الحديث، وقال: حديث النعمان حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي- ﵇ أنه قال:" من تمام الصلاة: إقامة الصف". وروي عن عمر أنه كان يُوَكلُ رجالا بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يخبرُ أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استوُوا، وكان علي يقول: تقدمْ يا فلان وتأخر يا فلان.
٦٤٥- ص- نا هناد بن السريّ، وأبو عاصم بن جوّاس الحنفي، عن
أبي الأحْوص، عن منصور، عن طلحة الإيامي (١) ، عن عبد الرحمن بن عَوْسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله يتخللُ الصف من ناحية إلى ناحية يَمْسحُ صدورنا ومَناكبَنا، ويَقُولُ: " لا تختلفوا فتَخْتلفَ قلوبكم "، وكان يقوًلُ: " إن الله وملائكته يصلون على الصفُوفِ الأوَل " (٢) .
ش- أبُو عاصم: أحمد بن جواس الحنفي الكوفي. سمع:
أبا الأحْوص، وابن المبارك، ومحمد بن الفضل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٣) .
وأبو الأحوص: سلام بن سليم، ومنصور: ابن المعتمر، وطلحة:
ابن مصرف الإِيامي (٤) الهَمداني الكوفي، وعبد الرحمن بن عوسجة التميمي الهَمداني الكوفي.
قوله:" يتخللُ الصفّ " أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه.
قوله:" يَمْسح " بدل من قوله: " يتخلل، أو عطف بحذف حرف العطف، وحرف العطف قد يُحذف.
стр. 1262
قوله: " فتختلفَ " بالنصب جواب النهي، وأصله: فإن تختلفَ، والمعنى: إن يكن منكم اختلاف في الصفوف فاختلافُ القلوب من الله، وذلك نحو قوله تعالى:" وَلا تَطغَوْا فِيهِ فَيَحِل عَلَيكُمْ غضَبِي " (١) ، والمعنى: إن يكن منكم طغيان فإحلال غضب من الله.
قوله: " يصلون " قد ذكرنا غيْر مرة أن الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. والحديث أخرجه النسائي. وعند أحمد: " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ".
٦٤٦- ص- نا ابن معاذ: نا خالد- يعني: ابن الحارث-: نا حاتم
- يعني: ابن أبي صغيرة-، عن سماك قال: سمعتُ النعمان بن بشير قال: كان رسولُ الله يسَوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة إذا استوينا كبر (٢) .
ش- ابن معاذ: عُبيد الله.
وحاتم بن أبي صغيرة: أبو يونس القشيري مولى بني قشير من أهل البصرة، واسم أبيه: مسلم، يَرْوي عن: عمرو بن دينار، وسماك بن حَرْب. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وأبو صغيرة الذي نسب إليه حاتم: أبو أمه.
قلت: ذكره ابن حبان في" الثقات" ولم أجده في " الكمال " فكأنه سقط من الشيخ أو من الناسخ (٣) .
قوله: " إذا استوينا" بدل من قوله: " إذا قمنا "، وبه أخذ مالك، أن الإمام يشرع بعد الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف.
٦٤٧- ص- نا عيسى بن إبراهيم الغافقي: نا ابن وهب ح، ونا قتيبةُ: نا الليثُ- وحديثُ ابن وهب أتم-، عن معاوية بن صالح، عن
стр. 1263
أبي الزاهريّة، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر. قال قتيبةُ: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، لمِ (١) يذكر ابن عمر أن رسول الله- عليه
[١/٢٢٥-أ] السلام- قال: " أقيموا الصفوف / وحاذوا بَيْن المناكب، وسُدوا الخَللَ ولِينُوا بأيدي إخوانكم "- لم يَقُلْ عيسى: " بأيْدي إخوانِكم " ولا تذَرُوا فُرْجَات للشيطان، ومَنْ وَصَلَ صفا وصَله الله، ومنْ قطعَ صفا قطعه الله، (٢) ، (٣) .
ش- عيسى بن إبراهيم: ابن عيسى بن مَثْرُود الغافقي مولاهم المَثْرودي الأحدبي نسبة إلى أحْدب- بالحاء المهملة- بطن من غافق، أبو موسى البصري. روى عن: ابن عيينة، وابن وهب، وحجاج بن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة إحدى وستين ومائتين، وكان مولده سنة سبعين ومائة، وكان ثقة ثبتا (٤) .
وابن وهب: هو عبد الله بن وهب، والليث: ابن سَعْد، ومُعاوية
[ابن] صالح: أبو عمرو الحمصي، قاضي أندلس.
وأبو الزاهرية: حُدَير بن كُريب- بالحاء المهملة- المخرمي، ويقال: الحميري الحمصي. روى عن: حذيفة، وأبي الدرداء، وابن عَمرو، ورافع بن عُمير، وغيرهم. روى عنه: معاوية بن صالح، وسعيد بن سنان، والأحوص بن حكيم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا بأس به إذا روى عن ثقة.
стр. 1264
توفي سنة تسع وعشرين ومائة. روى له: مسلم، وأبُو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وكثير بن مُرة: الحضرمي الرهاوي، أبو شجرة، ويُقال: أبو القاسم الحمصي. سمع: معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر الجُهني، وغيرهم. روى عنه: خالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وداود بن جميل، وغيرهم. قال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أدرك سبعين بَدريا. قال محمد بن سَعْد: كان ثقة. وقال عبد الرحمن بن يوسف: هو صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قو له: "حاذوا "أي: ساووا.
قوله:" وسدوا الخَلل " أي: الثلمة والفُرْجة.
قوله: " ولِينُوا بأيدي إخوانكم" قال أبو داود: معناه: إذا جاء رجل
إلى الصف فذهب يدخلُ فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبَيْه حتى يدخل في الصفً.
توله: " لم يقل عيسى " أي: لم يقل عيسى بن إبراهيم المذكور في روايته: " بأيدي إخوانكم" بل اقتصر على قوله: " ولِينُوا ".
قوله: " ولا تذروْا " أي: لا تتركوا، من وذرَه يذره مثل وسعه يسعه، ولكن أميت الماضي ولا يُقال: وذره ولا واذر، ولكن يقال: تركه وتارك. والفُرْجات- بتسكين الراء- جمع "فُرجة"، ومعنى فرجات الشيطان: أنه إذا وجَد بَيْن الصفوف موضعا خاليا يدخل فيه ويُوَسْوس. والحديث روي مُرسلاَ- أيضاً-، أشار إلى ذلك بقوله: "عن أبي شجرة لم يذكر ابن عُمر، وهو كثير بن مرة.
٦٤٨- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا أبان، عن قتادة، عن أنس بن
стр. 1265
مالك، عن رسول الله- ﵇ قال: " رصوا صفوفكم، وقاربوا بيْنها، وحَافُوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده، إني لأرَى الشَيطانَ يَدخلُ من خلل الصف كأنها الحَذف" (١) .
ش- أبان: ابن يزيد العطار.
قوله: " رُصوا " أي: ضُموا بَعْضها إلى بَعْض وقاربوا بينها، ومنه رَص البناء، قال الله تعالى: (كَأنهُم بنيَان مرْصُوص) (٢) .
قوله: " فوالذي " الفاء فيه للعطف وفيه معنى السببية، والواو للقسم، والتقدير: فوالله الذي، لأن الواو لا تدخل إلا على اسم مُظهر.
قوله: " كأنها الحذف"- بفتح الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة،
بعدها فاء- جمع حذفة، وهي غنم صغار سُود أكثر ما تكون باليمن، وقيل: هي صغار جُرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها من جُرَش اليمن، وقيل: هي غنم صغار حجازية. وعند الحاكم: " رصوا الصفوف لا يتخللكم مثلُ أولاد الحَذف) قيل: يا رسول الله، وما أولاد الحذَفِ؟ قال: " غنم سُود صغار تكوَن باليمن" وصححه.
٦٤٩- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب قالا: نا شعبة،
عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله: " سَووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " (٣) .
ش- أخرجه البخَاري، ومسلم، وابن ماجه، وفي رواية: " من حُسن الصلاة"، وعند السراج من حديث شعبة: قال قتادة: قال أنس:
[١/٢٢٥-ب] إن من حسن الصلاة: / إقامة الصف، وفي لفظ: من تمام الصلاة.
