← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ش- عمرو: ابن الحارث. وعبيد الله بن أبي جعفر: أبو بكر الفقيه المصري الكناني مولاهم، رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي. روى عن: نافع مولى ابن عمر، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ومحمد بن جعفر، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد/، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة، وغيرهم [٢/ ٧٣ - ب] قال ابن أبي حاتم: ثقة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (١) ومحمد بن جعفر: ابن الزبير بن العوام. قوله: " يَنْتابون " أي: يقصدون مَرةً بعد أخرى؟ من انْتاب افتعل من النَّوْبة، وقيل: يَنْتابُون: يأتونَ. قوله: " ومن العَوالي " وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد: ثمانية؛ والميل: ثلث الفرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة؛ وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله. والفرسخ: اثنا عشر ألف خطوة؛ فيكون أدنى العوالي من المدينة: فرسخا وثلث فرسخ، وأبعدها: فرسخين وثلثي فرسخ. وبهذا قال بعض العلماء: إنه تجب الجمعة على من كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أو أربعة. وعن محمد من أصحابنا: إلى ثلاثة؛ وهو قول مالك والليث. وفي " منية المغني ": على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ؛ وهو المختار. وعنه: إذا كان أقل من فرسخين. وعن معاذ: تجب من خمسة عشر فرسخاً وكان أنس في قصره أحيانا يُجمّع، وأحيانا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين من البصرة. وقال ابن

стр. 1927

المنذر: تجب عند ابن المنكدر، وربيعة، والزهري من أربعة أميال. وقال الزهري- أيضا-: ستة أميال. وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال، وعن أبي يوسف: من ثلاثة فراسخ، وعنه: إذا أمكنه المبيت في أهله، وهو اختيار كثير من المشايخ. وعن أبي حنيفة: لا تجب إلا على ساكني المصر والأرباض دون السواد، سواء كان قريباً من المصر أو بعيداً. وقيل: إذا سمع صَوت النداء؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال صاحب "المجمع ": فهي على قرى يجيء خراجها مع المصر، الحاصل: أن الجمعة تجب عند أبي حنيفة على أهل القرى التي يجيء خراجها مع خراج المصر؛ لأنهم تبع للمصر فكانوا (١) كأهل المصر. وقال أبو يوسف: تجب على أهل القرى المشمولين بسور البلد وهو حائطها؛ لأنهم من أهل البلدة. وشرط محمد: سماع النداء في وجوبها عليهم، فمن سمع أذان الجمعة وجبت عليه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأخرج ابن أبي شيبة في" مصنفه " عن ابن عمر أنه قال: الجمعة على مَنْ أواه المراح. وعن إبراهيم: تؤتى الجمعة من فرسخين. وعن عكرمة: من أربعة فراسخ. وعن الحسن: على كل مَنْ أواه الليل إلى أهله، وكذا عن نافع مثله. وعن عطاء: من سبعة أميال. وعن الحكم: على مَنْ يجيء ويذهب في يوم. وعن أبي هريرة: من فرسخين. والحديث: أخرجه البخاري. ١٠٢٧- ص- نا محمد بن يحيي بن فارس: نا قَبيصةُ: نا سفيان، عن محمد بن سعيد- يعني: الطائفي-، عن أبي سلمي بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عَمرو، عن النبي- ﵇ قال: " الجمعةُ على مَنْ (٢) سمع النكداء " (٣) . ش- قبِيصة: ابن عاقبة بن محمد بن سفيان، أبو عامر السُوَائى

стр. 1928

الكوفي. روى عن: الثوري، وشعبة، ومسعر، وغير هم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان الثوري، ليس بذاك القوي. وقال ابن خراش: صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وروى مسلم حديثا واحداً، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عنه. مات سنة خمس عشرة ومائتين (١) . ومحمد بن سعيد: الطائفي المؤذن، أبو سعيد. سمع: عطاء بن أبي رباح، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد الله بن هارون (٢) ، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والمعتمر، ويحيى بن سليم، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي (٣) . وأبو سلمة بن نُبيه: روى عن: عبد الله بن هارون، روى عنه: محمد بن سعيد الطائفي. روى له: أبو داود (٤) . وعبد الله بن هارون: روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه: أبو سلمة بن نبيه. قال عبد الرحمن: عبد الله بن هارون، ويُقال: عبد الله/ بن أبي هارون. سمع: عبد الله بن عمرو في قصة الجمعة. [٢/ ٧٤ - أ] روى له: أبو داود (٥) . قوله: " الجمعةُ على من سمع النداء " أي: الجمعة تجبُ على من سمع الأذان يوم الجمعة. وبهذا الحديث اتخذ محمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

стр. 1929

ص- قال أبو داود: رَوى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبد الله بن عَمْرو لم يرفعوه، وإنما أَسْنده قبِيصَةُ. ش- أشار بهذا الكلام إلى أن الصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على عبد الله بن عمرو، ولم يُسْنده غير قبيصة بن عقبة؛ وقد سمعت الآن ما قال أحمد في رواية قبيصة عن سفيان، على أن الطائفي مجهول؛ كذا في " الميزان "، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليْس من أحاديثهم، لا يحلّ الاحتجاج به، وفيه: أبو سلمة بن نُبيه، عن عبد الله ابن هارون، ولا يعرف حالهما. وذكر البيهقي هذا الحديث وقال: الذي رفعه ثقة؛ ولكنهم تركوا العمل بظاهر الحديث فلم يعتبروا السماع؛ وإنما اعتبروا كونه في موضع يَبْلغه النداء. *** ٢٠١- بَابُ: الجُمعة في اليَوْم المَطيرِ أي: هذا باب في بيان الجمعة في الَيَوْم المطير، وَهو اليوم الذي يقع فيه ابطرُ. ١٠٢٨- ص- نا محمد بن كثير: نا همام، عن قتادة، عن أبي مليح، عن أبيه أن يوم حنين كان يومَ مَطر فأمر النبي- ﵇ مُناديَه أن الصلاة في الرحال (١) . ش- همام: ابن يحيي، وأبو المليح: اسمه: عامر بن أسامة، وقيل: زيد بن أسامة، وقيل: أسامة بن عامر، وقيل: عمير بن أسامة، وقد ذكرناه مستوفىَ. قوله: " يوم حُنين " حُنين: وادٍ بَيْنه وبين مكة ثلاثة أميال، ويُصرف ولا يُصرف، وكان يوم حنين في السنة الثامنة من الهجرة؛ وهي غزوة

стр. 1930

هوازن. وقال ابن إسحاق: خرج رسول الله إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة ليلة، وبه قال عروة بن الزبير، واختاره ابن جرير في " تاريخه" وقال الواقدي: خرج رسول الله إلى هوازن لست خلون من شوال، فانتهى إلى حنين في عاشره. قوله: " في الرحال " جمع "رَحْل "؛ وهو المنزل. والحديث: أخرجه النسائي. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا أزهر، عن ابن عون قال: نبِئت أن محمداً اشتد المطر يوم الجمعة فلم يجمع. نا يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد، عن قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة قال: مررتُ بعبد الرحمن بن سمرة وهو على بابه جالس فقال: ما خطب أميركم؟ قلت: أما جمعت؟ قال: منعنا منها هذا الردغ. نا محمد بن بشر، نا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس أمر مناديه فنادى في يوم مَطير يوم الجمعة: الصلاة في الرحال، الصلاة في الرحال. قلتُ: وبه قال أصحابنا، وقال صاحب "الخلاصة": إذا أصاب الناس مطر شديد يوم الجمعة، فهم في سَعة من التخلف. ١٠٢٩- ص- نا محمد بن المثنى: نا عبد الأعلى: نا سعيد، عن صاحب له، عن أبي مليح أن ذلك كان يوم جمعة (١) . ش- عبد الأعلى: ابن عبد الأعلى السامي، وسعيد: ابن أبي عروبة. قوله: " أن ذلك " أي: ذلك اليوم الذي أمر النبي- ﵇ مناديا أن الصلاة في الرحال، كان يومَ جمعة، وفيه مجهول. ١٠٣٠- ص- نا نَصرُ بن علي: قال سفيان بن حبيب: خبرنا عن خالد الحذاء، عن أمي قلابة، عن أمي المليح، عن أبيه أنه شهد النبي ﵇

