حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، كل منهم مختلف في عدالته، وأما ابن المثنى فقد مر الكلام فيه عن قريب.
١٦٨٧- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: " كَتَبَ، رَسولُ الله ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ/ فلم يُخْرِجْهُ إلى عُمَّالِه حتى قُبضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ به أبو بكرٍ حتى قُبِضَ، ثم عَمِلَ به عُمر حتى قُبَضَ، فكانَ فيه: في خمسٍ من الإِبِلِ شاة، وفي عَشْرٍ شَاتَانِ، وفي خمسِ عَشْرَة ثَلاثُ شياه، وفي عِشرينَ أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرينَ بنتُ (١) مَخَاضٍ إلى خمسٍ وثلاثينَ، فإن زَادت واحدة ففيها بنتُ (٢) لَبُون، إلى خمس وأربعينَ، فإذا زَادَتْ وَاحدة ففيها حرة إلى ستينَ، فإذاً زَادتْ واحدة فَجَذَعَة (٣) إلى خمسٍ وسبعينَ، فإذا زادت واحدة ففيها بنتَا (٤) لَبُون إلى تسعين، فإذا زَادتْ وَاحدة ففيها حقتانِ إلى عشرينَ ومائةٍ، فإن كَانتْ لإِبِلُ أكثر من ذلك ففي كلِّ خمسينَ حقة، وفي كَلِّ أربعينَ بنتُ (١) لَبُون، وفي الغَنَم: في كلِّ أربعينَ شَاةً شَاة إلاَ عشرِينَ ومائة، فإن زَادتْ وَاحدة فَشَاتَانِ إلى المائتين، فإذا زَادتْ على المائتينِ فَفيها ثَلاث (٥) أي ثَلَثَمَائةٍ، فإن كانت الغَنَمُ أكثر من ذلك ففي كلِّ مائةِ شَاةٍ شَاة، ليس (٦) فيها شيء حتى تَبْلُغً المائةَ، ولا يُفَرقُ بينَ مُجْتمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصدقةِ، وما كان مِن خَلِيطَينِ فإنهما يَتَرَاجَعَانِ بالسَّوِيةِ (٧) ، ولا يُؤْخَذُ في الصدَقَةِ هَرِمَة، ولا ذات عَيْبٍ " (٨)
стр. 2767
ش- عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن صعب (١) بن جندل أبو سهل الكلابي الواسطي مولى أسلم بن زرعة الكلابي الواسطي، سمع: أبا إسحاق السبيعي، وعبد الله بن عون، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان بن حسين، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبناء أبي شيبة، والحسن بن عرفة، وغيرهم، قال أبو حاتم، وابن معين: ثقة، وعن أحمد: هو مضطرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، مات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائة، وقال ابن سعد: كان يتشيع، وأخذه هارون فحبسه زمانا ثم خلى عنه، روى له الجماعة (٢) .
وسفيان بن حسين بن حسن السلمي مولاهم الواسطي أبو محمد، وقيل: أبو المؤمل، وقيل: مولى عبد الرحمن بن سمرة، سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، والزهري وغيرهم، روى عنه: شعبة، ويزيد بن هارون، وعباد بن العوام، ومحمد بن يزيد، وغيرهم، وقال أحمد بن عبد الله: واسطي ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وليس من أكابر أصحاب الزهري، وقال أيضا: ثقة، وقال ابن سعد: هو ثقة، يخطئ في حديثه كثيرا، وقال أحمد بن سعد: سمعت يحيى بن معين، يقول: سفيان بن حسين في غير الزهري ثقة لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح الحديث، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس فيها، مات بالري في خلافة المهدي، روى له: الجماعة إلا البخاري، كذا في الكمال (٣) .
قلت: استشهد به البخاري في الكسوف.
وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵃.
وألفاظ الحديث شرحناها في الحديث الماضي وأخرجه (٤) : الترمذي،
стр. 2768
وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روى يونس بن يزيد، وغير واحد عن الزهري، عن سالم، هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين [وقال المنذري: وسفيان بن حسين] (١) أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمانُ بن كثير، وهو ممن اتفق البخاري، ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال الترمذي في كتاب "العلل ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.
ورواه أحمد في " مسنده" (٢) ، والحاكم في "مستدركه" (٣) ، وقال: سفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين، وهو أحد أئمة الحديث، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وله شاهد صحيح، وإن كان فيه إرسال" (٤) . قلت: ذكر البيهقي حديث سفيان بن حسين هذا، ثم قال: قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحا، وسفيان بن حسين صدوق، والعجب منه أنه قال في " باب الدابة تنفح برجلها": عن ابن معين أنه قال: سفيان بن حسين ضعيف الحديث في الزهري، وقال ابن حبان: يروي عن الزهري المقلوبات، وفي " الميزان": قال أبو يعلى:/ قيل لابن معين: حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في الصدقات؟ قال: لم يتابعه عليه أحد، ليس يصح، وقال ابن عدي: رواه جماعة عن الزهري موقوفا، ثم ذكر البيهقي أن سليمان بن كثير وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية.
قلت: سليمان هذا ضعفه ابن معين، كذا ذكر ابن الجوزي، وفي "الكاشف " للذهبي: ليس به بأس إلا في الزهري.
стр. 2769
ص- قال: وقال الزهريُ: " إذا جاء المُصدِّقُ قسمت الشاء أثلاثا: ثُلُث (١) شرار، وثُلُث (١) خيار، وثُلُثٌ (١) وَسَط، يأخذ (٢) المصدقُ من الوَسَطِ" وَلم يذكرِ الزهريُّ اَلبَقَرَ.
ش- أي: قال سفيان بن حسين: قال محمد بن مسلم الزهري، والشاء جمع شاة، والمراد من الشرار المهازيل المتغيرة، ومن الخيار السمان الجياد.
قوله: " ولم يذكر الزهري البقر " أي: حكم البقر في الزكاة.
١٦٨٨- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد الواسطي، أنا سفيان بن حسين، بإسناده ومعناه، قال: " فإن لم تكُنْ بنت (٣) مَخَاضٍ فابنُ لَبُونٍ " ولم يذكرْ كَلامَ الزهري (٤) .
ش- محمد بن يزيد الواسطي أبو سعيد الكلاعي، ويقال: أبو إسحاق ويقال: أبو يزيد، سمع: سفيان بن حسين، وعاصم بن رجاء بن حيوة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: كان ثبتا في الحديث، توفي أواسط سنة ثمان وثمانين ومائة، ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٥) .
قوله: " ولم يذكر كلام الزهري" وهو قوله: " إذا جاء المصدق " إلى آخره.