ثم إن تَسوية الصفوف من سُنة الصلاة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي،
стр. 1266
وزعم ابن حزم أنه فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض، قال ﵇: "فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ". قلنا: قوله: "فإنه من حُسن الصلاة " يدل على أنها ليْست بفرضِ،
لأن ذلك أمر رائد على نفس الصلاة، ومعنى قوله: " من تمام الصلاة ": من تمام كمال الصلاة، وهو- أيضاً- أمر زائد، فافهم.
٦٥٠- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا حاتم بن إسماعيل، عن مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال: صليتُ إلى جنب أنس بن مالك يومأ فقال: هل تَدْري لم صنِع هذا العُودُ؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسولُ الله يَضَع علي يده (١) فيَقولُ: " استَوُوا وأعْدلوا (٢) صفَوفكم " (٣) .
ش- حاتم بن إسماعيل: الكوفي المدني، نزل المدينة.
ومُصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: ابن العوام القرشي الأسدي المديني. سمع: أبا حازم، وعمه: عامر بن عبد الله بن الزبير، وهشام ابن عروة. روى عنه: ابن المبارك، وعيسى بن يونس، وابنه: عبد الله ابن مصعب، وغيرهم. قال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط، ليس بالقوي. مات بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
ومحمد بن مسلم بن السائب: ابن خَباب (٥) صاحب المقصورة. سمع: أنس بن مالك. وروى عن: أبي عبد الرحمن مولى أم فهكُم (٦)
стр. 1267
روى عنه: مصعب بن ثابت، والعلاء بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " وأعدلوا "- بفتح الهمزة- من أعْدل يُعدِل بمعنى عَدلُوا.
٦٥١- ص- نا مسدد: نا حُميد بن الأسود: نا مصعب بن ثابت، عن محمد بن مسلم، عن أنس بن مالك بهذا الحديث قال: إن رسول الله كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: " اعتدلوا، سَوّوا صفوفكم " ثم أخذه بيساره وقال (٢) : " اعتدلوا، سوّوا صفوفكم " (٣) .
ش- حُمَيد بن الأسود: الكرابيسي أبو الأسود البصري. روى عن: عبد الله بن عون، وحجاج الصواف، وأسامة بن زيد، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، ونصر بن علي، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٤) .
قوله: " بهذا الحديث " إشارة إلى الحديث المذكور.
قوله: " أخذه " أي: أخذ العُود، وهو العود المذكور في الرواية الأولى
من الحديث.
قوله: " سوّوا " بيان لقوله: " اعتدلوا ".
٦٥٢- ص- ما محمد بن سليمان الأنباري: نا عبد الوهاب- يعني:
ابن عطاء-، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله- ﵇ قال: " أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من (٥) نقصٍ فليكن في الصف المؤخر " (٦) .
ش- عبد الوهاب: ابن عطاء أبو نصر الخفاف البصري، وسعيد:
ابن أبي عروبة.
стр. 1268
قوله: " فما كان من نقص " يعني: فالذي كان من الصف من نقصِ فليكن ذلك النقص في الصف الأخير، والقصدُ من ذلك: أن لا يخلى موضع من الصف الأول مهما أمكن، وكذلك من الثاني والثالث وهلم جرا إلى أن ينتهي وتتكمل الصفوف، ف " ذا كان ثمة نقص يجعل ذلك في الصف الأخير. والحديث: أخرجه النسائي.
٦٥٣- ص- نا ابن بشار: نا أبو عاصم: نا جعفر بن يحيى بن ثوبان قال: أخبرني عمي: عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله: "خيارُكم ألينكم مناكبَ في الصلاة " (١) ، (٢) .
ش- ابن بشار: محمد، بندار، وأبو عاصم: النبيل.
وجعفر بن يحيى بن ثوبان الحجازي، روى عن: عمه: عمارة بن ثوبان. روى عنه: أبو عاصم، وعبيد بن عقيل. قال عليا بن المديني: هو شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٣) .
وعمارة بن ثوبان: روى عن: عطاء، وعامر بن وائلة، وموسى بن باذان. روى عنه: ابن أخيه: جعفر المذكور. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) . وعطاء: ابن أبي رباح.
قوله: " ألينكم مناكب" لين المناكب: هو لزوم السكينة / في الصلاة، [١/٢٢٦-أ]
والطمأنينة فيها: لا يلتفت، وقد تكون أن لا يمتنع على مَنْ يريد الدخول بين الصفوف لسد الخَلل، أو لضيق المكان، بل يُمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف، وتتكاثف الجموع.
стр. 1269
وقوله: "خياركم" مبتدأ بمعنى: خيركم و " ألينكم" خبره أفعل التفضيل من الليَّن، و " مناكب" نصب على التمييز، وإنما لم يدخله التنوين لكونه لا ينصرف، لكونه على منتهى صيغة الجموع كمساجد، والمراد منها: المنكبان، لأن الرجل ليس له ثلاث مناكب، وقد يذكر الجمع ويراد به التثنية كقوله تعالى: (فَقَدْ صغَتْ قُلُوبُكُمَا) (١) أي: قلباكما.
***
٩٠- بَابُ: الصفُوف بيْن السواري
أي: هذا باب في بيان حكم الصفوف بين السواري، وفي بعض النسخ: " باب الصلاة والصف بين السواري) ، وفي بعضها: " الصلاة والصف بين السواري"، وفي بعضها: " باب ما جاء في الصفوف بين السواري"، وهي جمع سَاريةٍ وهي الأسطوانة.
٦٥٤- ص- نا محمد بن بشار: نا عبد الرحمن: نا سفيان، عن يحيى ابن هانئ، عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدُفعْنا إلى السَّواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا عَلى عَهد رسولَ الله ﷺ (٢) .
ش- عبد الرحمن: ابن مَهْدي العنبري البصري، وسفيان: الثوري. ويحيى بن هانئ: ابن عروة بن قعاص (٣) ، ويقال: فضفاض المرادي، أبو داود الكوفي كان من أشراف العرب. روى عن: عبد الله ابن مسعود، وفروة بن مُسَيك. وسمع: أباه، وأنس بن مالك،
стр. 1270
وعبد الحميد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. وقال الدارقطني: يحتج به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (١) .
وعبد الحميد بن محمود: المِعْوَلي البصري. روى عن: ابن عباس، وأنس بن مالك. روى عنه: يحيى بن هانئ، وعمرو بن هَرِم، وابنه: حمزة بن عبد الحميد. قال أبو حاتم: هو شيخ. وقال الدارقطني: كوفي ثقة يحتج به. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) . قوله: "فدفعنا إلى السواري " هذا إما لانقطاع الصف، وإما لأنه موضع جمع النعال، والأول أشبه، لأن الثاني محدث ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما مع السعة فمكروه. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وقد رَخص قوم من أهل العلم في ذلك. وقال أبو بكر: نا هشيم: أنا خالد، عمن حدثه، عن أنس قال: نُهِينا أن نصلي بين الأسَاطين.
نا وكيع: ما سفيان، عن أبي إسحاق، عن معدي كرب، عن ابن سَعْد قال: لا تَصُفوا بين الأساطين، ولا تأتموا بقوم يمترون ويلغون.
نا فضيل بن عياض، عن حصين بن هلال، عن حذيفة أنه كره الصلاة بين الأساطين.
نا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم أنه كره الصلاة بيْن
الأساطين.
ثم بين أبو بكر مَنْ رخص فيه فقال: نا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالصف بين السواري.
стр. 1271
نا يحيى بن سعيد، عن وقاء قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا بين
ساريتين.
نا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد قال: رأيت إبراهيم التيمي يؤم قومه بين أسطوانتين.
نا وكيع: نا سفيان وإسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى قال: كان سُويد بن غفلة يؤمنا بين أسطوانتين.
***
٩١- بَابُ: مَنْ يستحب أن يَلِي الإِمامَ في الصف وكراهية التَّأخُّرِ
أي: هذا باب في بيان من يستحب أن يقرب من الإمام في الصف وكراهة التأخر عنه، وفي بعض النسخ، "باب ما جاء فيما يستحب "، وفي بعضها: "باب مَن يلي الإمام " إلى آخره.
٦٥٥- ص- نا ابن كثير: نا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عُمير، عن أبي معمر، عن أبي مَسْعود قال: قال رسول الله ﷺ : " ليَلِني منكُم أولُو
[١/٢٢٦-ب] الأحْلام والنهى، ثم الذين / يَلُونهم، ثم الذين يلونهم " (١) .