стр. 1931

زمن الحدَيبية في يوم جمعة وأصابهم مطر لم يَبتل أسفلُ نعالهم فأمرهم أن يُصلوا في رحالهم (١) . ش- سفيان بن حبيب: أبو محمد، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو حبيب البزار البصري. روى عن: موسى بن علي بن رباح، وثور ابن يزيد، وخالد الحذاء، وغيرهم. روى عنه: نصر بن علي، وحبان ابن هلال، وعبد الرحمن بن المبارك، وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) . وأبو قلابة:/ عبد الله بن زيد الجَرْمي. قوله: " زمن الحديبية " بتخفيف الياء؛ رواه الربيع عن الإمام الشافعي. وقد روي بالتشديد؛ وسميت بذلك لأجل شجرة حَدْباء كانت هنالك، وقيل: سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل والى مكة مرحلة. وقال الإمام مالك: هي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها في الحل؛ وهي قرية ليست بالكبيرة. وغزوة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف، وممن نص" على ذلك الزهري ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى بن عقبة وابن إسحاق. قوله: " لم يبتل أسفل نعالهم " النعال: جمع نعل؛ وهي التي تلبس في الرجل، قالوا: المرادُ من الحديث الآخر: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحْل " أن النعال جمع نعل، وهو ما غلظ من الأرض في صلابة، وخصها بالذكر لأن أدنى بلل يُنَديها بخلاف الرخوة؛ فإنها تنشف الماء. وحمله بعضهم على ظاهره، وقالوا: إذا وقع من المطر ما تبتلُ به النعالُ به، وتعذر المشي للرجل فهو عذر ظاهر في ترك الجماعة، ويؤيد هذا حديث أبي المليح المذكور. والحديث: أخرجه ابن ماجه. * * *

стр. 1932

٢٠٢- بَابُ: التخلفِ عن الجماعةِ في الليْلةِ البَارِدةِ (١) أي: هذا باب في بيان التخلف عن الحضور إلى الجماعة في الليلة الباردة. ١٠٣١- ص- نا محمد بن عبيد: نا حماد بن زيد: نا أيوب، عن نافع أن ابن عمر نَزل بضَجْنَانَ في ليلة باردة فأمر المنادي فنادى: أن الصلاة في الرحال. قال أيوب: وحدث نافع، لمحن ابن عمر أن رسول الله- ﵇ كان إذا كانت ليلة باردة أو مَطيرة أمر المنادي فنادى: الصلاة في الرحال (٢) . ش- ضَجْنان- بفتح الضاد المعجمة، وبعدها جيم ساكنة، ونون مفتوحة، وبعد الألف نون أيضا-: وهو جبل على بريدٍ من مكة. وقال ابن الأثير: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. قوله:" قال أيوب " أي: السختياني. وأخرج ابن عدي، عن أبي هريرة: كان رسول الله- ﵇ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن الأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال أو في رحالكم. وفي سنده: محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف. وفي "شرح البخاري ": الرحال: المنازل والدور والمساكن جمع رحل، وسواء كانت من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبرٍ وغيرها. قال ابن سيده: والجمع: أرحل. ١٠٣٢- ص- نا مؤملُ بن هشام: نا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع قال: نادَى ابن عمر بالصلاة بضجنان ثم نادَى أن صَلُوا في رحالكم. قال فيه: ثم حدث عن رسول الله أنه كان يأمر المُنادي فيُنادي بالصلاة ثم يُنادي: "أن صلوا في رحالكم " في الليلة الباردة وفي الليلة الَمَطيرة في السفر (٣) .

стр. 1933

ش- إسماعيل: ابن علية. قوله: " قال فيه " أي: قال نافع في الحديث المذكور: ثم حدّث ابن عمر عن رسول الله- ﵇. والحديث: أخرجه ابن ماجه. ص- قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، وعبَيد الله قال فيه: في السفر في الليلة القَرّةِ أو المَطيرةِ. ش- أي: روى الحديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عُمر العُمري. قوله: " في الليلة القَرة " أي: الباردة؛ القر: البردُ، يقال: قر يومنا يقَرّ قرَّةً، ويوم قَر- بالفتح- أي: بارد، وليلة قرّةٌ. ١٠٣٣- ص- نا عثمان بن أبي شيبة نا، أبو أسامة، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة بضَجْنانَ في ليلة ذاتَ بَرْد وريح، فقال في آخر ندائه: ألا صَلُوا في رحالكم، ألا صَلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله- ﵇ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً أو ذاتُ مطر في سفرٍ يقولُ: " ألا صَلوا في رحالكم " (١) . ش- في هذه الأحاديث تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وأنها مشروعة في السفر، وأن الأذان مشروع في السفر. والحديث: أخرجه مسلم، والبخاري، والنسائي. ١٠٣٤- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع/ أن ابن عمر- يعني: أذن بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وريح فقال: ألا صلوا في الرحال ثم قال: إن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً ذات مطر يقولُ: " ألا صَلُوا في الرحال" (٢) .

стр. 1934

ش- أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. ١٠٣٥- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نَادى منادي رسول الله ﷺ ﵇ بذلك في المدينة في الليلة المطيرة، والغداة القَرة (١) . ش- " بذلك " أي: بقوله: " ألا صلُوا في الرحال". ص- قال أبو داود: روى هذا الخبر: يحيي بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، عن ابن عمر، عن النبي- ﵇ قال فيه: " في السفر ". ش- أشار بهذا إلى تضعيف رواية محمد بن إسحاق؛ لأن الثقات مثل يحيي الأنصاري والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رويا هذا الحديث وفيه: " في السفرِ". ١٠٣٦- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا الفضل بن دكين: نا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا مع النبي- ﵇ في سفر فمطرنا فقال رسولُ الله: " ليُصلِ مَنْ شاء منكم في رَحْله " (٢) . ش- زهير: ابن معاوية، وأبو الزبير: محمد بن مسلم، وجابر: ابن عبد الله. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي. وعند الطبراني- بسند صحيح- عن نُعَيم بن النحام قال: أذن مؤذن رسول الله ليلة فيها برد وأنا تحت لحافي، فتمنيتُ أن يُلْقِي اللهُ على لسانه: ولا حرجَ، فلما فرغ قال: ولا حرج. وعند البيهقي: فلما قال: الصلاة خير من النوم قال: ومنْ قعد

стр. 1935

فلا حرج. وعند أحمد: فلما بلغ حي على الفلاح قال: صلوا في رحالكم، ثم سألت عنها فإذا النبي- ﵇ قد أمره بذلك. ١٠٣٧- ص- نا مسدد: نا إسماعيل: أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي: نا عبد الله بن الحارث- ابن عم محمد بن سيرين- أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكرُوا ذلكَ فقال: قد فعل ذَا مَنْ هو خير مني؛ إن الجمعة عَزْمةٌ وإني كرهتُ أن أحرجَكُم فتمشون في الطين والمطر (١) . ش- إسماعيل: ابن علية. وعبد الحميد: ابن دينار، وهو عبد الحميد بن كُرْديد صاحب الزيادي، سمع: أنس بن مالك، وأبا الوليد عبد الله بن الحارث، وثابتا البناني، روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن علية. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٢) . قوله: " استنكروا ذلك " أي: ذلك القول من المؤذن، وكذلك " ذا " إشارة إليه. قوله: " عزْمة "- بفتح العين وإسكان الزاي- أي: واجبة متحتمة، فلو قال المؤذن: " حي على الصلاة، لتكلّفتم المجيء إليها ولحقتكم المشقةُ. ثم إنه جاء في حديث ابن عباس هذا: " صلوا في بُيوتكم" في وسط الأذان، وفي حديث ابن عمر في آخر ندائه، والأمران جائزان، نص عليها الشافعي في " الأم" في كتاب الأذان، وتابعه جمهور الشافعية

