وهو معنى قوله: " ولا عن يساره " أي: ولا يضع عن يَساره فيكون عن يمين غيره أي: فلأنه يكون ذلك عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحدٌ فح (٣) يضعهما عن يساره كما مر في الحديث في " باب الصلاة في النعْل ".
قوله: " وليضعهما بين رجليْه " راجع إلى قوله: " ولا عن يساره " لما قلنا، لأنه إذا لم يكن عن يساره أحد يضعهما عن يساره- كما ذكرناه. ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: صون الميامن لما قلنا.
والثانية: أنه يضع نَعْليه إذا أراد الصلاة / بين رجليه إن كان عن يساره أحد. [١/٢٢٢- أ]
الثالثة: يَضَعهما عن يَساره إذا كان خاليا عن أحدٍ.
الرابعة: ذكرها الخطابية (٤) : أن من خلع نعليه فتركها (٥) من ورائه أو
стр. 1247
عن يمينه أو متباعدة عنه من بين يَدَيْه، فتعقل بها إنسان فتلف، إما بأن خر على وَجْهه، أو تردى في بئرٍ بقُربه، أن عليه الضمان، وهذا لواضع الحجر في غير ملكه وناصِب السكن ونحوه لا فرق بَينهما.
وقال الشيخ زكي الدين في " مختصر السنن ": وفي إسناده:
عبد الرحمن بن قيس، ويشبه أن يكون الزعفراني البصري كنيته: أبو معاوية، ولا يحتج به.
٦٣٦- ص - نا عبد الوهاب بن نجدة: نا بقية، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي: حدَثني محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵊
قال: " إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يُؤذي بهما أحداً، ليجعلهما بين رجْليه أو ليُصل فيهما " (١) .
ش- عبد الوهاب بن نجدة: أبو محمد الحوطي الجبلي. سمع: إسماعيل بن عياش، وبقية، وشعيب بن إسحاق وغَيرهم. روى عنه: ابنه: أحمد، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (٢) .
وبقية: ابن الوليد، أبو محمد الحمْصي. وشعيب بن إسحاق: الدمشقي. وعبد الرحمن: الأوزاعي. ومحمد بن الوليد: ابن عامر الزبيدي الحمْصي، وسعيد: المقبرة، وأبوه: كيْسان المقبري.
قوله: " إذا صلّى أحدكم " أي: إذا أراد أحدكم أن يصلي فخلع نَعليه " فلا يُؤذي بهما أحداً " هذا في الصلاة مع الجماعة، يَضعُهما بَيْن رجليه إن تيسَّر علي، وإلا يُصلي فيهما ولا يقلعهما إن كانتا طاهِرتين.
***
٨٥- بَاب: الصلاة عَلَى الخُمْرة
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الخُمْرة، وفي بعض النسخ: " باب
стр. 1248
ما جاء في الصلاة على الخُمرة "، والخُمرة- بضم الخاء المعجمة وسكون الميم- كالحصير الصغير، يُعمل من سعَف النخل، ويُنسج بالسيُور والخيُوط، وهي على قدر ما يوضع علي الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك فهي حَصِير، وسميت بذلك لسَتْرها الوجه والكفين من حر الأرض وبَردها، وقيل: لأنها تخمرُ وجه الأرض أي: تستره، وقيل: لأن خيوطها مستورة بسَعَفها، وفي حديث ابن عباس: " جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله على الخُمْرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم "، وهذا ظاهر في إطلاق الخُمرة على الكبيرة من نوعها.
٦٣٧- ص- نا عمرو بن عون: نا خالد، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني ميمونةُ ابنت الحارث قالت: كان رسول الله- ﵇ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، ورُبما أصابني ثوبُه إذا سَجَد وكان يُصلي على الخُمْرة (١) .
ش- عمرو بن عون: الواسطي، وخالد: ابن عبد الله الواسطي الطحان، والشيباني: أبو إسحاق، وعبد الله بن شداد: ابن الهاد المدني، الكوفي، ومَيْمونة بنت الحارث أم المؤمنين.
قوله: " وأنا حذاءه " جملة اسمية وقعت حالاً، أي: والحال أنا بإزائه، والحذاء والحُذْوة وَالحِذَةُ كلها بمعنىً.
قوله: " وأنا حائض " أيضاً جملة وقعت حالاً واستفيد من الحديث فوائد، الأولى: جوار مخالطة الحائض.
