أبي عبد الرحمن. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، وعُمر بن محمد العمري، وعطاف بن خالد. روى له: مسلم، وابن ماجه (١) .
وابن سلام: هو عبد الله بن سلام الصحابيّ.
قوله: " يقول ذلك " إشارة إلى قوله: " ما على أحدكم إن وجد " الحديث.
ص- قال أبو داود: رواه وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيي بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن موسى بن سَعْد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي- ﵇.
ش- أي: روى هذا الحديث: وهب بن جرير البَصْري، وأبوه: جرير بن حازم بن يزيد البَصْري، ويحيي بن أيوب: الغافقي المصري. ويوسف بن عبد الله بن سلام: أبو يعقوب، أجلسه رسولُ الله في حجره ووضع يده على رأسه وسقاه يوسف، له حديث في الأطعمة. قال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة. وقال البخاري: له صحبة. وروى عن: عثمان، وعلي، وأبيه، وأبي الدرداء، وخولة بنت مالك، وجدته: أم معقل. روى عنه: يزيد بن أبي أمية الأعور، والنضير بن قيس، وعمر بن عبد العزيز، ويحيي بن سَعيد الأنصاري، ومحمد بن يحيي بن حبان، وغيرهم. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي في "الشمائل" (٢) .
* * *
٢٠٨- بَابُ: التَحلُّقِ يَوْمَ الجُمعَة قبل الصلاة
أي: هذا باب في بيان التحلق يوم الجمعة ففي المسجد قبَل الصلاة. والتحلق: اتخاذ الحلقة.
стр. 1962
١٠٥٠- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن ابنٍ عجلان، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عنِ الشراء والبيْع في المَسْجد وأن تُنشَد فيه ضالة وأن يُنشدَ فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل
الصلاة يومَ الجمعة (١) .
ش- النهيُ عن الشَرى والبيْع في المسجد نهي تنزيه، حتى لو باع في
المسجد أو عقد انعقد البَيْع والشراء؛ ولكنه يكره؛ لأن المساجد بنيت لأداء
الفرائض والأذكار.
قوله: " وأن تُنشدَ فيه " أي: ونهى أن تنشد في المسجد ضَالة، يُقال:
نَشدتُ الدابةَ إذا طلبتها، وأنشدتُها إذا عرفتها، وقد ثبت: " من سمع
ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا".
وقال الشيخ محيي الدين: ويلحق به ما في معناه من البيع والشرى
والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد. قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاجُ إليه الناسُ، لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه.
قوله: " وأن يُنْشد فيه شعر " أي: ونهى أن يُنْشد في المسجد شعْرٌ،
وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب " المساجد": نهى عن تناشد أَشعار
الجاهلية والمبطلين فيه، فأما أشعار الإسلام والمُحقين فواسع غير محظورِ [٢/٨٠ - ب]
стр. 1963
وقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة ينشدان فيه الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان ينشد بين يدي مالك فيُصغي إليه. قال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله. وقال البخاري: " باب إنشاد الشعر في المسجد" (١) ، ثم قال: حدَّثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أبو سلمة أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعتَ النبيَّ- ﵇ يقولُ: " يا حسان، أجِبْ عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس "؟ قال أبو هريرة: نعم فدل الحديث على أن الشعر حق، يتأهل صاحبه لأن يكون مؤيداً في النطق بنصر الملائكة، وما كان هذا شأنه فلا يتخيل أنه يحرم في المسجد لأن الذي يحرمُ في المسجد من الكلام إنما هو السفه وما هو باطل. وقد روى الترمذي من حديث عائشة: كان رسول الله ينصبُ لحسان منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار.
فإن قيل: روى ابن خزيمة في " صحيحه" عن عبد الله بن سعيد: نا
أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله عن تناشد الأشعار في المساجد. وحسنه الحافظان: الطوسي، والترمذي. وروى أبو داود من حديث صدقة بن خالد، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن زفر بن وثيمة، عن حكيم ابن حزام مرفوعاً: نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار (٢) . قلنا: قال ابن حزم: حديث عَمرو لا يصح لأنه صحيفة، وحديث حكيم بن حزام زعم أبو محمد الإشبيلي أنه حديث ضعيف. وقال ابن القطان: لم يُبين أبو محمد من أمرهَ شيئا وعلته: الجهل بحال زفر فلا يُعرف.
стр. 1964
قلت: ليس كما قال؛ بل حاله معروف، قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألتُ يحيي عنه فقال: ثقة، وذكره ابنُ حبان في كتاب، "الثقات"، وصحح له الحاكم حديثا عن المغيرة بن شعبة؛ ولكن تصحيح الحاكم فيه نظر؛ لأن ابن حبان لما ذكره في الثقات قال: روى عن حكيم- إن كان سمع منه- وصرح دُحيم لما ذكره ووثقه بِقوله: لم يلق حكيم بن حزام.
فإن قيل: روى عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث أسيد بن عبد الرحمن أن شاعراً جاء إلى النبي- ﵇ وهو في المسجد قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: " لا" قال: بلى، فقال له النبي ﵇: "فاخرج من المسجد " فخرج فأنشد، فأعطاه- ﵇ ثوباً وقال: هذا بدل ما مَدحت به ربّك. قلنا: ذكره عبد الرزاق من حديث ابن أبي يحيي شيخ الشافعي- وفيه كلام شديد-، عن ابن المنكدر، عنه.
فإن قيل: روى أبو نعيم من حديث جبير بن مطعم: " لا تُسل السيوفُ، ولا تُنتر النبلُ في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار". قلنا: سنده ضعيف.
فإن قيلِ: روى أبو أحمد الجرجاني في "كامله" من حديث ابن عباس: " نزهو المساجدَ ولا تتخذوها طرُقاً، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعدُ فيه جنب إلا عابر سبيل، ولا ينتر فيه نبل، ولا يُسل فيه سيف، ولا يضربُ فيه حد، ولا ينشدُ فيه شعر، فان أنشد فقل: فض الله فاك". قلنا: رواه جويبر بن سعيد، وهو ضعيف عن الضحاك، ولم يَسْمع من ابن عباسٍ.
فإن قيل: روي عن ابن عمر- ﵄: نَهى ﷺ أن ينشدَ الشعرُ في المَسْجد. قلنا: رَفَه أبو أحمد بالفرات بن السائب.
قوله: " ونهى عن التحلق قبل الصلاة " أي: عن اتخاذ الحلقة، وفي
стр. 1965
رواية: " نهى عن الحَلَقِ"- بفتح الحاء وفتح اللام- جمع الحلقة- بسكون اللام- مثل هَضْبة وهَضَب. وفي " المحكم ": الحلْقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والفضةَ والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع: "حلاق " على الغالب، و" حلَق " على النادر، و "الحلَق " عند سيبويه: اسم للجمع؛ وليس يجمعُ؛ لأن " فَعْلة" ليست مما يكسر على فَعَلِ. وقد حكى سيبويه/ في الحلقة فتح اللام. وأنكرها ابن السكيت وغيره. وقال اللحياني: حلْقة الباب وحلَقته بإسكان اللام وفتحها. وقال كراع: حَلْقة القوم وحَلَقتهم. وحكى يونس عن أبي عمرو: " حَلَقة" في الواحد بالتحريك، والجمع "حلقات ". وقال الجوهري: الجمع "حلَق " على غير قياس. وقال كراع: الجمع "حَلَق " و"حِلَق" و"حِلاق".
وقال الخطابي (١) : وكان بعض مشايخنا يرويه أنه نهى عن الحَلْق
- بسكون اللام- وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة، فقلت له: إنما هو الحِلق جمع الحلقة. فقال: قد فرجت عني وجزاني خيراَ، وكان من الصالحين. وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك ". والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
* * *
٢٠٩- باب: اتخاذ المنبر
أي: هذا باب في بيان اتخاذ المنبر للخطبة.