стр. 1936

فيجوز بعدَ الأذان وفي أثنائه لثبوت السُنَّة فيهما، لكن قوله بعدَه أحسن ليَبقى نظمُ الأذان على وَضْعه. قال الشيخ محيي الدين (١) : ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ؛ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر؛ لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت؛ وكلاهما صحيح. قوله: "أن أحرجكم "- بالحاء المهملة- أي: أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجماعة في الطين والمطر، وفي رواية: " كرهتُ أن أوثمكم" أي: كون سبب اكتسابكم الإثم عند ضيق صدُوركم، فربما يتسخط ويتكلم به. وروي بالخاء المعجمة، من الخروج. والحديث: أخرجه البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه. * * * ٢٠٣- بَابُ: الجُمعة للمَمْلُوك وَالمرأةِ أي: هذا باب في بيان الجمعة للمملوك والمرأة. ١٠٣٨- ص- نا عباس بن عبد العظيم: حدثني إسحاق بن منصور: نا هُريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن/ النبي- ﵇ قال: " الجمعة حق واجب على كل [٢/٧٥ - ب] مسلمٍ في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيّ أو مريض " (٢) . ش- إسحاق بن منصور: السلمي، روى عن: هُرَيم، روى عنه: عباس بن عبد العظيم، روى له: أبو داود (٣) . وهريم: ابن سفيان البجلي الكوفي، روى عن: عبيد الله بن عُمر، ومنصور بن المعتمر، وليث بن أبي سليم، والأعمش، وغيرهم. روى

стр. 1937

عنه: الأسود بن عامر، وعبد الحميد بن صالح، وإسحاق بن منصور، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا النسائي (١) . وهريم: بضم الهاء وفتح الراء. وإبراهيم بن محمد بن المنتشر: ابن الأجدع، ابن أخي مسروق بن الأجْدع الهمداني الكوفي، يَرْوي عن: أبيه. روى عنه: شعبة وأهل العراق، ذكره ابن حبان في " الثقات "، واحتج به الشيخان في "صحيحيهما" (٢) . وقيس بن مُسلم: الجدلي العَدْواني، أبو عمرو الكوفي. روى عن: طارق بن شهاب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. روى عنه: الأعمش، ومسعر، والثوري، وشعبة، وغير هم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. مات سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) . وطارق بن شهاب: ابن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشم البجلي الأحْمسي، أبو عبد الله، رأى النبي- ﵇، وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً وأربعين من غزوة إلى غزية. روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، أخرج له البخاري، عن أبي بكر الصِّدِّيق وعبد الله بن مسعود، وأخرج له مسلم، عن أبي سعيد الخدري، وأخرج له أبو داود، والنسائي، عن النبي- ﵇. روى عنه: قيس بن مسلم، ومخارج بن عبد الله، وعلقمة بن مرثد، وغيرهم. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (٤) .

стр. 1938

قوله: " الجمعة سنن واجب" أي: فرض عين لا يجور التخلف عنها. قوله: " في جماعة" لأنه إذا لم تكن جماعة لا تجب الجمعة؛ وأقلها: ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة. وبهذا الحديث استدل أصحابنا، وقال صاحب " الهداية": ولا تجب- أي: الجمعة- على مسافرِ ولا امرأةِ ولا مريض ولا عبد ولا أعْمى. وقال الخطابي (١) : أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن، فأما العبيد: فقد اختلفوا فيهم، فكان الحسن وقتادة يوجبان على العبد الجمعة إذا كان مُخارَجاً، وكذلك قال الأوزاعي، وأحسب أن مذهب داود: إيجاب الجمعة عليه. وقد روي عن الزهري أنه قال: إذا سمع المسافر الأذان فليحضر الجمعة. وعن إبراهيم النخعي نحو منْ ذلك. ص- قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي- ﵇ ولم يَسْمع منه شيئاً. ش- هذا غير قادح في صحة الحديث؛ فإنه يكون مرسل صحابي وهو حجة، وكذا قال النووي في "الخلاصة "، وقال: والحديث على شرط الشيخين. انتهى. ورواه الحاكم في "المستدرك " عن هريم بن سفيان به، عن طارق بن شهاب، عن أبى موسى مرفوعاً وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا بهريم بن سفيان. ورواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فلم يذكر فيه أبا موسى، وطارق بن شهاب يُعد في الصحابة. وقال البيهقي في " سننه ": هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مُرسل جيد، وطارق من كبار التابعين، وممن رأى النبي- ﵇ وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد. وقد صرح ابن الأثير في "جامع الأصول " بسماعه من النبي- ﵇ حيث قال: رأى النبي- ﵇ وليس له سماع منه إلا شاذا، ويؤيدُ هذا قول الزهري في "التهذيب ": صحابي

стр. 1939

أدرك الجاهلية وصحب النبي- ﵇، وعقد له المزي في "أطرافه " مُسنداً، وذكر له عدة أحاديث. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا حميد بن عبد الرحمن الرقاشي، عن حسن، عن أبيه، عن أبي حازم، عن مولى لآل الزبير قال: قال رسول الله- ﵇: " الجمعة واجبة على كل حالم إلا أربعة: الصبي، والعبد، والمرأة، والمريض". نا هشيم، عن ليث، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله- ﵇:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض ". وأخرج عن مجاهد: ليس على العبد جمعة. وكذا عن الحسن. * * * ٢٠٤- بَابُ: الجُمعَةِ في القُرَى أي: هذا باب في بيان إقامة الجمعة في القرى جمع قريةِ. [١/٧٦ - أ] / ١٠٣٩- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخرمي لفظُه قالا: نا وكيع، عن إبراهيم بن دهمان، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس قال: إن أؤل جمعة جُمعت في الإسلام بعد جُمعة جُمعت في مسجد رسول الله بالمدينة لجمعة جمّعت بجُواثَا قرية من قُرَى البحْرين. قال عثمان: قرية من قُرى عبد القيس (١) . ش- أبو جَمْرة- بالجيم- نَصْر بن عمران بن عاصم بن واسع الضبعي البصري. سمع: ابن عباس، وابن عمر، وجارية بن قديمة، وغيرهم. وروى عن: أنس بن مالك. روى عنه: أيوب، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن حسان، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين وابن

стр. 1940

حنبل وأبو زرعة: ثقة. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) . قوله: " لجمعة" بلام التأكيد خبر " إن". قوله: " بجواثا " أي: في جواثا- بضم الجيم وواو مخففة، ومنهم مَن يَهمزها. قوله: " قرية " بالجرّ على أنها بدل من قوله: " بجواثا". وقال الزمخشري: جواثا: حصْن بالبحرَيْن. وقال البكري: هو بضم أوله على وزن فُعالى مَدينة بالبَحرين لعَبْد القيس؛ قال امرئ القيس: ورحنا كأنا في جُواثا عشية ... يُعَالى النعاج بين عِدْلٍ ومُحقَب يُريد كأنا من تُجّار جُواثا لكثرة ما معهم من الصيْد، وأراد كثرة أمتعة تجار جُواثا. وهو معنى قوله: " قال عثمان " أي: عثمان بن أبي شيبة: قريةٍ من قرى عَبْد القيس. وبهذا الحديث استدلت الشافعية أن الجمعة تقامُ في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحراراً مقيمين، حتى قال البَيْهقي: " باب العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم " ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجُواثا. قلنا: لا نُسلم أنها قريةٌ؛ بل هي مدينةٌ كما قال البكري، حتى قيل: كان يَسكنُ فيها فوق أربعة آلاف نفس، والقرية لا تكون كذلك، والقرية - أيضا تطلق على المدينة، قال تعالى: "عَلَى رَجُلٍ منَ القَرْيَتَيْنِ " (٢) وهما: مكة والطائف، وتسمى مكة أم القرى، ولئن سلمنا أنها قريةٌ فليس في الحديث أنه- ﵇ اطلع على ذلك وأقرّهم عليه. والحديث: أخرجه البخاري. وقد اختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة؛ فقال مالك:

