مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وعامة أهل الحديث أن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر
في قليله وكثيره ولا وقص، يروي ذلك عن: علي، وابن عمر- رضي
الله عنهم- وقال أبو حنيفة، وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على
مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى
يبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل
أربعة دنانير درهم، فجعل لهما وقصا كالماشية.
قال الشيخ محيي الدين: "واحتج الجمهور بقوله- ﵇ في
"صحيح البخاري ": "في الرقة ربع العشر" والرقة الفضة، وهذا عام
في/ النصاب وما فوقه، وبالقياس على الحبوب ولأبي حنيفة حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به" (١) .
قلت: أشار بهذا إلى ما رواه الدارقطني في "سننه" (٢) من طريق ابن
إسحاق، عن المنهال بن جراح، عن حبيب بن نجيب، عن عبادة بن
نُسي، عن معاذ: " أن رسول الله- ﵇ أمره حين وجهه إلى
اليمن أن لا يأخذ من الكسر شيئاً إذا كانت الورق مائتي درهم فخذ منها
خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما، فإذا
بلغت أربعين فخذ منها درهما" قال الدارقطني: المنهال بن الجراح هو
أبو العطوف، متروك الحديث، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى
عنه، وعبادة بن نسي لم يسمع من معاذ، انتهى.
وقال النسائي: المنهال بن الجراح متروك الحديث، وقال ابن حبان:
كان يكذب، وقال عبد الحق في " أحكامه": كلمات، وقال الشيخ في "الإمام": قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث
واهيه، لا يكتب حديثه، وقال البيهقي: إسناد هدا الحديث ضعيف جدا،.
стр. 2732
قلت: ذكر البيهقي هذا الحديث في "باب ذكر الخبر الذي روي في وقص الورق "، ثم اقتصر عليه لكون الباب معقود البيان مذهب خصمه، وفي الباب حديثان، اْحدهما: ذكره البيهقي في "باب فرض الصدقة" وهو كتابه- ﵇ الذي بعثه إلى اليمن مع عمرو بن حزم، وفيه: "وفي كل خمس أواقي من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم" ثم قال البيهقي: مجود الإسناد.
ورواه جماعة من الحفاظ موصولا حسنا، وروى البيهقي، عن أحمد ابن حنبل، أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا
والثاني: ذكره البيهقي في "باب لا صدقة في الخيل" من حديث علي، قال رسول الله- ﵇: "عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهلموا صدقة الرقة من كل أربعين درهما، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ". قال ابن حزم: صحيح مسند.
وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري، قال: "كتب عمر إلى أبي موسى: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهما درهم" وأخرجه الطحاوي في "أحكام القرآن" من وجه آخر عن أنس، عن عمر نحوه، قال صاحب "التمهيد": وهو قول ابن المسيب، والحسن ومكحول، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والزهري، وبه يقول أبو حنيفة، والأوزاعي، وذكر الخطابي الشعبي معهم، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد الباقر رفعه، قال: " إذا بلغت خمس أواقي ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم" وفي (١) " أحكام" عبد الحق، قال: وروى أبو أويس، عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن النبي- ﵇
стр. 2733
أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمّره على اليمن وفيه: "الزكاة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم (١) ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة" انتهى. ولم يعزه عبد الحق لكتاب، وكثيرا ما يفعل ذلك في "أحكامه"، والموجود في كتاب عمرو بن حزم عند النسائي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم: " وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء".
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال " (٢) : حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، قال: "ولاني عمر بن الخطاب الصدقات، فأمرني أن اتخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم، وأن اتخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ أربعة درهما ففيه درهم" انتهى (٣) .
وقد عرفت مستندات أبي حنيفة في هذا الباب، وعرفت مَن عنده تعصب، كيف يذكر له الأحاديث الضعيفة ويترك الأحاديث القوية؟! والعجب من الشيخ محيي الدين مع وقوفه على هذه الأحاديث كيف يقول:/ ولأبي حنيفة حديث ضعيف، ويشير به إلى ما رواه الدارقطني، ولا يشير إلى ما ذكرنا ثَّم؟ (٤) .
قال القاضي: ثم إن مالكا والجمهور يقولون بضم الفضة، والذهب بعضهما إلى بعض في إكمال النصاب، ثم إن مالكا يراعي الوزن ويضم على الأجزاء لا على القيم، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف الأول، وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: يضم على القيم في وقت الزكاة، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً"
стр. 2734
وقال الخطابي (١) : "ولم يختلفوا في أن القيم لا تضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب، واختلفوا في البر والشعير، فقال أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال مالك: يضاف القمح إلى الشعير ولا يضاف القطاني إلى القمح والشعير".
الفصل الثالث: فيه بيان زكاة الزروع والثمار، واستدل الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بهذا الحديث " إن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق يجب فيها الصدقة، وهي العشر " وقال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقي سيحا أو سقته السماء، إلا القصب الفارسي والحطب، والحشيش.
وقال الشيخ محيي الدين: "وفي (٢) هذا الحديث فائدتان، إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحددات، والثانية: أنه لا زكاة فيما دون ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في هاتين، إلا ما قال أبو حنيفة، وبعض السلف: إنه يجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل، منافي لصريح الأحاديث الصحيحة!
قلنا: لا نسلم أن هذا مذهب باطل، وإطلاق الباطل عليه باطل، وكيف يكون هذا منابذاً لصريح الأحاديث الصحيحة، وقد استدل أبو حنيفة بما روى (٣) الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " رواه البخاري.
وبما روى أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله- ﵇: " فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالثانية نصف العشر" رواه مسلم.
стр. 2735
وبما روى مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: "بعثني رسول الله
﵇ إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء، وما سقي بعلاً العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر". رواه ابن ماجه.
وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، وتأويل قوله- ﵇: "وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" زكاة التجارة، لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهما، ومن الأصحاب من جعله منسوخا، ولهم في تقريره قاعدة ذكرها السغناقي نقلا عن " الفوائد الظهيرية " قال: إذا ورد حديثان أحدهما عام، والآخر خاص فإن علم تقديم العام على الخاص خصص العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئا، ثم قال له: أعط زيدا درهما، ثم قال له: لا تعط أحدا شيئا، فإن هذا ناسخ للأول، هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، قال محمد بن شجاع البلخي: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ، فيجعل العام آخرا احتياطا، ويؤيده ما روي من الآثار، وهو ما أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه ": أنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز، قال: " فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر".
وأخرج نحوه عن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه " (١) ، عن عمر بن عبد العزيز، وعن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وزاد في حديث النخعي: وحتى في كل عشر دستجات بقل دستجة بقل " (٢) .
١٦٧٩- ص- نا أيوب بن محمد الرقي، نا محمد بن عبيد، نا إدريس ابن يزيد الأودي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن
стр. 2736
أبي سعيد الخدري، يرفعه إلى النبي- ﵇ قال: " ليسَ فيما ون خَمسةِ أوْسَاقٍ (١) زَكاة "/ والوَسق ستون مَختُوما (٢) .
ش-[محمد بن] (٣) عبيد بن أبي أمية الأحدب الكوفي، وإدريس ابن يزيد بن عبد الرحمن الأسدي أبو عبد الله الكوفي، والد عبد الله واْخو داود، روى عن: أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم، روى عنه: ابنه عبد الله، والثوري، وابن أبي زائدة، ومحمد ابن عبيد، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، روى له الجماعة (٤) .
وأبو البختري سعيد بن فيروز، ويقال: ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي، تابعي مشهور، روى عن علي مرسلا، وسمع: ابن عباس، وابن عمر، وجماعة من الصحابة، روى عنه: عمرو بن مرة، وزيد بن جبير، وسلمة بن كهيل، قال أبو حاتم، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، قتل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين روى له الجماعة (٥) .
والبَختري: بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الراء، وتشديد الياء.
قوله: " والوسق ستون مختوما "قال أبو عبيد: المختوم الصاع، وإنما سمي مختوما لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتما مطبوعا لئلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، والحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه مختصرا. ص- قال أبو. داود: أبو البختري لم يسمع من أي سعيد.
стр. 2737
ش- أشار به أبو داود إلى أن هذا الحديث منقطع.
١٦٨٠- ص- نا محمد بن قدامه بن أعين، نا جريج، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: " الوَسق ستونَ صاعا مختوما بالحَجاجِيِّ " (١) .
ش- جريج بن عبد الحميد، ومغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي الكوفي، وإبراهيم النخعي.
قوله: " بالحَجاجي " أي: بالصاع الحجازي نسبة إلى حجاج بن يوسف، والصاع الحجاجي ثمانية أرطال بالبغدادي، وروى ابن أبى شيبة في "مصنفه" نا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة، قال: " الحجاجي صاع عمر بن الخطاب- ﵁".