١٠٥١- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن عبد القاري القرشي قال: حدثني أبو حازم بن دينار، أن رجالاً أتوا سهلَ بن سعدِ الساعدي، وقد امْتَرُوا في المِنبرِ مم عُوده، فسألُوهُ
стр. 1966
عن ذلك، فقال: والله إني لأعرفُ مما هو، ولقد رَأيتُهُ أولَ يوم وُضِعَ، وأوَل يَوم جَلَسَ عليه رسولُ الله، أرسلَ رسولُ الله إلى فُلانة- امرأة قد سماهَا سهلٌ - أنْ مُرِي غُلامَك الَنجَّار أن يَعملَ لي أعَواداً أجْلسُ عليهن إذا كَلَمتُ الناسَ، فأمرتْهُ، فعَمَلَهَا من طَرفاءَ الغابةِ، ثم جَاء بَها، فأرْسَلَتْهُ إلى رسولِ الله- ﵇ فأمَر بها فوُضعَتْ هاهنا، فرأيْتُ رسولَ اللهِ صلي عليها، وَكبر عليها، ثم رَكَعَ وهو عليهاَ، ثم نَزَلَ القَهْقَرِيَ فسجَدَ في أصل المنبرِ، ثم عَادَ، فلما فَرِغَ أقبلَ على الناسِ فقال: " أيُّهَا الناسُ، إنما صَنَعْت هَذا لتأتَمُّوا بي، ولِتَعْلَمُوا صَلاتِي " (١) .
ش- عَبْد- بالتنوين- والقاري- بالتشديد- وقد ذكرنا ترجمته، وأبو حازم: سلمة بن دينار.
قوله: "وقد امتروا" جملة حالية من الضمير الذي في " أتوا " أي: وقد شكوا في المنبر مم عوده؟ أي: من أيّ شيء كان عوده؟ و" المنبر " من نبرت الشيء أنبره نبراً، رفعته، ومنه سمي المنبر.
وقوله: " مم " أصله: " من ما "، ومنه: "عَمَّ يَتَسَاءَلُون"هو (٢) فلما أدغمت الميم في الميم حذفت الألف للتخفيف.
قوله: " أرسل رسول الله إلى فلانة امرأة" وفي رواية جابر في " صحيح البخاري " وغيره: أن المرأة قالت: " يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاَ تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً "، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهل، والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولاً على رسول الله، ثم بعث إليها النبي- ﵇ يطلب تنجيز ذلك.
قوله: " أن مري " أن " تفسيرية مثل قوله تعالى: "فَأوْحَيْنَا (٣) إِلَيْهِ
стр. 1967
أنِ اصْنَع الفُلكَ " (١) و"مُرِي " أصله اءمري، وقد عرف في موضعه،
ووزن " مُري " عُلي، واختلف في اسم النجار، فقيل: باقول. قال ابن
الأثير: كان روميَا غلاما لسعيد بن العاص، مات في حياة النبي- عليه
السلام- ويقال: باقوم، وذكر أبو إسحاق الطليطلي في كتاب " الصحابة"
أن اسمه قبيصة المخزومي، قال: ويقال: ميمون. قال: وقيل: صُبَاح
غلام العباس بن عبد المطلب. زاد ابن بشكوال، وقيل: ميناء، وقيل:
إبراهيم. قوله: " من طرفاء الغابة " " الطرفاء "- بفتح الطاء، وسكون الراء
المهملتين- وهي ممدودة: شجر من شجر البادية، واحدها طرفة- بفتح
الراء- مثل قصبة وقصباء. وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجمع. وفي
رواية: " من أثل الغابة". وقال أبو زياد: من العضاه أثل، وهو طوال
في السماء سلب، ليس له ورق ينبت، مستقيم الخشب، وخشبه جيد،
يحمل إلى القرى فتبنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق، وليس له
شوك، ومنه تصنع القصاع والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب [٢/٨١ - ب] وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب/ للآنية، وأجود النضار الورسي لصفرته، ومنبر رسول الله نضار، وفي "الواعي ":
الأثلة خمصة مثل الأشنان ولها حب مثل حب التنوم، ولا ورق لها،
وأنما هي أشنانة يغسل بها القصارون، غير أنها ألين من الأشنان. وقال
القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء وليس به، وهو أجود منه
عوداً، ومنه تصنع قداح المَيْسر.
وقال الخطابي: هو شجر الطرفاء.
وقال ابن سيده: يشبه الطرفان إلا أنه أعظم منه، و "الغابة "- بغير
معجمة وباء موحدة-: أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل
النبي- ﵇ مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة
стр. 1968
العرنيين الذين أغاروا على سرحه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال.
وقال البكري في "معجم ما استعجم": هما غابتان عليا وسفلى. وزعم محمد بن سهل الأحول أن الغابة من (١) أعراض البحرين، وهي غير المذكورتين. وقال الزمخشري: الغابة بريد من المدينة من طريق الشام. قال الواقدي: ومنها صنع المنبر. وقال محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: كان عباس بن عبد المطلب يقف على سَلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيُسمِعُهم، وذلك من آخر الليل، وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال، وفي "الجامع": كل شجر ملتف فهو غابة، وفي "المحكم ": الغابة: الأجمة التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة. وقال أبو حنيفة: هي أجَمةُ القصب، قال: وقد جعلت جماعة الشجر غاباً مأخوذ من الغيابة، والجمع غابات وغاب.
قوله: " ثم نزل القهقري " وهو الرجوع إلى خلف، وذلك لئلا يولي ظهره إلى القِبْلة. قال العلماء: كان المنبر ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته: "فنزل النبي- ﵇ بخطوتين إلى أصل المنبر، ثم سجد في جنبه "، وفيه دليل على أن الصلاة لا تبطل بالخطوتين ولا بالخطوة؛ ولكن الأولى تركه إلا لحاجة، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه كما فعل النبي- ﵇، وفيه دليل أيضا أن الفعل الكثير بالخطوات وغيرها إذا تفرق لا تبطل؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل، وفي والإكليل، للحاكم عن يزيد بن رومان: كان المنبر ثلاث درجات، فزاد فيه معاوية لعلة، قال: جعله ست درجات، وحوله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ. قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبي ﵇ إلى المكان الذي وضعه فيه. وفي "الطبقات": كان
стр. 1969
بينه وبين الحائط ممر الشاة. وقال ابن التين: وهو أول منبر عمل في الإسلام. وذكر ابن سعد وغيره: أن المنبر عمل سنة سبع. ويقال: سنة ثمان. ولما قام النبي- ﵇ عليه حن الجذع الذي كان يخطب عليه كالعُشارِ؛ لأنه- ﵇ كان يخطب إليه قائماً قبل أن يتخذ المنبر. وعن عائشة- ﵂: " وضع النبي- ﵇ يده على الجذع وسكنه، غار الجذع فذهب. وعن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: كان النبي- ﵇ يصلي إلى الجذع إذ كان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، هل لك أن نجعل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة، وتسمع الناس يوم الجمعة خطبتك؟ قال: " نعم "، فصنع له ثلاث درجات هي على المنبر، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله، وبدأ الرسول أن يقوم (١) فيخطب عليه، فمر إليه فلما جاز الجذع الذي كان يخطب إليه غار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي- ﵇ لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده، ثم رجع إلى المنبر، فلما هُدم المسجد أخذ ذلك أبيُّ بن كعب، فكان عنده إلى أن بَلِيَ وأكلته الأرضة، فعادَ رُفَاتاً، رواه الشافعي، وأحمد، وابن ماجه.
قوله: "ولتعلموا صلاتي" بفتح العين، واللام المشددة، أي: ولتتعلموا، فحذفت إحدى التائين للتخفيف، فبين- ﵇ أن [٢/٨٢ - أ] صعوده/ المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم، ليرى جميعُهم أفعاله- ﵇، بخلاف ما إذا كان على الأرض، فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن قرب منه- ﵇. وقال ابن حزم: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث، وأهل الظاهر. ومالك، وأبو حنيفة: لا يجيز إنه.
قلت: ذكر صاحب "المحيط" أن المشي في الصلاة خطوة لا يبطلها،
стр. 1970
وخطوتين وأكثر تبطلها، فعلى هذا ينبغي أن تفسد الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته، ولا تكره أيضا عند أبي حنيفة كما هو مذهب الشافعي، كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده، فإن له أن يجذب واحداً من الصف إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تبطل صلاته، ولو مشى خطوة أو خطوتين، وبه صرح أصحابنا في الفقه.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. فالبخاري أخرجه في باب الصلاة على المنبر، ومسلم في باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.
١٠٥٢- ص- نا الحسن بن على، نا أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي- ﵇ لما بدَنَ قال له تميمٌ الداريُ: ألا اتَخذُ لك منبراً يا رسولَ الله يَجْمَعُ- أو يَحملُ- عظَامَكَ؟ قال: "بلى. " فاتَخَذَ لَه مِنبراً مِرْقَاتيَنِ (١) .
ش- أبو عاصم الضحاك بن مخلد البصري، وابن أبي رواد عبد العزيز، واسم أبي رواد: ميمون المكي.