стр. 1941

كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين. وقال الشافعي، وأحمد: كل قرية فيها أربعون رجلاً أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، فالجمعة واجبة عليهم، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة، فإن كانت متفرقة لم تصح، وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض، ففيه قولان أصحهما: لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم؛ وبه قال مالك، والثاني: تجب عليهم وتصح منهم؛ وبه قال أحمد، وداود. ومذهب أبي حنيفة: لا تصح الجمعة إلا في مِصرٍ جامع، أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في منَى إذا كان الأمير أمير الحاج، أَو كان الخليفة مسافراً. وقال محمد: لَا جمعة بمنَى، ولا تصح بعرفات في قولهم جميعاً وقال أبو بكر الرازي في كتاَبه" الأحكام ": اتفق فقهاء الأمْصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب. وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون. ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة؛ فعن أبي يوسف: هو كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم عادةً، وبه قاضٍ يقيم الحدود. وقيل: إذا بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل، وقيل: بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعُه، وقيل: كل موضع فيه منبر وقاضٍ يقيم الحدود، وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يَسعهم، وقيل: أن يكون [٢/ ٧٦ -ب] بحال يَعيش/ فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى. وعن محمد: كل موضع مَضره الإمامً فهو مصر، حتى إنه لو بعث إلى قرية نائبا لإقامة الحدود والقصاص يَصير مصرا، فإذا عزله

стр. 1942

ودعاه يُلحق بالقرى، ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ- ﵁ قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لا جمعة ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع، أو مدينة عظيمة. وروى- أيضا- بسند صحيح: نا جرير، عن منصور، عن طلحة، عن سعد بن عَبيدة، عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ولا التفاتَ إلى قول النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع، فكأنَّه عثَر على حديث عليّ من طريق حجاج بن أرطأة، ولم يَعثر على طريق جرير، عن منصور؛ فإنه سند صحيح، ولو اطلع عليه ما ادعى هذه الدعوى. وأما قوله: " متفق على ضعفه " فزيادة من عنده، ولا يُدْرى من سلَفُه في ذلك، على أن أبا زَيْد زعم في" الا"سْرار " أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعا: معاذ، وسراقةُ بن مالك. وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو ابنه كان يشهد الجمعة في الطائف وهو في قرية يُقال لها: الوَهْطُ على رأس ثلاثة أميال. وروى عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع النبي- ﵇ من ذي الحليفة. وعن وكيع، عن أبي البُحْتري قال: رأيتُ أنسا شهدَ الجمعةَ مِنَ الزاوية؛ وهي فرسخان من البصرة. وعن أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملاً على الأبلة، فكان إذا أتت الجمعة جمّع منْها.

стр. 1943

وجه الدلالة من هذه الآثار: أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال. فإن قيل: إنها لم تُقَم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الصلاة معه- ﵇. قيل له: كان يأمر بها في القرَى النائية عن المدينة؛ لأنه يشق عليهم الحضور، ويتعذر عليهم إدراك الفضيلة، فلما لم يأمر بها دل على عدم الجواز؛ إذ لو جاز لأمر بها كما أمر بإقامة الجماعة في مساجد المدينة مع فوات فضيلة الصلاة معه؛ وإلى هذا القول ذهب سحنون. فان قيل: " في سنن سعيد بن منصور " عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة؟ فكتب إليهم: اجمعوا حيث ما كنتم. وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ: جمّعوا. وفي "المعرفة": أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده. وروى الدارقطني بإسناده عن أم عبد الله الدوسيّة قالت: قال رسول الله ﷺ :" الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة ". زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي- ﵇ ثلاثةً. وفي " المصنف" عن مالك: كان أصحاب النبي- ﵇ في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون. وفي " صحيح ابن خزيمة " عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه كان إذا لمجمع الأذان للجمعة صلى على أبي أسامة أسْعد بن زرارة فسألته فقال: أي بُني كان أول مَنْ جمع بنا بالمدينة في هَزْم النَّبيت من حرّة بني بياضة يُقال له: نَقيع الخَضمَات، قلتُ: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. وعند البيهقي: قبل مقدم النبي- ﵇. وفي " المعرفة ": قال الزهري: " بعث النبي- ﵇ مُصْعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمع بهم، وهما اثنا عشر رجلاً، فكان مُصعب أول مَن جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها

стр. 1944

رسول الله- ﵇. قال البيهقي: يُريدُ: الاثني عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة/ وكانوا له ظَهراً. وفي حديث كعْب: جمَّع [٢/٧٧ - أ] بهم اسْعدُ وهم أربعون، وهو يُريد جميع مَنْ صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء. وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: أما أهل قرية ليسوا بأهل عَمود ينتقلُون فأمِّرْ عليهم أميرا يُجمع بهم؛ رواه البيهقي. قلنا: أما الجواب عن الأوّل: فمعناه: جَمعوا حيث ما كنتم من الأمصار، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري. وعن الثاني: أن رواته كلهم عن الزهري متروكون، ولا يصح سماع الزهري من الدوسية. وقال عبد الحق في " أحكامه ": لا يصح في عدد الجمعة شيء. وعن الثالث: إنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القُرى. وعن الرابع: نذكره الآن؛ لان أبا داود رواه مثل ما روى ابن خزيمة. وعن الخامس: أن النبي- عليه (١) السلام- لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه. وعن السادس: أن رأي عمر بن عبد العزيز ليْس بحجةٍ، ولئن سلمنا فليْس فيه ذكر عددِ. وأما قول ابن حزم مستدلا لمذهبه: " ومن أعظم البرهان: أن النبي ﵇ أتى المدينة، وإنما هي قرى صغار متفرقة، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار، وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك فغير جيد من وجوه؛ الأول: هو قد صحح قول علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه (٢) - الذي هو من أعلم الناس بأمر المدينة " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع "، الثاني: الإمام أيّ موضع حل جمع، الثالث: التمصير هو للإمام، فأقي مَوضع مَصره مصر.

стр. 1945

١٠٤٠- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سَهْل، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك- وكان قائد أبيه بعد ما ذهَب بصرُه-، عن أبيه كعب بن مالك (١) أنه كان إذا سمعَ النداء يوم الجمعة ترحم لأسْعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترَحمتَ لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول مَنْ جمّع بنَا في هَزْم النَبيت من حَرّة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخَضِمَات، قَلتُ: كم أنتمَ يومئذ؟ قال: أربعون (٢) . ش- ابن إدريس: عبد الله بن إدريس الكوفي. ومحمد بن أبي أمامة: أسعد بن سَهْل بن حُنيف الأنصاري الأوسي. روى عن: أبيه. روى عنه: محمد بن إسحاق بن يَسار. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٣) . وأسعد بن سَهْل: الصحابي الأنصاري. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك: الأنصاري السلمي المدني أبو الخطاب. سمع: أباه، وجابر بن عبد الله. روى عنه: أبو عامر صالح بن رستم، والزهري، وإسحاق بن يسار- والد محمد. توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال الواقدي: في خلافة هشام (٤) . روى له الجماعة (٥) . وكعب بن مالك: ابن أبي كعب- واسمه: عمرو- ابن القين بن كعْب، أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، أو أبو بشير، وهو أحد

стр. 1946

الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: "وَعَلَى الثَّلاثَة الذينَ خُلفُواً" (١) ، روي له عن رسول الله ثمانون حديثاً؛ اتفقا علىَ ثلَاثة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم حديثان، شهد العقبة مع السبعين، والأصح أنه لم يشهد بدراً. روى عنه: بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، ومحمد بنو كعب، وعبد الله بن عباس، وأبو أمامة الباهلي، وغيرهم. مات بالمدينة قبل الأربعين، وقيل: سنة خمسين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) . وأسعد بن زرارة: كُنيته أبو أمامة، وكان عقبيا نقيبا، وقيل: إنه أول مَنْ بايع النبي- ﵇ ليلة العقبة ومات قبل بدر، ودفن بالبقيع، وهو أول مدفون به، وقيل: عثمان بن مظعون، وقيل: توفي أسعد في شوال من السنة الأولى، وقيل: مات قبل قدوم النبي- ﵇ المدينة؟ والصحيح: الأول (٣) . قوله: " في هَزْم النَبيت " الهَزْم- بفتح الهاء، وسكون الزاي، وبعدها ميم-: موضع بالمديَنة؛ والنَبيت- بفتح النون، وكسْرِ الباءِ المُوحدة، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنةَ، وبعدها تاء ثالث الحروف-: حي من اليمن. قوله: " من حَرّة بني بياضة "- بالحاء المهملة- هي قرية على ميل من المدينة، وبنو بياضة/ بطن من الأنصار منهم: سلمي بن صَخْر البياضي، [٢/٧٧ - ب] له صحبة. قوله: " في نَقيع " النقيع- بفتح النون، وكسر القاف، وسكون الياء