والثانية: إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأة ولو كانت حائضا لا يضر ذلك صلاته.
стр. 1249
والثالثة: جواز الصلاة على الخُمرة من غير كراهةٍ.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، وابن أبي شيبة، ولفظه عن ابن عباس: كان رسول الله يصلي على خُمرة، وأخرجه ابن ماجه ولفظه: على بساط، وعند أحمد عن أم سليم أن النبي- ﵇ كان يصلي في بيتها على الخُمرة. وذكر ابن أبي شيبة، عن أم كلثوم وعائشة مثله، وفعله جابر بن عبد الله، وأبو ذر، وزيد بن ثابت، وابن عُمر، وقال ابن المسيب: الصلاة على الخمرة سُنة.
***
٨٦- بَابُ: الصلاة على الحصير
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الحَصِير، وفي بعض النسخ:، باب
ما جاء في الصلاة على الحَصِير) . قال ابن سيده في " المحكم " و " المحيط الأعظم ": / إن [١/٢٢٢- ب] الحصير سفيفة تُصنع من بَردي وأسَلٍ ثم يُفترش، سمي بذلك لأنه يَلي وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى حصيراً. وفي " الجمهرة ": الحَصيرُ عربي سمي حصيراً لانضمام بعضه إلى بَعضٍ. وقال الجوهري: الحَصِير: البارِية.
٦٣٨- ص- نا عبيد الله بن مُعاذ: نا أبى: نا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار: نا رسول الله، إني رجل ضخم- وكان ضخماً- لا أستطيع أن أصلي معك وصنع له طعاماً ودَعاه إلى بيْته، فصَل حتى أرَاك كيف تصلي فأقتدي بك، فنَضحُوا له طرفَ حَصير (١) لهم، فقام فصلى ركعتين. قال فلانُ بنُ الجارُود لأنس: أكانَ يُصليَ الضحى؟ قال: لم أرَه صلى إلا يومئذ (٢) .
ش- " ضخم " أي: سمين، والضخم: الغليظ من كل شيء.
стр. 1250
قوله: " فصَلِّ" خطابُ الرجل للنبي- ﵇.
قوله: " فنضحوا له " أي: لأجل الرسول، والنضح بمعنى الرش إن كانت النجاسة متوهمةَ في طرف الحصير، وبمعنى الغسل إن كانت متحققة أو يكون النضح لأجل تَلْيينه لأجل الصلاة عليه.
قوله: " قال فلان بن الجارود "، وفي رواية البخاري: " فقال رجل من آل الجارود"
قوله: " كان يُصلي؟ " الهمزة فيه للاستفهام. والحديث: أخرجه البخاري، وابن أبي شيبة، ولفظه: نا ابن علية، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس قال: صنعِ بعض عمومتي طعاما للنبي- ﵇ فقال: أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه، قال: فأتاه وفي البيْت فَحل من تلكَ الفحول، فأمَر بجانب منه فكُنسَ ورُش، فصلى وصَليْنا معه. انتهى. الفَحْل - بفتح الفاء وسكون اَلحاء المهملة-: حَصِير يتخذ من فُخَال النَّخْل؟ وهو ما كان من ذكوره فحلاَ لإناثه، والجمع: الفحاحيل.
ويُستفاد من الحديث فوائدُ، الأولى: جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل ليَسْتفيد من علمهم.
الثانية: استحباب إجابة الدعوة.
الثالثة: جواز الصلاة على الحَصير من غير كراهة، وفي معناه: كل شيء يُعملُ من نبات الأرض، وهذا إجماع، إلا مَا يروى عن عمر بن عبد العزيز، فإنه يعمل (١) على التواضع كما في قوله ﵇ لمعاذ: "عفر وجهك بالتراب"
فإن قيل: ما تقول في حديث يزيد بن المقدام من عند ابن أبي شيبة، عن المقدام، عن أبيه: شَريح أنه سأل عائشة: أكان النبي- ﵇
стр. 1251
يُصلي على الحَصِير؟ فإني سمعتُ في كتاب الله عَر وجَل: " وجَعَلنَا (١) جَهَنَّمَ للكافرِينَ حَصِيراَ " (٢) ، فقالت: لا، لم يكن يُصلي عليه؟ قلت: هَذا لَيس بصحيح؟ لضعف يزيد، ويَردّه الرواية الصحيحة. وقال أبو بكر (٣) : نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعِيد أن النبي- ﵇ صلى على حصيرٍ.
