ش- معتمر بن سليمان بن طرخان أبو محمد التيمي البصري، سمع
أباه، وعبد الملك بن عمير، وعاصماً الأحول، وأيوب السختياني،
وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، وأحمد بن
حنبل، وعبد الأعلى بن حماد، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان
ثقة. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة، روى
له الجماعة (١) .
ومحمد بن عبيد بن حساب/الغُبري- بالغين المعجمة- البصري،
سمع حماد بن زيد، ومعاوية بن عبد الكريم، وعبد الوارث بن سعيد،
وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه،
وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢) .
وحماد بن زيد بن درهم قد مر ذكره، وأيوب هو السختياني، ومحمد
هو ابن سيرين، وأبو هريرة عبد الرحمن، وقد ذكروا.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث الذي سبقه.
قوله: " لم يرفعاه " الضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المسدد وإلى
محمد بن عبيد، بمعنى: أن كلا منهما روى هذا الحديث موقوفاً على
أبي هريرة، وزاد فيه: " وإذا ولغ الهر غسل مرة ".
وقال البيهقي (٣) : " أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي- عليه
السلام-، ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي
ولوغ الهرة موقوف ".
وقوله: " الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، وجمعه " هررةٌ "، كقرد
وقردة، والأنثى هرة وجمعها " هررٌ "، مثل قربة وقرب.
٦٢- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة: أن
محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة: أن نبي الله- ﵇ قال:
стр. 212
" إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغْسلُوه سبْع مرار (١) ، السابعة بالتراب " (٢) .
قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابتٌ الأحنفُ وهمام بن
منبه [أخو وهب بن منبه] (٣) وأبو السدي عبد الرحمن رووه [كلهم] (٣)
عن أبي هريرة فلم يذكروا التراب.
ش- أبان هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبا يزيد، سمع
قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وأبا عمران الجوْني.
روى عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وموسى بن
إسماعيل. روى له مسلم، وأبو داود، واستشهد به البخاري في غير
موضع (٤) .
وأبو صالح ذكوان السمان قد ذكر.
وأبو رزين اسمه: مسعود بن مالك أبو رزين الكوفي الأسدي أسد
خزيمة، مولى أبي وائل شقيق بن سلمة. روى عن: علي بن أبي طالب،
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. روى عنه:
إسماعيل بن سميع، وإسماعيل بن أبي خالد، وابنه عبد الله بن مسعود،
والأعمش. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (٥) .
والأعرج هو عبد الرحمن، وقد ذكر.
وثابت الأحنف هو ابن عياض الأعرج الأحنف القرشي العدوي، مولى
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن
عياض سمع عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،
(١) في سنن أبي داود: " سبع مرات ". (٢) انظر تخريج الحديث رقم (٦٠) .
(٣) غير موجود في سنن أبي داود.
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/١٤٣) وفيه: " روى له الجماعة إلا
النسائي ".
(٥) المصدر السابق (٢٧/٥٩١٢) .
стр. 213
وأبا هريرة. روى عنه: عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وسليمان الأحول، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به روى له:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (١) .
وهمام بن منبه أبو عقبة قد ذكر.
وأبو السدي عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى عن أبي هريرة- رضي
الله عنه-. وقال الحافظ الذهبي في " تذهيب التهذيب ": عبد الرحمن
ابن أبي كريمة عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي حديث: " الإيمانُ
قيدُ الفتْك، لا يفتكُ مؤمن " (٢) .
قوله: " رووه كلهم " أي: رووا هذا الحديث كل هؤلاء المذكورين،
فلم يذكروا في روايتهم " التراب "، ومعنى قوله: " السابعة " أي: المرة
السابعة بالتراب،. وهذه جملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها وقعت
كالتفسير لقوله: " سبع مرار "، والأولى أن تكون صفة للسبع، ويكون
محلها النصب، و " (٣) معنى الغسل بالتراب: أن يخلط التراب بالماء
حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على
الماء، أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع
النجاسة بالتراب فلا يجزئ. وقال الشيخ محيى الدين: ولا يحب إدخال
اليد في الإناء، بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه، ويستحب أن يكون
التراب في غير الغسلة الأخيرة، ليأتي عليه ما ينظفه، والأفضل، أن يكون
في الأولى " (غ) .
قلت: هذه الرواية تدل على أن يكون التراب سابع سبعة " فكيف
يكون الأولى هو الأفضل؟ وأما الرواية الأخرى تدل على أن تكون السابعة
стр. 214
هي الأولى، فح (١) لا يترجح أحدهما على الآخر، بل له أن يجعل
التراب إما أولاً، وإما آخراً من غير ترجيح أحدهما على الآخر.
وقال أيضاً: " ولا يقوم الصابون والأشنان وما أشبههما/مقام التراب
على الأصح " (٢) .
٦٣- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد،
عن شعبة قال: نا أبو التياح، عن مطرف، عن ابن مغفل: " أن رسول الله
ﷺ أمر بقتل الكلاب "، ثم قال: " ما لهم ولها؟ فرخّص في كلب الصيد،
وفي كلب الغنم "، وقال: " إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلُوه سبع مرار،
والثامنة عفًرُوه بالتراب " (٣) ، (٤) .
ش- يحيي بن سعيد هو القطان، وقد ذكر.
وأبو التياح- بتاء مثناة من فوق، بعدها ياء آخر الحروف مشددة، وفي
آخره حاء مهملة- اسمه: يزيد بن حميد الضبعي من أنفسهم، سمع
أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبا جمرة نصر بن عمران،
وأبا زرعة، وغيرهم روى عنه: شعبة، والحمادان، والحسن بن
دينار، وغيرهم. قال أحمد: ثبت ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
روى له الجماعة (٥) .
ومطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب أبو عبد الله
البصري. روى عن عثمان بن عفان، وسمع عليّ بن أبي طالب،
وعمران بن الحصين، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم. روى عنه: أخوه
أبو العلاء، والحسن البصري، ومحمد بن واسع، وأبو التياح، وغيرهم.
مات سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة (٦) .
стр. 215
وابن مغفل هو: عبد الله بن مغفل المزني الصحابي، وقد ذكر.
قوله: " أمر بقتل الكلاب " إنما أمر بذلك تغليظاً عليهم؛ لأنهم كانوا
متولعين بها، وهذا منسوخ؛ لأنه- ﵇ أمر بذلك مرة، ثم
صح أنه نهى عن قتلها، ثم إن كان الكلب عقوراً يجوز قتله، لقوله
﵇: " خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم ... "
وعد منها " الكلب العقور " (١) ، وإن لم يكن عقوراً لم يجز قتله
مطلقاً، سواء كان للصيد أو الزرع، أو غير ذلك.
قوله: " ثم قال: ما لهم ولها؟ " أي: ما حالهم وحال الكلاب، وهذا
إشارة إلى النهي عن اقتنائها، " (٢) واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب
لغير حاجة، مثل أن يقتني كلباً إعجاباً لصورته أو للمفاخرة به، فهذا
حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد رخص فيه
﵇، وهو قول عبد الله بن مغفل: " فرخص في كلب
الصيد، وفي كلب الغنم "، وفي الرواية الأخرى: " وكلب الزرع "،
وهذا جائز بلا خلاف، وفي هذا المعنى من اقتناه لحراسة الدُّور والدُّرُوب،
واختُلف فيمن اقتنى كلب صيدٍ وهو لا يصيد ".
قوله: " والثامنة عفروه " أي: المرة الثامنة عفروا الإناء بالتراب. وقال
في " المطالع ": معناه: اغسلوه بالتراب، وهو من العفر- بالتحريك-
وهو التراب، يقال: عفرهُ في التراب يُعفّرُهُ عفْراً وعفرهُ تعْفيراً، أي:
مرغه، وشيء معْفُورٌ ومُعفرٌ مُترّبٌ.