١٦٨٩- ص- نا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: هذه نُسخةُ كِتاب رسولِ الله- ﵇ الذي كَتَبَهُ في الصدَقَةِ، وهيَ عند آل عُمرَ بنِ اَلخطابِ، قَال ابنُ شِهابٍ: أقْرَأنِيَها
стр. 2770
سالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عُمَر، فَوَعَيْتُهَا على وَجْهِهَا، وهيَ التي انْتَسَخَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ مِن عَبد الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَر، وسالم بنِ عبد الله بنِ عُمرَ، فذكَر الحديثَ: " فَإذا كَانتْ إِحْدَى وعشرينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُون، حتى تَبْلُغَ تسعا وعشرينَ ومائة، فإذا كَانتْ ثلاثينَ ومائة ففيها ابنتا (١) لَبُون وحِقَّة، حتى تَبْلُغَ تسعا وثلاثينَ ومائةً، فإذا كانتْ أربعينَ ومائةً ففيها حقتانِ وبنتُ لَبُون، حتى تَبلُغَ تسعا وأربعينَ ومائةً، فإذا كانت خمسينَ ومائةً فَفيها ثلاثُ حِقَاق، حتى تبلُغَ تسعا وخمسينَ ومائةً، فإذا كانت سِتينَ ومائةً ففيها أرْبَعُ بناتِ لبون حتى تبلُغَ تسعا وستينَ ومائةً، فإذا كانتْ سبعينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُوًن وحقة، حتى تبلُغَ تسعا وسبعينَ ومائةً، فإذا كانت ثمانينَ ومائةً ففيها حقتاَنِ وَابنتَا لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وثمانينَ ومائةً، فإذا كانتْ تسعينَ ومائةًَ ففيها ثَلاثُ حقَاق وابنةُ (٢) لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وتسعينَ ومائةً، فإذا كانتْ مائتين ففَيهاً أربَعُ حقَاق، أو خمسُ بناتٍ لَبُون، أيُ السنيْنِ وَجدتَ أخذتَ، وفي سَائمَة الغًنَم " فذكرَ نحوَ حديث سفيان بنِ حُسَين، وفيه:" ولا تُؤْخَذُ (٣) في الصًدَقةِ هَرِمَة، ولا ذات عَوَارٍ من الغَنَم، ولا تيس الغَنَم، إلا أن يَشَأ المصدَّقُ " (٤) .
ش- عبد الله بن المبارك، ويونس بن يزيد الأيلي القرشي.
قوله:" فوعيتها" أي: حفظتها.
قوله:" أي السنين " تثنية سن، السن هي المعروفة ثم سمي بها صاحبها، كالناب للمسنة من النوق، ثم استعيرت لغيره كابن المخاض، وابن اللبون، وأراد به المسن، أو ذات السن، والسن يذكر لذات السن من الحيوان دون الإنسان، لأن عمر الدواب يعرف بالسن، وهذا الحديث مرسل- كما أشار أيه الترمذي-.
١٦٩٠- ص- نا القعنبي، قال مالك: وقولُ عُمرَ بنِ الخطابِ: "لا
стр. 2771
يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرق، ولا يُفَرق بينَ مُجْتَمِعٍ، هو أن يكونَ لكل رجُل أربعونَ
شاة، فإذا أَظَلهُم المصدِقُ جَمَعُوهَا، لَئِلا يكُون فيها إلا شاة، ولا يفَرق بين
مُجْتًمِعٍ، أن الخَليطَيْنِ إذا كان لكل واحد منهما مائةُ شاة وشاةٌ فيكونَ عليهما
فيها ثلاثُ شياه، فإذا أَظَلهُمُ (١) المصدِقُ فَرقا غَنَمَهُمَا (٢) ، فلم يكُنْ على
كلِّ واحد منهما إلا شاة، فهذا الذي سمعتُ في ذلك " (٣) .
ش-ً عبد الله بن/ مسلمة القعنبي، شيخ أبي داود، وأحد أصحاب مالك الأجلاء.
قوله: "فإذا أظلهم المصدق " من قولهم: أظلك فلان، إذا دني منك،
كأنه ألقى ظله عليك، ثم قيل: أظلك أمر، وقد مر هذا التفسير في زيادة.
١٦٩١- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق،
عن عاصم بن ضمرة، وعن (٤) الحارث الأعور، عن علي، قال زهير:
أحسبُه عن النبي- ﵇ أنه قال: "هَاتُوا رُبُعَ العُشُورِ، من كُل
أربعينَ درهما درهم، وليسَ عليكم شيءٌ حتى تتِمَّ مِائتيْ درهمٍ، فإذا كانتْ
مائتيْ درهم ففيهَا خمسةُ درَاهِمَ، فما زادَ فعلَى حسَابِ ذلك، وفي الغَنَم في
كل (٥) أربعينَ شاةً شاة، فإن لم يكن إلا تسعَ وثلاثونَ فليست عليك فيها
شيء- وسَاقَ صَدَقَةَ الغَنَم مثلَ الزهري- قال: وفي البَقَرِ في كل ثلاثينَ
تَبِيع وفي الأربعينَ مُسِنة، ولَيس على العَوَامِلِ شيء، وفي الإِبلِ ذَكَرَ (٦)
صَدَقَتَهَا كما ذَكَرَ الزهريُّ، قال: وفي خمسٍ وعشرين خمسةَ من الغَنَم،
فإذا زَادتْ واحدة ففيها بنتُ (٧) مَخَاضٍ، فإن لَم تكنْ بنت مخاضٍ فابنُ
стр. 2772
لَبُونٍ ذَكَر إلى خمسة وثلاثينَ، فإذا زَادتْ واحدةٌ ففيها بنتُ لَبُونٍ إلى خمسٍ وأربعينَ، فإذا زَادتْ واحدةٌ ففيها حقة طَرُوقَةُ الجَمَلِ إلى ستينَ، ثم سَاقَ مِثلَ حديثِ الزهريِّ، قال: فإذا زادت واحدة- يَعْنِي: واحَدةً وتسعينَ- ففيها حقتانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ إلى عشرين ومائةٍ، فإن كانتا الإبِلُ كثر من ذلك ففي كل خمسينَ حقة، ولا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتَمِعٍ، ولا يجمع بين متفرقٍ (١) خَشْيَة الصدَقَة، ولا تُؤْخَذُ في الصَدَقة هَرمَة، ولا ذَاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْس إلا أن يشأ المُصدقُ، وفي النَبَاتِ ما سقتْهُ الأَنْهَارُ أو سقتِ السماء العُشْرُ، وما سقيَ بالغرْب (٢) ففيه نصفُ العُشْرِ" وفي حَديثِ عاصم، والحارثِ "الصَدَقَةُ في كَل عَامٍ " قالَ زهير: حسبتُه (٣) قال مرةً: وفي حديثِ عاصمٍ "إذا لم يكن في الإِبِلِ بنت (٤) مَخَاضٍ، ولا ابن لَبُونٍ فَعَشْرَةُ درَاهِمَ، أو شَاتَانِ " (٥) .
ش- زهير بن معاوية، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، والحارث بن عبد الله الأعور الكوفي.
قوله: " أحسبه " أي: أظنه.
قوله: " هاتوا " أي " أعطوا "ربع العشور " هذا هو حكم زكاة الفضة، وهو: في كل أربعين درهما درهم، فيكون في مائتين خمسة دراهم، وقد مضى الكلام في نصاب الفضة وأحكامه مستوفى.
قوله:" وفي البقر في كل ثلاثين تبيع" أي: تجب الزكاة في البقر، أي: في البقر زكاة، ثم بينها بقوله: "في كل ثلاثين تبيع " فتبيع مبتدأه، وخبره مقدما "في كل ثلاثين" والثلاثون نصاب البقر، ولا شيء في أقل منها، والتبرع الذي دخل في السنة الثانية، والمسنة التي دخلت في الثالثة.
стр. 2773
وقال الخطابي (١) : الفحل (٢) ما دام تبيع أمه فهو تبيع إلى تمام سنة،
ثم هو جذع، ثم ثني، ثم رباع، ثم سدْس وسَديس، ثم ضالع،
وهو المُسِن.
قوله: " وليس على العوامل شيء" كلمة "على" بمعنى " في"،
والعوامل جمع عاملة، وهي: البقر التي تعمل في الحرث والسقي،
والحديث حجة على مالك حيث أوجب الزكاة فيها.