ش- ابن كثير: هو محمد بن كثير البصري، وسفيان: الثوري، وسليمان: الأعمش.
وعُمارة بن عمير: التيمي تيم الله بن ثعلبة الكوفي، رأى عبد الله بن عُمر. وسمع: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبا معمر، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، والحكم بن عُتَيْبة وغيرهم. قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (٢) .
стр. 1272
وأبو مَعْمر: عبد الله بن سَخْبرة الأزدي من أزد شنُوءة، ويُقال: الأسْدي- بسكون السن- الكوفي. روى عن: أبي بكر الصديق مُرسلاً. وروى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. وسمع: عبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرَت، وأبا مسعود البدري، والمقداد ابن الأسود. روى عنه: مجاهد، ويزيد بن شريك، وإبراهيم النخعي، وعمارة بن عُمير. قال ابن معين: هو ثقة. روى له الجماعة (١) .
وأبو مَسْعُود: عقبة بن عمرو البدري.
قوله: " لِيلني منكم " بكسر اللامين وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، من وَلي يلي أصله: يَوْلِي، حذفت الواو لوقوعهما بين الياء والكسرة فصار " يلي" وأمر الغائب منه " لِيَلِ" لان الياء تسقط للجزم، وأمر الحاضر "لِ" مثل " ق " على وزن " ع ". وقال الشيخ محيي الدين: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد.
قلت: القاعدة: أن النون المؤكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو المحذوفتان فيصيرُ " ليليني منكم أولو الأحلام " أي: العُقلاء، وقيل: البالغون، والأحلام جمع حُلم- ب " م الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم، تقول: حلَم- بالفتح- واحتلم، وتقول: حلَمتُ بكذا وحلمتُه - أيضاً ولكن غلب استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، فكان المراد هاهنا، ليلني البالغون. وذكر في " الفائق ": أمَر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا، قيل: المراد: مَنْ بلغ وقت الحُلْم حَلَم أو لم يَحلُمْ. قوله: " والنهى "- بضم النون- جمع نُهْية- بضم النون وسكون الهاء- وهي العقل، ويقال: بفتح النون- أيضاً-، لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وكذلك العقل لعَقْله، وهو مأخوذ من عقال البعير، وكذلك الحكمة من حكمة البعير، وهي حديدة لجامها التي تمنعها من العدول عن الاستقامة. وقيل: " أولو النهى " لأنه ينتهي إلى رأيهم واختياراتهم
стр. 1273
لعقلهم، ويُقالُ: رَجل نَه ونَهِي من قوم نهين. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون" النُّهَى"مصدرا كالهُدى، وأن يكون جمعا كالظلَم، قال: والنهى معناه في اللغة: الثبات والحَبْس، ومنه النهْيُ والنَهْيُ- بكسر النون وفتحها- والتَنْهِيَةُ للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيُسْتنقع. قال الواحدي: فيرجع القولان في اشتقاق النُهْية إلى قول واحد وهو الحَبْس، فالنُهْية هي التي تَنْهى وتَحْبس عن القبائح.
قلت: التنهية- بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون النون، وكسر الهاء، وفتح الياء آخر الحروف- وقال في" الصحاح ": تنهية الوادي بحيث ينتهي إليه الماء من حروفه، والجمع: التناهِي.
فإن قيل: ما وجه هذا العطف؟ قلت: إن فسر أولو الأحلام بالعُقلاء يكون عطف قوله:" والنهى" على " الأحلام " للتأكيد، لأن المعنى واحد وإن اختلف اللفظ، وإن فسر أولو الأحلام بالبالغين يكون المعنى: ليَقْرُبْ مني البالغون العقلاء.
فإن قيل: ما وجه تخصيصهم بذلك؟ قلت: لاستخلافه إن احتاج، ولتبليغ ما سمعوه منه، وضبط ما يحدث عنه، والتنبيه على سَهْو إن وقع، ولأنهم أحق بالتقدّم، وليقتدي بهم مَن بعدهم. وكذا ينبغي لسائر الأمة الاقتداء بسيرته- ﵇ في كل حال من جموع الصلاة، ومجالس العلم والذكر، ومجالس الرأي ومعارك القتال.
قوله: " ثم الذين يلونهم " معناه: الذين يقربون منهم في هذا الوصف. واستدل بهذا الحديث أصحابنا في ترتيب الصفوف، فقال صاحب " الهداية": ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء، لقوله- ﵇:
[١/٢٢٧-أ] " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى". / واستدلّ- أيضاً بهذا الحديث أن محاذاة المرأة الرجلَ وهما مشتركان في صلاةِ تُفسِدُ صلاة الرجل.
فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بهذا وهو خبر الآحاد؟ قلنا: إنه من المشاهير، فتثبت به فرضيّة تمييز مقام المرأة من مقام الرجل، ويجور به
стр. 1274
الزيادة على الكتاب. وقال صاحب " الأسرار ": إن لم تثبت فروض الصلاة بخبر الواحد ففروض الجماعة تثبت، لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة فافهم.
والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه. وروى الحاكم في " المستدرك " في كتاب " الفضائل" من حديث عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله- ﵇ يأتينا إذا أقيمت الصلاة، فيَمْسحُ عواتقنا ويَقولُ: " أقيموا صفوفكم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلني منكم أولو الأحلام والنُهى" انتهى. وسكتَ عنه.
٦٥٦- ص- نا مسدّد: نا يزيد بن زريع: نا خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي- ﵇ مثله، وزاد: " ولا تختلفوا فَتخْتلفَ قلوبكم، وإياكم وهَيْشاتِ الأسْواق" (١) .
ش- خالد: الحذاء، وأبو معشر: زيادُ بن كليب، وإبراهيم: النخعي، وعلقمة: ابن قيس النخعي، وعبد الله: ابن مسعود.
قوله: " مثله " أي: مثل الحديث المذكور.
قوله: (فتختلف" بالنصب جواب النهي، وقد مر نظيرُه.
قوله: " وإياكم وهيشات الأسواق " أي: اتقوا أنفسكم ابن تتعرض لهَيْشات الأسواق، وهذا من المنصوبات باللازم إضمارُه كما في قولك: إياك والأسَدَ. والهيشات- بفتح الهاء، وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- وروية "هَوْشات" وأصله من الهَوْش وهو الاختلاط، والهَوْشة: الفتنة، وبينهم تهاون أي: اختلاط واختلاف، والمعنى:
стр. 1275
اتقوا أنفسكم من المنازعات والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها.
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الدارقطني: تفرد به: خالد بن مهران الحذاء، عن أبي معشر زياد بن كليب.
٦٥٧- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا معاوية بن هشام: نا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الله وملائكته يُصلون على ميامن الصفوف" (١) .
ش- عثمان بن عروة: ابن الزبير بن العوام الأسدي القرشي. روى عن: أبيه. روى عنه: أخوه: هشام، وابن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وأسامة بن زيد، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات قبل الأربعين ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (٢) .
قوله: " على ميامن الصفوف " الميامن: جَمْع مَيْمنة، لأن اليمين لها فضل على اليَسار في كل شيء. والحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً ﵀.
***
٩٢- بَابُ: مقام الصِّبْيان مِن الصَّفِّ
أي: هذا باب في بيان مقام الصبْيان من الصف، وفي بعض " النسخ:
" باب ما جاء في مقام الصبيان من الصف ".
٦٥٨- ص- نا عيسى بن شاذان: نا عياش الرقّام: نا عبد الأعلى: نا قرة ابن خالد: نا بُديل: نا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنْم قال: قال أبو مالك الأشعري: ألا أحدّثكم بصلاة رسول الله ﷺ قال: أقامَ الصلاةَ
стр. 1276
فصف (١) الرجالَ، وصف خلفهم الغلمانَ، ثم صلى بهم، فذكر صلاتَه،
ثم قال:" هكذا صلاة ". قال عبد الأعلى: لا أحْسِبُه إلا قال: "أمتي (٢) " (٣) .
ش- عيسى بن شاذان: البصري نزيل مصر، حدّث بها سنة ثلاثين
ومائتين، ومات بعد ذلك. روى عن: عياش الرقام. روى عنه:
أبو داود (٤) .
