قوله: يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن " إلى قوله: " فلما أسن " لم يُبين فيها الوتر، غاية ما في الباب بين فيها انه صلى ركعة، فيحمل هذا على انه صلى قبلهاَ ركعتين أخريين، لتتفق الروايات، ولا يقع التضاد فيها. فإن قيل: فعلى هذا يكون الجميع ثلاث (١) عشرة ركعة، وقد صرحت عائشة- ﵂ بقولها: " فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني "، قلنا: يحتمل أنها ما وقعْت إلا على الركعة الثالثة بعد قيامه- ﵇ من التشهد على رأس الركعتين، فظنت انه صلى واحدة، فأخبرت بناء على ظنها أنها واحدة، فلذلك قالت: " فتلك إحدى عشرة "، وإنما أولنا هذا التأويل، لأن غالب الروايات عنها يخالف هذه الرواية، فلما أمكن الجمع بينها بهذا التأويل، صرنا إليه مع تأيده بما رُوي في الأحاديث الناطقة بأن الوتر ثلاث ركعات، وبقوله: " ثمان ركعات لا يجلس فيهن " استدل أبو حنيفة أنه إذا صلى بالليل ثمان ركعات بتسليمة واحدة جاز، ولا يكره.
قوله: " فلما أسن رسول الله، وأخذ اللحم أوتر بسبع " أي: سبع ركعات، أطلقت هنا أيضا على الجميع وتراً، لما فيها من الوتر ثلاث ركعات قبله أربع من النفل، وبالركعتين اللتين كان يصليهما بعده يصير الجميع تسعاً.
قوله: " إلى (٢) مشافهة " أي: إلى قوله: " حتى أشافهها به مشافهة". ١٣١٤- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا سعيد بهذا الحديث قال: يُسلمُ تسليمًا يُسمِعُنَا، كما قال يحيي بن سعيد (٣) .
ش- أي: بالحديث المذكور.
١٣١٥- ص- نا محِمد بن بشار، نا ابن أبي عدي، عن سعيد بهذا الحديث (٤) ، إلا أنه قال: " ويُسلمُ تسليمةً يُسمِعُنَا " (٥) .
стр. 2312
ش- محمد بن أبي عدي، والحاصل أنه روى هذا الحديث من ثلاث
روايات.
١٣١٦- ص- نا علي بن الحسين الدرهمي، نا ابن أبي عدي، عن بهز
ابن حكيم، نا زرارة بن أوفى، أن عائشة- ﵂/ سئلت عن [٢/ ١٤٥- ب] صلاة رسولِ الله ﷺ في جَوفِ الليلِ فقالت: " كان يُصلي صَلاةَ العشاء في
جماعة، ثم يَرجعُ إلى أهلِهِ، فيركعُ أربعَ رَكَعات، ثم يأوي إلى فِراشَه وَينامُ،
وطَهورهُ مُغَطَى عندَ رأسِهِ، وسوَاكُهُ موضوعٌ، حتى يَبْعَثَهُ الله تعالىً سَاعَتهُ
التي يَبْعَثُه من الليل، فيتسوكُ ويسبِغُ الوُضوء، ثم يقومُ إلى مُصَلاه، فيصلي
ثمانِ رَكَعات يقرأَ فيهن بأم القرآنِ، وسورة من القرآنِ، وما شاءَ اللهُ، ولا
يَقْعُدُ في شيء منها حتى يَقْعُدَ في الثامنة، ولا يُسْلمُ، ويقرأ في التاسعة، ثم
يَقْعُدُ، فيدْعُو بما شَاءَ اللهُ أن يَدْعُو، ويَسألُهُ، ويَركَبُ إليه، ويسلِّم تسَليمةً
واحدةً، شديدةً، يكادُ أن (١) يُوقِظُ أهْلَ البيْتِ من شدةِ تَسليمه، ثم يقرأ
وهو قاعدٌ بأمِّ الكتابِ، ويركعُ وهو قاعدٌ، ثم يقرأ الثانيةَ، فيركعُ، ويَسجُدُ،
وهو قاعد، ثم يَدْعُو ما شاءَ اللهُ أن يَدْعُوَ، ثم يُسلمُ، وينصرفُ، فلم تَزَلْ
تلكَ صلاةُ رسول الله- ﵇ حتى بَدُن فَنَقَصَ من التسع ثنتينِ
فَجَعَلَهَا إلى الست والسَبع، وركعتيه وهو قاعد، حتى قُبِضَ على ذلكَ " (٢) .
ش- " طهوره " بفتح الطاء، اسم لما يتطهر به، فيه استحباب التأهب
بأسباب العبادة، قبل وقتها، والاعتناء بها.
قوله: " فيتسوك " فيه دليل على استحباب السواك عند القيام من النوم.
قوله: "ويقرأ في التاسعة " أي: الركعة التاسعة، فهذه الركعة مع ما
قبلها من الركعتين هو الوتر، وهذ عين مذهب أبي حنيفة، حيث قعد
على رأس الركعتين ولم يسلم، ثم لما صلى التاسعة التي هي الثالثة من
الوتر قعد وسلم.
стр. 2313
قوله: " ثم يقرأ الثانية " أي: في الركعة الثانية من الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الوتر، وهو قاعد.
قوله: " حتى بدن " بضم الدال وتخفيفها، معناه عظم بدنه، وكثر لحمه، وأنكر هذا بعضهم وقالوا: لم تكن هذه صفته- ﵇، والصواب: بدَّن بالتشديد، أي: أسن، وفي حديث عائشة ما يصحح الروايتين وذلك قولها: " فلما أسن، وأخذ اللحم "، وقد جاء في صفته ﵇ " بادن متماسك "، أي: عظيم البدن، مُشَدَدَهُ، غير مهزول اللحم، ولا خوار البنية، وقولها: " وأخذ اللحم " أي: زاد لحمه على ما كان قبل، ولم يصل إلى حد السمن.
قوله: " فنقص من التسع ثنتين " أي: من التسع ركعات ركعتين.
قوله: " فجعلها " أي: فجعل التسع إلى ست ركعات، بأن كان يصلي ست ركعات، ويقعد في آخرها، ولا يسلم، ثم يصلي السابعة، ويقعد، ويسلم، فالثلاث وتر، والأربع التي قبله نفل.
قوله: " وركعتيه " عطف على المجرور، الذي قبله، والحاصل أنه كان يصلي قبل أن يبدن إحدى عشرة ركعة: ست ركعات نافلة، وثلاث وتر، وركعتان بعدهما، وبعد أن بدن كان يصلي تسع ركعات: أربع نافلة، وثلاث وتر، وركعتان بعده.
١٣١٧- ص- نا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، أنا بهز بن حكيم، فذكر هذا الحديث بإسناده، قال: يُصلي العشاءَ، ثم يأوي إلى فراشِه، لم يذكر، الأربع ركعات، وساقَ الحديثَ، وقال فيه: فيصلي ثَمانَ ركعات، يُسَوي بينهن في القًراءة، والركوعِ، والسجود، وقال: لا يجلسُ في شًيء منهن إلا في الثامنةَ فإنه كان يجلسُ، ثم يَقُومُ، ولا يسلم (١) ، فيصليً ركعةً يُوترُ بها، ثم يُسلمُ تسليمة، يرفع بها صَوْتَهُ، حتى يُوقِظَنَا، ثم ساقَ معناه (٢) .
стр. 2314
ش- أي: الحديث المذكور.
قوله: " يوتر بها " أي: بالركعة التاسعة، والمعنى: أنه كان يجعل الركعة التاسعة مع ركعتين قبلها وترًا.
١٣١٨- ص- نا عمرو بن عثمان، نا مروان بن معاوية، عن بهز، نا زرارة بن أوفى، عن عائشة أم المؤمنين " أنها سُئلَتْ عن صَلاة رسول الله ﷺ قالتْ: كان يُصَلي بالناس العشاءَ، ثمِ يَرْجِعُ إلَى أهله، فَيُصَلي أربَعًا، ثم يأوي إلى فراشه "، ثم سَاقً الحديث بطُوله، لم يذَكَرْ " سَوَّى بينهن في القرَاءةِ، والَركوَعَ، والسجودِ،، ولم يذكرْ فيً التسليم،/ حتى يُوقِظَنَا (١) . [٢/ ١٤٦ - أ] ش- عمرو بن عثمان أبو حرص " الحمصي، ومروان بن معاوية الفزاري الكوفي، وبهز بن حكيم، والباقي ظاهر.
١٣١٩- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد- يعني: ابن سلمة- عن بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة بهذا الحديث، وليس في تمام حديثهم (٢) .
ش- رواية زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام هي المحفوظة، وفي سماع زرارة، عن عائشة نظر، فإن أبا حاتم الرازي قال: قد سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس، قيل له: ومَن أيضًا؟ قال: هذا ما صح له. وظاهر هذا أنه لم يسمع عنده من عائشة، والله أعلم.
١٣٢٠- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أن رسولَ الله- ﵇ كان يُصَلي من الليلِ ثَلاث عَشرةَ ركعة يُوترُ بسبع (٣) ، أخوكما قالت (٤) ، ويصلي ركعتينِ وهو جالسن، وركْعَتِي الفجَرِ بين الأذانِ والإقامَةِ (٥) .