١٦٨١- ص- نا محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري،
نا صُرَدُ بن أبي المُنازل، قال: سمعت حبيبا المالكي، قال: قال رجل لعمران ابن الحصين: " يا أبا نُجَيد، إنكم لَتُحدثونا (٢) بأحاديث ما نَجدُ لها أصلا في القرآنِ؟ فغَضبَ عمرانُ، وقال للرجل: أوجدتُم في كلِّ أربعينَ درهما درهام، ومن كلِّ كذا وكذا شاةً شاة، ومن كذا (٣) وكذا بعيرا كذا وكذا، أوجدتُم هذا في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن (٤) أخذتم هذا؟ أخذتُمُوه عنا، وأخذناه عن نبيِّ اللهِ- ﵇ وذكَرَ أشياء نحوَ هذا " (٥) .
ش- محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قاضي البصرة.
وصُردُ بن أبي المُنازل بضم الميم، روى عن: حبيب المالكي، روى عنه: محمد بن عبد الله الأنصاري، روى له: أبو داود، والنسائي (٦) .
стр. 2738
وصرد بضم الصاد المهملة، وفتح الراء، والمُنازل بضم الميم، وفتح
النون.
وحبيب بن فضالة، ويقال: ابن أبي فضالة المالكي، روى عن: عمران
ابن حصين، روى عنه: صُردُ بن أبي المُنَازل، روى له: أبو داود (١) . وأبو نجيد: بضم النون، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة، وهو كنية عمران بن الحصن.
قوله: " أوجدتم " الهمزة فيه للاستفهام، ويستفاد من الحديث أن جميع القضايا لا توجد في القرآن، وأن الأحكام كما تثبت بالكتاب تثبت بالسنة، وأن المقدرات الشرعية ليس للرأي فيها دخل.
٢- بابُ: العُروض إذا كانت للتجارة هل فيها (٢) زكاة؟
أي: هذا باب في بيان العُروض إذا أعدت للتجارة هل تجب فيها الزكاة؟ والعروض- بضم العين- جمع عَرض- بفتح العين- وهو المتاع، ليس فيه نقد.
١٦٨٢- ص- نا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندل، حدثني خُبَيبُ بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندل (٣) : "أمَّا بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمُرُنَا أن نُخْرِجَ الصدقَةَ من الذي نَعُذُ لِلبيع " (٤) .
ش- محمد بن داودَ بن سفيان شيخ أبي داود، والنسائي، وهو غير محمد بن داود بن أبي سفيان فإنه أيضا من شيوخ أبي داود، والنسائي.
стр. 2739
ويحيى بن حسان بن حيان التنيسي أبو زكرياء البصري، وسليمان بن
موسى أبو داود الزهري الخراساني الأصل.
وجعفر بن سعد الفزاري أبو محمد، وخُبيب- بضم الخاء المعجمة،
وفتح الباء الموحدة- ابن سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري.
قوله:/ " أما بعد "، هذا يسمى فصل خطاب، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) هو قوله: أما بعد،
فأول من قالها داود-َ ﵇ وكَلمةَ " أما" تتضمن الشرط، فلهذا
دخلت " الفاء" في خبره، و "بعد" من الظروف الزمانية، وأصله الإضافة، فإذا قطع عنها لعلم المخاطب يبنى على الضم، ويسمى غاية.
قوله: "من الذي نعد للبيع " من الإعداد، وهو: التهيئة يقال: أعده
لأمر كذا: هيأه له، وبالحديث استدل العلماء أن المال الذي يعد للتجارة
إذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة من أي صنف كان، ((٢) والحديث
رواه المنذري أيضا، وسكت عنه كما سكت أبو داود، وقال عبد الحق في
"أحكامه ": حبيب هذا ليس بمشهور، ولا يعلم روى عنه إلا جعفر بن
سعد، وليس جعفر ممن يعتمد عليه، وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر
هذا الحديث: رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، انتهى.
ورواه الدارقطني في " سننه "، والطبراني في "معجمه "، عن سمرة،
قال:" كان رسول الله ﷺ يأمر بالرقيق الرجل
والمرأة الذي هو بلاده، وهم عملة لا نريد بيعهم أن لا نخرج عنهم
الصدقة، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع ".
٣- باب: الكنز ما هو ؟ (٣)
أي: هذا باب في بيان الكنز ما هو؟ الكنز: ما دفنه بنو آدم من
стр. 2740
الذهب، والفضة، والمعدن ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقها، مشتق من العدن وهو: الإقامة، والركاز: يتناولهما من الرمز، وهو الإثبات لغة، يقال: ركز رمحه في الأرض إذا أثبته.
١٦٨٣- ص- نا محمد بن عيسى، نا عتاب، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: " كُنتُ ألبَسُ أَوْضَاحا من فذهب، فقلتُ: يا رسولَ الله" أكَنزٌ هُوَ؟ فقالَ: مَا بَلغَ أن تُؤدّيَ زَكاتَه فَزُكيَ، فليسَ بكَنزِ" (١) .
ش- محمد بن عيسى بن الطباع.
وعتاب بن بشير أبو الحسن، ويقال: أبو سهل الحراني الأموي مولاهم، سمع إسحاق بن راشد الجزري، وخصيف بن عبد الرحمن، وعلي بن بذيمة، روى عنه: الطفيلي، وابن الطباع، ومحمد بن سلام، وغيرهم، قال ابن معين: هو ثقة، مات سنة تسعين ومائة، روى له البخاري في المتابعات، وأبو داود (٢) .
وثابت بن عجلان الشامي الأنصاري أبو عبد الله الحمصي، وقيل: إنه من أهل أرمنية، روى عن: أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وغيرهم، روى عنه: محمد بن حمير الحمصي، وبقية بن الوليد، وليث بن أبي سليم وغيرهم، قال يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
قوله: " أوضاحا "الأوضاح جمع وَضَح بفتحتين، وهو نوع من الحلي، يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي تعمل من الذهب أيضا، وقيل: حلي من الدراهم الصحاح، والوَضَح الدرهم
стр. 2741
الصحيح، وقيل: حلي من الحجارة، وقال: الأوضاح الخلاخل، وهذا
الحديث من جملة الأحاديث التي استدلت بها أصحابنا في وجوب الزكاة
في حلي النساء من الذهب، والفضة (١) وأخرجه الحاكم في
" المستدرك" (٢) : عن محمد بن مهاجر، عن ثابت به، وقال: صحيح
على شرط البخاري، ولم يخرجاه ولفظه: "إذا أديت زكاته فليس بكنز"
وكذلك رواه الدارقطني (٣) ، ثم البيهقي في "سننهما" (٤) ، قال
البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان، قال في "تنقيح التحقيق": وهذا لا
يضر، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين، وقال
ابن الجوزي في "التحقيق": محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع
الحديث على الثقات، قال في "التنقيح": وهذا وهم، فان محمد بن
مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان،
ثقة شامي، أخرج له مسلم في "صحيحه"، ووثقه أحمد، وابن معين،
وأبو زرعة، ودحيم، وأبو داود وغيرهم، وقال النسائي: ليس به بأس،
وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: كان متقنا، وأما محمد بن
مهاجر الكذاب، فإنه متأخر في زمان ابن معين، وعتاب بن بشير وثقه
ابن معين، وروى له البخاري متابعة (٥) .
٤- باب: في زكاة الحُلي
أي: هذا باب في بيان (٦) زكاة الحلي، الحُلِيُّ- بضم الحاء، وكسر
/ اللام، وتشديد الياء- جمع حَلي- بفتح الحاء، وسكون اللام- وهو اسم لكل ما يزين به من مصاغ الذهب، والفضة، وأما الحلْيةُ فجمعها حِلى مثل لحية ولحى.
стр. 2742
١٦٨٤- ص- نا أبو كامل، وحميد بن مسعدة- المعنى- أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: نا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده " أنَّ امرأةً أَتتْ رسولَ الله ﷺ ومعها بنت (١) لها، وفي يد ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ من ذهب، فقال لها: أتُعْطِينَ زَكاةَ هذا؟ قالتْ: لا، قال: أيَسُرك أن يُسَوِّرَك اللهُ بهمًا يومَ القيامة سِوَارَينِ من نَارٍ؟ قال: فَخَلَعَتْهُما، فألقتهما إلى النبيِّ- ﵇ وقالَتْ: هُمَا لله (٢) ولرَسُولِهِ " (٣) .
ش- أبو كامل فضيل بن الحسن الجحدري، وحميد بن مسعدة الشامي أبو علي، والحسين بن ذكوان المعلم.
قوله: "مسكتان" تثنية مسكة، والمَسكَةُ- بفتح الميم، وفتح السين والكاف-: السوار من الدبل، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابة بحرية، والجمع: مسك، وقيل: أسورة من دبل، أو عاج، والدبل: ظهر السلحفاة البحرية.