وعياش بن الوليد أبو الوليد الرقام البصري القطان. سمع: عبد الأعلى
ابن عبد الأعلى، وأبا معاوية الضرير، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه:
محمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم- وقال: هو من الثقات-، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم. توفي سنة ست وعشرين
ومائتين (٥) .
وعبد الأعلى: ابن عبد الأعلى السامي القرشي، أبو همام.
وقرة بن خالد: أبو خالد ويقال: أبو محمد السدُوسي البصري.
روى عن: أبي رجاء العطاردي /، والحسن البصري، وابن سيرين، [١/٢٢٧-ب]
وقتادة، وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين: هو من أثبت شيوخنا. وقال أبو حاتم: ثقة.
توفي سنة نيف وسبعين ومائة. روى له الجماعة (٦) .
وبُديل: ابن مَيْسرة البصري، وشَهر بن حَوْشب: الشامي الحمصي.
وعبد الرحمن بن غنم: ابن كريب بن هانئ الأشعري، كان ممن قدم
على رسول الله في السفينة، وكان يسكن فلسطين وقدم دمشق، وبعضهم
ينكر صحبته. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: هو جاهلي، ليست له
стр. 1277
صحبة. روى عن: النبي- ﵇، وعن: عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي مالك الأشعري. رو ى عنه: ابنه: محمد، وأبو سلام الحبشي، وشهر بن حوشب، وجماعة آخرون. مات سنة ثمان وسبعين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن الصحابة، ولم يرووا له عن رسول الله ﵇ (١) . وأبو مالك الأشعري: اختلف في اسمه، فقيل: الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: عمرو. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
قوله: " قال عبد الأعلى: لا أحْسبه إلا قال " مُعترض بين قوله: " صلاة"وبين قوله:" أمتي " بيْن المضاف والمضاف إليه، والضمير المنصوب في "لا أحسبُه " راجع إلى قرة بن خالد، وكذا الضمير الذي في " قال ". وأخرج أحمد في " مسنده " عن أبي مالك الأشعري أنه قال يوما: يا معشر الأشعريين، اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم حتى أريكم صلاة رسول الله، فاجتمعوا وجمعوا أبناءهم ونساءهم، ثم توضأ وأراهم كيف يتوضأ، ثم تقدم فصف الرجال في أَدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الصبيان.
ورواه ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﵇ صلى فأقام الرجال يلونه، وأقام الصبيان خلف ذلك، وأقام النساء خلف ذلك.
ومن طريقه: رواه الطبراني في " معجمه ".
وقال أبو بكر: حدثنا عبد الله، عن أبان العطار، عن أبي هاشم، عن إبراهيم، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاما في الصف أخرجه.
стр. 1278
٩٣- بَابُ: صف النسَاء والتأخّر (١) عَنِ الصَّفِّ الأوّل
أي: هذا باب في بيان حكمَ صف النساء وحكم التأخر عن الصف الأول، وفي بعض النسخ:" باب ما جاء في صف النساء والتأخير عن الصف الأول ".
٦٥٩- ص- نا محمد بن الصباح البزاز: نا خالد، وإسماعيل بن زكرياء، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " خيرُ صفوف الرجال: أولها، وشرها: آخرها، وخير صفوف النساء: آخرها، وشرها: أولها " (٢) .
ش- خالد: ابن عبد الله الواسطي.
وإسماعيل بن زكرياء: الخُلقاني أبو زياد الكوفي الأسدي- أسد خزيمة- مولاهم، نزل بغداد، يلقب: شَقُوصا. سمع: الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصما الأحول، وغيرهم. روى عنه: محمد بن الصباح، وأبو الربيع الزَّهْراني، ومحمد بن بكار، وغيرهم. قال أحمد: هو مقارب. وقال ابن معين: هو صحيح الحديث. توفي ببغداد في أول سنة ثلاث وستين ومائة وهو ابن خمس وستين سنة. روى له: الجماعة إلا النسائي (٣) .
وسُهَيل بن أبي صالح: ذكوان الزيات.
قوله: "خير صُفوف الرجال: أولها " لما رُوي أن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأوَل، ولأن أصحاب الصف الأول هم المبادرون المُسارعون ولهم فضيلة السبق والقرب من الإمام، وليس بينهم وبيْن القبلة أحد، ثم
стр. 1279
هذا الممدوح من الصفوف هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا. وقال بعضهم: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأوّل، بل الأول ما لا يتخلله شيء وان تأخر. وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخرِ.
[١/٢٢٨-أ] وقال الشيخ محيى الدين: هذان القولان / غلط صريح.
قلت: لفظ الأوّل من الأمور النسْبيّة، فيُطلقُ على كل صف في المَسْجد من عند الإمام إلى أن ينتهي إلى آخر الصُفوف، فآخر الصفوف هو نقيض كل صف قبله إلى الإمام، فيُطلقُ على كل واحد من الصفوف غير الصف الأخير أنه خير الصفوف، ولم يُطلق شرّ الصفوف إلا على آخر الصفوف ليس إلا فافهم. وإنما صار آخر صفوف الرجال شر الصفوف إما لبُعدهم من الإمام، أو لقربهم من النساء، وقد يكون شرا لمخالفتهم أمرَه فيها ﵇، وتحذيراً من فعل المنافقين بتأخرهم عنه وعن سماع ما يأتي به، ومعنى كونها شرا: أقلّها أجراً فهو بالنسبة إلى الأول مطلقا ناقصٌ.
قوله: " وخير صفوف النساء: آخرُها " هذا إذا صلّين مع الرجال، وأما إذا صلين جماعةً وحدهن فهن كالرجال خيرُ صفوفهن: أولها، وشرها: آخرها، وأما إذا صلين مع الرجال فخيرُ صفوفهن: آخرها لبُعْدهن من الرجال ورؤيتهم، وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم ونحو ذلك، وشر صفوفهن: أولها لِعكسِ ذلك المعْنى. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر في " مصنفه ".
٦٦٠- ص- نا يحيى بن معين: نا عبد الرزاق، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة- ﵂ قالت:
стр. 1280
قال رسول الله- ﵇: " لا يزالُ قوم يَتأخرُون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النارِ " (١) .
ش- عبد الرزاق: ابن همام.
وعكرمة بن عمار: أبو عمار اليمامي العجلي البَصْري. سمع: سالم ابن عبد الله، وسماك بن الوليد، ونافعا مولى ابن عمر، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون. قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث عن غير إياس، وكل حديثه عنه صالح، وحديثه عن يحيى بن أبي كثير صالح. وقال ابن معين: صدوق ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان صدوقا وربما وهم في حديثه وربما دلس، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: الجماعة إلا البخاري، وكان مستجاب الدعوة (٢) .
وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن.
قوله: " حتى يؤخرهم الله في النار" أي: يوقعهم فيها، وهذا تغليظ في حق من يتكاسل عن المبادرة إلى الصف الأول، ويجيء في أخريات الناس وتعود بذلك.
٦٦١- ص- نا موسى بن إسماعيل، ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا:
نا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: " تقدموا فَائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللهُ " (٣) .
стр. 1281
ش- أبو الأشْهب: جعفر بن حيان العطاردي السعْدي الخراز (١) البصري الأعمى. روى عن: الحسن البصري، وأبي رجاء العطاردي، وأبي نضرة العبدي، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) . وأبو نضرة: منذر بن مالك.
قوله: " وليأتم بكم مَنْ بعدكم " معناه: يَستدلون بأفعالكم على أفعالي،
لا أنهم يقتدون بهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمام واحد، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يَسْمعه على مَبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعا للإمام. وقوله: " مَنْ " - بفتح الميم- اسم فاعل لقوله:" وليأتم ".
قوله: " لا يزال قوم يتأخرون " أي: عن الصفوف الأوَل حتى يؤخرهم الله عن رحمته، أو عظيم فضله، ورفع المنزلة ونحو ذلك. وقد قيل: هذا في حق المنافقين. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
***
٩٤- بَابُ: مَقام الإِمَام مِنَ الصَّفّ
أي: هذا باب في بيان مقام الإمام من الصف، وفي بعض النسخ: "في الصف ".
٦٦٢- ص- نا جعفر بن مسافر: نا ابن أبى فديك، عن يحيى بن بشير ابن خلاد، عن أمه، أنها دخلت على محمد بن كعب القُرظي فسمعته
стр. 1282
يقولُ: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " وَسطُوا الإمامَ وسُموا
الخللَ " (١) .
