← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قوله: " ثلاث " أي: ثلاث خصال، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقد ذكرنا وجه وقوعه مبتدأ. وقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن " خبره. قوله: " لا يؤم رجلٌ قوماً " إحدى الخصال الثلاث. وقوله: " فيخص " بالرفع عطف على قوله: " لا يؤم "، والمعنى: لا ينبغي أن توجد من إمامة قوم وتخصيص نفسه بالدعاء دونهم، والمعنى لا يحل اجتماعهما؛ لأن في ذلك توهم حصر الخير لنفسه وحجره عن غيره. قوله: " فإن فعل " أي: فإن خص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم في الدعاء. والفاء في قوله: " فإن فعل " فاء التفسير، والتي في قوله: " فقد خانهم " فاء الرابطة للجواب ٠ قوله: " ولا ينظر في قعر بيت " الخصلة الثانية، وهو برفع الراء عطف على قوله: " ولا يؤم ". والمراد من قعر البيت: أرضه، كما في قوله ﵇: " والشمس لم تخرج من قعر حجرتها " أي: من أرض الحجرة، وقعر كل شيء عمقه، ومنه قعر البئر، وقعر الإناء. قوله: " فإن فعل فقد دخل " أي: فإن نظر في قعر بيت قبل الاستئذان فقد دخل، أي: فقد صار داخلاً فيه بلا إذن، والدخول في بيت أحد بلا إذن صاحبه حرام. قوله: " ولا يُصفي " الخصلة الثالثة. قوله: " وهو حاقن " جملة حالية في الضمير الذي في " لا يُصلي "، وكلمة حتى لانتهاء الغاية، والمعنى: ترك الصلاة مغياه بالتخفيف، والتخفيف كناية عن قضاء الحاجة. ثم في هذا الحديث ثلاث منهيات، الأول: نهي تنزيه، والثاني: نهي تحريم، والثالث: نهي شفقة، حتى لو صلى وهو حاقن صحت صلاته، فإن قيل: كيف يجوز أن يفرق بين أشياء يجمعها نظم واحد؟ قلت: قد جاء مثل ذلك كثيراً عند قيام دليل لبعضها بصفة مخصوصة، كما روي:

стр. 247

" أنه كره من الشاة سبعاً: الدم، والمرارة، والحياء، والغُدة، والذكر، والأنثيين، والمثانة " والدم حرام بالإجماع،/وبقية المذكورات معه مكروهة غير محرمة. فإن قيل: وكيف يكون ذلك هاهنا، وقد نص- ﵇ بقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن "؟ قلت: هذا خارج مخرج البالغة في المنع، وأمثال هذا كثيرة في النصوص. وحديث ثوبان أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحديث ابن ماجه مختصر. وقال الترمذي: حديث ثوبان حديث حسن، وذكر حديث يزيد بن شريح عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح عن أبي هريرة في ذلك قال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهرُ، والله أعلم. ٨٠- ص- حدثنا محمود بن خالد بن أبي خالد السُلمي قال: حدثنا أحمد بن علي قال: نا ثور، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حب المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ قال: [" لا يحلُّ لرجل يُؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يُصلي وهو حقنٌ حتى يتخفف " ثم ساق نحوه على هذا اللفظ قال: " و] (١) لا يحل لرجلٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يؤُم قوماً إلا بإذنهم، ولا يختص نفسهُ بدعوة دونهم، فإنْ فعل فقد خانهُمْ " (٢) . ش- محمود بن خالد بن أبي خالدً يزيد أبو علي السّلمي الدمشقي، سمع أباه، وعبد الله بن كثير القارئ، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني، ويحيى بن معين، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة آخرون. وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال النسائي. ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين. والسُلمي نسبة إلى سُلمية الشام (٣) .

стр. 248

وأحمد بن علي روى عن ثور بن يزيد. روى عنه محمود بن خالد. روى له أبو داود (١) . وثور هو ابن يزيد بن زياد الكلاعي، قد مر ذكره. قوله: " يؤمن بالله واليوم الآخر " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة للرجل، والمعنى: لا يحل لرجل التزم شرائع الإسلام؛ لأن كل من آمن بالله وباليوم الآخر فقد التزم شرائع الإسلام. قوله: " أن يؤمّ قوماً " في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: " لا يحل "، والتقدير: " (٢) لا يحل إمامة رجل قوماً إلا بإذنهم، والمعنى: إذا لم يكن بأقرئهم ولا بأفقههم لم يجزْ له الاستبداد عليهم بالإمامة، فأما إذا كان جامعاً لأوصاف الإمامة، فهو أحقهم أذنوا له أو لم يأذنوا، وقد قيل: إن النهي عن الإمامة إلا بالاستئذان إذا كان في بيت غيره، فأما في سائر البقاع فلا حاجة به إلى الاستئذان إذا وجدت فيه أوصاف الإمامة ". وعن هذا قال أصحابنا: إذا كره أهل حارة إمامهم لهم أن يستبدلوه بغيره. قوله: " ولا يختص نفسه بدعوة " يقال خصه بشيء واختصه به، والدعوة بفتح الدال الدّعاء إلى الله تعالى، والدعاء إلى الطعام وغيره، وبكسر الدال في النسب وبضمها في دار الحرب. قوله: " فإن فعل " يشمل الفعلين جميعاً، والمعنى: فإن أمهم بلا إذنهم، واختص نفسه بدعوة دونهم، فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم، وكل من ضيع حقوق الناس فهو خائن، والخيانة من أوصاف النفاق، فلا يفعلها من يؤمن بالله واليوم الآخر.

стр. 249

٣٧- باب: ما يجزئ من الماء في الوضوء أي: هذا باب في بيان ما يكفي من الماء في الوضوء. ٨١- ص- حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة- ﵂: " أن النبي- ﵇ كان يغْتسلُ بالصّاع ويتوضأ بالمُدّ ". قال أبو داود (١) : رواه أبان، عن قتادة قال: سمعت صفية. ش- محمد بن كثير البصري، وهمام بن يحيى بن دينار، وقتادة بن دعامة ذكروا. وصفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة: ] عبد الله بن] عبد العزى بن عبد الدار بن قصي القرشية. روى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن، والحسن بن مسلم، ومصعب بن شيبة. روي لها عن رسول الله خمسةُ أحاديث اتفقا على روايتها عن عائشة. روى لها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢) . قوله: " بالصاع " فيه لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صاع وصوع، بفتح الصاد والواو، وصُواع ثلاث لغات، والجمع " أصْوع "، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة ٠ قال ابن الأثير (٣) : " الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمُدُّ مختلف فيه، فقيل هو: رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز. وقيل: هو رطلان، وبه

стр. 250

يقول أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية أرطال ". قلت: الصاع عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية، وبه قال مالك والشافعي/وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: الصاع ثمانية أرطال. حجة أبي يوسف: ما رواه الطحاوي عنه قال: " قدمت المدينة فاخرج إليّ من أثق به صاعاً وقال: هذا صاع النبي- ﵇ فوجدته خمسة أرطال وثلثا. قال الطحاوي: وسمعتُ ابن عمران يقول: الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت عليّ بن المديني يقول: عيّرتُ صاع النبي- ﵇ فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وأخرج الدارقطني في " سننه " (١) عن عمران بن موسى الطائي: حدثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، كم وزن صاع النبي- ﵇؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أنا حزْرتُه. قلت: يا أبا عبد الله، خالفت شيخ القوم. قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة، يقول: ثمانية أرطال. فغضب غصباً شديداً وقال: قاتله الله، ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا فلان، هات صاع جدك، ويا فلان، هات صاع عمك، ويا فلان، هات صاع جدتك، فجمعت آصُع، فقال مالك: ما تحفظون في هذه؟ فقال أحدهم: حدثني أبي، عن أبيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله. وقال الآخر: حدثني أبي، عن أخيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله. قال مالك: أنا حزرْتُ هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا. وقال صاحب " التنقيح ": إسناده مظلم، وبعض رجاله غير مشهورين. واحتج أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٢) عن عمر بن موسى أبي وجيه الوجيهي، عن عمرو. بن