وقال الشيخ محيي الدين (٣) : " وأما رواية: " وعفروه الثامنة بالتراب "
стр. 216
فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعاً، واحدة منهن تراب مع
الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا ".
قلت: هذا مخالف لصريح الحديث؛ لأن صريحه يدل على أن يكون
الغسل بالماء سبع مرات، ويكون التعفير بالتراب مرة ثامنة، وكذا روي
عن الحسن البصري أنه قال: يفتقر إلى دفعة ثامنة، وهي رواية عن الإمام
أحمد على ما ذكرناه وأخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وابن ماجه.
***
٣١- باب: سؤر الهر
أي: هذا باب في بيان أحكام سؤر الهر.
٦٤- ص- حدثنا عبدُ الله بن مسلمة القعْنبي، عن مالك، عن إسحاق
ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عُبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت
كعب بن مالك- وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أن أبا قتادة دخل عليها (١)
فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى
شربت. قالت كبشة: فرآني انظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنت أخي (٢) ؟
فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " إنها ليستْ بنجسٍ، إنها من
الطوافين عليكم والطوافات " (٣) .
ش- عبد الله بن مسلمة قد ذكر. ومالك هو مالك بن أنس الإمام،
وقد ذكر أيضاً.
وإسحاق بن عبد الله بن زيد أبي طلحة بن سهل الأنصاري النجاري
المدني، سمع أباه، وعمه أنس/بن مالك، وأبا صالح ذكوان، ورافع
ابن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، وابن عيينة،
стр. 217
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو ثقة. توفي
سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (١) .
وحميدة- بفتح الحاء- بنت عُبيد بن رفاعة الأنصارية الزرقية،
روت عن كبشة بنت كعب، روى عنها إسحاق بن عبد الله، روى لها:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
وكبشة بنت كعب بن مالك، روت عن أبي قتادة، روت عنها حميدة
المذكورة، روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وابن أبي قتادة اسمه: عبد الله، وأبو قتادة الحارث بن ربعي،
وكلاهما قد ذكرا.
قوله: " وضوءاً " بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.
قوله: " فأصغى لها الإناء " أي: أماله، ليسْهُل عليها الشربُ.
قوله: " نعم " بفتح النون، وكنانة تكسرها، وبها قراءة الكسائي،
وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر، والثاني بعد " افْعل "
و" لا تفعل "، والثالث بعد الاستفهام.
قوله: " إنها ليست بنجس " بفتح الجيم، يقال لكل مستقذر نجسٌ، قال
الله تعالى: (إنّما المُشْركُون نجس) (٤) ، وهذا تعليل لإصغائه الإناء
لها.
وقوله: " إنها من الطوافين عليكم " تعليل لقوله: " إنها ليست بنجس "،
والطوافون هم بنو آدم، يدخل بعضهم على بعض بالتكرار، والطوافات
هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس، مثل الغنم والبقر والإبل،
وجعل النبي- ﵇ الهر من القبيلين، لكثرة طوافه واختلاطه
بالناس، وأشار إلى الكثرة بصيغة التفعيل؛ لأنه للتكثير والمبالغة،
стр. 218
وموصوف كل واحد من الطوافين والطوافات محذوف، أقيمت الصفة
مقام موصوفها، ويقدر ذلك بحسب ما يليق له، مثل ما يقال: خدمٌ
طوافون، وحيوانات طوافات، وقد قال الله تعالى: (طوافُون عليكم
بعْضُكُمْ على بعْض) (١) يعني المماليك والخدم الذين لا يُقْدر على
التحفظ منهم غالبا، ويروى: " والطوافات " بواو العطف كما وقع
هاهنا، ويروى بأو التي للشك وغيره، وروي الوجهان عن مالك- رحمه
الله-، واحتج بذلك أبو يوسف من أصحابنا على أن سؤر الهر طاهر
غير مكروه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة ومحمد:
طاهر مكروه، واحتجا بقوله- ﵇: " السنور سبُع " رواه
الحاكم في " مستدركه " من حديث عيسى بن المسيب، ثنا أبو زرعة، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " السنور سبُع ". قال الحاكم:
حديث صحيح ولم يخرجاه (٢) .
ورواه أيضاً الدارقطني في " سننه " في حديث طويل آخره: " السّنّورُ
سبُع "، ثم أخرجه مختصراً من جهة وكيع ومحمد بن ربيعة كلاهما عن
عيسى بن المسيب (٣) ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
﵇: " السنور سبُع " وقال وكيع: " الهر سبُع " (٤) .
ووجه الاستدلال: أن المراد منه بيان الحكم لا بيان الخلقة؛ لأنه- عليه
السلام- مبعوث لبيان الأحكام والشرائع، لا لبيان الحقائق، فيكون
حكم الهر كحكم السباع في النجاسة، ولكن النجاسة سقطت بعلة
الطّوْف، فانتفت النجاسة، وبقيت الكراهة عملاً بالحديثين. وقال بعض
أصحابنا: إن حديث الطوْف محمول على ما قبل التحريم فح (٥) يكون
هذا الحديث منسوخا، فلم يبق العمل إلا بالحديث الثاني. وحديث
الطوْف أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا
стр. 219
حديث حسن صحيح. وقال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب، وقد
جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت
أحد أتم من مالك، وقال البخاري: جود مالك بن أن هذا الحديث،
وروايته أصح من رواية غيره.
٦٥- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: [ثنا] عبد العزيز، عن داود
ابن صالح بن دينار التّمار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة
﵂ فوجدتها تُصلي، فأشارت إليّ أن ضعيها، فجاءت هرةٌ
فأكلت منها، فلما انصرفتْ أكلت من حيث أكلت الهرةُ، فقالت: إن
رسول الله ﷺ قال: " إنها ليستْ بنجس، إنما هي من الطّوافين عليكم،
/وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ بفضْلها " (١) .
ش- عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد
الجهني مولاهم المدني، وقد ذكر مرة.
وداود بن صالح الأنصاري مولاهم التمار، قيل: إنه مولى أبي قتادة
الأنصاري، سمع أبا أمامة بن سهل، وسالم بن عبد الله، وأباه صالحاً،
وروى عن أمه. روى عنه: عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن عروة،
والوليد بن كثير، وغيرهم. قال أحمد: لا أعلم به بأساً. روى له
أبو داود (٢) .
قوله: " بهريسة " الهريسةُ: طعام من قمح ولحم مدقوق، من الهرْس
وهو الدق.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز الإهداء بالطعام وقبوله.
والثانية: جواز إشارة المصلي بيده أو عينه.
والثالثة: جواز أكل سؤر الهرة.
والرابعة: جواز التوضئ بسؤر الهرة.
стр. 220
وروى هذا الحديث الطحاوي في " شرح الآثار "، والدارقطني في
" سننه " ثم قال: تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن
صالح، عن أمه بهذه الألفاظ (١) ، والله أعلم.
***
٣٢- باب: الوُضوء بفضل وضوء المرأة
أي: هذا باب في بيان أحكام الوُضوء بفضل وضوء المرأة. الوُضوء
الأول بضم الواو اسم للفعل، والثاني بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ
٦٦- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني
منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- ﵂ قالت:
" كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﷺ في إناء واحد ونحنُ جُنُبان " (٢) .
ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور
ابن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد، كلهم ذكروا.
