وهي الليلةُ التي يخرجُ فيها من اعتكافه، قال: مَن كان اعتكفَ معي فليعتكفْ العَشْرَ الأواخَر، وقد رأيتُ هذه الَليَلةَ، ثم أنسيتُها، وقد رأيتُني أسجدُ صبيحتَها (١) في ماء وطِين، فالتمسُوهَا في العشرَ الأواخرِ، والتمسُوهَا في كلَ وترٍ، قال أبو سًعيد: ً فَمطرَت السماءُ من تلك الليلة، وكان المسجدُ على عَريشٍ فوكَفَ المسجدُ، فقال أَبو سعيد: فأبْصَرتْ عينَاي النبيَّ- ﵇ وعلى جَبهته، وأنفه أَثَرَ الماء، والطين من صبيحة إحدى وعشرين " (٢) .ًً
ش- " العشر الأوسط " رواه بعضهم: " العشر الوُسُط " بضم الواو والسين، جمع واسط كبازل وبُزُل. ورواه بعضهم بضم الواو، وفتح السين جمع وسطى ككُبَرٍ وكُبرَى، وأكثر الروايات فيه/ الأوسط، كما [٢/ ١٥٢ - أ] هاهنا، وقيل إنه جاء على لفظ العشر، فإن لفظ العشر مذكر.
قوله: " وقد رأيتني " بضم التاء، أي: قد رأيت نفسي.
قوله: " على عريش " أي: مظللاً بجريد ونحوه، مما يُستظل به، يريد أنه لم يكن له سقف يكن من المطر، والعريش كالبيت يصنع من سعف النخل، ينزل فيه الناس أيام الثمار، ليصيبوا منها حتى تنصرم، والعريش أيضًا الخيام، والبيوت.
قوله: " فوكَف المسجد " بفتح الكاف، أي: قطر ماء المطر من سقفه. قوله: " وعلى جبهته، وأنفه أثر الماء والطين " كان الحميدي يحتج بهذا الحديث على أن السنَة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال
стр. 2347
العلماء: مستحب أن لا يمسحها في الصلاة، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائْي، وابن ماجه.
١٣٥٣- ص- نا محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، نا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله ﷺ التمسُوها في العَشْرِ الأواخر من رَمضانَ، والتمسُوها في التاسعة، والسَابعة، والخامسة، قال: قلتُ يا أبَا سعيد إنكم أعلمُ بالعَدد منا، قال: أَجل، قلت: ما التاسعةَ، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا مضَت واحدة وعشرون: فالتي تليهَا التاسعة فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة " (١) .
ش- عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو نضرة المنذر بن مالك العبدي البصري.
قو له: " التمسوها " أي: اطلبوها.
قوله: " فالتي تليها التاسعة " جعل أبو سعيد التاسعة ليلة اثنين وعشرين، والسابعة ليلة أربع وعشرين، وهذا إذا كان الشهر ناقصًا على ما قدمناه في حديث ابن عباس، وقيل: إنما يصح لسبع بقين سواها، والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
ص- قال أبو داودَ: لا أدرِي: أخَفِيَ عَلَي منه شيء، أم لا؟
ش- الهمزة في أخفي للاستفهام.
قوله: " منه " أي: من الحديث.
***
٣٠٧- باب: من روى أنها ليلة سبع عشرة
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن ليلة القدر هي في ليلة سبع عشرة من الشهر.
стр. 2348
١٣٥٤- ص- نا حكيم بن سيف الرقي، نا عبيد الله- يعني: ابن عمرو
- عن زيد- يعني: ابن أبي أنيسة- عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابنِ مسعود، قال: قال لَنَا رِسولُ الله ﷺ : " اطلُبُوهَا ليلةَ سبع عَشرةَ من رَمضان، وليلةَ إحدى وعشرين، وليلةَ ثلاث وعشرين، وسكت " (١) ، (٢) .
ً
ش- حكيم بن سيف الرقي أبو عمرو الأسدي مولاهم. روى عن أبي المليح، وعبيد الله بن عمرو، وداود بن عبد الرحمن العطار. روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم.
وعبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الرقي. سمع عبد الملك بن عمير، وأيوب السختياني، والأعمش، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وحكيم بن سيف الرقي، وسليمان بن عبد الله الرقي، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: صالح ثقة، لا اعرف له حديثًا منكرًا، مات بالرقة سنة ثمانين ومائة. روى له: الجماعة.
وزيد بن أبي أنيسة أبو أسامة الجزري الرهاوي، واسم أبي أنيسة: زيد، كوفي الأصل، وهو غنوي مولى [بني] ، غنيِّ بن اعصر. روى عن: عطاء بن أبي رباح، والزهري، وعمرو بن مرة، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، ومسعر بن كدام، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان يسكن الرُها، ومات بها، وكان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، راوية للعلم، قال محمد بن عمر: مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) .
وأبو إسحاق: السبيعي.
стр. 2349
قوله: " اطلبوها " أي: ليلة القدر، وقال في " مختصر السنن ": وفي إسناده حكيم بن سيف، وفيه مقال.
٣٠٨- باب: من روى في السبع الأواخر
أي: هذا باب في بيان قول من روى أنها في (١) / السبع الأواخر. [٢/١٥٢
- ب]
١٣٥٥- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " تَحَرُّوا ليلةَ القدرِ في السبع الأواخرِ " (٢)
ش- أي: احرصوا على طلبها، واجتهدوا فيه، والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي.
***
٣٠٩ - باب من قال: سبعاً وعشرين (٣)
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إنها في سبع وعشرين، وهو قول الجمهور.
١٣٥٦- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن قتادة: سمع مطرفًا، عن معاوية بن أبيِ سفيان، عن النبي- ﵇ في ليلة القدرِ، قال: " ليلةَ سبعٍ وعشرين " (٤) .
ش- مطرف: ابن عبد الله بن الشخير.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا مروان بن معاوية، عن ابن أبي خالد، عن زر، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: " ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ".
стр. 2350
ونا ابن إدريس، عن الأجلح، عن الشعبي، عن زر بن حبيش،
قال: سمعت أبيّاً، يقول: " ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، هي التي
أخبرنا بها رسول الله، أن الشمس تطلع بيضاء ترقرق ".
***
٣١٠- باب من قال: هي في كل رمضان
أي: هذا باب في بيان قول من قال: إن ليلة القدر في جميع شهر
رمضان.
١٣٥٧- ص- نا حميد بن زَنْجُويه النسائي، نا سعيد بن أبي مريم، نا
محمد بن جعفر بن أبي كثير، نا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن
سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وأنا أسْمعُ، عن
ليلة القدرِ؟ فقال: " هي في كلِّ رَمضانَ " (١)(٢) .
شَ- حميد بن زَنْجُويه- بفتح الزاي، وسكون النورْ، وضم الجيم،
وفتح الياء- والنحاة يقولونه: زِنجويه مثل سيبويه ونحوه [ ... ] (٣) .
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، أخو
يحيى، وإسماعيل، وكثير. سمع سلمة بن دينار، وحميدا (٤)
الطويل، وزيد بن أسلم، وغيرهم. روى عنه: سعيد بن أبي مريم،
ومعتمر بن سليمان، وخالد بن معدان، وغيرهم. روى له: الجماعة.
اختلف العلماء في محل ليلة القدر، فقال جماعة: هي متنقلة، تكون
في سنة في ليلة، وتكون في سنة أخرى في ليلة وهكذا، وبهذا جمع بين
الأحاديث، ويقال: كل حديث جاء بأحد أوقاتها، فلا تعارض فيها،
هذا قول مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم،
قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل في كله،
стр. 2351
وقيل: إنها معينة لا تنتقل أبدًا، بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا
تفارقها، وعلي هذا قيل هي في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود- رضي
الله عنه- وقيل: بل في شهر رمضان كله، وهو قول ابن عمر،
وجماعة من الصحابة، وبه قال أبو حنيفة، وقال: ليلة القدر، تكون
في شهر رمضان، لا في غيره، لكنها تتقدم وتتأخر ٠ وقال أبو يوسف،
ومحمد: تكون في شهر رمضان في ليلة واحدة، لا تتقدم ولا تتأخر.