стр. 1947

آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة- بَطْن من الأرض يُستنقَعُ فيه الماء مُدةً، فإذا نضب الماء أنبتَ الكلأَ، ومنه حديث عمر- ﵁ أنه حَمَى النَقِيع لخيل المسلمين. وقد يُصحِّفُه بعض الناس فيَروونه بالباء، والبَقيعُ بالباء بالمدينة موضع القبور، وهو بقيع الغرقد. قوله: " يُقال له نقِيع الخضمات " الخضمات: بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين. قال ابن الأثير: نقيع الخَضِمات موضع بنواحي المدينة. والحديث: أخرجه ابن ماجه، وابن خزيمة، والبَيْهقي، ثم العجبُ من البيهقي صحح هذا الحديث، وفيه ابن إسحاق، فقال: إذا ذكر سماعَه وكان الراوي ثقةً استقام الإسناد، وقال في " باب تحريم قتل ما له روحٌ ": الحُفاظ يتوقون ما يَنفردُ به ابن إسحاق، والحالُ أنه قد تفرد به هاهنا فكيف يكون هذا الإسناد صحيحاً؟ فليت شعري البيهقي ينسَى تعارُضَ كلامه أو يَتغافلُ؟ ولو كان الحديث عليهم كان يجعل إسنادَه أضعفَ الأسانيد، وكان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام. فإن قيل: قد قال الحاكم: إنه على شرط مسلم. قلت: هو مردود؛ لأن مداره على ابن إسحاق، ولم يخرج له مسلم إلا متابعةً، ثم إنه ليس في الحديث اشتراط الأربعين، وأن الجمعة لا تجوز بأقل منهم، وإنما وقع الأربعون اتفاقاً. وقال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة فتكون من توابعها. وعند الحنفية: تجوز الجمعة فيها. قال القدوري في؛ التجريد": عندنا تجوز أن تقام في مصلى المدينة وإن كان بينهما كثر من ميل. * * * ٢٠٥- بَابٌ: إذا وَافق يومُ الجُمعةِ يَوْمَ العِيدِ (١) أي: هذا باب في بيان ما إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد. ١٠٤١- ص- نا محمد بن كثير: أنا إسرائيل: نا عثمان بن المغيرة، عن

стр. 1948

إياس بن أبي رَمْلة الشامي قال: شهدت معاوية بن ألي سفيان وهو يسألُ زَيدَ ابن أرقم قال: شهدت مع رسول الله عيدينِ اجتمعَا في يَوْمٍ؟ قال: نعَمْ قال: فكيفَ صَنَعَ؟ قال: صلي العيدَ ثم رَخص في الجُمعة فقال: " مَنْ شاء أن يُصلي فليُصل " (١) . ش- إسرائيل: ابن يونس. وعثمان بن المغيرة: الثقفي، أبو المغيرة الكوفي، مولى ابن عقيل. روى عن: علي بن ربيعة الوالبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغير هم. روى عنه: إسرائيل، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين. روى له الجماعة (٢) . وإياس بن أبي رَمْلة الشامي: سمع: معاوية بن أبي سفيان يسأل هذا الحديث عن زيد (٣) . روى عنه: عثمان بن المغيرة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤) . قوله: " شهدت " أي: هل شهدت؟ وكذا في بعض النسخ: " قال: هل شهدت؟ ". والحديث: رواه أحمد- أيضا ولفظه: " من شاء أن يجمع فليجمّع". وبهذا الحديث استدل أصحاب أحمد أن العيد إذا اتفق يوم الجمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام؛ فإنها لا تسقط عنه، وقيل: فيه روايتان. وفي " المغني ": وممن قال بسقوطها: الشعبي، والنوعي، والأوزاعي، وقيل: هذا مذهب عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير. وقالت عامة الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على

стр. 1949

وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد. ١٠٤٢- ص- نا محمد بن طريف البجلي: نا أسباط، عن الأعمش، عن عطاء بن أبى رباح قال: صلى بنا ابنُ الزُبير في يَوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحْنا إلى الجُمعة فلم يَخرجُ إلينا، فصلينا وُحداناً، وكان ابنً عباس بالطائف فلما قلِم ذكرنا له ذلك فقال: أصابَ السنُةَ (١) . ش- محمد بن طريف: ابن خليفة، أبو جعفر البجلي الكوفي. سمع: أبا معاوية، ووكيعاً، والفضل بن صالح (٢) ، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغير هم. قال الخطيب: وكان ثقةً. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٣) . وأسباط: ابن محمد الكوفي. قوله: "وحدانا" أي: متوحدين منفردين. وقال الخطابي (٤) : أما صنع ابن الزبير: فإنه لا يجوز عندي أن يُحملَ [٢/٧٨ - ب] / إلا على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال، وقد روي ذلك عن ابن مسعود، وروي عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنةَ وقال (٥) : كل عيدِ حين يمتد الضحى: الجمعةُ. وحكى إسحاق بن منصور، عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: الجمعة قبل الزوال أو بعده؟ قال: إن صليت قبل الزوال فلا أعيبه، وكذلك قال

стр. 1950

إسحاق، فعلى هذا يُشبهُ أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل العيد في معنى التبع لها. قلت: قول الصحابة: " ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا " يُنافي تأويل الخطابي من قوله: " يُشبه أن يكون " إلى آخره؛ لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيد لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها، ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْدانا، وأيضا حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلناه لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي- ﵇ بعينها وذكر زيد فيها: " صلي العيدَ " ثم رخصَ في الجُمعة. وأيضا قول ابن عباس: " أصاب السُّنَّة " أراد بها هذه. وقال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرةِ أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا تجزىْ قبل الزوال، إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبل الزوال. ونقله ابن المنذر، عن عطاء " إسحاق، والماوردي عن ابن عباس. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة (١) ، عن مصعب بن سعد قال: كان سَعْد يقيل بعد الجمعة. وعن سهل بن سَعْد قال: كنا نتغدى (٢) ونقيل بعد الجمعة. وعن سعد الأنصاري: كنا نجمّع مع عثمان بن عفان ثم نرجع فنقيل. وعن أنس: كنا نجمع فنرجع فنقيلُ. وعن ابن عمر قال: كنا نجمع ثم نرجع فنقيل. وعن امرأة قالت: جاورت مع عمر سنةً فكانت القائلة بعد الجمعةَ. وعن الزبرقان قال: كنا نوقع مع أبي وائل ثم نرجع ونقيل. وعن سويد بن الغفلة قال: كنا نصلي الجمعة ثم نَرْجع فنقيل. وعن زيد بن وهب قال: كنا نصلي مع عبد الله الجمعة ثم نرجعَ فنقيل. وعن عبد الله بن سيدان السُّلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبلَ نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عَابَ ذلك ولا أنكره. وعن عطاء قال: كان مَن