قوله: " ورسول الله " عطف على قوله: " أنا "، وقد علم أن العطف
على المرفوع المتصل لا يجوز إلا إذا أكد بمنفصل، نحو: ضربت أنا
وزيد، ولا يجوز: ضربت وزيد، وذلك لأن المتصل المرفوع لما تأكد
اتصاله صار كالجزء، فإذا عطفت عليه توهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ونحن جنبان " جملة اسمية وقعت حالاً من المعطوف والمعطوف
стр. 221
عليه، وقوله: " جنبان " على إحدى اللغتين في الجنب، أنه يثنى ويجمع
فيقال: جنبان وجنبون وأجناب، واللغة الأخرى: رجل جنب، ورجلان
جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، بلفظ واحد، قال الله تعالى:
(وإن كُنتُمْ جُنُباً) (١) ، وقال: (ولا جُنُباً إلا عابري سبيل) (٢) ، وهذه
اللغة أفصح وأشهر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الجنب ليس بنجس.
والثانية: أن فضل وضوء المرأة طاهر.
والثالثة: جواز اغتسال الاثنين أو أكثر من إناء واحد.
وأخرج النسائي هذا الحديث مختصراً، ومسلم من حديث أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن عائشة، والبخاري من حديث عروة، عن عائشة
قالت: " كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله- ﵇ من إناء واحد من
جنابة ".
٦٧- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا وكيع، عن أسامة بن
زيد، عن ابن خربوذ، عن أم صُبية الجهنية قالت: " اختلفتْ يدي ويدُ
رسول الله ﷺ في الوُضوء من إناء واحد " (٣)
ش- أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، روى عن: يعقوب
ابن عبد الله بن أبي طلحة، وأبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز،
ونافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم.
قال ابن معين: هو ثقة حجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة، واستشهد به
البخاري (٤) .
стр. 222
وابن خربوذ هو سالم بن سرْج- بالجيم-، وهو ابن خرّبُوذ
أبو النعمان، ويقال سالم بن النعمان، مولى أم صُبية الجهنية، روى عن
مولاته أم صُبية ولها صحبة. روى عنه أسامة بن زيد المدني وغيره. وثقه
ابن معين وغيره. روى له البخاري في " الأدب "، وأبو داود، وابن
ماجه (١) .
و" خربُوذ " بفتح الخاء المعجمة، والراء المشددة،/وضم الباء
الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة.
وأم صُبية اسمها: خولة بنت قيس بن قهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن
مالك بن النجار. روى عنها معروف (٢) بن خربوذ، روى لها أبو داود،
وابن ماجه (٣) .
و" أم صُبية " بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر
الحروف وفتحها، وبعدها تاء تأنيث.
قوله: " اختلفت يدي ويدُ رسول الله " بمعنى: أنها كانت تغرف هي مرة
ورسول الله مرة. ويستفاد من هذا فائدتان: الأولى: جواز توضئ
الاثنين من إناء واحد.
والثاني: جواز توضئ الرجل والمرأة من إناء واحد.
وأخرج هذا الحديث ابنُ ماجه.
٦٨- ص- حدّثنا مسدد قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع ج، وحدثنا
عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: " كان الرجالُ
والنساءُ يتوضوءُون في زمان رسول الله ﷺ ". قال مسدد: " من الإناء
الواحد جميعاً " (٤) .
стр. 223
ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني، ونافع مولى ابن عمر،
ومالك بن أنس ذكروا كلهم.
روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى.
قوله: " جميعاً " حال من الرجال والنساء، والمعنى مجتمعين.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري وليس فيه: " من الإناء
الواحد ".
٦٩- ص- حدّثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن عبد الله بن عمر قال: " كنا نتوضأ نحنُ والنساءُ ونغتسلُ من إناء واحد
على عهد رسول الله ﷺ " زاد فيه: " نُدْلي فيه أيدينا " (١) ، (٢) .
ش- يحيى هو القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عثمان المدني، أخو عبد الله
وأبي بكر وعاصم، سمع أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص،
وسالم بن عبد الله، وكريباً مولى ابن عباس، وسعيداً (٣) المقبري،
ونافعاً مولى ابن عمر، وعمرو بن الدينار وغيرهم. روى عنه: أيوب
السختياني، وحميد الطويل، وابن جريج، والثوري، والليث بن
سعد، ويحيى القطان، وابن المبارك، وجماعة آخرون كثيرة. روى له
الجماعة (٤) .
قوله: " والنساء " عطف على قوله: " نحن "، وقد قلنا: إن الضمير
المرفوع المتصل لشدة اتصاله بالفعل، لا يعطف عليه إلا بضمير منفصل،
حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ندلي " من الإدلاء، والإدلاء: هو إرسال الدلو في البئر،
стр. 224
يقال: اً دْليْتُ الدلو ودلّيْتُها إذا أرسلتها، ودلوْتُها أدْلُوها فأنا دال إذا
أخرجتها، والمعنى هاهنا: إرسال أيديهم في الإناء مثل ما يرسلُ الدلو.
ويستفاد من هذا الحديث جواز توضئ الرجال والنساء واغتسالهم من
إناء واحد، ولكن المراد من هذا توضؤُ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن
" الألف واللام " في قوله: " والنساء " بدل من المضاف إليه، والتقدير:
نتوضأ نحن ونساؤنا، يعني: أزواجنا، وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها
أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد؛ لأن الاختلاء بها حرام والاغتسال لا
يكون إلا في الخلوة، لاحتياج الإنسان إلى كشف البدن، يدل على ذلك
ما مر من حديث عائشة- ﵂، وأما توضؤ المرأة مع الرجل
الأجنبي من إناء واحد، فظاهر حديث أم صُبية يدل على جوازه، ولأن
فيه لا يحتاج إلى الاختلاء، ولا كشف العورة، ووجه الحرة ويداها ليست
بعورة، وفي قدمها روايتان.
***
٣٣- باب: النهي عن ذلك
أي: هذا باب في بيان حكم النهي عن توضئ الرجل واغتساله بفضل
المرأة.
٧٠- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، عن داود بن عبد الله.
ج وحدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حُميد
الحمْيري قال: لقيتُ رجلاً صحب رسول الله- ﷺ أربع سنين- كما صحبهُ
أبو هريرة- قال: " نهى رسولُ الله أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل
الرجلُ بفضل المرأة "، زاد مسدد: " وليغْترفا جميعاً " (١) .
ش- زهير هو ابن معاوية، وداود بن عبد الله الأودي، وأبو عوانة
اسمه: الوضاح، وحميد بن عبد الرحمن، ذكروا كلهم.
стр. 225
/قوله: " بفضل الرجل " أي: بالماء الذي فضل من الرجل، وبالماء
الذي فضل من المرأة. " (١) وجه الجمع بين أحاديث هذا الباب وأحاديث
الباب الذي قبله أن النهي هاهنا إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة
من الماء، وهو ما سال من أعضائها دون الفضل الذي تُسْئرُهُ في الإناء،
وجواب آخر: أن النهي محمول على الاستحباب، وجواب آخر: أن
إسناد عائشة في الإناء أجود من إسناد خبر النهي. وقال محمد بن
إسماعيل البخاري: حديث الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا الباب
حديث عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ ".
والإجماع على أن تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد جائز، وكذلك
تطهر المرأة بفضل الرجل جائز بالإجماع، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو
جائز عند جماهير العلماء منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي سواء
خلت به أو لم تخلْ، وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت
بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وروى هذا عن عبد الله
ابن سرجس، والحسن البصري، ورُوي عن أحمد كمذهب الجمهور،
ورُوي عن الحسن، وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقاً، والمختار ما
قاله الجماهير للأحاديث الصحيحة التي وردت في تطهره- ﵇
مع أزواجه، وكل واحد منهما مستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخلوة،
وقد ثبت في الحديث الآخر: " أنه- ﵇ اغتسل بفضل بعض
أزواجه " رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وأصحاب السنن. قال
الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
قوله: " وليغترفا جميعاً " أي: ليغترف الرجل والمرأة مجتمعين في حالة
واحدة، وهذه الزيادة في رواية مسدد. وأخرج هذا الحديث النسائي.