وفائدة الخلاف فيمن قال لعبده: أنت حر ليلة القدر، فإن قال ذلك
قبل دخول شهر رمضان عتق إذا انسلخ الشهر، وإن كان بعد مضي ليلة
من الشهر لم يعتق عبده حتى ينسلخ الشهر من العام القابل، لجواز أنها
كانت في الشهر الماضي في الليلة الأولى وفي الشهر الآتي في الليلة
الأخيرة، وعندهما إذا مضى ليلة من الشهر من العام القابل، فجاء مثل
الوقت الذي حلف عتق، لأن عندهما لا تتقدم ولا تتأخر، في ليلة من
الشهر في كل وقت، فإذا جاء مثل ذلك الوقت فقد تيقنا بمجيء الوقت
المضاف إليه العتق، فلهذا يعتق، كذا في " مبسوط " شمس الأئمة
السرخسي، وقيل: بل في العشر الوسط والأواخر، وقيل: في العشر
الأواخر، وقيل: يختص بأوقات العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل
في ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل:
تطلب في ليلة سبعة عشر، وإحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين،
وحُكي عن علي، وابن عباس، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وهو قول
كثير من الصحابة، وقيل: ليلة أربع وعشرين، وهو مَحكي عن بلال
/وابن عباس، والحسن، وقتادة، وقيل: ليلة سبع وعشرين، وهو قول
جماعة من الصحابة، وقيل: سبع عشرة، وهو مَحكي عن زيد بن أرقم،
وابن مسعود أيضًا، وقيل: ليلة تسع عشرة، وحُكي عن ابن مسعود
أيضًا، وحُكي عن على أيضًا، وقيل: آخر ليلة من الشهر.
واختلفوا هل هي باقية أم كانت في زمن رسول الله- ﵇
خاصة، فقالت طائفة: قد رفعت لقوله- ﵇ حين تلاحَى
стр. 2352
الرجلان: " فرفعت " والصحيح بقاؤها، ودوامها إلى آخر الدهر،
للأحاديث الصحيحة المشهورة، واستدلالهم غير صحيح، لأن آخر
الحديث يرد عليهم، فإنه- ﵇ قال: " فرفعت فعسى أن
يكون خيراً لكم، فالتمسوها في السبع، والتسع " هكذا هو في أول
"صحيح البخاري "، وفيه تصريح بان المراد برفعها رفع بيان علم عينها،
ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها.
***
٣١١- باب: في كم يقرأ القرآن
أي: هذا باب في بيان المدة التي يقرأ فيها القرآن.
١٣٥٨- ص- نا مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، قالا: نا أبان،
عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو
"أن النبيَ- ﵇ قال له: اقْرأ القراَنَ في شهر، قال: إني أجدُ قُوةً،
قال: اقرأ في عشرينَ، قال: إِني أجدُ قوةً، قال: اقرأ في خمسِ عَشْرةَ،
قال: إني أجدُ قوةً، قال: اقرأ في عشر، قال إني أجدُ قُوةً، قال: اقرأ في
سبع، ولا تَزيدَنَّ على ذلك " (١) .
ش- أبان بن يزيد العطار، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن إبراهيم
التيمي.
ويستفاد من الحديث أن أنهى مدة لا ينبغي أن يتجاوزها ثلاثون يومًا،
كل يوم جزء من الأجزاء الثلاثين، فإذا قرأ كل يوم جزعاً فقد أقام ما عليه
من حق القرآن، ثم بعد ذلك يتفاوت بحسب قوة القارئ، وقدرته على
ذلك، والأولى أن يقرأ كل يوم سُبعاً، ويختم في اليوم السابع، ولا
يزيد على ذلك، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
ص- قال أبو داود: وحديثُ مسلمٍ أتمُّ.
стр. 2353
ش- أي: حديث مسلم بن إبراهيم أتم من حديث موسى بن
إسماعيل.
١٣٥٩- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عطاء بن السائب،
عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ " صُمْ من كلِّ
شهر ثلاثةَ أيام، واقرأ القرآن في شهر "، فَنَاقَصَني وناقًصْتُه، فقال: " صُمْ
من كل
يومَاً، وأفطرْ يومَا "، قال عطاء: واختلفنا عن أبي، فقال بعضنا: " سبعة
أيام " وقال بَعضنَا: " خَمسًا " (١) .
ش- حماد بن سلمة.
قوله: " ثلاثة أيام " يتناول أفيَ ثلاثة كانت، ولكن قالوا: المراد منها
أيام البيض، لأحاديث أخر تدل عليها، وهي الثالث عشر، والرابع
عشر، والخامس عشر من الشهر.
قوله: " فناقصني " من المناقصة، وهي المفاعلة، وهي للاشتراك،
والمعنى هاهنا كل منهما أراد النقص في الصوم عن ثلاثة أيام، وفي القراءة
عن الشهر، وقد علم أن معنى الاشتراك في هذا الباب هو أن يكون من
غيره إليه ما كان منه إليه، كقولك: ضاربته، وقابلته.
قوله: " قال عطاء " أي: عطاء بن السائب المذكور.
قوله: " خمسَا " أي: خمسة أيام، وعطاء هذا فيه مقال كما تقدم.
١٣٦٠- ص- نا ابن المثنى، حدثني عبد الصمد، نا هشام، نا قتادة، عن
يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: يا رسولَ الله! في كَمْ أقرأ
القرآنَ؟ قال: " في شهر " قال إني اقْوَي من ذلك، ردد أَبو موسى هذا
الكلامَ (٢) ، ويناقِصه، حتى قال: " اقرأهُ في سبع "، قال: إنى أقْوَى من
ذلك، قال: " لا يَفْقَهُ من قَرَأهُ في أقل من ثلاث "
стр. 2354
ش- محمد بن المثنى، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وهمام بن
يحيى، ويزيد بن عبد الله بن الشخير
قوله: " في كم أقرأ القرآن " أي: في كم يوم أختم القرآن كله.
قوله: " ردد أبو موسى " هو محمد بن المثنى.
قوله: " في سبع " أي: في سبعة أيام.
قوله: " لا يفقه " أي: لا يفهم من قرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام،
والمعنى أنه يفوته ما يجب أن يُراعى فيه من الترتيل، والتدبر، والتأني.
١٣٦١- ص- نا محمد بن حفص أبو عبد الرحمن القطان- خال
عيسى بن شاذان-، نا أبو داود، نا الحريش بن سُليم، عن طلحة بن
مصرف، عن خيثمة، عن (١) /عبد الله بن عمرو، قال: " قال لي رسولُ
الله ﷺ اقرأ القرآن في شهر " قال: إنَّ بي قُوةً قال: " اقرأ في ثلاثٍ " (٢) .
ش- أبو داود الطيالسي.
وحريش- بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وفي آخره شين معجمة-
ابن سليم الجعفي، ويقال: الثقفي أبو سعيد الكوفي. سمع طلحة بن
مصرف. روى عنه: أبو داود الطيالسي، وزهير بن معاوية، وعبد الله
ابن إدريس، قال أبو داود الطيالسي: ثقة، وقال ابن معين: ليس بثقة.
روى له: أبو داود، والنسائي.
وخيثمة بن عبد الرحمن الجعفي.
قوله: " إن بي قوةً " والمعنى لي قوة أقدر على أن أقرأ في أقل من
الشهر، قال: " اقرأ في ثلاث " أي: في ثلاثة أيام.
ص- قال أبو داود: سمعت أحمد- يعني: ابن حنبل- يقول: عيسى
ابن شاذان كان كيسًا (٣) .
стр. 2355
ش- عيسى بن شاذان- بالشين، والذال المعجمتين- البصري نزيل
مصر. روى عنه: أبو داود.
٣١٢- باب: تحزيب القرآن
أي: هذا باب في بيان تحزيب القرآن، وتحزيب القرآن أن يجعله حزبًا
حزبًا، وقد ذكرنا أن الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة، وكذا
عن صلاة، كالورد.
١٣٦٢- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، نا ابن أبي مريم، أنا يحيى
ابن أيوب، عن ابن الهاد قال: سألَني نافع بنُ جبير بن مطعم، فقال لي: في
كَمْ تَقرأ القُرآنَ؟ فقلتُ: ما أحزبه، فقالَ لي نافعٌ: لا تقلْ: ما أحزِبُه، فان
رسولَ الله قال: " قرأتُ جُزءًا من القرآن " قال: حسبْتُ أنه ذكره عن المغيرة
ابن شعبةَ (١) .
ش- سعيد بن أبي مريم، ويحيى بن أيوب المصري، وابن الهاد هو
يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
قوله: " لا تقل ما أحزبه " طاهر كلامه أن لا يقال: أحزب القرآن، ولا
حزبته، ونحو ذلك، ولكن قوله- ﵇ قرأت جزءا من القرآن
لا يدل على نفي القول بالتحزيب، فافهم.
١٣٦٣- ص- نا مسدد، نا قُرَّانُ بن تمام ح، ونا عبد الله بن سعيد، نا
أبو خالد- وهذا لفظه- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان
ابن عبد الله بن أوس، عن جده. قال عبد الله بن سعيد في حديثه: أوس بن
حذيفة، قال: " قَدِمْنَا على رسولِ الله في وَفْدِ ثقيف، قال: فنزلَت الأحلافُ
على المغيرة بنِ شعبةَ، وانزلَ رسول" الله بني مالكً في قُبة له، قاَل مسدد:
وكان في الَوَفد الذين قَدمُوا على رسولِ الله من ثقًيف، قًال: كان كل ليلة
يأتينا بعدَ العشاَءِ، يحدثناَ، قال أبو سعيدٍ: قَائمًا على رًجليه حتى يُرَاوح بينً
стр. 2356
رِجليه من طُوِلِ القيام، وكثرُ ما يحدثنا ما لَقيَ من قومه من قريش، ثم
يقولُ: لا سواء، كنا مستضعفين، مُستذِّلين، قالَ مسدد: بَمَكة، فلما خرجْنَا
إلى المدينة كانت سجَالُ الحرَب بيننا وبينهم، لدَالُ عليهم ويُدَالُون عَلينا؟
فلما كانت ليلةً أبطَأ عندَ (١) الوَقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت
عنا الليلةَ قال: إنه طَرأَ علب جُزئيِ مَن القراَن، فكرهت [أن] أجيءَ حتى
أتمَهُ، قال أوس: سألتُ أصحاب رسول الله، كيف يحزَبون القرآنَ؟ قالوا:
ثَلاثٌ، وخمسٌ، وسبعٌ، [وتسع] ، وإحدى عشر ةَ، وثلاث عشرةَ،
وحزب المفصلِ وحدَه، وحديثُ أبي سعيد أتمّ " (٢) .
ش- قُران- بضم القاف، وتشديد الرًاء، وفي آخره نون- ابن تمام،
أبو تمام الأسدي الكوفي، سكن بغداد. سمع هشام بن عروة، ويزيد
ابن سنان، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
منيع، والحسن بن عرفة، وأحمد بن حنبل، قال ابن سعد: قدم بغداد،
وكان ينتخس في الدواب، وكان ضعيفًا، وقال ابن معين: صدوق،
ثقة، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي.
وأبو خالد الأحمر.
وعثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة الثقفي. روى عن: جده
أوس، وعمه عمرو بن أوس. روى عنه: عبد الله بن عبد الرحمن
الطائفي، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن مسلم. روى له: أبو داود،
وابن ماجه، وأوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة بن عَنزَة بن
أبي عوف، وهو ابن أبي أوس، وله أحاديث، منها حديث في المسح
على القدمين، وفي إسناده ضعف، وحديث في وفد ثقيف، وتحزيب
القراَن. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
قوله: " فنزلت الأحلاف " الأحلاف/أحد قبيلي ثقيف، لأن ثقيفا
стр. 2357
فرقتان: بنو مالك، والأحلاف، والأحلاف أيضا بطن من كلب،
والأحلاف من قريش ست قبائل: عبد الدار، وجمح، وسهم،
ومخزوم، وعدي، وكعب، لهم ذكر في حلف المطيبين، ويقال في
النسبة إليهم: أحلافي وهذا أحد ما جاء من النسب إلى الجميع، لأن
الأحلاف صار اسمًا لهم، كالأنصار صار اسمًا للأوس، والخزرج.
قلت: أصله من الحلف، وهو المعاقدة، والمعاهدة، على التعاضد،
والتساعد، والاتفاق، وقال الجوهري: الأحلاف، والحليف المحالف.
قوله: " في قُبة له " القبة من الخيام، بيت صغير مستدير، وهو من
بيوت العرب.
قوله: " وقال مسدد: وكان " أي: قال مسدد في روايته: وكان أوس بن
حذيفة.
قوله: " كان كل ليلة " أي: كان رسول الله- ﵇ كل ليلة
يأتينا بعد العشاء، يحدثنا، يعني: بما لقي من قومه، وغير ذلك.
قوله: " قال أبو سعيد " هو عبد الله بن سعيد الأشج، شيخ البخاري،
ومسلم، وأبي داود.
قوله: " قائمًا " حال من الضمير الذي في " يحدثنا " وقول: " قال
أبو سعيد " معترض بينهما.
قوله: " حتى يراوح بين رجليه " أي: يعتمد على إحديهما مرة، وعلى
الأخرى مرة، ومنه صلاة التراويح، لأنهم كانوا يستريحون بين
الترويحتين، وقيل: سميت التراويح، لأن المصلي يطول قيامه، فيتروح
بالقيام على إحدى القدمين.
قوله: " لا سواء " معناه لا نحن سواء، فحذف المبتدأ، والمعنى حالنا
الآن غير ما كانت عليه قبل الهجرة، ألا ترى إلى قوله: " كنا
مستضعفين مستذلين بمكة؟ ".
قوله: " قال مسدد: بمكة " أي: قال مسدد في روايته: " كنا مستضعفين
مستذلين بمكة " أي: لما كنا فيها.
стр. 2358
قوله: " سجال الحرب " أي: نوبها، أي: مرة لنا، ومرة علينا، من
مساجلة المستعين على البئر بالدلاء، فينزع هذا سجلاً، وهذا سجلاً،
يتناوبان بينهما السقي، فيكون هذا من ساجلت الرجل مساجلة،
وسجالاً، والسجال جمع السجل، أيضًا وهو الدلو الكبيرة.
قوله: " ندال عليهم، ويدالون علينا " يريد أن الدولة تكون لنا عليهم
مرة، ولهم علينا أخرى، والدولة: الظفر، والظهور، وقال ابن الأثير:
الدولة الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء، وقوله: ندال من الإدالة،
وهي الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا، أي: نصرنا عليهم.
قوله: " طرأ علي جزئي " مهموز، يريد أنه كان قد أغفله عن وقته، ثم
ذكره، فقرأه، وأصله من قولك: طرأ علي الرجل، إذا خرج عليه فجأة
طروءًا فهو طارئٌ، كأنه فجئه الوقت الذي كان يؤدي فيه ورده، وجعل
ابتدائه فيه طرؤاً منه عليه، وَقد يترك الهمز فيه، فيقال: طَرَا يَطرو طُرُوا.
قوله: " قالوا: ثلاث " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي:
أحزابه ثلاث، وخمس إلى أخره.
قوله: " وحزب المفصل " والمفصل من سورة محمد، أو الحجرات إلى
أخر القراَن، وقد مر غير مرة، وقال ابن معين: إسناد هذا الحديث
صالح، وحديثه عن النبي- ﵇ في تحزيب القراَن ليس بالقائم.
١٣٦٤- ص- نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، نا سعيد، عن
قتادة، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله- يعني: ابن
عمرو- قال: قال رسولُ الله- ﵇: " لا يفقَهُ مَن قَرَأ القرآنَ في
أقلِّ من ثلاثٍ " (١) .
ش- سعيد بن أبي عروبة.
стр. 2359
قوله: " لا يفقه " أي: لا يفهم، وقد تقدم مثله، والحديث أخرجه:
الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث صحيح.
١٣٦٥- ص- نا نوح بن حبيب، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سماك
ابن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عبد الله بنِ عمرو " أنه سأَلَ النبيَّ ﵇ في كَمْ يَقرأُ القرآنَ؟ قال: في أربعين يَوما، ثم قال: في شهر، ثم
قال: في عشرين، ثم قال: في خمس عشرةَ، ثم قال: في عشرة (١) ، ثم
قال: في سبعٍ، لم يَنزلْ من سبعٍ " (٢) .
ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وسماك بن الفضل
الخولاني، اليماني الصنعاني. روى عن وهب بن منبه، ومجاهد،
وعمرو بن شعيب. روى عنه معمر. روى له: أبو داود، والترمذي.
قوله: " في كم يقرأ القرآن " أي: في كم يوم يقرأ القرآن؟ وهذا
الحديث يوافق الحديث الذي رواه أبو سلمة، عن عبد الله بن عمرو.
الذي ذكر في أول " باب في كم يقرأ القرآن "؟ في حكم أدنى المدة التي
[٢ /١٥٤- ب] ، يقرأ فيها، ويخالفه في نهاية المدة، فإن هنا/ نهايتها أربعون يومًا، وهناك ثلاثون يومًا، وحكم الثلاثين يندرج تحت حكم الأربعين، فيحمل عليه، وبه قال أصحاب أبي حنيفة: أن القارئ ينبغي أن يختم القرآن في كل أربعين يومًا مرة، ولا يزيد على ذلك، أعني: في المدة، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً.
١٣٦٦- ص- نا عباد بن موسى، نا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: " أتى ابنَ مسعود رَجلٌ، فقال:
أني أقرأ المُفَصَّلَ في ركعةِ، فقال: أهذا كَهَذ الشعرِ؟ ونَثراًَ كنثرِ الدَّقَلِ؟
стр. 2360
لكن النبيَّ- ﵇ كان يقرأُ النظائر، السورتين في ركعة: (الرحمن، والنجمَ) (١) في ركعة، و (اقتربتْ والحاقة) في ركعةَ، و (الطورَ، والذاريات) في ركعة، و (إذا وقعتْ، ونونْ) في ركعًة، و (سألَ سائل، والنازعَات) في ركعة، و (ويل للمطففين، وعبسَ) فهي ركعة، و (المدثرَ، والمزملَ) في ركعة، و (هل أتَى، ولا أقسمُ ببوم القيامة) في ركعة، و (عمَ يتساءلون، والمرسلات) في ركعة، و (الدخَانَ، وإَذا الشمسُ كُورتْ) في ركعةٍ " (٢) .
ش- إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وإسرائيل بن يونس، وأبو إسحاق السبيعي.
قوله: " أهَذا " الألف فيه للاستفهام، أي: أتهذ هذا كهذ الشعر، والهذ سرعة القراءة، أي: بسرعة كسرعة من يسرع في قراء الشعر. وقال الشيخ محي الدين: الهذ - بتشديد الذال- هو شدة الإسراع، والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل، والتدبر، وبه قال جمهور العلماء، قال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذ، وقال في: " كهذ الشعر" معناه في تحفظه وروايته، لا في إنشاده وترنمه، لأنه يرتل في الإنشاد والترنم في العادة.
قلت: انتصاب هذا على المصدر.
قوله: " ونثراً " عطف على قوله: " أهذا ".
قوله: " كنثر الدقَلِ "، الدقل- بفتح الدال، والقاف، وفي آخره لام- ثمر الدوم، وهو يشبه النخل، وله حب كبير، وفيه نوى كبير، عليه لحيمة عَفصَةٌ، يؤكل رطب، فإذا يبس صارت شبه الليف، وقيل: الدقل أردأ التمر، والبرني أجوده، وتراه ليبسه ورداءته لا يجمع، ويكون منثورًا، وقيل شبهه بتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هُزَّ.
стр. 2361
قوله: " كان يقرأ النظائر " جمع نظيرة، وهي السور التي تشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر.
قوله: " السورتين " نصب على أنه بدل من قوله: " النظائر ".
قوله: " الرحمن والنجم " يجوز بالنصب على أن يكون بدلا من السورتين، ويجوز بالرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره وهما " الرحمن والنجم "، وكذلك الكلام في الباقي، وقد أخرج مسلم في " صحيحه " طرفًا منه في ذكر الهذ والنظائر، من حديث أبي وائل شقيق بن سلمي، عن عبد الله بن مسعود (١) .
ص- قال أبو داود: هذا تأليفُ ابنِ مسعودٍ ﵁.
ش- أي: الذي ذكر من كل سورتين في ركعة على هذه الهيئة تأليف عبد الله بن مسعود- ﵁، والمعنى أنه بيان للنظائر، التي كان رسول الله يقرن بينهن سورتين في ركعة، وهي عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل.
١٣٦٧- ص- نا حرص بن عمر، نا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: سألتُ أبا مسعود وهو يَطُوفُ بالبيت؟ فقال: قال رسولُ الله: " من قَرَأَ الآيتين من آخره سُورة البقرة في ليَلة كَفَتَاه " (٢) ش- منصور: ابن المعتمر، وإبراهيم: النخعي.
وعبد الرحمن بن يزيد: ابن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، أخو
стр. 2362
الأسود بن يزيد. سمع عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبا مسعود البدري، وسلمان الفارسي، وعائشة، وغيرهم. روى عنه: الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة. روى له: الجماعة.
قوله: " كفتاه " قيل: أجزأتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه من كل شيطان وهامة، فلا يقربه ليلته، وقيل: كفتاه ما يكون من الآفات تلك الليلة، وقيل: معناه حسْبُه بهما فضلا وأجراً، والحديث أخرجه البخاري / ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [٢/١٥٥ - أ]
١٣٦٨- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أنا عمرو، أن أبا سُوِيَّةَ حدثه، أنه سمع ابن حجيرة يخبر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " مَن قَامِ بعشرِ آيات لم يُكتبْ من الغَافِلينَ، ومَن قام بمائةِ آيةٍ كُتِبَ مَن القَانِتين، ومن قَامَ بألفِ آلية كُتِبَ من المُقَنطَرِينَ " (١) . ش- عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، وأبو سوية- بفتح السين المهملة، وكسر الواو، وتشديد الياء آخر الحروف- اسمه عبيد بن سوية من الأنصار. روى عنه: حياة، وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة، توفي سنة خمسة وثلاثين ومائة.
قوله: " لم يكتب من الغافلين " أي: الغافلين عن ذكر الله تعالى.
قوله: " من القانتين " أي: المطيعين، أو الخاشعين، أو المصلين، أو الداعين، أو العابدين، أو القائمين.
قوله: " من المقنطرين " بفتح الطاء، أي: من الذين أعطوا قنطارا من الأجر. ورُوي عن: معاذ بن جبل، أنه قال: القنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض. وقال أبو عبيد: القناطير واحدها قنطار، ولا تجد العربَ تعرف وزنه. وقال ثعلب: المعروف المعمول عليه عند العرب أكثر أنه أربعة آلاف دينار، وإذا قالوا: قناطير مقنطرة، فهي
стр. 2363
اثنا عشر ألف دينار، وقيل: القنطار ملء جلد ثور ذهبًا، وقيل: ثمانون ألفا، وقيل: هي حملة كثيرة مجهولة من المال.
ص - قال أبو داود: ابنُ حُجيرةَ الأصغرُ عبدُ الله بن عبد الرحمن بن حُجيرة.
ش- ابن حجيرة الأكبر هو عبد الرحمن بن حجيرة، والأصغر ابنه عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة. روى عن: أبيه. روى عنه: إبراهيم بن نشيط، وغيره ذكره ابن حبان في " الثقات ". روى له: النسائي في " اليوم والليلة " حديثًا واحدًا.
١٣٦٩- ص- نا يحي بن موسى البلخي، وهارون بن عبد الله، قالا: نا عبد الله بن يزيد، نا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " أتَى رجل رسولَ الله، فقال: أقرِئْنِي يا رسولَ الله، فقال: " اقرأ ثلاثاً من ذَوَاتِ " الر " فقال: كَبرَتْ سنِّي، واشتد قَلبِي وغلظَ لسَانِي، قال: فاقرأ ثلاثا من ذَوَات " حم ". فقالَ: مثلَ مَقَالَتِهِ، فقال: " اقرَأ ثلاثا من المُسبحاتِ " فقال مثلَ مَقَالته، فقال الرجل: يا رسولَ اللهِ، أقرِئني سورةً جامعةً، فأقرأه النبي ﵇ ﴿إذا زلزِلَتِ﴾ حتى فَرغَ منها، فقال الرجلُ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لا أزيدُ عليها أبداً، ثم أدبَرَ الرجلُ، فقال النبي- ﵇ أفَلَحَ الرويجِلُ مَرَتِين " (١) .
ش- عبد الله بن يزيد المقرئ، وسعيد بن أبي أيوب: مقلاص المصري، وعياش- بالياء آخر الحروف المشددة، والشين المعجمة- ابن عباس المصري، وقتبان - بكسر القاف، وسكون التاء المثناة من فوق، وفتح الباء الموحدة، وفي آخره نون- مِن رُعَينٍ.
وعيسى بن هلال الصدفي المصري. روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه: عياش المذكور، وكعب بن القمة، ودراج أبو السمح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
стр. 2364
قوله: اقرأ ثلاثًا من ذوات " الر " أراد به من السور أولها " الر " [ ... ] (١)
أن قوله: " وغلظ لساني " أي: خشن.
قوله: " من ذوات حم " أراد بها من السور التي أولها " حم " وهي
سبع حواميم.
قوله: " من المسبحات " أراد به من السور التي أولها يسبح لله، أو سبح
لله [......] (٢) .
قوله: " سورة جامعة " أي: لأنواع [......] (٣) .
قوله: " أفلح الرويجل " الرويجل تصغير رجل على غير قياس، كأنه
تصغير راجل، وقال الجوهري: وتصغير الرجل رجيل، ورويجل أيضًا
على غير قياس.
قوله: " مرتين " أي: قالها مرتين، والحديث: أخرجه النسائي.
***
٣١٣- باب: في عدد الآي
أي: هذا باب في بيان عدد الآي، والآي جمع آية.
١٣٧٠- ص- نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، أنا قتادة، عن عباس
الجشمي، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ قال: " سُورةٌ من
القرآن ثلاثونَ آية تشفع لصاحبَهَا، حتى غُفِرَ (٤) له: ﴿تبَارَكَ الَّذي/ بيَده [٢/٥٥ - أ] الملك﴾ (٥) .
ش- عباس الجسمي يقال: ابن عبد الله. روى عن: عثمان بن
стр. 2365
عفان، وأبي هريرة. روى عنه: قتادة، والجريري. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " سورة " مبتدأ تخصص بالصفة، وهي قوله: " من القرآن "، وقوله: " ثلاثون آَية " صفة أخرى، وخبره " تشفع لصاحبها ".
قوله: "حتى غفرته " بمعنى إلى أن غفر له.
قوله: " تبارك الذي بيده الملك " في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: هي ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وهي ثلاثون آية، وألف وثلثمائة وخمس وثلاثون كلمة، وألف وثلثمائة وثلاثة عشر حرفًا، وهي سورة مكية، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن، وقد ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " من رواية عباس الجسمي، عن أبي هريرة، كما أخرجه: أبو داود، وغيره، وقال: لم يذكر سماعًا من أبي هريرة، يريد أن عباسًا الجسمي. روى هذا الحديث عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه أنه سمعه من أبي هريرة.
***
٣١٤- باب: تفريع أبواب سجود القرآن، وكم فيه من سجدة ؟ (١)
أي: هذا باب في بيان تفريع أنواع السجود في القرآن.
١٣٧١- ص- نا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي، نا ابن أبي مريم، أنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن منَين- من بني عبد كلال، عن عمرو بن العاص " أن النبي- ﵇ أقرأهُ خمسةَ عشرَ (٢) سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتانِ " (٣) .
ش- سعيد بن أبي مريم، والحارث بن سعيد، وقيل: ابن يزيد
стр. 2366
العُتقي، وسعيد أصح. روى عن: عبد الله بن منين. روى عنه: ابن لهيعة، ونافع بن يزيد. روى له: أبو داود، وابن ماجه حديثا واحدَا، قال أبو بكر بن أبي داود: العُتقي بطن من غافق (١) ، وعبد الله بن منير اليحصبي المصري، من بني عبد كلام. روى عن: عمرو بن العاص، وقيل: عن عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه: الحارث بن سعيد. روى له: أبو داود، وابن ماجه، هذا الحديث، وليس له غيره، ومنين بضم الميم، وفتح النون، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره نون. قوله: " ثلاث في المفصل " وهي في سورة " والنجم "، و " إذا السماء انشقت "، و " اقرأ " وبهذا الحديث استدل الشافعي على أن في الحج سجدتن. ورواه ابن ماجه أيضا، والحاكم، وقال: قد احتج الشيخان بأكثر رواته، وليس في عدد سجود القرآن أتم منه.
والجواب عن هذا ابن عبد الله بن منين فيه جهالة، قال عبد الحق في " أحكامه ": وعبد الله بن منين لا يحتج به، قال ابن القطان: وذلك لجهالته، فإنه لا يعرف. روى عنه: الحارث بن سعيد العرقي، وهو رجل لا يعرف له حال، قال: وقد وقع لابن أبي حاتم تصحيف في اسمه، وفي نسبه، فقال: عبد الله بن منير- بالراء-، وإنما هو منين
стр. 2367
- بنونين، وميم مضمومة-، وقال فيه: من بني عبد الدار، وصوابه
من بني عبد كلال، كما هو هاهنا وفي " تاريخ البخاري ": ولئن سلمنا،
فالمراد بإحدى السجدتين سجدة التلاوة، وبالأخرى سجدة الصلاة.
واعلم أن العلماء اختلفوا في عدد سجدات التلاوة، فمذهب الشافعي
وطائفة أنهن أربع عشرة سجدة، منها سجدتان في الحج، وثلاث في
المفصل، وليست سجدة " ص " منهن، وإنما هي سجدة شكر، وقال
مالك وطائفة: هن إحدى عشرة، أسقط سجدات المفصل، وقال
أبو حنيفة: هي أربع عشرة، أثبت سجدات المفصل، وسجدة " ص "،
وأسقط السجدة الثانية في الحج، وقال أحمد، وابن سريج من الشافعية،
وطائفة: هن خمس عشرة، أثبتوا الجميع، ومواضع السجدات،
معلومة. واختلفوا في سجدة " حم "، فقال مالك وطائفة من السلف
وبعض الشافعية: هي عقيب قوله تعالى: ﴿إن كُنتُمْ إياهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١)
وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور: عقيب ﴿وهُمْ لا يَسأمُونَ﴾ (٢) .
ص- قال أبو داودَ: رُوي عن أبي الدرداء، عن النبيِّ- ﵇
"إحدَى عَشْرةَ سَجدة " وإسناده واهِي.
ش- هذا الحديث الذي علقه أبو داود رواه ابن ماجه، والترمذي،
وقال الترمذي: نا سفيان بن وكيع، نا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن
الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمر الدمشقي، عن أم الدرداء، [٢/٥٦- أ] عن أبي الدرداء، قال: " سجدت مع رسول الله/ إحدى عشرة سجدة، منها التي في النجم ". وقال الترمذي: حديث أبي الدرداء حديث
غريب، لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال، عن عمر الدمشقي.
١٣٧٢- ص- نا أحمد بن عمرو بن، أنا ابن وهب، أخبرني
ابن لهيعة، أن مشْرحً بن هاران أبا مصعب، حدثه أن عقبة بن عامر، قال:
стр. 2368
قلتُ لرسول الله- ﵇: " في سورة (١) الحجِّ سجدتانِ؟ قال: نعم، ومن لَم يَسْجدهما, فلا يقرأهُمَا " (٢) .
ش- عبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة، ومَشرح- بفتح الميم (٣) ، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء، وفي آخره حاء مهملة- كذا رواه الأصمعي بالحاء المهملة، ابن هاعان بالهاء والين المهملة، أبو المصعب المعافري المصري. سمع عقبة بن عامر الجهني. روى عنه ابن لهيعة، والليث بن سعد، وعبد الله بن هبيرة، وغيرهم قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن حنبل: معروف، مات قريبا من سنة عشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وهذا الحديث أيضا من جملة مستندات الشافعي. ورواه أحمد في "مسنده"، والحاكم في " مستدركه "، والترمذي في " جامعه "، وقال ليس إسناده بالقوي، وقال الحاكم: هذا حديث لم نكتبه مستندا إلا من هذا الوجه، وعبد الله بن لهيعة أحد الأئمة، إنما نُقمَ عليه اختلاطه في آخر عمره، وقال في " مختصر الحق ": وفي إسناده عبد الله بن لهيعة، ومشرح بن هامان، ولا يحتج بحديثيهما.
***
٣١٥- باب: من لم ير السجود في المفصل
أي: هذا باب في بيان قول من لم ير السجود في المفصل، وهو من سورة محمد إلى آخر القرآن، وقد مر غير مرة.
١٣٧٣- ص- نا محمد بن رافع، نا أزهر بن القاسم، قال محمد: رأيته بمكة، نا أبو قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس " أن رسولَ الله- ﵇ لم يَسجدْ في شيءٍ من المفصلِ، منْذُ تحولَ إلى المدينة " (٤) .
стр. 2369
ش- أزهر بن القاسم الراسبي أبو بكر البصري، نزل مكة. روى عن: هشام الاستوائي، والمثنى بن سعيد، وأبي قدامة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ونوح بن حبيب، وقال أحمد: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
وأبو قدامة: الحارث بن عبيد الأيادي، ومطر بن طهمان الوراق
أبو رجاء الخراساني، مولى عِلباء بن أحمر السلمي، سكن البصرة، كان يكتب المصاحف. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وغيرهم. روى عنه: أبو قدامة، وشعبة، والحمادان،
وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم، وقال أحمد: مطر ضعيف في عطاء، وقال أبو حاتم، وابن معين، وأبو زرعة: صالح، روى له الجماعة، إلا البخاري.
وهذا الحديث من جملة مستندات مالك، وهو حديث ضعيف، " (١) وقال عبد الحق في " أحكامه ": إسناده ليس بقوي، ويُروى مرسلاً، والصحيح حديث أبي هريرة أن النبي- ﵇ سجد في ﴿إذا السَمَاءُ انشقَتْ﴾ وإسلامه متأخر، قدم على النبي- ﵇ في السنة السابعة من الهجرة، وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر، وأبو قدامة ليس بشيء، وأبو هريرة لم يصحب النبي- ﵇ إلا في المدينة، وقد رآه يسجد في الانشقاق، والقلم انتهى. وقال ابن القطان في " كتابه ": وأبو قدامة الحارث بن عبيد، قال فيه ابن حنبل: مضطرب الحديث، وضعفه ابن معين، وقال الساجي (٢) : صدوق، وعنده مناكير، وقال أبو حاتم البستي: كان شيخًا صالحا، وكثر وهمه، ومطر الوراق كان سيء الحفظ، حتى كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه ".
١٣٧٤- ص- نا هناد بن السري، نا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد
стр. 2370
ابن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، قال: " قرأت على رسولِ اللهِ النجمَ فلم يسجدْ فيها " (١) .
ش- ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، بضم القاف، ابن أسامة بن عمير الليثي، أبو عبد الله المديني. سمع عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، والليث ابن سعد، وغيرهم، قال ابن معين: صالح، ليس به بأس، توفي سنة اثنين وعشرين ومائة بالمدينة،/ [٢/١٥٦ - ب] روى له: الجماعة إلا ابن ماجه.
وهذا الحديث أيضًا من جملة مستندات مالك، وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والجواب عن هذا أنه محمول على بيان جواز ترك السجود عند من يقول أنه سُنَّة، وليس بواجب، وأما الذين يقولون بوجوبه، فأجابوا عنه بأنه- ﵇ لم يسجد على الفور، ولا يلزم منه أنه ليس فيه سجدة، ولا فيه نفي الوجوب.
١٣٧٥- ص- نا ابن السرح، أنا ابن وهب، نا أبو صخر، عن ابن قسيط، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن النبي- ﵇ بمعناه (٢) .
ش- أحمد بن عمرو بن السرح، وعبد الله بن وهب.
وأبو صخر حميد بن زناد الخراط، وقيل: ابن صخر، وهو ابن أبي المخارق أبو صخر المدني صاحب العباء، سكن مصر. سمع أبا كلمة ابن عبد الرحمن، ومحمد بن كعب القرظي، ونافعًا مولى ابن عمر، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وغيرهم. روى عنه: حياة بن شريح،
стр. 2371
وابن لهيعة، وابن وهب، وغيرهم، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، ليس به بأس، وفي رواية عنه: ضعيف. روى له: الجماعة إلا البخاري (١) .
وخارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري أخو إسماعيل، أدرك زمن عثمان بن عفان. وسمع أباه، وعمه يزيد بن ثابت، وأم العلاء الأنصارية. روى عنه سالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وغيرهم. توفي في سنة مائة بالمدينة. روى له: الجماعة.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث (٢) المذكور.
ص- قال أبو داود: كان زيدٌ الإمام، فلم يسجدْ فيه (٣) .
ش- الإمام منصوب، لأنه خبر كان، والمعنى ابن زيداً كان هو القارئ، والنبي- ﵇ كان السامع، فلم يسجد النبي- ﵇ لأن زيدوا حين قرأ لم يسجد، وقال الترمذي بعد أن روى الحديث المذكور: وتأمل بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما ترك النبي- ﵇ السجود، لأن زيد بن ثابت حين قرأ لم يسجد، فلم يسجد النبي- ﵇.
***
٣١٦- باب: من رأى فيها السجود
أي: هذا باب في بيان قول من رأى في المفصل سجوده.
١٣٧٦- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله " أن رسولَ الله- ﵇ قَرَأَ سُورةَ النجم فَسجدَ بها (٤) ، وما بَقِيَ أحدٌ من القوة إلا سجدَ، فأخذَ رجل من القوة كَفّاً من
стр. 2372
حَصَى، أو تراب فرفَعَهُ إلى وجهِه، وقال: يكفيني هذا، قال عبدُ الله: فلقد رأيتُه بعد ذلك قُتِلً كَافرَا " (١) .َ
ش- أبو إسحاق السبيعي، والأسود بن يزيد النخعي، وعبد الله بن مسعود.
قوله: " وما بقي أحد من القوم إِلا سجد " يعني: من المسلمين، والمشركين، قال ابن عباس، وغيره: حتى شاع ابن أهل مكة أسلموا، وقال القاضي عياض: وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود: إنها أول سجدة نزلت، قال القاضي: وأما ما يرويه الإخباريون، والمفسرون، أن سبب سجودهم ما جرى على لسان رسول الله من الثناء على آلهة المشركة، في سورة النجم، فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح جهة غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله- ﵇، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك.
قوله: " فأخذ رجل من القوم " هو أمية بن خلف، وقيل: هو الوليد ابن المغيرة، وقيل: هو عتبة بن ربيعة، وقيل: إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص، والأول أصح، وهو الذي ذكره البخاري، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وأخرجه النسائي مختصرا.
***
٣١٧- باب: السجود في- ﴿إذَا السماءُ انشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأ﴾
أي: هذا باب في بيان السجود في سورة الانشقاق، والعلق.
١٣٧٧- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن
стр. 2373
ميناء، عن أبي هريرة، قال: " سَجدنَا مع رسول الله في ﴿إذا السَمَاءُ
انشَقتْ﴾ و ﴿اقْرَأ باسْم ربكَ﴾ "، (١) ، (٢) .
ش- سفيان الثوري.
وعطاء بن ميناء- بكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح
النون- مولى ابن أبي ذباب المدني، وقيل البصري. روى عن:
[٢/ ١٥٧ - أ] أبي هريرة. روى عنه: عمرو بن/ دينار، وسعيد المقبري، وأيوب بن موسى، وغيرهم. قال سفيان بن عيينة: عطاء بن ميناء البصري أبو معاذ،
من المعروفين من أصحاب أبي هريرة. روى له: الجماعة (٣) .
والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي:، العمل على هذا عند كثر أهل العلم، يرون السجود في ﴿وإذا
السمَاء انشَقتْ﴾ و ﴿اقرأ باسْم ربكَ﴾ .
١٣٧٨- ص- نا مسدد، نا المعتمر، قال: سمعت أبي، نا بكر، عن
أبي رافِع، قال: " صليتُ مع أبي هريرة العتمة، فقرأ ﴿وإذا السماءُ انشَقتْ﴾
فسَجد، قلتُ: ما هذه السجدةُ؟ قال: سجدتُ بها خلفَ أبي القاصم ﷺ
فلا أزَالُ أسجُدُ بها حتىَ أَلقَاه " (٤) .
ش- معتمر بن سليمان، وأبوه سليمان بن طرخان، وبكر بن عبد الله
المدني، وأبو رافع رفيع الصائغ المدني، والحديث أخرجه: البخاري،
ومسلم، والنسائي، وهو حجة على مالك.
стр. 2374
٣١٨- باب: السجود في " ص "
أي: هذا باب في بيان السجود في سورة " ص ".
١٣٧٩- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " ليس " ص " من عزائم السجودِ، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ يسجدُ فيها " (١) .
ش- وهيب بن خالد، وأيوب السختياني.
قوله: " ليس [" ص "] من عزائم السجود " أي: ليس حق من حقوقه، وواجب من واجباته، وبه استدل الشافعي أن السجدة التي في لاصق ليست بعزيمة، وإنما هي سجدة شكر، قلنا: بل الحديث حجة لنا، لقوله: " وقد رأيت رسول الله يسجد فيها " وفعله- ﵇ أقوى من قول ابن عباس، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في ذلك، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي- ﵇ وغيرهم أن يسجد فيها، وهو قول سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعضهم: إنها توبة نبي، ولم يروا السجود فيها.
قلت: ما ذكره من قول الشافعي غير محفوظ عنه، بل كان ينبغي أن يذكر قوله في قول من لم يروا فيها سجدة.
١٣٨٠- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: " اقرأ رسولُ اللهِ ﷺ وهو على المنبر , " ص "، فلما بَلَغَ السجدةَ نزلَ فَسجدَ، وسجدَ الناسُ معه، فلما كان يوم آَخرُ قرأها، فلما بَلَغ
стр. 2375
السجدةَ تَشَزن الناسُ للسجود، فقال رسولُ الله: إنما هي توبةُ نبيّ، ولكني رأيتُكُم تَشزنتُمْ للسجُودِ، فَنَزَلً فَسَجدَ وسَجَدُواَ " (١) .
ش- عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، وابن أبي هلال: سعيد بن أبي هلال الليثي المصري.
قوله: " تشزن الناس " معناه تأهبوا للسجود، وتهيؤا له، وأصله من الشزن، وهو القلق، يقال: بات فلان على شزن، أي: بات قلقا يتقلب من جنب إلى جنب، وقال ابن الأثير في " باب الشين مع الزاي (٢) ": التشزُّن التأهب، والتهيؤ للشيء، والاستعداد له، مأخوذ من عُرض الشيء وجانبه، كأن المتشزًن يدع الطمأنينة في جلوسه، ويقعد مستوفِزًا على جانب.
قوله: " إنما هي توبة نبيل نبي " والمراد به داود- ﵇ والحديث أخرجه الحاكم في " المستدرك " في تفسير سورة " ص "، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقال النووي في "الخلاصة ": سنده صحيح على شرط البخاري، واستدل به الشافعي أيضًا أن سجدة لص " ليست من العزائم، وإنما هي سجدة شكر.
قلنا: هذا أيضًا حجة لنا، لأنا نقول سجدها داود- ﵇ توبة، ونحن مسجدها شكرًا، لما أنعم الله تعالى على داود بالغفران، والوعد بالزلفى، وحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: ﴿وأنَابَ﴾ بل عقيب قوله: ﴿مآب﴾ وهذه نعمة عظيمة في حقنا، وطمعنا في إقالة عثراتنا، وغفران ذنوبناً، وزلاتنا، فكانت سجدة تلاوة، لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود- عليه [٢/ ١٥٧- ب] السلام- وأطماعنا من نيل مثله، وكذا سجدة/ النبي- ﵇ في الجمعة الأولى، وترك الخطبة لأجلها، فدل على أنها سجدة تلاوة،
стр. 2376
وأما تركه في الجمعة الثانية حيث القراءة فلا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير، وهي عندنا لا تجب على الفور، على ابنه سجد أيضا، وسجد الناس معه لما تشزَّنوا له.
***
٣١٩- باب: الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة
أي: هذا باب في بيان أن الرجل يسمع آية السجدة، والحال أنه راكب، أو في غير صلاة.
١٣٨١- ص- نا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر، نا عبد العزيز
- يعني: ابن محمد- عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن نافع، عن ابن عمر " أن رسولَ الله ﷺ قرأ َعامَ الفتحِ سَجدة، فسجدَ الناسُ كلُّهم، منهم الراكبُ، والساجدُ في الأرضِ، حتى إن الراكب ليسجدُ على يَدِه " (١) .
ش- عبد العزيز الدراوردي.
قوله: " عام الفتح " أي: فتح مكة سنة ثمان من الهجرة.
وبالحديث استدل الشافعي أن سجدة التلاوة تجوز راكبا، سواء سمعها من غيره، أو تلاها هو، وكذا لو تلاها على الأرض، ثم سجد لها راكبا يجور عنده، وقال أصحابنا: لا يجوز إلا فيما إذا قرأها راكبًا، وسجد لها راكبا، لأنها وجبت في ذمته كاملة، فلا تتعدى بالناقص، وأما في الصورة المستثناة، فإنه أداها كما وجبت، والواجب هو الناقص، وأما إذا قرأها راكبا فنزل على الأرض، ثم ركب فسجد لها، يجوز عندنا أيضا للمعنى المذكور، خلافًا لزفر بن هذيل، والحديث معلول بمصعب ابن ثابت، فإنه ضعفه غير واحلم من الأئمة.
١٣٨٢- ص- نا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، ح أنا أحمد بن
стр. 2377
أبي شعيب، نا ابن نمير، المعنى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "كان رسولُ الله- ﵇ يقرأ علينا السورةَ، قال ابن نمير: في غير الصلاةِ ثم اتفقَا: فيسجدُ ونسجدُ معه، حتى لا يَجدُ أحللنا مكًانًا لموضع جَبهتِهِ " (١) .
ش- يحيى القطان، وعبد الله بن عمير.
قوله: " ثم اتفقا " يعني: يحيى، وابن أمير. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
ويستفاد منه أن السجدة واجبة عند قراءة آية السجدة، سواء كان في الصلاة، أو خارج الصلاة على القارئ والسامع.
١٣٨٣- ص- نا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي، أنا عبد الرزاق،
أنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " كان رسولُ الله ﵇ يقرأ علينا القرآنَ، فإذا مَر بالسجدة كَبَّرَ، وسجدَ، وسجدْنَا " (٢)(٣) .
ش- عبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والخرج له: مسلم مقرونًا بأخيه عبيد الله بن عمر- ﵃.
ويستفاد من الحديث أن سجدة التلاوة لها تكبير بدون رفع اليدين، وكذا ليس لها تشهد، ولا سلام، وأخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن الحسن، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير " أنهم كانوا لا يُسلمون في السجدة " وقال أصحابنا: يكبر أولاً للسجود، ثم إذا رفع رأسه يكبر أيضًا، لما روى ابن أبي شيبة بإسناده، عن الحسن، قال: لا إذا قرأ الرجل السجدة، فليكبر إذا رفع رأسه، وإذا سجد ".
стр. 2378
وأخرج عبد الرزاق في " مصنفه " عن الحسن، قال: " ليس في السجود تسليم ".
ص- قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبُه هذا الحديث، قال أبو داود: يعجبُه لأنه كبر.
ش- أي: قال عبد الرزاق بن همام: كان سفيان الثوري إلى آخره.
***
٣٢٠- باب: ما يقول إذا سجد
أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل في سجوده إذا سجد للتلاوة.
١٣٨٤- ص- نا مسدد، نا إسماعيل، نا خالد الحذاء، عن رجل، عن أبي العالية، عن عائشة، قالت: " كان رسولُ الله يقولُ في سجودِ القرآنِ بالليل، يقولُ في السجدة مرارا: سَجَدَ وجْهِي للذِي خَلَقَه، وشَق سمْعَه، وبَصَرَه، بحولِهِ، وقوتِهِ " (١) .
ش- إسماعيل ابن علية، وأبو العالية رُفيع بن مهران البصري.
قوله: " يقول في السجدة " بدل من قوله: " يقول في سجود القرآن ". قوله: " سجد وجهي " به استدل الزهري أن الأذنين من الوجه، والجواب: أن المراد من الوجه بجملة الذات كقوله تعالى: ﴿كُل شَيء هَالك إلا وَجْهَهُ﴾ (٢) ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه، وأيَضًا إن الشيء يُضاف إلى ما يُجاوره، كما يقال: بساتين البلد.
قوله: " بحوله " متعلق بقوله: " خَلَقَه ". والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث صحيح.
стр. 2379
[٢/ ١٥٨ - أ] / قلت: لم يذكر الترمذي بين خالد الحذاء واجبي العالية أحدًا، وقد ذكر أبو داود بينهما رجلا مجهولاً
***
٣٢١- باب: فيمن يقرأ السجدة بعد الصبح
أي: هذا باب في بيان من يقران السجدة بعد صلاة الصبح.
١٣٨٥- ص- نا عبد الله بن الصباح العطار، نا أبو بحر، نا ثابت بن
عمارة، نا أبو تميمة الهُجيمي، قال: " لما بَعثنَا الركبَ- قال أبو داودَ: يعني:
إلى المدينة- قال: كنتُ أقصُّ بعدَ صلاة الصبح فأسجدُ، فَنَهَانِي ابنُ عُمرَ،
فلم أنْتَه ثلاثَ مِرَارٍ، ثم عَادَ، فقال: أنيس صَلَّيتُ خَلفَ رسول الله، ومع
أبي بكرِ، وعُمرَ، وعثمانَ، فلم يسجدُوا حتى تَطلُعَ الشمسُ " (اَ) هو
ش- أبو بحر اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن اسمية بن عبد الرحمن بن
أبي بكرة الثقفي أبو بحر البكراوي البصري. روى عن حميد الطويل،
وشعبة، وابن جريج وغيرهم. روى عنه: زناد بن يحيى، ومحمد
ابن بشار، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال أحمد: طرح الناس حديثه، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب
حديثه، ولا يحتج به، مات سنة تسعين ومائة. روى له: أبو داود.
وثابت بن عمارة الحنفي، أبو مالك البصري.
وأبو تميمة طريف بن مجاهد الهجومي البصري. روى عن عبد الله بن
عمر، وأبي موسى، وأبي هريرة، وجندب بن عبد الله، وأبي عثمان النهدي. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان القيمي، وقتادة،
وخالد الحذاء، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، توفي سنة سبع وتسعين. روى له الجماعة.
стр. 2380
وتُميمة بضم التاء المثناة من فوق، وطريف بفتح الطاء المهملة، ومُجالد بضم الميم، وفتح الجيم، والهجومي نسبة إلى بني الهُجيمي بضم الهاء، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ميم، بطن من بني تميم بالبصرة، محلة نزلها بنو الهجوم فنسبت إليهم، وفي الرواة جماعة ينسبون إلى القبيلة، " إلى المحلة.
قوله: " لما بعثنا الراكب " وفي " مختصر السنن ": " لما بعثنا الركب "، أي: أقمناها من مبركها، وقيل: الركب تختص بالإبل، وقالت أبو داود: يعني: بالراكب أنهم بعثوه إلى المدينة يسألونهم عن سجود القرآن.
قوله: " كنت أقص " أي: كنت أعظ، والقاص هو الذي يعظ الناس، ويقص عليهم أخبار الأمم الماضي، وهذا الحديث ظاهره يحكم بأن السجدة للتلاوة تكره بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ولكن أصحابنا وغيرهم ذكروا أنها لا بأس بها بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وبعد صلاة الصبح إلى طلوعها، فجوابهم عن الحديث أنه معلول بأبي بحر المذكور، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا هشيم، أنا داود، عن الشعبي، انه كان يقول: " إذا قرأ الرجل السجدة بعد العصر، وبعد الفجر، فليسجد ". (١)
نا حميد بن عبد الرحمن، عن زهير، عن جابر، عن سالم، والقاسم، وعطاء، وعامر ما في الرجل يقرأ السجدة بعد العصر، وقبل أن تطلع الشمس، فيسجد؟ قالوا: نعم ". نا الثقفي، عن خالد، عن عكرمة، قال: " إذا قرأتُ القرآن، فأتيت على السجدة بعد العصر، وبعد الغداة، فأسجد ". نا هشيم، عن خالد، عن عكَرمة، قال: "إنما يمنعهم من ذلك الكسل ".
***
стр. 2381
باب: تفْريع الوتر (١)
أي: هذا باب في بيان تفريع أنواع الوتر.
٣٢٢- باب: استحباب الوتر
أي: هذا باب في بيان استحباب الوتر.
١٣٨٦- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، قال: قال رسولُ الله ﷺ " يا أهلَ القرآنِ أوتِرُوا، فإن اللهَ وتر يحبُّ الوتر " (٢) .
ش- عيسى بن يونس، وزكرياء بن أبي زائدة، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن ضمْرة الكوفي.، وعلي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- (٣) . ثم اعلم أن الكلام في الوتر في مواضع، الأول: في صفته، فنقول: عن أبي حنيفة روايات. روى حماد بن زيد عنه أنه فرض. وروى يوسف ابن خالد السمتي أنه واجب. وروى نوح في ما الجامع " عنه ابنه سُنة، وبه أخذ أبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، واحتجوا بأحاديث نذكرها في موضعها، واحتج أبو حنيفة بأحاديث منها الحديث المذكور، لأكن الأمر فيه للوجوب.
стр. 2382
فإن قيل: قد قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على
أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عاما، وأهل القرآن في عُرف
الناس هم القراء، والحفاظ، دون العوام،/ قلنا: أهل القرآن بحسب [٢/ ١٥٨ - ب] اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن، ولو كان آية فيدخل فيه الحفاظ، وغيرهم، على أن القرآن كان في زمنه- ﵇ معرّفا بين الصحابة، وبهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدال على
الوجوب، ولا سيما تكد الأمر بالوتر بمحبة الله إناه، بقوله: , فإن الله
وتر، يحب الوتري والحديث أخر له: الترمذي، والنسائي، وابن
ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
فان قيل: القول بفرضية الوتر يؤدي إلى أن تكون الفرائض ستة، وأنه
خلاف الكتاب، والسُنَة، وإجماع الأمة قلنا: لا يلزم هذا أبا حنيفة،
لأنه لا يقول بفرضيته مثل فرضية الظهر مثلاً دائما يقول: بوجوبه،
والفرق بين الواجب، والفرض، كالفرق بين السماء والأرض.
الثاني: فيمن يجب عليه: فلا يختص ببعضه دون بعض كالجمعة،
وصلاة العيدين، بل يعم جميع الناس أجمع، من الحر، والعبد،
والذكر، والأنثى، بعد أن كان أهلا للوجوب، لأن ما ذكرنا من دليل
الوجوب لا يوجب الفصل.
الثالث: في بيان مقداره: فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا:
الوتر ثلاث ركعات، بتسليمة واحدة، في الأوقات كلها، وقال الشافعي
هو بالخيار، إن شاء الوتر بركعة، لان شاء الوتر بثلاث، اهو خمس، أو
سبع، أو تسع، أو إحدى عشر في الأوقات كلها، وقال الزهري: في
شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة واحدة.
وقال الخطابي: وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الوتر ركعة،
منهم: عثمان بن عفان، وسعد بن أبى وقاص، وزيد بن ثابت،
وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعائشة، وابن الزبير، وهو
مذهب ابن المسيب، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي،
стр. 2383
وأحمد، وإسحاق، غير أن الاختيار عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، أن يصلي ركعتين، ثم يوتر بركعة، فإن أفرد الركعة كان جائرا عند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكرهه مالك، وقال الصحاب الرأي: الوتر ثلاث، لا يفصل بين الشفع والوتر، بتسليمة، وقال سفيان: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، إحدى عشرة، وقال الأوزاعي إن فصل بين الركعتين، والثالثة فحسن، وإن لم يفصل فحسن، وقال مالك: يفصل بينهما، فإن لم يفصل ونسي إلى أن قام في الثالثة سجد سجدتي السهو.
١٣٨٧- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو حفص الأبار، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي- ﵇ بمعناه زاد: " فقال أعرابية ما تقولُ؟ قال: ليس لكَ، ولا لأصحابِكَ " (١) . ش- أبو حمص هذا عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي الأخبار، سكن بغداد. سمع يحيي بن سعيد الأنصاري، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن بن عرفة، وغيرهم، وقال ابن معين: كان يعمل الأبرز فنسب إليها، وكان كوفيا، وهو ثقة، توفي ببغداد، روى له: أبو داود، وابن ماجه.
وعمرو بن مرّة: ابن عبد الله الجَملِي الكوفي، وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، وقد تقدم ابنه لم يسمع من أبيه، والحديث منقطع، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وقد أجيب عن هذا الحديث بأنه كان قبل استمرار الوجوب.
١٣٨٨- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، وقتيبة بن سعيد، المعنى، قالا: نا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد العوفي، عن عبد الله ابن أبي مُرّة الزوفي، عن خارجة بن حذيفة- قال: أبو الوليد: العدوي-
стр. 2384
قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: قَدْ أمدكُم اللهُ بصلاة (١) ، وهي خير لكُم من حُمْرِ النعَم، وهي الوترُ، فَجَعَلها لكم فيما بين العًشاء، إلى طُلُوع الفجرِ " (٢) .
ش- عبد الله بن راشد الصوفي أبو الضحوك المصري. روى عن: عبد الله بن أبي مُرة الزوفي. روى عنه يزيد بن أبي حبيب المصري، وخالد بن يزيد. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
والزوفي نسبة إلى زَوْف، بفتح الزاي، وسكون الواو، وفي آخره فاء، وهي قبيل من حمير بن سبإ.
وعبد الله بن أبي مرة الزَّوْفي شهد فتح مصر، واختط بها. روى عن خارجة بن حذيفة. روى عنه: عبد الله بن راشد العوفي، وزر بن عبد الله الزوفي،/ روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [٢/ ١٥٩ - أ] وخارجة بن حذيفة العدوي القرشي الصحابي سكن مصر، له هذا الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " قال أبو الوليد: العدوي " أي: قال أبو الوليد الطيالسي: خارجة بن حذيفة العدوي.
قوله: " من حُمر النَّعم " النعَم بفتحتين واحد الأنعام، وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان، مثل حِمل وحملان، والأنعام يذكر ويؤنث، والحُمْر- بضم الحاء، وسكون الميم- جمع أحمر، ولما كان الإبل الحُمر أعز الأموال عند العرب ذكر ذلك
стр. 2385
- ﵇. وقال الخطابي: قوله: " أمدكم بصلاة " تدل على أنها غير لازمة لهم، ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام، فيقول: ألزمكم، أو فرض عليكم، اهو نحو ذلك من الكلام، وقد رُوي أيضًا في هذا الحديث: " إن الله قد زادكم صلاة " ومعناه الزيادة في النوافل، وذلك أن نوافل الصلوات شفع، لا وتر فيها، فقيل: أمدكم بصلاة، وزادكم بصلاة، لم تكونوا تصلونها قبلُ على تلك الصورة والهيئة، وهي الوتر، وفيه دليل على أن الوتر لا يُقضى بعد طلوع الفجر، دالنا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول عطاء، وقال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي: يُقضى الوتر، وإن كان قد صلى الفجر، وكذلك قال الأوزاعي.
قلنا: لا نُسلِّم أن قوله: " أمدكم بصلاة " تدل على أنها غير لازمة، ولئن سقمنا فلا ينافي ذلك دلالة دليل آخر على الوجوب، وقد جاءت أحاديث أخر تدل على الوجوب، فيتأكد حكم هذا الحديث بتلك الأحاديث، فلا يكون فيه دليل على أن الوتر لا يُقضى بعد طلوع الفجر، بل يُقضى أبدًا، على أن الحديث أعلّه ابن الجوفي في لا التحقيق " بعبد الله بن راشد، ونقل عن الدابة قطني ابنه ضعفه، وقال البخاري: لا يعرف لإسناد هذا الحديث سماع بعضهم من بعض. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وأخرجه الحاكم في " المستدرك "، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، لتفرد التابعي من (١) الصحابي، ورواه الحمد في " مسنده "، والدارقطني في " سننه "، والطبراني في لا معجمه ما وابن عدي في " الكامل ".
***
٣٢٣- باب: فيمن لم يوتر
أي: هذا باب في بيان الوعيد الذي جاء في حق من لم يوتر.