قوله: " لما بدن" بتشديد الدال أي: كبر وأسن.
قوله: "مرقاتين " المرقاة: الدرجة، أي: اتخذ له منبراً درجتين، ونصبها على أنها بدل من المنبر، وهي من رَقيتُ في السلم- بالكسر- رقياً ورقياً إذا صعدت، وارتقيت مثله. قال الجوهري: والمرقاة - بالفتح-: الدرجة، فمن كسرها شبهها بالآلة يعمل بها، ومن فتح قال: هذا موضع يفعل فيه، فيجعله بفتح الميم مخالفاً.
فإن قيل: ما التوفيق بين الحديثين؟ فإن في حديث مسلم كما ذكرنا
стр. 1971
ثلاث درجات، وفي هذا الحديث مرقاتان وهما درجتان؟ قلنا: الذي قال: "مرقاتين" كأنه لم يعتبر الدرجة التي يجلس عليها، والذي روى ثلاثاً اعتبرها. وفي "طبقات ابن سعد" من حديث أبي هريرة وغيره قالوا: كان النبي- ﵇ يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائماً فقال: " إن القيام قد شق عليَّ " فقال له تميم الداريُّ: ألا أعمل لك منبراً كما رأيتُه بالشام؟ فشاور النبيّ- ﵇ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له كلاب أعملُ الناس، فقال النبي- ﵇: " مره أن يعمله "، فعمله درجتين ومقعداً، ثم جاء به فوضعه في موضعه.
وفي كتاب ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة. وفي " دلائل النبوة" لأبي نعيم: "صُنع للنبي- ﵇ كرسي أو منبر" الحديث.
٢١٠- باب: موضع المنبر
أي: هذا باب في بيان موضع المنبر.
١٠٥٣- ص- نا مخلد بن خالد، نا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمي قال: كان بين مِنبرِ رسولِ الله ﷺ وبين الحائطِ كَقَدْرِ مَمَر الشَاةِ (١) . ش- يزيد بن أبي عبيد مولى كلمة بن الأكوع.
والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وابن سعد في "الطبقات "، وفيه من السنة أن لا يلزق المنبر بالحائط حتى لا يكون متخللاً بين الصف في الصلاة.
* * *
стр. 1972
٢١١- باب: الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال
أي: هذا باب في بيان الصلاة يوم الجمعة قبل زوال الشمس.
١٠٥٤- ص- نا محمد بن عيسي، نا حسان بن إبراهيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي- ﵇ أنه كَرِهَ الصلاةَ نصفَ النهار إلا يومَ الجمُعَة، وقال: "إن جَهنمَ تُسَجرُ إلا يومَ الجُمُعَةِ" (١) .َ
ش- حسان بن إبراهيم الكرماني أبو هشام قاضي كرمان. سمع: سعيد بن مسروق، ويونس بن يزيد الأيلي، وليث بن أبي سليم، والثوري، وغيرهم. روى عنه: عفان بن مسلم، وابن المديني، ويحيى ابن أيوب، وإسحاق بن شاهين، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. مات سنة ست وثمانين ومائة، وله مائة سنة. / روى له: البخاري، ومسلم (٢) . [٢/٨٢ - ب]
وأبو الخليل اسمه: صالح بن أبي مريم الضبعي البصري. روى عن: أبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري مرسلاً. وسمع: عبد الله بن الحارث، وأبا علقمة الهاشمي، وعكرمة، ومجاهداً. روى عنه: أيوب، وقتادة، ومطر. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (٣) . وأبو قتادة الحارث بن ربعي.
قوله: " تسجر" أي: توقد، وسجرت التنور إذا حميته، والسجور:
ما يوقد به التنور.
قوله: " كره الصلاة نصف النهار" والمراد منه: وقت الزوال، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن الصلاة وقت الزوال مكروهة كراهة تحريم، وعلل هاهنا على الكراهة بقوله: "إن جهنم تسجر"، وهذا مثل قوله: "ابردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم "، وذلك أن وقت الزوال
стр. 1973
وقت شدة الحر، وفي ذلك الوقت تسجر جهنم، وتكون شدة حر ومشابهة بنار جهنم، فلا يشتغل بالصلاة في مثل ذلك الوقت.
قوله: " ألا يوم الجمعة" استثناء من قوله: "تسجر " أي: إلا يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم، فلا تكره فيه الصلاة نصف النهار، هذا حاصل معنى الحديث، وهو من جملة متمسك من يجوز الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد وغيره كما ذكرناه، فلذلك بوب أبو داود بقوله: "باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال ".
قلت: يمكن أن يُنزل الحديث على معنى أحسن من ذلك، وهو أن يكون المراد من قوله: "نصف النهار" بعد الزوال من غير تأخير، وهو أول وقت الظهر، أطلق عليه النصف باعتبار قربه منه، ويكون معنى كراهة الصلاة في ذلك الوقت لأجل شدة الحر من فيح جهنم، ولأجل تسجير جهنم فيه، فيكون التأخير من ذلك الوقت إلى وقت البرودة مستحباً كما قال: "ابردوا بالظهر " الحديث. ويكون المراد من قوله: "كره الصلاة" هي صلاة الظهر، ويكون معنى قوله: "إلا يوم الجمعة": لا تكره الصلاة في ذلك الوقت، يعني: في أول الوقت الذي يلي الزوال من غير تأخير، لعدم العلة الموجبة للكراهة، وهي تسجير جهنم، فتكون الصلاة في وقتها بعد الزوال بهذا التقدير، وح (١) لا يستقيم التبويب على الحديث؛ لأن التبويب في الصلاة قبل الزوال، وهذه صلاة بعد الزوال لما قلنا، ولا يبقى أيضا مستندا لمن يجور الجمعة قبل الزوال، فافهم.
ص- قال أبو داود: وهو مرسل. مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
ش- أي: الحديث مرسل، ومجاهد بن جبر كبر منه في العمر، وقد ذكرنا أن أبا الخليل روى عن مجاهد كما ذكره في " الكمال "،
стр. 1974
وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وفي بعض النسخ: "لم يلق أبا قتادة".
* * *
٢١٢- باب: وقت الجمعة
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة الجمعة.
١٠٥٥- ص- نا الحسن بن علي، نا زيد بن حباب، حدثنيِ فليِح بن سليمان، حدثني عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: كان رسولُ الله- ﵇ يُصلي الجُمُعَةَ إذا مَالَتِ الشمس" (١) ش- أي: إذا زالت الشمس. وأخرجه البخاري، والترمذي، وقال البخاري: وكذلك يذكر عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو ابن حريث. وقال ابن المنير في "شرحه": إنما بت الحكم مع الاختلاف في صحتها قبل الزوال، لضعف مأخذ القائل بذلك، وإطراح مستنده.
١٠٥٦- ص- نا أحمد بن يونس، نا يعلى بن الحارث قال: سمعتُ إياسَ بنَ سلمةَ بنِ الأكوعِ يحدثُ عن أبيه قال: كُنا نُصَلي معَ رسولِ الله ثم ننصَرِفُ وليسَ للحِيطَانِ فيْء (٢) .
ش- يعلى بن الحارث المحاربي أبو حرب، ويقال: أبو الحارث. روى عن: إياس بن سلمي، وغيلان بن جامع، وبكر بن وائل. روى عنه: محمد بن فضيل، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. قال
стр. 1975
عبد الرحمن بن مهدي: هو من ثقات مشيخة الكوفيين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
[٢/٨٣ - أ] وإياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي/ أبو سلمة، ويقال: أبو بكر الحجازي المديني. سمع: أباه. روى عنه: الزهري، وابن أبي ذئب، ويعلى بن الحارث، وعكرمة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " وليس للحيطان فيء" الواو فيه للحال، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، والظل يطلق على ما قبل الزوال وبعده، والمعنى: أنه كان يصلي حين تزول الشمس من غير تأخير، وكانت حيطانهم قصيرة، ولا يظهر لها فيء إلا بعد رمان. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١٠٥٧- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد قال: كنا نَقِيلُ ونَتَغَدى بعدَ الجُمُعَةِ (٣) .
ش- احتج بهذا الحديث الإمام أحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو محمول عند غيره على أن المراد التبكير، فإنهم كانوا يتركون في ذلك اليوم القائلة والغداء لتشاغلهم بغسل الجمعة والتهجير، وفي صحيح مسلم: "كنا نجمّع مع النبي- ﵇ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء ".