ش- جعفر بن مسافر: التنيسي / أبو صالح الهذلي، وابن أبي فديك: [١/٢٢٨-ب]
محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك- دينار- المدني.
ويحيى بن بشير بن خلاد: الأنصاري. روى عن: أمه: [أمة]
الواحد (٢) بنت يامين بن عبد الرحمن بن يامين. روى عنه: اَبن
أبي فديكَ، وإبراهيم بن المنذر. روى له: أبو داود (٣) .
ومحمد بن كعب: ابن حيان بن سليم بن أسد، أبو حمزة القُرظي
المدني، من حلفاء الأوس بن حارثة، وكان أبوه من سَبْي القريظة،
سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة، قال قتيبة: بلغني أنه ولد في زمن النبي
﵇. سمع: معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وزيد بن
أرقم، ويقال: سمع ابن مسعود، ورأى ابن عُمر بن الخطاب. وروى
عن: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي ذر،
وغيرهم. ومن التابعين: عبد الله بن شداد. روى عنه: عمرو بن دينار،
ونافع بن مالك، ومحمد بن المنكدر، وجماعة آخرون. قال أبو زمعة:
مدني ثقة وقال ابن سَعْد: كان ثقة عالما كثير الحديث ورعا. مات سنة
ثمان ومائة وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة (٤) .
قوله: " وَسِّطُوا الإمام " مِنْ وَسطتُ القومَ- بالتَشديد- بمعنى:
توَسّطتُهم إذا كنتَ في وسَطهم، ويُقالُ: وَسَطْتُ القوم- أيضاً بالتخفيف-
أسِطُهم وسطا وسِطَةً، وفي بعض النسخ:"توسطوا " من توسطتُ،
والمقصود من ذلك: أن تكون الجماعة فرقتين،فرقة عن يمين الإمام وفرقة
стр. 1283
عن يساره، ويكون الإمامُ وسْطهم، وليس المعنى أن يقوم مساويا معهم في وسطهم، لأن وظيفة الإمام التقدم على القوم.
قوله: " وسدُوا الخلل " أي: الفُرْجة التي تكون في الصفوف. وقال أبو بكر: نا وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : " من سد فرجةً في صَفّ رفعه الله بها درجةً، أو بنى له بيتاً في الجنّةِ ". وقال- أيضاً-: نا ابن أبي عدي، عن محمد بن عون قال: سألت محمداً عن الإمام يُصلي بالقوم يقوم في راوية ولا يقوم وسَطاً؟ فقال: لا أعلم به بأساً. فإن قيل: هذا يُخالفُ حديث أبي هريرة. قلت: حديث أبي هريرة محمول على الفضيلة دون الوجوب، حتى إذا قامت الجماعة كلهم عن يمين الإمام أو عن يساره تجوز صلاتهم، ولكن يكونون تاركين للسُنَّة والفضيلة.
***
٩٥- بَابُ: الرَّجُل يُصَلِّي وَحْدهَ خَلفَ الصَّفِّ
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُصلي وحده خلف الصفّ، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في الرجل " إلى آخره.
٦٦٣- ص- ما سليمانُ بن حرب، وحفصُ بن عُمر قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مُرة، عن هلال بنِ يَساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُصلي خلف الصف وَحْده فأمرَه أن يُعيدَ. قال سليمان: الصلاةَ (١) .
ش- عمرو بن راشد: الأشجعي أبو راشد الكوفي. روى عن: عمر
стр. 1284
ابن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، ووابصة. روى عنه: هلال بن
يِسَاف. روى له: أبو داود، والترمذي (١) .
ووابصة- بكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- ابن معبد بن عتبة بن
الحارث بن مالك الأسدي أبو سالم أو أبو الشعثاء، أو أبو سعيد، قدم
على النبي- ﵇ في عشرة رهط من بني أسد سنة تسع،
فأسلموا ورجع إلى بلاد قومه، ثم نزل الجزيرة وسكن الرقة، وقدم
دمشق وكانت له بها دار بقنطرة سنان. روى عن النبي- ﵇،
وعن: ابن مسعود، وغيره. روى عنه: ابناه: سالم وعمرو، والشعبي،
وعمرو بن راشد، وغيرهم. توفي بالرقة وقبره بها عند منارة مسجد
جامع الرقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " قال سليمان " أي: ابن حرب. وأخذ بظاهر الحديث:
أحمد، وإسحاق، والنخعي، وعن بعض أصحاب أحمد: إذا افتتح
صلاته منفرداً خلف الإمام، فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه
من الركوع، فإنه لا صلاة له، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم
فاسدة وإن كانوا مائة أو كثر. وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك: صلاة
المنفرد خلف الإمام جائزة، / وتأولوا أمره إياه بالإعادة على الاستحباب [١/ ٢٢٩ - أ] ، دون الوجوب. وفي حديث أبي بكرة الذي يأتي الآن دلالة على أن صلاة
المنفرد خلف الصف جائزة، لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز على حال
الانفراد جاز سائر أجزائها، ويدل- أيضاً - حديث المرأة المصلية خلفه في
حديث أنس منفردةً، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد. وروى الطبراني
في " الأوسط " (٣) من حديث يونس بن عُبيد، عن ثابت، عن
стр. 1285
أنس أنه صلى خلف النبي- ﵇ وحده ووراءه امرأة حتى جاء الناسُ، وقال: تفرد به: إسماعيل.
وحديث وابصة: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، عن حُصين، عن هلال بن يساف قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة فقام بي على شيخَ يُقال [له] ، وابصة، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ- والشيخ يَسْمع- أن رجلاً صلى، فذكره، وقال: حديِث حسن. قال: واختلف أهل العلم فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة أصحِ، وقال بعضهم: حديث حصين أصح، وهو عندي أصح من حديثِ عمرو، لأنه رُوِيَ من غير وجه عن هلال، عن زياد، عن وابصة. انتهى، وليس في حديث ابن ماجه: " أخبرني هذا الشيخ " فكأن هلالاً، (١) رواه عن وابصة نفسه، وقال ابن حبان: سمع هذا الخبر هلال، عن عمرو، عن وابصة، وسمعه من زياد عن وابصة، فالطريقان جميعاً محفوظان، وليس هذا الخبر مما تفرد به هلال بن يساف، ثم أخرجه عن يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عم عبيد الله بن أبي الجعد، عن أبيه: زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فذكره. ورواه البزار (٢) في " مسنده " بالأسانيد الثلاثة المذكورة، ثم قال: أما حديث عمرو بن راشد: فإن عمرو بن راشد رجل لا نعلم حدث إلا بهذا الحديث، وليس معروفاً بالعدالة، فلا يحتج بحديثه، وأما حديث حُصين: فإن حُصيناً لم يكن بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في الحكم، وأما حديث يزيد بن أبي زياد: فلا نعلم أحداً من أهل العلم إلا وهو يضعف أخباره فلا يحتج بحديثه، وقد روُيَ عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، عن وابصة، وهلال لم يَسمع من وابصة فأمسكنا عن ذكره لإرسالهَ. انتهى.
وقال الشافعي: سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أن بعض المحدثين يُدخِل بين هلال ووابصة رجلاً، ومنهم مَن يَرويه عن هلال، عن وابصة سمعه منه.
стр. 1286
قلتُ: كأنه يُوهنُه بذلك. وقال البيهقي: لم يُخرجاه لما حكاه
الشافعي من الاختلاف في سنده، ولما في حديث علي بن شيباَن من أن
رجاله غير مشهورين. وقال الشافعي في موضع آخر: لو ثبت الحديثُ
لقلتُ به. وقال الحاكم: إنما لم يخرج الشيخان لوابصة في كتابيهما
لفساد الطريق إليه. وقال ابن المُنذر: بينه أحمدُ وإسحاق. وقال أبو عمر:
فيه اضطراب ولا يُثْبتُه جماعة. وقال: الإشبيلي: غيرُ أبي عُمر يَقولُ:
الحديث صحيحْ، لأن حُصَيناً ثقة، وهلالَاً مثله وزياداً كذلك، وقد
أسْندوه والاختلاف فيه لا يضره.