стр. 2315
ش- حماد بن سلمة، ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص.
قوله: " يوتر بسبع " الوتر منها ثلاث ركعات، ولكنها أطلقت عليه، وعلى غيره الوتر، لاتصال الوتر ومجاورته بتلك الركعات التي هي النفل، وإنما أولنا هذا التأويل، لتتفق الأخبار، ولا يقع فيها تضاد، فافهم.
١٣٢١- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عائشة " أن رسولَ الله- ﵇ كان يُوتر بتسع رَكَعات، ثم أَوْتَر بسبع رَكَعات، ورَكَعَ ركعتين وهو جالس بعدَ الوِترِ، يقرأ فيهما، فإذا أرادَ أن يَركَعَ قامَ فركعَ، ثم سَجدَ " (١) .
ش- الكلام فيه كالكلام في الذي قبله.
ص- قال أبو داودَ: روى الحديثين خالد بن عبد الله الواسطي (٢) مثل " قال فيه: قال علقمة بنُ وقاص: يا أمه (٣) ، كيف كان يصلي الركعتين؟ فذكرَ معناهُ.
ش- أي: روى الحديثين المذكورين خالد بن عبد أدنه الطحان الواسطي، مثله، أي: مثل ما روى محمد بن عمرو بن علقمة.
قوله: " نا أمه " [......] (٤) .
١٣٢٢- ص- نا وهب بن بقية، عن خالد ح ونا ابن المثنى، نا عبد الأعلى، نا هشام، عن الحسن، عن سعد بن هشام، قال: قَدمْتُ المدينة فَدَخَلتُ على عائشةَ قلتُ: أخبريني عن صَلاة رسول الله- ﵇ قالتْ: إن رسولَ اللهِ ﷺ كان يصلي بالناسِ صًلاةَ الَعِشَاءِ، ثم يأوي إلى
стр. 2316
فراشه، فينام، فإذا كان جَوفُ الليلِ قَامَ إلى حاجته، وإلِى طَهُورِهِ، فيَتَوضأ، ثَم دخَلَ المسجدَ، فَصلى ثمان ركعات يُخَيلُ إلي أَنه سوى بينهن في القراءة، والرِكوعِ، والسجود، ثم يُوتر برِكعة، ثم يُصَلِّي ركعتين، وهو جالس، ثَم يَضعُ جنْبَهْ، فربما جاءَ بلالٌ فآذنه بالصلاة ثم يغْفِي، وربما شَكَكْتُ أغفَى أولا حتى يُؤْذنَه بالصلاة، فكانتْ تلكَ صلَاتُه حتَى أسَن، ولَحُمَ، فَذَكَرتْ مِن لَحمِهِ ما شَاءَ اللهُ، وسَاقَ الحديثَ (١) .
ش- خالد بن عبد الله الطحان، ومحمد بن المثنى، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وهشام بن حسان، والحسن البصري.
قوله: " ثم يوتر بركعة " أي: مع الركعتين اللتين قبلها.
قوله: " فآذنه " بالمد أي: أعلمه.
قوله: " ويُغفِي " من أغفيت إغفاء، أي: نمت، قال ابن السكيت:
ولا تقل: غفوت.
قوله: " ولحم " بضم الحاء، تقول: لحم، الرجل فهو لحيم، إذا كان كثير اللحم في بدنه، ولحم بالكسر اشتهى اللحم، ولحمه بالفتح إذا أطعمه اللحم، والحديث: أخرجه النسائي.
١٣٢٣- ص- نا محمد بن عيسى، نا هشيم، أنا حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، المعنى ح ونا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس " أنه رَقَدَ عندَ النبي- ﵇ فَرَاهُ استيقظَ، فَتسوكَ، وتَوضأ، وهو يَقولُ: ﴿وإِن في خَلقِ السَّمَوات والأرْضً﴾ (٢) حتَى خَتمَ السورةَ، ثم قامَ، فَصلى رَكعتين، أطالَ فيهمَا القيام، والركوعَ، والسجودَ، [ثم] انصرف فَنَامَ حتى نَفَخَ، ثم فَعَلَ ذلك ثَلاثَ مراتِ،
стр. 2317
[٢/ ١٤٦- ب] ستَّ (١) رَكَعات، كلُّ ذلك يَسْتَاكُ،/ ثم يَتوضأُ ويقرأُ هؤلاء الآيات، ثم أوتَر، قال عثمان: بثلاث رَكَعات، فأَتَاهُ المؤَذنُ، فخرجَ إلى اَلصلاة، قال
ابن عيسى: ثم أَوتَر، فأتَاهُ بلالٌ، فأَذَنَهُ بالصلاة حين طَلَعَ الفجر، ثم
صلَّى (٢) ركعتي الفجر، ثم خَرَجَ إلى الصلاة، ثم اَتفقا، وفو يقولُ: اللهم
اجعلْ فِي قلبي نورا، واجعلْ في لسَاني نورا، واجْعلْ في سَمْعِي نُورا
واجعْل في بَصَرِي نُورًا، واجعلْ خًلفِي نُورا وأَمَامِي نورًا، واجعلْ من
فَوقي نُورا، ومِن لمحتي نُورا، اللهم وأعْظِمْ لي نُورا (٢) ".
ش- هشيم بن بشير، وحصين بن عبد الرحمن المدني.
قوله: " ست ركعات " بالنصب بدل من قوله: " ثلاث مرات لا ويجوز
الرفع من حيث العربية على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ست
ركعات.
قوله: " قال عثمان " أي: ابن أبي شيبة.
قوله: " بثلاث ركعات " متعلق بقوله: " ثم أوتر" وهذا نص صريح
على أن الوتر ثلاث ركعات.
قوله: " قال ابن عيسى " أي: محمد بن عيسى الطباع.
قوله: " ثم اتفقا " أي: عثمان، ومحمد.
قوله: " قي قلبي نورا " إلى آخره سأل النور في أعضائه، وجهاته،
والمراد به: بيان الحق وضياؤه، والهداية إليه، فسأل " النور في جميع أعضائه، وجسمه وتصرفاته، وتقلباته، وحالاته، وجملته في جهاته
الست، حتى لا يزيغ شيء منها عنه، والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وأخرجه: البخاري، ومسلم من حديث كريب، عن ابن
عباس، وسيأتي
стр. 2318
١٣٢٤- ص- نا وهب بن بقية عن خالد عن حصين نحوه قال: "وأعظم
لي نورا " (١) .
ش- خالد بن عبد الله الواسطي، وحصين بن عبد الرحمن.
قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور.
ص- قال أبو داود: وكذلك قال أبو خالد الدالاني، عن حبيب في هذا (٢) .
ش- أبو خالد اسمه [......] (٣) وحبيب بن أبي ثابت.
ص- وقال سلمةُ بن كهيل: عن أبي رِشدين، عن ابن عباس.
ش- أبو رِشدين كنية كريب مولى ابن عباس، وهو بكسر الراء، وسكون الشن المعجمة،. وكسر الدال، بعدها ناء آخر الحروف ساكنة، وفي آخره نون. واعلم أن قوله: " نا لا وهب بن بقية " إلى هاهنا ليس بموجود في بعض نسخ الأصل.
١٣٢٥- ص- نا محمد بن بشار، نا أبو عاصم، نا زهير بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن الفضل بن عباس، قال: " بت ليلة عندَ النبي- ﵇ لأنظُرَ كيفَ يُصلِّي، فقامَ، فَتوِضأ، وَصَلَّى ركعتين، قيامه مثلَ رُكُوعه، ورُكُوعه مثلَ سُجوده، ثم نَام، ثم اسْتَيْقظَ، فتوضأ، َ واستنثر (٤) ، ثَم قَرأ بخمَسَ آيات من اًل عمرانَ ﴿وإِن في خَلق السَّمَوات وَالأرْض وَاخْتلاف اللَّيل والنهَار﴾ (٥) فلمَ يَزَلْ يفعلُ هَذا حتىَ صَلَّى عَشرَ رَكَعاتَ، ثم قام صلى سَجدَة واحدة، في وتَرَ بها، ونَادَى المنَادِى عندَ ذلك فقام رسولُ الله بعد ما سَكَتَ المؤَذِّنُ، فصلَّى سَجدتنِ خَفيفَتينِ، ثم جَلَسَ، حتى صلى الَصُبْحَ " (٦) .
стр. 2319
ش- أبو عاصم: الضحاك بن مخلد، وزهير بن محمد المروزي.
قوله: " واستنثر " هو استفعل من نثر ينثِر- بالكسر- إذا امتخط، أي:
استنشق الماء، ثم استخرج ما في الأنف، وفي بعض النسخ: " واسق " موضع " استنثر " أي: تسوك، وفي بعضها: " ثم اسق ".
قوله: " ثم قرأ بخمس آيات " وفي بعض النسخ الصحيحة: " ثم قرأ
من آل عمران " بدون قوله: " بخمس آيات " وكذا لابن حزم.
قوله: " فصلى سجدة واحدة " أي: ركعة واحدة.
قوله: " فأوتر بها " أي: أوثر بتلك الركعة مع ركعتين قبلها.
قوله: " ونادى المنادي " أي: أذن المؤذن.
ص- قال أبو داودَ: خَفِيَ عَلَيَّ مِن ابن بشار بَعْضُهُ.
ش- أي: خَفِيَ عَلَي من محمد بن بشار بعضُ الحديث.
١٣٢٦- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، نا محمد بن قيس
الأسدي، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
" بت عندَ خَالتِي ميمونة، فجاءَ رسولُ الله ﷺ بعد ما أمْسَى، فقال: أَصلى الَغُلامُ؟ قالوا: نعم، فاضطَجَعَ، حتى إذا مَضَى من الليلِ ما شاء الله، قامَ، فَتَوضأ، ثم صلى سبْعَا، أو خَمسا، أَوْتَرَ بهن، لم يُسَلمْ إلا في آخِرِهن " (١) .
ش- محمد بن قيس الأسدي أبو نصر، ويقال: أبو الحكم الكوفي.
روى عن: الشعبي، والحكم بن عتبة، ومحارب بن دثار، وسلمة بن
كهيل وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع، وعلي بن مسهر،
[٢/١٤٧- أ] / وغيرهم، وقال أحمدْ ثقة، لا يُشك فيه. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
قوله: " خالتي ميمونة " وهي بنت الحارث بن حرب أم المؤمنين، وقد
ذكرناها.
стр. 2320
قوله: " أصلى الغلام " الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: " صلى سبعَا، أو خمسَا، أوتر بهن " أطلق على الجميع وترًا، والحال أن الوتر منها ثلاث ركعات، وقد مر مثل هذا في حديث عائشة.
١٣٢٧- ص- نا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " بت في بيت خَالتِي ميمونة بنْت الحارث، فصلى رسولُ الله العشَاءَ، ثم جاءَ، فَصلى أربَعًا، ثم نَامَ، ثم قَام يُصَلي، فَقُمْتُ عن يَسَارِه، فأدَارَني، فأقَامَني عن يَمينه، فصلى خمسًا، ثم نَامَ، حتَى سَمعْتُ غطيطَه، أو خَطيطَهُ، ثم قَامَ فَصلى ركعتين، ثم خرجَ، فصلى الغَدَاة " (١) .َ
ش- محمد بن المثنى، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وشعبة بن الحجاج، والحكم بن عتيبة.
قوله: " فصلى خمسَا " أي: خمس ركعات، منها الوتر ثلاث ركعات وإنما قلنا هكذا، لأن الرواية التي رواها كريب عنه تدل على ذلك، وهي ما رواه الطحاوي: نا المقبري، عن سعيد بن أبي أيوب، نا عبد ربه بن سعيد، عن قيس بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، أن عبد الله ابن عباس حدثه، قال: فصلى رسول الله ركعتين بعد العشاء، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر بثلاث انتهى.
فهذه جملتها إحدى عشرة ركعة، وكذلك في الحديث المذكور جملتها إحدى عشرة ركعة، لأنه صلى أولا أربعًا، ثم صلى خمسًا، ثم صلى ركعتين، فحديث كريب هذا قد بين أن الثلاث من الخمس في ذاك. الحديث هو الوتر، فافهم. قوله: " غطيطه " الغطيط صوت يخرجه النائم مع نفسه، وقال بعضهم:
стр. 2321
الخطيط بالخاء لا يعرف، وقال غيره: الخطيط قريب من الغطيط، والغين والخاء متقاربان في المخرج، وقال الجبان (١) : خَط في نومه يَخُطُّ بمنزلة غَط، والحديث أخرجه: البخاري، والنسائي.
١٣٢٨- ص- نا قتيبة، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد المجيد، عن يحيى بن عباد، عن. سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدثه في هذه القصة، قال: " قَامَ (٢) فصلى ركعتين ركعتين، حتىَ صَلَّى ثمان (٣) رَكعات، ثم أَوتَر بخمسٍ، لم (٤) يجلسْ بينهن"َ (٥)
ش- قتيبة بن سعيد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي "، وعبد المجيد ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف أبو وهب، ويقال: أبو محمد القرشي الزهري المدني. روى عن: ابن المسيب، وعمه أبي سلمة، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والدراوردي، وسليمان بن بلال، وغيرهم، قال ابن معين: هو ثقة وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
ويحيى بن عباد بن شيبان بن مالك الأنصاري السلمي الكوفي أبو هبيرة. روى عن: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وآخرين. روى عنه: السدي، وعبد المجيد بن سهيل، ومسعر بن كدام، وآخرون، قال النسائي: ثقة. روى له: البخاري في " الأدب " والباقون.
قوله: " ثم أوتر بخمس " أي: بخمس ركعات، ثلاث منها وتر كما قلنا، وأما قوله: " لم يجلس بينهن " فيخالفه عامة ما روى عن ابن عباس، فما روته العامة منه ومن غيره خلاف ذلك، أولى مما رواه سعيد ابن جبير وحده، وقد مر نظيره في أحاديث عائشة.
стр. 2322
١٣٢٩- ص- نا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمد بن
سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة
ابن الزبير، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله- ﵇ يصلي ثلاثَ
عَشْرةَ رَكعة بركعتيه قبلَ الصبح، يُصفَي ستّا مَثْنَى مَثْنى، وبوترُ بخمس، لا
يقعدُ بينهن إلا في آَخِرِهِن " (١) .
ش- قد ذكرنا أن العامة قد رووا عن عروة، وعن غيره، عن عائشة
بخلاف هذا، فما روته العامة أولى مما رواه هو وحده، وانفرد به.
١٣٣٠- ص- نا قتيبة، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك،
عن عروة، عن عائشة، أنها أخبرتْهُ أن رسولَ الله- ﵇ كانَ يُصلي من الليل ثلاثَ عَشْرةَ رَكعة بركعتي الفجرِ (٢) .
ش- الليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب، سويد المصري، وعراك
ابن مالك، وعروة بن الزبير.
[٢/١٤٧- ب] ، / قوله: " بركعتي الفجر " أي: بسُنَة الصبح، والحديث أخرجه مسلم.
١٣٣١- ص- نا نصر بن علي، وجعفر بن مسافر، أن عبد الله بن يزيد
المقرئ أخبرهما، عن سعيد بن أبي أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك
ابن مالك، عن أبي سلمة، عن عائشة- ﵂: " أن رسولَ الله
ﷺ صلى العشاءَ، ثم صَلَّى ثمان رَكَعاَت قَائمًا، وركعتين بين الأذانين، ولمَ يكُنْ يَدَعُهُمَاَ، قال جعفر بن مساَفر في حديثه: وركعتين جالساً بين الأذانين، زاد: جَالساً " (٣) .
ش- الأذانان: الأذان، والإقامة.
قوله: " لم يكن يدعهما " أي: لم يكن رسول الله يترك الركعتين اللتين
بين الأذان والإقامة وقد تقدم، والحديث أخرجه البخاري.
стр. 2323
١٣٣٢- ص- نا أحمد بن صالح، ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: نا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: " قلتُ لعائشة: بِكَمْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُوتِرُ؟ قالتْ: كان يُوتِرُ بأربع، وثلاثٍ، وستّ، وثلاث، وثمان، وَثلاث وعشر، وثلاث، ولم يكن يوتِرُ بأنقصَ من سَبعٍ، ولا بأكثرَ من ثلاث عَشْرة، زاد أحمد: ولم يكن يُوتِرُ ركعتينِ قبلَ الفجر، قلتُ: ما يُوتِرُ؟ قاَلت: لم يكن يدع ذلك، ولم يذكرْ أحمدُ: وست وثلاث " (١) .
ش- أطلقت عائشة- ﵂ على جميع ما صلى في الليل وترًا، فقولها: " يوتر بأربع، وثلاث " الأربع النفل، والثلاث الوتر، وجمعها سبع ركعات.
قوله: " وست وثلاث " الست نفل، والثلاث الوتر، فالجميع تسع ركعات.
قوله: " وثمان وثلاث " الثمان نفل، والثلاث وتر، فالجميع إحدى عشرة ركعة.
قوله: " وعشر وثلاث " العشر نفل، والثلاث وتر، فالجميع ثلاث عشرة ركعة، وهذه الرواية تؤيد جميع ما رُوي عن عائشة من الإيتار بواحدة، أن المراد منها واحدة قبلها ثنتان، فافهم.
قوله: " قلت: ما يوتر؟ " يعني: ما معنى: " لم يكن يوتر ركعتين قبل الفجر " قالت عائشة- مفسرة: " لم يكن يدع ذلك- أي: لم يكن يترك فعل ذلك.
١٣٣٣- ص- نا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود بن يزيد، أنه دَخَل على عائشة- ﵂ " فسَألَهَا عن صلاة رسول الله- ﵇ بالليلِ؟ فقالتْ: كان يُصَلي ثلاثَ عَشْرةَ رَكعةً من اللَيلِ، ثم إنه
стр. 2324
صلى إحدى عَشرةَ ركعةً، وتركَ ركعتين، ثم قُبضَ حين قُبضَ (١) وهو يصلي من الليلِ تسعَ رَكَعات (٢) ، آخر صَلاتِهِ منَ الليلِ الوتَرُ " (٣) .
ش- إسماعيل بن إبراهيمَ المعروف بابن علية.
ومنصور بن عبد الرحمن الأشل البصري. سمع الشعبي، وأبا إسحاق السبيعي. روى عنه: شعبة، وابن علية، وبشر بن المفضل، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وأبو إسحاق الهمداني هو عمرو بن عبد الله السبيعي.
قوله: " آخر صلاته من الليل الوتر " وهو ثلاث ركعات من التسع
وقال البيهقي: في هذا ما يدل على أنه ترك الركعتين بعد الوتر، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وأخرج مسلم طرفا منه، وهو قول عائشة: " كان رسول الله يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الو تر ".
١٣٣٤- ص- نا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة بن سليمان، أن كريبَاً مولى ابن عباس أخبره أنه قال: " سألت ابن عباس، كيفَ كانتْ صلاةُ رسول الله بالليل؟ قال: بت عندَهُ ليلةً وهو عندَ ميمونةَ، فنامَ حتى إذا ذهبَ ثُلُثُ اَلليل، َ أو نصْفُهُ، استيقظَ فقامَ إلى شَن فيه ماءٌ، فتوضأ، وتَوضأتُ معه، ثم قَامَ، فَقمتُ إلى جنبه على يَسارِه، فجعلَني على يمينه، ثم وضَعَ يَدَهُ على رأسي، كأنه يَمس أذُني، كأنه يُوَقظُني، فَصلى ركعتيَنِ خفيفتين، قلتُ (٤) : قرأ فيهما بأم القَرآنِ في كلَّ ركَعةِ، ثم سلَّم، ثم
стр. 2325
صلَّى، حتى صلَّى إحدَى عَشْرةَ رَكعةً بالوترِ، ثم نامَ، فأتَاهُ بلالٌ، فقال: الصلاةَ يا رسولَ اللهِ، فقامَ فَرَكعَ ركعتين، ثم صَلَّى للناسِ " (١) .
ش- خالد بن يزيد الإسكندراني المصري، وسعيد. بن أبي هلال أبو العلاء المصري، ومخرمة بن سليمان الوالبي.
[٢/١٤٨ - أ] / قوله: " إلى شَن " الشَنُّ- بفتح الشين المعجمة، وتشديد النون- القِربة الخلق، وجمعه شنان، واستدل بعض الشافعية بهذا الحديث أن كثر الوتر إحدى عشرة ركعة، وقال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة ركعة. قلنا: ليس فيه استدلال صحيح على ذلك، لأنه قال: " صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، فالوتر منها ثلاث ركعات، والباقي صلاة الليل، لأن أحاديث أخر كثيرة تبين هذا المعنى، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، مختصراً ومطولاً، وقد قيل: حديث ابن عباس هذا في مبيته عند خالته ميمونة استُخرج منه ما يقارب عشرين حكماً.
١٣٣٥- ص- نا نوح بن حبيب ويحيى بن موسى، قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بتُّ عند خالَتي ميمونة " فقامَ النبيُّ- ﵇ يُصَلِّيِ من الليلِ، فَصَلَّى ثلَاثَ عشرة رَكعةً، منها ركعتا الفجر، حزَرْتُ قيامه في كلِّ رَكعة بقدْرِ ﴿يا أيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ لم يقل نوح: منها ركعتا الفجرَِ " (٢) .
ش- نوح بن حبيب البَذْشِي القُومسي. سمع أبا بكر بن عياش،
стр. 2326
وإبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو داود، والنسائي وقال: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقة توفي بقومس سنة اثنتين وأربعين ومائتين في شعبان.
ويحيى بن موسى بن عبد ربه البلخي، ومعمر بن راشد، وعبد الله بن طاوس.
قوله: " حزرتُ " أي: قدرتْ، والحديث أخرجه: النسائي.
١٣٣٦- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه , أن عبد الله بن قيس بن مخرمة، أخبره عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: " لأرْمُقَنَّ صَلاةَ رسول الله ﷺ قال: فَتَوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ، أو فُسْطَاطَهُ، فَصلى رسولُ الله- ﵇ ركعتين خفيفتين ثم صلى رَكعتين طَويلتين، طَويلتين (١) ، ثم صلَّى ركعتينِ، وهَما دونَ الَلتين قَبلهُما، ثم صَلَّى ركعتَينِ دون اللتينِ قبلهما (٢) ، ثم أوترَ، فذلك ثلاث عشرةَ ركعةً " (٣) .
ش- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قد ذكرناه، وأبوه أبو بكر بن محمد، ولي القَضاء، والإمرة، والموسم زمن سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. سمع أباه، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، وغيرهم. روى عنه: الزهري، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وابناه محمد، وعبد الله، وغيرهم، قال محمد بن عمر: تَوفي سنة عشرين ومائة بالمدينة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، وكان ثقة كثير الحديث. روى له الجماعة إلا الترمذي.
وعبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي
стр. 2327
المطلبي المدني، اخو محمد بن قيس، وهو والد حكيم، بضم الحاء، ويقال: له صحبة من النبي- ﵇ روى عن زيد بن خالد الجهني، وأبيه، وعن عبد الله بن عمر. روى عنه: ابنه مطالب بن عبد الله، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وإسحاق بن يسار. استعمله عبد الملك بن مروان على الكوفة، والبصرة، واستقضاه الحجاج على المدينة. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
قوله: " لأرمقن " أي: لأنظرن.
قوله: " فتوسدت عتبته " العتبة أسكفة الباب.
قوله: " أو فسطاطه " قال الزمخشري: الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وبه سميت المدينة، ويقال لمصر، وبصرة: الفُسطاط.
قوله: " ثم أوتر " أي: بعد أن صلى عشر ركعات، ركعتين ركعتين، وهذا صريح أن الوتر ثلاث ركعات، لأنه قال: فذلك. أي: المجموع ثلاث عشرة ركعة، وكل ما رُوي عن ابن عباس، وعائشة، وغيرهما في الوتر فمعناه هذا، لأن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والحديث أخرجه: مسلم، وابن ماجه.
١٣٣٧- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، أن عبد الله بن عباس أخبره: " أنه باتَ عندَ ميمونةَ زَوج النبي- ﵇/ وهي خالتُهُ، قال: فاضطجعت. , في عَرْضِ الوسادة، واضْطَجَعَ رسولُ الله- ﵇ وأهلُهُ في طُولِهَا، فَقامَ رسولُ الله حتى إذا انتصَفَ الليلُ، أو قَبله بقليل، أو بَعدَه بقليل، ثم (١) استيقظ رَسولُ اللهِ، فجلَسَ يَمسحُ النومَ عن وجهِهِ بيدهِ، ثم قَرأ العَشْرَ
стр. 2328
آيات (١) الخواتمَ من سُورة آل عمرانَ، ثم قامَ إلى شَنٌ مُعَلقة فتوضأ منها، فأحسنَ وُضوءه، ثم قَامَ يصلي، قال عبد الله: فقمتُ فَصَنعت مثلَ ما صَنَعَ، ثم ذهبتُ فقمتُ إلى جَنبه، فَوَضَعَ رسولُ اللهِ يدَهُ اليُمنى على رأسِي، وأخذ (٢) بأذُنِي يَفْتلُهَا، فَصلى ركعتين، ثم ركعتينٍ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتين، ثم ركعتينَ، ثم ركعتين، قال القعنبي: ست مِرَاتِ، ثم أوترَ، ثمِ اضطجعَ، حتى جَاءَهُ المؤَذنُ، فقامَ، فصلى ركعتينِ خفيفتينِ، ثم خَرَج فصلى الصبحَ، (٣) .
ش- الوسادة هاهنا الفراش، ويحتمل أن اضطجاع ابن عباس كان في عرضها عند أرجلهم، أو رءوسهم، والعَرض هاهنا- بالفتح- ضد الطول، وقيل: الوسادة هاهنا المرفقة، والعُرض- بالضم- بمعنى الجانب، جعلوا رءوسهم في طولها، وجعل رأسه هو في الجهة الضيقة منها، والرواية الأولى كثر وأظهر من جهة المعنى.
قوله: " فجعل يمسح النوم " أي: أثر النوم، وفيه استحباب هذا.
قوله: " شن معلقه " إنما أنثها على إرادة القربة.
قوله: " وأخذ بأذني يفتلها " قيل: إنما فتلها تنبيهًا له من النعاس، وقيل: لتنبيهه لهيعة الصلاة، وموقف المأموم، وغير ذلك، ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: جواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميزًا.
الثانية: استحباب قيام الليل.
الثالثة: جواز القراءة للمحدث، وهذا بالإجماع.
الرابعة: استحباب قراءة الآيات المذكورة عند القيام من النوم.
(١) في سنن أبي داود: " الآيات ".
(٢) في سنن أبي داود: " فأخذ ".
(٣) انظر الحديث (١٣٣٤) .
стр. 2329
الخامسة: جواز قول سورة آل عمران، وسورة البقرة ونحوهما.
السادسة: إحسان الوضوء، وهو إسباغه وتكميله.
السابعة: استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه.
الثامنة: استحباب الاضطجاع بعد الوتر.
التاسعة: استحباب اتخاذ المؤذن لإعلام مواقيت الصلوات.
العاشرة: جواز إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى الصلاة.
الحادية عشرة: صلاة ركعتي الفجر.
الثانية عشرة: التخفيف فيهما.
الثالثة عشر: التنفل بالليل بركعتين ركعتين.
الرابعة عشر: أن الوتر ثلاث ركعات.
***
٣٠٣- باب: ما يؤمر به من القصد
أي: هذا باب في بيان ما- يؤمر به المؤمن من القصد، والقصد في الأمور في القول والفعل، هو الوسط بين الطرفين، المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط، وفي بعض النسخ " باب: ما يؤمر به من القصد في الصلاة " (١) .
١٣٣٨- ص- نا قتيبة، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة: أن وسولَ اللهِ ﷺ أنه (٢) قال: "اكْلَفُوا من العمل ما تُطيقُونَ، فإن (٣) الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، فإن أحبَّ العملِ إلى اللهِ تعالى أَدوَمُهَُ، وإن قَلَّ [و] كان إذا عمل عملاً أثبته " (٤) .
стр. 2330
ش- " اكلفوا " بفتح اللام، والهمزة فيه للوصل، من كلفت بالشيء
إذا ولعت به، وأحببته، من باب علم يعلم.
قوله: " لا يمل " بفتح الميم، قيل معناه لا يمل أبدًا، مَلِلْتُم أو لم تملوا،
وقيل: لا يمل بمعنى لا يترك، لأن من مَلَّ شيئًا تركه، فالمعنى لا يترك
الثواب ما لم يملوا من العمل، فعلى هذا يكون من باب ذكر الملزوم،
وإرادة اللازم، وقيل: لا يقطع عنكم فضله، ما لم تملوا سؤاله، فسمى
فعله مَلَلاً، وليس بملل، ولكن لتزدوج اللفظة "بأختها في اللفظ، وإن
خالفتها في المعنى، وهذا كقوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سيئة سيئةٌ مثْلُهَا﴾ (١)
وقوله تعالى: ﴿فمَنَ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٢) وقوله تعالى:
﴿ومَكرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ (٣) وقال الشاعر:
ألا [لا] يجهلن أحد علينا..... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أراد فيجازيه، فسماه جهلاً، والجهل لا يفخر به/ ذو عقل، ولكنه [٢/١٤٩- أ] ، على المذهب المذكور أعني: الازدواج، والمشاكلة، وقيل: معناه لا
يطرحكم حتى تتركوا العمل، أو تزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلي
مللاً وليرس بملل في الحقيقة، على مذهب العرب في وضع الفعل
موضع الفعل، إذا وافق معناه كقول الشاعر:
ثم أضحوا لعب الدهر بهم...... وكذلك الدهر يودي بالرجال
فجعل هلاكه إياهم لعبا.
قوله: " فإن أحب العمل إلى الله أدومه " أي: أثبته، و" إن قل "، وفيه
الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم، خير من كثيره الذي
стр. 2331
ينقطع، وذلك لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، ويثمر ذلك، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
قوله: " وكان " أي: النبي- ﵇ إذا عمل عملاً أثبته. أي:
داوم عليه، وواظبه، ولا يقطعه، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١٣٣٩- ص- نا عبيد الله بن سعد، ناعمي، نا أبي، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- ﵂ أن النبي- ﵇ بَعَثَ إلى عُثمان بن مظعون فَجَاءَهُ، فقال: " يا عثمانُ أرَغبتَ عن سُنتي؟ قال: فقال: لا والله يا رسول الله، ولكن سُنتكَ أطلبُ، قالَ: فإني أنام وأصلي، وأصومُ وأفطر، وأنكحُ النسَاءَ، فاتقِ الله يا عثمانُ، فإن لأهلِكَ عليك حقا، وإن لِضيفِكَ عليك حقا، وإن لنفسِكَ عليكَ حقا، فصُمْ وأفطِرْ، وصل ونَمْ " (١) .
ش- عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري، وعمّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، ومحمد بن إسحاق، وعثمان بن مظعون، بسكون الظاء المعجمة- القرشي الجمحي أبو السائب، وهو أول رجل مات من المهاجرين بالمدينة بعد رجوعه من بدر، وأول من دفن بالبقيع، وقيل: أول من مات بعد قدوم النبي- ﵇ المدينة كلثوم بن الهدم، وتوفي بعده أسعد بن زرارة، والأنصار تقول: إن أسعد بن زرارة أول مدفون بالبقيع، وأما المهاجرون فيقولون: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون.
قوله: " أرغبت " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار.
قوله: " سنتك أطلب " انتصاب " سنتك " بأطلب المحذوف، الذي يفسره " أطلب " الثاني.
قوله:" فإن لأهلك عليك حقًا " المراد من الأهل الزوجة، يريد أنه إذا أدأب نفسه، ضعفت قواه، فلم يستطع لقضاء حق أهله.
стр. 2332
قوله: " وإن لضيفك عليك حقًا " فيه دليل على أن المتطوع بالصوم إذا ضافه ضيف كان المستحب له أن يفطر، ويأكل معه، ليزيد في إيناسه، وذلك نوع من إكرامه.
١٣٤٠- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: " سألتُ عائشةَ كيفَ كانَ عَمَلُ رسول الله؟ هل كانَ يَخُص شيئًا من الأيام؟ قالتْ: لا، كان عَمَلُهُ (١) ديمَةً، وأيكم يَستطيعُ ما كان رسولُ الله يستطيعُ " (٢) .
ش- جرير بن عبد الحميد، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، وعلقمة بن قيس النخعي.
قوله: " ديمة " بكسر الدال، أي: دائما متصلاً، والديمة المطر الدائم في سكون، شبهت عمله في دوامه، مع الاقتصاد بديمة المطر، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي.
***
باب: تفريع أبواب شهر رمضان
أي: هذا باب في بيان تفريع أنواع شهر رمضان، واشتقاقه من الرمض بفتح الميم، وهو شدة الحر، من رمض يرمض رمضًا من باب علم يعلم، قال ابن الأثير: ومنه سمي رمضان، لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر، ورمضه انتهى.
وقيل: سمي به لأنه يرمض الذنوب بحرارة القلوب، من رَمضَ الفصيلُ: نَخُلَ من الحر، ومنه الرمضاء، أو خيره كالرمل وهو مَطر
стр. 2333
أيام الخريف، ويجمع على رمضانات، وأرمضاء، وقد قيل: إن رمضان
اسم من أسماء الله تعالى، ولهذا كرهوا أن يقال: رمضان في غير ذكر الشهور، وهذا قول أصحاب مالك أيضًا، والأصح أنه يجوز، وأن كونه
[٢/٤٩- ب] ، اسماً من (١) / أسماء الله غير صحيح، لأن أسماء الله توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، والأثر الذي جاء فيه ضعيف، والشهر مشتق من الشهرة، وهي وضوح الأمر.
***
٣٠٤- باب: في قيام شهر رمضان
أي: هذا باب في بيان قيام شهر رمضان، والمراد منه التراويح.
١٣٤١- ص- نا الحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، قال الحسن في حديثه: ومالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: " كان رسولُ اللهِ- ﵇ يُرَغِبُ في قيام رَمضانَ من غيرِ أن يأمُرَهُمْ بعزيمة، ثِم يقولُ: مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا، واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدمَ من ذنبه، فتوفي رسول الله، والأمر علىَِ ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكَر وصدرًا مَن خلافة عمر " (٢) .
ش- محمد بن المتوكل العسقلاني، وعبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد.
قوله: " من غير أن يأمرهم بعزيمة " معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب، ثم فسره بقوله: ثم يقول: " من قام رمضان " إلى آخره.
стр. 2334
فإن قيل: ما الفرق بين قولك: قام رمضان، وقام شهر رمضان؟ قلت: الأول التعميم، بخلاف الثاني: ولما كان المراد قيام كل الشهر، قال: " من قام رمضان " ولو قال: من قام شهر رمضان احتمل أن يريد بعضه، وكذلك إذا قلت: اعتكفت رمضان، كأنك قلت: اعتكفت ثلاثين يومًا، بخلاف ما إذا قلت: اعتكفت شهر رمضان، فإنه يجوز أن يراد به العشر الأخير، ونحوه، وفيه رد أيضًا لقول من يمنع أن يقال: رمضان بدون ذكر الشهر.
قوله: " إيمانا " أي: تصديقًا بالثواب من الله تعالى، على صيامه وقيامه.
قوله: " واحتساباً " أي: محتسبًا الثواب على الله، أو ناويا بصيامه وجه الله تعالى، ثم المراد من هذا القيام التراويح، واتفق العلماء على استحبابها، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفرداً في بيته، أو في جماعة في المسجد؟ فقال أصحابنا: والشافعي وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم: إن الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت.
قوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه " المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر، دون الكبائر، قال بعضهم: يجوز أن يُخَففَ من الكبائر إذا لم تصادف صغيرة. قلت: اللفظ عام، ينبغي أن يشمل الصغيرة والكبيرة، والتخصيص بلا مخصص باطل.
قوله: " فتوفى رسول الله، والأمر على ذلك " إلى آخره. معناه استمر الأمر هذه المدة، على أنّ كل واحد يقوم رمضان في بيته منفرداً حتى انقضى صدر من خلافة عمر، ثم جمعهم عمر على أبي بن كعب، فصلى بهم جماعة، واستمر العمل على فعلها جماعة، والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي.
стр. 2335
ص- قال أبو داود: كذا رواه عُقيل، ويونسُ، وأبو أويس: " من قام رمضانَ لما ور ى عُقيل: " من صَامَ رمضانَ، وقامَه ".
ش- عقيل- بضم العين- ابن خالد بن عَقيل- بفتح العين- الأيلي، وأخرج البخاري حديث عقيل، عن الزهري بلفظ القيام.
١٣٤٢- ص- نا مخلد بن خالد (١) ، وابن أبي خلف- المعنى-، قالا:
نا سفيان، عنِ الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرِة يَبْلُغُ به النبي- ﵇: " من صامَ رَمضانَ إيمانًا، واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذَنبهِ ومن قامَ لَيلةَ القدرِ إِيمانًا، واحتسابًا، غُفِرَ لهَ ما تَقَدمَ من ذنبِهِ " (٢) .
ش- ابن أبي خلف: محمد بن أحمد بن أبي خلف، وسفيان: الثوري. فإن قيل: قوله في الحديث المتقدم: " من قام رمضان " الحديث، يغني عن قوله: " ومن قام ليلة القدر "، الحديث، قلنا: المراد من قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر، فلم يغن احدهما عن الآخر، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وأخرجه ابن [٢/ ١٥٠ - أ] ماجه مختصرا/ في ذكر الصوم.
ص- قال أبو داود: كذا رواه يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سلمة، ومحمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة.
ش- أي: كذا روى الحديث يحيى بن أبي كثير: صالح اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، وكذا رواه محمد بن عمرو بن علقمة ابن وقاص، عن أبي سلمة وروى الترمذي، وقال: نا هناد، نا عبدة،
стр. 2336
والمحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- ﵇: " من صام رمضان وقامه إيمانًا، واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا، واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه " وقال: هذا حديث حسن صحيح.
١٣٤٣- ص- نا القعنبي، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي- ﵇ أن النبي- ﵇ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلَى من القَابلَة، فكَثُرَ الناسُ، ثم اجتمَعُوا منَ الليلةِ الثالثة، فَلَم يَخْرج إليهم رسولُ الله، َ فلَما أصْبَحَ قال: قد رأيتُ الذي صنَعْتُم، ولَم يَمْنَعْني من الخروج إليكم إَلا أني خَشِيتُ أن تُفْرَضَ عليكم، وذلك في رمضانَ " (١) .
ش- أخرجه: البخاري، ومسلم، وفيه جواز النافلة جماعة، ولكن الأفضل فيها الانفراد إلا في التراويح (٢) ، وجوازها في المسجد، وإن كان البيت أفضل، وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهذا مذهب الجمهور، إلا رواية من الشافعي، وفيه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو مصلحتان اعتبر أهمهما، لأنه- ﵇ كان رأى الصلاة في المسجد مصلحة لبيان الجواز أو أنه كان معتكفًا، فلما عارضه خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة التي يخاف من عجزهم، وتركهم الفرض، وفيه أن الإمام، أو كبيرَ القوم إذا فعل شيئا خلاف ما يتوقعه تُباعه، وكان له فيه عذر يذكره لهم، تطيباً لقلوبهم، وإصلاحًا لذات البَيْنِ، لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السَّوء، والله أعلم.
١٣٤٤- ص- نا هناد، نا عبدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن
стр. 2337
إبراهيمِ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: " كَانَ الناس يُصَلُّون في المسجد في رمَضانَ أَوْزَاعًا، فأمرنِي رسولُ الله- ﵇ فَضَربتُ له حَصيرًاَ فصلَّى عليه بهذه القصة، قال (١) فيه. قالت: قال تعني النبيَّ- ﵇: " أيُّها الناسُ، أمَا والله ما بتّ ليلتي هذه بحمد الله غَافِلاً، ولا خَفِيَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ " (٢) .ً
ش- هنّاد: ابن السري، وعبدة: ابن سليمان، ومحمد بن عمرو: ابن علقمة، ومحمد بن إبراهيم: ابن الحارث التيمي.
قوله: " أوزاعاً " حال من الضمير الذي في " يصلون "، بمعنى متفرقين، أو جماعات متفرقة، وضروب مجتمعة بعضها دون بعض وأصله من التوزيع، وهو الانقسام، والمعنى: كان الناس يتنفلون فيه بعد صلاة العشاء متفرقين.
قوله: " حصيرًا " الحصير ينسج من السعف أصغر من المصلى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يسجد عليه.
قوله: " بهذه القصة " إشارة إلى ما رُوي من الحديث المذكور.
قوله: " قال فيه: قالت " أي: قال هناد في هذا الخبر: " قالت عائشة: قال، تعني " أي: تقصد عائشة النبيَّ- ﵇ من قولها: " قال ". قوله: " أما والله " كلمة " أما " بالفتح والتخفيف على وجهين، أحدهما أن تكون حرف استفتاح بمنزلة ألا، وتكثر قبل القسم، والآخر أن تكون بمعنى حقًا، فأما الذي في الحديث من القسم الأول.
١٣٤٥- ص- نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر، قال: "صُمْنَا مع رسول الله رَمضانَ فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهرِ حتى بَقيَ سَبع، فقامَ بنا حتى فَهبَ ثلُث الليلِ، فلما كانت السادسةُ لم يقُمْ بنا، فلما كانتِ الخامسةُ قامَ
стр. 2338
بنا حتى ذَهبَ شَطرُ الليل، فقلتُ: نا رسولَ اللهِ لو نَفلتَنَا قيام هذه الليلة؟
قال: فقال: إن الرجل إذا صَلَّى مع الإمام حتى ينَصرِفَ حُسبتْ له قيام ليلةٍ،
قال: فلما كانت الرابعةُ لم يُقم، فلما كانت الثالثةُ جَمَعَ أهلًه ونساءَهُ والناسَ
فقامَ بنا، حتى خًشِينا أن يفوتَنَا الفلاحُ، َ قال: قلتُ: وما الفلاحُ؟ قال السَّحورُ، ثم لم يقُمْ بنا بقية الشهرِ " (١) .
ش- الوليد بن عبد الرحمن الجرشي الحمصي، مولى أبي سفيان الأنصاري، سكن دمشق، وكان على خراج الغوطة أنام هشام بن
عبد الملك. روى عن سلمة بن نفيل، وعياض/ بن غطيف، وجبير بن ٢١ [٢/ ١٥٠ - ب] نفير. روى عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وداود بن أبي هند، ومحمد بن
مهاجر، وغيرهم، وقال أبو زرعة الدمشقي: هو قديم، جيد الحديث،
وقال ابن خراش: هو ثقة، كان فيمن قدم على الحجاج. روى له
الجماعة إلا البخاري.
قوله: " حتى بقي سبع " أي: سبع ليال من الشهر.
قوله: " فلما كانت السادسة " أي: الليلة السادسة، وهي ليلة الرابع
والعشرين من الشهر.
قوله: " فلما كانت الخامسة " أي: الليلة الخامسة، وهي ليلة الخامس
والعشرين منه.
قوله: " فلما كانت الرابعة " أي: الليلة الرابعة، وهي ليلة السادس
والعشرين من الشهر.
قوله: " فلما كانت الثالثة " أي: الليلة الثالثة، وهي ليلة السابع
والعشرين، ليلة القدر عند الجمهور، جمع رسول الله أهله ونساءه،
وجمع الناس.
стр. 2339
قوله: " حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح " أصل الفلاح النقاء، وسمي السحور فلاحًا إذ كان سببًا لبقاء الصوم، ومعينًا عليه، والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
١٣٤٦- ص- نا نصر بن علي، وداود بن أمية، أن سفيان أخبرهم، عن أبي يعفور. وقال داود: عن ابن عبيد بن نسطاس، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة: " أن النبيَّ- ﵇ كان إذا دَخَلَ العَشْرُ، أحْنا الليلَ، وشَذَ المِئْزَرَ، وأيْقظَ أهْلَهُ " (١) .
ش- داود بن أمية. روى عن معاذ بن هشام، ومعاذ بن معاذ. روى عنه أبو داود، وأبو الضحى: مسلم بن صبيح، ومسروق: ابن الأجدع. قوله: " وشد المئزر " كناية عن الجد، والتشمير في العبادة، وقيل:
هو كناية عن ترك النساء، وقيل: إن هذا من ألطف الكناية عن اعتزال النساء، وقيل: كان يجتهد في العشر لمعنيين، أحدهما: لرجاء ليلة القدر، والثاني: لأنه آخر العمل، وينبغي أن يحرص على تجويد الخاتمة، والمئزر بكسر الميم، والإزار ما ائتزر الرجل به من أسفله، والإزار يذكر ويؤنث، والإزارة مثله، كما قالوا: للوسادة إساد، وإسادة، وفيه من الاستحباب إحياء العشر الأخير من رمضان، ولا سيما ليلة السابع والعشرين، فيحيها بأهله، وعياله، إلى وقت السحور كما مر في الحديث السالف، والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
ص- قال أبو داود: أبو يعفور اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس.
стр. 2340
ش- يعفور: بفتح الياء آخر الحروف، وسكون العين المهملة، وضم الفاء، بعدها واو ساكنة وفي آخره راء، واليعفور في اللغة الخشف، وولد البقرة الوحشية، ويقال: اليعافير تُيوس الظباء، وأبو يعفور كنية عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بن أبي صفية الثعْلبي العامري البكالي الكوفي. روى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وأبي الضحى، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم، قال أحمد: هو: أبو يعفور الصغير، كوفي ثقة. وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس. روى له: الجماعة (١) .
١٣٤٧- ص- نا أحمد بن سعيد الهمداني، نا عبد الله بن وهب، أخبرني مسلمِ بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: " خَرَج رسولُ الله- ﵇ فإذا الناسُ في رَمضانَ يُصَلُّونَ في نَاحية المسجد، فقالَ: مَا هؤلاء؟ فقيلَ: هؤلاء أناس (٢) ليس معهم قُرآن، وأبي بنُ كعبَ يصلي وهم يُصًلونَ بصلاته، فَقال النبيُّ- ﵇ أصَابُوا، ونِعْمَ فا صَنَعُوا " (٣) .
ش- مسلم بن خالد بن قرقرة أبو خالد الزنجي القرشي المخزومي، مولى [عبد الله بن] سفيان بن عبد الله بن عبد الأسد. روى عن: الزهري، وعمرو بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم. روى عنه: الشافعي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وعبد الله بن وهب وغيرهم. وإنما لقب بالزنجي، وكان أبيض مشرباً بحمرة، لمحبته التمر، ويقال: لأنه كان أشقر مثل البصلة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) . والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أبو شبل الحرقي الجهني مولاهم، والحرقة من جهينة.
قوله: " يصلون " يعني: يتنفلون بعد العشاء الآخرة.
стр. 2341
ص- قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقويِّ، مسلمُ بنُ خالد ضعيف [٢/ ١٥١ - أ] ش - / أشار أبو داود إلى تضعيف الحديث بقوله: " مسًلم بن خالد ضعيف " وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن المديني: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث، لا يكتب حديثه، لا يحتج به، تعرف وتنكر، وقال صاحب " الكمال ": وقال يحيى بن معين: ثقة. وفي رواية: ليس به بأس، وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به.
***
٣٠٥- باب: في ليلة القدر
أي: هذا باب في بيان ليلة القدر، سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار والرزاق والآجال، التي تكون في السَّنَة لقوله تعالى: ﴿فيها يُفْرَقُ كُلّ أَمْر حكيمٍ﴾ (ا) ويقال: سميت بذلك لعظم قدرها، وشَر فها.
١٣٤٨- ص- نا سليمان بن حرب، ومسدد، المعنى، قالا: نا حماد، عن عاصم، عن زر قال: قلتُ لأبيِّ بن كعب: نا أَخْبرنِي عن ليلة القَدرِ نا أبا المنذر، فإن صاحبَنَا سُئِلَ عنها، فقال: من يَقُمْ الحَوْلَ يُصبْهَا، فقال: رَحمَ اللهُ أباَ عبد الرحمنَ، والله لَقَد عَلمَ أنها في رَمضان، زَادَ مسَددٌ: ولكنْ كَرِهَ أن تَتَّكلُوا، أو أَحب أن لاَ تتَّكلُواَ (٢) . والله إنها لفِي رَمَضَانَ، ليلةَ سبع وعشرين، لا نَستثْنِي (٣) قلتُ: أبَا المنذر، أنَى عًلمتَ ذلكَ؟ قال بالآية التي أخبرنا رسولُ الله، قلت لزِرٍّ: ما الآيةُ؟ قال: تصبحُ الشمُس صَبيحةَ تلك الليلة مثلَ الطّسْتِ، ليس لها شُعَاعٌ، حتى ترتفِعَ " (٤) .
стр. 2342
ش- حماد بن سلمة، وعاصم بن بهدلة، وزر بن حبيش.
قوله: " من يقم الحول " أي: جميع السنَة " يصبها ".
قوله: " رحم الله أبا عبد الرحمن " وهو كنية عبد الله بن مسعود- ﵁.
قوله: " ليلة سبع وعشرين " أي: في ليلة سبع وعشرين، وفي بعض النسخ: " لليلة سبع وعشرين ".
قوله: " لا نستثنى " بنون الجماعة على صيغة المعلوم، ويكون هذا من كلام أبَيِّ، والمعنى لا نستثني في يميننا، وفي بعض الرواية " بالياء " على صيغة الغيبة، ويكون هذا من كلام زر، والمعنى حلف أبي ولا يستثنى في يمينه، وموضع هذه الجملة النصب على الحال، وقد عرف أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا، وكان فعلها مضارعًا يجوز فيها الواو، وتركها، فافهم.
قوله: " أَنى علمت ذلك " أي: من أين علمت أنها ليلة سبع وعشرين؟ قوله: " قلت لزر " أي: قال عاصم: قلت لزر.
قوله: " مثل الطست " قد ذكرنا فيه لغات: طَست وطِست بالفتح والكسر، وطَس وطِس كذلك، وطَسَه وطِسَه كذلك.
قوله: " ليس لها شعاع " قيل: يحتمل أن هذه الصفة اختصت بعلامة صبيحة [الليلة] التي أنبأهم النبي- ﵇ أنها ليلة القدر، وجعلها دليلاً لهم عليها في ذلك، لا أن تلك الصفة مختصة بصبيحة كل ليلة قدر، كما أعلمهم- ﵇ أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، ً ويحتمل أنها صفة خاصة لها، وقيل في ذلك: إنه لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها، ونزولها إلى الأرض، وصعودها بما تنزلت به من عند الله، وبكل أمر حكيم، وبالثواب في الأجور، سترت أجسامها اللطيفة، وأجنحتها شعاعها، وحجبت نورها، والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي.
١٣٤٩- ص- نا أحمد بن حرص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن
стр. 2343
طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن ضمرة بن
عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال: " كنتُ في مَجلسِ بني سلمةَ، وأنا أصغرُهم، فقالوا: من يَسألُ لنا رسولَ الله " يعن ليلةِ القدرِ؟ وذلك
صبيحةُ إحدى وعِشرينَ من رَمضانَ، فخرجتُ فَوافيتُ معَ رسول الله صَلاةَ
المغربِ، ثم قمتُ بباب بيتهِ، فَمَر بي، فقال: ادخلْ، فَدخلتُ، فأتِيَ
بعشائه، فرأيتُنِي (١) أكف عنه من قلَّته، فلما فَرغَ قال: نَاولُوني (٢) نَعْلِي
فَقام، وَقُمتُ معه، فقال: كَأن لكَ حًاجةً؟ فقلتُ: أجلْ، أرْسَلنِي إليكَ
رَهْط من بني سلمة، يَسألُونكَ عن ليلةِ القدرِ، فقال: كم الليلةُ؟ فقال:
اثنتان وعشرون، قال: هي الليلة، ثم رَجَعَ، فقال: أو القَابلةُ، يريدُ ليلةَ
ثلاثٍ وعشرينَ " (٣) .
ش- أحمد بن حفص بن الله بن رشاد السلمي السكري (٤) أبو علي
النيسابوري قاضيها. سمع أباه وعبدان بن عثمان، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم
الرازي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم، توفي ليلة الأربعاء،
لثلاث خلون من المحرم (٥) ، سنة ثمان وخمسة ومائتين، ودفن بعد
المغرب (٦) . [٢/ ١٥١ - ب] / وأبوه حفص بن عبد الله، قاضي نيسابور. سمع إبراهيم بن طهران، ومسعر بن كدام، والثوري، وغيرهم. روى عنه: ابنه أحمد،
والفضل بن لكن، وقطن بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه البخاري
حديثًا واحدة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 2344
وعباد بن إسحاق هو: عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث القرشي العامري، ويقال له: عباد بن إسحاق، وقد ذكرناه مرةً، وضمرة بن عبد الله بن أنيس الجهني، ويقال: الأسلمي الحجازي. روى عن أبيه. روى عنه: الزهري، وبكير بن عبد الله الأشج، وبكير بن مسمار. روى له: أبو داود، والنسائي.
قوله: " في مجلس بني سلمة " بكسر اللام بطن من الأنصار.
قوله: " فأتي بِعَشائه " بفتح العين.
قوله: " فرأيتُني " بضم التاء، أي: فرأيت نفسي.
قوله: " من قلته " أي: لأجل قلة الطعام، والحديث أخرجه: النسائي.
وقال أبو داود: هذا حديث غريب، وعنه لم يرو الزهريُ، عن ضمرة غير هذا الحديث.
١٣٥٠- ص- نا احمد بن يونس، نا زهير، نا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم، عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني، عن أبيه، قال: " قلتُ: يا رسولَ الله إن لي بَاديةً كونُ فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمُرْنِي بليلة أنزِلُهَا إلى هذاَ المسجد، فقال: انزلْ ليلة ثلاث وعشرين، فَقلتُ لابنه: فكيفً كان أبوكَ يصنعُ؟ َ قال: كان يدخلُ المسجدَ إذا صلى العَصرَ، فلا يخرجُ منه لحاجة، حتى يصلي الصبحَ، فإذا صَلَّى الصبحَ، وَجَدَ دابتَهُ على بابِ المسجدِ، فجلسَ عليها، فلَحِقَ بباديَتِهِ " (١) .
ش- زهير بن معاوية، ومحمد بن إبراهيم القيمي، وابن عبد الله بن أنيس، هو ضمرة المذكور آنفا.
قوله: " إن لي بادية أكون فيها " والمعنى: إنه كان يسكن في البادية في خباء.
стр. 2345
قوله: " فقلتُ لابنه " أي: قال " محمد بن إبراهيم: قلت لابن عبد الله. ١٣٥١- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي " ﵇ قال: " التَمسُوهَا في العشر الأواخر من رَمضانَ في تاسعة تَبْقَى، وفي سابعة تَبقى، وفي خَامسة تَبقَى " (١) .ً ش- وهيب: ابن خالد، وأيوب: السختياني.
قوله: " في تاسعة تبقى " هي ليلة إحدى وعشرين، " وسابعة تبقى "
هي ليلة ثلاث وعشرين " وخامسة تبقى " هي ليلة خمس وعشرين، وقال " بعضهم: إنما يصح معناه، ويوافق ليلة القدر وترًا من الليالي إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إن [كان] كاملاً، فإنها لا تكون إلا في شفع، فتكون التاسعة الباقية ليلة اثنين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين، على ما ذكره البخاري. عن ابن عباس، فلا يصادف واحدة منهن وتراً، وهذا على طريقة العرب في التأريخ إذا جاوزوا نصف الشهر، فإنما يؤرخون بالباقي منه، لا بالماضي، هكذا ذكره بعضهم، والحديث أخرجه: البخاري، وذكر متابعة، عن ابن عباس " التمسوها في أربع. وعشرين ".
***
٣٠٦- باب من قال: ليلة إحدى وعشرين
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين من رمضان.
١٣٥٢- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي كلمة بن عبد الرحمن، عن أبى سعيد الخدري، قال: " كان رسولُ الله- ﵇ يعتكفُ العشرَ الأوْسَطَ من رَمضانَ، فاعتكفَ عَامًا حتى إذا كانت ليلةَ إحدى وعشرينَ،
стр. 2346
وهي الليلةُ التي يخرجُ فيها من اعتكافه، قال: مَن كان اعتكفَ معي فليعتكفْ العَشْرَ الأواخَر، وقد رأيتُ هذه الَليَلةَ، ثم أنسيتُها، وقد رأيتُني أسجدُ صبيحتَها (١) في ماء وطِين، فالتمسُوهَا في العشرَ الأواخرِ، والتمسُوهَا في كلَ وترٍ، قال أبو سًعيد: ً فَمطرَت السماءُ من تلك الليلة، وكان المسجدُ على عَريشٍ فوكَفَ المسجدُ، فقال أَبو سعيد: فأبْصَرتْ عينَاي النبيَّ- ﵇ وعلى جَبهته، وأنفه أَثَرَ الماء، والطين من صبيحة إحدى وعشرين " (٢) .ًً
ش- " العشر الأوسط " رواه بعضهم: " العشر الوُسُط " بضم الواو والسين، جمع واسط كبازل وبُزُل. ورواه بعضهم بضم الواو، وفتح السين جمع وسطى ككُبَرٍ وكُبرَى، وأكثر الروايات فيه/ الأوسط، كما [٢/ ١٥٢ - أ] هاهنا، وقيل إنه جاء على لفظ العشر، فإن لفظ العشر مذكر.
قوله: " وقد رأيتني " بضم التاء، أي: قد رأيت نفسي.
قوله: " على عريش " أي: مظللاً بجريد ونحوه، مما يُستظل به، يريد أنه لم يكن له سقف يكن من المطر، والعريش كالبيت يصنع من سعف النخل، ينزل فيه الناس أيام الثمار، ليصيبوا منها حتى تنصرم، والعريش أيضًا الخيام، والبيوت.
قوله: " فوكَف المسجد " بفتح الكاف، أي: قطر ماء المطر من سقفه. قوله: " وعلى جبهته، وأنفه أثر الماء والطين " كان الحميدي يحتج بهذا الحديث على أن السنَة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال
стр. 2347
العلماء: مستحب أن لا يمسحها في الصلاة، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائْي، وابن ماجه.
١٣٥٣- ص- نا محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، نا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله ﷺ التمسُوها في العَشْرِ الأواخر من رَمضانَ، والتمسُوها في التاسعة، والسَابعة، والخامسة، قال: قلتُ يا أبَا سعيد إنكم أعلمُ بالعَدد منا، قال: أَجل، قلت: ما التاسعةَ، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا مضَت واحدة وعشرون: فالتي تليهَا التاسعة فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة " (١) .
ش- عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو نضرة المنذر بن مالك العبدي البصري.
قو له: " التمسوها " أي: اطلبوها.
قوله: " فالتي تليها التاسعة " جعل أبو سعيد التاسعة ليلة اثنين وعشرين، والسابعة ليلة أربع وعشرين، وهذا إذا كان الشهر ناقصًا على ما قدمناه في حديث ابن عباس، وقيل: إنما يصح لسبع بقين سواها، والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
ص- قال أبو داودَ: لا أدرِي: أخَفِيَ عَلَي منه شيء، أم لا؟
ش- الهمزة في أخفي للاستفهام.
قوله: " منه " أي: من الحديث.
***
٣٠٧- باب: من روى أنها ليلة سبع عشرة
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن ليلة القدر هي في ليلة سبع عشرة من الشهر.
стр. 2348
١٣٥٤- ص- نا حكيم بن سيف الرقي، نا عبيد الله- يعني: ابن عمرو
- عن زيد- يعني: ابن أبي أنيسة- عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابنِ مسعود، قال: قال لَنَا رِسولُ الله ﷺ : " اطلُبُوهَا ليلةَ سبع عَشرةَ من رَمضان، وليلةَ إحدى وعشرين، وليلةَ ثلاث وعشرين، وسكت " (١) ، (٢) .
ً
ش- حكيم بن سيف الرقي أبو عمرو الأسدي مولاهم. روى عن أبي المليح، وعبيد الله بن عمرو، وداود بن عبد الرحمن العطار. روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم.
وعبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الرقي. سمع عبد الملك بن عمير، وأيوب السختياني، والأعمش، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وحكيم بن سيف الرقي، وسليمان بن عبد الله الرقي، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: صالح ثقة، لا اعرف له حديثًا منكرًا، مات بالرقة سنة ثمانين ومائة. روى له: الجماعة.
وزيد بن أبي أنيسة أبو أسامة الجزري الرهاوي، واسم أبي أنيسة: زيد، كوفي الأصل، وهو غنوي مولى [بني] ، غنيِّ بن اعصر. روى عن: عطاء بن أبي رباح، والزهري، وعمرو بن مرة، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، ومسعر بن كدام، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان يسكن الرُها، ومات بها، وكان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، راوية للعلم، قال محمد بن عمر: مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) .
وأبو إسحاق: السبيعي.
стр. 2349
قوله: " اطلبوها " أي: ليلة القدر، وقال في " مختصر السنن ": وفي إسناده حكيم بن سيف، وفيه مقال.
٣٠٨- باب: من روى في السبع الأواخر
أي: هذا باب في بيان قول من روى أنها في (١) / السبع الأواخر. [٢/١٥٢
- ب]
١٣٥٥- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " تَحَرُّوا ليلةَ القدرِ في السبع الأواخرِ " (٢)
ش- أي: احرصوا على طلبها، واجتهدوا فيه، والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي.
***
٣٠٩ - باب من قال: سبعاً وعشرين (٣)
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إنها في سبع وعشرين، وهو قول الجمهور.
١٣٥٦- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن قتادة: سمع مطرفًا، عن معاوية بن أبيِ سفيان، عن النبي- ﵇ في ليلة القدرِ، قال: " ليلةَ سبعٍ وعشرين " (٤) .
ش- مطرف: ابن عبد الله بن الشخير.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا مروان بن معاوية، عن ابن أبي خالد، عن زر، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: " ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ".
стр. 2350
ونا ابن إدريس، عن الأجلح، عن الشعبي، عن زر بن حبيش،
قال: سمعت أبيّاً، يقول: " ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، هي التي
أخبرنا بها رسول الله، أن الشمس تطلع بيضاء ترقرق ".
***
٣١٠- باب من قال: هي في كل رمضان
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن ليلة القدر في جميع شهر
رمضان.
١٣٥٧- ص- نا حميد بن زَنْجُويه النسائي، نا سعيد بن أبي مريم، نا
محمد بن جعفر بن أبي كثير، نا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن
سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وأنا أسْمعُ، عن
ليلة القدرِ؟ فقال: " هي في كلِّ رَمضانَ " (١)(٢) .
شَ- حميد بن زَنْجُويه- بفتح الزاي، وسكون النورْ، وضم الجيم،
وفتح الياء- والنحاة يقولونه: زِنجويه مثل سيبويه ونحوه [ ... ] (٣) .
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، أخو
يحيى، وإسماعيل، وكثير. سمع سلمة بن دينار، وحميدا (٤)
الطويل، وزيد بن أسلم، وغيرهم. روى عنه: سعيد بن أبي مريم،
ومعتمر بن سليمان، وخالد بن معدان، وغيرهم. روى له: الجماعة.
اختلف العلماء في محل ليلة القدر، فقال جماعة: هي متنقلة، تكون
في سنة في ليلة، وتكون في سنة أخرى في ليلة وهكذا، وبهذا جمع بين
الأحاديث، ويقال: كل حديث جاء بأحد أوقاتها، فلا تعارض فيها،
هذا قول مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم،
قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل في كله،