стр. 251

دينار، عن جابر قال: " كان النبي- ﵇ يتوضأ بالمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال "، وعمر بن موسى ضعيف. وبما أخرجه الدارقطني عن جعفر بن عون، ثنا ابن أبي ليلى، ذكره عن عبد الكريم، عن أنس قال: " كان رسول الله- ﵇ يتوضأ بمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " (١) . وأخرجه الدارقطني من طريقين آخرين: من طريق موسى بن نصر الحنفي (٢) ، ومن [طريق] صالح بن موسى (٣) ، وكلاهما ضعيفان. والبيهقي ضعف أسانيد الثلاثة (٤) . وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٥) في كتاب الزكاة: حدثنا يحيى بن آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال. وقال شريك: أكثر من سبعة أرطال وأقل من ثمانية. وأخرج الطحاوي في " كتابه " عن إبراهيم النخعي قال: عيّرنا صاعاً، فوجدناه حجّاجيا، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي. قال: وصنع الحجاج هذه على صاع عمر. وأما الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله ابن جبر، عن أنس بن مالك قال: " كان النبيُّ- ﵇ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " (٦) فليس فيه الوزن. وأخرجه مسلم من حديث سفينة بنحوه (٧) ، وأخرج النسائي وابن ماجه مثل رواية أبي داود، وأخرجه الدارقطني من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة وقال: " بنحو المدّ وبنحو الصاع " (٨) ، وأخرجه البيهقي من رواية عفان، عن أبان، عن قتادة: حدثتني صفية فذكره (٩) . وقال النووي: حديث عائشة حديث حسن.

стр. 252

قوله: " قال أبو داود: رواه أبان، عن قتادة قال: سمعت صفية " مقصوده: أن قتادة مُدلس، وقد اتفقوا على أن المدلس إذا قال: " عن " لا يحتج به إلا أن يثبت من طريق آخر أنه سمع ذلك الحديث من ذلك الشخص، وقد قال قتادة في الطريق الأول: عن صفية، فبين أبو داود أنه سمعه من صفية، فصرح بلفظ السماع. ٨٢- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا هشيم قال: نا يزيد ابن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: " كان النبيُّ- عليه السلام- يغْتسلُ بالصّاع، ويتوضأ بالمُدّ " (١) . ش- هشيم بن بشير قد ذكر، ويزيد بن أبي زياد، ويقال: يزيد بن زياد القرشي الدمشقي. روى عن: الزهري، وسليمان بن حبيب، وسليمان بن داود الخولاني. روى عنه: محمد بن ربيعة، ووكيع، وأبو نعيم، ويحيى بن صالح. قال ابن نُمير: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، كأن أحاديثه موضوعة. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الترمذي: ضعيف في الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (٢) . وسالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي، سمع أباه، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. وروى عن: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص. روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، وعمرو بن دينار، وقتادة، والأعمش، وغيرهم. قال يحيى: ثقة. وقال أبو زرعة: كوفي ثقة. مات سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة (٣) . وجابر بن عبد الله الأنصاري قد ذكر، والحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " بهذه الطريق (٤) ،

стр. 253

وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (١) بهذا اللفظ من طريق محمد بن فضيل، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر به. قال النووي: حديث جابر ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف. وقال المنذري: لا يحتج به. قلت: قد تابعه عليه حصين كما رواه الحاكم في " المستدرك "، فيكون حديثه حسناً بالمتابعة، على أن يزيد لم يُنسب للكذب، ولا للفسق، ولا فحُش خطؤه عن سالم بن أبي الجعد، وهو مدلس كما قال الذهبي، وقد عنعن. قلت: لعل أبا داود اطلع على تصريحه بسماعه من جابر كما بين في السابق تصريح قتادة بالسماع له من صفية. ٨٣- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة، عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم، عن جدته وهي أم عمارة: " أن النبي- ﵇ توضأ فأتي بإناء فيه ماءٌ قدْر ثُلُثي المدّ " (٢) . ش- محمد بن جعفر هذا هو الهذليً مولاهم البصري المعروف بغُندر، يكنى أبا عبد الله، سمع ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، والثوري، وابن عيينة،/وشعبة، وغيرهم، وكان شعبة زوج أمه. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن بشار، وابن المثنى، وابن الوليد، ومسدد، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وغيرهم. توفي سنة أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة. وإنما سُمي غندراً لأنه كان يكثر الشّغْب على ابن جريج فقال له: اسكت يا غندر (٣) . وأهل الحجاز يُسمون المشغب غُندر، والشغْب- بسكون الغين المعجمة- تهييج الشر.

стр. 254

وحبيب الأنصاري هو ابن زيد الأنصاري المدني. روى عن عباد بن تميم، وليلى. روى عنه شعبة، وشريك النخعي. وقال أبو حاتم: هو صالح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . وعباد بن تميم بن زيد بن عاصم بن غزيّة- بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن عمرو بن عطية الأنصاري المازني المدني. روى عن عمه عبد الله بن زيد، وأبي بشير الأنصاري ٠ روى عنه: الزهري، وحبيب بن زيد، ومحمود بن لبيد. قال عباد: أنا يوم الخندق ابن خمس ستين، فأذكر أشياء وأعيها، وكنا مع النساء في الآطام (٢) . روى له الجماعة (٣) . وأم عمارة هي نسيبةُ بنت كعب بن عمرو بن عوف بن [عمرو بن [ مبذول بن عمرو بن غنم النجارية، وهي أم عبد الله وحبيب ابني زيد، شهدت العقبة مع السبعين، وشهدت أحداً، وأبلت يومئذ بلاءً حسناً هي وابنها عبد الله وزوجها، وجُرحت يومئذ أحد عشر جُرحاً، وشهدت بيعة الرضوان، وشهدت اليمامة، وجُرحت أيضاً احد عشر جرحاً، وقطعت يدها يومئذ. روى عنها عباد بن تميم، وهي جدته. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) . ونسيبة بفتح النون، وكسر السين المهملة، هذا هو الأشهر، ويقال: اسمُها لُسينة باللام المضمومة والنون. قوله: " توضأ فأتي بإناء " معناه: أراد الوضوء فأتي بالماء من قبيل قوله تعالى: (فإذا قرأت القُران فاسْتعذْ) (٥) أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن.