стр. 1951

قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو. وعن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضُحىً وقال: خشيت عليكم الحر. وعن سعيد بن سُويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضُحَى. فالجميع أخرجه ابن أبي شيبة في " باب من كان يَقيلُ بعد الجمعة ويقولُ: هي أول النهار ". فهذه الآثار كلها تدل على أن الجمعة تصح قبل الزوال. ثم أخرج - أيضا- حجة من يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر، فقال: نا زيد ابن حُباب: نا فُلَيح بن سليمان: أخبرني عثمان بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك يقول: كنا نُصلي مع رسول الله الجمعة إذا مالت الشمس. ونا وكيع، عن يحيى بن الحارث، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كنا نُصلي مع النبي- ﵇ الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبّعُ الفيء. ونا وكيع، عن أبي العنبس عمرو بن مروان، عن أبيه قال: كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس. ويمكن أن يُجابَ عن الآثار التي فيها القيلولة: بأن القيلولة هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، وكانوا يُجمّعون حين زالت الشمس من غير تأخير، ثم يقيلون بمعنى يَستريحُون. وأما حديث عبد الله بن سيدان: فقد رواه الدارقطني وغيره- أيضا- فهو حديث ضعيف. قال النووي في " الخلاصة": اتفقوا على ضَعْف ابن سيدان- بكسر السن المهملة. وأما حديثُ عبد الله ومعاوية الذي فيه ما ضُحى، فمعناه: صلي قريبا من الضحى من "كما زالت الشمس" فأطلق الضحى على وقت زوال الشمس باعتبار القرب، كما أطلق العشي على ما بعد الزوال./ وأخرج النسائي من حديث وهب بن كيسان، عن ابن عباس نحو حديث عطاء مختصراً. ١٠٤٣- ص- نا يحيي بن خلف: نا أبو عاصم، عن ابن جرير قال:

стр. 1952

قال عطاء: اجتمع يومُ الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزُبير فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بُكرةً لم يَزدْ عليهما حتى صلّى العَصر (١) . ش- أبو عاصم: الضحاك بن مخلد، وابن جريج: عبدُ الملك، وعطاء: ابن أبي رباح. ومقتضى هذا: الاكتفاءُ بالعيد في هذا اليوم وسقوط فَرضيّة الجمعة؛ وهو مذهب عطاء، ولم يقُلْ به أحدٌ من الجُمهور؛ لأن الفَرضَ لا يَسْقط بالسُّنًة، وأطلق العيدين على العيد والجمعة بطريق أن أحدهما عيد حقيقة، والجمعة- أيضا- في معنى العيد؛ لاجتماع الناس فيه، أو لأنها تعود كل شهر مرات، وقال محمد في " الجامع الصغير ": عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سُنَّة، والثاني فريضة، ولا يُتركُ واحد منهما. ١٠٤٤- ص- نا محمد بن المُصفَى، وعُمر بن حَفْص الوَصَابِي المعنى قالا: نا بقية: نا شعبة، عن المغيرة الضبيّ، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ شَميه أنه قال: " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأت من الجمعة وَإنا مُجمعُون " (٢) . ش- محمد بن المصفى: ابن بهلول الحمصي. وعُمر بن حَفْص: ابن عمر بن سَعْد بن مالك الحمْيري الوَصَّابي، روى عن: بقية بن الوليد، ومحمد بن حمير، وسليمان بن عدي. روى عنه: أبو حاتم، وأبو داود (٣) . والوَصَابي: نسبة إلى وَصَاب- بفتح الواو والصاد المهملة المشددة، وفي آخره باء موحدة- وهي قبيلة من حمير.

стр. 1953

والمغيرة: ابن مِقْسم أبو هشام الضبيّ الكوفي. وعبد العزيز بن رفيع: الأسدي أبو عبد الله المكي. سمع: عبد الله ابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وعامر بن واثلة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، ومغيرة بن مقسم الضبي، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين وأحمد: ثقة. مات سنة ثلاثين ومائة، وقد أتى عليه نيف وتسعون سنة. روى له: الجماعة (١) . وأبو صالح: ذكوان الزيات. وقال الخطابي (٢) : في إسناد أبي هريرة مقال، ويُشبه أن يكون معناه- لو صح- أن يكون المراد بقوله: " فمن شاء أجزأه من الجمعة " أي: عن حضور الجمعة ولا يَسْقط عنه الظهرُ. قلت: كأن قوله: " فيه مقال" من جهة بقية؛ لأن فيه مقالاً. والحديث: أخرجه ابن ماجه. ص- قال عُمر: عن شعبة. ش- أي: قال عُمر بن حفص في روايته: عن شعبة بن الحجاج، وأسقط بقية بن الوليد (٣) ؛ فعلى روايته الحديث صحيح، ولا يكون في إسناده ما زعمه الخطابي. ومعنى قوله: " فمن شاء أجزأه " أي: كفاه عن حضور الجمعة. وهذا كانت رخصةٌ في سنن أهل التوالي في أوّل الأمْر، ثم تقرر الأمرُ: أن إقامة صلاة العيد لا تجزئ عن صلاة الجمعة، حتى إذا صلى العيدَ ولم يحضر الجمعة مع الإمام صلى الظهر أربعاً. * * *

стр. 1954

٢٠٦- بَابُ ما يَقْرأ فِي صَلاةِ الصُّبْح يَوْمَ الجُمْعَةِ أي: هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة. ١٠٤٥- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن مُخوَل بن راشد، عن مُسلم البَطين، عن سَعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله كان يَقْرأ في صلاة الفجَر يوم الجمعة ب: "تنزيلَ" (١) السجدة، و "هل أتى على الإنسان حين من الدهر" (٢) . ش- أبو عوانة: وَضَاح. ومخول- بالخاء المعجمة المفتوحة والواو المشددة، وضبطه بعضهم بكسر الميم وإسكان الخاء؛ والأول أصح- ابن راشد النهدي أبو راشد الكوفي، أخو مجاهد، وهو ابن أبي المجالد. روى عن: مُسْلم بن عمران البَطين، ومحمد بن علي بن الحسين، روى عنهُ: الثوري، وشعبة، وقال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (٣) . قوله: " تنزيل " السجدة، أي: بسُورة تنزيل السجدة، وفي بعض النسخ: " تنزيل السجدة" بالنصب بدون باء الجر. وقال الشيخ محيي الدين (٤) : فيه دليل لمذهبنا ومذهب موافقتنا في استحبابهما في صبح الجمعة، وأنه لا يكره قراءة آية السجدة في الصلاة ولا السجود، وكره مالك وآخرون ذلك؛ وهم محجوبون بهذه الأحاديث الصحيحة المروية من طرق عن أبي هريرة وابن عباس.

стр. 1955

قلت: أما عندنا- أيضا- إذا قرأهما على وجه اتباع السنَة فمستحب ذلك، وأما إذا قرأ شيئاً من القرآن على وجه التعيين، فمكروه/، لما فيه من هجران الباقي. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. ١٠٤٦- ص- نا مسدّد: نا يحيي، عن شعبة، عن مخول بإسناده ومعناه، وزاد: في صلاة (١) الجمعة بسورة الجمعة و "إذا جاءك المنافقون" (٢) . ش- أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه، وزاد فيه: " وفي صلاة الجمعة " إلى آخره "الجمعة "، وفي بعض النسخ: " وفي صلاة الجمعة الجمعة " بنصب الجمعة أي: سورة الجمعة. وفي رواية مسلم: " قرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة، وفي الثانية: المنافقين". وقال الشيخ محيي الدين (٣) : وفيه استحباب قراءتهما بكمالهما فيهما؛ وهو مذهبنا ومذهب آخرين. قلت: ومذهبنا- أيضا إذا لم يقصد التعيين؛ وليس في هذه المسألة خلاف بيننا وبَيْن الشافعي؛ فالذي يُثبت الخلافَ هو من قصور فهمه؛ لأن أبا حنيفة إنما كره الملازمة إذا لم يَعْتقد الجواز بغيره، والشافعي- أيضا يكره مثل هذا، وأما إذا اعتقد الجواز بغيره ولازمَ على سورة مُعيّنة إما لأنها أيسرُ عليه، أو اقتداء بفعله- ﵇ فلا يكره، فلم يكن في الحقيقة خلاف. وأما الحكمة في ذلك: فلاشتمال سورة الجمعة على وجُوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها، وقراءة سورة المنافقة لتوبيخ