قوله: " أيسرك؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وهذا تأويل قوله- : (يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ " (٤) .
قوله: "بهما" أي: بسببهما، أو بمقابلتهما، والحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه في وجوب الزكاة في الحلي.
" (٥) وقد اختلف الناس فيه، فروي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله
ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس: أنهم أوجبوا فيه الزكاة، وهو قول ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهري، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة
стр. 2743
وأصحابه، ورُوي عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وعن القاسم بن محمد، والشعبي أنهم لم يروا فيه الزكاة، وإليه ذهب: مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو أظهر قولي الشافعي، والحديث حجة عليهم، وقال الخطابي: الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها ".
قلت: " (١) روى ابن الجوزي في " التحقيق " بسنده عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ قال: " ليس في الحلي زكاة" قال البيهقي في " المعرفة": وما يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً " ليس في الحلي زكاة " فباطل، لا أصل له، إنما يروى عن جابر، عن قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه، داْخلا فيما يعيب به المخالفة من الاحتجاج برواية الكذابين، وروى عبد الرزاق: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " لا زكاة في الحلي ".
وروى مالك في " الموطأ " (٢) : عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: " أن عائشة كانت تلي بنات أختها، يتامى في حجرها، فلا تخرج من حليهن الزكاة".
وأخرج الدارقطني (٣) : عن شريك، عن على بن سليمان، قال: وسألت أنس بن مالك عن الحلي؟ فقال: ليس فيه زكاة".
وروى الشافعي (٤) ، ثم البيهقي (٥) من جهته: أنا سفيان، عن
стр. 2744
عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن خالد، يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال جابر: " لا، وإن كان يبلغ ألف دينار". وأخرج الدارقطني (١) : عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر،
عن أسماء بنت أبي بكر " أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه، نحوا من خمسين ألفا ".
ولنا أحاديث عامة، وأحاديث خاصة، فالعامة حديث الخدري: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" أخرجاه في " الصحيحين"- كما مر- ولمسلم عن جابر نحوه.
وحديث علي: " هاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهما درهم"
رواه أصحاب السنن الأربعة، قال ابن قتيبة: الرقة: الفضة، سواء كانت دراهم، أو غيرها، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وفي كل أربعين دينارا دينار" رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، وغير ذلك من الأحاديث.
وأما الخاصة: فمنها الحديث المذكور- أعني حديث عمرو بن شعيب- ورواه النسائي أيضا بنحوه، وقال (٢) : ولا يصح في هذا الباب/ عن النبي- ﵇ شيء [.....] (٣) .
قال المنذري في "مختصره ": إسناده لا مقال فيه، فإن أبا داود رواه
عن أبي كامل الجحدري، وحميد بن مسعدة، وهما من الثقات احتج بهما مسلم، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري، ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم، احتجا به في الصحيح، ووثقه ابن المدينة، وابن معين، وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب، فهو ممن قد علم، وهذا إسناد تقوم به الحجة- إن شاء الله تعالى- وأخرجه النسائي عن المعتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو، قال: " جاءت
стр. 2745
امرأة "فذكره مرسلا، قال النسائي: وخالد أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب. طريق آخر: أخرجه الترمذي، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " أتت امرأتان رسول الله- ﵇ وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاة هذا، قالتا: لا، فقال: أتحبون أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته " قال الترمذي: ورواه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، نحو هذا، وابن لهيعة، والمثنى بن الصباح يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي
﵇ شيء، انتهى.
قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما، وإلا فطريق
أبي داود لا مقال فيها، انتهى.
وقال ابن القطان بعد تصنيعه لحديث أبي داود: وإنما ضعف الترمذي
هذا الحديث، لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، انتهى.
وبسند الترمذي رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في "مسانيدهم"، وألفاظهم: "قال لهما: فأديا زكاة هذا الذي في أيديكما" وهذا اللفظ يدفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شرعت للزائد فيه على قدر الحاجة.
ومنها ما رواه أبو داود من حديث أم سلمة، وقد ذكرنا.
ومنها ما رواه من حديث عائشة، على ما نذكره الآن.
ومنها ما رواه أحمد في "مسنده" (١) : نا علي بن عاصم، عن عبد الله
ابن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: " دخلت أنا وخالتي على النبي- ﵇ وعلينا أسورة من
стр. 2746
ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار؟! أديا زكاته".
قال ابن الجوزي: وعلي بن عاصم رماه يزيد بن هارون بالكذب،
وعبد الله بن خثيم، قال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب، قال ابن عدي: لا يحتج بحديثه وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات المعضلات " (١) .
قلت: ذكر في " الكمال": وسئل أحمد بن حنبل عنه؟ أي: علي
ابن عاصم، فقال: هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه، وعبد الله بن خثيم، قال ابن معين: هو ثقة حجة، وقال أحمد بن عبد الله: ثقة، وشهر بن حوشب، قال: قال أحمد: ما أحسن حديثه، ووثقه، وقال أحمد بن عبد الله: هو تابعي ثقة، وعن يحيى: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال محمد: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، فظهر بهذا الكلام سقوط كلام ابن الجوزي، وصحة الحديث." (٢) ومنها ما رواه الدارقطني في "سننه" (٣) : عن نصر بن مزاحم، عن أبي بكر الهذلي، نا شعيب بن الحبحاب، عن الشعبي، قال: سمعت فاطمة بنت قيس، تقول: "أتيت النبي- ﵇ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالا، وثلاثة أرباع مثقال " قال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك، ولم يأت به غيره.
ومنها ما رواه الدارقطني (٤) أيضاً عن يحيى بن أبي أنيسة، عن حماد،
عن إبراهيم، عن علامة، عن عبد الله بن مسعود، قال: " قلت للنبي- ﵇: إن لامرأتي حليا من ذهب عشرين مثقالا، قال: فأد زكاته نصف مثقال ".
стр. 2747
ثم أخرجه (١) عن قبيصة، عن القمة، عن عبد الله " أن امرأة أتت
النبي- ﵇ فقالت: إن لي حليا، وإن زوجي خفيف (٢) ذات
اليد أفيجزئ عني (٣) أن أجعل زكاة الحلي؟ قال: نعم".
قال الدارقطني: والحديثان وهم، والصواب: عن إبراهيم، عن عبد الله
مرسل موقوف، وقال/ ابن القطان في " كتابه": وروى من هو أحفظ منه فوقفه، وقال الشيخ في " الإمام": وقبيصة بن عقبة مخرج له في
الصحيح، وقد كثر البخاري عنه في " صحيحه".
ومنها ما رواه الدارقطني (٤) أيضا، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن
فاطمة بنت قيس، أن النبي- ﵇ قال: " في الحلي زكاة" قال الدارقطني: وأبو حمزة هذا ضعيف الحديث، وقال ابن الجوزي في "التحقيق": وقال أحمد: وهو متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء،
وقال النسائي: ليس بثقة.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه" (٥) : حدثنا وكيع، عن
مساور الوراق، عن شعيب بن يسار، قال: " كتب عمر بن الخطاب إلى
أبي موسى: أن مر من قبلك من نساء المسلمة أن يزكين حليهن، ولا
يجعلن الزيادة والهدية بدين تعارضا" قال البخاري في " تاريخه": هو مرسل.-
ومنها ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه": عن ابن مسعود، قال: "في
الحلي الزكاة، ومن طريقه رواه الطبراني في " معجمه ".
ومنها ما رواه الدارقطني (٦) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن
جده عبد الله بن عمرو: " أنه كان يكتب إلى سالم أن يخرج زكاة حلى
بناته كل سنة".
стр. 2748
ورواه ابن أبي شيبة: نا وكيع، عن جريج بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو: " أنه كان يأمر نسائه أن يزكين حليهن". وأخرج عن عطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعبد الله بن شداد، أنهم قالوا: "في الحلي الزكاة" زاد ابن شداد: "حتى في الخاتم".
وأخرج عن عطاء أيضا، وإبراهيم النخعي، أنهم قالوا: " مضت السنة أن في الحلي: الذهب، والفضة، الزكاة" (١) .
١٦٨٥- ص- نا محمد بن إدريس (٢) الرازي، نا عمرو بن الربيع بن طارق، نا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن عمرو ابن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: " دَخَلنَا على عَائشةَ زَوج النبي- ﵇ فقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله فَرَأى في يَدي فَتَخَات من وَرِق، فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ فقلتُ: صنَعْتُهُنَّ، أتَزَيَّنُ لك يا رسوله الله، قالت: أتُؤَدينَ زَكَاتَهُن؟ قلتُ: لا، أو مَا شاء اللهُ، قال: هو حَسْبُكِ من النارَ " (٣)(٤) .
ش- يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وعبيد الله بن أبي جعفر أبو بكر الفقيه المصري.