قوله: " وفي النبات ما سقته الأنهار" أي (٣) : النبات الذي سقته المياه
الجارية، أو سقته السماء، أي: الأمطار فيه العشر.
قوله: "وما سقي" أي: الذي سقي " بالغرب" وهو الدلو العظيمة
يتخذ من جلد ثور، يريد به ما يسقى بالسواقي وفي معناها، لأن ما
خفت مؤنته، وعمت منفعته كان أحمل للمواساة، فأوجب فيه العشر
توسعة على الفقراء، وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر رفقا بأهل
الأموال.
قوله: "فعشرة دراهم، أو شاتان" فيه دليل على جواز أخذ القيمة في
الزكاة فافهم، والحديث أخرج ابن ماجه طرفا منه، ورواه الدارقطني في
"سننه" (٤) مجزوما به، ليس فيه " قال زهير: وأحسبه عن النبي- ﵇ " وقال ابن القطان في "كتابه": إسناده صحيح، وكلهم
ثقات، وفي " مختصر السنن ": والحارث، وعاصم ليسا بحجة، ورواه
أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
أبي إسحاق به مرفوعاً ولم يشك فيه.
وفي الحديث من الغريب قوله: "وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم "، وكذا قوله: " إذا لم يكن في/ الإبل بنت مخاض، ولا ابن لبون فعشرة دراهم، أو شاتان " قال في " الإمام": وقد جاء في خمس
стр. 2774
وعشرين خمسة من الغنم في حديث أخرجه الدارقطني (١) ، عن سليمان ابن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه،- قال: وجدنا في كتاب عمر، أن رسول الله- ﵇ قال في صدقة الإبل:"في خمس من الإبل سائمة شاة" إلى أن قال: "وفي خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض" الحديث، قال الدارقطني: وسليمان ابن أرقم ضعيف الحديث.
وقال الخطابي: هذا متروك بالإجماع، غير مأخوذ به عند أحد من العلماء، يعني: قوله: "في خمس وعشرين خمسة من الغنم".
١٦٩٢- ص- نا سليمان بن داود المَهْرِي، أنا ابن وهب، أخبرني جابر ابن حازم، وسمى آخر، عن أبي إسحاق، عن عام م بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي- ﵁ عن النبي- ﵇ ببعضِ أول الحديث (٢) ، قال: "فإذا كانتْ لكَ مِائتا درْهَمٍ، وحالَ عليها الحَوْلُ ففيهاَ خمسةُ درَاهمَ، وليس عليك شيء- يعني: في الذهَب حتى يكون لك عِشرونَ ديناراً فإذا كانت (٣) لك عشرونَ ديناراً وحالَ عَليها الحَولُ ففيها نصفُ دِينار، فما زَادَ فبحِسَاب ذلكَ " قال: فلا أدرِي، علي (١) يقولُ: بَحسَابِ (٥) ذلك، أو رفعَهُ إلى النبي- ﵇؟ "وليس في مالٍ زكَاة حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ"، إلا أن جريراً، قال: ابنُ وهب يزيدُ في الحديث، عن النبي- ﵇: "ليسَ في مال زكاة حتى يَحُولَ علبه الحَوْلُ " (٦) .
ش- عبد الله بن وهب.
стр. 2775
ويستفاد من الحديث أن نصاب الفضة مائتا درهم، وأن حولان الحول شرط، وأن نصاب الذهب عشرون دينارا، وأن الزيادة محسوبة.
وأخرج البزار في " مسنده "، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعا
" ليس في تسعين ومائة من الورق شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ".
وروى عبد الرزاق في "مصنفه ": أنا ابن جريج، أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي- ﵇ قال: " ليس فيما دون مائتي درهم شيء، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم" وهو مرسل جيد.
وروى أبو محمد الكشي في "سننه ": عن عبيد الله بن بحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أسامة مرفوعا: "ليس في أقل من مائتي درهم شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم " وهو سند ضعيف.
١٦٩٣- ص- نا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرةَ، عن علي، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قد عَفَوْتُ عن الخَيْلِ، والرقيقِ، فهاتُوا صَدقةَ الرقة، من كل أَربعينَ درهَما درْهم (١) ، وليس في تسعينَ ومائة شيء وإذا بلغَتْ مائتين ففيها خمَسةُ درَاهَمَ " (٢) .
ش- أبو عوانة الوضاح، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. قوله: " قد عفوت عن الخيل " به استدل الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد أن الخيل ليست فيها زكاة أصلا، وقال أبو حنيفة: إذا كانت الخيل ذكورا، أو إناثا سائمة فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى
стр. 2776
عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى ربع العشر، من كل مائتي درهم خمسة دراهم، أو من كل عشرين دينارا نصف دينار، وبه قال زفر، وفي الإناث، والذكور الخلص روايتان عنه، ففي رواية الطحاوي: لا يجب في الإناث وحدها شيء، لعدم التناسل، وفي رواية الكرخي: يجب لإمكان التناسل بالفحل المستعار، وأما في الذكور وحدها فكذلك روايتان عنه، والمشهور عدم الوجوب، ولأبي حنيفة ما " (١) أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢) : عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: " جاء ناس من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا: خيلا، ورقيقا، وإماء، نحب أن نزكيه، فقال: ما فعله صاحبي (٣) قبلي فأفعله أنا؟ ثم استشار أصحاب النبي- ﵇ فقالوا: حسن، وسكت علي، فسأله؟ فقال: هو حسن لو لم يكن جزية رأيته يؤخذون بها بعدك، فأخذ من الفرس عشرة دراهم" ثم أفاد قريبا منه بالسند المذكور، والقصة وقال فيه: " فوضع على كل فرس دينارا". وروى محمد بن الحسن في كتاب " الاَثار" (٤) : أخبرنا أبو حنيفة،
عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، أنه قال: في الخيل السائمة التي يطلب نسلها: إن شئت في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكرا، أو أنثى. وروى عبد الرزاق:/ عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن جبير بن يعلى أخبره، أنه سمع يعلى بن أمية يقول: " ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص، فندم البائع فلحق بعمر، فقال: غصبني يعلى وأخوه فرسا لي! فكتب إلى يعلى: أن الحق بي، فأتاه، فأخبره
стр. 2777
الخبر، فقال: إن الخيل ليبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرسا يبلغ هذان فيأخذ من كل أرضين شاة، ولا يأخذ من الخيل شيئا؟ خذ من كل فرس ديناراً فقرر (١) على الخيل دينارا دينارا ".
وروى أيضا عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين، أن ابن شهاب أخبره، أن عثمان كان يصدق الخيل، وأن السائب بن يزيد أخبره، أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل، فقال ابن شهاب: لا أعلم أن رسول الله سن صدقة الخيل، انتهى. وقال ابن عبد البر: وقد روى فيه حويرثة، عن مالك حديثا صحيحا، أخرجه الدارقطني (٢) ، عن حويرثة، عن مالك، عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره، قال: " رأيت أبي يُقيمُ الخيل، ثم يدفع صدقتها إلى عمر- ﵁ ". وأخرج الدارقطني، ثم البيهقي (٣) في "سننهما": عن الليث بن حماد الإصطخري، ثنا أبو يوسف، عن غَوْرك بن الحصرم (٤) أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله- ﵇ في الخيل السائمة: "في كل فرس دينار " قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو ضعيف جدا، ومن دونه ضعفاء، وقال البيهقي: ولو كان هذا الحديث صحيحا عند أبي يوسف لم يخالفه، وقال ابن القطان في (كتابه) : وأبو يوسف هو: أبو يوسف يعقوب القاضي وهو مجهول عندهما (٥) .