стр. 1956

حاضريها منهم، وتَنْبيههم على التوبة وغيرها مما فيها من القواعد؛ لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس كثر من اجتماعهم فيها. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، والبيهقي. * * * ٢٠٧- بَابُ: اللُّبْس يَوْمَ الجُمعة (١) أي: هذا باب في بيان اللبس يوم الجمعة. ١٠٤٧- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب- ﵁ رأى حُلةَ سيَرَاءَ- يعني: تُباعُ- عند باب المسجد فقال: يا رسولَ الله، لو اشتريت هذه فلبستَهِا يوم الجمعة وللوَفْد إذا قدِموا عليك، فقال رسول الله: "إنما يلبَسُ هذَه من لا خلاقَ له في الآخرة "، ثم جاءت رسولَ الله منها حُلَل فأعْطى عمر بن الخطاب منها حلةَ، فقال عُمر: يا رسول الله، كسَوْتنيها (٢) وقد قلتَ في حُلة عطارد ما قلتَ؟ فقالَ رسولُ الله: " إني لم أكسكها لتَلبَسَها " فكسَاهَا عمرُ أخاً له مُشْرِكاً بمكة (٣) . ش- الحلةُ: ثوبان غير لفقين: رداء وإزار؛ سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحُل عن الآخر؛ والجمعُ: حُلَل وحلال. وقال ابن التين: لا يُقال: حلة حتى تكون جديدة؛ سميت بذلك لَحلها عن طيها. قوله: " سيراء"- بكسر السين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة ممدودة- وهو الحرير الصافي؛ فمعناه: رأى حلة

стр. 1957

حريراً. وقال ابن قرقول: ضبطناه على الإضافة عن ابن سراج ومتقني شيوخنا. قلت: فحينئذ ينبغي أن يُسقط التنوينُ من " حلة". ورواه بعضهم بالتنوين على الصفة، وزعم بعضهم أنه بدل لا صفة. وقال الخطابي (١) : " حلة سِيَراء" كناقة عُشَراء. قال ابن قرقول: وأنكره أبو مَرْوان؛ لأن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة؛ لكن اسماً. وقال الخطابي (١) : الحلّة السيراء: هي المضلعة بالحرير التي فيها خطوط، وهو الذي يسقونه المُسير؛ وإنما سقوه مُسيّراً للخطوط التي فيه كالسيور. ويقال: السيراء وَشْي من حرير. وعن ابن الأنباري: السيراء: الذهبُ، وقيل: نبت ذو ألوان وخطوط ممتدة كأنها السيور شُبه به بعضُ الثياب، وقيل: السيراء: المُضلّع بالقز. وفي " الصحاح ": هي برود فيها خطوط صُفْر. وقال صاحب " المغيث": برود يخالطها حرير كالسيور، فهو فعلاء من السَّيْر الذي هو القِد- بكسر القاف-؛ لأن عليها أمثال السيوَر. وقال الخليل: ليس في الكلام " فعلاء"- بالكسر ممدوداً- إلا حِولاء وعنباء وسيراء. وقال غيرُه: الحِوًلاء: الماء الذي [٢/ ٧٩ - ب] يخرج على رأس الولد/ إذا وُلد، والعنباء لغة في العنب، وقد قيل: الحُولاء- با لضم. قوله: "لو اشتريت هذه" جوابُ " لو" محذوف، والتقدير: لو اشتريت هذه الحقة فلبستها يوم الجمعة أو للوفد لكان حسًناً، ونحو ذلك. والوَفْدُ: جمعُ وافد؛ وهم القوم يجتمعون ويَرِدون البلادَ ويقصدون الأمراء لزيارة أو استرفادِ أو غير ذلك.

стр. 1958

قوله: " من لا خلاق له" الخلاق: الحظ والنصيب من الخير والصلاح، ورجل لا خلاق له: لا رغبة له في الخير. قوله: " في حلة عُطارد " بالإضافة؛ وهو عطارد بن حاجب بن زرارة ابن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وفد على النبي- ﵇ سنة تسع؛ وعليه الأكثرون، وقيل: سنة عشر، وهو صاحب الثوب الديباج الذي أهداه للنبي- ﵇، وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة فقال ﵇: " لمناديل سَعْد بن معاذ في الجنة خير من هذا" (١) . قوله: "أخا له مشركاً بمكة" أخوه هذا: هو عثمان بن حكيم، وكان أخاه لأمّه، فأما زيد بن الخطاب أخو عُمر فإنه أسلم قبل عُمر. وفي "صحيح أبي عوانة": فكساها عمر أخاً له من أمه من أهل مكة مشركاً. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. والحديث لا يُطابق الترجمة؛ لأن كثر ما فيه أن عُمر أشارَ مشورة ردت عليه، والذي يناسبُ الباب: ما رواه ابن ماجه عن عائشة: قال ﷺ : " ما على أحدكم إن وجَد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته". وعند ابن أبي شيبة- بسند صحيح على شرط مسلم-: نا عبدة: نا عثمان بن حكيم، عن عثمان بن أبي سليمان، عن أبي سعيد مرفوعاً: فإن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة: السواك، وأن يلبس من صالح ثيابه، وابن يتطيب بطيب إن كان". وأخرج عن أبي جعفر أن رسول الله كان يلبس بُرْده الأحمرَ يوم الجمعة، ويعتم يوم العيدين. وعن ابن أبي ليلى قال: أدركت أصحاب محمد- ﵇ من أصحاب بدر، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم

стр. 1959

الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم، وان كان عندهم طيب مَسّوا منه، ثم راحوا إلى الجمعة. ويُستفاد من حديث الباب فوائد؛ الأولى: جواز بيع الحرير صان كان حراماً على الرجال. الثانية: حرمة الحرير على الرجال. الثالثة: جواز تملك الإنسان ما لا يجوز له لبْسه. الرابعة: جواز قبول الهدية من الكافر. الخامسة: جواز الهدية للكافر. وقال القرطبي: وفيه دلالة على أن عمر من مذهبه: أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها، ولقائل أن يقول: لم يهدها إليه ليلبسها بل لينتفع بها كما فعل ﷺ مع عمر وغيره. ١٠٤٨- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يونُس، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: وَجدَ عمر ابن الخطاب حلة إستبرق تُباع بالسُوق فأخذها فأتى بها رسول الله- ﵇ فقال: " ابتَعْ هذه تجملْ بها للعيد وللوفود لما ثم ساق الحديث، والأولُ أتمُ (١) . ش- الإستبرق: ما غلظ من الحرير والإبريسم؛ وهي لفظة أعجميّة معرّبة أصلها: إستبره، وقد ذكرها الجوهري في الباء من القاف على أن الهمزة والسن والتاء زوائدُ وأعاد ذكرها في السن من الراء. وذكرها الأزهري في خماسي القاف على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية: استَفَره، وقال- أيضا- إنها وأمثالها من الألفاظ حروف

стр. 1960

عربية وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، وقال: هذا عندي هو الصوابُ. وفي لفظ: "من ديباج أو خز "، وفي رواية: "من سُنْدس ". قوله: " ابْتع هذه " أي: اشِترِ. قوله: " تجمل " بجزم اللام على أنه أمر. قوله: " ثم ساق الحديث " أي: الحديث المذكور. قوله: " والأول أتم " أي: الحديث الأول؛ وهو رواية القعنبي أتم؛ لأنه أكثر فوائد. ١٠٤٩- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني عمرو (١) ، [٢/٨٠ - أ] / أن يحيي بن سعيد الأنصاري حدثه، أن مُحمد بن يحيي بن حبان حدثه، أن رسولَ الله- ﵇ قالَ: " ما على أحدكم إن وجَد أو ما على أحدكم إن وجدتُم أن يَتخذ ثوبَيْن ليَوْم الجمعة سوى ثوبي مَهْنته ". قال عَمرو: وأخبرني ابنِ أبي حبيب، عن موسى بن سَعْد، عن ابن حبان، عن ابن سلام أنه سمع رسُولَ الله يقولُ ذلك على المنبر (٢) . ش- حَبان- بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد ذكرناه. قوله: " ثوبي مهنته "- بفتح الميم وكسرها- أي: ثوبي بذلته وخدمته؛ والرواية بفتح الميم. قال الأصمعي: المَهنة- بفتح الميم-: الخدْمة، ولا يقال: مِهنة- بالكسْر- وكان القياس أن يقال مثل جلسة وخدْمة؛ إلا أنه جاء على فَعلة، وحكى غيرُه الكسر- كما تقدم. قوله: " قال عمرو " أي: عمرو بن الحارث المصري. وابنُ أبي حبيب: هو يزيدُ بن أبي حبيب- سُويد- المصري. وموسى بن سَعْد: ابن زيد بن ثابت الأنصاري، وقال عبد الرزاق: موسى بن سعيد. روى عن: حرص بن عبيد الله بن انس، وربيعة بن