قوله: "فتخات " بفتح التاء، وبالخاء المعجمة جمع فتخة بالتحريك، حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهي الخاتم، وقال
стр. 2749
عبد الرزاق: هي الخواتيم العظام، وقال غيره: الفتخة: حلقة من ذهب، أو فضة، لا فص لها، وربما اتخذ لها فص كالخاتم، وقيل: خواتيم عراض الفصوص، ليست بمستقيمة، وقيل: جُلْجُلٌ لا جرس له، والفتخ يلبس في الأيدي، وقيل: يلبس في الأرجل.
قوله: " من ورق " أي: من فضة، وفيه ثلاث لغات: ورَق، وورِق، ووَرْق، ككبَد، وكبد، وكبْد، والورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، وقيل: الورقَ المسكوك خاصة، والرقة: الفضة، كيفما كانت، وقيل: الورق والرقة سواء يقعان على مسكوك وغير مسكوك، وقيل: لا يقال لما لم يضرب من الدراهم ورق، وإنما يقال له: فضة. قوله: " هو حسبك " أي: كافيك، " (١) الحديث أخرجه: الحاكم
في "المستدرك" (٢) : عن محمد بن عمرو بن عطاء به، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في " سننه " (٣) ، عن محمد بن عطاء به. نسبه إلى جده دون أبيه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، قال البيهقي في " المعرفة": هو محمد بن عمرو بن عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك، انتهى.
وتبع الدارقطني في تجهيل محمد بن عطاء: عبد الحق في "أحكامه "، وتعقبه ابن القطان، فقال: إنه لما نسب في سند الدارقطني إلى جده خفِي على (٤) الدارقطني أمره، فجعله مجهولا، وتبعه عبد الحق في ذلك، وإنما محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقات، وقد جاء مميزا عند أبي داود، بَينهُ شيخُهُ محمد بن إدريس الرازي، وهو: أبو حاتم الرازي إمام الجرح والتعديل، وقال الشيخ في " الإمام": ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم، وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم ".
стр. 2750
قلت: فعلى هذا قول الترمذي: ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﵇ شيء،/ معناه فيما أخرجه هو في كتابه، ولا يلزم من عدم ثبوت الصحة عنده عدم ذلك عند غيره، فافهم.
٥- باب: في زكاة السائمة
أي: هذا باب في بيان وجوب الزكاة، وكيفيتها في السائمة، والسائمة: هي التي تكتفي بالرعي في كثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو كثر فليست بسائمة، لأن أربابها لابد لهم من العلف أيام الثلج، والشتاء، فاعتبر الأكثر، ليكون غالبا، وعند الشافعي: إذا أعلفها ثلاثة أيام ينقطع السوم، وعند مالك: لا يشترط السوم في المواشي.
١٦٨٦- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، قال: أخذتُ من ثُمامةَ ابنِ عبد الله بنِ أنسِ كتاباً زَعَمَ أن أبا بكر كَتَبَهُ لأنسِ، وعليه خَاتَمُ رسول اَلله- ﵇ حين بَعَثَهُ مُصَدقا، وكَتَبَهُ له، فإذا فيه:" هَذِهِ فَرِيضَة الصَدَقة التي فَرَضَهَا رسولُ اللهِ- ﵇ عَلى المسلمين، التي أمَرَ اللهُ بها نَبيهُ- ﵇ فَمَنْ سئلَهَا من المسلمينَ على وَجْهِهَا فَليُعْطِهَا ومَن سُئلَ فَوقَها فلا يُعْطيه (١) : فيماَ دونَ خَمْسِ وعِشرين من الإِبل الغَنمُ، في كل خمس ذَود شَاَةَ، فإذا بًلَغَتْ خمسا وعشرينَ ففيها بنْتُ مَخَاضِ إلى أن تَبْلُغَ خَمسَاً وثلاثينَ، فإن لم يكُنْ فيها بنتُ مَخَاضِ فَابنُ لبون ذَكَرِ، فإذا بَلَغَتْ ستا وثلاثينَ ففيها بنتُ لبون إلى خمسِ وأربعينَ، فإذا بلَغَت ستا وأربعينَ ففيها حقة طَرُوقةُ الفحلِ إلى ستينَ، فإذا بلَغتْ إِحدَى وستينَ ففيها جَذَعَة إلى خمسِ وسَبعينَ، فإذا بَلَغتْ ستا وسَبعينَ ففيها ابنتا لبونِ علىِ تسعينَ، فإذا بلَغتْ إِحدَى وتسعينَ ففيها حقتان طَرُوقَتَا الفَحْلِ إلى عشرين ومائةِ، فإذا زَادَتْ على عِشرينَ ومِائةِ ففِي كَل أَرْبَعينَ بنتُ لبونِ،
стр. 2751
وفي كل خمسينَ حقة، فإذا تَبَايَنَ أسنانُ الإِبِل في فَرائِضٍ الصَدَقَات، فمَنْ بَلَغتْ عندَهُ صَدَقةُ اَلجَذعَة وليستْ عندَه جَذعَةَ وعندَه حقّة فإنها تُقْبَلُ منْه، وأن يَجعَلَ معها شاتينِ- إن اسْتيسَرَتَا له- أو عشرينَ درهما، ومَن بلَغتْ عندَه صَدَقةُ الحقة وليستْ عندَهُ حقة وعندَهُ جَذعَة، فإنها تُقْبَلُ منه، ويُعطيه المُصدِّقُ عشرينَ درْهَما، أو شاتين، ومَن بلغتْ عندَهُ صَدَقَةُ الحِقَّة، وليست عندَهُ حِقَّةَ، وعنده بنتُ (١) لبونِ، فإنها تُقْبَلُ مِنهُ".
قال أبو داودَ: "مِنْ ها هنا لم أضْبِطهُ عن موسى كما أحبُّ " ويَجْعَلُ مَعها شَاتينِ- إن اسْتَيْسَرَتَا له- أو عشرينَ درهماً ومَن بلغت عنده صَدَقَةُ بنت لَبُون، وليستْ عندَهُ إلا حقة، فإَنها تُقْبَل "- إلى ها هنا (٢) ، ثم أتقنت (٣) - ويُعطًيه المُصدقُ عشرينَ درهما، أو شَاتينِ، ومَنْ بَلَغَتْ عندَهُ صَدقَةُ بنتِ لَبُون ولشرح عندَهُ إلا بنتُ مَخَاضِ، فإنه تُقْبَلُ منه، وشَاَتين أو عشرينَ درهماً، ومَن بَلغتْ عندَهُ صَدَقَةُ بنت (٤) مَخَاضِ وليسَ عِندَهُ َإلا ابنَ لَبُون
ذكَرٍ، فإنها تُقْبَلُ منه (٥) وليسَ معه شَيء، ومَن لم يكُنْ عِنده إلا أربع فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربهَا، وفي سَائِمَةِ الغَنَم: إذا كانتْ أربعينَ ففيها شاة إلى عشرينَ ومائة، فإذا زَادتْ على عشرينَ ومائة ففيها شَاتَانِ، إلى أن تبلُغ مائتين، فإذا زَادت على مائتينِ ففيها ثَلاثُ شياهً إلى أن تَبلُغَ ثَلَثَمَائة، فإذا زَادتْ على ثَلَثمَائة ففي كُل مائة شاة شاة، ولان يؤخَذُ في الصَّدَقَة هَرمة، ولا ذَاتُ عَوَارٍ مِنَ الغَنًم، ولا تيسُ الغَنَم، إلا أن يَشاء المصدِّقُ، ولَا يُجمعُ بينَ مُتَفَرق (٦) ، ولا يُفرق بينَ مُجْتَمَعٍ خَشْيَةَ الصدَقَة، وما كانَ مِن خَليطَيْنِ فإنهماً يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِيَّةِ، فإن لم تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ أربعينَ فَليسَ
стр. 2752
فيها شيءٌ إلا أنْ يَشاء رَبُّهَا، وفي الرِّقَة ربع العُشْر، فإن لم يكُنْ المالُ إلا
تسعينَ ومائةِ فليسَ فيها شيء، إلا أنْ يشأ ربهَا " (١) .
ش- حماد بن سلمة.
وثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها،
سمع: أنس بن مالك، روى عنه: عبد الله بن عون، ويزيد بن حميد الربعي، ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وغيرهم، قال أحمد بن
حنبل: ثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس
به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي،
روى له الجماعة (٢)
قوله: " وعليه خاتم رسول الله- ﵇ "/ أي: طابعه، وعلامته، لأن خاتم الكتاب يصونه، ويمنع الناظرين عما في باطنه،
وتفتح تاؤه وتكسر، لغتين.
قوله: " مصدقا " نصب على الحال من الضمير المنصوب في " بعثه "،
والمصدق: بكسر الحل المشددة، وهو: عامل الزكاة الذي يستوفيها من
أربابها، يقال: صدقهم، يصدقهم، فهو مصدق، وقد جاءت اللغة
بتشديد الصاد والدال معا، وكسر الدال في طالب [.....] (٣) وأنكره [بعضهم] (٤) .
وقال الخطابي: المصدق بتخفيف الصاد: العامل.
قوله: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله- ﵇ "
ومعنى الفرض: الإيجاب، وذلك أن الله تعالى قد أوجبها، وأحكم
стр. 2753
عرضها في كتابه العزيز، ثم أمر رسوله بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء إليه، وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق، فجاز أن يُسميَ أمره، وتبليغه عن الله فرضا على هذا المعنى، وقيل: معنى الفرض هنا بيان التقدير، ومنه فرض نفقة الأزواج، وفرض أرزاق الجند، ومعناه راجع إلى قوله تعالى: ﴿لنبيّن للناس ما نُزّل إليهم﴾ (١) ، وقيل: معنى الفرض هنا: السنة، وعن ثعلَب، عن ابن الأعرابي: الفرض: الواجب، والفرض: القراءة، يقال: فرضت حزبي، أي: قرأته، والفرض: السنة، ومنه ما روي أنه- ﵇ فرض كذا، أي: سنه.
قوله: " فمن سئلها" أي: فمن سئل الصدقة، أي: الزكاة من المسلمين "على وجهها" أي: على حسب ما سن رسول الله من فرض مقاديرها "فليعطها ".
قوله: " ومن سئل فوقها" أي فوق الفريضة "فلا يعطيه " والمعنى: لا
يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئا من الزكاة لهذا المصدق، لأنه خان بطلبه فوق الواجب، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته، قال الخطابي (٢) : "وفي هذا دليل على أن الإمام، والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما ".
قوله: "فيما دون خمس وعشرين " إلى آخره، شروع في بيان كيفية (٣) الفريضة، وكيفية أخذها.
قوله: "الغنم" مبتدأ وخبره قوله: "فيما دون خمس وعشرين " وكلمة
"من" في قوله: " من الإبل" بيانية.
قوله: "في كل خمس ذود شاة" بيان كون الغنم فيما دون الخمس والعشرين، وارتفاع "شاة" على الابتداء، وخبره قوله: "في كل خمس ذود" وتفسير "الذود" مر مستوفى.
стр. 2754
قوله: "ففيها بنت مخاض" (١) المخاض: اسم للنوق الحوامل،
واحدتها "خَلِفَة "، لا واحد لها من لفظهما، وبنت مخاض، وابن
مخاض ما دخل في السنة الثانية، لأن أمه لحقت بالمخاض، وهي الحوامل
وإن لم تكن حاملا، وقيل: هو الذي حملت أمه، أو حملت الإبل التي
فيها أمه، وإن لم تحمل هي، وهذا هو المعنى في قولهم: ابن مخاض،
لأن الناقة الواحدة لا تكون بنت نوق، فالمراد أن يكون وضعتْهَا أمها في
وقت قد حملت النوق التي وضعن مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملا،
فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها أمها، وإنما سمي ابن مخاض في
السنة الثانية، لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإبل بعد وضعها
بسنة ليشتد ولدها، فهي تحمل في السنة الثانية ومخض، فيكون ولدها
ابن مخاض".
قوله: "فابن لبون " أي: ففيها ابن لبون، وابن البون هو ولد الناقة
إذا استكمل الثانية، ودخل في الثالثة، لأن أمه قد وضعت غيره، فصار
لها ابن وهو نكرة، ويعرف بالألف واللام، قال الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لَزَّ في قَرَن ... لم يستطع صولة البزْلِ القناعيس
لزه يلزه لزا، ولززا، أي: شده وألصقه، والقرن بفتح الراء: الحبل
الذي يقرن به البعيران، والبزل بضم الباء الموحدة، وسكون الزاي جمع
بازل، وهو البعير الذي فطر نابه، أي (٢) : انشق ذكرا كان أو أنثى،
وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة والقناعيس جمع قنعاس، والقنعاس من الإبل: العظيم.
قوله: "ذكر " مرفوع، لأنه صفة للابن، وإنما ذكر هذا تأكيدا،
وقيل: احترازا من الخنثى، فقد أطلق عليه الاسمان، وقيل: تنبيها على نقص الذكورية في الزكاة مع ارتفاع السن، وقيلت: لأن/ الولد يقع على
стр. 2755
الذكر، والأنثى، ثم قد يوضع الابن موضع الولد فيتعين به عن الذكر والأنثى، فعينه بذكر ليزول الالتباس، وقيل: لأن " ابن " يقال لذكر بعض الحيوانات، وإناثه، كابن آوى، وابن عرس، لا يقال: بنت آوى، ولا بنت عرس، فرفع الإشكال بذكر الذكر.
قوله: "حقة " الحقة، والحق هو الذي استكمل السنة الثالثة، قاله القروي، وقال غيره: هو ما كان ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة، وقيل: هو ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسميت: حقة، لأنها استحقت أن يضربها الفحل، وقيل: لأنها تستحق الحمل والركوب، وقيل: لأن أمها استحقت الحمل من العام المقبل.
قوله: " طروقة الفحل " بالرفع، لأنه صفة للحقة، ومعناها: زوجة الفحل، وكل امرأة طروقة روجها، وكل ناقة طروقة فحلها، واشتقاقها من الطرق وهو ماء الفحل، وقيل: هو التراب ثم سمي به الماء، واستطراق الفحل استعارته الضراب، وإطراقه إعارته.
قوله: "ففيها جذعة" الجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، والجذع اسم له في زمن ليس سن.
قوله: " فإذا زادت على عشرين ومائة" إلى هنا لا خلاف فيه بين الأئمة، وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول الله- ﵇ والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين، فعندنا تستأنف الفريضة، فتكون في الخمس شاة مع الحقان، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى مائة وخمسين، فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مائة وستا وتسعة ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة أبدا كما تستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين، وهو قول إبراهيم النخعي، وقد روي
стр. 2756
عن علي- ﵁ أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة "وقال الشافعي: "إذا زادت على مائة وعشرين واحدة
ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون،
ثم يدار الحساب على الأربعينات، والخمسينات، فيجب في كل أربعين
بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وبه قال إسحاق بن راهويه، وقال
أحمد: " ليس في الزيادة شيء حتى يبلغ ثلاثين " وجعلها من الأوقاص
التي تكون من الفرائض، وهو قول أبي عبيد، وحُكي ذلك عن مالك،
وعن مالك، وأحمد في رواية: "لو زادت عشرة على مائة وعشرين
ففيها حقة، وبنتا لبون " وعن مالك "لو زادت واحدة على مائة وعشرين
فالخيرةُ للساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون " وقال محمد بن جرير الطبَري: "هو مخير، إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين وإن شاء أخرج الفرائض، لأن الخبرين جميعا قد رويا"،
واستدل الشافعي بهذا الحديث، لأنه ذكر فيه: "فإذا زادت على عشرين
ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
واستدل أصحابنا بما رواه أبو داود في " المراسيل "، وإسحاق بن
راهويه في "مسنده"، والطحاوي في "مشكله "، عن حماد بن سلمة،
قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني
كتابا، أخبر أنه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي ﵇ كتبه لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل،
فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة "فإذا كانت كثر من عشرين ومائة
فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه
الغنم، في كل خمس ذود شاة، "
وأما الذي استدل به الشافعي فنحن قد عملنا به، لأنا أوجبنا في
الأربعين بنت لبون، فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين، وكذلك أوجبنا في خمسين حقة، وهذا الحديث لا يتعرض لنفي الواجب عما دونه، وإنما هو عمل/ لمفهوم النص، فنحن عملنا بالنصين، وهو أعرض عن العمل بما روينا.
стр. 2757
فإن قيل: قال ابن الجوزي: هذا الحديث مرسل، وقال هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري، وابن المبارك، وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، مثل قولنا، ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم، بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق، وهي في الصحيح، وبها عمل الخلفاء الأربعة، وقال البيهقي: هذا حديث منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبي- ﵇ وقيس بن سعد أخذه عن كتاب، لا عن سماع وكذلك حماد بن سلمه أخذه عن كتاب، لا عن سماع، وقيس بن سعد، وحماد بن سلمه وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه تخالف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم، وغيره، وحماد بن سلمه ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما ينفرد به، وخاصة عن قيس بن سعد، وأمثاله.
قلنا: الأخذ من الكتاب حجة، صرح البيهقي في كتاب "المدخل ":
إن الحجة تقوم بالكتاب وإن كان السماع أولى منه بالقبول، والعجب من البيهقي أنه يصرح بمثل هذا القول، ثم ينفيه في الموضع الذي يقوم عليه الحجة، وقوله: "وبها عمل الخلفاء الأربعة " غير مسلم، لأن ابن أبي شيبة روى في "مصنفه": نا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة" ونا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
فإن قيل: قال البيهقي: قال الشافعي في " كتابه القديم ": راوي هذا مجهول، عن علي- ﵁ وأكثر الرواة عن ذلك المجهول يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه، وأن هذا ليس في حديثه. قلنا: الذي رواه عن علي- ﵁ هو عاصم بن ضمرة- كما ذكرناه- وهو ليس بمجهول، بل معروف، روى عنه: الحكم، وأبو إسحاق
стр. 2758
السبيعي، وغيرهما، ووثقه ابن المديني، والعجلي، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة، وإن أراد الشافعي بقوله: "يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه أبا إسحاق السبيعي " فلم يقل أحد غيره ابنه غلط، وقد ذكر البيهقي، وغيره، عن يعقوب الفارسي وغيره من الأئمة، أنهم أحالوا بالغلط على عاصم، وأما قول البيهقي: "وحماد بن سلمه ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه " فصادر عن تعسف، وتمحل، لأنه لم يُرَ أحد من أئمة هذا الشأن ذكر حمادا بشيء من ذلك، والعجب منه أنه اقتصر فيه على هذا المقدار، لأنه ذكره في غير هذا الموضع بأسوأ منه، وقوله: "وخاصة عن قيس بن سعد " باطل، وما لقيس بن سعد؟! فإنه وثقه كثيرون، وأخرج له مسلم. على أن روايتهم التي يستدلون بها غير سالمة عن النزاع، فإن الدارقطني ذكر في كتاب " التتبع على الصحيحين " أن ثمامة لم يسمعه من أنس، ولا سمعه عبد الله ابن المثنى من ثمامة انتهى.
وكيف يقول البيهقي: وروينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس من أوجه صحيحة، وفي "الأطراف " للمقدسي: قيل لابن معين: حديث ثمامة، عن أنس في الصدقات؟ قال: لا يصح، وليس بشيء، ولا يصح في هذا حديث في الصدقات، وفي إحدى روايات البيهقي: عبد الله بن المثنى قال الساجي: ضعيف، منكر الحديث، وقال أبو داود: لا أخرج حديثه، وذكره ابن الجوزي في "الضعفاء"، وقال: قال أبو سلمة: كان ضعيفا في الحديث.
قوله: "فإذا تباين أسنان الإبل" أي: إذا اختلف أعمارها في الصغر، والكبر.
قوله:" فمن بلغت عنده صدقة الجذعة" إلى آخره، تفسير حكم التباين، والمعنى من كان عنده من الإبل النصاب الذي تجب فيه الجذعة، وليست عنده جذعة، والواو فيه للحال، " وعنده حقة" والواو فيه أيضا للحال. قوله: "فإنها تقبل منه " جواب قوله: "فمن بلغت " أي: فإن الحقة
стр. 2759
تقبل منه، والمعنى أخذها يجزئ عن الجذعة، مع دفع الشاتين معها- إن
وجد ذلك- وهو معنى قوله: "وأن يجعل/ معها" أي: مع الحقة "شاتين " إن استيسرتا له، أي: كانتا موجودتين في ماشيته، وقال
الخطابي (١) : وفيه دليل على أن الخيار في ذلك إلى رب الإبل، أيهما شاء أعطى.
قلت: ظاهر ما في "الهداية" يدل على أن الخيار إلى المصدق وهو
قوله: "ومن وجب عليه مسن فلم يوجد أخذ المصدق أعلى منها، ورد
النفل، أو أخذ دونها، وأخذ الفضل ".
وقال محيي الدين في "المبسوط": الصواب أن الخيار إلى من عليه،
لأن الخيار شرع رفقا لمن عليه الواجب، والرفق إنما يتحقق بتخييره.
قوله: "أو عشرين. درهما" أي: أو يجعل عشرين درهما بدلا عن
الشاتين، وفيه دليل على أن دفع القيم جائز خلافا للشافعي، وأيضا فإن
قوله تعالى: ﴿خُذْ منْ أمْوَالهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) جعل فيه محل الأخذ ما
يسمى مالا، ثم التقييدَ بأيها: َ شاة أو نحوه، زيادة على كتاب الله، وأنه
يجري مجرى النسخ، فلا يجوز ذلك بخبر الواحد، والقياس، وأما ما
ورد من ذكر عن الشاة وذكر عين صنف من أصناف الإبل، والبقر فلبيان
الواجب بما سمي، وتخصيص المسمى لبيان أنه أيسر على صاحب الماشية،
ألا ترى أنه- ﵇ قال: "في الخمس من الإبل شاة " وحرف
"في " حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، عرفنا أنْ المراد
قدرها من المال.
قال الخطابي (٣) : وفيه من الفقه أن كل واحدة من الشاتين والعشرين
درهما أصل في نفسه، ليست ببدل، وذلك أنه قد خيره بحرف " أو".
قلنا: لا دليل له على هذا الكلام، بل التخيير يدل على أن الأصل
стр. 2760
قدرها من المال- كما قررناه- ثم قال (١) : "وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعي، والشافعي، وإسحاق ابن راهويه، وقال الثوري: عشرة دراهم وشاتان، وإليه ذهب أبو عبيد، وقال مالك: يجب على رب المال أن يبتاع للمصدق السن الذي يجب له، وقال أصحاب الرأي: يأخذ قيمة الذي وجب عليه، وإن شاء تقاصا بالفصل الدراهم".
قوله: "عن موسى " أي: عن موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي شيخ أبي داود.
قوله: "فإنها تقبل منه، وليس معه شيء " أي: مع ابن لبون لا يجب شيء من الماء والدراهم، وظاهر هذا اللفظ أن ابن لبون يقبل منه سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض، أو لم يكن، وفيه دليل على أن ابنة المخاض ما دامت موجودة فإن ابن اللبون لا يجزئ عنها.
وقال الخطابي (٢) : "ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل
بدل ابنة مخاض قيمتها، دون أن يؤخذ الذكران من الإبل، فإن سُنة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث، إلا ما جاء في البقر من التسع ". قلنا: إنما أخذ ابن لبون هاهنا موضع ابنة مخاض رفقا بصاحب المال،
لأن غالب أموال العرب كانت الإبل، والدراهم عندهم قليل جدا، فجعل ذلك بناء على الرفق بهم، لا أن أخذ القيمة لم يجز، وتنصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ولا في اللفظ ما يمنع جواز أخذ القيمة صريحا فافهم.
قوله: "ومن لم يكن عنده ألا أربع " أي: إلا أربع من الإبل "فليس فيها شيء"، أي: صدقة، لعدم كمال النصاب، "إلا إن يشاء ربها"، أي: صاحبها، بأن أراد أن يتصدق تبرعا فله ذلك، و ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ (٣) .
стр. 2761
قوله: " وفي سائمة الغنم " إشارة إلى بيان كيفية الزكاة في الغنم
السائمة، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتجب الزكاة في سائمة الغنم إذا
كانت أربعة، أو: وفي سائمة الغنم زكاة إذا كانت أربعة، فبين فيه
وجوب الزكاة في الغنم عند الأربعة، ولكن لم يعلم كمية الواجب،
فأشار إلى ذلك بقوله: " ففيها" أي: ففي الأربعة شاة إلى عشرين
ومائة، وتقييدها بالسوم يدل على أنها إذا كانت معلوفة لا تجب الزكاة
فيها، ولا خلاف في هذا الفصل عند الجمهور، وهو قول عامة الفقهاء:
الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم،
وقال الحسن بن صالح بن حي: إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع
شياه.
قوله: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة" بفتح الهاء، وكسر الراء أي (١) :
كبيرة في السن، ومن هذا قال أصحابنا: ولا يأخذ المصدق خيار المال،
ولا رذالته، ويأخذ الوسط، وذلك/ لأن حق الفقراء إنما هو في النمط الأوسط من المال، فلا يأخذ المصدق خياره فيجحف بأرباب الأموال، ولا شراره فيزري بحقوق الفقراء.
قوله: " ولا ذات عوار من الغنم " أي: ولا يؤخذ أيضا ذات عوار،
العوار- بفتح العن- وهو: العيب في بهيمة، أو ثوب، أو غيرهما،
قال الجوهري: وقد يضم، والعوار- بالضم، وتشديد الواو-. في
العين كثرة قذاها، والعُوَار- بالضم، وتخفيف الواو- ذهاب إحدى
العينين.
وقال الخطابي (٢) : وإنما لا يأخذ ذات العوار ما دام في المال شيء سليم
لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبا فإنه يأخذ واحدا من أوسطه، وهو
قول الشافعي، وقال: إذا وجب في خمس من إبله شاة، وكلها معيبة،
стр. 2762
فطلب أن يؤخذ منه واحد منها أخذ، وإن لم يبلغ قيمته قيمة شاة، وقال مالك: يكلف أن يأتي بصحيحة، ولا يؤخذ منه مريض.
قلت: وفي " فتاوى الولوالجي": ويحسب الأعمى، والمريض، والأعرج في العدد، ولا يؤخذ في الصدقة.
قوله: " ولا تيس الغنم " أي: ولا يؤخذ تيس الغنم، يريد به فحل الغنم.
وقال الخطابي (١) : وقد زعم بعض الناس أن تيس الغنم إنما لا يؤخذ
من قبل الفضيلة، وليس الأمر كذلك، وإنما لا يؤخذ لنقصه، وفساد لحمه.
قوله: " إلا أن يشأ المصدق " بكسر الدال، أي: العامل، وفيه دلالة على أن له الاجتهاد، لأن يده كَيَد المساكين، وهو بمنزلة الوكيل لهم، ألا ترى أنه يأخذ أجرته من مالهم؟ وكان أبو عبيد يرويه: " إلا أن يشاء المصدق" بفتح الدال، يريد صاحب الماشية، والعامة خالفوه، فقالوا بكسر الدال، وأرادوا به العامل.
قوله: " ولا يجمع بين متفرق" صورته أن يكون لهذا أربعون شاة، ولذاك أربعون أيضا، وللآخر أربعون، فجمعوها حتى لا يكون فيها إلا شاة، وهذا هو جمع المتفرق، وإنما نهي عنه، لأنه هروب عن أداء الحق الواجب عليه، وإجحاف في حق الفقير، ويقال: الجمع بين المتفرق هو: الحلال، وروي "لا خلاط، ولا وراط " والمراد به أن يخلط رجل إبله بإبل غيره، أو بقره، أو غنمه ليمنع حق الله منها، ويبخس المصدق فيما يجب له.
قلت: هذا على مذهب الشافعي إذ الخلطة مؤثرة عنده، وأما عند أبي حنيفة فلا أثر لها، ويكون معنى الحديث نفي الخلاط لنفي الأثر، كأنه يقول: لا أثر لتخلطه في تقليل الزكاة، وتكثيرها، وذهب أحمد
стр. 2763
إلى أن معناه: لو كان لرجل بالكوفة أربعون شاة، وبالبصرة أربعون كان عليه شاتان، لقوله: " لا يجمع بين متفرق " ولو كان له ببغداد عشرون، وبالكوفة عشرون لا شيء عليه، ولو كانت له إبل في بلدان شتى جمعت وجبت فيها الزكاة، وإن لم تجمع لم تجب في كل بلد، لا يجب عليه فيها شيء.
قوله:" ولا يفرق بين مجتمع" صورته أن يكون شريكان ولكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما في حالتهما ثلاث شياه، ثم يفرقان عنهما عند طلب الساعي الزكاة، فلم يكن على كل منهما إلا شاة واحدة.
قوله:" خشية الصدقة" نصب على التعليل، أي: لأجل خوف الصدقة، قال الشافعي: الخطاب في هذا للمصدق، ولرب المال، قال: والخشية خشيتان: خشية الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يقل ماله، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئا من الجمع، والتفريق.
قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " معناه أن يكونا شريكين في إبل تجب فيها الغنم، فتؤخذ الإبل في يد أحدهما، فتؤخذ منه صدقتها، فإنه يرجع على شريكه بحصته على السوية، وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلمه فأخذ منه زيادة على فرضه، فانه لا يرجع بها على شريكه، وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة، التي هي ظلم، وذلك معنى قوله: " بالسوية"، وقد يكون تراجعهما أيضا من وجه آخر، وهو أن يكون بين رجلين أربعون شاة، لكل منهما عشرون، قد عرف كل منهما عين ماله، فأخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على شريكه بقيمة نصف شاة.
وقال الخطابي (١) : وفيه دليل على أن الخلطة تصح مع تميز أعيان
стр. 2764
الأموال، وقد روي عن: عطاء، وطاوس أنهما قالا: إذا عرف الخليطان
كل واحد منهما أموالهما، فليسا بخليطين، وقد اختلف مالك، والشافعي/ في شرط الخلطة، فقال مالك: إذا كان الراعي، والفحل، والمرشح واحدا فهما خليطان، وكذلك قال الأوزاعي، وقال مالك: إن
فرقهما المبيت: هذه في قرية، وهذه في قرية، فهما خليطان، وقال
الشافعي: إن فرق بينهما في المراح فليسا بخليطين، واشترط في الخلط
المراح، والمسرح، والسقي، واختلاط الفحولة، وقال: إذا افترقا في
شيء من هذه الخصال فليسا بخليطين، إلا أن مالكا قال: لا يكونان
خليطين حتى يكون لكل واحد منهما تمام النصاب، وعند الشافعي: إذا
تم بمالهما نصاب فهما خليطان، وإن كان لأحدهما شاة واحدة.
وقد ذكرت في شرحي على "المجمع " أن النصاب الواحد بين اثنين
تجب عليهما زكاة عند الشافعي إذا اتحدت أسباب الإقامة وهي: الفحل،
والمسرح، والمراح، والراعي، والمشرع، والمحلب، وأهلية الزكاة،
ووجود الأخلاط في أول السنة، والقصد في الأخلاط، فهذه تسعة
أشياء، يجمعه قولك: " أوص مر بشفع " وعندنا لا يجب، والاختلاط
ليس بمؤثر لقوله- ﵇:" لا صدقة إلا عن ظهر غنى " وملك
بعض النصاب ليس بغنى.
قوله: "فإن لم يبلغ سائمة الرجل أربعين " أي شاة، فليس فيها شيء
لعدم كمال النصاب، إلا أن يشاء صاحبها، تطوعا.
قوله: "وفي الرقة ريع العشر" أي: الواجب في الفضة ربع عشرها،
مثلا إذا كانت مائتا درهم، فزكاتها خمسة دراهم، وفي أربعمائة عشرة،
وفي ألف خمسة وعشرون، وفي عشرة آلاف مائتان وخمسون درهما،
وفي عشرين ألفا خمسمائة، وفي أربعين ألفا ألف، وفي مائة ألف ألفان، وخمسمائة، وهلم جرا، "الرقة" بكسر الراء، وفتح القاف المخففة:
الورق، وهي الدراهم المضروبة، والهاء في "الرقة" عوض من
"الواو"، أصلها "ورق" فلما حذفت الواو عوض عنها الهاء، فصار
стр. 2765
"رقة"، كعدة أصلها "وعد" ويجمع على "رقين"، مثل "إرة" و "إرين".
قوله: "فإن لم يكن المال " أي: الدراهم "إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء" لعدم كمال النصاب " إلا أن يتطوع صاحبها ". والحديث أخرجه النسائي، وأخرجه البخاري، وابن ماجه من حديث عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة، وأخرجه الدارقطني (١) من حديث النضر ابن جميل، عن حماد بن سلمة، قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس، فحدثه عن أنس بن مالك، عن رسول الله- ﵇ وقال: إسناد صحيح، وكلهم ثقات، وقال الشافعي: حديث أنس حديث ثابت من جهة حماد بن سلمة، وغيره عن رسول الله- ﵇ وبه يأخذ، وقال البيهقي في "المعرفة": هذا حديث صحيح موصول، إلا أن بعض الرواة قصر به، فرواه كذلك- يعني سند أبي داود- ثم إن بعض من يدعي معرفة الآثار تعلق عليه، وقال: هذا منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى، عن عمه، عن أنس، وأنتم لا تجعلون ابن المثنى حجة، ولم يعلم أن يونس بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر كتب له. وقد أخرجناه في كتاب "السنن"، وكذلك رواه شريح ابن النعمان، عن حماد بن سلمة به. ورواه إسحاق بن راهويه- وهو إمام- عن النضر بن جميل، وهو أتقن أصحاب حماد، قال: ولا نعلم أحدا استقصى في انتقاد الرواة ما استقصاه محمد بن إسماعيل البخاري، مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها، وهو قد اعتمد فيه على حديث، بن المثنى، فأخرجه في "صحيحه " وذلك لكثرة الشواهد له بالصحة" (٢) .
قلت: العجب من البيهقي، جعل العمدة في كلامه هذا عن حماد بن سلمة، وقال في "سننه " في "باب من صلى وفي ثوبه أو نعله أذى"
стр. 2766
حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، كل منهم مختلف في عدالته، وأما ابن المثنى فقد مر الكلام فيه عن قريب.
١٦٨٧- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: " كَتَبَ، رَسولُ الله ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ/ فلم يُخْرِجْهُ إلى عُمَّالِه حتى قُبضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ به أبو بكرٍ حتى قُبِضَ، ثم عَمِلَ به عُمر حتى قُبَضَ، فكانَ فيه: في خمسٍ من الإِبِلِ شاة، وفي عَشْرٍ شَاتَانِ، وفي خمسِ عَشْرَة ثَلاثُ شياه، وفي عِشرينَ أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرينَ بنتُ (١) مَخَاضٍ إلى خمسٍ وثلاثينَ، فإن زَادت واحدة ففيها بنتُ (٢) لَبُون، إلى خمس وأربعينَ، فإذا زَادَتْ وَاحدة ففيها حرة إلى ستينَ، فإذاً زَادتْ واحدة فَجَذَعَة (٣) إلى خمسٍ وسبعينَ، فإذا زادت واحدة ففيها بنتَا (٤) لَبُون إلى تسعين، فإذا زَادتْ وَاحدة ففيها حقتانِ إلى عشرينَ ومائةٍ، فإن كَانتْ لإِبِلُ أكثر من ذلك ففي كلِّ خمسينَ حقة، وفي كَلِّ أربعينَ بنتُ (١) لَبُون، وفي الغَنَم: في كلِّ أربعينَ شَاةً شَاة إلاَ عشرِينَ ومائة، فإن زَادتْ وَاحدة فَشَاتَانِ إلى المائتين، فإذا زَادتْ على المائتينِ فَفيها ثَلاث (٥) أي ثَلَثَمَائةٍ، فإن كانت الغَنَمُ أكثر من ذلك ففي كلِّ مائةِ شَاةٍ شَاة، ليس (٦) فيها شيء حتى تَبْلُغً المائةَ، ولا يُفَرقُ بينَ مُجْتمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصدقةِ، وما كان مِن خَلِيطَينِ فإنهما يَتَرَاجَعَانِ بالسَّوِيةِ (٧) ، ولا يُؤْخَذُ في الصدَقَةِ هَرِمَة، ولا ذات عَيْبٍ " (٨)
стр. 2767
ش- عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن صعب (١) بن جندل أبو سهل الكلابي الواسطي مولى أسلم بن زرعة الكلابي الواسطي، سمع: أبا إسحاق السبيعي، وعبد الله بن عون، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان بن حسين، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبناء أبي شيبة، والحسن بن عرفة، وغيرهم، قال أبو حاتم، وابن معين: ثقة، وعن أحمد: هو مضطرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، مات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائة، وقال ابن سعد: كان يتشيع، وأخذه هارون فحبسه زمانا ثم خلى عنه، روى له الجماعة (٢) .
وسفيان بن حسين بن حسن السلمي مولاهم الواسطي أبو محمد، وقيل: أبو المؤمل، وقيل: مولى عبد الرحمن بن سمرة، سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، والزهري وغيرهم، روى عنه: شعبة، ويزيد بن هارون، وعباد بن العوام، ومحمد بن يزيد، وغيرهم، وقال أحمد بن عبد الله: واسطي ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وليس من أكابر أصحاب الزهري، وقال أيضا: ثقة، وقال ابن سعد: هو ثقة، يخطئ في حديثه كثيرا، وقال أحمد بن سعد: سمعت يحيى بن معين، يقول: سفيان بن حسين في غير الزهري ثقة لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح الحديث، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس فيها، مات بالري في خلافة المهدي، روى له: الجماعة إلا البخاري، كذا في الكمال (٣) .
قلت: استشهد به البخاري في الكسوف.
وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵃.
وألفاظ الحديث شرحناها في الحديث الماضي وأخرجه (٤) : الترمذي،
стр. 2768
وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روى يونس بن يزيد، وغير واحد عن الزهري، عن سالم، هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين [وقال المنذري: وسفيان بن حسين] (١) أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمانُ بن كثير، وهو ممن اتفق البخاري، ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال الترمذي في كتاب "العلل ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.
ورواه أحمد في " مسنده" (٢) ، والحاكم في "مستدركه" (٣) ، وقال: سفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين، وهو أحد أئمة الحديث، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وله شاهد صحيح، وإن كان فيه إرسال" (٤) . قلت: ذكر البيهقي حديث سفيان بن حسين هذا، ثم قال: قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحا، وسفيان بن حسين صدوق، والعجب منه أنه قال في " باب الدابة تنفح برجلها": عن ابن معين أنه قال: سفيان بن حسين ضعيف الحديث في الزهري، وقال ابن حبان: يروي عن الزهري المقلوبات، وفي " الميزان": قال أبو يعلى:/ قيل لابن معين: حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في الصدقات؟ قال: لم يتابعه عليه أحد، ليس يصح، وقال ابن عدي: رواه جماعة عن الزهري موقوفا، ثم ذكر البيهقي أن سليمان بن كثير وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية.
قلت: سليمان هذا ضعفه ابن معين، كذا ذكر ابن الجوزي، وفي "الكاشف " للذهبي: ليس به بأس إلا في الزهري.
стр. 2769
ص- قال: وقال الزهريُ: " إذا جاء المُصدِّقُ قسمت الشاء أثلاثا: ثُلُث (١) شرار، وثُلُث (١) خيار، وثُلُثٌ (١) وَسَط، يأخذ (٢) المصدقُ من الوَسَطِ" وَلم يذكرِ الزهريُّ اَلبَقَرَ.
ش- أي: قال سفيان بن حسين: قال محمد بن مسلم الزهري، والشاء جمع شاة، والمراد من الشرار المهازيل المتغيرة، ومن الخيار السمان الجياد.
قوله: " ولم يذكر الزهري البقر " أي: حكم البقر في الزكاة.
١٦٨٨- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد الواسطي، أنا سفيان بن حسين، بإسناده ومعناه، قال: " فإن لم تكُنْ بنت (٣) مَخَاضٍ فابنُ لَبُونٍ " ولم يذكرْ كَلامَ الزهري (٤) .
ش- محمد بن يزيد الواسطي أبو سعيد الكلاعي، ويقال: أبو إسحاق ويقال: أبو يزيد، سمع: سفيان بن حسين، وعاصم بن رجاء بن حيوة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: كان ثبتا في الحديث، توفي أواسط سنة ثمان وثمانين ومائة، ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٥) .
قوله: " ولم يذكر كلام الزهري" وهو قوله: " إذا جاء المصدق " إلى آخره.
١٦٨٩- ص- نا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: هذه نُسخةُ كِتاب رسولِ الله- ﵇ الذي كَتَبَهُ في الصدَقَةِ، وهيَ عند آل عُمرَ بنِ اَلخطابِ، قَال ابنُ شِهابٍ: أقْرَأنِيَها
стр. 2770
سالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عُمَر، فَوَعَيْتُهَا على وَجْهِهَا، وهيَ التي انْتَسَخَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ مِن عَبد الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَر، وسالم بنِ عبد الله بنِ عُمرَ، فذكَر الحديثَ: " فَإذا كَانتْ إِحْدَى وعشرينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُون، حتى تَبْلُغَ تسعا وعشرينَ ومائة، فإذا كَانتْ ثلاثينَ ومائة ففيها ابنتا (١) لَبُون وحِقَّة، حتى تَبْلُغَ تسعا وثلاثينَ ومائةً، فإذا كانتْ أربعينَ ومائةً ففيها حقتانِ وبنتُ لَبُون، حتى تَبلُغَ تسعا وأربعينَ ومائةً، فإذا كانت خمسينَ ومائةً فَفيها ثلاثُ حِقَاق، حتى تبلُغَ تسعا وخمسينَ ومائةً، فإذا كانت سِتينَ ومائةً ففيها أرْبَعُ بناتِ لبون حتى تبلُغَ تسعا وستينَ ومائةً، فإذا كانتْ سبعينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُوًن وحقة، حتى تبلُغَ تسعا وسبعينَ ومائةً، فإذا كانت ثمانينَ ومائةً ففيها حقتاَنِ وَابنتَا لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وثمانينَ ومائةً، فإذا كانتْ تسعينَ ومائةًَ ففيها ثَلاثُ حقَاق وابنةُ (٢) لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وتسعينَ ومائةً، فإذا كانتْ مائتين ففَيهاً أربَعُ حقَاق، أو خمسُ بناتٍ لَبُون، أيُ السنيْنِ وَجدتَ أخذتَ، وفي سَائمَة الغًنَم " فذكرَ نحوَ حديث سفيان بنِ حُسَين، وفيه:" ولا تُؤْخَذُ (٣) في الصًدَقةِ هَرِمَة، ولا ذات عَوَارٍ من الغَنَم، ولا تيس الغَنَم، إلا أن يَشَأ المصدَّقُ " (٤) .
ش- عبد الله بن المبارك، ويونس بن يزيد الأيلي القرشي.
قوله:" فوعيتها" أي: حفظتها.
قوله:" أي السنين " تثنية سن، السن هي المعروفة ثم سمي بها صاحبها، كالناب للمسنة من النوق، ثم استعيرت لغيره كابن المخاض، وابن اللبون، وأراد به المسن، أو ذات السن، والسن يذكر لذات السن من الحيوان دون الإنسان، لأن عمر الدواب يعرف بالسن، وهذا الحديث مرسل- كما أشار أيه الترمذي-.
١٦٩٠- ص- نا القعنبي، قال مالك: وقولُ عُمرَ بنِ الخطابِ: "لا