قلت: كيف يحل لمن يقسم بالدين، والنصيحة للمسلمين، ْ أن يقول في حق مثل أبي يوسف القاضي الذي اشتهر علمه وفضله في الآفاق قديما
стр. 2778
وحديثا مثل هذا القول؟ والحال أن أئمة الحديث وثقوه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن فرط التعصب الذي يحمل الرجل على ارتكاب أمور عظيمة! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ واستدل لأبي حنيفة ابن الجوزي في "التحقيق " بحديث أخرجاه في "الصحيحين "، عن أبي هريرة، أن رسول الله- ﵇ ذكر الخيل، فقال: "ورجل ربطها تغنيا، وتعففا، ثم لم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها، فهي لذلك ستر". قال: وجوابه من وجهين، أحدهما: إن حقها إعارتها، وحمل المنقطعين عليها، فيكون ذلك على وجه الندب.
والثاني: أن يكون واجبا، ثم نسخ بدليل قوله: " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم.
قلت: وفيه نظر، لأن الذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق وأيضا فالمراد به صدقة خيل الغازي، وهذا هو جواب أبي حنيفة عن الحديث، وأما النسخ فإنه لو كان اشتهر في زمن الصحابة لما قرر عمر ﵁ الصدقة في الخيل، وإن عثمان ما كان يصدقها لما ذكر ناه، في فهم.
قوله: "والرقيق " فعيل بمعنى مفعول من الرق، وهو: العبودية وإنما سقط الصدقة عن الخيل، والرقيق إذا كانت للركوب، والخدمة، فأما إذا كان منهما شيء للتجارة ففيه الزكاة في قيمته، والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه.
ص- قال أبو داود: "رَوى هنَا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي إسحاق، كما قال أبو عَوانةَ، ورواه شَيبانُ أبو معاويةَ، وإبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن بأبي إسحاق، عن الحارثِ، عن عَلِي، عن النبي- ﵇ (١) ".
ش- أي. روى الحديث المذكور سليمان الأعمش، عن أبي إسحاق
стр. 2779
السبيعي، كما قال أبو عوانة الوضاح، ورواه أيضا شيبان بن عبد الرحمن
النحوي أبو معاوية، وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث
فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روى
عنهما، أي: عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث.
ص- قال أبو داود: روى (١) حديثَ النفيلي شعبةُ، وسفيان، وغيرُهُمَا،
عن أي إسحاق، عن عاصمِ، عن عليِّ، لم يَرْفعُوهُ (٢) .
ش- أي: حديث عبد الله بن محمد النفيلي الذي تقدم قريبا، وأشار
به إلى أن حديث النفيلي الذي رواه مرفوعا، موقوف في رواية شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغيرهما.
١٦٩٤- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم ح أنا
محمد بن العلاء/ أنا، أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسولَ اللهِ- ﵇ قال: " في كلِّ سَائمَةِ إبل في أربعينَ بنتُ
لَبُونِ، لا تفرق (٣) إبل عن حِسَابِهَا، مَن أعطاهَا مُؤتجرا، قال ابن العلاء:
مؤتجرا بها فله أجْرُهَا، وَمَن مَنَعَها فإنا آخذُوهَا وشًطرَ مَالِهِ، عَزْمَةَ من
عَزَمَاتِ ربنا (٤) ، ليس لآل محمدِ منها شيء" (٥) .
ش- حماد بن سلمة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبهز بن حكيم
ابن معاوية بن حيدة القشيري وقد ذكرناه.
وحكيم بن معاوية البصري والد بهز، روى عن أبيه، روى عته ابنه
بهز، والجريري. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة، وأبوه له صحبة.
روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وجده معاوية بن حيدة بن
стр. 2780
معاوية بن بشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري البصري. قال محمد بن سعد: وفد على النبي- ﵇ وصحبه وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية. قال محمد بن السائب الكعبي: أخبرني أبي أنه أدركه بخراسان، وقد غزا خراسان ومات بها. روى عنه ابنه حكيم، وحميد المدني وغيرهما. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واستشهد به البخاري.
قوله: " في أربعة " بدل من قوله: " سائمة إبل ".
قوله: " لا تفرق إبل عن حسابها" أي: عن حسابها المقدر.
قوله: " مؤتجرا " أي: طالبا للأجر.
قوله: " فإنا آخذوها وشَطر ماله " أي: مع شطر ماله، والمعنى يأخذ الزكاة ويأخذ نصف ماله.
وقال الخطابي: اختلف الناس في القول بظاهر هذا الحديث، فذهب كثر الفقهاء أن الحلول في الصدقة والغنيمة لا توجب غرامة في المال، وهو مذهب الثوري، وأصحاب الرأي، وإليه ذهب الشافعي، وكان الأوزاعي يقول في الغالَّ في الغنيمة: إن للإمام أن يحرق رحله، وكذلك قال أحمد وإسحاق، وقال أحمد في الرجل يحمل الثمرة في أكمامها: فيه القيمة مرتين، وضرب النكال. وقال: كل من درأنا عنه الحد أضعفنا عليه الغرم، واحتج في هذا بعضهم بما رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال في ضالة الإبل المكتومة:" غرامتها مثلها والنكال". وغرّم عمر بن الخطاب حاطب بن أبي بلتعة ضعف ثمن ناقة المربي لما سرقها رقيقه، ورُوي عن جماعة من الصحابة أنهم جعلوا دية من قتل في الحرم دية وثلثاً وهو مذهب أحمد، وكان إبراهيم الحربي يتأول، حديث بهز بن حكيم على أنه يؤخذ منه خيار ماله، مثل سن الواجب عليه، لا يزاد على السن والعدد، ولكن ينتقي خيار ماله، فيزاد عليه الصدقة بزيادة شطر القيمة.
стр. 2781
وقال صاحب" مختصر السنن": كثر العلماء قالوا: كان هذا في أول
الإسلام ثم نسخ، واستدل الشافعي على نسخة بحديث البراء بن عازب
فيما أفسدت ناقته، فلم ينقل عن النبي- ﵇ في تلك القضية
أنه ضعَف الغرامة، بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط. وقال بعضهم:
يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك. وقال بعضهم:
إن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإنْ شطر ماله، كرجل كان
له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون، فإنه يأخذ منه عشر شياه
كصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، أي: نصفه، وهو بعيد، لأنه
لم يقل " إنا آخذوا شطر ماله " وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة
ماله أخذت منه، وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه , واستدل بهذا الحديث.
وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديث منسوخاً وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت،
ومَن قال: إن بهز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما
تقدم، فأما من قال لا يحتج بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، وقد
قال الشافعي في بهز: ليس بحجة. ْ فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه
بعد اعتذاره عن الحديث، أو أجاب عنه تقدير الصحة. وقال
أبو حاتم الرازي في بهز بن حكيم: هو شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً. فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن
إبراهيم فهما يحتجان به، ويرويان عنه، وتركه جماعة/ من أئمتنا، ولولا حديثه " إنا آخذوه وشَطر أمواله، عزمة من عزمات ربنا " لأدخلناه
في الثقات.
قوله: " عزمة "منصوب بفعل محذوف تقديره عزم الله علينا عزمة،
والعزمة الحق والواجب، و" عزمات الله "حقوقه وواجباته.