стр. 1961

أبي عبد الرحمن. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، وعُمر بن محمد العمري، وعطاف بن خالد. روى له: مسلم، وابن ماجه (١) . وابن سلام: هو عبد الله بن سلام الصحابيّ. قوله: " يقول ذلك " إشارة إلى قوله: " ما على أحدكم إن وجد " الحديث. ص- قال أبو داود: رواه وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيي بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن موسى بن سَعْد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي- ﵇. ش- أي: روى هذا الحديث: وهب بن جرير البَصْري، وأبوه: جرير بن حازم بن يزيد البَصْري، ويحيي بن أيوب: الغافقي المصري. ويوسف بن عبد الله بن سلام: أبو يعقوب، أجلسه رسولُ الله في حجره ووضع يده على رأسه وسقاه يوسف، له حديث في الأطعمة. قال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة. وقال البخاري: له صحبة. وروى عن: عثمان، وعلي، وأبيه، وأبي الدرداء، وخولة بنت مالك، وجدته: أم معقل. روى عنه: يزيد بن أبي أمية الأعور، والنضير بن قيس، وعمر بن عبد العزيز، ويحيي بن سَعيد الأنصاري، ومحمد بن يحيي بن حبان، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي في "الشمائل" (٢) . * * * ٢٠٨- بَابُ: التَحلُّقِ يَوْمَ الجُمعَة قبل الصلاة أي: هذا باب في بيان التحلق يوم الجمعة ففي المسجد قبَل الصلاة. والتحلق: اتخاذ الحلقة.

стр. 1962

١٠٥٠- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابنٍ عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عنِ الشراء والبيْع في المَسْجد وأن تُنشَد فيه ضالة وأن يُنشدَ فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يومَ الجمعة (١) . ش- النهيُ عن الشَرى والبيْع في المسجد نهي تنزيه، حتى لو باع في المسجد أو عقد انعقد البَيْع والشراء؛ ولكنه يكره؛ لأن المساجد بنيت لأداء الفرائض والأذكار. قوله: " وأن تُنشدَ فيه " أي: ونهى أن تنشد في المسجد ضَالة، يُقال: نَشدتُ الدابةَ إذا طلبتها، وأنشدتُها إذا عرفتها، وقد ثبت: " من سمع ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا". وقال الشيخ محيي الدين: ويلحق به ما في معناه من البيع والشرى والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد. قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاجُ إليه الناسُ، لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه. قوله: " وأن يُنْشد فيه شعر " أي: ونهى أن يُنْشد في المسجد شعْرٌ، وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب " المساجد": نهى عن تناشد أَشعار الجاهلية والمبطلين فيه، فأما أشعار الإسلام والمُحقين فواسع غير محظورِ [٢/٨٠ - ب]

стр. 1963

وقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة ينشدان فيه الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان ينشد بين يدي مالك فيُصغي إليه. قال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله. وقال البخاري: " باب إنشاد الشعر في المسجد" (١) ، ثم قال: حدَّثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أبو سلمة أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعتَ النبيَّ- ﵇ يقولُ: " يا حسان، أجِبْ عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس "؟ قال أبو هريرة: نعم فدل الحديث على أن الشعر حق، يتأهل صاحبه لأن يكون مؤيداً في النطق بنصر الملائكة، وما كان هذا شأنه فلا يتخيل أنه يحرم في المسجد لأن الذي يحرمُ في المسجد من الكلام إنما هو السفه وما هو باطل. وقد روى الترمذي من حديث عائشة: كان رسول الله ينصبُ لحسان منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار. فإن قيل: روى ابن خزيمة في " صحيحه" عن عبد الله بن سعيد: نا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله عن تناشد الأشعار في المساجد. وحسنه الحافظان: الطوسي، والترمذي. وروى أبو داود من حديث صدقة بن خالد، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن زفر بن وثيمة، عن حكيم ابن حزام مرفوعاً: نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار (٢) . قلنا: قال ابن حزم: حديث عَمرو لا يصح لأنه صحيفة، وحديث حكيم بن حزام زعم أبو محمد الإشبيلي أنه حديث ضعيف. وقال ابن القطان: لم يُبين أبو محمد من أمرهَ شيئا وعلته: الجهل بحال زفر فلا يُعرف.

стр. 1964

قلت: ليس كما قال؛ بل حاله معروف، قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألتُ يحيي عنه فقال: ثقة، وذكره ابنُ حبان في كتاب، "الثقات"، وصحح له الحاكم حديثا عن المغيرة بن شعبة؛ ولكن تصحيح الحاكم فيه نظر؛ لأن ابن حبان لما ذكره في الثقات قال: روى عن حكيم- إن كان سمع منه- وصرح دُحيم لما ذكره ووثقه بِقوله: لم يلق حكيم بن حزام. فإن قيل: روى عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث أسيد بن عبد الرحمن أن شاعراً جاء إلى النبي- ﵇ وهو في المسجد قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: " لا" قال: بلى، فقال له النبي ﵇: "فاخرج من المسجد " فخرج فأنشد، فأعطاه- ﵇ ثوباً وقال: هذا بدل ما مَدحت به ربّك. قلنا: ذكره عبد الرزاق من حديث ابن أبي يحيي شيخ الشافعي- وفيه كلام شديد-، عن ابن المنكدر، عنه. فإن قيل: روى أبو نعيم من حديث جبير بن مطعم: " لا تُسل السيوفُ، ولا تُنتر النبلُ في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار". قلنا: سنده ضعيف. فإن قيلِ: روى أبو أحمد الجرجاني في "كامله" من حديث ابن عباس: " نزهو المساجدَ ولا تتخذوها طرُقاً، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعدُ فيه جنب إلا عابر سبيل، ولا ينتر فيه نبل، ولا يُسل فيه سيف، ولا يضربُ فيه حد، ولا ينشدُ فيه شعر، فان أنشد فقل: فض الله فاك". قلنا: رواه جويبر بن سعيد، وهو ضعيف عن الضحاك، ولم يَسْمع من ابن عباسٍ. فإن قيل: روي عن ابن عمر- ﵄: نَهى ﷺ أن ينشدَ الشعرُ في المَسْجد. قلنا: رَفَه أبو أحمد بالفرات بن السائب. قوله: " ونهى عن التحلق قبل الصلاة " أي: عن اتخاذ الحلقة، وفي

стр. 1965

رواية: " نهى عن الحَلَقِ"- بفتح الحاء وفتح اللام- جمع الحلقة- بسكون اللام- مثل هَضْبة وهَضَب. وفي " المحكم ": الحلْقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والفضةَ والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع: "حلاق " على الغالب، و" حلَق " على النادر، و "الحلَق " عند سيبويه: اسم للجمع؛ وليس يجمعُ؛ لأن " فَعْلة" ليست مما يكسر على فَعَلِ. وقد حكى سيبويه/ في الحلقة فتح اللام. وأنكرها ابن السكيت وغيره. وقال اللحياني: حلْقة الباب وحلَقته بإسكان اللام وفتحها. وقال كراع: حَلْقة القوم وحَلَقتهم. وحكى يونس عن أبي عمرو: " حَلَقة" في الواحد بالتحريك، والجمع "حلقات ". وقال الجوهري: الجمع "حلَق " على غير قياس. وقال كراع: الجمع "حَلَق " و"حِلَق" و"حِلاق". وقال الخطابي (١) : وكان بعض مشايخنا يرويه أنه نهى عن الحَلْق - بسكون اللام- وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة، فقلت له: إنما هو الحِلق جمع الحلقة. فقال: قد فرجت عني وجزاني خيراَ، وكان من الصالحين. وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك ". والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. * * * ٢٠٩- باب: اتخاذ المنبر أي: هذا باب في بيان اتخاذ المنبر للخطبة. ١٠٥١- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن عبد القاري القرشي قال: حدثني أبو حازم بن دينار، أن رجالاً أتوا سهلَ بن سعدِ الساعدي، وقد امْتَرُوا في المِنبرِ مم عُوده، فسألُوهُ
следующие страницы →