* * *
٢١٣- بَاب: النداء في يوم الجمعة
أي: هذا باب في بيان النداء في يوم الجمعة، والنداء الأذان.
стр. 1976
١٠٥٨- ص- نا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني السائب بن يزيد: أن الأذَانَ كان أولُه حين يَجلسُ الإمامُ على المنبرِ يومَ الجُمُعَة في عَهدِ النبي- ﵇، وأبي بَكَرٍ، وعُمَر، فلما كَان خلافةُ عُثماَنَ، وكَثُرَ الناسُ، أمَرَ عُثمانُ يومَ الجُمُعَة بالأذَانِ الثالثِ، فافنَ به علىَ الزَّوْرَاءِ، فَثبتَ الأمرُ على ذلك (١) .
ش- ابن وهب: عبد الله، ويونس بن يزيد، وابن شهاب الزهري. والسائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، ويقال: الأسدي، ويقال؛ الليثي، ويقال: الهذلي. وقال الزهري: هو من الأزد عداده في كنانة. رُوي له عن رسول الله خمسة أحاديث، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بأربعة. روى عنه: الزهري، وعمر بن عطاء بن أبي الخُوار، وغيرهم. توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو ابن ثمان وثمانين. روى له الجماعة (٢) .
قوله: " بالأذان الثالث، إنما سُمي ثالثا باعتبار كونه مزيدا؛ لأن الأول هو الأذان عند جلوس الإمام على المنبر، والثاني هو إقامة الصلاة، والثالث عند دخول الوقت. وأطلق الأذان على الإقامة من قبيل قوله ﵇:" بين كل أذانين صلاة لمن شاء" (٣) يعني: بين الأذان والإقامة، وإنما أولناه هكذا حتى لا يلزم أن يكون الأذان ثلاثاً، ولم يكن كذلك، ويلزم أيضا أن يكون في الزمن الأول أذانان، ولم يكن إلا أذان واحد، فالأذان الثالث الذي زاده عثمان هو الأول اليوم، فيكون الأول
стр. 1977
هو الأذان الذي كان في زمن النبي- ﵇ وزمن أبي بكر وعمر عند الجلوس على المنبر، والثاني هو الإقامة، والثالث الأذان الذي زاده عثمان: " فأذن به على الزوراء" وهو موضع بالسوق في المدينة قرب المسجد، وقال الداودي: هو مرتفع كالمنار. قال القاضي عبد الوهاب في " المعونة ": للجمعة أذانان، أحدهما عند الزوال، وهو [الذي] ، أُحْدث في زمن عثمان لما كَثُرَ الناس، واحتيج إلى زيادة في إعلامهم، والآخر عند جلوس الإمام على المنبر، قال: ويؤذن لها على المنار كما كان على عهد النبي- ﵇، وأما أذانهم جميعاً بين يدي الإمام وهو على المنبر، مما أحدثه بعض بني أمية.
ثم اختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع، ويجب السعي إلى الجمعة، فقال الطحاوي: نقول: هو الأذان الذي عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنه الأصل الذي كان على عهد رسول الله، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، فلما كثُر الناس في عهد عثمان زادوا النداء على الزوراء، وهو الذي نبدأ به في زماننا، وأما أذان السنة فهو بدعة أحدثها الحجاج بن يوسف. وروى الحسن، عن أبي حنيفة، أن المعتبرَ في وجوب السعي، [٢/٨٣ - ب] وحرمة البيع الأذانُ على المنارة؛ لأنه لو/ انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيداً من الجامع. وقال ابن حزم: روينا من طريق عكرمة، عن ابن عباس: لا يصح البيع يوم الجمعة حين ينادَى بالصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع. وقال عطاء: تحرم الصناعات كلها والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً. وقال الزجاج: البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام. وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء؟ لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء. وعن الضحاك: إذا زالت الشمس يحرم. وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. وعن مجاهد: من باع شيئاً بعد زوال الشمس يوم الجمعة فإن بيعه مردود.
стр. 1978
قلت: مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وزفر والشافعي: أن البيع وقتُ النداء يجوز مع الكراهة. وقال أحمد وداود ومالك في رواية: لا يصح. وقال ابن التين: كل من لزمه النزول للجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع، أو نكاح، أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجارة، قال: وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك. وقال ابن قدامة: ولا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة، والصلح، والنكاح، وقيل: يحرم. والحديث: أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
١٠٥٩- ص- نا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان يُؤَذَّنُ بين يَدَيْ رسولِ اللهِ إذا جَلَسَ على المنبر يومَ الجُمُعَةِ على بابِ المسجدِ، وأبي بَكرٍ، وعُمَرَ، ثم ساق (١) حديثً يونُسَ (٢) .
ش- لم يكن في زمن النبي- ﵇ منار وهو المأذنة، ولا في زمن أبي بكر، وعمر، وأما في زمن عثمان فقد أذن على الزوراء كما قلنا، ثم في زمن بني أمية ومَن بعدهم حدثت المآذن والمنائر، حتى جعلت في مسجد النبي- ﵇ أربع مآذن.
قوله: " ثم ساق حديث يونس " أي: حديث يونس بن يزيد الذي رواه عن الزهري المذكور آنفاً.
١٠٦٠- ص- نا هناد بن السري، نا عَبْدة، عن محمد- يعني: ابن
стр. 1979
إسحاق- عن الزهري، عن السائب قال: لم يكنْ لرسول الله إلا مُؤَذّن واحدٌ: بلال ثم ذكرَ معناه (١) .
ش- عبدة بن سليمان.
قوله: " بلال " عطف بيان من قوله: " إلا مؤذن". وقال ابن حبيب: كان النبي- ﵇ إذا دخل المسجد رَقَى المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة، يؤذنون على المنار واحداً بعد واحد، فإذا فرغ الثالث خطب. قال: والذي فعله النبي- ﵇ أحق أن يتبع. قلت: هذا معارض لما رواه أبو داود. وقال ابن المُنيّر في " شرح البخاري": يمكن أن يجمع بينهما بأن المراد بالمؤذن الواحد في خبر السائب، أن هذا التنبيه في حكم مؤذن واحد، لاتحاد وقت تأذينهم وسببه ومقصوده؛ وإنما يتعدد الأذان حقيقة إذا اختلف المقصود منه وتعدد سببه، وأما إذا أوقع جماعة أذاناً مجتمعين أو متراسلين في وقت واحد، فإنه أذان واحد في الحقيقة، وإن تعدد المؤذنون.
١٠٦١- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد بن أخت نمر أخبره قال: ولم يكنْ لرسولِ اللهِ غيرُ مُؤَذنٍ واحد. وساقَ هذا الحديثَ وليمس بتمامِهِ (٢) .
ش- صالح بن كيسان، والسائب بن يزيد كان يعرف بابن أخت النمر، واسم أم السائب: عُلية بنت شريح بن الحضرمي، ومخرمة بن شريح خاله.
قوله: " وساق هذا الحديث " أي: ساق ابنُ فارس الحديث المذكور، وليس سوقه بتمام الحديث.
* * *
стр. 1980
٢١٤- باب: الإمام يكلم الرجل في خطبته
/ أي: هذا باب في بيان الإمام إذا كلم الرجل وهو يخطب. [٢/٨٤ - أ]
١٠٦٢- ص- نا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا مخلد بن يزيد، نا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: " لما اسْتَوَي رسولُ الله ﷺ يومَ الجُمُعَة قال: "اجلسوا"، فسمِعَ ذلك ابنُ مسعود فجلَسَ على باَب المسجدِ، فَرآهُ رسولُ الله- ﵇ فقال: " تَعَاَلَ يا عبدَ اللهِ بنَ مسعُودٍ " (١) .
ش- مخلد بن يزيد الجزري الحراني أبو يحيي، أو أبو الحسن، أو أبو خالد. روى عن: ابن جريج، ومسعر، والثوري، وغيرهم. روى عنه: النفيلي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. روى له: الجماعة إلا الترمذي. مات سنة ثلاث وتسعون ومائة (٢) .
وعطاء بن أبي رباح، وجابر بن عبد الله.
والحديث يدل على أنه- ﵇ تكلم لابن مسعود قبل شروعه في الخطبة، فلم يطابق التبويب عليه.
ص- قال أبو داودَ: هذا يُعرفُ مرسل، إنما رَواه الناسُ عن عطاءَ، عن النبي- ﵇، ومخلد هو شيخ.