فإن قيل: أخرج ابن ماجه، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن
ابن علي بن شيبان، عن أبيه قال: صلينا وراء النبي- ﵇،
فلما قضى الصلاة رأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف، قال: فوقف علي
نبي الله حتى انصرف ثم قال له: " استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لمن
صلى خلف الصف وحده " (١) . قلتُ: رواه ابن حبان في " صحيحه،
والبزار في " مُسْنده " وقال: وعبدُ الله بن بدر ليس بالمعروف، إنما حَدث
عنه ملازمُ بن عمرو، ومحمدُ بن جابر، فأما ملازم: فقد احتُمل حديثُه
وإن لم يُحتج به، وأما محمد بن جابر: فقد سكت الناسُ عن حديثه،
وعلي بن شيبان: لم يحدث عنه إلا ابنه، وابنه هذا صفته، وإنما ترتفع
جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا
يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجةً، ولا ارتفعت جهالته. فإن
قلتَ: حديث آخر أخرجه البزار فيه مسنده عن النضر بن عبد الرحمن،
عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي- ﵇ نحو حديث ابن شيبان /. قلت: قال البزار: ولا نعلم رواه عن عكرمة إلا النضرُ وهو [١/٢٢٩ - ب] لين الحديث، وقد روى أحاديث لا يتابع عليها وهو عند بعض أهل العلم
ضعيف جداً فلا يحتج بحديثه. انتهى. وسئل أبو عبد الله عن حديث ابن
(١) ابن ماجه: كتاب أقامة الصلاة، باب: صلاة الرجل خلف الصف وحده (١٠٠٣) .
стр. 1287
عباس فقال: هذا حديث منكرٌ أو باطلٌ. قال الأثرم: قلتُ له: أي شيء أحْسنها إسناداً؟ قال: حديث شعبة، عن عمرو بن راشد، عن وابصة
***
٩٦- بَابُ: الرَّجُل يَركعُ دونَ الصَّف
أي: هذا باب في بيان الرجلِ الذي يَركع خارج الصف، وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء في الرجل ".
٦٦٤- ص- نا حُميد بن مَسْعدة، أن يَزيدَ بن زُرَيْع حدثهم قال: نا سَعيد بن أبي عروبة، عن زياد الأعلم قال: ما الحسن أن أبا بكرة حدّث أنه دخل المسجد ونبي الله ﷺ راكع قال: فركعتُ دون الصف "، فقال النبي ﵇: " زادك الله حرْصاً ولا تَعُدْ " (١) .
ش- زياد الأعلم: هو زياد بن حسان بن قرة البصري، والحسَن: البصري، وأبو بكرَة: نُفَيْع بن الحارث.
قوله: " دون الصف " أي: وراءه.
قوله: " زادك الله حرصاً " أي: في الخير والمبادرة إليه، لأنه استعجل في الركوع قبل أن يتساوى مع من في الصف.
قوله: " ولا تعد " إرشاد له في المستقبل إلى ما هو الأفضل. وفيه دليل على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة، لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز في حال الانفراد جاز سائر أجزائها، ولو لم تكن جائزة لأمره- ﵇ بالإعادة، فعلم من هذا أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة على الاستحباب دون الوجوب- كما ذكرناه. والحديث: أخرجه البخاري، والنسائي.
стр. 1288
٦٦٥- ص-[نا] ، موسى بن إسماعيل: نا حَماد: أنا زياد الأعلم، عن الحسن، أن أبا بكرة جاء ورسول الله راكع، فركع دون الصَّفّ ثم مشى إلى الصف، فلما قضىِ النبي- ﵇ صلاته قال: " أيكم الذي ركعَ دون الصف ثمِ مَشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي- ﵇: " زادكَ اللهُ حِرصاً ولا تَعُدْ " (١) .
ش- فيه: أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مُفسد، ولكنه مُقدر، فقدره بعض أصحابنا بخَطوة حتى لو مشى خطوتين أو كَثر فسدت صلاته، وقدر [٥] ، بعضهم بموضع سجوده، كذا في " المُحيط ". وفيه: أن الصلاة خلف الصف وحده تكره وإن كانت جائزةً. وعن أبي حنيفة: إذا لم يجد فرجةَ في الصف ينتظر حتى يجيء آخرُ فيقوم معه، فإن لم يجد أحداً حتى أراد الإمام الركوع يجذبُ وأحداً من الصف، فيقوم معه لئلا يصير مرتكباً للمنهي عنه، وإن كان في الصحراء، قيل: يكبر أولاً ثم يجذب أحداً من الصف حتى تأخذ تلك البقعة حرمة الصلاة، فلا تفسد صلاة المجذوب، وقيل: وإن لم يكبر لا تفسد صلاته، لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت، تلك البقعة حرمة الصلاة.
وقال أبو بكر: نا عباد بن عوام، عن عبد الملك، عن عطاء في الرجل يدخل المسجد وقد تم الصفوف؟ قال: إن استطاع أن يدخل في الصفّ دخل، وإلا أخذ بيد رجل فأقامه معه، ولم يَقُمْ وحده.
***
٩٧- بَابُ: مَا يَسْتُر المُصلي
أي: هذا باب في قدر ما يستر المصلي، وفي بعض النسخ: " تفريع أبواب السترة في الصلاة، قدْرُ ما يستر المصلي " (٢) .
стр. 1289
٦٦٦- ص- نا محمد بن كثير العَبْدي: أنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه: طلحة بن عُبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جعلت بين يديك مثل مُؤخرة الرحل فلا يضرك مَنْ مر بين يديك " (١) . ش- إسرائيل: ابن يونس، وسماك: ابن حَرْب.
ومُوسى بن طلحة: ابن عبيد الله أبو عيسى أو أبو محمد المدني، سكن الكوفة. سمع: أباه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبا أيوب الأنصاري، والزبير بن العوام، وأبا ذر الغفاري، وغيرهم. روى عنه: عبد الملك بن عُمير، وأبو إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة. مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (٢) .
وطلحة بن عبيد الله: ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سَعْد بن تيم
[١/ ٢٣٠ - أ] ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، / يلقى رسول الله في الأب السابع مثل أبي بكر الصديق، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى، سماه رسول الله طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، رُوِيَ له عن رسول الله ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، قتل يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وقبره بالبصرة. روى عنه: السائب بن يزيد، والأحنف بن قيس، وأبو سلمي، وجماعة آخرون. روى له الجماعة (٣) .
стр. 1290
قوله: " مثل مؤخرة الرحل " المؤخرة: بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة، ويُقال: بفتح الخاء المشددة مع فتح الهمزة، ويقال: بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الواو، ويقال: آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء - وهي: الخشبة التي يستند إليها الراكبُ من كور البَعير. وفيه: بيان الندب إلى السُّترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقلها كمؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه. وشرط مالك أن تكون في غلظ الرمح، وقال صاحب " الهداية ": ومقدارها: ذراع فصاعداً. انتهى. وقيل: مثل مقدار سهم. وقال صاحب " الهداية ": وقيل: في غلظ الإصبع , لأن ما دونه لا يبدُو للناظرين من بعيد فلا يَحْصله المقصود. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه.
٦٦٧- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء قال: آخرة الرحل: ذراع " فما فوقه (١) .
ش- عطاء: ابن أبي رباح. وقال أبو بكر: نا زيد بن حباب: أنا عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة بن معبد الجهني قال: اخبرني أبي، عن أبيه قال: قال النبي- ﵇: " ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسَهْم ".
نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك في المشعر الحرام قد نصَبَ عصاً فصلى إليها.
نا مَعْنُ بن عيسى، عن ثابت بن قيس أبي الغصن قال: رأيتُ نافع بن جُبير يُصلي إلى السوْط في السفر وإلى العَصَا.
٦٦٨- ص- نا الحسن بن علي: نا ابن نمير، عن عُبَيْد الله، عنِ نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله- ﵇ إذا خرج يوم العيد أمر بالحرْبة
стр. 1291
فتوضعُ بين يدَيْه، فيُصلي إليها والناسُ وراءه، وكان يفعل ذلك في السَفر فمِن ثم اتخذها الأمراًء (١) .
ش- ابن نُمير: هو عبدُ الله بن نُمير الكوفي، وعُبيد الله بن عُمر: ابن حفص العدوي المدني، ونافع: مولى ابن عمر.
قوله: " أمر بالحرْبة " قال في " المطالع ": قيل: إنه هو الرمح العريض النصل.
قوله: " فيصلي إليها " أي: إلى جهة الحرْبة.