٧١- ص- حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن عاصم،
стр. 226
عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو- وهو الأقرع-: " أن النبي- عليه
السلام- نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضْل طهور المرأة ".
ش- ابن بشار هو محمد بن بشار بُنْدار، وقد ذكر.
وأبو داود هذا هو سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي
البصري، أصله فارسي، مولى القريش (١) . وقال ابن معين: مولى
لآل (٢) الزبير بن العوام، سمع الثوري، وشعبة، وأبان العطار،
وهشاماً الدسْتُوائي، وأبا عوانة، وابن المبارك، وجماعة آخرين. روى
عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، ومحمد
ابن بشار، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن سعد، وجماعة آخرون.
وعن عمرو بن علي: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود الطيالسي
سمعته يقول: أسردُ ثلاثين ألف حديث ولا فخر. وقال يونس بن
حبيب: قدم علينا أبو داود فأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث، أخطأ
في سبعين موضعاً فأصلحوها، مات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى
وسبعين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وشعبة هو ابن الحجاج، وعاصم بن سليمان الأحول.
وأبو حاجب سوادة بن عاصم العنزي أبو حاجب، وليس بأخي نصر
ابن عاصم. روى عن: الحكم بن عمرو الغفاري، وعائذ بن عمرو.
روى عنه: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وشعبة. قال ابن معين:
ثقة. روى له: الترمذي، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
والحكم بن عمرو بن مُجْدح (٥) بن حذْيم بن حُلْوان بن الحارث
стр. 227
الغفاري ويقال له: الحكم بن الأقرع. قال ابن سعد: صحب النبي
﵇ حتى قبض ثم تحول إلى البصرة فنزلها. انفرد به البخاري
فروى له حديثاً واحداً. روى عنه: عبد الله بن الصامت، وسوادة بن
عاصم، وابن سيرين، وغيرهم. توفي بمرو سنة خمسين، ودفن هو
وبريدة الأسلمي الصحابي في موضع واحد. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: " بفضل طهور المرأة " بفتح الطاء، وقد ذكرنا حكم هذا
الحديث، وقد قال جماعة من المحدثين: إن هذا الحديث لا يصح، ومنهم
البخاري كما ذكرنا. وقال البخاري: سوادة بن عاصم أبو حاجب
العنزي لا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. وأخرج الترمذي وابن ماجه
هذا الحديث. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن "، ولو كان صحيحاً
لنص عليه، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته.
***
/ ٣٤- بابُ: الوضوء بماء البحر
أي: هذا باب في بيان حكم التوضئ بماء (٢) البحر.
٧٢- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سليم،
عن سعيد بن سلمة بن الأزرق من آل (٣) ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة
- وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ
رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله، إنّا نركبُ البحر، ونحملُ معنا القليل
стр. 228
من الماء، فإن توضأ نا به عطشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ :
" هو الطهُورُ ماؤُه، الحل ميتتهُ " (١) .
ش- مالك هو: ابن أنس الإمام.
وصفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، ويقال: أبو الحارث الزهري
أبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن: عبد الله
ابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وسمع أنس بن
مالك، وحميد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وزياد بن
سعد، وجماعة آخرون. قال أحمد: ثقة، من خيار عباد الله. توفي
بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) .
وسعيد بن سلمة المخزومي من آل بني (٣) الأزرق، روى عن المغيرة بن
أبي بردة. روى عنه: صفوان بن سليم، روى له أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (٤) .
والمغيرة بن أبي بردة رجل من بني [عبد] الدار، روى عن أبي هريرة ٠
روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وصفوان بن سليم، وأبو مرزوق
التُجيبي، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (٥) .
قوله: " وهو من بني [عبد] الدار " أي: المغيرة بن أبي بردة رجل من
بني [عبد] الدار.
стр. 229
قوله: " هو الطهور ماؤه " " هو " مبتدأ، و " الطهور " مبتدأ ثان، و " ماؤه"
خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون ارتفاع " ماؤه " بإسناد " الطهُور " إليه، ويكون الفاعل
مع فعله خبراً للمبتدأ؛ لأن الطّهور اسم بمعنى المطهّر، واسم الفاعل
يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه، وهذا التركيب فيه القصر؛ لأن
المبتدأ والخبر وقعا معرفتين، وهو من جملة طرق القصر، وهو من قبيل
قصر الصفة على الموصوف؛ لأنه قصر الطهورية على ماء البحر، وقصر
الصفة على الموصوف أن لا تجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف
آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخر، وهذا قصر
ادعائي، وهو يكون فيما إذا قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغيره؛ لأنه لا
يجوز أن يكون قصراً حقيقيا؛ لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر
فقط، ولكن النبي- ﵇ لشدة اعتنائه ببيان طهورية ماء البحر
قصرها عليه مبالغة " وادعاء، وهذا من قبيل القصر القلب؛ لأن السائل كان
في اعتقاده أن التوضأ بماء البحر غير جائز، فأثبته- ﵇ بعكس
ما في قلبه، ويجوز أن يكون قصر تعيين؛ لأنه كان يتردد بين جواز
الوضوء به، وبن عدمه من غير علم بالتعيين، فعينه- ﵇
بقوله: " هو الطهور ماؤه "، وهذا أولى من الأول، فافهم.
قوله: " الحل ميتته " التقدير: هو الحل ميتته، والكلام فيه مثل الكلام
في " هو الطهور ماؤه "، والحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال ضد
الحرام، من حلّ يحلُّ من باب ضرب يضرب ويقال: رجل حلال وحل
وحرام وحرم، و " الميتة " بفتح الميم، وعوام الرواة يكسرون الميم وهو
خطأ، ولما كان بين الجملتين اتصالاً ومماسه في الحكم فصل بينهما ولم
يوصل بالعاطف، لئلا يُشعر إلى المغايرة.
واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر
حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد وقول الشافعي، وعنهم: لا يحل
في البحر ما لا يحل مثله في البر. وقال أصحابنا: لا يؤكل من حيوان
стр. 230
الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى: (ويُحرّمُ عليْهمُ الخبائث) (١) وما
سوى السمك خبث، والجواب عن الحديث: أن الميتة فيه محمولة على
السمك بدليل قوله- ﵇: " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما
الميتتان: فالسمك والجراد " (٢) الحديث.
ويستفاد من هذا الحديث/فوائد:
الأولى: أن العالم والمُفْتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل
حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته كان مستحبا له
تعليمه إياه، ألا ترى أن السائل سأله ﵇ عن ماء البحر لا
رأى تغيره في اللون، وملوحته في الطعم؟ أجابه- ﵇ وزاد
فائدة أخرى، وهي كون ميتته حلا، وذلك لاحتياجه إليه أو كأنه- عليه
السلام- علم بالوحي أنه كان يسأل عن ميتته أيضاً، فأجابه قبل السؤال
إسراعاً إلى فضيلة التعليم.
الثانية: أن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك.
الثالثة: أنه يحب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو
يتردد فيه.
الرابعة: فيه دليل على أن الماء لا يفسد بموت السمك فيه، وعلى قول
الخصوم لا يفسد بموت جميع ما فيه من الحيوان، ومنهم من استثنى
الضفدع لأنه- ﵇ ينهى عن قتله.
الخامسة: فيه دليل على أن ماء البحر يجوز به التوضؤ والاغتسال.
السادسة: فيه دليل على أن السمك يجوز أكله بجميع أنواعه إلا الطافي
منه، لورود النهي عن الطافي.
السابعة: فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.
стр. 231
وأخرج هذا الحديث الترمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الترمذي: سألت محمد بن
إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح.
قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
***
٣٥- باب: الوضوء بالنبيذ
أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء بنبيذ التمر. النبيذ: ما يعمل من
الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، وغير ذلك. يقال:
نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصُرف من مفعول
إلى فعيل. وانتبذته: اتخذته نبيذاً، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه
يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ
خمرٌ.
٧٣- ص- حدّثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: ثنا شريك، ص ٠
أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبيّ- ﵇
قال [له] (١) ليلة الجنّ: " ما في إداوتك؟ " قال: نبيذٌ، قال: " تمْرةٌ طيبّة
وماءٌ طهور ". قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد قال:
كذا قال شريك، ولم يذكر هناد " ليلة الجن " (٢) .
ش- هناد هو ابن السرى، وسليمان بن داود، وشريك بن عبد الله
النخعي، قد ذكروا.
وأبو فزارة راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، روى عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مهْران، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد
стр. 232
] مولى] عمرو بن حريث. روى عنه: جرير بن حازم، وسفيان
الثوري، وشريك، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالحٌ. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (١) .
وأبو زيد مولى عمرو بن حريث، ولا يُعرف له اسم (٢) .
وزيد بن وهب الجهني، وقد ذكر.
قوله: " في إداوتك " الإداوة بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يُتخذ
للماء كالسطحة ونحوها، وجمعها " أداوى "، ويجوز أن تكون كلمة
" ما " في قوله: " ماذا (٣) في إداوتك؟ " استفهاماً، و " ذا " إشارة نحو:
ماذا التواني؟ ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " موصولة،
والمعنى: ما الذي في إداوتك؟ ويجوز أن تكون " ماذا " كله استفهاماً على
التركيب، ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " زائدة، والتقدير: ما
في إداوتك؟ وقد أجاز هذا الوجه جماعة منهم: ابن مالك.
قوله: " نبيذ " مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، والتقدير: فيها
نبيذ؟، والنكرة تقع مبتدأ إذا كان خبره ظرفاً مقدماً نحو: في الدار رجل،
وهو من جملة المخصصات.
قوله: " تمرة طيبة " ارتفاع " تمرة لما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي:
هو تمرة. وارتفاع " طيبة " على أنها صفة للتمرة، والطيب خلاف
الخبيث، والطهور بفتح الطاء.
/وقد احتج أبو حنيفة بهذا الحديث أن الرجل إذا لم يجد إلا نبيذ التمر
يتوضأ ولا يتيمم. وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به ويتيمم (٤) ، وهو قول
стр. 233
أبي حنيفة المرجوع إليه، وقول مالك والشافعي وأحمد وزفر، وقال
محمد: يجمع بين الوضوء به والتيمم، وقد دفعوا هذا الحديث بثلاثة (١)
علل: " (٢) الأولى: جهالة أبي زيد، فقد قال الترمذي: أبو زيد رجل
مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن حبان في كتاب
" الضعفاء ": أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود وليس يُدرى من هو،
ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبرا
واحداً خالف فيه الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، استحق مجانبته.
وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل ": سمعت أبا زرعة يقول: حديث
أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن
عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في
الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث
عن النبي- ﵇، وهو خلاف القرآن.
والعلة الثانية: هي التردد في أبي فزارة، فقيل: هو راشد بن كيسان،
وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وهذا ليس براشد بن
كيسان، وإنما هو رجل مجهول، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال:
أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول، وذكر البخاري أن أبا فزارة
العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين.
العلة الثالثة: هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن، وذلك لما
روى مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال: " سألت ابن مسعود هل
كان منكم أحد مع رسول الله ﷺ ؟ قال: لا ... " (٢) الحديث، وفي
لفظ له قال: " لم أكن مع النبي- ﵇ ليلة الجن، ووددت
أني كنت معه " (٣) . وما روى أبو داود عن علقمة قال: قلت لعبد الله
ابن مسعود: من كان منكم مع النبي- ﵇؟ قال:
стр. 234
" ما كان معه منا أحد ". ورواه الترمذي أيضاً في تفسير سورة
الأحقاف " (١) .
والجواب عن العلة الأولى: أن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة،
فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي وأبو داود، ورواه سفيان، والجراح
ابن مليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق
في " مصنفه " (٢) ، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق (٢) ،
والجهالة عند المحدثين نزول برواية اثنين فصاعداً، فأين الجهالة بعد ذلك؟
إلا أن يراد جهالة الحال، هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان
فقال: مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد، وأبو فزارة اسمه
كيسان، وهو مشهور، وأبو زيد [مولى] عمرو بن حريث مجهول،
وحكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه: راشد
ابن كيسان. وقال ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب ": أبو فزارة العبسي
راشد بن كيسان ثقة عندهم.
والجواب عن العلة الثالثة: أن هذا الحديث له سبعة طرق جميعها أن
ابن مسعود كان مع النبي- ﵇ " (٣) الأول: ما رواه أحمد في
" مسنده "، والدارقطني في " سننه ": عن سعيد مولى بني هاشم، عن
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن
النبي- ﵇ قال له ليلة الجن: " أمعك ماء؟ " قال: لا.
قال: " أمعك نبيذ؟ " قال: أحسبه قال: نعم فتوضأ به " (٤) .
стр. 235
الثاني: ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن [عيسى بن] حيان،
عن الحسن بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن
أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: مر بي رسول الله- غليه
السلام- فقال: " خذ معك إداوة من ماء "، ثم انطلق وأنا معه، فذكر
حديثه ليلة الجن، وفيه (١) : " فلما أفرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ،
فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب " (٢) .
الثالث: ما رواه الدارقطني أيضاً عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد،
عن جده أبي سلام، عن ابن غيلان الثقفي: أنه سمع عبد الله بن مسعود
يقول: " دعاني رسول الله ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ،
فتوضأ رسول الله- ﵇ " (٣) .
الرابع: ما رواه الدارقطني أيضاً عن الحسين بن عبيد الله العجلي، ثنا
أبو معاوية، عن الأعمش،/عن أبي وائل قال: سمعت ابن مسعود
يقول: " كنت مع النبي- ﵇ ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم
القرآن، فقال لي رسول الله في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن مسعود؟
قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ، فقال- ﵇:
تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ به " (٤) .
الخامس: ما رواه الطحاوي في " كتابه ": حدثنا يحيى بن عثمان، ثنا
أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردي قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد،
عن قابوس، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: " انطلق رسول الله إلى
البراز فخط خطا وأدخلني فيه، وقال: لا تبرح حتى أرجع إليك،
стр. 236
ثم أبطاً فما جاء حتى السّحر، وجعلت أسمع الأصوات، ثم جاء
فقلت: أين كنت يا رسول الله؟ قال: أُرْسلت إلى الجن، فقلت: ما
هذه الأصوات التي سمعت؟ قال: هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا
علي ". قال الطحاوي: ما علمنا لأهل الكوفة حديثاً يثبت أن ابن مسعود
كان مع النبي- ﵇ ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا.
السادس: ما رواه ابن عدي في " الكامل " من حديث أبي عبد الله
الشقري عن شريك القاضي، عن أبي زائدة، عن ابن مسعود قال: " قال
لي رسول الله: أمعك ماء؟ قلت: لا، إلا نبيذٌ في إداوة، قال: تمرة
طيبة وماء طهور فتوضأ " (١) .
والسابع: ما رواه أبو داود هذا، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه،
وفي حديث الترمذي: " قال: فتوضأ منه " (٢) .
فإن قلت: هذه الطرق كلها مخالفة لما في " صحيح مسلم " أنه لم
يكن معه. قلت: التوفيق بينها أنه لم يكن معه- ﵇ حين
المخاطبة، وإنما كان بعيداً منه. وقد قال بعضهم: إن ليلة الجن كانت
مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم ولم يكن مع النبي- ﵇ ابن
مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة
أخرى كما روى ابن أبي حاتم في " تفسيره " في أول سورة الجن من
حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه
بنخلة فجن نينوي. وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين!. وقد
علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في " سنن الدارقطني " عن عبد الله
ابن محرر (٣) ، [عن قتادة] ، عن عكرمة، عن ابن عباس' قال:
" النبيذ وضوء من لم يجد الماء " (٤) .