ش- أي: هذا الحديث يُعرفُ مُرسل؛ لأنه رُوي عن عطاء، عن النبي- ﵇.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن هشيم قال: أنا حجاج، عن عطاء:
أنه كان لا يرى بأساً بالكلام حتى يخطب، وإذا فرغ من الخطبة حتى يتكلم في الصلاة.
وأخرج عن الزهري قال: كان رسول الله ربما كلم في الحاجة يوم الجمعة فيما بين نزوله من منبره إلى مصلاه.
стр. 1981
وعن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا لا يريان بأساً أن يتكلم فيما
بين نزوله إلى أن يكبر.
وأخرج أيضا بإسناده عن أنس قال: كان رسول الله ينزل يوم الجمعة
من المنبر، فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة، ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي.
قوله:"ومخلد هو شيخ" أي: مخلد بن يزيد الجزري، وأشار بقوله هو شيخ إلى أنه عَدله، وذلك لأن ألفاظ التعديل على مراتب: الأولى: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل للواحد: إنه " ثقة، أو " متقن " فهو ممن يحتج بحديثه، وقال ابن الصلاح: وكذا إذا قيل: "ثبت " أو " حجه". الثانية: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل: إنه " صدوق " أو " محله الصدق، أو " لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. الثالثة: قال ابن [أبي] حاتم: إذا قيل: " شيخ " فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية. الرابعة: قال: إذا قيل: "صالح الحديث" فإنه يكتب حديثه بلا اعتبار.
* * *
٢١٥- باب: الجلوس إذا صعد المنبر
أي: هذا باب في بيان جلوس الإمام إذا صعد المنبر.
١٠٦٣- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا محمد الوهاب- يعني: ابن عطاء- عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي- ﵇ يَخْطُبُ خُطبتينِ: كان يَجْلسُ إذا صعَدَ المِنبرَ حتى يَفْرغُ. أراهُ (١) المُؤَذنُ، ثم يَقُومُ فيخطُبُ، ثم يَجلِسُ فلا يَتكَلمُ، ثم يَقُومُ فيخطُبُ (٢) .
стр. 1982
ش- العُمري: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وفيه مقال وقد بيناه. قو له: " أراه" أي: أظنه.
قوله: " المؤذن " مرفوع لأنه فاعل.
قو له: " يفرغ " وقوله: " أراه " معترض بينهما.
قوله: " ثم يجلس " أراد به الجلسة الفاصلة بين الخطبتين. قال القاضي:
ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة. وعن الحسن البصري، وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك: أنها تصح بلا خطبة. وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا
قائماً لمن أطاقه. وقال أبو حنيفة: تصح قاعداً، وليس القيام بواجب.
وقال مالك: هو واجب، لو تركه أساء وصحت الجمعة. وقال أبو حنيفة
ومالك والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سُنَة ليس بواجب/ ولا شرط [٢/ ٨٤ - ب] ومذهب الشافعي أنه فرض، وشرط لصحة الخطبة. وقال الطحاوي:
لم يقل هذا غير الشافعي. وقال الشيخ محيي الدين: ودليل الشافعي:
أنه ثبت هذا عن رسول الله مع قوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
قلت: ثبوت هذا عن النبي- ﵇ لا يستلزم الفرضية،
غاية ما في الباب يكون سُنَّة؟ لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب،
وقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " لا يتناول الخطبة؛ لأنها ليست
بصلاة حقيقة. وقال ابن بلال: رُوي عن المغيرة بن شعبة، أنه كان لا
يجلس في خطبته. ولو كان فرضاً لما جهله، ولو جهله ما تركه مَن
بحضرته مِن الصحابة والتابعين، ومن قال: إن الجلسة بين الخطبتين
فريضة لا حجة له؛ لأن القعدة استراحة للخطيب، وليست من الخطبة،
والمفهوم من كلام العرب أن الخطبة اسم للكلام الذي يخطب به لا للجلوس، ولم يقل بقول الشافعي غيره، وهو خلاف الإجماع، ولو
стр. 1983
قعد في خطبتيه جازت الجمعة ولا فضل، فكذا إذا قام موضع القعود. وفي "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمعوا أن الإمام إذا خطب للجمعة خطبة لا جلوس فيها أجزأته صلاة الجمعة، إلا الشافعي فإنه قال: لا تجزئه إلا أن يخطب قبلها خطبتين بينهما جلسة، وإن قَلت. ويؤيد قول الجماعة: ما أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: ثنا حميد بن عبد الرحمن- هو الرُؤاسي- عن الحسن- يعني: ابن صالح- عن أبي إسحاق- هو السبيعي- قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ. وهذا سند صحيح على شرط الجماعة، ورواه عبد الرزاق، عن إسرائيل بن يونس، أخبرني أبو إسحاق، فذكر بمعناه. والعجب من الشافعي كيف جعل الخطبتين والجلسة بينهما فرضاً بمجرد فعله ﵇، ولم يجعل الجلوس قبل الخطبة فرضاً، وقد صح أنه ﵇ فعله، وقال الشافعي أيضا: لو استدبر القوم في خطبته صحت مع مخالفته فعله- ﵇.
* * *
٢١٦- باب: الخطبة قائماً
أي: هذا باب في بيان الخطبة حال كونه قائماً.
١٠٦٤- ص- نا النفيلي، نا زهير، عن سماك، عن جابر بن سَمُرةَ: أن رسولَ اللهِ- ﵇ كان يَخطُبُ قَائماً، ثم يَجْلسُ، ثم يَقُومُ فيخْطُبُ قَائماً، فَمَنْ حَدثكَ أنه كان يَخطُبُ جَالساً فقد كَذَبً، والله (١) صليتُ مَعه أكثرَ من ألفَيْ صَلاةِ (٢) .
стр. 1984
ش- النفيلي: عبد الله بن محمد، وزهير بن معاوية، وسماك بن
حرب.
قوله: "والله صليت معه " أي: مع رسول الله- ﵇،
وهذا محمول على المبالغة؛ لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل في نيف
وأربعين سنة، وهذا القدر لم يُصَفه رسول الله. وقال الشيخ محيي
الدين: " المراد الصلوات الخمس لا الجَمعة ". قلت: سياقُ الكلام ينافي
هذا التأويل، فافهم. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
١٠٦٥- ص- نا إبراهيم بن موسى وعثمان بن أبي شيبة- المعنى- عن
أبي الأحوص، ثنا سماك، عن جابر بن سَمُرَةَ قال: كان لرسولِ اللهِ خُطبتانِ
يَجلِسُ (١) بينهما، يَقْرأ القُرآنَ، ويُذَكِّرُ الناس (٢) .
ض- أبو الأحوص: سلام بن سليم.
قوله: " ويذكر الناس " من التذكير، أي: يعظهم ويأمرهم،
وينهاهم، ويعدهم، ويُوعِدُهم، ونحو ذلك. وقال الشيخ محيى الدين:
فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقراءة. قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله
فيهما والوعظ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، ويجب قراءة آية من
القرآن في إحديهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح. وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، والجواب عنه ما ذكرناه. واستدل البيهقي على وجوب التحميد أيضا بقوله- ﵇: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع ".
قلت: على تقدير ثبوته لو دل على وجوب التحميد لدل/ على [٢/٨٥ - أ] وجوبه في كل أمر ذي بال، ولا نعلم أحدا يقول بذلك، ثم ذكر حديث
عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة:
стр. 1985
" كل خطبة ليس فيها شهادة كاليد الجذماء"، في " باب ما يستدل به على وجوب التحميد في الخطبة"، ثم قال: عبد الواحد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به.
قلنا: هو موثق مخرج له في الصحيح، ومع ذاك تكلم فيه جماعة. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود الطيالسي: عَمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها، وقد عرف أن الجرح مقدم على التعديل، ولئن سلمنا فذكره ليس بمناسب في هذا الباب؛ لأن الشافعي لا يقول بفرضيتها في الخطبة، ثم قال:" باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي- ﵇ في الخطبة" ذكر فيه عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذكْرَكَ﴾ (١) قال: لا أذكَرُ إلا ذُكِرتَ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
قلنا: قوله: "ورَفَعْنَا " خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، وتفسير مجاهد أيضا مفسر بكلمة الشهادة، إذ يلزم من تعميمه الخُلفُ في الخبر.
فإن قلت: يجعل خبراً بمعنى الأمر. قلت: إن جعل الأمر فيه للوجوب لزم فيه مخالفة الإجماع، إذ لا نعلم أحداً يقول بوجوب ذكره ﵇ كلما ذكر الله تعالى، وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال، ثم ذكر حديث أبي هريرة: " ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا فيه ربهم، ولم يصلوا على نبيهم إلا كانت تِرةٌ عليهم ".