стр. 255

قوله: " فيه ماء " جملة في محل الجر على أنها وقعت صفة " للإناء ". قوله: " قدر " منصوب على الحال، والتقدير: حال كونه مقدراً بهذا المقدار، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض، والتقدير بمقدار ثلثي المد، ويجوز الرفع على أن يكون صفة للماء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو: قدر ثلثي المد. وأخرج هذا الحديث النسائي، وفيه قال شعبة: " فأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكها، ومسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما ". ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " (١) عن أبي كريب محمد بن العلاء، وابن حبان في " صحيحه " (٢) من طريق أبي كريب، والحاكم في " مستدركه " (٣) من طريق إبراهيم بن موسى الرازي كلاهما عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب ابن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد: " أن النبي- عليه السلام- أُتي بثلثي مد من ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال النووي: حديث أم عمارة حديث حسن. ٨٤- ص- حدّثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن عبد الله بن جبْر، عن أنس قال: " كان النبيُّ- ﵇ يتوضأ بإناء يسعُ رطلين، ويغتسلُ بالصاع " (٤) . قال أبو داود: رواه يحيى بن آدم، عن شريك، قال: عن ابن جبْر بن عتيك. ورواه شعبة فقال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنساً إلا أنه قال: " يتوضأ بمكُوك " ولم يذكر " رطلين ". ورواه سفيان، عن عبد الله ابن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله.

стр. 256

ش- محمد بن الصباح الدولابي البغدادي البزاز- بالزاي المكررة- صاحب السنن أبو جعفر مولى مزينة، سمع شريك بن عبد الله النخعي، وزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، ْوأبو زرعة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. روى له: ابن ماجه، والترمذي عن البخاري عنه، وروى له النسائي أيضاً. قال ابن معين: ثقة مأمون. مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين (١) . وشريك هو ابن عبد الله النّخعي. وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، سمع جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وعطية، وسعيد بن جبير، والزهري، وعبد الله بن عبد الله بن جبر، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، وشريك بن عبد الله، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) . وعبد الله بن عبد الله بن جبر- بفتح الجيم وإسكان الباء الموحدة- ابن عتيك، وقيل: ابن جابر. سمع ابن عمر، وأنس بن مالك، وعتيك ابن الحارث. روى عنه: مالك، ومسْعر، وشعبة، وعبد الله بن عيسى. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٣) . ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي أبو زكرياء الأموي، مولى خالد بن خالد بن عمارة. سمع مالك بن أنس، ومالك بن مغول،/ومسعر بن كدام، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وابن معين، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثلاث ومائتين بفم الصلح. روى له الجماعة (٤) .

стр. 257

وسفيان هو الثوري. قوله: " مكُوك " المكُّوك: إناء يسعُ الماء، معروف عندهم. وقال ابن الأثير (١) : " المكُّوكُ: المُدُّ، وقيل: الصاع، والأول أشبه؛ لأنه جاء في الحديث مفسراً بالمد. وقال أيضاً: المكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي، على إبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضاً على مكاكيك ". وأخرجه النسائي ولفظه: " كان رسولُ الله ﷺ يغتسلُ بمكُّوك، ويغتسلُ بخمس مكاكي ". وأخرجه مسلم ولفظه: " كان رسولُ الله ﵇ يغتسلُ بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكُوكٍ ". وفي رواية (٢) : " مكاكيّ " والياء في مكاكي مشددة. وقال النووي: حديث أنس إسناده صحيح، إلا أن فيه شريك بن عبد الله النخعي القاضي، وقد ضعّفه الأكثرون. وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان روياه أيضاً، فلعله اعتضد عنده، فصار حسناً، فسكت عليه. [قال ابن الأعرابي] (٣) : قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاعُ خمسة أرطال. قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي- ﵇. ش- قوله: " قال ابن الأعرابي: ... " إلى آخره: ليس بموجود في غالب النسخ. وابن الأعرابي: اسمه أحمد بن محمد بن سعيد بن زياد بن بشر بن الأعرابي أبو سعيد، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، والحسين بن علي بن عفان، والترمذي. وحدث بالسنن عن أبي داود، وحدث عنه جماعة منهم الخطابي. توفي بمكة يوم الأحد لتسع وعشرين خلت من ذي القعدة، سنة أربعين وثلثمائة.

стр. 258

وابن أبي ذئب اسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة (١) القرشي العامري المدني، سمع نافعاً، والزهري، وعكرمة، وغيرهم ٠ روى عنه: الثوري، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صدوق. مات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (٢) . *** ٣٨- باب: في إسباغ الوضوء (٣) أي: هذا باب في بيان إسباغ الوضوء. و " إسباغ الوضوء " إتمامه من قولهم شيءٌ سابغ، أي: كامل وافٍ، وسبغت النعمة تسبغ- بالضم- سُبُوغاً اتسبغت، وأسبغ الله عليه النعمة: أتمها. ٨٥- ص- حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ- عليه السلام- رأى قوْماً وأعقابهم تلُوحُ فقال: " ويْل للأعْقاب من النار، أسْبغُوا الوُضُوء " (٤) . ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر. وهلال بن يساف بفتح الياء آخر الحروف، ويقال: إساف- بالهمزة- أبو الحسن الأشجعي مولاهم الكوفي، أدرك عليّ بن أبي طالب. وروى عن ابنه الحسن، وسمع أبا مسعود الأنصاري، وأبا عبد الرحمن السلمي، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن [أبي] خالد، ومنصور

стр. 259

ابن المعتمر، وعمرو بن مرة، وأبو مالك الأشجعي، وغيرهم. قال احمد بن عبد الله: كوفي ثقة. روى له الجماعة (١) . وأبو يحيى اسمه: مصدع- بكسر الميم- الأعرج المُعرْقبُ- بفتح القاف- الأنصاري، مولى معاذ بن عفراء، ويقال: اسمه زياد. روى عن: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة. روى عنه: شمر بن عطية، وهلال بن يساف، وسعيد بن أبي الحسن، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) . وعبد الله بن عمرو بن العاص قد ذكر. قوله: " وأعقابهم تلُوح " جملة اسمية وقعت حالاً، والأعقاب جمع " عقب " - بفتح العين وكسر القاف وسكونها- وهي مؤخر القدم، وهي مؤنثة. وقوله: " تلُوح " من لاح الشيء يلوح لوْحاً إذا لمع. قوله: " ويل للأعقاب من النار " الويل في الأصل مصدر لا فعل له، وإنما ساغ الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه دعاء، والدعاء يدل على الفعل، والفعل مخصص له؛ لأن المعنى في قولهم: " ويلٌ لزيد " أدعو عليه بالتحسر أو بالهلاك، ومنه قوله تعالى: (ويْلٌ للمُطفّفين) (٣) وأمثاله كثيرة في القرآن، ويقال: أصله: وي لفلان أي: الحزن، فقُرن بلام الإضافة تخفيفاً. والويل: الهلاك، وقيل: أشد العذاب، وقيل: النداء بالخسار، وفيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن ترك البعض منها غير مُجزئ، وإنما نص في الأعقاب لأنه ورد على سبب؛ لأنه- ﵇ رأى قوماً وأعقابهم تلوح، فتكون الألف واللام في الأعقاب للعهد، والمراد: الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء. ويحتمل أن لا تخص بتلك الأعقاب/التي رآها، وتكون الأعقاب التي صفتها هذه، ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق كما لا (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠/٦٦٣٤) . (٢) المصدر السابق (٢٨/٥٩٧٨) . (٣) سورة المطففين: (١) .

стр. 260

يخفى على الفطن الذكي، وإنما خص العقب بالعذاب؛ لأنه العضو الذي لم يغسل، وقيل: أراد صاحب العقب فحذف المضاف، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يستقْصُون غسل أرجلهم في الوضوء. قوله: " أسبغوا الوضوء " أي: أكملوه وأتموه كما مر أن الإسباغ الإتمام وإنما ترك العاطف؛ لأن هذه الجملة وقعت كالبيان للجملة الأولى، فلا يحتاج إلى العاطف. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بنحوه (١) . ** ٣٩- باب: الإسراف في الوضوء (٢) أي: هذا باب في بيان الإسراف في ماء الوضوء. و " الإسراف ": التبذير. وفي بعض النسخ: " باب الإسراف في الماء "، وكلاهما قريب. ٨٦- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: " اللهمّ إني اً سْألُك القصْر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها. قال: يا بُنيّ (٣) سل الله الجنة، وتعوذ به من النّار، فإنّي سمعتُ رسول الله يقول: " إنه سيكونُ في هذه الأمّة قوم يعْتدُون في الطُّهُور والدُعاء " (٤) . ش- سعيد الجُريري- بضم الجيم- نسبة إلى جُرير- بالضم- هو

стр. 261

ابن إياس أبو مسعود الجُريري البصري، وجُرير هو ابن عُباد- بضم العين وتخفيف الباء- اخو الحارث بن عباد بن ضُبيْعة، ويقال: جُرير بن عبادة ابن ثعلبة. روى عن: أبي الطفيل، وأبي نضرة، وأبي عثمان النهدي، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، والحمادان، وابن علية، وابن المبارك، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح، وهو حسن الحديث. توفي سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (١) . وأبو نعامة- بفتح النون- اسمه قيس بن عباية البصري الحنفي. روى عن: أنس بن مالك، وابن عبد الله بن مغفل (٢) . روى عنه: الجُريري، وزياد بن مخراق، وعثمان بن غياث، وأيوب السختياني، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) . وابن عبد الله بن مغفل هو سعيد وقيل زياد، ولم يُبين هاهنا. وذكر المزي يحتمل أن يكون الداعي بهذا الدعاء يزيد، ويحتمل أن يكون غيره، فقد ذُكر عن الحسن البصري أنه كان لعبد الله بن مغفل سبعة أولاد أسمى بعضهم كلهم زياداً أو سعيداً. قوله: " اللهم " معناه: يا الله، وقد ذكرناه. قوله: " عن يمين الجنة " كلمة " عن " هاهنا ليست على حقيقته، وهو إما بمعنى " على " نحو (فإنما يبْخلُ عن نفسه) (٤) أي: على نفسه. والمعنى: القصر الأبيض الذي على يمين الجنة، وإما بمعنى " في " كما في قول الشاعر: ولا تك عن حمل الرباعة وانياً

стр. 262

قوله: " يا بني " تصغير الشفقة كما في قوله تعالى: (وإذْ قال لُقْمانُ لابْنه وهُو يعظُهُ يا بُنيّ) (١) ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وأصل ابن بنوً، فلما جيء بالهمزة في أوله حذفت الواو، وإنما صُغر على هذه الصيغة لأن الهمزة غير معتد بها، فيبقى الاسم بعد التصغير على بنيو، واجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وصار " بُني "، فإن قيل: لم وجب حذف الهمزة؟ قلت: لأنها إما أن تثبت وصلاً أو تحذف، فإن حذفت أُقبل بياء فُعيل، فإن بقيت رجعت همزة الوصل قطعية، فإن قيل: من أين قلت: إن أصل ابن بنو؟ قلت: لأنك تقول في مؤنثه بنت كما تقول في مؤنث الأخ أخت، ولم نر هذه التاء تلحق مؤنثاً إلا ومذكره محذوف الواو، يدل على ذلك أخوات، فافهم. قوله: " سل اله " أصله " اسأل " فخفف بحذف الهمزة في الموضعين، وحركت السن لتعذر الابتداء بالساكن، يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء سؤالاً ومسألة، وهو يتعدى إلى مفعولين؛ لأن الفعل لا يخ (٢) إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين أو ثلاثة كما عرف في موضعه. والجنة في اللغة: البستان، سميت داراً لبقائها إما لاشتمالها على الجنان وهي البساتين، أو لاستتارها عن أعين الناس. قوله: " وتعوذ به " أي: بالله، من قولك: عُذت بفلان، واستعذت به أي: لجأت إليه. قوله: " فإني " الفاء فيه للتعليل. قوله: " يقول " جملة حالية من الرسول. قوله: " إنه " أي: إن الشأن. قوله: " في هذه الأمة " الأمة في الأصل: الجماعة. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس/في الحيوان أمة.

стр. 263

وفي الحديث: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها " (١) . والأمة: الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له. أي: لا دين له. والأمة: الحين. قال تعالى: (وادّّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (٢) والإمة بالكسر: النعمة، والإمة أيضاً لغة في الأمة، وهي الطريقة. قوله: " قوم " القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه. وقال تعالى: (لا يسْخرْ قوْم مّن قوْم) ، (ولا نساءٌ من نساء) (٣) ، وربما دخل النساء فيه على سبيل الجمع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، وجمع القوم " أقوام "، وجمع الجمع " أقاويم "، والقوم يذكر ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم. قال الله تعالى: (وكذب به قوْمُك) (٤) ، وقال: (كذبتْ قوْمُ نُوج) (٥) . قوله: " يعتدون " من الاعتداء، وهو التجاوز عن الحد. وقال ابن الأثير (٦) : " ومعنى يعتدون في الدعاء: هو الخروج فيه عن الوضع الشرعي والسُّنّة المأثورة ". وأما الاعتداء في الطهور أن يسرف في الماء، بأن يكثر صبه أو يزيد في الأعداد، والطهور يحتمل فيه وجهان: ضم الطاء بمعنى الفعل، ويكون المعنى: يعتدون في نفس الطهور بأن يزيدوا في أعداده، وذلك إما من الإسراف وهو حرام، وإما من الوسوسة وهي من الشيطان. وفتحها

стр. 264

بمعنى المطهر ويكون المعنى: يعتدون في الماء، بأن يكثروا صبه وسكبه. وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء. وأخرجه الحاكم في " مستدركه " عن أبي بكر بن إسحاق، عن محمد بن أيوب، عن موسى بن إسماعيل، وأشار إلى صحته. وأخرجه البيهقي في " سننه " عنه، وابن حبان في " صحيحه "، وصحّحه النووي في " شرحه ". فإن قلت: الجُريري مشهور بالاختلاط، اختلط أيام الطاعون، وذلك عام اثنتين وثلاثين ومائة ٠ قلنا: أبو داود إمام عظيم الشأن، وسكت على هذا، فدل على كونه مأخوذاً عن الجُريري قبل الاختلاط، وأيضاً فإن حماد بن سلمة إمام ورع من شيوخ الإسلام، فلا يعتقد أنه يحدث عنه بشيء سمعه منه بعد الاختلاط. *** ٤٠- باب: الوضوء من آنية الصُّفْر أي: هذا باب في بيان الوضوء من آنية الصُّفر- بضم الصاد وسكون الفاء- وقال في الصحاح: " الضُفر بالضم: الذي يعمل منه الأواني، ويقال: الشبه هو الصُفر، سمي به لأنه يشبه الذهب، ويعلم من هذا أن الصفر النحاس الأصفر ". ٨٧- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، قال: أخبرني صاحب لي، عن هشام بن عروة: أن عائشة- ﵂ قالت: " كُنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله- ﵇ في توْرٍ من شبهٍ " (١) . ش- أخرج الشيخ هذا الحديث من طريقين: أحدهما: منقطعة وفيها مجهول. والأخرى: متصلة وفيها مجهول. قوله: " ورسولُ الله " عطف على " أنا "، وقد مر نظيره مع الكلام فيه. قوله: " في توْرٍ " التًوْرُ بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الواو وفي

стр. 265

آخره راء: إناء من صُفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه، وكلمة " في " هاهنا بمعنى " من " أي: من تور، وقد ذكر مثل هذا مرةً. قوله: " من شبه " بيان للتور، والشبه بفتح الشن المعجمة، والباء الموحدة المخففة: هًو الصفر كما ذكرنا. ويستفاد من هذا الحديث فائدتان، الأولى: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. والثانية: جواز استعمال الأواني من النحاس. ٨٨- ص- حدثنا محمد بن العلاء: أن إسحاق بن منصور حدثهم، عن حماد بن سلمة، عن رجل، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي- ﵇ نحوه (١) . ش- إسحاق بن منصور السلولي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي. سمع إبراهيم بن سعد، وأسباط بن نصر، وداود الطائي، وغيرهم. روى عنه: أبو كريب، وأبو نعيم، وعباس الدوري، وغيرهم ٠ قال ابن معين: ليس به بأس. مات سنة خمس ومائتْين. روى له الجماعة (٢) . وهشام هو ابن عروة. واعلم أن الرجل المبهم الذي بيْن حماد بن سلمة وهشام بن عروة (٣) قد فُسّر في رواية البيهقي وغيره لهذا الحديث من رواية حوثرة بن أشرس، عن حماد بن سلمة، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- ﵂ قالت: " كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبه يبادرني وأبادره " تبين أن الرجل المبهم شعبة. وحوثرة بالحاء المهملة وًالثاء المثلثة، ثقة مشهور، ذكره ابن حبان في " الثقات ". قوله: " نحوه " أي: الحديث المذكور.

стр. 266

٨٩- ص- حدثنا الحسن بن عليّ قال: نا أبو الوليد وسهل بن حماد قالا: نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: " جاءنا رسولُ الله- ﵇ فأخرجنا له ماءً في تورٍ [من صفرٍ] (١) فتوضأ " (٢) ش- الحسن بن علي الخلال، وقد ذُكر. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري. سمع شعبة، والحمادين، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال أبو حاتم: إمام فقيه ثقة حافظ. مات سنة سبع وعشرين ومائتين. روى له الجماعة (٣) . وسهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري العنْقزي بعين مهملة ونون وقاف وزاي ٠ سمع شعبة، وأبا مكين نوح بن ربيعة، وعيسى بن عبد الرحمن السلمي. روى عنه: عديّ-بن المديني، ونصر بن علي، وعمرو ابن علي (٤) ، وغيرهم. قال أحمد: لا باس به. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (٥) . وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون الماجشون أبو عبد الله المدني/الفقيه، سكن بغداد. سمع محمد بن المنكدر، والزهري، وعمه يعقوب بن [أبي] سلمة، ووهب بن كيسان، وعمرو بن أبي عمرو

стр. 267

[و] جماعة آخرين. روى عنه: الليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة (١) . وعمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني، روى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحي بن حبان، وعباس بن سهل، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (٢) . ويحيى بن عمارة الأنصاري سمع أبا سعيد الخدري، وعبد الله بن زيد ابن عاصم المازني. روى عنه ابنه عمرو، والزهري، ومحمد بن يحيى، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن خراش: ثقة. روى له الجماعة (٣) . وعبد الله بن زيد بن عاصم بن [كعب] بن عمرو بن عوف المازني الأنصاري المدني، رويا له ثمانية أحاديث. روى عنه: سعيد بن المسيب، وابن أخيه عباد بن تميم، ويحيى بن عُمارة، وواسع بن حبان. قُتل بالحرة سنة ثلاث وستين، وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة (٤) . قوله: " فتوضأ " أي: منه، وفي رواية ابن ماجه: " فتوضأ به " (٥) وكذا في رواية ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: " أنه كان لا يشرب في قدح من صُفْر، ولا يتوضأ فيه ". وروى أيضاً عن وكيع قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: " أنه كان يكره الصُّفْر، وكان لا يتوضأ فيه ". وهذا محمول على أنه إنما كرهه لأنه كان يكره رائحة الصُفْر.

стр. 268

٤١- باب: التسمية عند الوضوء على الوضوء (١) أي: هذا باب في بيان التسمية عند الوضوء على الوضوء. و " على الوضوء " متعلق بالتسمية، وفي النسخ الصحيحة: " باب في التسمية على الوضوء ". ٩٠- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا محمد بن موسى، عن يعقوب ابن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لا صلاة لمن لا وُضُوء له، ولا وُضُوء لمن لم يذْكر [اسم] الله عليه " (٢) . ش- محمد بن موسى هو: ابن أبي عبد الله الفطري- بالفاء المكسورة- مولى أبي مخزوم. روى عن: عبد الله بن [عبد الله بن] أبي طلحة، وعون بن محمد، ويعقوب بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن نافع، وابن مهدي، وقتيبة، وغيرهم. وقال الترمذي: ثقة. وقال الطحاوي: محمودٌ في روايته. روى له الجماعة إلا البخاري (٣) . ويعقوب بن سلمة الليثي مولاهم. روى عن أبيه. روى عنه: محمد ابن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن موسى، وأبو عقيل يحيى بن المتوكل. روى له: أبو داود، وابن ماجه. وليس ليعقوب بن سلمة وأبيه عندهما سوى هذا الحديث الواحد (٤) . وسلمة الليثي والد يعقوب. روى عن أبي هريرة. روى عنه ابنه

стр. 269

يعقوب، ومحمد بن موسى الفطري، وأبو عقيل يحيى. روى له: أبو داود، وابن ماجه (١) . قوله: " لا صلاة لمن لا وضوء له " كلمة " لا " هاهنا لنفي الجنس، وخبرها محذوف، والتقدير: " لا صلاة حاصلة لمن لا وضوء له ". و" لا " الثانية بمعنى " ليس "، والمعنى: " لا صلاة أيُ صلاة كانت من الفرض والنفل لمن ليس له وضوء موجود "، وهذا بإجماع المسلمين من السلف والخلف، أن الصلاة لا تصح إلا بالوضوء. ثم الكلام في التسمية فظاهر الحديث يقتضي أن لا يصح الوضوء إلا بالتسمية، وإليه ذهب أهل الظاهر، وإسحاق بن راهويه. وقال إسحاق: إذا ترك التسمية عامداً يجب عليه إعادة الوضوء. وعن أحمد أنها واجبة، وروي عنه أنه قال: ليس في هذا حديث يثبت، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأنه ليس في هذا حديث أحكم به. وقال جماهير العلماء: إنها سُنّة أو مستحبة، والأحاديث التي وردت في هذا كلها ليست بصحيحة، ولا أسانيدها مستقيمة. وقال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد، وأخرج الإمام أحمد في " مسنده " (٢) هذا الحديث، ورواه عن الشيخ الذي رواه أبو داود بسنده، وهو أمثل الأحاديث الواردة إسناداً. مع أن البخاري ذكر في " تاريخه الكبير " (٣) : " لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه ". وأخرجه الترمذي، وابن ماجه ، من حديث سعيد بن زيد، عن رسول الله./وفي إسناده أبو ثفال، عن رباح، أنه سمع جدته (٤) . ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه " وصححه (٥) .

стр. 270

وقال ابن القطان في كتاب " الوهم والإيهام " (١) : فيه ثلاثة مجاهيل الأحوال: جدة رباح، ولا يُعرف لها اسم ولا حال، ولا تُعرف بغير هذا، ورباح أيضاً مجهول الحال، وكذلك أبو ثفال مجهول الحال، مع أنه أشهرهم لرواية جماعة عنه منهم الدراوردي. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": هذا الحديث ليس عندنا بذاك الصحيح، وأبو ثفال مجهول، ورباح مجهول " (٢) . ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﵇ قال: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " (٣) . ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه " وصححه (٤) . وقال محمد بن إسماعيل: " رُبيح بن عبد الرحمن منكر الحديث ". ورواه الطبراني أيضاً من حديث أبي سبْرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، ولئن سلمنا صحة هذا الحديث فهو محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله- ﵇: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (٥) . فإن قيل: " (٦) يشكل على أحاديث التسمية حديث أخرجه أبو داود

стр. 271

والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ قال: " أتيتُ النبي- ﵇ وهو يتوضأ (١) ، فسلمتُ عليه فلم يرد على، فلما فرغ قال: " إنه لم يمنعْني أن أردّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء " (٢) . ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه " (٣) وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والجواب عنه من وجهين، الأول: أنه معلول. والآخر: أنه معارض. أما كونه معلولاً فقال ابن دقيق العيد في " الإمام ": سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط. قال: وقد رواه النسائي من حديث شعبة (٤) ، عن قتادة به، وليس فيه: " إنه لم يمنعْني " إلى آخره. ورواه حماد بن سلمة، عن حميد وغيره عن الحسن، عن مهاجر منقطعاً، فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه معارضاً مما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب، عن ابن عباس قال: " بت عند خالتي ميمونة ... " (٥) الحديث، ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله تعالى، وقراءة القرآن مع الحدث " (٦) ٩١- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، عن الدراوردي قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث النبي- ﵇: " لا وُضُوء لمن لم يذْكُر اسم الله عليه " أنه الذي يتوضأ أو يغتسلُ ولا ينوى وُضُوءاً للصلاة، ولا غُسْلاً للجنابة (٧) .

стр. 272

ش- أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح أبو الطاهر القرشي الأموي، مولاهم المصري، مولى نهيك مولى عتبة بن أبي سفيان. سمع سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وبشر بن بكر، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: لا بأس به. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (١) . -وعبد الله بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد القرشي الفهري. سمع مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز الماجشون، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، ويحيى بن بكير، وأحمد بن عمرو، وأبو الربيع سليمان بن داود، وغيرهم. وهو من أجل الناس وثقاتهم. توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (٢) . والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وقد ذكر. وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني أبو عثمان القرشي مولاهم التيمي، ويقال: أبو عبد الرحمن مولى آل المنكدر. سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حبان، وسعيد بن المسيب، وسليمان وعطاء ابني يسار، ومكحولاً الشامي، وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، وأخوه عبد ربه، ومالك بن أنس، والثوري، وشعبة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة. وقال الحميدي: كان حافظاً. توفي بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٣) . قوله: " إنه " الضمير إلى الذي لا يذكر الله على الوضوء، وإنما حمل ربيعة هذا الحديث على النية، وذلك لأن النسيان محله القلب/فوجب أن يكون أيضاً محلاً للذكر الذي يضاد النسيان، وذكر القلب إنما هو النية.

стр. 273

هذا توجيه كلام ربيعة، ولكن الذكر الذي يضاد النسيان هو بضم الذال؛ لأن ذكر القلب لا يجيء إلا بالضم، والذكر بالكسر يكون باللسان، والمراد بالذكر المذكور في الحديث هو ذكر اللسان بالكسر، فكيف يلتئم كلام ربيعة؟ والظاهر أن فيه تعسفاً وتأويلاً بعيداً لا يدل عليه قط قرينة من قرائن اللفظ، ولا من قرائن الحال، ولا حاجة إلى هذا التكلّف إذا حملناه على نفي الفضيلة كما ذكرنا. *** ٤٢- باب: في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها أي: هذا باب في بيان حكم الرجل إذا أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها. وفي بعض النسخ: " باب: يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ ". ٩٢- ص- حدثنا مسدد قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قام أحدُكُمْ من الليل فلا يغْمسْ يدهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدْري أين باتتْ يدُهُ " (١) . ش- أبو معاوية الضرير، وسليمان الأعمش، وأبو رزين مسعود بن مالك، وأبو صالح ذكوان السمان، كلهم قد ذكروا. قوله: " من الليل " أي: من نوم الليل، وإنما قيد الليل لكونه الغالب،

стр. 274

وإلا فالحكم ليس بمخصوص بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو من نوم النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وهذا مذهب الجمهور. وعن أحمد: أنه إن قام من نوم الليل كرهه كراهة تحريم، وإن قام من نوم نهار كُره كراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري اعتماداً على لفظ المبيت. والجواب ما ذكرناه. قوله: " فلا يغمسْ يده في الإناء " " (١) الجمهور على أن هذا نهي تنزيه لا تحريم حتى لو غمس يده لم يُفسد الماء، ولم يأثم الغامس. وعن الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير الطبري: إنه ينجس إن قام من نوم الليل، وهذا ضعيف؛ لأن الأصل في الماء واليد الطهارة، فلا ينجس بالشك، ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة. وقوله: " في الإناء " محمول على ما [إذا] كانت الآنية صغيرة كالكُوز، أو كبيرة كالحُب ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة، وليس معه آنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف ويرفع الماء من الحُب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض، فيفعل كذلك ثلاثاً ثم يدخل يده اليمنى بالغاً ما بلغ في الإناء إن شاء. وهذا الذي ذكره أصحابنا. وقال الشيخ محي الدين النووي: " وإذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به، فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره " (٢) . قلنا: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة

стр. 275

ثوبه، ولم يجد من يستعين به، ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أحسن وأوسع. قوله: " فإنه لا يدري أين باتت يده " الفاء فيه للتعليل، وذلك " (١) لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار، وبلادهم حارة،. فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو قذرٍ [أو] غير ذلك ". وقوله: " أين باتت يده " كناية عن وقوعها على دبره أو ذكره، أو نجاسة، أو غير ذلك من القذر (٢) ، وإنما ذكر بلفظ الكناية تحاشياً من التصريح به، وذلك من آداب النبي- ﵇، ونظائر ذلك كثيرة من القرآن والحديث. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذا حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا لا يكون للنهر فائدة. وجمهور أصحابنا استدلوا على نجاسة القلتين بهذا الحديث الصحيح، الذي أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، ولم يعملوا بحديث القلتين لكونه ضعيفاً كما ذكرناه. والثانية:/استحباب غسل النجاسة ثلاثاً لأنه إذا أُمر به في المتوهمة ففي المحققة أوْلى، ولم يزد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وقد ذكرنا فيه أنه- ﵇ أوجب فيه الثلاث وخيّر فيما زاد. الثالثة: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجساً معفواً عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به سراويله أو قميصه تُنجسه. الرابعة: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسلُ، ولا يؤثر فيها الرّشُّ، فإنه ﵇ قال: " حتى يغسلها "، ولم يقل: " حتى يرُشها ".

стр. 276

الخامسة: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات. السادسة: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وأما ورود الماء على النجاسة فكذلك عندنا. وقال الشافعي: لا ينجس. وقال الشيخ محيى الدين في هذا الحديث: والفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه: أنها (١) إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها، فكأنه مشعر بذلك على الخلاف المذكور. قلنا: سلمنا أنها إذا وردت عليه نجسته وسلمنا أنه إذا ورد عليها أزالها، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهراً بعد أن أزالها. السابعة: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان. واعلم أن هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها ثلاثاً له الخيار، إن شاء غمسها قبل الغسل، وإن شاء بعده، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه- ﵇ نبه على العلة وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهي عاما لقال: " إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمسْ يده حتى يغسلها "، وكان أعم وأحسن. وعن بعض الشافعية: حكمه حكم الشك؛ لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيسد الباب، لئلا يتساهل فيه من لا يعرف " (٢) ، وما ذكرناه يرد هذا. وروى هذا الحديث البخاريُ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله وقال: " إذا توضأ أحدُكُم فليجعل في أنفه، ثم لينتثر (٣) ، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدُكم من نومه فليغسلْ يده قبل أن يُدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يفري أين باتت يدُهُ ". ورواه مسلم مثل رواية أبي داود، ورواه ابن ماجه

стр. 277

من حديث أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: " إذا قام أحدُكم من النوم، فأراد أن يتوضأ، فلا يُدخل يده في وضُوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ، ولا على ما (١) وضعها ". ورواه الترمذي: " إذا استيقظ أحدُكم من الليل، فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يُفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ ". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأما الذي رواه أصحابنا منهم صاحب الهداية: " فلا يغمسن " بنون التأكيد المشددة لم يقع إلا في " مسند البزار "، فإنه رواه من حديث هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا استيقظ أحدُكم من منامه فلا يغمسن يده في طهُوره حتى يُفرغ عليها ... " الحديث. ٩٣- ص- حدُّثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇: " مرتين أو ثلاثا ... " نحوه (٢) . ولم يذكر أبا رزين. ش- هذا الطريق فيه مسدد، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي موضع أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان السمان. وأسقط أبا رزين، بينهما، وذكر فيه الغسل مرتين أو ثلاثاً نحو ما ذكره في الرواية الأولى. ويستفاد من هذه الرواية: أنه إذا اكتفى بالغسل مرتين يجوز؛ لأنه مستحب ثلاثاً. قلنا: إن هذا إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تحقق يجب عليه الغسل إلى أن يطهر، سواء كان بالثلاث أو بما فوق ذلك. ٩٤- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج، ومحمد بن سلمة المرادي قالا: نا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي مريم قال: سم ص.- أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " إذا استيقظ أحدُكُم من نومه

стр. 278

فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدري أين باتتْ يدهُ، أو أين كانت تطُوفُ يدُهُ " (١) . ش- ابن وهب هو عبد الله بن وهب. ومعاوية بن صالح بن حُديْر أبو عمرو/الحمْصي الحضرمي، نزل الأندلس، وكان قاضياً بها. سمع: شداداً، وسعيد بن سُويد، وزياد ابن أبي سودة، وأيوب بن زياد الحمصي، وأبا مريم الأنصاري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والليث بن سعد، وعبد الله ابن وهب، والواقدي، وغيرهم. وقال أبو زرعة: ثقة محدث. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديث، حسنُ الحديث، يكتبُ حديثُه، ولا يحتج به. وقال ابن معين: ليس برضى. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) . وأبو مريم الأنصاري. روى عن أبي هريرة. روى عنه: معاوية ابن صالح، ويحيى بن أبي عمرو السيباني. روى له: الترمذي، وأبو داود (٣) . قوله: " أو أين كانت تطوفُ يدُه " شك من الراوي. والطوْفُ: الدوران، والمعنى: فإن أحدكم لا يدري أين دارت يده: على موضع النجاسة أو لا؟ ٤٣- باب: في صفة وضوء رسول الله ﷺ لما فرغ عن أحكام المياه وما يتعلق بها، شرع في بيان صفة الوضوء. الصفة والوصف مصدران، والفرق بينهما أن الصفة ما يقوم بالموصوف،

стр. 279

والوصف ما يقوم بالواصف، والصفة أصلها وصفة كعدةٍ أصلها وعدة، حذفت الواو منها تبعاً لفعلها المضارع؛ لأن أصل يصف توْصف. وعندهم قاعدة: أن الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة تحذف طلباً للخفة. ٩٥- ص- حدثنا الحسن بن عليّ الحُلواني، قال: [حدثنا] (١) عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان قال: " رأيتُ عثمان بن عفان ﵁ توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً، فغسلهما، ثم مضْمض (٢) واستنْثر، ثم غسل وجْههُ ثلاثاً، وغسلً يده اليُمْنى إلى المرْفق ثلاثاً، ثم اليُسْرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قلمه اليُمنى ثلاثاً، ثم اليُسْرى مثل ذلك، ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توص مثل وُضُوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وُضُوئي هذا، ثم صلّى ركْعتين لا يحدثُ فيهما نفْسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه " (٣) . ش- حُمران بن أبان بن خالد بن عبد عمرو القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان، كان في سبي عين التمر. سمع: عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر (٤) ، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: عروة بن الزبير، ومسلم بن يسار، والحسن البصري، وعطاء بن يزيد، ونافع مولى [ابن] عمر، وجماعة آخرون كثيرة. روى له الجماعة (٥) .

стр. 280

وعثمان بن عفان أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو ليلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي مع رسول الله في الأب الرابع، وهو عبد مناف. رُوي له عن رسول الله- ﵇ مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى عنه: زيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن الزبير، ومحمود بن لبيد، وابنه أبان بن عثمان، وحُمْران بن أبان، ومروان بن الحكم، وغيرهم. ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، وصلى عليه جبير بن مطعم، ودفن بحش كوكب، ولي الخلافة ثنتي عشر سنة. روى له الجماعة (١) . قوله: " فأفرغ على يديه " من أفرغت الإناء إفراغاً، وفرغته تفريغاً إذا قلبت ما فيه، والفاء فيه فاء التفسير، وانتصاب " ثلاثاً " على أنه صفة لمصدر محذوف أي: " إفراغاً ثلاثاً ". قوله: " ثم مضمض " المضمضة: تحريك الماء في الفم. وقال الشيخ محيي الدين (٢) : " حقيقة المضمضة وكمالها: أن يجعل الماء في فمه، ثم يُديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها فأن يجعل الماء في فمه، ولا يُشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور. وقال جماعة من أصحابنا: يشترط. وقال الزندوستي من أصحابنا: الأولى أن يدخل إصبعه في فمه وأنفه، والمبالغة فيهما سُنًة. وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة الغرغرة. قوله: " واستنثر " " (٣) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون:

стр. 281

الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وقال ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنثار هو الاستنشاق. وقال الشيخ محيي الدين: الصواب الأول يدل عليه الرواية الأخرى: استنشق واستنثر،/فجمع بينهما. قال أهل اللغة: هو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف. وقال الخطابي وغيره: هي الأنف. وقال الأزهري: روى سلمة، عن الفراء أنه يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النّثْرة في الطهارة ". وقال ابن الأثير (١) : " نثر ينثر بالكسر: إذا امتخط، واستنثر استفعل منه، أي: استنشق الماء، ثم استخرج ما في الأنف فينثرُه، وقيل: هو من تحريك النّثْرة، وهي طرف الأنف ". والصواب ما قاله ابن الأعرابي: أن المراد من قوله: " واستنثر " الاستنشاق. وقول محيي الدين: أن الصواب هو الأول يدل عليه الرواية الأخرى: " استنشق واستنثر " لا يدل على ما ادعاه؛ لأن المراد من الاستنثار في هذه الرواية الامتخاط، وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق. قوله: " ثم غسل وجهه " الوجه: ما يواجه الإنسان وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. قوله: " ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق " اليد في اللغة: اسم من رؤوس الأصابع إلى الآباط، ولكنه سقط ما وراء المرفق بالنص. والمرفق- بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم أيضاً-: هو موْصل الذراع في العضد. قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل يده اليسرى مثل الأولى ثلاث مرات. قوله: " ثم مسح رأسه " المسح: هو الإصابة، والرأس مشتمل على الناحية والقفا والفوْدين (٢) ، وظاهر الكلام يُشعر أنه مسح جميع رأسه؛

стр. 282

لان اسم الرأس حقيقة في العضو كله، والفقهاء اختلفوا في القدر الواجب من المسح، وليس في الحديث ما يدل على ذلك. قوله: " ثم غسل قدمه اليمنى " أي: رجله اليمنى، وفيه رد صريح على الروافض في قولهم: إن الواجب في الرجلين المسح. وقوله: " ثلاثاً " يدل على أن المستحب غسل الرجلين ثلاثاً، رد القول بعضهم أنهم لا يرون بهذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء، وهم يستدلون بما ورد في بعض الروايات: " فغسل رجليه حتى أنقاهما " ولم يذكر عدداً، ولكن الأخذ بالرواية التي فيها العدد أوْلى لما فيها من الزيادة قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل قدمه اليسرى مثل ذلك ثلاث مرات، وهذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء، والأصل في الواجب غسل الأعضاء مرة مرة، والزيادة عليها سُنّة؛ لان الأحاديث الصحيحة وردت بالغسل ثلاثاً ثلاثاً، ومرة مرة، وبعض الأعضاء ثلاثا ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، وعن هذا قال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سُنّة، ويقال: كلاهما سُنة، ويقال: كلاهما مستحب، وأما ما اختلف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القضية الواحدة، فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده الثقة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: استحباب غسل اليدين في ابتداء الوضوء قبل إدخالهما في الإناء، سواء قام من النوم أو لا، يدل عليها قوله: " فأفرغ على يديه "، وحديث المستيقظ لا يفيد الاستحباب إلا عند القيام من النوم. الثانية: استحباب الإفراغ على اليدين معاً يدل عليها قوله: " على يديه "، وقد تبين في حديث آخر أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما، وقوله: " غسلهما " قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، واختلف الفقهاء أيهما أفضل.

стр. 283

الثالثة: فيه بيان لما أُهمل من ذكر العدد في حديث أبي هريرة: " إذا استيقظ أحدُكم من نومه فليغسلْ يديْه " (١) بدون ذكر العدد، وقد ورد في حديث أبي هريرة أيضاً ذكر العدد في الصحيح، يدل عليها قوله: " ثلاثاً ". الرابعة: فيه بيان استحباب الترتيب المفهوم من كلمة " ثم " المقتضي للترتيب قوله: " ثم قال " أي: ثم قال عثمان- ﵁ بعد فراغه من وضوئه. قوله: " توضأ مثل وُضوئي هذا " اعلم [أن] كلمة المثل بكسر الميم وسكون الثاء، والمثلُ بفتحتين، كلاهما بمعنى النظير، يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبْهٍ وشبهٍ وشبيهٍ، والمثل في اصطلاحهم المجاز المركب الذي يقال له: التمثيل على سبيل الاستعارة لا على سبيل/التشبيه ولا في معناه الأصلي. قوله: " من توضأ وُضوئي هذا " أي: كوضوئي أو نحو وضوئي، وفي رواية مسلم: " نحو وضوئي هذا ". وقال الشيخ محيي الدين (٢) : " إنما قال: نحو وضوئي ولم يقل " مثل " لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره ". قلنا: معنى " نحو " هاهنا أيضاً معنى المثل؛ لأن كلا منهما من أدوات (٣) التشبيه، ولو قال: مثل وضوئي أيضاً لا يلزم ما ذكره؛ لأن التشبيه لا عموم له. قوله: " ثم صلى ركعتين " هذه الصلاة مستحبة، وقالت الشافعية:

стр. 284

سُنّة مؤكدة. ويرُدُ ذلك عليهم ما ورد في الصحيح: " هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع " (١) . قوله: " لا يحدث فيهما نفسه " (٢) المعنى: لا يحدث بشيء في أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه، فبمجرد إعراضه عنه عُفي له ذلك، وجعلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله، وقد عُفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر. وقال القاضي عياض: يريد بحديث النفس الحديث المجْتلبُ والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد، وقوله: " لا يحدث نفسه " إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه. وقال بعضهم: هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تُقبل معه الصلاة، ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي- عليه السلام- ضمن الغُفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسْلمُ صلاتُه من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشياطين، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه، ولو حدث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور (٣) من الدعوات والأذكار أو في أمر محمود أو مندوب إليه لا يضر ذلك، وقد ورد عن عمر- ﵁ أنه [قال: إني] (٤) لأجهز الجيش وأنا في الصلاة "، أو كما قال. قوله: " غفر الله له ما تقدم من ذنبه " الغفْر والغُفْران: الستر، ومنه المغْفر لأنه يستر الرأس. وقال ابن الأثير: " أصل الغفر: التغطية، والمغْفرةُ: إلباس الله تعالى العفو للمذنبين " (٥) .

стр. 285

فظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر فقالوا: إنما الكبائر إنما تكفّرُ بالتوبة. وأخرج هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي. ٩٦- ص- حدثنا محمد بن المثنى قال: نا الضحاك بن مخلد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن وردان قال: نا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدّثني حُمْرانُ قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكره نحوه، ولم يذكر " المضمضة والاستنثار (١) " قال: وفيه: " ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليْه " ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: " من توضأ دون هذا كفاه " ولم يذكر أمر الصلاة (٢) . ش- الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن رافع بن وكيع أبو عاصم النبيل، وقد ذُكر مرة بكنيته. وعبد الرحمن بن وردان أبو بكر الغفاري. سمع: أبا سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد [ا] المقبري. روى عن أنس بن مالك. روى عنه: أبو عاصم النبيل، ومروان بن معاوية. وقال ابن معين: صالح. روى له أبو داود (٣) . وأبو سلمة قد ذُكر. قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي مضى. قوله: " ولم يذكر المضمضة والاستنثار " قد قلنا: إن الرُواة إذا اختلفوا عن الصحابي في قضية واحدة يُعمل برواية منْ زاد إذا كان ثقة، وقد عملنا بالزيادتين، الزيادة الواحدة في الرواية التي مضت، والزيادة الأخرى في هذه الرواية، وهى قوله: " ومسح رأسه ثلاثاً "، وبهذه الزيادة تمسكت الشافعية أن السُّنة في مسح الرأس: أن يمسح ثلاثاً، ولكن عندنا هذا محمول [على] المسح ثلاثاً بماء واحد، وهو
следующие страницы →