قوله: " وكان يفعل ذلك " أي: كان رسول الله- ﵇ يفعلُ وضع الحرْبة بين يديه للصلاة في السفر.
قوله: " فمن ثم " أي: فلأجل ذلك اتخذ الحربةَ الأمراء. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٦٦٩- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة، عن عَوْن بن أبى جُحيفة، عن أبيه أن النبي- ﵇ صلى بهم بالبطحاء وبن يديه عنزة الظهرَ ركعتين والعصرَ ركعتين، يمرُّ خلف العنزة المرأةُ والحمارُ (٢) .
ش- أبو جُحيفة: وهب بن عبد الله السوائي، قد ذكرناه، وابنَه: عَوْن (٣) مرةً.
стр. 1292
قوله: " بالبَطحاء " أي: بطحاء مكة , وبَطحاء الوادي وأبطحه: حصَاه
اللينُ في بطن المَسِيل.
قوله: " وبين يديه عنزة " حال، والعنزة: عصا في أسفلها حديدة،
ويقال: العنزة: قدر نصف الرمح أو أطول شيئاً فيها سنان مثل سنان
الرمح، والعكازة نحو منها، وقيل: العنزة: ما دُور نصلُه، والآلة
والحربة العريضة النصل.
قوله: " الظهر " منصوب بقوله: "صلى بهم "، و " العصر" عطف علي.
قوله: " المرأة " مرفوع لأنها فاعل قوله:" يمر " و " الحمار " عطف
علي، وهي- أيضاً- جملة وقعت حا"
ويستفاد منه فوائد؟ الأولى: استحباب نَصْب العنزة ونحوها إذا صلى
في الصحراء بين يدَيْه.
الثانية: أن الأفضل: قصر الصلاة في السفر وإن كان بقرب بلدِ ما لم
ينو الإقامة خمسة عشر يوماً.
/ والثالثة: أن مرور المرأة والحمار ونحوهما من خلف السّترة لا يضر [١/٢٣٠-ب] ، المُصلي. والحديث: أخرجه البخاري، ومُسلم.
***
٩٨- بَابُ: الخَطَّ إذا لم يَجِدْ عَصى
أي: هذا باب في بيان الخط إذا لم يجد عصى ونحوها للسترة.
٦٧٠- ص- نا مسدد: نا بشر- يعني: ابن المفضل-: نا إسماعيل
- يعني: ابن أمية- قال: حدثني أبو عَمرو بن محمد بن حُريث أنه سمع
جده: حُريثاً يُحدث عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم
فليجعَلْ تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاه (١) فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا ثم لا يَضره ما مر أمامَه " (٢) .
(١) في سنن أبي داود: " عصا "
(٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما يستر المصلي (٩٤٣) .
стр. 1293
ش- إسماعيل: ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي. سمع: أباه، وسعيد بن المسيّب، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مات سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (١) .
وأبو عمرو بن محمد بن حريث: العذري. سمع من جَده حديثا عن أبي هريرة. وقال ابن معين: هو جد لإسماعيل بن أميّة من أمِّه. وقال الطحاوي: هو مجهول. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٢) .
قوله: " أمامه " أي: أمام الخط , والمراد منه: خلفه، لأن " الإمام " مشترك بين الخلف والقدام. ثم هذا الحديث تكلموا فيه، فقال القاضي عياض: هو ضعيف، وإن كان قد أخذ به أحمد. وقال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث- على ما يجيء الآن- وكان إسماعيل ابن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟. وقد أشار الشافعي إلى ضعْفه. وقال البيهقي: ولا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محي الدين: فيه ضعف واضطراب. واختلف قول الشافعي فيه، فاستحبه في " سنن حرملة " وفي " القديم " ونفاه البُويطي، وقال جمهور أصحابه باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. وقال القاضي عياض: ولم ير مالك وعامة الفقهاء الخط.
قلت: وكذا قال أصحابنا، فقال صاحب " المحيط ": والخط ليس بشيء، لأنه لا يصيرُ حائلاً بينه وبَيْن المار. وكذا قال صاحب " الهداية " ونقل بعض أصحابنا أن الخط معتبر عند عدم ما يَنْصبُه، فقيل: يُخط طولاً، وقيل: مثل المحراب، ونذكره الآن إن شاء الله. وهذا الحديث: أخرجه ابن ماجه- أيضاً- وأبو بكر في " مصنفه ".
стр. 1294
ص- قال (١) أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئلَ عن الخط غير مرة فقال: هكذا- يعني: عَرْضاً مثل الهلال.
ش- يعني: يخطه عرضاً مثل الهلال ولا يخطه طولاً، وبه قال بعض أصحابنا- كما ذكرناه.
ص- قال أبو داود: وسمعت مُسدداً قال: قال ابن داود: الخط بالطول (٢) .
ش- ابن داود: هو عبد الله بن داود بن عامر الخُرَيْبي البصري.
قوله: " الخط بالطول" يعني: الخط المذكور في الحديث هو أن يكون طولاً لا عرضاً، وبه قال بعض أصحابنا.
٦٧١- ص (٣) - نا عبد الله بن محمد الزهري: نا سفيان بن عيينة قال: رأيت شريكاً صلى بنا في جنازة (٤) فوَضع قلنسوته بَيْن يديه- يعني: في فريضة حضرت (٥) .
ش- عبد الله بن محمد: ابن عبد الرحمن بن المسْور بن مخرمة بن نوفل البصري الزهري. روى عن: سفيان بن عيينة، وأبي داود الطيالسي، ومالك بن سعير. روى عنه: محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو حاتم - وقال: صدوق-، والجماعةُ إلا البخاري. مات سنة ست وخمسين ومائتين (٦) .
وشريك: النخعي.
стр. 1295
قوله: " فوضع قلنسوته " ذكر في " شرح الفصيح ": هي غشاء مُبطن يُلبَسُ على الرأس، وذكر ثعلب في " فصيحه " فيها لغة أخرى وهي "القُلَيْسِيَة "- بضم القاف، وفتح اللام، وسكون الياء الأولى، وكسر السين، وفتح الياء الثانية- وقال في " الجامع ": الجمع: قلانس وقلاس وحكى فيه القَلَنْس، كما قال الراجز:
لا نوم حتى تلحقي بعَنْس....... أهل الرباط البيض والقَلَنْس
وهي: القلاسي. وفي " شرح الفصيح " لابن خالويه: والعربُ تسمي [١/٢٣١ - أ] القلنسوة بُرنُساً، وفي " التلخيص " لأبي هلال العسكري /: البرنس: القلنسوة الواسعة التي تُغطى بها العمائم ويَسترُ من الشمس والمطر، وفي " العين ": الكُمه: القَلنسوة. وقال ابن هشام في " شرحه ": هي التي يقول لها العامة: الشاشية، وعن يونس: أهل الحجاز يقولون: قلَنْسية- بالنون بعد اللام- وتميم يقولون: قلَنْسُوَة، وبعضهم يقول: قلَيْسَية- بالياء بعد اللام-، وهي ردية، وإذا صغرتها تقول: قُلَيْنِسَةْ وقُلَيْسَيةْ وقلنسية. ذكر هذه الوجوه الثلاث الجوهري في " الصحاح "
٦٧٢- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا عليّ، عن سفيان- يعني: ابن عيينة-، عن إسماعيل بن أميّة، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جَدّه: حُريث رجل من بني عُذْرة، عن أبي هريرة، عن أبي القاسمِ. قال فذكر حديث الخط. قال سفيان: لم نجدْ شيئاً نَشدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوَجه. قال: قلتُ لسفيان: إنهم يَخْتلفون فيه فتفكر ساعة ثم قال: ما أحفظُ إلا أبا محمد بن عمرو، قال سفيان: قدمَ هنا رجل بعد ما مات إسماعيل بن أمية فطلبَ هذا الشيخَ أبا محمد حتى وجَده فسأله عنه فخلَط عليه (١) .
ش- علي: ابن عياش بن مسلم الحمصي.
قوله: " عن أبي محمد بن عَمرو " هكذا في رواية ابن عُيينة، عن
стр. 1296
إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد: بن عمرو بن حريث، عن جده، وفي رواية بشر بن المفضل، عن إسماعيل بن أمية: " نا، أبو عمرو بن محمد ابن حريث- كما مر في الرواية المتقدمة.