نا وكيع: ما عمر بن ذر، عن يزيد الفقير قال: رأيتُ جابر بن عبد الله يُصلي على حَصيرٍ من بَرْدي.
نا وكيع، عن هشام بن الغاز، عن مكحول قال: رأيتُه يُصلي على الحصير ويَسجد علي.
نا الفضلُ بن دكين، عن صفوان، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر أنه كان يُصلي على الخُمْرة.
نا حفصٌ، عن حجاج، عن ثابت بن عُبيد الله قال: رأيتُ زيد بن ثابت يُصلي على حصير يَسجُد عليه.
نا وكيع، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: أخبرني مَن رأى زيدَ ابن ثابت يُصلي على حصيرٍ.
نا وكيع، عن سفيان، عن توبة العَنْبري، عن نافع، عن ابن عمر
أنه كان يُصلي على حَصيرٍ.
الرابعة: استحباب صلاة الضحى.
الخامسة: جواز التطوع بالجماعة.
السادسة: جواز ترك الجماعة لأجل السمن المُفْرِط، وزعم ابن حبان في كتابه " الصحيح" أنه تتبع الأعذار المانعة من إتيان الجماعة من السنن فوجدها عشراً:المرض المانع من الإتيان إليها، وحضور الطعام عند
стр. 1252
المغرب، والنسيان العارض في بعض الأحوال، والسمن المُفْرِط، ووجود
المرء حاجته في نفسه، وخوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد، والبرد الشديد، والمطر المؤذي، ووجود الظلمة التي يخاف المرء
على نفسه المشي فيها، وأكل الثوم والبصل والكراث.
/ ٦٣٩- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا المثنى بن سَعيد: ما قتادة، عن [١/٢٢٣-أ]
أنس بن مالك أن النبي- ﵇ كان يَزورُ أمَّ سُلَيم فتُدرِكهُ الصلاةُ
أحيانا، فيُصلي على بساطٍ لنا وهو حَصِيرٌ ننضحُه بالماء (١) .
ش- المثنى بن سعيد: القَسام، أبو سعيد الضبعي الذارع البصري،
كان نازلا في بني ضبيعة ولم يكن منهم، رأى أنس بن مالك. وسمع:
قتادة، ونصر (٢) بن عمران، ولاحق بن حميد، وغيرهم. روى عنه:
يزيد بن زُريع، ويحي بن سعيد، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم.
قال أحمد وابن معين: هو ثقة. روى له: الجماعة (٣) .
قوله: " كان يزور أم سليم " وهي: أم أنس بن مالك.
قوله: " أحْيانا " نَصب على الظرف، وهي جمعُ " حين"
قوله: " وهو حصيرٌ " جملة اسمية وقعت تفسيراً لقولها: " على بساطٍ
لنا" والمراد من هذه الصلاة: النوافل التي تصلى قبل الفرائض، لأنه
﵇ ما كان يصلي الفرض إلا مع الجماعة، أو المراد منها:
صلاة الضحَى. ويستفاد من الحديث: جواز زيارة الأصحاب، وجواز
الصلاة على الحَصير من غير كراهة.
٦٤٠- ص- نا عبَيد الله بن عمر بن ميسرة، وعثمان بن أبي شيبة بمعنى
الإسناد والحديث قالا: نا أبو أحمد الزبيري، عن يونس بن الحارث، عن
стр. 1253
أبي عَون، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله يُصلي على الحصِير والفروة المدبوغة (١) .
ش- أبو أحمد: اسمه: محمد بن عبد الله بن الزُّبير بن عُمر الكوفي الزبيري، ويونس بن الحارث: الطائفي.
وأبو عون: هو محمد بن عُبَيد الله بن سعيد أبو عون الثقفي الأعور الكوفي. سمع: جابر بن سمرة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وشعبة، والثوري. قال ابن سعد: توفي في خلافة خالد بن عبد الله. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (٢) .
وأبوه: عُبَيد الله بن سَعيد الثقفي. روى عن: المغيرة بن شعبة. روى عنه: ابنه: أبو عونَ. قال أبو حاتم: هو مجهول. روى له: أبو داود (٣) .
قوله:" والفروة المدبوغة " أي: الجلد المدبوغ. وبهذا استدل أصحابنا أن السجدة على الجلد لا تكره. وقال مالك: تكره، وكذا الخلاف في المِسح، وهو قول الأسود. وقال أبو بكر: نا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسْود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمُسوح.
ولنا ما رواه أبو بكر قال: نا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر قال: صليت مع ابن عباس في بيْته على مِسح يَسْجد عليه.
نا أبو أسامة، عن عيسى بن سنان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يصلي على مِسح.
نا هشيم، عن مجالد، عن عامر، عن جابر أنه صلى على مِسح.
стр. 1254
نا عائذ بن حبيب، عن أبيه، عن رجل من بكر بن وائل قال: رأيت عليا يُصلي على مُصلى من مُسوح يركعُ عليه ويَسْجدُ.
نا هشيم قال: أنا الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: صلى بنا ابن عباس على طنفسةِ.
وعن ابن عمار قال: رأيت عُمر يصلي على عَبْقري. وعن بكر بن عبد الله المزني يقول: إن قيس بن عباد القيسي صلى على لَبد دابته. وعن إسماعيل بن أبي خالد: رأيت مُرة الهمداني يُصلي على لبدِ. ***
٨٧- بَابُ: الرجل يَسْجُد على ثَوْبه
أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يسجد على ثوبه، وفي بعض النسخ: "باب ما جاء"
٦٤١- ص- نا أحمدُ بن حنبل: نا بشْر- يعني: ابن المفضل-: نا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنَس بن مالك قال: كنا نُصلي مع رسول الله- ﵇ فيِ شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وَجْهه من الأرض بَسط ثوبه فسجد علي (١) .
ش- غالب القطان: هو غالب بن خَطاف وهو ابن أبي غيلان القطان البَصْري الراسبي، وهو مولى عبد الله بن عامر بن كريز. قال أحمد: خطاف بفتح الخاء. وقال ابن معين: بضمها. روى عن: الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني، والأعمش، وغيرهم. روى عنه:
стр. 1255
شعبة، وعبد الله بن شوذب، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال أحمد:
ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. روى
له الجماعة (١) .
والحديث: أخرجه الأئمة الستة، وعند النسائي: كنا إذا صلينا خلف
رسول الله- ﵇ بالظهائر سجدْنا على ثيابنا اتقاء الحر. وعند
[١/٢٢٣-ب] ابن أبي شيبة: كنا نصلي مع النبي- ﵇ / في شدة الحر والبَرْد فيَسجُد على ثوبه.
قال: وحدثنا شريك، عن حُسَين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن
النبي- ﵇ صلى في ثوب واحدِ يتقي بفضوله حر الأرض
وبَر د ها.
ومن حديث إبراهيم قال: صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر
الأرض وبَردها. ومن حديث إبراهيم قال: صلى عمر ذات يوم بالناس
الجمعةَ في يوم شديد الحر، فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه،
ثم قال: يا أيها الناسُ، إذا وجد أحدكم الحر فليَسْجد على طرف ثوبه.
ورواه زيدُ بن وهب، عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيم- أيضاً- وعطاء،
وفعله مجاهد. وقال الحسن: لا بأس به، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
وأحمد وإسحاق والشعبي وطاوس والأوزاعي. وقال الشافعي: لا يجوز، والأحاديث حجة علي. وقال الخطابي: تأويل حديث أنس عنده: أن
يَبسط ثوبا هو غيرُ لابسه.
قلت: الأحاديث المذكورة يرد (٢) هذا التأويل وتَخدُش فيه.
***
٨٨- بَابُ: تفْريع أبْواب الصُّفُوفِ
أي: هذا باب في بيان تفريع أبواب الصفوف، وإنما قال: تفريع
стр. 1256
أبواب الصفوف، لأن أحكام الصفوف كثيرة، ذكرها أولا بالعموم، ثم شرع في ذكرها مبينا كل نوع من أنواعها في باب مُستقلٍ بذاته.
***
٨٩- تَسْويةُ الصُّفوف (١)
أي: هذا الذي نذكره من الأحاديث هي تَسوية الصفوف، أي: بيان تسوية الصفوف، فيكون ارتفاع التسوية على أنها خبر مبتدأ محذوف، ويجور أن يكون " تسوية الصفوف" مبتدأ وخبره محذوفا، والتقدير: تسوية الصفوف هذه، أي: أحكام تسوية الصفوف هذه، ويجور انتصاب التسوية على تقدير: هاكَ تسْويةَ الصفوف.
٦٤٢- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير قال: سألتُ سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة، فحدثنا عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ " ألا تصُفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا: وكيف تصف الملائكةُ عند ربهم؟ قال: " يُتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف " (٢) .
ش- زهير: ابن معاوية، والمسيب بن رافع: الأسدي، والد العلاء. وتميم بن طرفة: الطائي الكوفي. سمع: جابر بن سمرة، وعدي بن حاتم الطائي، والضحاك بن قيس الفهري. روى عنه: سماك بن حرب،
стр. 1257
والمسيب بن رافع. مات سنة أربع وسَبْعين. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " الا تصفون " كلمة " ألا " للتحضيض، وهو حثهم على أن يصفوا كصف الملائكة.
قوله: " عند ربهم" اعلم [أن] كلمة " عند " للحضُور الحسي، نحو
(فَلما راَهُ مُسْتَقرا عندَهُ) (٢) ، والمعنوي نحو: " قَالَ الذي عندَهُ عِلِم منَ الكتاب) (٢) ، وللقُرب نحو: (وإِنهُمْ عِندَنَا لَمِنً المصطفين الأخْيَارِ) (٣) " وعند ربهم" من هذا القبيل، ويجوز فتح عَيْنها وضمها، والكسر أكثر، ولا تقع إلا ظرفا أو مجرورة بمِنْ، وقول العامة: ذهبت إلى عنده لحن.
قوله:" ويتراصون " أي: يتلاصقون حتى لا يكون بينهم فُرج، من رص البناء يرصه رَصا، إذا ألصق بعضه ببَعْضِ، فافهم.
ويُستفاد من الحديث: استحباب إتمام الصف الأول، واستحباب التَراص في الصفوف. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٦٤٣- ص- نا عثمان بن أبى شيبة: نا وكيع، عن زكرياء بن أبى زائدة، عن أبي القاسمِ الجدَلي قال: سمعتُ النعمان بن بَشير يقولُ: أقبلَ رسولُ الله على الناس بوجْهه فقال:" أقيموا صفوفكم " - ثلاثا- " والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن اللهُ بين قلوبكم ". قال: فرأيت الرجل يُلزقُ منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بِكعْبه (٤) .
ش- أبو القاسم هذا: اسمه: الحسين بن الحارث أبو القاسم الجدلي
стр. 1258
- جَديلة قيس- الكوفي. سمع: ابن عُمر، والنعمان بن بشير، والحارث بن حاطب، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن السائب، وشعبة، وابن أبي زائدة. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " لتُقيمُن " بضم الميم؟ لأن أصله:" تُقيمون" دخل علي نون التأكيد الثقيلة، وحذفت الواو لالتقاء / الساكنين. [١/٢٢٤-أ]
قوله: " أو ليخالفن اللهُ " بفتح اللام الأولى، لأنها لام التأكيد، وكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ " الله" مرفوع بالفاعلية.
اعلم أن " أو" في الأصل موضوع لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى (بل) وإلى معنى " الواو"، وهي حرف عطف، ذكر المتأخرون لها معاني كثيرةً، وهاهنا لأحد الأمْرين؟ لأن الواقع أحد الأمرين إما إقامة الصفوف أو المُخالفة، والمعنى: أو ليخالفن الله إن لم تُقيموا، لأنه قابلَ بين الإقامة وبيْنه، فيكون الواقع أحد الأمرين. ومعنى المخالفة بَيْن القلوب: أن يَتغيرَ بعضُهم على بَعْضٍ، فإن تقدم الإنسان على الشخص أو على الجماعة وتخليفه إياهم من غير أن يكون مقاما للإمامة، قد يُوغر صدورهم، وذلك موجب لاختلاف قلوبهم.
قوله: " يُلزق منكبه " - بضم الياء- من ألزق أي: يُلصق، يقال: لزقَ به لزوقا أي: لصق به، وألزقه به غيره.
قوله: " وكعبه بكعبه " أي: يلزق كعبه بكعب صاحبه. وفيه ما يدل على أن الكعب هو العَظم الناتِئ في مَفْصل الساق والقدم، وهو الذي يمكن إلزاقه، خلافاً لمَنْ قال: إنه مَعْقد الشراك من ظهر القدم. وأنكر الأصمعي قول من قال: إنه في ظهر القدم، قاله الشيخ زكي الدين في " مختصره".
قلت: نعم، إن الكعب هو العظم الناتئ في مفصل الساق والقدم،
стр. 1259
وهو الصحيح عنْدنا- أيضاً- فكأنه يُشنعُ بقوله: " خلافاً لمنْ قال: إنه مَعْقد الشراك من ظهر القدم"على أصحابنا، فإن هشاما روى عن محمد ابن الحسن أن الكَعْب هو المفصل الذي على وسط القدم عند مَعْقد الشراك، ولكن تفسير محمد هذا ليس في باب الوضوء، وإنما هو في باب الحج، والخصمُ- أيضاً- يُفسر الكعب في باب الحج بهذا التفسير. وبهذا الحديث قالت العلماء: إن إقامة الصف من حسن الصلاة، وينبغي للإمام أن يتعهد تسوية الصفوف، فقد كان لعمر، وعثمان رجال وكَلاهُم بتسوية الصفوف.
فإن قيل: قوله- ﵇:" أقيموا صفوفكم " أمر قارنه التكرار، وذكر معه الوعيد على تركه، فينبغي أن تكون إقامة الصفوف واجبا. قلت: فليكن واجبا، ولكنه ليس منْ واجبات الصلاة بحيث إنه إذا تركها أفسَد صلاته أو نقصها، ولكنه إذا تركها يأثم.
٦٤٤- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يَقولُ: كان النبي- ﵇ يُسوينا في الصفوف كما يُقومُ القدح، حتى إذا ظن أنَا قَدْ أخذنا ذلك عنه وصَفَفْنا (١) ، أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدْره فقَال: " لَتُسونَ صفوفَكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " (٢) .
ش- القِدح- بكسر القاف وسكون الدال-: خشب السهم حين تنحت وتُبرَى قبل أن يُنصلَ ويُراش، وجمعها: قداح- بكسر القاف. والمْعنى: يُبالغ في تسويتها حتى تصير كما تقوم السَهامُ.
قوله:" وصففنا " وفي نسخةِ:" وَصفنا" وفي رواية:" وفقِهنا"-
стр. 1260
بكسر القاف- أي: فهمنا، من الفقه وهو الفهم، واشتقاقه من الشقً
والفتح، يقال: فقه يَفقه فقها- بفتح القاف- وفقها- بسكونها- وفقُه
- بضم القاف- صًار فقيها، وذكر ابن دريد فيه الكسر كالأول، وقد
جعله العُرف خاصا بعلم الشريعة، وتخصيصا بعلم الفروع منها.
قوله: " إذا رجل منتبذ بصَدْرِه " يعني: منفرد من الصف بعيد عنه،
وثلاثيه نبذتُ الشيءَ أنبذهُ نبذأ فهو مَنْبوذ، إذا رمَيْتَه وأبْعدتَه. وفي الحديث:
مر بقبر مُنتبذ عن القبورَ، أي: منفرد بعيد عنها.
قوله: " لتسون " بفتح اللام وضم التاء وتشديد الواو وضمها.
قوله: " أو ليخالفن الله " الكلام فيه كالكلام في " ليخالفن " في
الحديث الأول، ومعنى المخالفة بين الوجوه: يحتمل أن تكون كقوله:
"أن يحول الله صورته صورة حمار " يخالف بصفتهم إلى غيرها من
المسوخ، أو ليخالف بوجه من لم يُقِم صفه، ويُغير صورته عن وجه من
أقامه، أو ليخالف باختلاف صورها بالمسخ والتغيير، / أو يكون المعنى: [١/٢٢٤-ب] يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال: تغير وجهُ فلان
علي، أي: ظهر لي من وجهه كراهية لي، وتغير قلبُه علي، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر هو
سبب لاختلاف البواطن.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم من حديث سالم بن أبي الجعْد،
عن النعمان بن بشير، فلفظ البخاري: قال النبي- ﵇:
لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" ولفظ مسلم: " كان
يُسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه
خرج يومأ فقام حتى كاد أن يكبر، فرأَى رجلاً باديا صدره فقال:"عباد
الله، لتسون صفوفكم) . وعند ابن ماجه: كان يسوي الصف حتى
يجعله مثل الرمح أو القِدح، قال: فرأى صدرَ رجلٍ ناتئا فقال الحديث.
وعند الترمذي، عن النعمان بن بشير قال: " كان رسول الله يسوي
صفوفنا، فخرج يوما فرأى رجلاً خارجا صدرُه عن القوم، فقال
стр. 1261
الحديث، وقال: حديث النعمان حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي- ﵇ أنه قال:" من تمام الصلاة: إقامة الصف". وروي عن عمر أنه كان يُوَكلُ رجالا بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يخبرُ أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استوُوا، وكان علي يقول: تقدمْ يا فلان وتأخر يا فلان.
٦٤٥- ص- نا هناد بن السريّ، وأبو عاصم بن جوّاس الحنفي، عن
أبي الأحْوص، عن منصور، عن طلحة الإيامي (١) ، عن عبد الرحمن بن عَوْسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله يتخللُ الصف من ناحية إلى ناحية يَمْسحُ صدورنا ومَناكبَنا، ويَقُولُ: " لا تختلفوا فتَخْتلفَ قلوبكم "، وكان يقوًلُ: " إن الله وملائكته يصلون على الصفُوفِ الأوَل " (٢) .
ش- أبُو عاصم: أحمد بن جواس الحنفي الكوفي. سمع:
أبا الأحْوص، وابن المبارك، ومحمد بن الفضل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٣) .
وأبو الأحوص: سلام بن سليم، ومنصور: ابن المعتمر، وطلحة:
ابن مصرف الإِيامي (٤) الهَمداني الكوفي، وعبد الرحمن بن عوسجة التميمي الهَمداني الكوفي.
قوله:" يتخللُ الصفّ " أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه.
قوله:" يَمْسح " بدل من قوله: " يتخلل، أو عطف بحذف حرف العطف، وحرف العطف قد يُحذف.
стр. 1262
قوله: " فتختلفَ " بالنصب جواب النهي، وأصله: فإن تختلفَ، والمعنى: إن يكن منكم اختلاف في الصفوف فاختلافُ القلوب من الله، وذلك نحو قوله تعالى:" وَلا تَطغَوْا فِيهِ فَيَحِل عَلَيكُمْ غضَبِي " (١) ، والمعنى: إن يكن منكم طغيان فإحلال غضب من الله.
قوله: " يصلون " قد ذكرنا غيْر مرة أن الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. والحديث أخرجه النسائي. وعند أحمد: " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ".
٦٤٦- ص- نا ابن معاذ: نا خالد- يعني: ابن الحارث-: نا حاتم
- يعني: ابن أبي صغيرة-، عن سماك قال: سمعتُ النعمان بن بشير قال: كان رسولُ الله يسَوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة إذا استوينا كبر (٢) .
ش- ابن معاذ: عُبيد الله.
وحاتم بن أبي صغيرة: أبو يونس القشيري مولى بني قشير من أهل البصرة، واسم أبيه: مسلم، يَرْوي عن: عمرو بن دينار، وسماك بن حَرْب. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وأبو صغيرة الذي نسب إليه حاتم: أبو أمه.
قلت: ذكره ابن حبان في" الثقات" ولم أجده في " الكمال " فكأنه سقط من الشيخ أو من الناسخ (٣) .
قوله: " إذا استوينا" بدل من قوله: " إذا قمنا "، وبه أخذ مالك، أن الإمام يشرع بعد الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف.
٦٤٧- ص- نا عيسى بن إبراهيم الغافقي: نا ابن وهب ح، ونا قتيبةُ: نا الليثُ- وحديثُ ابن وهب أتم-، عن معاوية بن صالح، عن
стр. 1263
أبي الزاهريّة، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر. قال قتيبةُ: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، لمِ (١) يذكر ابن عمر أن رسول الله- عليه
[١/٢٢٥-أ] السلام- قال: " أقيموا الصفوف / وحاذوا بَيْن المناكب، وسُدوا الخَللَ ولِينُوا بأيدي إخوانكم "- لم يَقُلْ عيسى: " بأيْدي إخوانِكم " ولا تذَرُوا فُرْجَات للشيطان، ومَنْ وَصَلَ صفا وصَله الله، ومنْ قطعَ صفا قطعه الله، (٢) ، (٣) .
ش- عيسى بن إبراهيم: ابن عيسى بن مَثْرُود الغافقي مولاهم المَثْرودي الأحدبي نسبة إلى أحْدب- بالحاء المهملة- بطن من غافق، أبو موسى البصري. روى عن: ابن عيينة، وابن وهب، وحجاج بن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة إحدى وستين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقة ثبتا (٤) .
وابن وهب: هو عبد الله بن وهب، والليث: ابن سَعْد، ومُعاوية
[ابن] صالح: أبو عمرو الحمصي، قاضي أندلس.
وأبو الزاهرية: حُدَير بن كُريب- بالحاء المهملة- المخرمي، ويقال: الحميري الحمصي. روى عن: حذيفة، وأبي الدرداء، وابن عَمرو، ورافع بن عُمير، وغيرهم. روى عنه: معاوية بن صالح، وسعيد بن سنان، والأحوص بن حكيم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا بأس به إذا روى عن ثقة.
стр. 1264
توفي سنة تسع وعشرين ومائة. روى له: مسلم، وأبُو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وكثير بن مُرة: الحضرمي الرهاوي، أبو شجرة، ويُقال: أبو القاسم الحمصي. سمع: معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر الجُهني، وغيرهم. روى عنه: خالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وداود بن جميل، وغيرهم. قال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أدرك سبعين بَدريا. قال محمد بن سَعْد: كان ثقة. وقال عبد الرحمن بن يوسف: هو صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قو له: "حاذوا "أي: ساووا.
قوله:" وسدوا الخَلل " أي: الثلمة والفُرْجة.
قوله: " ولِينُوا بأيدي إخوانكم" قال أبو داود: معناه: إذا جاء رجل
إلى الصف فذهب يدخلُ فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبَيْه حتى يدخل في الصفً.
توله: " لم يقل عيسى " أي: لم يقل عيسى بن إبراهيم المذكور في روايته: " بأيدي إخوانكم" بل اقتصر على قوله: " ولِينُوا ".
قوله: " ولا تذروْا " أي: لا تتركوا، من وذرَه يذره مثل وسعه يسعه، ولكن أميت الماضي ولا يُقال: وذره ولا واذر، ولكن يقال: تركه وتارك. والفُرْجات- بتسكين الراء- جمع "فُرجة"، ومعنى فرجات الشيطان: أنه إذا وجَد بَيْن الصفوف موضعا خاليا يدخل فيه ويُوَسْوس. والحديث روي مُرسلاَ- أيضاً-، أشار إلى ذلك بقوله: "عن أبي شجرة لم يذكر ابن عُمر، وهو كثير بن مرة.
٦٤٨- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا أبان، عن قتادة، عن أنس بن
стр. 1265
مالك، عن رسول الله- ﵇ قال: " رصوا صفوفكم، وقاربوا بيْنها، وحَافُوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده، إني لأرَى الشَيطانَ يَدخلُ من خلل الصف كأنها الحَذف" (١) .
ش- أبان: ابن يزيد العطار.
قوله: " رُصوا " أي: ضُموا بَعْضها إلى بَعْض وقاربوا بينها، ومنه رَص البناء، قال الله تعالى: (كَأنهُم بنيَان مرْصُوص) (٢) .
قوله: " فوالذي " الفاء فيه للعطف وفيه معنى السببية، والواو للقسم، والتقدير: فوالله الذي، لأن الواو لا تدخل إلا على اسم مُظهر.
قوله: " كأنها الحذف"- بفتح الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة،
بعدها فاء- جمع حذفة، وهي غنم صغار سُود أكثر ما تكون باليمن، وقيل: هي صغار جُرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها من جُرَش اليمن، وقيل: هي غنم صغار حجازية. وعند الحاكم: " رصوا الصفوف لا يتخللكم مثلُ أولاد الحَذف) قيل: يا رسول الله، وما أولاد الحذَفِ؟ قال: " غنم سُود صغار تكوَن باليمن" وصححه.
٦٤٩- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب قالا: نا شعبة،
عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله: " سَووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " (٣) .
ش- أخرجه البخَاري، ومسلم، وابن ماجه، وفي رواية: " من حُسن الصلاة"، وعند السراج من حديث شعبة: قال قتادة: قال أنس:
[١/٢٢٥-ب] إن من حسن الصلاة: / إقامة الصف، وفي لفظ: من تمام الصلاة.
ثم إن تَسوية الصفوف من سُنة الصلاة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي،