ص- قال أبو داود: روى أيوبُ، وهشامٌ، عن أبي الزبير، عن جابرِ، هذا المعنى، عن النبيِّ- ﵇.
ش- أي: روى أيوب السختياني، وهشام بن عروة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله، هذا المعنى، عن النبي ﵇.
ص- وكذلك رواه داودُ بنُ حُصَينِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ.
ش- أي: كذلك روى هذا الحديث داود بن حصين أبو سليمان المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس- ﵁ وهذا موقوف.
[٢/ ١١٩ - أ] / ص- وكذلك عبدُ الملكِ، عن عطاءَ، عن جابرٍ.
ش- أي: كذلك رواه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء ابن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، وهذا موقوف أيضاً.
ص- وكذلك قتادةُ، عن الحسنِ، عن حِطانَ، عن أبي موسى فعلَه.
ش- أي: كذلك روى قتادة بن دعامة، عن الحسن البصري، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري فعله، يعني أنه فعله بأن صلى بمثل الصورة المذكورة.
ص- وكذلك عكرمةُ بنُ خالدٍ، عن مُجَاهدٍ، عن النبيِّ- ﵇. ش- أي: كذلك روى عكرمة بن خالد، عن مجاهد بن جبر، عن النبي- ﵇ وهذا مرسل.
ص- وكذلك هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن النبيِّ- ﵇.
ش- أي: وكذلك رواه هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن النبي- ﵇ وهذا أيضاً مرسل، والحاصل: أن هذا الحديث روي بطرق مختلفة ما بين: مرفوع، وموقوف، ومرسل. ص- وهو قولُ الثوريِّ.
ش- أي: المذكور من الصورة التي بينها حديث أبي العياش الزرقي هو
стр. 2172
اختيار سفيان الثوري، ومذهبه. وقال أبو داود: هو أحوط الصور. قلت: إنما كانت هذه الصورة أحوط الصور , لأنها رويت بطرق كثيرة - كما ذكرناه- والفقهاء لما رجح بعضهم بعض الروايات على بعض احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح، فتارة يرجحون بموافقة ظاهر القرآن، وتارة بكثرة الرواية، وتارة بكون بعضها موصولا، وبعضها موقوفا، وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة، وتارة بالمعاني، كما أن أبا حنيفة اختار حديث ابن عمر، وروايته , لأنها توافق الأصول في أن قضاء الطائفة بعد سلام الإمام- لما سنبينه إن شاء الله تعالى-
***
٢٦٩- باب: مَن قال: يقومُ صف مع الإمام وصفّ وُجَاه العدوِّ
أي: هذا باب في بيان قول من قال في صلاة الخوف: يجعل صفان: صف يقوم مع الإمام، وصف تجاه العدو.
ص- فيُصَلّي بالذين يَلُونَهُ رَكعةً، ثم يَقُومُ قَائما حتى يُصَلّيَ الذين معه رَكْعةً أخْرَى، ثم يَنْصَرفوا فَيَصُفُّوا (١) وجَاه العَدُوً، وَتجيءُ الطائفةُ الأخْرَى فَيُصَلِّي بهم رَكعةً، وَيثْبتُ جَالسا، فَيُتمّونَ لَأنفُسِهِم رَكَعةً أخْرَى، ثم يُسَلِّمُ بهم جميعاً. َ
ش- " يلونه " أي: يلون الإمام.
قوله: نا وِجاه العدو " بكسر الواو وضمها، أي: قبالتهم.
قوله: " وتجيء الطائفة " الطائفة: الفرقة والقطعة من الشيء، تقع على القليل والكثير، لكن الشافعي قال: أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة، فينبغي أن تكون الطائفة التي مع الإمام ثلاثة فكثر، والذين في وجه العدو كذلك.
وقال الخطابي (٢) : " وإلى هذه الصورة ذهب مالك، والشافعي إذا كان العدو من ورائهم ".
стр. 2173
وقال الشيخ محيي الدين (١) : " وبهذا أخذ مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم،، ولم يذكر ما ذكره الخطابي.
١٢٠٨- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن كبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّات، عن سهل بن أبي حثمةَ " أن النبي- محليه السلام- صلى بأصْحَابه في خَوْف، فَجَعَلَهُم خَلفَهُ صَفين، فَصلى بالذينَ يَلُونَهُ رَكْعةً، ثم قَامَ فَلًم يَزَلْ قَائما حتى صلى الذين خَلفَهم رَكْعةً، ثم تَقَدمُوا، وتأخر الذين كَانُوا قُدَامَهُم، فَصَلَّى بهم النبي- ﵇ رَكعةً، ثم قَعَدَ حتى صلى الذين تَخَلفُوا رَكْعةً، ثم سلم " (٢) . ش- صالح بن خوات- بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو، وفي آخره تاء مثناة من فوق- ابن جبير بن النعمان الأنصاري المدني. روى عن: سهل بن أبي حثمة. روى عنه: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ويزيد بن رومان (٣) ، وخوات له صحبة.
قوله: " ثم سلم " وفي رواية مسلم: " سلم بهم جميعاً " والحديث أخرجه: الجماعة كلهم، ورواها مالك في " الموطأ " (٤) موقوفة. وقال الترمذي ": وقال احمد: وقد روي عن النبي- ﵇ صلاة الخوف على أوجه، وما اعلم في هذا الباب إلا حديثا صحيحاً واختار حديث سهل بن أبي حكمة، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم، قال: قد
стр. 2174
ثبتت الروايات عن النبي- ﵇/ في صلاة الخوف، فرأى كل [٢/ ١١٩ - ب] ، ما روي عن النبي- ﵇ في صلاة الخوف فهو جائز، وهذا
على قدر الخوف. قال إسحاق: ولسنا نختار حديث سهل بن أبي حثمة
على غيره من الروايات.
ص- قال (١) أبو داودَ: وأما روايةُ يحيى بن سعيد، عن القاسم، نحو
رواية يزيد بن رُومان، إلا أنه خَالَفه في السلام، ورواية عبيد الله نحو رواية
يحيى بن سعيد، قال: " وبثبُتُ قَائِما ".
ش- رواية يحيى بن سعيد رواها الترمذي، وقال (٢) : حدثنا محمد
ابن بشار، نا يحيى بن سعيد القطان، نا يحيى بن سعيد الأنصاري،
عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن
أبي حثمة، أنه قال في صلاة الخوف، قال , " يقوم الإمام مستقبل
القبْلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى
العَدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم
سجدتن في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع
بهم ركعة، وسجد بهم سجدتن، فهي له ثنتان، ولهم واحدة، ثم
يركعون ركعة، ويسجدون سجدتين ".
قال أبو عيسى: قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا
الحديث؟ فحدثني، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، ثن
أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي- ﵇ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال لي يحيى بن
سعيد: اكتبه إلى جنبه، ولست أحفظ الحديث، ولكنه مثل حديث يحيى
ابن سعيد، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى
ابن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، هكذا رَوى أصحاب
стр. 2175
يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفا، ورفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم.
قوله: " نحو رواية يزيد بن رومان " وهي التي رواها القعنبي عن مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمَّن صلى مع رسول الله ﵇ فذكر نحوه، ورواها الترمذي أيضاً معلقة، وعن مالك: حديث يزيد بن رومان أحب ما سمعت إليّ.
ويزيد بن رومان القرشي الأسدي، مولاهم أبو روح المدني مولى اَل الزبير بن العوام. روى عن: عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وصالح بن خوات. روى عنه: أبو حازم المديني، والزهري، وهشام بن عروة، ومالك بن أنس، وجماعة آخرون. قال محمد بن سعد: توفي سنة ثلاثين ومائة، وكان عالما كثير الحديث ثقة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " ورواية عبيد الله نحو رواية يحيى بن سعيد " أي: رواية عبيد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب مثل رواية يحيى بن سعيد الأنصاري المذكورة، إلا أنه قال في روايته: " ويثبت قائما " يعني الإمام، بعد أن يركع بهم ركعة يثبت قائما إلى أن يركعوا لأنفسهم، ويسجدوا لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام الطائفة التي تجاه العدو، ويجيء أولئك فيركع بهم، إلى آخر ما بينا.
***
٢٧٠- باب: مَن قال: إذا صلى ركعة
أي: هذا باب في بيان من قال: إذا صلى الإمام ركعة بإحدى الطائفين.
ص- " وثبت قائماً أَتَموا لأنفُسهم ركعةَ، ثم سَلمُوا، ثم انصَرَفُوا، فكانوا وِجَاهَ العَدُوَّ "، واختُلفَ في السَلَام.
стр. 2176
ش- أي:: ثبت الإمام حال كونه قائماً، حتى تتم الطائفة الأولى لأنفسهم ركعة، ثم يسلموا , لأنهم كملوا صلاتهم، حيث صلوا مع الإمام ركعة، وصلوا لأنفسهم ركعة أخرى، فإذا سلموا انصرفوا قبالة العدو.
قوله: " واختلف في السلام " أي: في سلام الطائفة الأولى بعد أن يتموا لأنفسهم، لما نبينه الآن في الحديث.
١٢٠٩- ص- نا (١) القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوَات، أن سهل بن أبي حثمةَ الأنصاري، حدثه: " أن صَلاةَ الخَوْف أن يَقُومَ الإمَامُ وطائفة مِن أصحَابِه، وطَائفة مُوَاجهَةُ العَدُوِّ، فيركَعُ الإمَامُ رَكعة، وَيسجُدُ بالذين معه، ثم يًقومُ، فإذا اسْتَوًى قائماً ثبَتَ قائماً، وأتمُوا لأنفُسهم الركعةَ البَاقيةَ، ثم سَلَمُوا، وانصَرَفُوا، والإمَامُ قَائم، فكَانوا وِجَاهَ الَعًدوِّ، ثم يُقْبِلُ الآخَرُونَ الذين لمِ يُصَفُوا، فَيُكبِّرُوا وَرَاءَ/ ١ الإمام، فَيَرْكعُ، ويَسْجُدُ بهم، ثم يُسَلمُ، فَيَقُومُون فَيَرْكَعُونَ [٢/ ١٢٠ - أ] لأنفُسِهِمْ الركَعةَ البَاقِيةَ، ثم يسَلِّمُونَ " (٢) .
ش- هذا حديث موقوف.
١٢١٠- ص- نا القعنبي، عن مالك، دن يزيد بن رُومان، عن صالح ابن خوَّات: " عَمنْ صَلَّى مِع رسولِ الله- ﵇ يَومَ ذَات الرقاع صَلاةَ الخَوْفِ، أن طَائفَة صَفتْ مَعَهُ، وَطائفَة وِجَاهَ العَدُو، فَصَلَّى بالَتي مَعه رَكعة، ثم ثبَتَ قائماً، وَأتَمُوا لأنفُسِهِم، ثم انصَرَفُوا، وصَفوا وِجَاه العَدُوَ، وجَاءَت الطَائفَةُ الأخْرَى، فَصلى بهمُ الركعَةَ التي بَقيَتْ من صَلاِتهِ، ثم ثَبَتَ جَالِسا، وَأتَموا لأنفُسِهِمْ، ثم سلم بهم " (٣) .
стр. 2177
ش- ذات الرقاع غزوة مشهورة كانت سنة خمس من الهجرة، بأرض غطفان من نجد، سميت ذات الرقاع ش لأن أقدام المسلمين نقبت من الحَفَا، فلفوا عليها الخرق، هذا هو الصحيح في سبب تسميتها، وقد ثبت هذا في " الصحيح " (١) ، عن أبي موسى الأشعري- ﵁ وقيل: سميت به لجبل هناك يقال له: الرقاع , لأن فيه بياضا، وحمرة، وسوادا، وقيل: سميت بشجرة هناك يقال لها ذات الرقاع، وقيل: لأن المسلمين رقعوا راياتهم، ويحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها.
وقال الشيخ محيي الدين (٢) : " وشرعت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وقيل: في غزوة بني النضير". والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي.
ص- قال مالك: وحديثُ يزيدَ بن رومانَ أحب ما سمعتُ إِلي.
ش- إنما قال ذلك لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم معَكَ﴾ الآية (٣) فجعل إقامة الصلاة لهم كلها لا بعضها، وفي غير هذه الصورة إنما يقيم لهم الإمام بعض الصلاة لا كلها، ومعنى قوله: ﴿فإذَا سَجَدُوا فَليَكُونُوا من وَرَائكُم﴾ (٣) أي: إذا صلوا، ثم قال: ﴿ولتَأَتِ طَائفَةٌ أخْرَى لَمْ يُصًلوا فًليُصَفُوا مَعَكَ﴾ (٣) ، فكان دليل مفهومه: أن هؤلاءَ قد صدوا، وقوله: ﴿فليُصَلُّوا مَعَكَ﴾ مقتضاه تمام الصلاة، وهو على قول غيره.
стр. 2178
لا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين، ولم يذكر عليهما قضاء، فدل أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن كمال الصلاة.
قال الخطابي (١) : وهذا أحوط للصلاة , لأن الصلاة تحصل مؤداة على سننها في استقبال القِبْلة، وعلى مذهب غيره يقع الاستدبار للقِبْلة، ويكثر العمل في الصلاة ".
***
٢٧١- بَابُ: مَن قال: يكبرون جميعاً وإن كانوا مستدبري القبْلة
أي: هذا باب في بيان قول من قال: تكبر الجماعة جميعاً مع الإمَام: الذين معه، والذين تجاه العدو، وإن كانوا مستدبرين القِبْلة، فلا يضرهم ذلك، لأجل الضرورة.
ص- ثم يصلي بمَنْ مَعَهُ رَكعة، ثم يأتُونَ مَصاف أصْحَابِهم، وَيَجيءُ الآخَرُونَ فَيَرْكَعُونَ لَأنْفُسهِم رَكْعة، ثم يُصَلي بهم رَكعة، ثم تقْبِلُ الطائفَةُ التي كانتْ مُقَابلَةَ (٢) الَإمَام فَيُصَلُونَ لأنفُسِهِم رَكعةً، والإمَامُ قَاعد، ثَم يُسَلمُ بِهِم كلهِمَ (٣) .
ش- " المَصَاف "- بفتح الميم، وتشديد الفاء- جمع مصف، وهو موضع الحرب الذي تكون فيه الصفوف، وأما المُصَاف- بضم الميم- فهو بمعنى المقابل، يقال: مصاف العدو، أي: مقابلهم.
قوله: " مقابلة الإمام "، وفي بعض النسخ: " كانت مقابلي الإمام ". ١٢١١- ص- نا الحسن بن علي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا حيوة وابن لهيعة، قالا: نا أبو الأسود، أنه سمع عروة بن الزِبير، يحدث عن مروان بن الحكم، أنه سأل أبا هريرة: " هَلْ صَليْتَ مَع رسول الله صَلاة الخَوْفِ؟ قال أبو هُريرةَ: نَعم، فقال مَرْوانُ: مَتَى؟ فقال أبو هريرةً: عَامَ
стр. 2179
غَزْوَة نَجْد، قامَ رسولُ الله ﷺ إلى صَلاةِ العَصْرِ، فقَامَتْ معه طَائفَة،
وطَائَفَة أخرَى مُقَابِلَ العَدوِّ، وظُهُورُهُم إلى القبْلَة، فَكَبَّرَ رسول الله
وكَبَّرُوا (١) جميعاً، الذين معه والذين مُقَابِلِي (٢) العًدوًّ، ثم رَكَعَ رسولُ اللهَ
رَكْعَة وَاحدة، ورَكَعَت الطائفَةُ التي معه، ثم سَجَدَ، فسجدَت الطَّائفةُ التيَ
تَلِيه، والآَخَرُونَ قيام مُقًابلِيَ العَدُوّ، ثم قَامَ رسولُ الله، وقَامَتَ الطَّائَفَةُ التي
مَعَهُ، فذهبُوا إلىَ العَدو، فَقَابَلُوهُم، وأَقْبَلَت الطائَفَةُ التي كَانتَ مُقَابلِي
[٢/ ١٢٠ - ب] ، العَدُوّ، فَرَكَعُوا وسَجَدوا/ ورسولُ الله قَائِمٌَ كما هو، ثم قَامُوا، فَركَعَ رسولُ اللهِ رَكْعَة أخرى، وركَعُوا معه، وسًجَدَ وسَجَدُوا معه، ثم أقْبَلَتِ (٣)
التي كانتْ مُقَابلِي العَدُوِّ، فَرَكَعُوا وسَجَدوُا، ورَسولُ الله قَاعد، ومَنْ
مَعَه (٤) ، ثم كانَ السَّلامُ، فَسَلَّمَ رسولُ اللهِ، وسَلَّمُوا جميعاً، فكَانَ لَرَسُول الله
رَكْعَتين (٥) ، ولِكُلِّ وَاحِدة (٦) من الطائِفَتينِ رَكعة ركعَة " (٧) .
ش- أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ المدني، وحيوة بن
شريح، وعبد الله بن لهيعة، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن، يتيم
عروة بن الزبير.
قوله: " غزوة نجد " هي غزوة ذات الرقاع , لأن ذات الرقاع هي في
النجد، والفرق بين هذه الصورة، والصورة التي قبلها، أن الصورة التي
قبلها ليس فيها استدبار القِبْلة، وليس فيها تكبير القوم كلهم مع الإمام،
بخلاف هذه الصورة، ولكنهما مشتركتان في أن سلام الإمام مع القوم
جميعاً فافهم. والحديث أخرجه: النسائي أيضاً
стр. 2180
١٢١٢- ص- نا محمد بن عمرو الرازي، نا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الِزِبير، ومحمد بن الأسود، عن عروة ابن الزبير، عن أبي هريرة قال:" خرجْنَا مَعَ رسول الله إلى نَجْد حَتى إذَا كُنا بذَاتِ الرِّقَاع من نَخْلٍ لَقِيَ جَمْعا مِن غَطفَانَ " فَذكَر معناه وً لفظَه على غير لَفظ حَيوةَ، وَقال فيه: حين رَكَعَ بمن معه، وسَجَدَ، قال: " فلَمَا قَامُوا مَشوا القًهْقَرى إلى مَصَافِّ أَصْحَابِهِمْ " ولم يذكروا " اسْتِدْبَارَ القِبلةِ " (١) . ش- سلمة بن الفضل.
قوله: " إلى نجد " النجد هي: الناحية التي بين الحجاز والعراق، قال الواقدي: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى (٢) طريق الكوفة، وما وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة، وعمرة الطائف نجد، وما كان وراء وجرة إلى البحر فهو: تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز.
قوله: " من نخل " بفتح النون، وسكون الخاء المعجمة، وبعدها لام، هي بنجد من أرض غطفان.
قوله: " مشوا القهقرى " وهو: الرجوع إلى الورى، وفي مشيهم هكذا لا يكون استدبار القِبْلة.
١٢١٣- ص- قال أبو داود: وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا، قال: نا عمي، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة حدثته بهذه القصة، قالت: " كَبرَ رَسولُ الله- ﵇ وكَبَّرَت الطَائفَةُ الذين صَفُّوا معه، ثم رَكَعَ فَرَكَعُوا، ثَم سَجَدَ فَسَجَدوا، ثم رَفَع فَرَفَعوا، ثم مَكَثَ رسولُ الله- ﵇ جَالِسا، ثم سَجَدُوا هم لأنفُسهِم الثانيةَ، ثم قَامُوا فَنَكَصوا على أعْقَابهِم يَمْشُونَ القَهْقَرَى حتى قَاموا مِن ود رَاِئِهِم، ونجا صك الطائفَةُ الأخْرَى، فَقَامُوَا فَكَبرُوا، ثم رَكَعُوا لأنفُسِهِم، ثم سَجدَ رسولُ اللهِ، َ فسَجًدُوا معه، ثم
стр. 2181
قَامَ رسولُ الله، وَسَجَدُوا لأنفُسهِم الثانيةَ، ثِمِ قَامَت الطائفَتان جميعاً، فَصَلُّوا معَ رسولِ الله، فرَكَعَ فَرَكًعُوا، ثم سَجد فَسَجًدوا جميعاً، ثم عَادَ فسجَدَ الثانيةَ، وسجًدُوا معه سَرِيعا كأسْرعَ الإِسْرَاع جَاهدَاً، لا يألون سرَاعا، ثم سَلَّمَ رسولُ الله، فسَلَّمُوا (١) ، فقَامَ رسولُ الله، وقدَ شَارَكَهُ الناسُ فيَ الصَّلاةِ كلهَا " (٢) .َ
ش- عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عوف الزهري، وعمه يعقوب بن إبراهيم، وابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار.
قوله: " فنكصوا على أعقابهم " أي: رجعوا إلى ورائهم، والنكوص: الرجوع إلى وراء، وهو: القهقرى، من نكص ينكص، فهو ناكص. قوله: " الثانية لما وفي بعض النسخ: " الباقية ".
قوله: " سريعا " حال من الضمير الذي في قوله: " سجدوا معه " أي: مسرعين مستعجلين
قوله: " كأسرع الإسراع " صفة لقوله: " سريعاً " تدل على المبالغة في السرعة.
قوله: " جاهداً " نصب على أنه صفة أيضاً لقوله: " سريعاً "، وفي نفس الأمر كلاهما صفة للقوم، والتقدير: مسرعين بالجهد، وبذل الوسع، أو مسرعين مجتهدين في السرعة وغايتها.
قوله: " لا يألون " أي: لا يقصرون، من آلى يألو.
قوله: " سراعا " حال من الضمير الذي في " لا يألون " أي: لا يقصرون حال كونهم مسرعين، والسراع جمع سارع، كالقيام جمع قائم، وفي هذه الصورة شارك القوم الإمام، ما خلا التكبيرة الأولى.
***
стр. 2182
/ ٢٧٢- باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة [ ٢/ ١٢١ - أ]
أي: هذا باب في بيان قول من قال: يصلي الإمام بكل طائفة ركعة
واحدة.
ص- ثم يُسَلّمُ، فيقومُ كلُّ صف، فَيُصَفُونَ لأنفُسِهِم رَكعةً.
ش- أي: ثم يسلم الإمام، فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعتهم التي بقيت، فالطائفة الأولى يصلون ركعتهم الباقية، بلا قراءة لأنها لاحقة، والطائفة الثانية يصلون ركعتهم الباقية بقراءة. لأنها مسبوقة، وهذه الصورة مذهب أبي حنيفة، وأصحابه.
١٢١٤- ص- نا مسدد، نا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: " أن رسولَ الله ﷺ صلى بِإِحْدَى الطَائفتين رَكعة والطَائفَةُ الأخْرَى مُوَاجهَةُ العَدُوَ، ثم انَصَرَفُوا، فَقَامُوا في مَقام أوَلئِكَ، فَجَاء (١) أولئك، فَصلى بهم رَكعةً أخرى، ثم سَلَمَ عَلَيْهِم، ثم قَامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوا رَكْعَتَهُم، وقَامَ هؤلاءِ فَقَضوا رَكْعَتَهُم " (٢) .
ش- أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، ولفظ البخاري: نا غزوت مع رسول الله قِبَل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع رسول الله بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين "، وأصحابنا أخذوا بقول ابن عمر، وقول ابن مسعود، وسنذكر الفرق بينهما، دائما اختاروا هذا لأن الرواية عنهما لم تتعارض،
стр. 2183
والرواية عن سهل بن أبي حثمة متعارضة، فإن بعضهم روي عنه مثل مذهبنا أيضاً، وأيضاً إن حذيفة أقام صلاة الخوف بطَبَرَسْتان بجماعة من الصحابة على نحو ما قلنا، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا على أن فيما تمسك به الشافعي ما يدل على كونه منسوخا , لأن فيه أن الطائفة الثانية يقضون ما سبقوا به قبل فراغ الإمام، ثم يسلمون معه، وهذا كان في ابتداء الإسلام، أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته، ثم يتابع الإمام، ثم نسخ، ولهذا لم يأخذ أحد برواية أبي هريرة.
ص- قال أبو داود: وكذلك رواه نافع، وخالد بنُ مَعدانَ، عن ابن عُمرَ، عن النبي- ﵇.
ش- أي: كذلك روى هذا الحديث نافع مولى ابن عمر، وخالد بن معدان الكلاعي الحمصي، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " وقال: نا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال:" صلى رسول الله صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة ". انتهى.
وكذلك رواه خالد بن معدان، عن ابن عمر، عن النبي- ﵇ وهذا من تعاليق أبي داود.
[ص-] وكذا (١) قول مسروق، ويوسف بن مهران، عن ابن عباس. ش- قول مسروق بن الأجدع الكوفي رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن مسروق، أنه قال: " صلاة الخوف: يقوم الإمام ويصفون خلفه صفين، ثم يركع الإمام، فيركع الذين يلونه، ثم يسجد بالذين يلونه، فإذا قام تأخر هؤلاء الذين يلونه، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، فركع بهم، وسجد بهم، والآخرون قيام، ثم يقومون فيقضون ركعة ركعة، فيكون للإمام
стр. 2184
ركعتين في جماعة، ويكون للقوم ركعة ركعة في جماعة، ويقضون الركعة".
وكذا روي، عن غندر، عن شعبة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف
ابن مهران، عن ابن عباس مثلُ ذلك، ويوسف بن مهران ذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: يروي عن ابن عباس، روى عنه: عليّ بن زيد ابن جدعان.
ص- وكذلك روى يونسُ، عن الحسنِ، عن أبي موسى، أنه فَعَلَهُ.
ش- أي: كما رُوي عن ابن عباس، روى يونس بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أبي موسى الأشعري، أنه فعله، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه "، قال: نا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " أن أبا موسى صلى بأصحابه بأصبهان، فصلت طائفة منهم معه،/ وطائفة مواجهة العدو، فصلى بهم ركعة، ثم نكصوا، وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، وقامت الطائفتان، فصلتا ركعة ركعة ".
***
٢٧٣- باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة
أي: هذا باب في بيان من قال: يصلي الإمام بكل طائفة ركعة.
ص- ثم يُسَلَمُ، فَيَقُومُ الذين خَلفَهُ، فَيُصَلونَ رَكعةَ، ثم يَجِيءُ الآخَرُونَ
إلى مَقَام هؤلاءِ، فَيُصَلُّون رَكعةً.
ش- هذه الصورة هي بعينها مثل الصورة الأولى، ولكن بينهما فرق
يسير، وهو أن قضاء القوم في الصورة الأولى التي هي من حديث ابن
عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي هذه الصورة
التي/ هي في حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقا على صفة صلاتهم، [٢/ ١٢ ١- ب] وبهذا الفرق أيضاً يفرق بين الحديثين، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على
ما في حديث ابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه- كما ذكرناه-.
стр. 2185
١٢١٥- ص- نا عمران بن ميسرة، نا ابن فضيل، نا خصيفٌ، عن
أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: " صَلَّى (١) رسولُ الله صَلاةَ الخَوْف فَقَامُوا صَفا خَلفَ رَسول الله، وَصَفٌّ مُسْتَقْبل العَدُوّ، فَصلَّى بهَمُ النبيُّ ﵇ رَكعةً، ثم جَاءً الآَخَرُونَ، فَقَامُوَا مَقَامَهُمْ، واسْتَقْبَلِ هَؤلاء العَدُوَّ، فَصلى بهمُ النبي- ﵇ رَكعةً، ثم سَلَمَ، فَقَام هَؤلاءَ فَصَفُوا لأنفُسِهِم رَكعةً، ثم "سَلَّمُوا، ثم ذهبُوا، فَقَامُوا مَقَامَ أولئكَ مسْتَقْبليَ العَدُو، وَرَجعً أولئكَ إلى مَقَامِهِم، فَصَلوا لأنفُسِهِم رَكعةً، ثم سًلّمُوا " (٢) . ش- عمران بن ميسرة أبو الحسن المنقري البصري، روى عن:
عبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، وحفص بن غياث، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، وأبو داود (٣) . وابن فضيل: محمد بن فضيل الكوفي، وخصيف- بضم الخاء المعجمة-: ابن عبد الرحمن، قد ذكر مرة، وأبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن مسعود.
قوله: " فقاموا صفاً " أي: مصطفين خلف رسول الله.
قوله: " وصف" أي: وقام صف مستقبل العدو، بمعنى قبالة العدو.
قوله: " مستقبلي العدو " نصب على الحال، وأصله: " مستقبلين العدو " (٤) ، فلما أضيف سقطت النون، والحديث رواه البيهقي أيضاً، وقال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وخصيف ليس بالقوي.
قلت: أبو عبيدة ثقة، اخرج له البخاري محتجاً به في غير موضع، وروى له: مسلم، وغيره، وخصيف وثقه ابو زرعة الرازي، وفي " الكمال " قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة.
стр. 2186
١٢١٦- ص- نا تميم بن المنتصر، أنا إسحاق- يعني: ابن يوسف- عن شريك، عن خُصَيف بإسناده ومعناه، قال: " فكَبرَ نَبي الله- ﵇ فَكَبَّرَ (١) الصَفانِ جميعاً " (٢)
ش- إسحاق بن يوسف الأزرق، وشريك بن عبد الله، وفي هذه الرواية تكون المشابهة للأصول أقوى وكثر، فافهم.
ص- قال أبو داودَ: رواه الثوريُ بهذا المعنى، عن خُصيفٍ.
ش- أي: روى هذا الحديث سفيان الثوري بهذا المعنى، عن خصيف. ص- وَصلى عبدُ الرحمن بنُ سَمُرَةَ هكذا، إلا أن الطُّائفَةَ التي صلى بهم رَكعةً، ثم سَلُّم، مَضَوْا إلى مقَام أصْحَابهم، وجاءَ هؤلاءَ، فصَلوا لأنفُسِهِمْ رَكعةً، ثم رَجَعوا إلى مَقَام أولئكَ، فصَلوَا لأنفُسِهِم رَكعةً ".
ش- عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب القرشي الذي غزا خراسان في زمن عثمان بن عفان، وهو الذي افتتح سِجِسْتان، وكابُلَ، وهذا معلق. ص- نا بذلك مسلم بن إبراهيمِ، نا عبد الصمد بن حبيب، أخبرني أبي:
" أنهم غزَوْا معَ عبدِ الرحمنِ بنِ سمُرَةَ كَابُلَ، فَصلى بنا صَلاةَ الخَوْف ". ش- عبد الصمد بن حبيب، ويقال: ابن عبد الله بن حبيب الأزدي العَوْفِي البصري، سكن بغداد. روى عن: أبيه، ومَعْقِل القَسْمَلِي، وسعيد بن طهمان. روى عنه: مسلم بن إبراهيم، وبُهْلُولُ بن إسحاق. قال البخاري: في الحديث، ضعفه أحمد. وقال أبو حاتم: حديثه ليس بالمتروك، يحول من كتاب الضعفاء. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له أبو داود (٣) .
وأبوه حبيب بن عبد الله الأزدي البصري. روى عن: سنان بن سلمي. روى عنه: ابنه عبد الصمد. روى له: أبو داود، والترمذي (٤) .
стр. 2187
قوله: " كابُلَ " بضم الباء الموحدة، ناحية من ثغور طخارستان، ولها
مدن، ولها عود وزعفران، وهليلج , لأنها متاخمة للهند، نسب إليها
غير واحد من الرواة، ولها ذكر في الفتوح، وذكرت في كتاب " الأقاليم
والبلدان ": إن كابُلَ من عمل باميان، وفيها المسلمون، وكفار الهنود،
وهي فرضة للهند، وقال في " القانون ": قلعة كابُلَ مستقر ملوك
الأتراك، كانوا، ثم البراهمة، وينسب إليها الأهليلج، وليس بها شيء
منه، ولكن لما كانت فرضة للتجار، يقصد فيها بالأهليلج وغيره، وفي
غربيِّها غزنة.
ثم ذكر هذا الخبر في هذا الباب يدل على أن عبد الرحمن بن سمرة [٢/ ١٢٢ - أ] صلى/ صلاة الخوف، مثل قول ابن مسعود- ﵁. ***
٢٧٤- باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ولا يقضون
أي: هذا باب في بيان قول من قال: يصلي الإمام بكل طائفة ركعة،
ولا يقضون بعد ذلك الركعة الباقية.
١٢١٧- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدَّثني الأشعث بن
سليم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهْدَمِ، قال: " كُنا معَ سعيدِ بنِ
العاصِ بِطَبَرسْتَانَ، فقامَ فقالَ: أَيُّكُم صَلَّى معَ رسول الله صَلاةَ الخَوْف؟
فقالَ حذَيفةُ أَنا، فَصلى بهؤلاءِ رَكْعةً، وبهؤلاءِ رَكْعةً، ولَم يَقْضُوا " (١) .
ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري، والأشعث بن أبي الشعثاء سليم
الكوفي.
والأسود بن هلال المحاربي أبو سلام الكوفي. سمع: عمر بن
الخطاب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، والمغيرة بن شعبة.
روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وأشعث بن سليم، وحميد بن زياد.
стр. 2188
قال ابن معين: ثقة. مات سنة أربع وثمانين. روى له البخاري، ومسلم، وأبو نا ود، والنسائي (١) .
وثعلبة بن زهدم- بالزاي- اليربوعي، قال البخاري: يقال: له صحبة، ولا يصح حديثه في الكوفيين. وقال عبد الرحمن: يقال: له صحبة، وذكره في " الكمال " في الصحابة (٢) .
وسعيد بن العاص قد ذكرناه مرة، وكان عثمان استعمله على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان فافتتحها، وهي بفتح الطاء، والباء الموحدة، والراء، وسكون السن المهملة، وبالتاء المثناة من فوق، وبعد الألف نون، وهي بلاد كثيرة المياه، والأشجار، والغالب عليها الغياض، وأبنيتها بالخشب، والقصب، وهي بلاد كثيرة الأمطار، ويرتفع منها إبريسم يعم الآفاق، وغالب خبزهم الأرز، وهي شرقي كيلان، وإنما سميت بذلك , لأن " طبر " بالفارسية الفأس، و" استان " الناحية، ومن كثرة اشتباك أشجارها لا يسلك فيها الجيش إلا بعد أن يقطع الأشجار من بين أيديهم بالطبر، فسميت بذلك طبرستان، أي: ناحية الطبر، ومن بلادها رؤيان خرج منها جماعة من أهل العلم، وناتل، والأرجان، وويمة، وآمل، وهي أكبر مدينة بطبرستان، ومنها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ومَامْطير خرج منها جماعة من أهل العلم. والحديث أخرجه النسائي. وقالَ الخطابي (٣) : قد تأوله قوم من أهل العلم على صلاة شدة الخوف. وروي عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول في الركعتين في السفر: ليستا بقصر، إنما القصر واحدة عند القتال. وقال بعض أهل العلم في قول الله تعالى: ﴿فلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) ، إنما هو أن يقصر
стр. 2189
ويصلي ركعة واحدة عند شدة الخوف، وكان إسحاق بن راهويه يقول: أما عند المسايفة فتجزئك ركعة واحدة، يومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة , لأنها ذكر الله- عَر وجَلَّ-. وروى عن: عطاء، وطاووس، والحسن، ومجا هد، والحكم، وحماد، وقتادة، في شدة الخوف ركعة واحدة، يومئ بها إيماء، فأما سائر أهل العلم، فإن صلاة شدة الخوف عندهم لا تنقص من العدد شيئا، ولكن تصفَى على حسب الإمكان ركعتين، أي وجه توجهوا إليه، رجالا وركبانا، يومئون إيماء، وروى ذلك عن: عبد الله بن عمر، وبه قال النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول مالك، والشافعي. ص- قال أبو داود: وكذا رواه عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ، ومجاها، عن ابنِ عباسٍ.
ش- أي: كذا روى هذا الحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ومجاهد بن جبر، عن ابن عباس، عن النبي- ﵇ وأخرجه النسائي من حديث أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنه، وفيه: " فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا لا. ص- وعبدُ اللهِ بنُ شقيقٍ، عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ- ﵇. ش- أي: وكذا روى عبد الله بن شقيق العقيلي، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇، وقوله: "عن النبي " متعلق بكل واحد من [٢/ ١٢٢ - ب] أبي هريرة، وابن عباس لأن رواية/ ابن عباس أيضاً مرفوعة، كما أخرجها النسائي مرفوعة.
ص- وبزيدُ الفقيرُ، وأبو موسى (١) جميعاً عن جابر، عن النبيِّ- ﵇ (٢) .
стр. 2190
ش- أي: وكذا روى يزيد الفقير، وهو يزيد بن صهيب ابو عثمان الكوفي، وأبو موسى رجل من التابعين، وليس بأبي موسى الأشعري، وفي حديث بعضهم عن جابر: " أنهم قضوا ركعة أخرى " وفي " المصنف " (١) : نا وكيع، ثنا المسعودي، ومسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: " صلاة الخوف ركعة ركعة ".
قوله: " جميعاً " حال من " يزيد وأبي موسى،، بمعنى مجتمعين.
ص- وكذلك رواه سِمَاك الحنفي، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ- ﵇ قال: " فكَانتْ للقوم رَكعةَ رَكعةَ، وللنبيِّ- ﵇ رَكعتين ".
ش- أي: وكذلك روى الحديث سماك بن الوليد أبو زميل الحنفي، اليمامي، عن عبد الله بن عمر. قال احمد، ويحيى: سماك ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى عنه: الأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وغيرهم. وروى له: مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وهذا معلق كالروايات الماضية.
ص- وكذلك زيدُ بنُ ثابتِ، عن النبيّ- ﵇.
ش- أي: كذلك روى زيد بن ثابت الأنصاري، عن النبي- ﵇ قال: " فكانت للقوم ركعة، وللنبي- ﵇ ركعتين وأخرجه النسائي، وذكره أبو داود معلقا
١٢١٨- ص- نا مسدد، وسعيد بن منصور، قالا: ثنا أبو عوانة، عن بكير بن ا "خنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " فَرَضَ اللهُ الصلاة على لسَان نَبيكُم ﷺ في الحَضَر أربعاً وفي السَفَر رَكعتين، وفي الخَوْف رَكعًة (٢)
стр. 2191
ش- أبو عوانة الوضاح.
وبكير بن الأخنس الكوفي السدوسي، ويقال: الليثي. روى عن: أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ومسعر، والأعمش، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وقوله: " وفي الخوف ركعة " محمول على أنه مع الإمام، حتى لا يكون مخالفاً لغيره من الأحاديث الصحيحة.
***
٢٧٥- باب: قول من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين
أي: هذا باب في بيان قول من قال: يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين، ويكون للإمام ح (٢) أربعا.
١٢١٩- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: نا صلى رَسولُ الله في خَوف الطهْر، فَصُف بعضُهم خَلفَهُ، وبَعْضُهُم بإزَاء العَدو، فَصلى (٣) رَكعتينِ، ثم سلم، فانطلَقَ الذين صفُوا معه، فَوَقَفُواَ مَوْقَفَ أصْحَابِهِم، ثم جَاءَ أولئكَ، فَصَلُّوا خَلفَهُ، فَصَلَّى بهم رَكعتين، ثم سَلًّمَ، فكانتْ لِرَسُولِ اللهِ أربعاً ولأصْحَابِهِ ركعتين ركعتين " (٤) .
стр. 2192
ش- الأشعث بن عبد الملك الحُمْراني الأعمى، والحسن البصري، وأبو بكرة نفيع بن الحارث، وقد ذكرناه.
قوله: " فكانت لرسول الله أربعا " أي: كانت الصلاة في حق رسول الله أربع ركعات، وفي حق أصحابه ركعتين ركعتين، " (١) قال المنذري في "مختصره ": قال بعضهم: كان النبي- ﵇ في غير حكم سفر، وهم مسافرون، وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي- ﵇ لفضيلة الصلاة خلفه. وقال الخطابي، والنووي: وفيه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنقل، ويعترض عليه بأنه لم يسلم من الفرض كما في حديث جابر، وقيل: إنه- ﵇ كان مخيراً بين القصر والإتمام في السفر، فاختار الإتمام، واختار لمن خلفه القصر، وقال بعضهم: كان في حضر ببطن نخلة على باب المدينة، ولم يكن مسافراً، وإنما كان خوف فخرج منه محترسا.
قلت: يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في " المعرفة " من طريق الشافعي: أخبرنا الثقة ابن علية، أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر: " أن النبي- ﵇ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم ".
وأخرج الدارقطني: عن عنبسة، عن الحسنة، عن جابر: " أن النبي
﵇ كان محاصراً لبني محارب، فنودي بالصلاة " فذكر نحوه/، والأول أصح، إلا أن فيه شائبة الانقطاع، فإن شيخ الشافعي [٢/ ١٢٣ - أ] مجهول، وأما الثاني ففيه عنبسة بن سعيد القطان، ضعفه غير واحد، وقال غيره: لم يحفظ عن النبي- ﵇ أنه صلى صلاة الخوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد، ولما ذكر الطحاوي
стр. 2193
حديث أبي بكرة المذكور قال: يحتمل أن يكون ذلك كان [في] وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام، حتى نهى عنه، ثم ذكر حديث ابن عمرة أن النبي- ﵇ نهى أن تصلى فريضة في يوم مرتين "، قال: والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة (١) .
والحديث أخرجه: النسائي، وليس فيه فتوى الحسن.
ص- وبذلك كان يفتي الحسن.
ش- أي: بمثل ما ذكر كان يفتي الحسن البصري. لأنه على قضية التعديل، وعبرة التسوية بين الصلاتين، لا يفضل فيها طائفة على الأخرى، بل كل يأخذ قسطه من فضيلة الجماعة، وحصته من بركة الأسوة.
ص- قال أبو داود: وكذلك في المغرب يكون للإمام ست ركعات وللقوم ثلاث ثلاث.
ش- أي: بالطريق المذكور يكون في صلاة المغرب للإمام ست ركعات , لأنه يصلي بكل واحدة من الطائفتين ثلاث ركعات كاملة، فيكون له ست، وللقوم ثلاث ثلاث.
ص- وكذلك رواه يحيى بن أبى كثير، عن أبى كلمة، عن جابر، عن النبي- ﵇.
ش- أخرجه مسلم عن أبي سلمي، عن جابر، قال: " أقبلنا على رسول الله حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله، قال: فجاء رجل من المشركة وسيف رسول الله معلق بشجرة، فأخذه فاخترطه، ثم قال لرسول الله: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، قال: فتهدده
стр. 2194
أصحاب رسول الله، فأغمد السيف، وعلقه، قال: ثم نودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله أربع ركعات، وللقوم ركعتين،، وأخرجه البخاري تعليقا، واستدل صاحب " الهداية " بهذا الحديث أن الإمام إذا كان مقيماً، صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين. ص- وكذلك قال سليمان اليشكري: عن جابر، عن النبي- عليه
السلام-.
ش- سليمان بن قيس اليشكري البصري، روى عن: جابر بن عبد الله. روى عنه: قتادة، وعمرو بن دينار. قال أو زرعة: بصري ثقة. وقال أبو حاتم: جالس سليمان اليشكري ص برأ، وسمع منه، وكتب عنه صحيفة، وتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، وروى أبو الزبير، وأبو سفيان، والشعبي، عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة. روى له: الترمذي، وابن ماجه (١) .
***
٢٧٦- باب: صلاة الطالب
أي: هذا باب في بيان صلاة من يطلب العدو، ليقتله.
١٢٢٠- ص- نا عبد الله بن عمرو أبو معمر، نا عبد الوارث، نا محمد ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: " بَعَثَني رسولُ الله ﷺ إلى خالد بنِ سفيان الهُذِلي- وكان نحو عُرَنَةَ وَعَرَفَات، قال (٢) : اذهب فاقْتُلهُ، قَال: فرأيتُه وحَضَرَتْ صلاةُ العصرِ، فقلتُ: ً إنه لأخَافُ أن يكونَ بينِي وبينه ما أنْ أؤَخرَ الصلاةَ، فانطلقتُ أمْشي، وأنا أصلي، أومئُ إيماءً نحوه، فلما دنَوْتُ منه، قال لي: مَنْ أنتَ؟ قلتَ: رَجُل من العَربِ، بَلَغَنِي أنك تَجْمَعُ لهذا الرَّجُلِ، فَجِئتُكَ في ذَاكَ،
стр. 2195
قال: إني لَفِي ذَاكَ، فمشيتُ معه سَاعة، حتى إذا أمكَنَنِي عَلَوْته بسيْفِي حتى بَرَدَ " (١) .
ش- عبد الوارث بن سعيد، ومحمد بن جعفر بن الزبير بن العوام. وابن عبد الله بن أنيس هذا هو: عبد الله بن عبد الله بن أنيس، جاء ذلك مبينا في رواية محمد بن سلمة الحراري، عن محمد بن إسحاق، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: يروي عن أبيه في ليلة (٢) [٢/ ١٢٣ - ب] / القدر. روى عنه: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (٣) .
وعبد الله بن أنيس بن أسعد (٤) بن حرام بن حبيب بن مالك، عداده في جهينة، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، ولم يشهد بدراً، وشهد أُحُداً، والخندق، وما بعدها من المشاهد مع رسول الله، وبعثه رسول الله سرية وحده، روي له عن رسول الله- ﵇ أربعة وعشرون حديثا، روى له مسلم حديثا واحدا في ليلة القدر. وروى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، ومن التابعين: بسر (٥) بن سعيد، وبنوه: عطية، وعمرو، وضمرة، وعبد الله بنو عبد الله. مات سنة أربع وخمسين. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٦) .
قوله: " بعثني رسول الله إلى خالد بن سفيان "، وكان خروجه من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجره، وذكره البيهقي في " الدلائل " تلو مقتل أبي رافع، وذلك أنه لما
стр. 2196
بلغه- ﵇ أن خالد بن سفيان (١) قد جمع لرسول الله- ﵇ فبعث إليه عبد الله وحده، فقال: " يا رسول الله، صفه لي، فقال: إذا رأيته هبته، وفرقت منه، وذكرت الشيطان، قال: وكنت لا أهاب الرجال، فاستأذنت رسول الله أن اقفل، فأذن لي، فأخذت سيفي، وخرجت، حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي، ووراءه الأحابيش، فعرفته بنعت رسول الله، وهبته، وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي، وأنا أصلي، أومئ إيماء نحوه "، وفي رواية: " برأسي " "فقال: مَن الرجل؟ فقلت: من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد، فجئتك لأكون معك، قال: أجل، إني لأجمع، فمشيت معه وحدثته، واستحلى حديثي، وتفرق عنه أصحابه، حتى إذا هدأ الناس وناموا، اغتررته فقتلته، وأخذت رأسه، ثم دخلت غاراً في الجبل، وضَرَبَتِ العنكبوتُ علي، وجاء الطالب فلم يجدوا شيئاً، فانصرفوا، ثم خرجت فكنت أسير الليل، وأتوارى بالنهار، حتى قدمت المدينة، فوجدت رسول الله في المسجد، فلما رآني قال: افلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع- إلي عصا، وقال: تحضر بهذه في الجنة، فكانت عنده، فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه ففعلوا، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم ".
قوله: " نحو عُرنة وعرفات " عرنة- بضم العين المهملة، وبالراء المفتوحة- وسكنها بعضهم، والأول أصوب، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث، وبطن عرضة هو بطن الوادي الذي فيه المسجد، والميل كله، وهو من الحرم. وقال الشافعي: عرفة ما جاوز وادي عربة، وليس بالوادي، ولا المسجد من عينة، وعرفات علم للموقف، سمي بجمع كأس رعيت.
стр. 2197
فإن قيل: لِمَ لم يمنع الصرف، وفيها السببان: التعريف، والتأنيث؟ قلت: التأنيث فيها لايح (١) ، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، صاما بتاء مقدرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي والألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها , لأن اختصاص هذه التاء بالجمع المؤنث مانعة من تقديرها، وإنما سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم- ﵇ فلما أبصرها عرفها، وقيل: الْتَقَى آدم وحواء فيها فتعارفا، وقيل: لأن الناس يتعارفون فيها.
قوله: " ما أن أؤخر الصلاة " كلمة " ما " اسم لقوله: " أن يكون " أعني: فاعله، وخبره قوله: " بيني وبينه "، وكلمة " أن " زائدة، وزعم الأخفش أن " أن " تجيء زائدة مع كونها تنصب المضارع، كما تجر من، والباء الزائدتان الاسم.
قوله: " إني لفي ذاك " أي: في جمع الناس لأجل محمد.
قوله: " علوته بسيفي " أي: ضربته به.
قوله: " حتى برد " أي: مات، وهو بفتح الراء.
[٢/ ١٢٤ - أ] وقال الخطابي (٢) في هذا الحديث: واختلفوا/ في صلاة الطالب. قال عوام أهل العلم: إذا كان مطلوبا كان له أن يصلي إيماء، وإذا كان طالبا نزل إن كان راكبا، وصلى بالأرض راكعاً، وساجداً، وكذلك قال الشافعي، إلا أنه شرط في ذلك شرطا لم يشترطه غيره، وقال: إذا قَل (٣) الطالبون عن المطلوبين، وانقطع الطالبون عن أصحابهم، فيخافون عودة المطلوبين عليهم، فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماء، قال الخطابي: وبعض هذه المعاني موجودة في قصة عبد الله بن أنيس. وقال صاحب " المحيط ": والطالب إن كان راكبا لا يجور صلاته على الدابة لعدم ضرورة الخوف في حقه، وإن كان مطلوباً فلا بأس بأن يصلي
стр. 2198
وهو سائر , لأن السير فعل الدابة حقيقة، وإنما أضيفت إليه معنى مسيره، فإذا جاء العدو انقطعت الإضافة إليه بخلاف ما لو صلى وهو يمشي، حيث لا يجوز , لأن المشي فعله حقيقة، وهو مناف للصلاة، والحديث أخرجه: أحمد، والبيهقي بأتم منه.
***
٢٧٧- باب: تفريع أبواب التطوع وركعات السُّنَّة
أي: هذا باب في بيان تفريع أنواع التطوع، وفي بيان ركعات السُّنَّة، وفي بعض النسخ:" باب في ركعات السُّنَة ".
١٢٢١- ص- نا محمد بن عيسى، نا ابن علية، نا داود بن أبي هند، حدَّثني النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، قالت: قال النبي- ﵇: " مَنْ صَلَّى في يَومِ ثنْتَي عَشْرَةَ رَكْعةَ تَطَوعاً بَنَى اللهُ له (١) بِهِنَّ بَيتاً في الجَنةِ " (٢) .
ش- ابن علية: إسماعيل.
والنعمان بن سالم الطائفي. روى عن: عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير، وعمرو بن أوس، وغيرهم. روى عنه: سماك، وشعبة، وداود بن أبي هند، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: الجماعة إلا البخاري (٣) .
стр. 2199
وعمرو بن أوس الثقفي المكي. روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق، وعنبسة بن أبي سفيان. روى عنه: عمرو بن دينار، ويعلى بن عطاء، والنعمان بن سالم، مات قبل سعيد بن جبير، وقتل سعيد سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة (١) . وعنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو يزيد، ومعاوية، وأم حبيبة زوج النبي- ﵇ أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان. سمع: أخته أم حبيبة. روى عنه: عمرو بن أوس، ومكحول، وشهر بن حوشب، وغيرهم. روى له: الجماعة إلا البخاري (٢) . واستدل صاحب " الهداية "، وصاحب " ألمحيط "، وغيرهما بهذا الحديث أن السنن المؤكدة في الصلوات الخمس اثنتا عشرة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وبعدها ركعتان، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وزاد الترمذي، والنسائي: " أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة "، وللنسائي في رواية: " وركعتين قبل العصر" بدل! وركعتين بعد العشاء!، وكذلك عند ابن حبان في " صحيحه" في النوع الأول من القسم الأول، رواه عن ابن خزيمة بسنده، وكذلك رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وجمع الحاكم في لفظه بين الروايتين، فقال فيه: " وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد العشاء "، وكذلك عند الطبراني في " معجمه ".
١٢٢٢- ص- نا أحمد بن حنبل، نا هشيم بن بشير، أنا خالد ح، ونا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا خالد- المعنى- عن عبد الله بن شقيق، قال: سألتُ عَائشةَ عن صلاة رسول الله ﷺ في التطَوع؟ فقالت:! كان يُصَفي قبلَ الظهرِ أربعا في بَيتِيَ، ثم يَخْرج فَيُصَلي بالناسِ، ثم يَرْجِعُ إلى بَيتِي،
стр. 2200
فَيُصَلّى رَكعتينِ، وكان يصلي بالناسِ المغربَ، ثم يَرْجِعُ إلى بيتِي فَيُصَلِّي رَكعتينِ، وكان يُصَلِّي بهمُ العِشَاءَ، ثم يَدْخُلُ بيتي فَيُصَلِّي رَكعتينِ، وكان
يُصَلّي مِن اللَيلِ تسَعَ رَكَعات، فيهن الوترُ، وكان يُصَلِّي لَيلاً طَوِيلاً قائماً،
ولَيلاً طوِيلاً جالسا، فإذا قَرًأ وهو قَائمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وهو قَائمٌ، وإذا قَرَأ
/ وهو قَاعدُ رَكَعً وسَجَدَ وهو قَاعد، وكَان إذا طَلَعَ الفَجْرُ صلى ركعتين، ثم [٢/ ١٢٤ - ب] يَخْرُجُ فَيُصًفَي بالناسِ صَلاةَ الفَجرِ " (١) .
ش- خالد الحذاء.
واستفيد من الحديث فوائد:
الأولى: " (٢) استحباب النوافل الراتبة في البيت، وهو قول الجمهور،
وسواء في ذلك راتبة فرائض النهار والليل، وقال جماعة من السلف
الاختيار (٣) فعلها في المسجد كلها. وقال مالك، والثوري: الأفضل
فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد، وراتبة الليل في البيت، ودليل
الجمهور هذا الحديث، وأمثاله، وفيه التصريح بأنه- ﵇ صلى
النوافل الراتبة في بيت عائشة.
الثانية: استحباب الصلاة بالليل.
الثالثة: تأخير الوتر.
الرابعة: جواز صلاة التطوع قاعداً، مع القدرة على القيام.
الخامسة: كره قوم لمن افتتح الصلاة قاعداً أن يركع قائماً واحتجوا
стр. 2201
بهذا الحديث، وخالفهم آخرون، وأجازوا ذلك، واحتجوا بحديث عائشة: " أن رسول الله- ﵇ كان يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فماذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين، أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثم يركع ". الحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وهو محمول على أن عائشة رأته فعل هذا مرة، وفعل هذا مرة، فأخبرت بهما، وأما لو افتتح النافلة قائماً ثم أراد الجلوس من غير عذر جاز عند أبي حنيفة. وقال ابو يوسف، ومحمد: لا تجزئه، والمسألة معروفة في الفقه. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراً، ومطولاً.
١٢٢٣- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر:
" أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي قَبْلَ الظهرِ ركعتين، وبعد ركعتين، وبعدَ المغرب ركعتين في بَيْته، وبعدَ صَلاة العشاء رَكعَتين، وكان لا يُصلي بعدَ الجُمُعَةَِ حتى يَنصرِفَ، فَيُصَلِّي ركعتين " (١) .
ش- أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
واعلم أن اختلاف الأحاديث في أعداد النوافل الراتبة محمول على توسعة الأمر فيها، وان لها أقل وأكثر، فيحصل أقل السنة بالأقل، ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل.
١٢٢٤- ص- لا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة: " أن النبيَّ- ﵇ كان لا يدع أربعاً قَبلَ الظهرِ،! رَكعتينِ قبلَ صَلاةِ الغَدَاةِ " (٢) .
ش- يحيى القطان.
стр. 2202
وأبوه: محمد بن المنتشر أبو إبراهيم ابن أخي مسروق بن الأجدع. سمع: ابن عمر، وعائشة، وعمرو بن شرحبيل أبا ميسرة (١) . روى عنه: ابنه إبراهيم، وسماك بن حرب، ومجالد بن سعيد. روى له: الجماعة (٢) . والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
***
٢٧٨- باب: ركعتي الفجر
أي: هذا باب في بيان ركعتي الفجر، يعني سُنَّته، وليس في غالب النسخ ذكر لفظ الباب.
١٢٢٥- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن ابن جريج، حدثني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: " إِن رسولَ الله ﷺ لم يكنْ على شَيء من النوَافِلِ أشدُ مُعَاهدةً منه على الركْعتينِ قبلَ الصُبحَ " (٣) .
ش- يحيى القطان، وعبد الملك بن جريج، وعطاء بن أبي رباح، وعبيد- بضم العين- ابن عمير بن قتادة المكي.
قوله: " أشد معاهدة " أي: حفظاً، ورعاية، وملازمة، ولذلك (٤) قال الحسن البصري: إن سُنَة الصبح واجبة، والصواب قول الجمهور: إنها سُنَّة. والحديث: أخرجه مسلم، والبخاري.
***
٢٧٩- باب: تخفيفها
أي: هذا باب في بيان تخفيف ركعتي الفجر.
١٢٢٦- ص- نا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا زهير بن معاوية نا يحيى
стр. 2203
ابن سعيد، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشةَ، قالت: " كانَ رسولُ الله يُخَفِّف الركعتين قبلَ صَلاة الفجر حتى إني لأقُولُ: هَلْ قَرَأ فيهما بِأمِّ القُرآنَ؟! " (١) .
ش- يحيى بن سعيد الأنصاري.
ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة (٢) ، عامل عمر بن عبد العزيز. روى عن: سالم بن عبد الله بن عمر، وابن كعب، وعمته (٣) عمرة، والأعرج، وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وابن عجينة، وغيرهم. توفي سنة أربع وعشرين ومائة. روى له: الجماعة (٤) .
وعمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد، وقد ذكرناها مرة.
قوله: " حتى إني لأقول " إلى آخره، دليل المبالغة في التخفيف، والمراد:
[٢/ ١٢٥ - أ] / المبالغة بالنسبة إلى عادته- ﵇ من إطالة صلاة الليل، وغيرها من نوافله، وليست فيه دلالة لمن قال: لا يقرأ فيهما أصلاً كما حكى الطحاوي، والقاضي عن جماعة أنهم قالوا: لا يقرأ فيهما أصلاً، وقد ثبت في " الصحيح ": " أن رسول الله كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يا أيهَا الكافِرُون﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَد﴾ وقوله: " لا صلاة إلا بقراءة ". فإن قيل: إذا أطالهما المصلي هل يكره؟ قلت: قال بعض السلف:
لا يكره إطالتهما، ولعلهم " أرادوا أنها ليست محرمة، ولم يخالَف في استحباب التخفيف.
стр. 2204
١٢٢٧- ص- نا يحيى بن معين، نا مروان بن معاوية، نا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: " أن النبي- ﵇ قَرَأ في رَكْعَتَي الفجرِ: ﴿قُلْ يأَيُّهَا الكافِرُون﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد﴾ (١) ". ش- يزيد بن كيسان، أبو إسماعيل اليشكري، ويقال: أبو منير الكوفي. سمع: أبا حازم الأشجعي، ومعبدا أبا الأزهر. روى عنه: يحمى القطان، ومروان بن معاوية، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم. قال يحمى القطان: ليس هو ممن يعتمد عليه، هو صالح متوسط. روى له: الجماعة إلا البخاري (٢) .
وأبو حازم هذا اسمه: سلمان الأشجعي، وقد ذكرناه.
وفيه فائدتان، الأولى: إن في سُتة الفجر قراءة.
والثانية: إن المستحب تخفيفهما. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١٢٢٨- ص- نا أحمد بن حنبل، نا أبو المغيرة، حدثني عبد الله بن العلاء، حدثني أبو زيادة عبيد الله بن زياد الكندي، عن بلال، أنه حدثه: "أنهُ أتَى رسولَ الله ليُؤْذنَهُ بِصلاة الغَداة، فَشَغَلَتْ عَائشةُ بلالاً بأمْر سَألَتْهُ عنه حتى فَضَحهُ الصُبحُ، فأصبح جَدا، قاَل: فَقَامَ بلالٌ، فآذنه بالصلَاة، وتَابَعَ أذَانَهُ فلم يَخْرج رسولُ الله، فلَما خَرجَ صلى بَالناسِ، وأخبرَه أن عائشةَ شَغَلَتْهُ بأمر سَألتْهُ عنه حتى أصبح جدا، وأنه أبْطأ عليه بالخُروج، فقال: إني كُنتُ رَكَعْتُ ركعتي الفجرِ، فقال: َ يا رسولَ الله، إنك أصبحت جدا؟ قاتل: لو أَصْبَحْتُ أكْثَرَ مما أصبحتُ لَرَكَعْتُهُمَا، وَأحْسَنتُهُمَا، وَأَجْمَلتُهُمَاَ " (٣) .
стр. 2205
ش- أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي.
وعبيد الله بن زيادة أبو زيادة البكري، ويقال: الكندي الدمشقي. روى عن: بلال، وأبي الدرداء. روى عنه: عبد الله بن العلاء بن زبر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. روى له: أبو داود (١) .
قوله: " حتى فضحه الصبح " أي: دهمته فضحة الصبح، والفضحة: بياض في غيره، وقد يحتمل أن يكون معناه: إنه لما تبين له الصبح جدا ظهرت غفلته عن الوقت، فصار كمن يفتضح بعيب يظهر منه، وقد رواه بعضهم: " فصحه الصبح " بالصاد المهملة، ومعناه: بان له الصبح، ومنه الإفصاح في الكلام، وهو الإبانة باللسان عن الضمير.
قوله: " لركعتهما " يدل على أنها لا تترك، وأنها سُنَّة مؤكدة.
قوله: " وأحسنتهما " إحسانهما كناية عن تكميل أركانها، وفروضها،
وإجمالهما كناية عن ترتيب أفعالها، وأقوالها.
١٢٢٩- ص- نا مسدد، نا خالد، نا عبد الرحمن- يعني: ابن إسحاق المدني-، عن ابن زيد، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَدَعُوهُمَا وإنْ طَرَدَتكُمُ الَخَيْلُ " (٢) .
ش- خالد الحذاء، وعبد الرحمن بن إسحاق-، ويقال: عباد بن إسحاق المدني، وقد بيناه، وابن زيد اسمه: محمد بن زيد بن المهاجر ابن قنفد التيمي الجدعاني المدني، وقد ذكرناه مرة، وابن سيلان اسمه: عبد ربه بن سيلان، جاء مبينا في بعض طرقه، وقيل: هو جابر بن سيلان. وقال ابن حبان، وقد ذكره في " الثقات ": عبد ربه بن سيلان، يروي عن: أبي هريرة، عداده في أهل المدينة، وهو الذي يقال له: عبد ربه الدوسي. روى عنه: محمد بن مهاجر، وسِيلان بكسر الشن المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وآخره نون.
قوله: " لا تدعوهما " بفتح الدال، أي: لا تتركوهما، أي: ركعتي
стр. 2206
الفجر، " وإن طردتكم الخيل " أي: الفرسان، وهذا كناية عن المبالغة،
وحث عظيم على مواظبتهما، وبه استدل أصحابنا أن الرجل إذا انتهى إلى
الإمام في صلاة الفجر، وهو لم يصل/ ركعتي الفجر، إن خشي تفوته [٢/ ١٢٥ - ب] ركعة ويدرك الأخرى يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل
ولا يتركهما، وأما إذا خشي فوت الفرض فحينئذ دخل مع الإمام، ولِم
يصل , لأن فوات الجماعة أعظم، والوعيد بالترك ألزم، بخلاف سُنة
الظهر حيث يتركها في الحالين , لأنه يمكن أداؤها في الوقت بعد الفرض
في القول الصحيح. وقال عبد الحق في " أحكامه " بعد أن ذكر هذا
الحديث من جهة أبي داود بن سيلان: هذا هو عبد ربه وليس إسناده بالقوي. انتهى. وقال ابن القطان في " كتابه ": وعلته الجهل بحال ابن سيلان، ولا ندري اهو عبد ربه بن سيلان، أو جابر بن سيلان؟ فجابر
ابن سيلان يروي عن ابن مسعود، روى عنه: محمد بن زيد بن مهاجر،
كذا ذكره ابن أبي حاتم، وذكره الدارقطني فقال: يروي عن أبي هريرة،
روى عنه: محمد بن زيد بن مهاجر، وأيهما كان فحاله مجهول لا
يعرف، وأيضاً فعبد الرحمن بن إسحاق هو الذي يقال له: عباد المقرئ،
قال يحيى القطان: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه، وقال أحمد: روى
أحاديث منكرة.
قلت: أما عبد ربه بن سيلان فقد ذكره ابن حبان في " الثقات "- كما
ذكرناه- وأما (١) عبد الرحمن بن إسحاق فقد أخرج له مسلم، ووثقه
ابن معين، واستشهد به البخاري، وإنما لم يحمَدُوه في مذهبه، فإنه كان
قدرنا منعوه من المدينة، فأما رواياته فلا بأس بها، كذا قاله البعض،
وروى أبو يعلى الموصلي في " مسنده " بإسناده إلى ابن عمر، قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تتركوا ركعتي الفجر، فان فيهما الرغائب ".
стр. 2207
١٢٣٠- ص- نا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عثمان بن حكيم، أخبرني سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عباس: " أنَّ كثيرا مما كانَ يَقْرَأ رسولُ الله ﷺ في رَكْعَتَي الفجر بـ ﴿أمَنَّا بالله وَمَا أنزلَ إِلَيْنَا﴾ وهذه الآية (١) ، قال: هذهَ في الركعة الأولَىَ، وفي اَلركَعة الآخرة ب ﴿أمَنَّا بالله وَاشْهَدْ بأنا مُسْلِمُوَن﴾ (٢) " (٣) .ًًَ
ش- سعيد بن يسار هو: ابن أبي الحسن البصري، أخو الحسن البصري. سمع: عبد الله بن عباس، وأبا هريرة. روى عنه: عوف الأعرابي، ويحيى بن أبي إسحاق، وعليّ بن عليّ الرفاعي. توفى قبل الحسن سنة مائة. روى له الجماعة (٤) .
ويستفاد من الحديث: أن قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في ركعتي الفجر سُنَّة، وأن قراءة هاتين الآيتين، أو سورة ﴿قُلْ نا أيها الكافرُون﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَد﴾ ومستحبة. وقال مالك وجمهور أصحابه: َ لا يقرأ غير الفاتحة. وقال بعض السلف: لا يقرا شيئاً- كما سبق- وكلاهما خلاف هذه السنة الصحيحة التي لا معارض لهما. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي
١٢٣١- ص- نا محمد بن الصباح، لا عبد العزيز بن محمد، عن عثمان بن عمر- يعني: ابن موسى- عن أبي الغيث، عن أبي هريرة: " أنه سَمعَ النبي- ﵇ يَقْرَأ في رَكْعَتي الفجرِ: ﴿قُلْ آمَنا بالله وَمَا أنزلَ عَلَينَا﴾ ، وفي الركَعة الآخِرَةِ (٦) بَهذه الآية: ﴿ربنا آمَنَّا بمَا أنزَلتً وَاتبعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشاهدين﴾ (٧) أَو ﴿أنا أرْسَلنَاكَ بالحَق بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أصْحَابِ الجًحِيم﴾ (٨) شَك الدَرَاورْدِيُّ " (٩) .
стр. 2208
ش- عبد العزيز بن محمد الدراوردي.
وعثمان بن عمر بن موسى التيمي، المدني. روى عن: أبان بن عثمان، والزهري، وأبي الغيث، وغيرهم. روى عنه: الدراوردي، وابنه عمر بن عثمان، ومحمد بن راشد. روى له: أبو داود، وابن ماجه (١) .
وأبو الغيث مولى ابن المطيع اسمه: سالم مشهور باسمه وكنيته، روى عن: أبي هريرة، روى له: الجماعة (٢) .
قوله: " شك الدراوردي " أي: عبد العزيز الدراوردي بين قوله: ﴿رَبّنا آمَنَّا بمَا أنزَلتَ﴾ وبين قوله: ﴿إنَّا أرْسَلنَاكَ بِالحَقِّ﴾ الآية، ويفهم من الحديثَ أن الجهر بقراءة النوافل الراتبة بالليل غير مكروه.
***
٢٨٠- باب: الاضطجاع بعدها
أي: هذا باب في بيان حكم الضجعة بعد سُنَة الفجر.
١٢٣٢- ص- نا مسدد، وأبو كامل، وعبيد الله بن عمر بن ميسرة، قالوا: لا عبد الواحد، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :/ " إِذَا صلى أحَدُكُم الركعتين قَبلَ الصبح فَليَضْطَجِعْ [٢/ ١٢٦ - أ] على يَمينِه "، فقال له مَرْوَانُ بنُ الحكم: أمَا يُجْزِئُ أَحَلَنَا مَمْشَاه إلى المسِجد حتى يَضطَجِعِ على يَمينه؟ قال عُبيد الله في حديثه: قال: لا، قال: لْبَلِغً ذلك ابنَ عُمر، فقال: كثَرَ أبو هريرةَ عَلى نَفْسه، قال: فقيلَ لابنِ عُمَر: هل تُنكِرُ شيئاً مما يَقولُ؟ قال: لا، ولكنه اجْتَرَأ وً جَبُنَّا، قال , فَبَلَغَ ذلك أبا هُريرةَ، قال: فما فَنبِي إِنْ كُنتُ حَفِظتُ وَنَسُوا! " (٣) .
стр. 2209
ش- أبو كامل فضيل الجحدري، وعبد الواحد بن زياد، وأبو صالح ذكوان السمان.
قوله: " ممشاه، أي: مشيه، وهو مصدر ميمي.
قوله: " قال عبيد الله " أي: عبيد الله بن عمر القواريري.
قوله: " كثر أبو هريرة على نفسه " كناية عن القول. لا يعني.
قوله: " وجبنا " من الجبن وهو الخوف، وذهب طائفة من العلماء إلى
أن الضجعة بعد ركعتي الفجر لسُنَّة، وممن كان يفعلها أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الضجعة إنما كان يفعلها- ﵇ للراحة من تعب القيام، وكرهها ابن عمر، وحكى ابن مسعود نحوه، وكرهها إبراهيم النخعي، وقال بعضهم: اضطجاعه- ﵇ بعد الركعتين إنما كان في الغِب لأنه كان أكبر عمله أن يصليهما إذا جاءه المؤذن للإقامة، وقال بعضهم: إن كان قام الليل فاضطجع استحماما لصلاة الصبح فلا بأس به، وقال القاضي: ذهب مالك، وجمهور العلماء، وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة، وقال: ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما: إنه لسُنَّة، وكذا بعدهما، قال: وذكر مسلم، عن عائشة: "فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع" (١) ، فهذا يدل على انه ليس لسُنَّة، وأنه تارة كان يضطجع قبل، وتارة بعد، وتارة لا يضطجع.
وقال الشيخِ محيي الدين (٢) : والصحيح، أو الصواب: أن الاضطجاع بعد "مُنَّة الفجر سُنَّة، لحديث أبي هريرة: لا إذا صلى أحدكم " الحديث، رواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
فهذا حديث صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع، وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس قبلها فلا يخالف هذا،
стр. 2210
فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها أن لا يضطجع بعدها، ولعله- ﵇ ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات بيانا للجواز لو ثبت
الترك، ولم يثبت، فلعله كان يضطجع قبلُ وبعدُ، وإذا صح الحديث في
الأمر بالاضطجاع بعدها مع روايات الفعل الموافقة للأمر به تعين المصير
إليه، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لم يجز رد بعضها، وقد أمكن
بطريقين اشرنا إليهما، أحدهما: أنه اضطجع قبلُ وبعدُ، والثاني: أنه
تركه بعد في بعض الأوقات لبيان الجواز.
قلت: قد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا
الوجه، وقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا استحبابا. انتهى. وقد
قيل: إن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة فيكون منقطعا
واخرج ابن أبي شيبة: عن مجاهد، قال: صحبت ابن عمر في السفر والحضر، فما رأيته اضطجع بعد ركعتي الفجر.
وعن سعيد بن المسيب: رأى عمر رجلاً اضطجع بعد الركعتين،
فقال: أحصبوه، أو ألا أحصبتموه، وعن إبراهيم قال عبد الله: ما بال
الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة، أو الحمار، إذا سلم
فقدم فصلى، وعن أبي مجلز، قال: سألت ابن عمر عن ضجعة الرجل
على يمينه بعد الركعتين قبل صلاة الفجر؟ فقال: يتلعب بكم الشيطان.
وعن إبراهيم: هي ضجعة الشيطان. وعن أبي الصديق الناجي قال:
رأى ابن عمر قوماً اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم،
فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك السنة، فقال ابن عمر: ارجع إليهم
فأخبرهم أنها بدعة. وعن إبراهيم، قال عبد الله: ما هذا التمرغ بعد
ركعتي الفجر كتمرغ الحمار؟!
١٢٣٣- نا يحيى بن حكيم، لا بشر بن عمر،/ نا مالك بن أنس، [٢/ ١٢٦ - ب] أبي النضير، عنِ أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشةَ- رضي
الله عنها- قالت: " كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا قَضَى صَلاتَهُ من آخرِ اللَيلِ نَظَرَ، فإنْ كُنتُ مستيقظة حَدثنِي، وإن كنتُ نَائمةً أيقَظَنِي، وصلى اَلركعتينِ، ثم