قوله: " من بني عُذرة " بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة. قوله: " قال: قلت لسفيان " أي: قال علي بن عياش: قلت لسفيان بن عُيينة: إن الرواة يختلفون في راوي هذا الحديث، هل هو أبو محمد بن عمرو بن حريث أو هو أبو عمرو بن محمد بن حريث؟
قوله: " فطلبَ هذا الشيخَ ": الشيخ منصوب لأنه مفعول " طلب " و" أبا محمد " منصوب لأنه بدل من الشيخ أو عَطْفُ بيان، والمقصود: أشار أبو داود بهذا الكلام إلى أن هذا الحديث فيه ضَعْف واضطراب، والله أعلم.
***
٩٩- باب: الصّلاةِ إلَى الرَّاحلةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة إلى الراحلة، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وقد مر تفسيرها غير مرة.
٦٧٣- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، ووهب بن بقية، وابنُ أبي خلف، وعبد الله بن سعيد، قال عثمان: نا أبو خالد قال: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمر أن النبي- ﵇ كان يُصلي إلى بعيره (١) .
ش- وهب بن بقية: الواسطي.
وابن أبي خلف: اسمه: أحمد بن محمد بن أحمد بن [محمد بن] أبي خلف البغدادي القطيعي، حدث عن: حصين بن عمر الأحمسي،
стр. 1297
وابن عيينة. وروى عنه: أبو داود، وإبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وهو ثقة (١) .
وعبد الله بن سعيد: ابن حُصَين أبو سعيد الأشج الكوفي الكندي. سمع: عيسى بن يونس، وحفص بن غياث، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والجماعةُ، وغيرهم. وقال ابن مَعين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال النسائي: صدوق، وفي رواية: لا بأس به. مات سنة سبع وخمسين ومائتين (٢) .
وأبو خالد: سليمان بن حيان الأحْمر الجعْفري الكوفي، وعُبيد الله:
ابن عمر العمري.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. ولا يُعارضُه حديث كراهة الصلاة في أعطان الإبل، لأنه ليس في هذا الحديث أنه صلى في مَوضع الإبل، وإنما صلى إلى البعير، لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطناً أو مأوى للإبل، والمعاطن: هي مواضع إقامتها عند الماء واستيطانها. وقال القرطبي: فيه دلالة أن أبوال الإبل ليست بنجسة، وكذا أرواثها. وقال ابن التيًن عن مالك: ولا يُصلى إلى الخيل والحُمر، لأن أبوالها نجسة. وعند محمد من أصحابنا: أبوال الفرس طاهرة فيُصلي إليها.
* * *
١٠٠- باب: إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه ؟
أي: هذا باب في بيان / حكم الرجل إذا صلى إلى سارية- أي: أسطوانة- أو نحوها أين يجعل السارية منه؟
٦٧٤- ص- نا محمود بن خالد الدمشقي: نا علي بن عياش: نا
стр. 1298
أبو عُبيدة: الوليد بن كامل، عن المهلب بن حُجْرِ البَهراني، عن ضُباعة بنْت المقداد بن الأسود، عن أبيها قال: ما رأيتُ رسول الله يصلي إلى عُود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيْسر، ولا يصمُد له صَمْداً (١) .
ش- الوليد بن كامل: ابن معاذ بن محمد بن أبي أمية (٢) أبو عُبيدة البجلي مولاهم الشامي الحمصي، وقيل: إنه دمشقي. روى عن: المُهلب بن حجر، ونصر بن علقمة الحضرمي، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. روى عنه: على بن عياش، وبقية بن الوليد، ويحيى بن صالح الوحاظي، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البخاري: عنده عجائب. روى له: أبو داود (٣) .
والمهلب بن حُجر البهراني: الشامي. روى عن: ضباعة بنت المقداد. روى عنه: الوليد بن كامل. روى له: أبو داود (٤) .
وضُبَاعة: بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحدة، روت عن: أبيها. وروى عنها: المهلب المذكور. روى لها: أبو داود، وابن ماجه (٥) .
قوله: " ولا يَصْمد له صَمْداً " من صَمدتُ الشيء صَمْداً: قصَدته. قال الجوهري: صَمَده يصمُده صمْداً: قصده.
قلت: من باب نَصر ينصرُ. والصَمَد: السيد الذي يُصمَد إليه في الحوائج، أي: يقصد فيها. وبهذا الحديث: استند أصحابنا أنه يجْعلُ السترة على حاجبه الأيْمن أو الأيْسرِ. وقال صاحب " الهداية ": ويجعلُ السترة على جانبه (٦) الأيمن أو على الأيْسر، به ورَد الأثرُ.
стр. 1299
(١) والحديث: أخرجه أحمد في " مسنده " (٢) ، والطبراني في "معجمه" وابن عدي في " الكامل " (٣) ، وأعلَّه بالوليد بن كامل. وقال ابن القطان: فيه علتان , علة في إسناده، وعلة في متنه، أما التي في إسناده، فقال: إن فيه ثلاثة مجاهيل، فضباعة مجهولة الحال ولا أعلم أحداً ذكرها، وكذلك المهلب بن حجر مجهول الحال، والوليد بن كامل من الشيوخ الذين لم تثبت عدالتهم، وليس له من الرواية كثير شيء يستدل به على حاله. وأما التي في مَتنه: فهي أن أبا علي بن السكن رواه في " سننه " هكذا: نا سعيد بن عبد العزيز الحلبي: نا أبو تقي هشام بن عبد الملك: ما بقية، عن الوليد بن كامل: نا المهلب بن حجر البهراني، عن ضُبَيْعة بنْت المقدام بن معدي كرب، عن أبيها قال: قال رسول الله: " إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يَجْعله نصْبَ عينَيْه وليجعله على حاجبه الأيْسر ". قال ابن السكنَ: أخرج هذا الحديث أبو داود من رواية عليا بن عياش، عن الوليد بن كامل، فغير إسناده ومَتْنه. فإنه عن ضباعة بنْت المقداد بن الأسود، عن أبيها , وهذا الذي روى بقية هو عن ضبيعة بنت المقدام بن معدي كرب، عن أبيها، وذلك فعل، وهذا قول " (٤) .
* * *
١٠١- باب: الصَّلاةِ إلى المتحدثين والنِّيام
أي: هذا باب في بيان الصلاة إلى ناس متحدثين وناس نيام، والنيام: جمع نائم كالصيام جمع صائم، والقيام جمع قائم.
٦٧٥- ص- نا عبد الله بن مسلمة القعنبي: نا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يَعْقوب بن إسحاق، عن مَنْ حدّثه، عن محمد بن
стр. 1300
كعب القرظي قال: قلت (١) - يعني: لعمر بن عبد العزيز-: حدَّثني
عبد الله بن عباس، أن النبي- ﵇ قال: " لا تصلوا خلف النائم
ولا المتحدث " (٢) .
ش- عبد الملك بن محمد بن أيمن: روى عن: عبد الله بن يعقوب.
وروى عنه: ابن مسلمة. روى له: أبو داود (٣) .
وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق: المدني. روى عن: أبي الزناد،
وعمن حدثه عن ابن كعب. روى عنه: عبد الملك المذكور، وعبد الله
ابن أبي الزناد. روى له: أبو داود، والترمذي (٤) .
وهذا الحديث: أخرجه ابن ماجَه، وفي سند أبي داود رجل مجهول،
وفي سند ابن ماجه: أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه.
وقال الخطابي (٥) : هذا الحديث لا يصح عن النبي- ﵇،
لضعف سَنده، وعبد الله بن يعقوب لم يسمِّ من حدثه عن محمد بن
كعب، وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان / كلاهما ضعيفان: تمام [١ /٢٣٢-أ] ابن بَزِيع، وعيسى بن مَيْمون، وقد تكلم فيهما ابن معين والبخاريّ،
ورواه- أيضاً- عبد الكريم أبو أميّة، عن مجاهد، عن ابن عباس،
وعبد الكريم: متروك الحديث. قال أحمد بن حنبل: ضربنا علي
فاضربوا عليه. وقال ابن معين: ليس بثقة ولا يحمل عَنه، وقد ثبت عن
النبي- ﵇ أنه صلى وعائشة نائمة معترضة بينه وبين القِبْلة.
انتهى.
وروى البزار في " مسنده ": حدثنا محمود بن بكر: نا أبي، عن
عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد،