← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

دمشق. واعلم أن المسلمين افتتحوا جزيرة رودس وعليهم جنادة بن أبي أمية في سنة ثلاث وخمسة من الهجرة، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشداء على الكفار يعترضون لهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم لهم فيه حوائجهم، ودوابهم، وتواصلهم، ولهم نواظير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو، أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمارة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فأقفلهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة، وزراعات غزيرة. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي. ص- وقال أبو داود: رودس جزيرة في البحر. ش- قال المنذري: المشهور أنها بضم الراء، وسكون الواو، بعدها دال مهملة مكسورة وسين مهملة، وقد اختلف في تقييدها اختلافا كثيراً، وقد قيل: إنها أرض قريبة من الإسكندرية. قلت: رودس، بضم الراء، ثم واو ساكنة، ودال مهملة، ويقال: معجمة مكسورة، ثم سين مهملة، فتحت في زمن معاوية، وامتدادها من الشمال إلى الجنوب بانحراف نحو/ خمسين ميلا، وعرضها نصف ذلك، وبينها وبين ذنب أقريطش مجرى واحد، وبعض رودس للفرنج وبعضها لصاحب إسطنبول، ورودس في الغرب عن جزيرة قبرص بانحراف إلى الشمال، وهي بين جزيرة المصطكي وبين جزيرة أقريطش. ١٦٥٤- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، قال: أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: "دَخلتُ على عائشة- رد الله عنها- فقلت: يا أمه، اكشِفِي لي عن قبرِ رَسول الله وصاحبَيه، فكشفتْ لي عن ثلاثة قبور لا مُشرِفةَ، ولا لاطِئةَ مبطَوحة ببطَحاء العَرْضةِ الحمراء " (١)

стр. 2697

ش- محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعمرو بن عثمان بن هانئ. روى عن: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق- ﵁. روى عنه: ابن أبي فديك. روى له: أبو داود (١) . قوله: " يا أمه" معناه يا أمي، والعرب تقول: يا أمه لا تفعلي، ويا أبت افعل، يجعلون علامة التأنيث عوضا، ويوقف عليها بالهاء. قوله: "لا مشرفة " أي: لا مرتفعة عالية. قوله: " ولا لاطئة " أي: ملتصقة بالأرض، يقال: لاطَ به يلوط، ويليط، لوطا، وليطا، ولياطا إذا لصق به. قوله: "مبطوحة" أي: مُسواة "ببطحاء العرصة الحمراء " وهو الحصى الصغار، وبطحاء الوادي وأبطحه: حصاه اللين في بطن المسيل، "والعرصة" بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الصاد المهملة: كل موضع واسع لا بناء فيه، والحديث رواه الحاكم وصححه، وقد مر الكلام فيه آنفا. ص- قال أبو علي: يقال (٢) : رسول الله مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله- ﵇. ش- أبو علي ثمامة بن شُفَي الهمداني المذكور آنفا، وروى الحاكم، والبيهقي من حديث ابن أبي فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال: "رأيتُ النبي- ﵇ مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي- ﵇ وعمر رأسه عند رجل النبي- ﵇ ". قلت: هيئته ما صورناه على الهامش (٣) ، فافهم.

стр. 2698

٦٨- باب: الاستغفار للميت عند القبر (١) أي: هذا باب في بيان الاستغفار لأجل الميت عند قبره. ١٦٥٥- ص- نا إبراهيم بن موسى الرازي، نا هشام، عن عبد الله بن بشير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان، قال: "كان النبي ﷺ إذا فَرغَ من دَفن الميت وقفَ عليه فقال: استغْفرُوا لأخيكُم، وسَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآن يُسألُ " (٢) (٣) .ً ش- هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء الفرس. سمع: ابن جريج، والثوري، وعبد الله بن بحير. روى عنه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وإبراهيم بن موسى وغيرهم، وقال أبو حاتم: ثقة متقن، توفي سنة سبع وتسعين ومائة. روى له: الجماعة إلا مسلما (٤) ، وعبد الله بن بحير- بالباء الموحدة، والحاء المهملة- ابن ريسان (٥) أبو وائل القاص الصنعاني اليماني. روى عن: هانئ مولى عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن يزيد القاضي. روى عنه: هشام بن يوسف، وعبد الرزاق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٦) . وهانئ البربري أبو سعيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان. روى عن: عثمان بن عفان. روى عنه: عبد الله بن بحير وغيره. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٧) . قوله: "وسلوا" أصله اسألوا، حذفت الهمزتان للتخفيف، فوزنه

стр. 2699

" فلوا " لأن عين الفعل سقطت من الموزون، فسقطت من الوزن، ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد، الأولى: انتفاع الميت بدعاء الحي خلافا لمن ينكر ذلك. الثانية: لا بد من السؤال في القبر. الثالثة: وقت السؤال عقيب الدفن، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل ابن علية، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: " كان أنس بن مالك إذا سوى على الميت قبره قام عليه فقال: اللهم عبدك رُدَّ إليك، فارؤف به وارحمه، اللهم جاف الأرض عن جنبه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبله منك بقبول حسن،/ اللهم إن كان محسنا فضاعف له في إحسانه، أو قال: فزد في إحسانه، وأن كان مسيئا فتجاوز عنه ". ٦٩- باب: كراهية الذبح عند القبر أي: هذا باب في بيان كراهية الذبح عند القبر. ١٦٥٦- ص- نا (١) يحيى بن موسى البلخي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عَقْرَ في الإسلام " قال عبد الرزاق: " كانوا يَعْقِرُون عند القبرِ- يعني: ببقرة، أو شيء (٢) " (٣) . ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وثابت البناني، وأنس ابن مالك- ﵁. قوله: " لا عقر في الإسلام " يعني: لا يشرع العقر في الإسلام،" (٤) كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: "نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن

стр. 2700

نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير، فيكون مُطِعما بعد مماته كما كان مُطعِما في حياته قال الشاعر: عقرت على قبر النجاشي ناقة.... بأبيضَ عَضبٍ أخلصتُه صياقله على قبر من لو أنني مت قبله.... لهانت عليه عند قبري رواحلُه ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر يوم القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلا، وكان هذا على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموتة (١) . وأصل العقر: ضرب قوائم البعير، أو الشاة بالسيف، وهو قائم. ٧٠- باب: الصلاة عند القبر بعد حين (٢) أي: هذا باب في بيان الصلاة على قبر الميت بعد مدة طويلة. ١٦٥٧- ص- نا عتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: " أن رسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ يوما فصلى على أهلِ أحُد صلاتَه على الميتِ، ثم انصرف" (٣) . ش- أبو الخير مراد بن عبد الله اليمني المصري، والجواب عن هذا الحديث من ثلاثة أوجه، الأول: أن المراد من الصلاة الدعاء، وفيه نظر. الثاني: أنه من خصائص النبي- ﵇ لأنه- ﵇ قصد بها التوديع كما صرح بذلك في الرواية الأخرى. الثالث: أنه- ﵇ قصد بالصلاة عليهم أن تنور قبورهم كما ورد في البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "أن النبي- ﵇

стр. 2701

صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإني أنورها بصلاتي عليهم " وقد مر الكلام فيه مرة. ١٦٥٨- ص- نا الحسن بن علي، نا يحيى بن الدم، نا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الحديث، قال: " إن النبي ﵇ صَلَّى على قَتلَى أحُد بعد ثَمان سنين كالمودع للأحياء والأموات" (١) . ش- "بهذا الحديث"، أي: الحديث المذكور، وأخرجه البخاري، ومسلم، فالبخاري أخرجه في " المغازي " في غزوة أحد، ومسلم في "فضائل النبي- ﵇ "، وزاد: "فصعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات، فقال: إني فَرَطكم على الحوض، ولست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى أن تَنَافَسُوا في الدنيا، وتقتتلوا كما هلك من قبلكم ". قال عقبة: فكانت لآخر ما رأيت رسول الله- ﵇ على المنبر، انتهى. وقال ابن حبان فيه صحيحه،: المراد بالصلاة في هذا الحديث الدعاء، إذ لو كان المراد حقيقة الصلاة للزم من يقول بها أن يجوز الصلاة على الميت بعد دفنه بسنين، فإن وقعة أحد كانت في سنة ثلاث من الهجرة، وهذه الصلاة حين خروجه من الدنيا بعد وقعة أحد بسبع سنين، وهو لا يقول بذلك. ٧١- باب: البناء (٢) على القبر أي: هذا باب في بيان البناء على القبر. ١٦٥٩- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج،

стр. 2702

أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: " سمعتُ رسولَ الله- ﵇ نَهَى أن يُقْعَدَ على القبرِ، وأن يُقَصَّصَ، وأن يُبنىَ عليه " (١) (٢) . ش- عبد الملك بن جريج، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي. قوله: " نهى أن يقعد" قال الخطابي (٣) : "نهيه عن القعود على القبر يتأول على وجهين، اْحدهما: أن يكون ذلك في القعود عليه للحدث ". / والثاني: كراهة أن يطأ القبر شيء من بدنه، فقد روي أن النبي ﵇ رأى رجلا قد اتكأ على قبر، فقال له: " لا تؤذ صاحب القبر". قوله: " وأن يقصص " من التقصيص، وهو التجصيص، والقصة - بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة- شيء شبيه بالجص، وإنما نهى عن ذلك لأن القبر للبلى لا للبقاء. قوله: " وأن يبنى عليه" أي: على القبر لما ذكرنا، ولفظ البناء عام يشمل سائر أنواع البناء، فالكراهة تعم في الجميع، والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، وليس في " صحيح مسلم" ذكر الزيادة والكتابة، وفي حديث الترمذي: " وأن يكتب عليها"، وقال: حسن صحيح، وفي حديث النسائي: " أو يزاد عليه". ١٦٦٠ - ص- نا مسدد وعثمان بن أبي شيبة، قالا: نا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير، عن جابر بهذا الحديث، قال عثمان (٤) : " أَوْ يُزادَ عليه " وزاد سليمان

стр. 2703

ابن موسى: " (١) وأن يُكتبَ عليه" ولم يذكر مسدد في حديثه: " أو يزادَ عليه " (٢) . ش- سليمان بن موسى الدمشقي الأشدق، وهو لم يسمع جابر بن عبد الله، فالحديث منقطع. قوله: " بهذا الحديث" أي: الحديث المذكور. قوله: " قال عثمان" أي: ابن أبي شيبة. قوله: " أو يزاد عليه" أي: على القبر، والزيادة على القبر أعم من أن يكون بناء، أو وضع حجر، أو تراب غير التراب الذي خرج منه، ونحو ذلك، والحديث أخرجه النسائي، وأخرجه ابن ماجه مختصرا، قال: "نهى رسول الله- ﵇ أن يكتب على القبر شيء ". ص- قال أبو داود: خفي علي من حديث مسدد حرف (٣) . ش- أي: كلمة ويجيء بمعنى اللغة كما في قوله- ﵇: " أنزل القرآن على سبعة أحرف " أي: سبع لغات، وبمعنى الجانب، يقال: على حرفه أي جانبه، وبمعنى الوجه لقوله تعالى: ﴿وَمنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف﴾ (٤) أي: على وجه، وهو أن يعبده علَى السراء دون الضراء، والحرفَ: الناقة المعزولة، والحرف: واحد حروف التهجي. ١٦٦١- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله- ﵇ قال:" قاتل اللهُ اليهود اتخذُوا قبورَ أنبيائِهِم مَساجدَ " (٥) .

стр. 2704

ش- كانت اليهود- لعنهم الله- يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ويقصدونها بالعبادة، وقد نسخ الشرع ذلك، ويفهم ذلك من قوله- ﵇: " قاتل الله اليهودي والمعنى قتلهم الله، لأن " فاعل" يجيء بمعنى" فعل " أيضا كقولهم: سافر وسارع بمعنى سفر وسرع، ويقال: معناه لعنهم الله، ويقال: عاداهم، ثم إن أبا داود أخرج هذا الحديث في هذا الباب تنبيها على منع البناء على القبر، وذلك لأنه- ﵇ إنما لعنهم لكونهم بنوا مساجد على القبور، ثم هل يجوز للمسلمين أن يبنوا مساجد على قبور المسلمين أم لا؟ قد مر الكلام فيه مستوفى في "باب بناء المسجد " في أوائل الكتاب، فافهم، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وا لنسائي. ٧٢- باب: كراهية القعود على القبر أي: هذا باب في بيان كراهية القعود على القبر. ١٦٦٢- ص- نا مسدد، نا خالد، نا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ص في الله عنه- قال: قال رسول الله- ﵇: "لأنْ يَجلِسَ أحدُكم على جَمرة فَتَحْرِقَ ثيابه حتى تَخْلُصَ إلى جلده، خير له من أن يَجلِسَ على قبرِ" (٩) . ش- خالد بن عبد الله الواسطي، وسهيل بن أبي صالح، ذكوان، السمان. قوله: " لأن يجلس أحدكم " بمعنى "لجُلُوسُ أحدِكم "، وهو، مبتدأ وخبره قوله: "خير"

стр. 2705

قوله: " حتى تخلُص " أي: حتى تصل إلى جلده، يقال: خَلَصَ فلان إلى فلان أي وصل أيه، وخلص أيضا إذا سلم ونجى، وهو من باب نصر ينصر، وقد مر آنفا معنى كراهة القعود على القبر، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. ١٦٦٣- ص- نا إبراهيم بن موسى الرازي، نا عيسى، نا عبد الرحمن - يعني: ابن يزيد بن جابر- عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: "سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: قال رسولُ الله ﷺ : " لا تَجْلِسُوا على القُبُورِ،/ ولا تُصَلوا إليها " (١) . ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وبسر بن عبيد الله- بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- الحضرمي الشامي، سمع واثلة بن الأسقع، وسنان بن عرفة وله صحبة. وروى عن: عمرو بن عبسة، وسمع أبا إدريس الخولاني وغيره. روى عنه: عبد الرحمن ويزيد ابنا جابر، وزيد بن واقد وآخرون، روى له: الجماعة (٢) . وواثلة بن الأسقع الصحابي. وأبو مرثد كناز بن الحصين، ويقال: ابن الحصن بن يربوع حليف حمزة بن عبد المطلب، شهد بدرا هو وابنه مرثد. روى له: [] (٣) من رواية واثلة بن الأسقع عنه، مات [سنة] (٤) اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر الصديق. روى له: [أبو داود] (٤) ، والترمذي، والنسائي (٥) .

стр. 2706

ويستفاد من الحديث مسألتان، الأولى: كراهة الجلوس على القبر. والثانية: كراهة الصلاة إليها، وقد مر الكلام فيه مستوفى، والحديث أخرجه مسلم، والنسائي. ٧٣- باب: المشي بين القبور في النعل (١) أي: هذا باب في بيان المشي بين القبور، والماشي لابس النعل. ١٦٦٤- ص- نا سهل بن بكار، نا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير السدوسي، عن بشير بن نهيك، عن بشير مولى رسول الله ﷺ وكان اسمه في الجاهلية: زحمَ بنَ معبد، فهاجر إلى رسول الله- ﵇ فقال: " ما اسمُكَ؟ قال: زَحْم، فقال (٢) : بل أنَتَ بشير، قال: بينما أنا أمَاشي رسولَ الله- ﵇ مَر بقُبورِ المشركينَ، قال: لقد سَبَقَ هؤلاء خيرا كثيراً ثلاثاً ثم مَر بقبورِ المسلمينَ فقال: لقد أدركَ هؤلاء خيراً كثيراً، وحَانتْ من رسول اللهِ نظرة، فإذا رجل يمشِي في القُبورِ عليه نعلَانِ فقال: يا صاحبَ السبتيتين وَيْحكَ، ألقِ سبْتيتيْكَ، فنظر الرجلُ فلَما عَرَفَ رسولَ اللهِ خَلَعَهُمَا، فَرَمى بهما " (٣) . ش- بَشير بن نهيك بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، ونهيك بالنون، وبشير مولى النبي- ﵇ هو ابن الخصاصية وهي أمه، وأبوه: معبد بن شراحيل السدوسي، وقد مر مرة. قوله: "زحم بن معبد " بفتح الزاد، وسكون الحاء المهملة. قوله: " لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا " والمعنى فاتهم خير كثير، وخرجوا منه، ولم يعلقوا منه بشيء.

стр. 2707

قوله: " ثلاثا " أي: قاله ثلاث مرات. قوله: " وحانت من رسول الله نظرة " أي: وقعت منه نظرة من حان إذا قرب. قوله: "يا صاحب السبتيتين" أي صاحب النعلين، السبة- بكسر السين وسكون الباء الموحدة- جلود البقر المدبوغة بالقرب، يتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق وأزيل، وقيل: لأنها انْسَبَتَتْ بالدباغ، أي: لانت وهاهنا روي على النسب إلى السبت، وقال ابن الأثير (١) : " دائما أمره بالخلع احتراما للمقابر، لأنه كان يمشي بينها، وقيل: لأن كان بها قذرا، أو لاختياله في مشيه، ومنه حديث ابن عمر: "قيل له: إنك تلبس النعال السبتية، إنما اعترض عليه لأنها نعال أهل النعمة والسعة،. وقال الخطابي (٢) : "وخبر أنس يدل على جواز لبس النعال لزائر القبور، وللماشي بحضرتها، وبين ظهرانيها، فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيها من الخيلاء، وذلك أن يقال: السِّبت من لباس أهل اقترفه والتنعم، قال الشاعر يمدح رجلا: يُحذى نعال السبت ليس بتوائم فأحب رسول الله- ﵇ أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع، ولباس أهل الخشوع. قلت: أراد الخطابي بحديث أنس الحديث الذي يلي هذا الحديث، ولكنه لا يدل على ما ادعاه، لأنه ساكت عن ذلك، فافهم. قوله: "ويحك" كلمة ترحم وشفقة، وعكسها ويلكم والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه. ١٦٦٥- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الوهاب- يعني ابن عطاء - عن سعيد، عن قتادة، عن أنس- ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "إن العبدَ إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه لَيَسْمعُ قَرع نِعَالِهِم" (٣) .

стр. 2708

ش- سعيد بن أبي عروبة. قوله: " إنه" أي: إن الميت. قوله: "قرع نعالهم" أي: صوت دوس النعال على الأرض، وفيه دليل على أن الميت تعود إليه روحه لأجل السؤال، وأنه يسمع صوت نعال الأحياء، وهو في السؤال، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي- ﵏. ٧٤- باب: الميت يحول من موضعه للأمر يحدث (١) أي: هذا باب في بيان تحويل الميت من قبره لأمر يحدث ويقتضي ذلك، وفي بعض النسخ: "باب تحويل الميت عن موضعه للأمر يحدث". ١٦٦٦- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: "دُفِنَ مع أبي رجل، فكان في نَفْسِي من ذلك حاجة، فأخرجتُه بعد ستةِ أشهرِ فما أنكرتُ منه شيئا إلا شُعيراتِ كن في لحينِهِ مما بلي الأرضَ" (٢) . ش- سعيد بن يزيد الأزدي أبو مسلمة البصري، ويقال: الطاحي (٣) القصير. سمع: أنس بن مالك، وأبا نضرة، وعبد الله بن غالب. روي عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن علية، قال ابن معين: ثقة، روى له: الجماعة (٤) وأبو نضرة المنذر بن مالك العوقي، وجابر بن عبد الله.

стр. 2709

قوله: "فكان في نفسي من ذلك " أي: من كونه دفن مع ذلك الرجل "حاجة" أي: قلق واضطراب دعاني ذلك إلى إخراجه من قبره. قوله: "شعيرات" جمع شعيرة تصغير شعرة ... (١) ٧٥- باب (٢) : الثناء على الميت أي: هذا باب في بيان الثناء على الميت. ١٦٦٧- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، قال: " مَروا على رسول الله- ﵇ بجَنازَة فَأثنوا عليها خيرا، فقال: وَجَبتْ، ثم مَروُا بأخرى، فأثْنَوا شرا فقال: وَجبتْ، ثم قال: إن بعضكُم على بعض شُهداء" (٣) . ش- إبراهيم بن عامر بن مسعود بن أمية بن خلف القرشي الجمحي الكوفي. روى عن: سعيد بن المسيب، وعامر بن سعد بن أبي وقاص. روى عنه: شعبة، والثوري، ومسعر، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. روى له: أبو داود، والنسائي (٤) . قوله: " وجبت" أي: وجبت الجنة في الأول، وفي الثاني وجبت النار، والمعنى أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيرا، فوجبت له الجنة، وثناءهم عليه بالشر يدل على أن أفعاله كانت شرا فوجبت له النار، وذلك لأن المؤمنين شهداء بعضهم على بعض،

стр. 2710

والحديث أخرجه النسائي، وقد أخرجه: البخاري، ومسلم، وابن ماجه من حديث ثابت البناني، عن أنس- ﵁. ٧٦- باب: في زيارة القبور أي: هذا باب في بيان زيارة القبور. ١٦٦٨- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة- ﵁ قال: " أتَى رسولُ الله على قبرَ أمّهِ فبكَى وأبْكَى مَن حولَه، فقال: استأذنتُ ربِّي- عَلى أن أستغفر لها فلم يُؤْذنْ لي، واستأذنتُه أن أزورَ قبرهَا فَأذن لي، فَزُورُوا القُبورَ، فإنها تُذكرُ بالموتِ" (١) . ش- محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الأحدب، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية. قوله: " قبر أمه ما هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وقال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأجواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة. وعن ابن بريدة، عن أبيه، قال: "خرجنا مع رسول الله- ﵇ حتى إذا كنا بودان قال: مكانكم حتى آتيكم، فانطلق، ثم جاءنا وهو يقبل (٢) فقال: إني قد أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة- يعني لها- فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه أحمد (٣) .

стр. 2711

قال ابن كثير: وأما الحديث الذي ذكره السهيلي عن عائشة: "أن رسول الله- ﵇ سأل ربه أن يدعي أبويه فأحياهما، وآمنا به " فإنه حديث منكر جدا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه/ وهو ما رواه أنس "أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار " رواه مسلم. قلت: الذي ذكره السهيلي هو اللائق بحضرة الرسالة وتدفع المعارضة بأن يكون وقوع حديث الإحياء بعد وقوع الذي ثبت في الصحيح، فليتأمل. قوله: "فإنها تذكر" أي: فان زيارة القبور تذكر بالموت، وثبت من هذا أن زيارة القبور جائزة، وأن النهي عنها قد انتسخ، والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه. ١٦٦٩- ص- نا أحمد بن يونس، نا مُعرف بنُ واصل، عن محارب ابن دثار، عن ابن بعيدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله- ﵇: "نهيتُكُم عن زيارة القُبورِ فزُورُوها، فإن في زيارَتِها تذكرةً" (١) . ش- مُعرف بن واصل أبو بدل السعدي الكوفي. سمع: أبا وائل، وابن بعيدة، ومحارب بن دثار، والشعبي، والنخعي. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، وأحمد بن عبد الله بن يونس، قال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (٢) . وابن فريدة: عبد الله بن شريدة بن الحبيب. قوله: " تذكرة " بالنصب، أي: تذكرة للموت وموعظة. والحديث أخرجه مسلم، والنسائي بنحوه.

стр. 2712

٧٧- باب: كراهة (١) زيارة النساء القبور أي: هذا باب في بيان كراهة زيارة النساء القبور. ١٦٧٠- ص- نا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن محمد بن جُحادة، قال: سمعت أبا صالح يحدث، عن ابن عباسِ- ﵄ قال: " لَعنَ رسولُ اللهِ " زَائرَاتِ القُبورِ، والمتَّخِذين عليها المساجِدَ والسرُجَ " (٢) . ش- أبو صالح هذا باذان، وقيل: باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب الكوفي. روى عن: أم هانئ، وأخيها علي، وابن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، والسدي، وسماك، والثوري وآخرون، قال يحيى بن سعيد: لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة، ولا زائدة، وقال أحمد: كان ابن مهدي يترك حديث أبي صالح. وقال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير، وما أقل ما له في المسند، ولم أعلم أحدا من المتقدمة رضيه. روى له: أبو داود، والترمذي (٣) . قوله: " زائرات القبور" أي: لعن نساء زائرات القبور، ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد، الأولى: كراهة زيارة النساء القبور، واختلف العلماء هل هو كراهة تنزيه أو تحريم، قيل: تنزيه، والجمهور على أنه تحريم وهو الأصح، وعليه الفتوى. الثانية: كراهة اتخاذ المساجد على القبور.

стр. 2713

الثالثة: كراهة اتخاذ السرج عليها، و "السُّرجٌ " بضمتين جمع سراج، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال المنذري: وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو: باذام مكي مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب الكلبي، وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقد نُقِلَ عن يحيى القطان وغيره تحسين أمره، ولعله يريد: يرضاه حجة، اهو قال: هو ثقة. قلت: وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية آنفا، والله العلم. ٧٨- باب: ما يقول إذا مَرَّ بالقبور (١) أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا مر بالقبور. ١٦٧١- ص- لا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- ﵁: " أن رسولَ الله ﷺ خرج إلى المَقْبَرَة فقال: " السلامُ عليكم دار قوم مُؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحِقُونَ " (٢) . ش- مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن يعقوب الشرقي. قوله: " دار قوم " بالنصب أي: يا دار قوم، وسمى المقبرة دارا، فدل أن اسم الدار يقع من جهة اللغة على الربع العامر المسكون، وعلى الخراب غير المأهول، كقول النابغة: يا دار مَيَّة بالعلياء فالسند ... ثم قال: أقْوَتْ وطال عليها سالف الأبد

стр. 2714

قوله: " إن شاء الله/ بكم لاحقون " " (١) ليس على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام في شك وارتياب، ولكن عادة المتكلم يُحسِّنُ بذلك كلامه، ويزينه، كما يقول الرجل لصاحبه: إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله، وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله، ونحو ذلك من الكلام، وهو لا يريد به الشك في كلامه ". قلت: هذا ما قاله الخطابي، والأحسن أن يقال: إنه للتبرك كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُن المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاء اللهُ﴾ (٢) . " (٣) وقد قيل: إنه دخل المقبرة ومعه يومئذ مؤمنون متحققون في الإيمان، وآخرون يُظنُّ بهم النفاق، فكان استثناؤه منصرفا إليهم (٣) دون المؤمنين، معناه اللحوق بهم في الإيمان، وقيل: إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت، لا في نفس الموت، وفيه من الفقه أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديمه الدعاء على الاسم، ولا يقدم الاسم على الدعاء كما تفعله العامة، وكذلك هو في كل دعاء الخير كقوله سبحانه: ﴿رَحْمَتُ اللهُ وَبَرَكاتُهُ عَلَيكُمْ أهْلَ البيت﴾ (٤) ، وكقوله: ﴿سَلام عَلَى إِلْ ياسينَ﴾ (٥) ، وقال في خلاف ذلكَ: ﴿وَإِن عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّينِ﴾ (٦) فقدم الاسم على الدعاء ". والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه. ٧٩- باب: في المحرم يموت (٧) كيف يصنع به؟ أي: هذا باب في بيان حكم المحرم الذي يموت كيف يصنع به؟ وفي بعض النسخ: "باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات ".

стр. 2715

١٦٧٢- ص- نا محمد بن كثير، نا سفيان، حدثني عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " أتي النبي- ﵇ برجُلِ وَقَصَتْهُ راحلَتُهُ فماتَ وهو محرم، فقال: كَفَنوهُ في ثوبَيْه، واغْسلُوهُ بماء وسِدر، ولا تُخَمرُوا رأسَهُ، فإن اللهَ يبعثُهُ يومَ القيامة يُلبي " (اَ) . ش- "وَقصته " أي: صرعنه فدقت عنقه، وأصل الوقص الدق، أو الكسر. قوله: "وهو محرم" جملة حالية. قوله: "ولا تخمروا رأسه" أي: لا تغطوا، من خمرت الإناء إذا غطيتها. قوله: " يلبي " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في " يبعثه " أي: حال كونه ملبيا، وبالحديث استدل الشافعي أن المحرم إذا مات لا يغطى رأسه ووجهه، وقال أصحابنا: يغطى رأسه ووجهه، ويستفاد منه فوائد، الأولى: أن التكفين في ثوبين، ولكن هو محمول على حالة القلة، فإن السنة أن يكون ثوبان وقميص كما ذكرناه مستوفى. والثانية: استحباب غسل الميت بالسدر لزيادة التنظيف. والثالثة: أن المحرم إذا مات يسن به سنة الأحياء في اجتناب الطيب، والحديث أخرجه الجماعة. ص- قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: كفنوه في ثوبيه، أي: يكفن المؤمن في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر، أي: أن في الغسلات كلها سدرا، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، وكان الكفن من جميع المال. ش- الثلاثة منها قد ذكرناها، والرابعة قوله: " ولا تخمروا" وقد ذكرنا الخلاف فيه، والخامس: إن كفن الميت من جميع المال، فهم ذلك من قوله: "كفنوه في ثوبيه " ولأنه ضروري فيكون من أصل المال.

стр. 2716

١٦٧٣- ص- نا سليمان بن حرب، ومحمد بن عبيد، المعنى، قالا: نا حماد، عن عمرو وأيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، قال: " وكَفنوهُ في ثَوبينِ " قال سليمان (١) : قال أيوب: " ثَوْبَيْهِ " وقال عمرو: "ثَوبينِ " وقال ابن عبيد: قال أيوب: " في ثوبين " وقال عمرو: (ثوبيه" (٢) زاد سليمان وحده: " ولا تُحنطُوا" (٣) (٤) . ش- حماد بن زيد، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني. قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور. قوله: "زاد سليمان وحده" أي: سليمان بن حرب منفردا. ١٦٧٤- ص- نا مسدد، نا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمعنى سليمان: "في ثوبين" (٥) . ش- أي بمعنى سليمان بن حرب في روايته وفي ثوبين، بالنون. ١٦٧٥- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا جريج، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " وَقَصَتْ برجلٍ محرمٍ ناقتُه فقتلَتْهُ فأُتي فيه (٦) النبي- ﵇ فقال: اغْسلُوُه وكفنوه، ولا تُغَطُّوا رأسَه، ولا تُقَربوهُ طِيبا، فإنه يبعَثُ يُهِلُّ" (٧) . ش- جريج: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن عتيبة. قوله: " فإنه " أي: فإن الرجل المحرم الذي مات يُبعث يوم القيامة وهو يهل؟ من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية، و "يهل " جملة وقعت حالاً والله أعلم. ***

стр. 2717

/ ٤- كتاب الزكاة أي: هذا كتاب في أحكام الزكاة، وجه المناسبة بين الكتابين من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان، وثانية الصلاة كما قال : (الَذينَ يُؤْمنُونَ بالغَيْب وَيُقيمُونَ الصلاة وَمما رَزَقْنَاهُمْ يُنفقُونَ) (١) وقال- ﵇: "بني الإسلام على خمس " الحديَث، وهي لغة عبارة عن النماء، يقال: زكى الزرع إذا نمى، وقيل: عن الطهارة، قال الله تعالى: (قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (٢) أي: تطهر، وشرعا: إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى الفقير الغير الهاشمي، ثم لها ركن، وسبب، وشرط، وحكم وحكمة، فركنها فعلها لله تعالى بالإخلاص، وسببها المال، وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط من تجب عليه، فالأول ملك النصاب النامي الحولي، والثاني: العقل، والبلوغ، والحرية، وحكمها: سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة، وحكمتها كثيرة، منها: التطهر من أدناس الذنوب والبخل، ومنها: ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها: الإحسان إلى المحتاجين، ومنها: استرقاق الأحرار، فإن الإنسان عبيد (٣) الإحسان، واعلم أن في رواية اللؤلؤي "كتاب الزكاة" ذُكِرَ عقيب باب الاستعاذة، وفي ترتيب غيره يتلوه كتاب الجنائز، ثم يتلو كتاب الجنائز كتاب الزكاة، وهو الترتيب "الحسن الموافق لترتيب كتب الفقه، وكذا وقع ترتيب "معالم السنن" للخطابي. ١٦٧٦- ص- نا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، قال: " لما تُوُفَيَ رسولُ اللهِ- ﵇ واستُخْلِفَ أبو بكر بعدها، وكَفَرَ مَن كَفَرَ

стр. 2718

مِن العرَب، قال عمرُ بنُ الخطابِ لأبي بكرٍ: كيف تُقَاتلُ الناسَ وقد قالَ رسولُ اللهِ- ﵇: أمِرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولُوا: لا إله إلا اللهُ، فمن قال: لا إله إلا الله، عَصَمَ مني مالَه ونفسَهُ، إلا بحقِّه، وحسابُهُ على الله (١) ؟ فقال أبو بكر: وَالله لأقاتَلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصلاة واَلزكاة، فإن الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعُوني عقالا كانوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسولِ اَلله ﷺ لقاتلتُهم على مَنعه. فقَالَ عمرُ بن الخَطاب: ووالله ما هو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قد شَرحَ صَدرَ أبي بكًرٍ للقتالِ، قال: فَعَرَفْتَُ أنه الحقّ " (٢) . ش- الليث بن سعد، وعُقيل- بضم العين- ابن خالد الأيلي. قوله: " لما تُوفي رسول الله- ﵇ " توفي رسول الله- ﵇ يوم الاثنين اثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء، قاله الواقدي وعن الليث توفي يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول، وعن الزهري يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مَقدمِهِ المدينة، ورواه ابن عساكر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي رسول الله يوم الاثنين مستهل ربيع الأول، والمشهور ما قاله ابن إسحاق، والواقدي، عن ابن عباس وعائشة قالا: توفي رسول الله يوم الاثنين اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وزاد ابن إسحاق: ودفن ليلة الأربعاء. قوله: " واستخلف أبو بكر بعده " أي: بعد النبي- ﵇ فحين توفي رسول الله- ﵇ اشتغل الناس بأمر بيعة الصديق في

стр. 2719

سقيفة بني ساعدة، ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين، وصبيحة الثلاثاء، ثم أخذوا في غسل رسول الله وتكفينه والصلاة عليه في بقية يوم الثلاثاء، ودفنوه ليلة الأربعاء، وبايعه جميع الصحابة حتى علي ابن أبي طالب، والزبير بن العوام، وما قيل من أن عليا بايعه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها بستة أشهر فذاك محمول على أنه بيعة ثانية أزالت ما كان وقع من وحشته بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله- ﵇ من قوله: "لا نورث، ما تركناه فهو صدقة". قوله: " وكفر من كفر من العرب " " (١) كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى كفرهم، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب " وهذه الفرقة طائفتان، إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه/ من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفِرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد- ﵇ مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر- ﵁ حتى قتل الله تعالى مسيلمة باليمامة، والعنسي بالصنعاء، وانفضت جموعهم وهلك كفرهم، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين، فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسجدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد الريس في البحرين في قرية يقال لها: جُوَاثا، والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بَغي، وإنما لم يُدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في

стр. 2720

الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأرخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه (١) - إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر- ﵁ فمنعهم مالك بن نصيرة من ذلك، وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر- ﵁ فراجع إلى أبي بكر (٢) وناظره، واحتج عليه بقوله- ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس" الحديث، وهذا كان من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من رأي الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، فدل ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأيضا فقد صح عن عبد الله بن عمر، أنه قال: قال رسول الله- ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" الحديث، فلو كان عمر- ﵁ ذاكرا لهذا الحديث لما اعترض على الصديق، ولو كان الصديق ذاكرا له لأجاب به عمر، ولم يحتج إلى غيره، وهذا يدل على أنه يوجد عند بعض أصحاب العالِم ما لا يوجد عند خواصه وبطانته.

стр. 2721

فإن قيل: قد روي هذا الحديث من رواية أبي بكر الصديق، وفيه: "ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" قلنا: يحتمل أن يكون ذكره بعد ذلك، ويحتمل أن يكون سمعه من ابن عمر، أو غيره فأرسله " (١) وأما معنى حديث عمر- ﵁: قوله: " أمرت " أي أمرني الله تعالى، طوى ذكر الفاعل للعلم به، ولتعينه لذلك. قوله: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله " قال الخطابي (٢) : المراد بهم أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ثم إنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، قال: ومعنى: "حسابه على الله" أي فيما يستترون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة، قال: ففيه أن من أظهر الإسلام، وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل". انتهى كلامه. وقال القاضي عياض (٣) : اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان ومَن لا يُوَحدُ، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر "وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي / الزكاة " انتهى. وقال الشيخ محيي الدين (٤) : "ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به ".

стр. 2722

وقال أيضاً اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه، لأصحابنا أنصحها والأصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة، والثاني: لا تُقبل، ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنة، والثالث: أنه إن تاب مرة واحدة قُبلت توبته، فان تكرر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتدأ من غير طلب قُبل منه، دان كان تحت السيف فلا، والخامس: إن كان داعيا إلى الضلال لم يُقبل منه وإلا قُبل قلت: الزنديق يقتل عندنا، وتقبل توبته بالإجماع، إلا عند الشافعي، ورواية عنا، كذا ذكرته في شرحي على " المجمع". قوله: " من فرق بين الصلاة والزكاة " قال الشيخ محيي الدين (١) : "ضبطناه بوجهين: فَرق" و " فَرَقَ" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد في الزكاة، أو منعها ". قوله: "لو منعوني عقالا"، (٢) هكذا في مسلم أيضا "عقالا " وكذا في بعض روايات البخاري، وفي بعضها " عناقا" لما يجيء الآن، وكلاهما صحيح، ورواية " العقال" اختلف العلماء فيها قديما وحديثا، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول الكسائي، والنضر بن جميل، واجبي عبيد، والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء: سعى عقالا فلم يترك لنا سبْدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين أراد مدة عقال، فنصبه على الظرف، وعمرو هذا هو عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان الساعي، ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك، قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يعقل فيه

стр. 2723

البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث عليه، وذهب كثيرون من المحققة إلى أن المراد بالعقال الحبل، الذي يعقل به البعير، وهذا القول محكي عن مالك، وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة، لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها، وقيل: معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب، وقيل: أراد به الشيء التافه الحقير، فضرب العقال مثلا له، وقيل: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى (١) قَرَن- بفتح القاف والراء- وهو الحبل، فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الإبل، فيسمى عند ذلك القرائن، فكل قرينين منها عقال، وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي- ﵇ محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كل فريضته عقالهما (٢) وقرانهما، وكان عمر أيضا يأخذ مع كل فريضة عقالا " (٣) . قوله: " إلا أن رأيت الله" أي: علمت وأيقنت. قوله: "قد شرح " أي: فتح ووسع، والمعنى علمت أنه جازم بالقتال لما ألقى الله- في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصفائه ذلك. قوله: " فعرفت أنه الحق " أي: بما أظهر من الدليل وأقامة الحجة، فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. ص- قال أبو داود: قال شعيب بن أبي حمزة، ومعمر، والزبيري: عن الزهري في هذا الحديث قال (٤) : " لو منعوني عَنَاقا ". ش- شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، ومعمر بن راشد، والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي، والزهري محمد بن مسلم.

стр. 2724

قوله: "عناقا" بفتح العين والنون، وهي الأنثى من ولد المعز، وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين، فقال في مرة: "عقالا " وفي الأخرى: "عناقا " قال الشيخ محيي الدين: " رواية العناق محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارا كلها، بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فهذا حال حول الأمهات زكى السخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء أم لا، هذا هو الصحيح المشهور، وقال أبو القاسم الأنماري من أصحابنا: لا يزكي الأولاد بحول الأمهات، إلا ابن يبقى من الأمهات نصاب، وقال بعض أصحابنا: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصور ذلك أيضا ما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار" قلت: قوله "هو الصحيح المشهور" هو قول أبي يوسف أيضا من أصحابنا، وعند أبي حنيفة، ومحمد: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة، وحَمَلا الحديث على جهة المبالغة، أو على الفرض والتقدير. ص- ورواه عنبسة، عن يونس، عن الزهري في هذا الحديث قال: "عَنَاقا". ش- عنبسة بن خالد بن يزيد الأيْلي، ويونس بن يزيد الأيْلي، عم عنبسة المذكور. ١٦٧٧- ص- نا ابن السرح، وسليمان بن داود، قالا: أنا (١) ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري (٢) ، قال: قال أبو بكر:" إن حَقَه أداء الزكاةِ " وقال: "عِقَالا " (٣) . ش- أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود الزهراني العتبي، وعبد الله بن وهب، ويونس بن يزيد.

стр. 2725

وأشار بهذا إلى أن هذه الرواية أيضا فيها "عقال" موضع " عناق ". ص- قال أبو داود: رواه رباح بن زيد، عن معمر (١) ، عن الزهري بإسناده، قال بعضهم: " عقالا" ورواه ابن وهب، عن يونس، قال: "عناقا". ش- رباح بن زيد القرشي الصنعاني، ومعمر بن راشد. والحاصل أنه قد اختلفت الروايات في " العقال " و "العناق " وكلاهما صحيح كما ذكرناه، ومحمول على أنه قال ذلك مرتب. ١- باب: ما يجبُ فيه الزكاة أي: هذا باب في بيان ما يجب فيه الزكاة. ١٦٧٨- ص- نا عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس: عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : " لَيسَ فيما دون خَمس ذود صدقة، وليس فيما دونَ خمسة أوَاق صدقة، وليس فيمار من خمسة أوسق صدقة " (٢) . ش- عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسنَ الأنصاري المازني المدني. قوله: " ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٣) الرواية المشهورة بإضافة "خمس" إلى "ذود"، وهو نقل الجمهور، وروي بتنوين " خمس " ويكونا ذود، بدلا منه، حكاه ابن عبد البر، والقاضي، وغيرهما، وقال أهل اللغة: الذود- بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، وبعدها

стр. 2726

دال مهملة- وهو من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد بعير، وكذلك النفر، والرهط، والقوم، والنساء، ونحو هذه الألفاظ التي لا واحد لها من لفظها، قالوا: وقولهم: "خمس ذود" كقولهم: خمسة أبخرة، وخمسة جمال، وخمس نوق، وخمسة نسوة، قال سيبويه: يقول: ثلاث ذود، لأن الذود مؤقت، وليس باسم كُسر عليه مذكره، وقال أبو عبيد: الذود ما بين سنتين إلى تسع وهو مختص بالإناث، وقال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصُّبة خمس أو ست، والصرْمَةُ ما بين العشر إلى العشرين، والعكْرَةُ ما بين العشرين إلى الثلاثين، والهَجْمَةُ ما بين الستين إلى السبعين، والهُنَيْدَةُ مائة، والخِطر نحو مائتين، والعَرْجُ من خمسمائة إلى ألف، وقال أبو عبيد وغيره: َ الصرْمَةُ من العشر إلى الأربعين، وأنكر ابن قريبة أن يقال: خمس ذود كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، ومسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وليس هو جمع لمفرد، بخلاف الأثواب، قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبَلَ، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة، والقياس مئين أو مئات، ولا يكادون يقولونه، وقد ضبطه الجمهور: " خمس ذود"، ورواه بعضهم "لخمسة ذود "، وكلاهما لرواة كتاب مسلم، والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكر والمؤنث، ومَن حَذَفَها قال الداودي: أراد أن الواحدة منه فريضة. قلت: الصبة- بضم الصاد المهملة، وتشديد الباء الموحدة- وفي "الصحاح" الصّبة- بالضم- القطعة من الخيل، والصرمة من الإبل، قال أبو زيد: الصبة من المعز ما بين العشرة إلى الأربعين، والصرمة - بكسر الصاد، وسكون الراء المهملتين، وفتح الميم- والعكْرَة بفتح العين المهملة، وسكون الكاف، وفتح الراء، وفي "الصحاح " العكرة، قال

стр. 2727

أبو عبيدة: ما بين الخمسين إلى المائة. وقال الأصمعي: العكْرَةُ الخمسون إلى الستين إلى السبعين، والهَجْمَةُ بفتح الهاء، وسكون (١) / الجيم، وفتح الميم، وفي "الصحاح " قال أبو عبيد: الهَجْمَةُ من الإبل أولها أربعون إلى ما زادك. والهُنَيْدة- بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الدال- وفي "الصحاح" الهُنَيدة: المائة من الإبل وغيرها. وقال أبو عبيد: والخطر- بكسر الخاء المعجمة، وسكون الطاء، وفي آخره راء- وفي " الصَحاح": الخطْرُ: الإبل الكثيرة والجمع الأخطار، والعَرْجُ- بفتح العن، وسكون الراء المهملين، وفي آخره جيم- وفي " الصحاح" العرج: القطيع من الإبل نحو من الثماني، وقال أبو عبيدة: مائة وخمسون وفريق ذلك، وقال الأصمعي: خمسمائة إلى الألف، والعِرج- بالكسر- مثله، والجمع أعراج. قوله: " وليس فيما دون خمسة أواق" قد وقع في رواية أبي داود "أواق " بدون الياء. (ووقع (٢) في رواية مسلم " أواقي" بالياء، وكلاهما صحيح، وهي جمع أوقية، والأوقية- بضم الهمزة وتشديد الياء- وجمعها أواقي - بتشديد الياء وتخفيفها- وأواقِ بحذفها، قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشددا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كالأوقية والأواقيّ والأواقِي (٣) ، والسرية والسرارّي والسراري (٣) ، والنحتية والعلية، والأثقبة ونظائرها، وأنكر الجمهور أن يقال في الواحدة: وقية، بحذف الهمزة، وحكى الجنائي جوارها بفتح الواو، وتشديد الياء وجمعها وقايا، مثل ضحية وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهما وهي أوقية الحجاز.

стр. 2728

وقال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي- ﵇ وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدراهم ستة دوانيق قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك، أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم صغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية، ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأعيانا يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم. قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها، وحقوق العباد؟ وهذا كما كانت الأوقية معلومة. وقال الشيخ محيي الدين: " أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام" (١) . قلت: " (٢) روى ابن سعد في "الطبقات" (٣) في ترجمة عبد الملك ابن مروان: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعة، وهو أول من أحدث ضربها، ونقشه عليها". قال الواقدي: وحدثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة" انتهى.

стр. 2729

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال " في باب الصدقة وأحكامها: " كانت الدراهم قبل الإسلام كبارا وصغارا، فلما جاء الإسلام وأرادوا ضرب الدراهم، وكانوا يُزكُونها من النوعين، فنظروا إلى الدرهم الكبير فهذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدرهم الصغير فهذا هو أربعة دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودا لا يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق/ تكون وزن (١) سبعة مثاقيل، وأنه عدل بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله- ﵇ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا فاجتمعت عليه الأمة، فلم تختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد، أو نقص قيل فيه: زائد أو ناقص، والناس في الزكوات على الأصل الذي هو السنة لا يزيغوا عنه، وكذلك في المبايعات" (٢) انتهى. وقالت شراح كتب أصحابنا: إن الدراهم كانت في الابتداء على ثلاثة أصناف، صنف منها كل عشرة منه عشرة مثاقيل، كل درهم مثقال، وصنف منها كل عشرة منه ستة مثاقيل، كل درهم ثلاثة أخماس مثقال، وصنف منها كل عشرة منه خمسة مثاقيل، كل درهم نصف مثقال، وكان الناس يتصرفون بها، ويتعاملون فيما بينهم إلى أن استخلف عمر- ﵁ فأراد أن يستوفي الخراج بالأكبر، فالتمسوا منه التخفيف، فجمع حساب زمانه ليتوسطوا ويوفقوا بين الدراهم كلها وبن ما رامه عمر- ﵁ وبن ما رامه الرعية، فاستخرجوا له وزن السبعة، بأن اتخذوا من كل صنف ثلثه، فيكون المجموع سبعة. فائدة: الدرهم لفظ فارسي، وجاء فيه: درهام، وكان أصله درما، فلما عربوه زادوا فيه الهاء فقالوا: درهم والدينار أصله دِنَار- بالتشديد-

стр. 2730

فأبدلت إحدى النونين ياء فصار دينار، والدينار عشرون قيراطاً وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون ستين حبة، وكل حبة أربع أرزات فيكون مائتين وأربعين أرزة، ويقال: القيراط طُسرجتان، والطُسرجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان والدانق بفتح النون وكسرها، وقال في " الصحاح ": الدانق أربعة طناسيج. قوله: "خمسة أوسق" (١) الأوسق جمع وسق، وفيه لغتان، فتح الواو وهو المشهور وكسرها، ويقال: الوسق بالفتح وجمعه أوسق، وبالكسر وجمعه أوساق، والوسق ستون صاعا، كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي فيكون ثلاثمائة وعشرين رطلاً هذا مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال، فيكون الجملة أربعمائة وثماني رِطلا. والحديث أخرجه الجماعة، وهو مشتمل على ثلاث فصول، الأول فيه بيان أقل الإبل التي تجب فيها الزكاة، فبين أنه لا تجب الزكاة في أقل من خمس ذود من الإبل، فإذا بلغت خمسا قائمة، وحال عليها الحول ففيها شاة، وهذا بالإجماع، وليس فيه خلاف. الثاني: فيه بيان نصاب الفضة وهو خمس أواق، وهي مائتا درهم، لأن كل أوقية أربعون درهما كما ذكرناه، وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة، فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا، والمعوَّلُ فيه على الإجماع، إلا ما روي عن الحسن البصري، والزهري أنهما قالا: "لا يجب في أقل من أربعة مثقالا" والأشهر عنهما الوجوب في عشرين مثقالا كما قاله الجمهور، وقال القاضي: وعن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالا، قال هذا القائل: ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي درهم، ثم إذا زاد الذهب أو الفضة على النصاب اختلفوا فيه، فقال

стр. 2731

مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وعامة أهل الحديث أن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر في قليله وكثيره ولا وقص، يروي ذلك عن: علي، وابن عمر- رضي الله عنهم- وقال أبو حنيفة، وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى يبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل أربعة دنانير درهم، فجعل لهما وقصا كالماشية. قال الشيخ محيي الدين: "واحتج الجمهور بقوله- ﵇ في "صحيح البخاري ": "في الرقة ربع العشر" والرقة الفضة، وهذا عام في/ النصاب وما فوقه، وبالقياس على الحبوب ولأبي حنيفة حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به" (١) . قلت: أشار بهذا إلى ما رواه الدارقطني في "سننه" (٢) من طريق ابن إسحاق، عن المنهال بن جراح، عن حبيب بن نجيب، عن عبادة بن نُسي، عن معاذ: " أن رسول الله- ﵇ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسر شيئاً إذا كانت الورق مائتي درهم فخذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما، فإذا بلغت أربعين فخذ منها درهما" قال الدارقطني: المنهال بن الجراح هو أبو العطوف، متروك الحديث، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه، وعبادة بن نسي لم يسمع من معاذ، انتهى. وقال النسائي: المنهال بن الجراح متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان يكذب، وقال عبد الحق في " أحكامه": كلمات، وقال الشيخ في "الإمام": قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث واهيه، لا يكتب حديثه، وقال البيهقي: إسناد هدا الحديث ضعيف جدا،.

стр. 2732

قلت: ذكر البيهقي هذا الحديث في "باب ذكر الخبر الذي روي في وقص الورق "، ثم اقتصر عليه لكون الباب معقود البيان مذهب خصمه، وفي الباب حديثان، اْحدهما: ذكره البيهقي في "باب فرض الصدقة" وهو كتابه- ﵇ الذي بعثه إلى اليمن مع عمرو بن حزم، وفيه: "وفي كل خمس أواقي من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم" ثم قال البيهقي: مجود الإسناد. ورواه جماعة من الحفاظ موصولا حسنا، وروى البيهقي، عن أحمد ابن حنبل، أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا والثاني: ذكره البيهقي في "باب لا صدقة في الخيل" من حديث علي، قال رسول الله- ﵇: "عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهلموا صدقة الرقة من كل أربعين درهما، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ". قال ابن حزم: صحيح مسند. وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري، قال: "كتب عمر إلى أبي موسى: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهما درهم" وأخرجه الطحاوي في "أحكام القرآن" من وجه آخر عن أنس، عن عمر نحوه، قال صاحب "التمهيد": وهو قول ابن المسيب، والحسن ومكحول، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والزهري، وبه يقول أبو حنيفة، والأوزاعي، وذكر الخطابي الشعبي معهم، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد الباقر رفعه، قال: " إذا بلغت خمس أواقي ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم" وفي (١) " أحكام" عبد الحق، قال: وروى أبو أويس، عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن النبي- ﵇

стр. 2733

أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمّره على اليمن وفيه: "الزكاة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم (١) ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة" انتهى. ولم يعزه عبد الحق لكتاب، وكثيرا ما يفعل ذلك في "أحكامه"، والموجود في كتاب عمرو بن حزم عند النسائي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم: " وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء". وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال " (٢) : حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، قال: "ولاني عمر بن الخطاب الصدقات، فأمرني أن اتخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم، وأن اتخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ أربعة درهما ففيه درهم" انتهى (٣) . وقد عرفت مستندات أبي حنيفة في هذا الباب، وعرفت مَن عنده تعصب، كيف يذكر له الأحاديث الضعيفة ويترك الأحاديث القوية؟! والعجب من الشيخ محيي الدين مع وقوفه على هذه الأحاديث كيف يقول:/ ولأبي حنيفة حديث ضعيف، ويشير به إلى ما رواه الدارقطني، ولا يشير إلى ما ذكرنا ثَّم؟ (٤) . قال القاضي: ثم إن مالكا والجمهور يقولون بضم الفضة، والذهب بعضهما إلى بعض في إكمال النصاب، ثم إن مالكا يراعي الوزن ويضم على الأجزاء لا على القيم، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف الأول، وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: يضم على القيم في وقت الزكاة، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً"

стр. 2734

وقال الخطابي (١) : "ولم يختلفوا في أن القيم لا تضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب، واختلفوا في البر والشعير، فقال أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال مالك: يضاف القمح إلى الشعير ولا يضاف القطاني إلى القمح والشعير". الفصل الثالث: فيه بيان زكاة الزروع والثمار، واستدل الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بهذا الحديث " إن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق يجب فيها الصدقة، وهي العشر " وقال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقي سيحا أو سقته السماء، إلا القصب الفارسي والحطب، والحشيش. وقال الشيخ محيي الدين: "وفي (٢) هذا الحديث فائدتان، إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحددات، والثانية: أنه لا زكاة فيما دون ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في هاتين، إلا ما قال أبو حنيفة، وبعض السلف: إنه يجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل، منافي لصريح الأحاديث الصحيحة! قلنا: لا نسلم أن هذا مذهب باطل، وإطلاق الباطل عليه باطل، وكيف يكون هذا منابذاً لصريح الأحاديث الصحيحة، وقد استدل أبو حنيفة بما روى (٣) الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " رواه البخاري. وبما روى أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله- ﵇: " فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالثانية نصف العشر" رواه مسلم.

стр. 2735

وبما روى مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء، وما سقي بعلاً العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر". رواه ابن ماجه. وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، وتأويل قوله- ﵇: "وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" زكاة التجارة، لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهما، ومن الأصحاب من جعله منسوخا، ولهم في تقريره قاعدة ذكرها السغناقي نقلا عن " الفوائد الظهيرية " قال: إذا ورد حديثان أحدهما عام، والآخر خاص فإن علم تقديم العام على الخاص خصص العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئا، ثم قال له: أعط زيدا درهما، ثم قال له: لا تعط أحدا شيئا، فإن هذا ناسخ للأول، هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، قال محمد بن شجاع البلخي: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ، فيجعل العام آخرا احتياطا، ويؤيده ما روي من الآثار، وهو ما أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه ": أنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز، قال: " فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر". وأخرج نحوه عن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه " (١) ، عن عمر بن عبد العزيز، وعن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وزاد في حديث النخعي: وحتى في كل عشر دستجات بقل دستجة بقل " (٢) . ١٦٧٩- ص- نا أيوب بن محمد الرقي، نا محمد بن عبيد، نا إدريس ابن يزيد الأودي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن
следующие страницы →