قوله: " ليس لآل محمد منها شيء " تأكيد لقوله "عزماً من عزمات ربنا"
والمعنى: إن هذا حق وفرض من فرائض الله تعالى، يعني: وليس لآل
محمد من هذا الفرض شيء، أي: نصيب، حتى يتركوا ما ينالهم.
والحديث أخرجه النسائي.
стр. 2782
١٦٩٥- ص- نا النفيلي، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ، أن النبي- ﵇ لما وَجهَهُ إلى اليمنِ أمَرَهُ أنه يأخذ من البَقَرِ من كلِّ ثَلاثينَ تبيعا أوْ تَبيعةً، ومن كلِّ أربعنَ مُسنة، ومن كلِّ حالم- يعني: محتلم (١) - دَيناراً أول عِدْلَهُ من المَعَافِرِي (٢) ثياب تكونُ باليمنِ (٣) . ش- أبو معاوية محمد بن حازم الضرير. وأبو وائل شقيق بن سلمة. قوله: " ومن كل حالم " أي: بالغ، وقد فسره في الحديث بقوله: "يعني: محتلما وهذا الدينار هو جزية عن رءوس نصارى بني نجران، وصدقة البقر إنما أخذها من المسلمين، إلا أنه أدرج ذلك في الخبر، ونسق أحدهما على الآخر لكونه مفهوما عند أهل العلم، وسنأتي تحقيق الكلام في الجزية في بابها.
قوله: " أو عدله " العدل- بفتح العين وكسرها لغتان- بمعنى المثل، وقيل: بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه، وبالكسر ما عادله من جنسه. وقيل: بالعكس.
قوله: " من المعافري " أي: من الثوب المعافري، نسبة إلى معافر.
قال الجوهري: مَعافر- بفتح الميم- حي من حمدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وأيهم تنسب الثياب المعافرية. تقول: ثوب مَعافري فتصرفه، لأنك تقول: أدخلت ياء النسبة ولم يكن في الواحد. انتهى.
ويقال: المعافر اسم موضع باليمن تنسب إليها الثياب، فيقال: الثياب المعافرية. وقيل: المعافر اسم محلة بالفسطاط تنسب إليها الثياب، ومنهم
стр. 2783
من ينسبها إلى قوم يعملونها من هذه القبيلة، ومنهم من ينسب المعافر إلى مصر، والأول أشهر.
قوله: " ثياب تكون باليمن " يجوز الجر في ثياب على أن يكون بدلا من
" المعافري "، ولكن فيه تعسف، ويجوز أن يكون بيانا منه، ويجوز الرفع فيها على أنها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي ثياب تكون باليمن، ويجوز النصب من حيث اقتضاء الكلام على أن يكون بدلاً من قوله " عدله "، أو بيانا منه.
والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وليس عند ابن ماجه ذكر الحالم. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه بعضهم مرسلا لم يذكر فيه معاذا وهذا أصح، ورواه ابن حبان في تصحيحه " مسنداً في النوع الحادي والعشرين من القسم الأول، والحاكم في "المستدرك " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي والبزار في" مسانيدهم ".
١٦٩٦- ص- نا النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وابن المثنى قالوا: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، عن النبي ﵇ مثله (١) .
ش- عبد الله بن محمد النفيلي، ومحمد بن المثنى، وأبو معاوية الضرير، وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي، ومسروق بن الأجدع، ومعاذ بن جبل ﵁.
(واعَل (٢) الحديث عبدُ الحق في " أحكامه"، فقال: ومسروق لم يلقَ معاذا، ذكره أبو عمر وغيره انتهى. وقال ابن [القطان] (٣) في "كتابه":
стр. 2784
أخاف أن يكون وتصحّف عليه أبو محمد بأبي عمر، إذ لا يُعرف لأبي عمر إلا خلاف ذلك، وأما أبو محمد بن حزم فإنه رماه بالانقطاع أولاً ثم رجع في آخر كلامه.
وقال أبو عمر في "التمهيد" في " باب حُميد بن قيس": وقد رُوي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت، ذكره عبد الرزاق: أنا معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ابن جبل قال: ما بعثه النبي- ﵇ إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة " الحديث.
قلت: هذا الحديث له طرق أخرِى، منها: عن أبي وائل، عن معاذ، وهي عند أبي داود والنسائي كما مر.
ومنها عن إبراهيم النخعي، عن معاذ، وهي عند النسائي.
ومنها عن طاوس، عن معاذ، وهي في وموطأ مالك ".
قال في " الإمام": ورواية إبراهيم عن/ معاذ منقطعة بلا شك، ورواية طاوس عن معاذ كذلك. قال الشافعي: وطاوس عالم بأمر معاذ وإن كان لم يلقه.
وقال عبد الحق في"أحكامه ": وطاوس لم يلق معاذا (١) ، والله أعلم.
١٦٩٧- ص- نا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: بَعَثَهُ النبي ﵇ إلى اليمنِ مثله (٢) لم يذكرْ"ثيابا تكونُ باليمنِ، ولا ذَكَرَ - يعني: المحتلم- " (٣) .
ش- زيد بن أبي الزرقاء الموصلي ذكر هو وابنه هارون شيخ أبي داود، وسفيان الثوري.
стр. 2785
قوله: " مثله" الحديث المذكور، وليس فيه ذكر ثياب تكون باليمن،
ولا ذكر محتلم.
ص- قال أبو داودَ: رواه (١) جرير ويَعلى ومعمر وشعبةُ وأبو عوانةَ ويحيى بنُ سعيد، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن مسروق. قال يعلى ومعمر: عن معاذ مثله.
ش- جرير بن عبد الحميد، ويعلى بن عبيد الكوفي، ومعمر بن راشد، وشعبة بن الحجاج، وأبو عوانة الوضاح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو وائل شقيق بن سلمة.
١٦٩٨- ص- نا مسدد، نا أبو عوانة، عن هلال بن شباب، عن ميسرة أبي صالح، عن سويد بن غفلة قال: " سِرْتُ أو قال: أخبرني مَن سَارَ مع مُصَدق النبيِّ- ﵇، فإذا في عهدِ رسول الله- ﵇ أن لا يأخذ (٢) من راضع لَبن، ولا تَجمعَ بين مُتَفَرًّقَ (٣) ، ولا تُفَرّقَ بين مُجْتَمعٍ، وكان إنما يأتي المياه حين تَرِدُ الغنَمُ فيقولُ: أدُوا صدقات أموالكُم قال: فَعَمدَ رجل فيهم إلى ناقة كوماء قال. قلتُ: يا أبا صالح ما الَكوماء؟ قال: عظيمةُ السنام. قال: فأبىً أن يَقْبَلَهَا. قال: إني أحبُّ أن تأخُذَ خير إبلي قال: فَأبَى أن يَقْبَلَهَا. قال: فَخَطَمَ له أخْرَى دونها، فأبى أن يَقْبَلَهَا، ثم خطَمَ له أخْرَى دُونها فَقَبلَهَا وقال: إني آخُذُهَا وَأخَافُ أن يَجدَ عَليَّ رسولُ الله ﵇، يقَولُ (٤) : عَمَدتَ إلى رجل فتخيرتَ عَليه إِبِلَهُ (ْ) ". ش- ميسرة أبو صالح، روى عن علي بن أبي طالب، وسُويد بن غفلة. روى عنه هلال بن شباب، وعطاء بن السائب، مسلمة بن سهيل. شهد مع عليّ قتال الخوارج والنهروان. روى له أبو داود والنسائي.
стр. 2786
وسُويد بن غَفَلَةَ- بفتح العين المعجمة والفاء واللام- ابن عوسجة بن عامر بن وداع بن حارب بن مالك بن أدد بن جعفر بن صعب بن سعد العشيرة أبو أمية الجوزي الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم ولم يهاجر، وقال: أنا أصغر من النبي- ﵇ بسنتين، وحضر يوم القادسية وله عشرون ومائة سنة، ورُوي عنه ابنه قال: أنا لدَةُ رسولِ الله، ولدت عام الفيل. وشهد اليرموك وخطبة عمر بالجابيةَ. روى عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وسمع عليا، وابن مسعود، وبلال بن رباح، وأبا ذر، وأبي بن كعب، وأبا الدرداء. روى عنه سلمة بن معاوية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وعثمان بن عاصم، وميسرة أبو صالح، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة. مات سنة إحدى وثمانين وله عشرون ومائة، ويقال وهو ابن إحدى وثلاثين ومائة سنة (١) . قوله: " في عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه.
قوله: " أن لا يأخذ من راضع لابن " الراضع ذات الدر، فنهيه عنها يحتمل وجهن أحدهما: أن لا يأخذ المصدق عن الواجب في الصدقة، لأنها خيار المال، ويأخذ دونها، وتقديره: لا يأخذ راضع لبن، و "من " زائدة وصلة، كما تقول: لا يأكل من حرام ولا ينفق من سحت، أي: لا يأكل حراماً والوجه الآخر: أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة واللقحة قد اتخذها للدَّر، فلا يؤخذ منها شيء.
قلت: المراد من " راضع لبن" الصغير الذي هو بعدُ يُرضع، والمعنى:
لا يأخذ من راضع لبن شيئاً فلا يحتاج إلى تقدير "من" زائدهْ.
وبه استدل أبو حنيفة أنه لا يجب شيء في الفصلان والفحاحيل والعملان، وهو قول محمد أيضاً وكان يقول: أولا يجب فيها ما يجب في المكان، وهو قول زفر ومالك، ثم رجع وقال: فيها واحدة منها، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وقال الإمام الولوالجي: في الحديث
стр. 2787
دليلان، أحدهما: أنه لا يجب في الصغار شيء، والثاني: أن لا يؤخذ
الصغار في الصدقة.
قوله: "فخطم له أخرى" أي: قادها إليه بخطامها، والإبل إذا أرسلت
في مسارحها لم تكن عليها خطم، وإنما تخطم إذا أُريد قودها.
قوله: " أن يجد عليَّ " أي:/ يغضب عليّ، يقال وجَد عليه يجد وجداً وموجدةً إذا غضب.
والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه، وفي إسناده هلال بن خبَّاب
تكلم فيه بعضهم، ووثقه غير واحد.
ص- قال أبو داودَ: رواه (١) هشيم، عن هلالِ بن خباب نحوه، إلا أنه
قال: " لا يُفرقُ ".
ش- أي: روى الحديث المذكور هشيم بن بشير، عن هلال بن خباب
نحو ما ذكر إلا أنه قال في روايته " لا يفرق ". وروى ابن أبي شيبة في
"مصنفه " أنا هشيم، عن هلال بن خباب، عن ميسرة أبي صالح قال:
حدثني سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق النبي- ﵇ فأتيته،
فجلست إليه فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا
يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. قال: وأتاه رجل بناقةٍ كَوما"
فَأبَى أن يأخذهَا.
١٦٩٩- ص- نا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك، عن عثمان بن
أبي زرعة، عن أبي ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة قال: أَتَانَا مُصدقُ
النبيِّ- ﵇، فَاخذْتُ بِيَدِهِ، وقَرَأتُ في أَهْلِهِ قال (٢) : لا يُجْمَعُ
بين مُتَفَرق (٣) ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ خَشْيةَ الصدقةِ، ولم يذكرْ "رَاضع
لبنٍ " (٤) .
стр. 2788
ش- شريك بن عبد الله النخعي، وعثمان بن أبي زرعة، واسم
أبي زمعة المغيرة الثقفي الكوفي، وأبو ليلى الكندي قيل اسمه سلمة بن معاوية، وقيل معاوية بن سلمة. روى عن سُويد بن غفلة. وروى عنه عثمان بن أبي زرعة. قال ابن معين: هو ثقة مشهور. روى له أبو داود وابن ماجه.
قوله: "في عهده" العهد الذي يكتب للولاة، وهو الذي بقال له اليوم التوقيع. قوله: " خشية الصدقة" أي: لأجل خوف الصدقة.
١٧٠٠- ص- نا الحسن بن عليّ، نا وكيع، عن زكرياء بن إسحاق المكي، عن عمرو بن أبي سفيان الجمحي، عن مسلم بن ثفنة اليشكري، قال الحسن: روح يقولُ: مسلم بن شعبة، قال: استعمل ابنُ علقمةَ أبي على عِرَافَة قَومه، فأمَرَهُ أن يصدقهم قال: فَبَعَثَنِي أبي في طائفةِ منه، فأتَيْتُ شيخا كبيرا يقال له سِعْر (١) ، فقلتُ: إن أبِي بَعَثني إليكَ- يعني: لأصدقك- قال ابن أخي: وأيُ نحو تأخذون؟ قلتُ: نختارُ حتى إِنا نَشْبِر (٢) ضُرُوعَ الغنم. قال ابن أخي: فإني مُحَدثك (٣) ، إني كُنتُ في شعبِ من هذه الشعابِ على عهد رسول الله- ﵇ في غَنَم لي، فَجاءني رجلانِ على بَعيرِ فقالا ليَ: إنا رَسولا رسول الله ﷺ إليك لتؤَدِّي صَدقةَ غَنَمكَ. فقلتُ: ما عَلَيَّ فيها؟ فقالا: شاةٌ فَأعْمَد إلى شاة قَد عرفتُ مَكَانَهَا مَمتلئةَ مَحْضا وشَحْما، فَأخْرَجْتُهَا إليهما فقالا: هذه شاَةُ الشافع، وقَد نَهانَا رسولُ اللهِ- ﵇ أن نأخذ شَافعا. قلت: فأيُ شيء تأخذانِ؟ قالا: عَنَاقا جَذَعَةَ أو ثَنيَّةَ. قال: فأعمدُ إلى عَناق مُعْتَاط- والمُعْتَاطُ التي لم تلدْ وَلَداَ، وقد حانَ وِلادها- فأخْرَجْتُهَا إليهما فقَالا: نَاَوِلنَاهَا، فَجَعَلاهَا مَعهما على بَعيرهما، ثم انطلقا (٤) .
стр. 2789
ش- عمرو بن أبي سفيان أخو حنظلة القرشي الجمحي، روى عن مسلم بن ثفنة: روى عنه الثوري، وزكرياء بن إسحاق، وابن المبارك. قال أبو حاتم: مستقيم الحديث. روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
ومسلم بن ثفنة- بفتح الثاء المثلثة، وكسر الفاء، وبعدها نون وتاء تأنيث- ويقال شعبة، ويقال إنما وقع التصحيف فيه من وكيع حيث قال مسلم بن ثفنة، وإنما هو مسلم بن شعبة اليشكري، سمع شعبة الدؤلي. روى عنه عمرو بن أبي سفيان. روى له أبو داود والنسائي.
قوله: "قال الحسن" أي: الحسن بن علي الخلال شيخ الجماعة.
قوله: "روح يقول" أي: روْح بن عبادة البصري، أحد شيوخ الحسن الخلال، يقول: مسلم بن شعبة موضع ثفنة، وكذا قال أحمد بن حنبل والدارقطني: الصواب شعبة، وقال وكيع: ثفنة وأخطأ فيه.
قوله: " استعمل ابنُ علقمةَ " أي: نافع بن علقمة.
قوله: "على عِرافة قومه " العِرافة- بكسر العين- عمل العريف، والعريف هو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فعيل بمعنى فاعل وجمعه عرفاء.
قوله: " سعْر " بكسر السين، وسكون العين المهملتين، وآخره راء: ابن ديسم الدؤَلي، ذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة، وقيل كان في زمان رسول الله ﷺ على ما جاء في هذا الحديث.
قوله: "ابن أخي " أي: يا ابن أخي.
قوله: " وأي نحو تأخذون" بمعنى أي مثلِ، بمعنى أي صنف.
قوله: "حتى إنا نشبر ضروع الغنم" من شبر يشبر، ويشبر من باب نصر ينصر، ومن باب ضرب يضرب، وكان القصد من هذا معرفة سمانة الغنم.
стр. 2790
قوله:"كنت في شعب، الشعب- بكسر الشين المعجمة، وسكون العين- الطريق في الجبل، وجمعه شعاب.
قوله: "فأعمد إلى شاة" من عمدت إذا قصدت.
قوله: "ممتلئة" يجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ممتلئة، والنصب على أن تكون حالا من الشاة، والجر على أن تكون صفة للشاة.
قوله: "محضا" بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وبالضاد المعجمة: وهو اللبن، وفي بعض النسخ "نحضا" بفتح النون موضع الميم، والنحض- بالنون والحاء المهملة الساكنة والضاد المعجمة- اللحم الكثير، وانتصابه على أنه مفعول اسم الفاعل أعني ممتلئة.
قوله: "وشحما" عطف عليه.
قوله: "هذه (١) شاة الشافع" الشافع- بالشين المعجمة- الحامل، لأن ولدها قد شفعها وشفعته فصارا زوجا وقيل: شاة شافع إذا كان في بطنها ولد يتبعها آخر، والإضافة في، قوله: "شاة الشافع " كقولهم: "صلاة الأولى"، و "مسجد الجامع "، وقد جاء في غير هذه الرواية "شاةٌ شافع" على الصفة.
قوله: " عناقا جذعة" أي: نأخذ عناقاً والعناق الأنثى من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق، وقوله: "جذعة" صفة للعناق، وفي "الصحاح ": الجذع قبل الثني، والجمع جُذعان وجذع، والأنثى جذعة والجمع جذعات. تقول فيه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة أجذع.
قال الخطابي: وهذا يدل على أن غنمه كانت ماعزة، ولو كانت ضائنة لم تجزئه العناق، ولا تكون العناق إلا الأنثى من المعز. وقال مالك: الجذع يؤخذ من الماعز والضأن. وقال الشافعي: يؤخذ من الضأن ولا يؤخذ من المعز إلا الثني. وقال أبو حنيفة: لا تؤخذ الجذعة من الماعز، ولا من الضأن.
стр. 2791
قلت: مذهب أبي يوسف ومحمد أنه تؤخذ الجذع، واستدلا بهذا الحديث، ولأنه يتأدى به الأضحية فكذا الزكاة، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً وفي رواية عن أبي حنيفة: لا تؤخذ الجذع ويؤخذ الثني، وقال صاحب "الهداية" و "المبسوط" و " التحفة" وقاضي خان وغيرهم: إن الثني ما تمت له سنة، والجذع ما أتَى عليه أكثرها، ولكن ذكر أهل اللغة أن الثني الذي يلقى ثنيته، ويكون ذلك في ذي ظلف وحافر في السنة الثالثة، وفي ذي خف في السنة السادسة، والجمع ثنيان وثناء، والأنثى ثنية والجمع ثنيات، وأما الجذع فقد ذكرناه.
قوله: " معتاط " بضم الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها تاء ثالث الحروف، وبعد الألف طاء مهملة: وقد فسرها في الحديث بقوله: "التي لم تلد، وقد حان ولادها". وقال الخطابي: المعتاط من الغنم هي التي امتنعت عن الحمل لسمنها، وكثرة شحمها، يقال: اعتاطت الشاة وشاة معتاطة، ويقال: ناقة عائط ونوق عيط.
وقال أبو عبيدة: المعتاط التي ضربها الفحل فلم تحمل وهي العائط والحائل، وجمعها عوط وحول، وقيل: الاحتياط أن لا تحمل الناقة سنوات من غير عقر.
والحديث أخرجه النسائي وأحمد في "مسنده ".
ص- قال أبو داود: أبو عاصم رواه (١) عن زكرياء قال أيضاً مسلم بن شعبة كما قال روْح.
ش- أي: أبو عاصم النبيل روى الحديث عن زكرياء بن إسحاق، وقال في روايته: مسلم بن شعبة موضع ثفنة كما قال روح بن عبادة.
١٧٠١- ص- نا محمد بن يونس النسائي، نا روح، نا زكرياء بن إسحاق بإسناد (٢) هذا الحديث، قال: مسلم بن شعبة. قال فيه: والشافعُ التي في بطنِها ولد (٣) ، (٤) .
стр. 2792
ش- أشار بهذه الرواية إلى شيئين، أحدهما: تأكيد صحة قول من قال مسلم بن شعبة، والثاني: أشار إلى تفسير الشافع.
ص- قال أبو داود: قرأت (١) في كتاب عبد الله بن سالمٍ بحمصَ عند اَلِ عمرو بن الحارث الحمصي، عن الزبيدي قَال: وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن معاوية الغاضري من (٢) حاضرة قيس قال: قال النبي- ﵇: "ثَلاث مَن فَعَلَهُن فَقد طَعمَ طَعْمَ الإِيمان، مَن عَبَدَ اللهَ وحدَه، وأنه لا إله إلا اللهُ، وأعطَى/ زَكَاةَ مَالهَِ طيبةً بها نفسُه، رَافدةً عليه كل عامٍ، ولم يُعْط الهَرِمَةَ، ولا الدرِنَةَ، ولا المرَيضَةَ، ولا الشرَطَ اللَئيمةَ، ولكن من وسَطِ أموَالِكُم، فإن اللهَ لم يسألكم خَيْرَه، ولم يأمُرْكُم بِشَرِّهِ" (٣) .
ش- عبد الله بن سالم الأشعري اليحصبي الحمصي، وعمرو بن الحارث بن الضحوك الحمصي الزبيدي الكلامي، والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي الزبيدي، ويحيى بن جابر الطائي أبو عمرو الحمصي، قاضي حمص. روى عن المقدام بن معدي كرب، وعوف بن مالك، وأبي ثعلبة النهدي الصحابي، وروى عن معاوية بن حكيم، وجبير بن نفير وغيرهم. روى عنه صفوان بن عمرو، والزبيدي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال أبو حاتم: كان صالح الحديث. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعبد الله بن معاوية الغاضري، من حاضرة قيس له صحبة، وهو معدود في أهل حمص، وقيل: إنه روى عن النبي- ﵇ حديثا واحدة. روى عنه جبير بن نفير الحمصي، روى له أبو داود. قوله: "من حاضرة قيس" إنما قال ذلك، لأن في أسد بن خزيمة أيضا حاضرة، وفي بني ربيعة أيضا حاضرة.