стр. 237
وأخرج أيضاً عن الحارث، عن علي: " أنه كان لا يرى بأساً بالوضوء
بالنبيذ " (١) . وأخرج أيضاً عن مزيدة بن جابر عن علي- رضي الله
عنه- قال: " لا باًس بالوضوء بالنبيذ " (٢) . وروى الدارقطني أيضاً في
" سننه " من حديث مُجاعة عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ﷺ : " إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ " (٣) .
٧٤- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا وُهيب، عن داود، عن
عامر، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله
ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد (٤) .
ش- وهيب هو ابن خالد بن عجلان، وقد ذكر.
وداود هو ابن أبي هند، واسم أبي هند دينار بن عُذافر ويقال: اسمه
طهمان البصري أبو بكر، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا العالية،
والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، وغيرهم. روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وقتادة، والثوري، وابن جريج،
وشعبة، ووهيب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة سبع
وثلاثين ومائة بطريق مكة. روى له الجماعة [إلا] البخاري استشهاداُ (٥) .
وعامر هو عامر بن شراحيل بن عبد ابن أخي قيس الشعبي الكوفي من
شعب همْدان. روى عن: علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين،
وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. وقال منصور بن عبد الرحمن: قال
стр. 238
الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله يقولون: علي وطلحة
والزبير في الجنة. روى عنه: عبد الله بن بريدة، وقتادة، وداود بن
أبي هند، والأعمش، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. توفي
سنة أربع ومائة، وبلغ ثنتين وثمانين سنة. روى له الجماعة (١) .
وعلقمة بن قيس بن عبد الله بن [مالك بن] علقمة بن سلامان بن
كُهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي. روى عن أبي بكر الصّديق.
وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب،
وعبد الله بن مسعود، وغيرهم. روى عنه: أبو وائل، والشعبي،
والنخعي،/ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتين وستين. روى له الجماعة إلا ابن
ماجه (٢) .
وأخرج مسلم هذا الحديث، والترمذي مطولاً ٠
٧٥- ص- حدّثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا بشر بن
منصور، عن ابن جريج، عن عطاء: " أنهُ كره الوُضُوء باللبن والنبيذ،
وقال: إن التيمم أعجب إلي منهُ " (٣) .
ش- محمد بن بشار هو بندار.
وعبد الرحمن هو ابن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد
العنْبري، وقيل: الأزدي، مولاهم البصري اللؤلؤي، سمع أبا خلدة،
ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. روى عنه:
عبد الله بن وهب، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. توفي سنة
ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. روى له الجماعة (٤)
وبشر بن منصور السلمي أبو محمد البصري، سمع أيوب السختياني،
стр. 239
وابن جريج، والثوري، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. روى عنه:
عبد الرحمن بن مهدي، وسليمان بن حرب، وشيبان بن فروخ،
وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود،
والنسائي (١) .
وعطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح: أسلم المكي أبو محمد
القرشي، ولد في آخر خلافة عثمان، ونشأ بمكة، ورأى عقيل بن
أبي طالب، وأبا الدرداء. وسمع عبد الله بن عباس، وابن عُمر، وابن
عمرو، وابن الزُّبير، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن
دينار، والزهري، وأيوب السختياني، وابن جريج، وجماعة آخرون
كثيرة. وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. مات سنة أربع عشرة ومائة.
روى له الجماعة، وكان أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي بعد
ذلك، وكان فقيهاً عالماً كثير الحديث (٢) .
قوله: " باللبن وبالنبيذ " أما التوضؤ باللبن فلا يخ (٣) إما أن يكون بنفس
اللبن أو بماء خالطه لبن، فالأول لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني:
فيجوز عندنا خلافاً للشافعي. وأما التوضؤ بالنبيذ فقد ذكرنا أنه يجوز عند
أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يكون حلواً رقيقاً، يسيل على الأعضاء
كالماء، وما اشتد منها صار حراماً لا يجوز التوضؤ به، وإن غيرته النار
فما دام حلواً فهو على الخلاف ولا يجوز التوضؤُ بما سواه من الأنبذة جرياً
على قضية القياس.
قوله: " وقال: إن التيمم أعجب إلي منه " أي: من الوضوء باللبن
وبالنبيذ، وهذه العبارة تشعرُ أن التوضأ بهما يجوز عند العلماء، ولكن
الأولى التيمم.
٧٦- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا أبو خلدة
стр. 240
قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ
أيغتسل به؟ قال: لا (١) .
ش- عبد الرحمن هو ابن مهدي.
وأبو خلدة خالد بن دينار التميمي السّعدي أبو خلدة البصري الخيّاط.
روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، ومحمد بن
سيرين. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، ويزيد بن زريع، وأبو نعيم،
وغيرهم. قال أحمد: شيخ ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
وأبو العالية رُفيع- بضم الراء- بن مهران البصري الرياحي، مولى
أُمية امرأة من بني رياح من يربوع حي في بني تميم، أعتقته سائبة، أدرك
الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي- ﵇ بسنتين. وروى عن:
علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي هريرة، وغيرهم. روى
عنه: قتادة، وعاصم الأحول، وأبو خلدة، وغيرهم. قال ابن معين:
وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " وليس عنده ماء " جملة وقعت حالاً عن " رجل "، أي: ماء
مطلق، والهمزة في قوله: " أيغتسل " للاستفهام.
***
٣٦- باب: الرجل يصلي وهو حاقن
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الصلاة والحال أنه
حاقن، والحاقن: الذي حبس بوله، والحاقن والحقنُ سواء، والحاقن:
الذي حبس غائطه، وفي بعض النسخ: " باب أيصلي الرجل وهو
حاقن؟ " وفي بعضها: " باب الرجل يُصلي وهو حقن ". وكان ينبغي
ذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء، أو بين أبواب ما يكره في الصلاة.
стр. 241
٧٧- ص- حدّثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، قال: نا هشام بن
عروة [عن أبيه] ، عن عبد الله بن أرقم: أنه خرج حاجا أو معتمراً ومعه
الناسُ وهو يؤُمُهم، فلما كان ذات يومٍ أقام الصلاة: صلاة الصُّبْح ثم قال:
ليتقدمْ أحدُكُم وذهب الخلاء، فإني سمعتُ رسول الله يقول: " إذا أراد
أحدُكُمْ أن يذْهب الخلاء وقامت الصّلاةُ فليبدأ بالخلاء " (١) .
قال أبو داود: روى هذا الحديث / وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق،
وأبو ضمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن
أرقم، والأكثر (٢) الذين رووْهُ عن هشامٍ قالوا كما قال زهير.
ش- عبد الله بن أرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة
القرشي الزهري، كتب للنبي- ﵇، ثم لأبي بكر وعمر،
أسلم عام الفتح. روى عن النبي- ﵇ حديثاً واحداً وهو هذا
الحديث. روى عنه ابن الزبير. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (٣) .
ووهيب بن خالد بن عجلان.
وشعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد القرشي
مولاهم الدمشقي، سمع هشام بن عروة، والحسن بن دينار، وأبا حنيفة،
وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن موسى الرازي، وداود
ابن رشيد، والليث بن سعد ٠ قال أبو حاتم: صدوق. وقال
(١) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء وإذا أقيمت الصلاة (١٤٢) ،
النسائي: كتاب الإمامة في الصلاة، باب: الغدو في ترك الجماعة
(١/١١٠) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النهي للحاقن أن
يصلي (٦١٦) .
(٢) في سنن أبي داود: " والأكثرون ".
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤/٣١٦٠) .
стр. 242
النسائي: ثقة. توفي في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله اثنتان
وسبعون سنة. روى له الجماعة إلا الترمذي (١) .
وأبو ضمرة أنس بن عياض بن ضمرة أبو ضمرة المدني، أخو يزيد بن
عياض، سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبا حازم الأعرج، وهشام
ابن عروة، وشريك بن عبد الله. روى عنه: بقية بن الوليد ومات قبله،
وأحمد بن حنبل، وقتيبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن إدريس
الشافعي، وغيرهم. قال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي:
ثقة. ولد سنة أربع ومائة، ومات سنة ثمانين ومائة ٠ روى له الجماعة (٢) .
قوله: " صلاة الصبح " منصوب على أنه بدل من قوله: " الصلاة ".
قوله: " فليبدأ بالخلاء " وذلك لأنه إذا صلى وهو حاقن لا يتفرغ للعبادة،
ويكون قلبه مشغولاً.
وأخرج هذا الحديث الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال
الترمذي: حديث عبد الله بن أرقم حديث حسن صحيح.
٧٨- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل/ (٣) ومحمد بن عيسى
المعنى ومسدد قالوا/: نا يحيى بن سعيد، عن أبى حزرة قال: نا عبد الله بن
محمد قال ابن عيسى: في حديثه ابن أبي بكر- ثم اتفقوا: أخو القاسم بن
محمد قال: كنا عند عائشة- ﵂ فجيء بطعامها، فقام القاسمُ
ابنُ محمد يُصلي فقالت: سمعت رسول الله- ﵇ يقولُ: " لا
يُصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافُعُه الأخْبثان " (٤) .
ش- أبو حزْرة اسمه يعقوب بن مجاهد القاص ويقال: كنيته
стр. 243
أبو يوسف، وأبو حزْرة لقب له، مولى بني مخزوم المدني، روى عن:
عبادة بن الوليد بن عبادة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،
وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله. روى عنه: يحيى بن سعيد
الأنصاري، ويحيى القطان، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. قال
أبو زرعة: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (١) .
وحزرة بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي بعدها الراء.
وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي المدني
التيمي، سمع عائشة أم المؤمنين، وعامر بن سعد بن أبي وقاص. روى
عنه: شريك بن عبد الله، وأبو حزرة، وخالد بن سعد، وغيرهم.
قال مصعب: كان امرءاً صالحاً، وكانت فيه دعابة. وقال أحمد بن
عبد الله: مدني ثقة. روى له مسلم حديثين، وروى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
وابن عيسى هو: محمد بن عيسى الطّباع، وقد ذُكر.
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق أبو محمد، ويقال:
أبو عبد الرحمن التيمي المدني. روى عن: عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة الصديقة،
وغيرهم. روى عنه: نافع، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وأيوب السختياني، وجماعة آخرون كثيرة. مات سنة اثنتي عشرة ومائة،
وكان قد ذهب بصرُهُ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " ابن أبي بكر " صفة لقوله: " محمد ".
وقوله: " قال ابن عيسى " معترض بين الصفة والموصوف.
قوله: " ثم اتفقوا " أي: أحمد ومحمد ومسدّد.
стр. 244
قوله: " أخو القاسم " صفة لقوله: " عبد الله بن محمد "، ولذا رفع
الأخ.
قوله: " لا يُصلّى بحضرة الطعام " أي: لا يصلي الرجل والطعامُ قد
حضر، وذلك لتأخذ النفس حاجتها منه فيفي بحقوق الصلاة، وهذا ما
لم يكن في ضيق من الوقت، ثم هذا اللفظ بعمومه يتناول سائر
الصلوات، ويشمل سائر أنول الأطعمة.
قوله: " ولا وهو يدافُعُه الأخبثان " أي: ولا يصلي والحال أنه يدافعه
الأخبثان، وهما البول والغائط، وذلك لعدم التفرغ إلى العبادة بقلب
فارغ.
وقوله: " وهو " مبتدأ/و " يدافعه الأخبثان ": خبره، والجملة محلها
النصب على الحال، وارتفاع الأخبثين على أنه فاعل " يدافعه "، وإنما
ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعداً؛ لأن كل
واحد من المصلي والأخبثين كأنه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه،
ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج.
٧٩- ص- حدّثنا محمد بن عيسى قال: نا ابن عياش، عن حبيب بن
صالح، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان قال:
قال رسول الله- ﵇: " ثلاثٌ لا يحل لأحد أن يفعلهُن: لا يؤُمُّ
رجلٌ قوماً فيخص نفسهُ بالدعاء دونهُم، فإنْ فعل فقد خًانهُم، ولا ينظُرُ في
قعر بيت قبل أن يسْتأذن، فإنْ فًعل فقد دخل، ولا يُصفي وهو حاقنٌ (١)
حتى يتخًفف " (٢) .
стр. 245
ش- ابن عياش: هو إسماعيل بن عياش، وقد ذكر.
وحبيب بن صالح الطائي أبو موسى الشامي، سمع عليّ بن أبي طلحة،
ويزيد بن شريح الحضرمي، وراشد بن سعد، وغيرهم. روى عنه:
بقية بن الوليد، وإسماعيل بن عياش، وصفوان بن عمرو، وغيرهم.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١) .
ويزيد بن شريح الحضرمي الحمصي، سمع أبا حي (٢) المؤذن. روى
عن: أبي أمامة الباهلي، وثوبان مولى النبي- ﵇ وسمع
كعب الأحبار، وعائشة الصديقة. روى عنه: حبيب بن صالح،
ومحمد بن الوليد، وثور بن يزيد، وغيرهم. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (٣) .
وأبو حي اسمه: شداد بن حي، أبو حي المؤذن الحمصي. روى عن
ثوبان. روى عنه: راشد بن سعد، ويزيد بن شريح. حديثه في أهل
الشام. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٤) .
وثوبان بن بُجدد ويقال ابن جُحدر القرشي الهاشمي، يكنى أبا عبد الله
مولى رسول الله، روي له عن رسول الله مائة حديث وسبعة وعشرون
حديثاً، انفرد به مسلم، فروى له عشرة أحاديث. روى عنه: معدان بن
أبي طلحة، وجُبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو حي المؤذن،
وغيرهم. توطن بحمص ومات بها سنة خمس وأربعين. روى له الجماعة
إلا البخاري (٥) .
وبُجْدُد بضم الباء الموحدة، وسكون الجيم، وضم الدال الأولى.
стр. 246
قوله: " ثلاث " أي: ثلاث خصال، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقد
ذكرنا وجه وقوعه مبتدأ.
وقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن " خبره.
قوله: " لا يؤم رجلٌ قوماً " إحدى الخصال الثلاث.
وقوله: " فيخص " بالرفع عطف على قوله: " لا يؤم "، والمعنى: لا
ينبغي أن توجد من إمامة قوم وتخصيص نفسه بالدعاء دونهم، والمعنى لا
يحل اجتماعهما؛ لأن في ذلك توهم حصر الخير لنفسه وحجره عن غيره.
قوله: " فإن فعل " أي: فإن خص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم؛
لأنه ضيع حقهم في الدعاء. والفاء في قوله: " فإن فعل " فاء التفسير،
والتي في قوله: " فقد خانهم " فاء الرابطة للجواب ٠
قوله: " ولا ينظر في قعر بيت " الخصلة الثانية، وهو برفع الراء عطف
على قوله: " ولا يؤم ". والمراد من قعر البيت: أرضه، كما في قوله
﵇: " والشمس لم تخرج من قعر حجرتها " أي: من
أرض الحجرة، وقعر كل شيء عمقه، ومنه قعر البئر، وقعر الإناء.
قوله: " فإن فعل فقد دخل " أي: فإن نظر في قعر بيت قبل الاستئذان
فقد دخل، أي: فقد صار داخلاً فيه بلا إذن، والدخول في بيت أحد بلا
إذن صاحبه حرام.
قوله: " ولا يُصفي " الخصلة الثالثة.
قوله: " وهو حاقن " جملة حالية في الضمير الذي في " لا يُصلي "،
وكلمة حتى لانتهاء الغاية، والمعنى: ترك الصلاة مغياه بالتخفيف،
والتخفيف كناية عن قضاء الحاجة.
ثم في هذا الحديث ثلاث منهيات، الأول: نهي تنزيه، والثاني: نهي
تحريم، والثالث: نهي شفقة، حتى لو صلى وهو حاقن صحت صلاته،
فإن قيل: كيف يجوز أن يفرق بين أشياء يجمعها نظم واحد؟ قلت: قد
جاء مثل ذلك كثيراً عند قيام دليل لبعضها بصفة مخصوصة، كما روي:
стр. 247
" أنه كره من الشاة سبعاً: الدم، والمرارة، والحياء، والغُدة، والذكر،
والأنثيين، والمثانة " والدم حرام بالإجماع،/وبقية المذكورات معه
مكروهة غير محرمة.
فإن قيل: وكيف يكون ذلك هاهنا، وقد نص- ﵇ بقوله:
" لا يحل لأحد أن يفعلهن "؟ قلت: هذا خارج مخرج البالغة في المنع،
وأمثال هذا كثيرة في النصوص. وحديث ثوبان أخرجه الترمذي وابن ماجه،
وحديث ابن ماجه مختصر. وقال الترمذي: حديث ثوبان حديث حسن،
وذكر حديث يزيد بن شريح عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح عن
أبي هريرة في ذلك قال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن،
عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهرُ، والله أعلم.
٨٠- ص- حدثنا محمود بن خالد بن أبي خالد السُلمي قال: حدثنا
أحمد بن علي قال: نا ثور، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حب
المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ قال: [" لا يحلُّ لرجل
يُؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يُصلي وهو حقنٌ حتى يتخفف " ثم ساق نحوه
على هذا اللفظ قال: " و] (١) لا يحل لرجلٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يؤُم
قوماً إلا بإذنهم، ولا يختص نفسهُ بدعوة دونهم، فإنْ فعل فقد خانهُمْ " (٢) .
ش- محمود بن خالد بن أبي خالدً يزيد أبو علي السّلمي الدمشقي،
سمع أباه، وعبد الله بن كثير القارئ، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني،
ويحيى بن معين، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن
ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة آخرون. وقال أبو حاتم:
ثقة، وكذا قال النسائي. ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة تسع
وأربعين ومائتين. والسُلمي نسبة إلى سُلمية الشام (٣) .
стр. 248
وأحمد بن علي روى عن ثور بن يزيد. روى عنه محمود بن خالد.
روى له أبو داود (١) .
وثور هو ابن يزيد بن زياد الكلاعي، قد مر ذكره.
قوله: " يؤمن بالله واليوم الآخر " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة
للرجل، والمعنى: لا يحل لرجل التزم شرائع الإسلام؛ لأن كل من آمن
بالله وباليوم الآخر فقد التزم شرائع الإسلام.
قوله: " أن يؤمّ قوماً " في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: " لا يحل "،
والتقدير: " (٢) لا يحل إمامة رجل قوماً إلا بإذنهم، والمعنى: إذا لم
يكن بأقرئهم ولا بأفقههم لم يجزْ له الاستبداد عليهم بالإمامة، فأما إذا
كان جامعاً لأوصاف الإمامة، فهو أحقهم أذنوا له أو لم يأذنوا، وقد
قيل: إن النهي عن الإمامة إلا بالاستئذان إذا كان في بيت غيره، فأما في
سائر البقاع فلا حاجة به إلى الاستئذان إذا وجدت فيه أوصاف الإمامة ".
وعن هذا قال أصحابنا: إذا كره أهل حارة إمامهم لهم أن يستبدلوه
بغيره.
قوله: " ولا يختص نفسه بدعوة " يقال خصه بشيء واختصه به،
والدعوة بفتح الدال الدّعاء إلى الله تعالى، والدعاء إلى الطعام وغيره،
وبكسر الدال في النسب وبضمها في دار الحرب.
قوله: " فإن فعل " يشمل الفعلين جميعاً، والمعنى: فإن أمهم بلا
إذنهم، واختص نفسه بدعوة دونهم، فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم،
وكل من ضيع حقوق الناس فهو خائن، والخيانة من أوصاف النفاق، فلا
يفعلها من يؤمن بالله واليوم الآخر.
стр. 249
٣٧- باب: ما يجزئ من الماء في الوضوء
أي: هذا باب في بيان ما يكفي من الماء في الوضوء.
٨١- ص- حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن
صفية بنت شيبة، عن عائشة- ﵂: " أن النبي- ﵇
كان يغْتسلُ بالصّاع ويتوضأ بالمُدّ ". قال أبو داود (١) : رواه أبان، عن قتادة
قال: سمعت صفية.
ش- محمد بن كثير البصري، وهمام بن يحيى بن دينار، وقتادة بن
دعامة ذكروا.
وصفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة:
] عبد الله بن] عبد العزى بن عبد الدار بن قصي القرشية. روى عنها
ابنها منصور بن عبد الرحمن، والحسن بن مسلم، ومصعب بن شيبة.
روي لها عن رسول الله خمسةُ أحاديث اتفقا على روايتها عن عائشة.
روى لها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
قوله: " بالصاع " فيه لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صاع وصوع،
بفتح الصاد والواو، وصُواع ثلاث لغات، والجمع " أصْوع "، وإن
شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة ٠ قال ابن الأثير (٣) : " الصاع:
مكيال يسع أربعة أمداد، والمُدُّ مختلف فيه، فقيل هو: رطل وثلث
بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز. وقيل: هو رطلان، وبه
стр. 250
يقول أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية
أرطال ".
قلت: الصاع عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية، وبه
قال مالك والشافعي/وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: الصاع ثمانية
أرطال. حجة أبي يوسف: ما رواه الطحاوي عنه قال: " قدمت المدينة
فاخرج إليّ من أثق به صاعاً وقال: هذا صاع النبي- ﵇
فوجدته خمسة أرطال وثلثا. قال الطحاوي: وسمعتُ ابن عمران يقول:
الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك. وقال عثمان بن سعيد الدارمي:
سمعت عليّ بن المديني يقول: عيّرتُ صاع النبي- ﵇
فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وأخرج الدارقطني في " سننه " (١)
عن عمران بن موسى الطائي: حدثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني، ثنا
إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله،
كم وزن صاع النبي- ﵇؟ قال: خمسة أرطال وثلث
بالعراقي، أنا حزْرتُه. قلت: يا أبا عبد الله، خالفت شيخ القوم.
قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة، يقول: ثمانية أرطال. فغضب غصباً
شديداً وقال: قاتله الله، ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا
فلان، هات صاع جدك، ويا فلان، هات صاع عمك، ويا فلان،
هات صاع جدتك، فجمعت آصُع، فقال مالك: ما تحفظون في هذه؟
فقال أحدهم: حدثني أبي، عن أبيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى
رسول الله. وقال الآخر: حدثني أبي، عن أخيه: أنه كان يؤدي بهذا
الصاع إلى رسول الله. قال مالك: أنا حزرْتُ هذه فوجدتها خمسة
أرطال وثلثا. وقال صاحب " التنقيح ": إسناده مظلم، وبعض رجاله
غير مشهورين. واحتج أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه ابن عدي في
" الكامل " (٢) عن عمر بن موسى أبي وجيه الوجيهي، عن عمرو. بن