قلنا: في سنده صالح مولى التوأمة اختلط في آخر عمره، وتكلموا فيه. وقال البيهقي في "باب الغُسل من غَسْل الميت ": ليس بالقوي. ثم على تقدير ثبوت حديثه، في دلالته على وجوب الصلاة على النبي- ﵇ نظر، وعلى تقدير صحة دلالته على ذلك لا يخص الجمعة، فافهم.
стр. 1986
وقال الشيخ محيي الدين في شرح هذا الحديث: وقال أبو حنيفة ومالك- في رواية-: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وهذا ضعيف لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به مقصودها.
قلنا: لا نسلم أنه ضعيف؛ لأنه اشتهر في الكتب عن عثمان، وذكره أيضا الإمام القاسم بن ثابت السرَقُسْطي في كتاب " غريب الحديث ": رُوي عن عثمان أنه صعد المنبر فارتج عليه فقال: الحمد لله، إن أول كل مَركب صَعْب، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش تأتكم الخَطَبةُ على وجهها، ويعلمُ الله إن شاء الله. وقال صاحب "المحيط ": أراد به الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين تكون على كثرة المال مع قبح الفعال، وأنا إن لم كن قائلاً مثلهم، فأنا على الخير دون الشر، وأما أن يُريد بهذه المقالة تفضيل نفسه على الشيخين فلا. فهذا عثمان- ﵁ قد اكتفى بقوله:" الحمد لله"، ونزل وصلى وكفى به قدوة. وحديث جابر: أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١٠٦٦- ص- نا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: رَأيتُ النبي- ﵇ يخطُبُ قَائماً، ثم يَقْعُد قَعْدَةَ لا يَتكلمُ. وساقَ الحديثَ (١) .
ش- أبو كامل فضيل بن الحسين الجَحدري، وأبو عوانة: الوَضاح. قوله: " ثم يقعد" أراد به القعدة التي بين الخطبتين.
* * *
٢١٧- باب: الرجل يخطب على قوس
أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يخطب وهو يتوكأ على قوس.
١٠٦٧- ص- نا سعيد بن منصور، نا شهاب بن خِراش، حدثني
стр. 1987
شعيب بن رُزَيْقٍ (١) الطائفي قال: جَلستُ إلى رجلِ له صُحبة من رسول الله يقالُ له الحكمُ بنُ حَزْنٍ الكُلَفِي، فَأنشأ يُحدثنا قال: وَفدتُ إلى رسولَ الله ﵇/ سابعَ سَبعة أو تاسعَ تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسولً الله، زُرْنَاكَ فادعُ اللهَ لنا بخير، فَأمَرَ بنا- أَو أمرَ لنا- بشيء من التمرِ، والشأنُ إذَ ذاك دُون. فأقَمْنَا بها أياًما شَهِدْنَا فيها الجمُعَةَ مع رسوَل اللهِ، فقامَ مُتوكِّئاً على عَصاً أو قوس، فحَمدَ الله، وأثْنَى عليه كلمات خفَيفات (٢) طيبات مُباركات، ثم قال: " أيها اَلناسُ، إنكم لن تُطيقُوا- أَو لَن تَفْعًلُوا- كُل مال أمِرْتُم به، ولكن سَدِّدوا وأبْشِرُوا (٣) .
ش- شهاب بن خِراش بن حوشب بن يزيد أبو الصلت الواسطي ابن أخي العوام بن حوشب، أصله كوفي، انتقل إلى الشام وسكن فلسطين، نزل الرملة. سمع: قتادة، وعمه العوام بن حوشب، وشعيب بن رزيق، وغيرهم. روى عنه: عثمان بن سعيد بن كثير، وهشام بن عمار السلمي، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال ابن المبارك: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. روى له: أبو داود (٤) . وشعيب بن رُزيق- بتقديم الراء المهملة-: الطائفي أبو شيبة الثقفي المقدسي، يُعد في الشامين، سكن طرسوس، ثم سكن فلسطين. روى عن: الحسن البصري، وعطاء الخراساني، وعثمان بن أبي سودة. روى عنه: الوليد بن مسلم، وعثمان بن سعيد، ويحيي بن يحيي النيسابوري، وغيرهم. قال الدارقطني: ثقة. وقال رحيم: لا بأس به. روى له: أبو داود، والترمذي (٥) .
والحكم بن حزن الكافي، وفد على النبي- ﵇، وشهد
стр. 1988
خطبته وحكاها، وليس له غير ذلك. روى عنه: شعيب بن رزيق الطائفي. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " سابع سبعة" حال من الضمير الذي في " وفدت"، أي: حال كوني أحد السبعة الذين وفدوا إلى رسول الله- ﵇، أو أحد التسعة.
قوله: " والشأن إذ ذاك دون " جملة حالية، والمعنى: والحال حينئذ دون أراد به قلة الأقوات وعدم السعة في الدنيا.
قوله:" سَددُوا " يعني: اقتصدوا واعملوا شيئاً لا تُعابون عليه، فلا تفرطوا في إرساله، ولا تشميره، وقال ابن الأثير: " أي: اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر، والعدل فيه ". قوله: " وأبشروا " وفي بعض النسخ الصحيحة: " ويسروا".
وفيه استحباب الخدمة إلى الوفود، واستحباب التوكي على نحو عصى
في الخطبة، واستعمال عمل اليسر في الأمور، وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن حباب، عن يزيد بن البراء، عن أبيه: أن النبي- ﵇ خطبهم يوم عيد وفي يده قوس أو عصى، وعن طلحة بن يحيي قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب وبيده قضيب. ص- قال أبو داودَ: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا.
أش،- أشار به إلى أنه كان مشككاً في بعض شيء منه، فلما تبين له ذلك من بعض أصحابه قال: ثبتني، بمعنى: أزال شكي، وجعلني متثبتاً
١٠٦٨- ص- نا محمد بن بشار، نا أبو عاصم، نا عمران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياش، عن ابن مسعود- ﵁: أن
стр. 1989
رسولَ الله- ﵇ كان إِذا تَشَهدَ قال: " الحمدُ لله نَستَعِينُه ونَستَغْفرُهُ، ونَعوذُ بالتَه من شُرُور أنفُسنَا، من يهْده اللهُ فلا مُضل لَه، ومن يُضْللَْ فلا هَادي له، َ وأشهدُ أنْ لَا إله إَلا الله، وأشَهَدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، مرسَلَهُ بالحَقِّ بَشيراً ونَذيراً بين يَدَيِ الساعَة، مَن يُطِع اللهَ ورسولَهُ فقد رَشَدَ، ومن يَعْصِهِمَا فَإنه لا يضُر إلا نفسَه، ولا يَضُر اللهَ شَيْئاً" (١)(٢) .
ش- أبو عاصم النبيل، وعمران بن داور القطان البصري.
وعبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري النجاري المدني أخو يحيى بن سعيد. روى عن: جده، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعمران بن أبي أنس، ونافع، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وشعبة، وحماد بن سلمة، وقتادة، وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين [٢/٨٦ - أ] ومائة. روى/ له الجماعة (٣) .
وأبو عياض روى عن: عبد الله بن مسعود. روى عنه: عبد ربه بن قيس، وذكر الدارقطني في " رجال مسلم ": أبو عياض عن ابن عمر. روى له: أبو داود، والنسائي (٤) .
قوله: " نستعينه " أي: نطلب العون منه.
قوله: " ونستغفره " أي: نطلب المغفرة منه، فإنه أهل للمغفرة.
قوله: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا " إنما استعاذ من شرور النفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الهوى، والأغراض الفاسدة.
قوله: " أرسله " أي: أرسل الله محمداً بالحق.
قوله: " بشيراً " أي: مبشراً بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة، وفي الدنيا بالنصرة، و "نذيراً" من النار، يعني: مخوفاً لمن عصى الله، وهما
стр. 1990
منصوبان على الحالية، والأولى أن ينتصبا على المفعولية، لأن "أرسل " يتعدى إلى اثنين.
قوله: " بين يدي الساعة" أي: القيامة، وذلك لأنه- ﵇ خاتم الأنبياء والرسل، وظهوره في الدنيا من أشراط الساعة على ما ثبت عنه- ﵇: " بعثت أنا والساعة كهاتين".
قوله: " فقد رشد " أي: اهتدى.
قوله: " ومن يعصهما " أي: ومن يعص الله ورسوله، وبعض الناس كرهوا أن يشرك بين الله وغيره في الضمير، وقد ورد في هذا الحديث ما يرد هذا المذهب حيث قال: "ومن يعصهما".
قوله: " ولا يضر الله شيئاً " انتصاب " شيئاً" على أنه مفعول به، ويجوز أن تكون في موضع مصدر، أي: ولا يضر الله قليلاً من الأشياء. وهذا الحديث وما بعده إلى آخر الباب ليس بمطابق للترجمة. وقد أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه بأتم منه في خطبة النكاح، وفي " مختصر السنن " في إسناده عمران بن دَاوَر أبو العوام، قال عفان: كان ثقة، واستشهد به البخاري. وقال ابن معين والنسائي: ضعيف الحديث. وقال يحيى مرة: ليس بشيء. وقال يزيد بن زريع: كان عمران حرورياً، وكان يرى السيف على أهل القِبْلة. وداور: آخره راء مهملة.
١٠٦٩- ص- نا محمد بن سلمة المرادي، أنا ابن وهب، عن يونس:
أنه سألَ ابنَ شهاب عنِ تشهد رسول الله يومَ الجُمُعَة، فذكر نحوه وقال: "ومن يَعْصِهِمَا فقدت غَوى "، وَنسألُ الله رد بنا أن يَجعلَنَا ممن يُطيعُهُ، ويُطِيعُ رَسُولَه، وَيتبِعُ رِضْوَانَهُ، ويَجْتَنِبُ سَخَطَهُ، فإنما نحنُ به وله (١) .
ش- يونس بن يزيد.
قوله: " فذكر نحوه" أي: نحو الحديث المذكور. وقال زيادة عليه:
стр. 1991
"ومن يعصهما فقد غوى " إلى آخره، أي: فقد ضل، وهو بفتح الواو من غَوَى يغوِيَ غَيا وغَوَايَة فهو غاوٍ وغوٍ. قال الجوهري: الغي: الضلال والخيبة. وقال غيره: الغي: الانهماك في الشر. وأما غوِي يغوَى بالكسر في الماضي والفتح من الغاية، فمصدره غوي، يقال: غَوِي الفصيل: إذا لم يرو من لين أمه حتى يموت. وقال القاضي: وقع في رواية مسلم بفتح الواو وكسرها والصواب الفتح.
قوله: " فإنما نحن، " أي: ملتجئون به، أو موفقون به.
قوله: " وله " أي: نحن عبيد له، وهذا مرسل.
١٠٧٠- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان بن سعيد، حدَّثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم الطائيِ، عن عديِ بن حاتم: أن خَطِيباً خَطَبَ عندَ النبي- ﵇ فقال: من يُطِع اللهَ وَرسُولَه (١) ... ومَنْ يَعْصهمَا، فقال: " قُمْ- أَوْ اذهبْ- بِئْسَ الخَطِيبُ (٢) " (٣) .
ش- يحيي القطان، وسفيان بن سعيد الثوري، وتميم بن طرفه الطائي الكوفي.
وعدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي بن ربيعة بن جَرْول بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، يكنى أبا طريف، قدم على النبي- ﵇ في شعبان سنة تسع، رُوي له عن رسول الله- ﵇ ستة وستون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه: قيس بن أبي حازم، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جبير، والشعبي، وجماعة آخرون. نزل الكوفة ومات بها
стр. 1992
زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، سَنَةَ تسع وستين. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي، وفيه:" بئس الخطيب أنت "
وكذا أخرجه أبو داود في " كتاب الأدب "، قال القاضي وغيره: إنما أنكر
﵇ لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف
تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال- ﵇ في الحديث
الآخر: " لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء
الله ثم شاء فلان "/ والصواب: أن سبب النهي أن الخُطَبَ شأنُها البسط ٢/٨٦ - ب] والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، وما ذكره القاضي ضعيف
لأن التشريك في الضمير قد تكرر في الأحاديث، منها في الحديث المذكور
في رواية ابن مسعود، ومنها قوله: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما" وغير ذلك. وقد قيل: إن إنكاره- ﵇ وقوفه على
قوله: " ومن يعصهما"، واحتج به المفسرون على تخطئة الوقف على
غير التام.
قوله: " بئس الخطيب " قد مر مرة أن" بئس " من أفعال الذم، كما أن
"نعم " من أفعال المدح، و" الخطيب" مرفوع بإسناد الفعل إليه، والمخصوص بالذم محذوف في هذه الرواية، أي: " أنت " كما قلنا.
وهو مبتدأ وخبره قوله: " بئس الخطيب".
١٠٧١- ص- نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن
خُبَيْب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن أبنت (٢) الحارث بن النعمان
قالته: مَا حَفظتُ "ق" إلا منْ فِي رسول الله- ﵇ يَخْطُبُ (٣)
بها كُل جُمُعَةِ، قالت: وَكَانَ تَنُورُ رسولِ اللهَ وَتَنَورُنَا واحداً (٤) .
стр. 1993
ش- خُبَيْب- بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء- ابن عبد الرحمن بن خُبَيْب بن يساف الأنصاري قد مر غير مرة.
وعبد الله بن محمد بن معن المديني. سمع: أم هشام بنت حارثة بن النعمان. روى عنه: خُبَيْب. روى له: مسلم، وأبو داود (ا) .
وأم هشام بنت الحارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد الأنصارية النجارية، روت عنها عمرة، روى لها مسلم حديثين، وأبو داود، وابن ماجه، ولم يُسمها (٢) .
قوله: "ما حفظت "ق " " أي: " سورة ق "، "إلا من فِي رسول الله " أي: من فمه المباركة "يخطب بها كل جمعة" وإنما اختارها من بين السور لاشتمالها على البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل لاستحباب قراءة "ق " أو بعضها في كل جمعة. قوله: "وكان تنور رسول الله وتنورنا واحداً"، وفي رواية مسلم: "وكان تنورنا وتنور رسول الله واحداً "، وأشارت به إلى شدة حفظها ومعرفتها بأحوال النبي- ﵇، وقربها من منزله، والتنور التي تخبز فيها الخبز. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
ص- قال أبو داود: قال روح بن عبادةَ، عن شعبةَ قال: ابنت (٣) حارثة
ابن النعمان. وقال ابن إسحاق: أم هشام بنت حارثة بن النعمان.
ش- روح بن عبادة أبو محمد البصري، عن شعبة بن الحجاج قال في روايته: "ابنت حارثة بن النعمان ". وقال محمد بن إسحاق في روايته: " أم هشام بنت حارثة "، ولم يبين كل منهما اسمها، وفي رواية مسلم: "عن أخت لعمرة "، ولا يضر ترك تسميتها لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول.
١٠٧٢- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني سماك، عن
стр. 1994
جابر بن سمرة قال: كانت صَلاةُ رسولِ اللهِ قَصْداً، وخُطبَتُهُ قَصْداً، يَقْرأ آياتٍ من القُرآنِ، ويُذَكرُ الناسَ (١) .
ش- أي: ليست طويلة ولا قصيرة، ومثله القصد من الرجال، والقصد في المعيشة.
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وفيه من السُّنَّة تخفيف الخطبة وتخفيف الصلاة؛ لأن تطويلهما يثقل على الناس، ولا سيما إذا كان القوم كُسالَى.
١٠٧٣- ص- نا محمود بن خالد، نا مروان، نا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرةَ، عن أختها قالت: مَا أخَذْتُ "ق " إلا مِن فِي رسولِ اللهِ، كان يَقْرَؤُهَا فِي كُل جُمُعَةٍ (٢) .
ش- مروان بن معاوية، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وعمرة هي أخت
أم هشام بنت حارثة بن النعمان، وقد تقدم ذكرها.
ص- قال أبو داود: كذا رواه يحيى بن أيوب، وابن أبي الرجال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرةَ، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان.
ش- أي: كذا روى الحديث يحيى بن أيوب الغافقي المصري.
وابن أبي الرجال اسمه: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري المدني، كان ينزل بعض ثغور الشام. روى عن: أبيه، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وعمارة بن غزية. روى عنه: يحيي بن صالح الوحاظي، والحكم بن موسى،
стр. 1995
وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له
النسائي (١) ، وأبو الرجال كنية والده محمد.
١٥٧٤- ص- نا ابن السرح، نا ابن وهب قال: أخبرني يحيي بن أيوب،
عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أخت لعَمرةَ بنت عبد الرحمن كانت
أكبر منها بمعناه (٢) .
ش- عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية، [٢/٨٧ - أ] سمعت عائشة، وأم هشام/ بنت حارثة بن النعمان، وقد ذكرناها مرة. قوله: " كانت أكبر منها " أي: كانت أخت عمرة أكبر من عمرة.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور.
* * *
٢١٨- باب: رفع اليدين على المنبر
أي: هذا باب في بيان رفع اليدين على المنبر.
١٥٧٥- ص- نا أحمد بن يونس، نا زائدة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارةُ بن رؤيبةَ بشر بن مروان وهو يَدْعو في يوم جُمُعَة فقال عمارةُ: قَبحَ الله هاتينِ اليدينَِ. قال زائدةُ: قال حصين: حدثني عمارة قال: لقد رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ وهو على المنبرِ ما يَزيدُ على هذه - يعني: السبابةَ التي تَلِي الإِبهامَ (٣) .
ش- زائدة بن قديمة، وعمارة بن رؤيبة الصحابي قد ذكرناه، وبشر ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، تولى الكوفة من جهة أخيه عبد الملك بن مروان في سنة
стр. 1996
إحدى وسبعين بعد مقتل مصعب بن الزبير، ثم أضاف عبد الملك إليه البصرة في سنة ثلاث وسبعين بعد أن عزل خالد بن عبد الله عنها، فارتحل إليها بشر واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، ثم تولى البصرة والكوفة وغيرهما الحجاج بن يوسف في سنة خمس وسبعين من جهة عبد الملك، بحكم وفاة أخيه بشر بن مروان.
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي. وفيه من السنة أن
لا ترفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك والشافعي، وغيرهما، وحكي عن بعض المالكية وبعض السلف إباحته؛ لأن النبي- ﵇ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض.
١٠٧٦- ص- نا مسدد، نا بشر، نا عبد الرحمن- يعني: ابن إسحاق- عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن أبي ذباب، عن سهل بن سعد قال: مَا رَأَيتُ رسولَ الله شَاهراً يديه قَط يَدعُو على منبرِه ولا غيرِه (١) ، ولكن رَأَيتُه ُيقول هكذا، وأشَارَ باَلسبابةِ، وعَقَدَ الوُسْطَى بَالإبَهام (٢) .
ش- بشر بن المفضل، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الحارثِ القرشي المدني.
وعبد الرحمن بن معاوية أبو الحويرث الزرقي الأنصاري مدني، حليف بني نوفل بن عبد مناف. روى عن: نافع، ومحمد بن جبير، وعثمان ابن أبي سليمان. روى عنه: عبد الرحمن بن إسحاق، والثوري، وشعبة، وغيرهم. روى له: أبو داود (٣) .
وابن أبي ذباب عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب الدولي. روى عن: أبي هريرة، وسهل بن سعد. روى عنه:
(١) في سنن أبي داود: "ولا على غيره".
(٢) تفرد به أبوه داود.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧/ ٣٩٦٢) .
стр. 1997
مجاهد، وعكرمة، وعبد الرحمن بن معاوية. قال ابن معين: هو ثقة. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " شاهراً يديه " من شهرت الأمر أشهره شهراً وشهرة، وشهر سيفه سله، والمعنى: ما رأيته مَادا يديه بالدعاء.
قوله: " يدعو " في محل النصب على الحال.
قوله: " ولا غيره" يعني: ولا غير منبره.
وهذا يدل على أن لا ترفع اليد بالدعاء في كل الأحوال، ولكن لا يلزم من عدم رؤيته هو ترك رسول الله رفع يديه على المنبر أو غيره في بعض الأوقات، أن لا يشرع رفع اليد عقيب الدعاء، وقد وردت أخبار كثيرة في رفع اليد عقيب الدعاء لما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، ولكن السُنَّة في الخطبة أن لا يرفع لما ذكرناه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة بدعة.
ونا سهل بن يوسف، عن ابن عون، عن محمد قال: أول من رفع يديه في الجمع عبيد الله بن عبد الله بن معمر.
ونا ابن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر فرفع الناس أيديهم. فقال مسروق: قطع الله أيديهم.
* * *
٢١٩- باب: اقتصار الخطب
أي: هذا باب في بيان اقتصار الخطب، وفي بعض النسخ: "باب إقرار الخطب " (٢) . من أقصر واقتصر وأقصر سواء.
стр. 1998
١٠٧٧- ص- نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا العلاء بن صالح،
عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمَرَنَا رسولُ الله
﵇ بإِقْصَارِ الخُطَبِ (١) .
ش- أبو راشد لم يسم ولم ينسب، روى/ [عن] عمار بن ياسر [٢/٨٧ - ب] روى عنه: عدي بن ثابت، روى له: أبو داود (٢) .
وروى أبو بكر بن أبي شيبة: نا ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن
عدي بن ثابت قال: أنا أبو راشد قال: صلينا [مع] عمار فتجوز في الخطبة، فقال رجل: قد قلت قولا شفاء لو أنك أطلت؟ فقال: إن رسول الله نهى أن نُطيل الخطبة.
ونا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال عبد الله: أحسنوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطب. ونا أبو الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كانت
خطبة النبي- ﵇ قصداً، وصلاته قصداً. ورواه أبو داود كما
ذكرناه. ونا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: إن
قِصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل.
١٠٧٨- ص- نا محمود بن خالد، نا الوليد، أخبرني شيبان أبو معاوية،
عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة السُوَائي قال: كان رسولُ الله لا
يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَومَ الجُمُعَةِ، إنما هُن كلمات يَسِيرات (٣) .
стр. 1999
ش- الوليد بن مسلم، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية البصري.
قوله: "إنما هن" الضمير يرجع إلى "الموعظة" باعتبار الكلمات.
وقوله: "يسيرات" صفة للكلمات. وفي بعض النسخ "يسيرة".
* * *
٢٢٠- بَابُ: الدنو من الإمام عند الخطبة
أي: هذا باب في بيان القرب من الإمام عند الخطبة يوم الجمعة، وفي بعض النسخ: "عند الموعظة" (١) ، والأول أصح.
١٠٧٩- ص- نا علي بن عبد الله، نا معاذ بن هشام قال: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعْه منه. قال قتادة، عن يحيي بن مالك، عن سمرة بن جندب أن نبي الله- ﵇ قال: "احْضرُوا الذكرَ، وادْنُوا من الإمَام، فإن الرجل لا يَزالُ يَتَبَاعَدُ حتى يُؤَخرُ في الجنة، وإن دَخَلَهَا" (٢)
ش- يحيي بن مالك أبو أيوب الأردي العتكي البصري.
قوله: " احضروا الذكر" أي: الخطبة، "وادنوا" أي: اقربوا من الإمام.
قوله: "فإن الرجل " تعليل لاستحباب الدنو من الإمام.
قوله: " حتى يؤخر في الجنة" أي: حتى يؤخر في الدخول في الجنة وإن دخلها. وفي إسناده انقطاع.
* * *
٢٢١- باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث
أي: هذا باب في بيان الإمام إذا قطع الخطبة لأمر يحدث له.
стр. 2000
١٠٨٠- ص- نا محمد بن العلاء: أن زيد بن حباب حدثهم قال: نا حسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خَطَبَنَا النبي ﵇ فأقبلَ الحسنُ والحسينُ- ﵄ عليهما قَمِيصَانِ أحْمَرَان يَعْثُرَانِ وَيَقُومَان، فَنزلَ فأخَذهمَا، فَصَعَدَ بهما (١) ثم قال: "صَدَقَ اللهُ: "إنَّمَا أمْوَالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فتْنَة" (٢) ، رَأيتُ هَذينِ فلم أصْبرْ"، ثم أخَذَ في خُطبَتِهِ (٣) " (٤) .َ
ش- الحسين بن واقد المروزي أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عامر بن كُريزِ قاضي مرو. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وأبي الزبير المكي، وثابت البناني، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، وابن المبارك، ويحيى بن واضح، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. مات سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (٥) . قوله: " عليهما قميصان، جملة اسمية وقعت حالاً بدون الواو من قبيل قولهم: كلمته فوه إلى فِي.
قوله: " فنزل " أي: فنزل رسول الله من المنبر، " فأخذهما فصعد بهما" المنبر.
وبهذا استدل أصحابنا أن الكلام لا يقطع الخطبة ولا يفسدها؛ لأنها شرط للجمعة وليس بركن، حتى لو خطب محدثاً أو جنباً جاز، ولكنه يكره، وعند أبي يوسف والشافعي لا يجوز إذا خطب جنباً.