стр. 2793
قوله: "طعم طعم الإيمان " طعم فعل معجمي بكسر العين بمعنى ذاق، ومنه قوله تعالى: (وَمَن لمْ يَطعَمْهُ فَإِنهُ مِنَي) (١) والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق.
قوله: " من عبدَ الله وحده" أي: أُولى الخصال الثلاثة: مَن عبد الله وحده.
توله: " وأنه لا إله إلا الله " عطف على قوله "وحده "، فيكون في محل النصب، لأن "وحده" حال بمعنى ينفرد وحده كما قررناه مرةً. قوله: "وأعطى زكاة ماله" هي الخصلة الثانية.
قوله: "طيبة بها نفسه" أي: حال كونه طيبة بالزكاة نفسه، وإنما أتت طيبة لاستنادها إلى النفس، يُقال: طابت نفسه بالشيء، إذا سمحت به من غير كراهة ولا غضب.
قوله: "رافدة عليه" أي: معينة، وأصل الرفد الإعانة، يُقال: رفدته أرفده إذا أعنته، وانتصابها على أنها حال من "نفسه "، والضمير الذي في "عليه " يرجع إلى الإعطاء، الذي يدل عليه قوله: "وأعطى"، والمعنى معينة على إعطائها، أي: أداء الزكاة.
قوله: " ولم يعط الهرِمَة" هي الخصلة الثالثة، و "الهرمة" الكبيرة في السن.
قولي: "ولا الدرِنة " بفتح الدال المهملة، وكسر الراء، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث: أي: ولا يعطي الدرنة، وهي الجرباء، وأصل الدرن الوسخ.
قوله: "ولا الشرَطَ" بفتح الشين المعجمة والراء، وبطاء مهملة. قال الخطابي (٢) : الشرَطُ: رذالة المال، قال الشاعر:................. وفي شَرَطِ المِعزَى لهن مهور
стр. 2794
وقال ابن الأثير: وقيل: صغار المال وشراره.
قوله: " اللئيمة " نصب على أنها صفة "للشرط" ومعناها الدنيئة.
قوله: " من وسَط أموالكم" بفتح السين.
قوله: " لم يسألكم خيره" أي: خير ما لكم، و" لم يأمركم بشره" أي: برذالته.
والحديث أخرجه أبو داود منقطعا كما ترى، وأخرجه الطبراني والبزار وأبو القاسم البغوي في " مسند الصحابة" مسنداً.
١٧٠٢- ص- نا محمد بن منصور، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن أبي بن كعب قال: بَعَثَني رسولُ الله- ﵇ مُصَدقا، فَمَرَرْتُ برجلٍ (١) ، فلما جَمَعَ لي مالَهُ لم أجِد عليه فيه إلا بنتَ (٢) مخَاضٍ. فقلتُ له: أدِ بنت (٢) مخاض، فإنها صَدَقَتُكَ. فقال: ذًاكَ مَالا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكن هذه فَتيَّةٌ (٣) عظيمةٌ سَمينةٌ فخذها. فقلتُ له: ما أنا بآخذ ما لم أؤْمَرْ به، وهَذا رَسولُ الله مَنك قريبٌ، فإن أحْبَبْتَ أن تَأتيَهُ فَتَعْرضًَ عليه ما عَرَضْتَ عَلَيَّ فافعلْ، فإذن قَبلَهُ منك قَبلتُه، وإن رَدَهُ عليكم رَدْدته. قال: فإني فاعل، فَخَرَج معي وخَرَجَ بَالناقة التي عَرَضَ عَلَي حتى قَدمْنَا على رسولِ الله- ﵇، فقال له: يا نبَي الله أتَانِي رسولُكَ ليأخذ من (٤) صدقَةَ مَالي، وايْمُ الله ما قَامَ في مَالي رسول الله، ولا رسولُهُ قط قبلَه، فجمعتُ له مَالي، فَزَعَمَ أنه ما عَلَي فيه بنتُ (٢) مَخًاضٍ، وذلك مَالا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضْتُ عليه نَاقةً فَتِيةًَ عَظيمةً لِيأخذها فأبى عَلَي، فَها هِي (٥) ذه يا رسولَ اللهِ
стр. 2795
قَد جئتُك بها فخذها فقالَ له رسولُ الله- ﵇: ذاكَ الذي عليكَ،
فإن تًطَوعْتَ بخيرِ آجَرَكَ اللهُ فيه وقَبِلنَاهُ منك. قال: فَهَا هِيَ ذه يا رسولَ الله،
قد جِئتُكَ بها فخذها. قال: فأمرَ رسولُ الله- ﵇/ بِقَلصِهَا ودَعَى له في مَالِهِ بالبركةِ (٢) .
ش- محمد بن منصور العابد الطوسي، ويعقوب بن إبراهيم الزهري،
وأبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، ومحمد بن إسحاق بن يسار،
وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد، ويقال: أسعد بن زرارة التجاري الأنصاري،
روى عن: زيد بن ثابت، وأبي هريرةَ، وأم هشام بنت حارثه بن النعمان، وعمارة بن عمرو بن حزم. روى عنه عبد الله بن أبي بكر،
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإبراهيم بن محمد بن سعد بن زرارة،
روى له مسلم وأبو داود.
وعمارة بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد غنم بن
مالك بن النجار الأنصاري التجاري المدني، روى عن أبي بن كعب،
وعبد الله بن مالك. روى عنه يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد
ابن زرارة، وأبو حازم الأعرج. قال أحمد بن عبد الله: مدني تابعي
ثقة. روى له أبو داود وابن ماجه.
قوله: "لم أجد عليه فيه" أي: لم أجد من الواجب عليه في ماله.
قوله: "ذاك" إشارة إلى ابنة مخاضِ باعتبار المذكور.
قوله: "ما لا لبن فيه ولا ظهر" أي: بنت مخاض لا لبن فيها يشرب،
ولا ظهر يركب، لأنها ما دخلت في السنة الثانية، ولم تستحق للركوب،
ولا لإعطاء اللبن.
قوله: "فتية" أي: شابة.
стр. 2796
قوله: " وايم الله" من ألفاظ القسم كقولك لعمر الله، وعهد الله، وفيها لغات كثيرة: وتفتح همزتها، وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يمين، وغيرهم يقول هي اسم موضوع للقسم.
قوله: " فها هي ذه " كلمة " ها" للتنبيه، وهي ضمير المؤنث الغائب،
و"ذه " أصله ذي من أسماء الإشارة للمؤنث، كما أن " ذا" للمذكر، والهاء تلحقه في حالة الوقف، فيقال له.
قوله " آجرك الله " بمد الهمزة وقصرها، يقال آجره الله وأجره لغتان، وأنكر الأصمعي المد، يقال أجره بالقصر يأجره وتأجره، وآجره يؤجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء.
ويستفاد من الحديث أن الواجب على المصدق أن يأخذ الوسط من أموال الزكاة، وأن رب المال إذا تبرع فوق ما عليه من الواجب يقبل منه، ويثاب عليه.
١٧٠٣- ص- نا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا زكرياء بن إسحاق المكي، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄، أن رسولَ الله- ﵇ بَعَثَ مُعاذا إلى اليمنِ فقال: "إنك تَأتِي قوما أهلَ كتاب، فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ اللهِ، فإن هم أطَاعُوكَ لذلك فأعْلمهُم أنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صَلَوات في كلّ يومٍ وليلة، فإنْ هم أطَاعوكَ لذلك فأعْلِمْهُم أن اللهَ افترضَ عليهم صَدقة في أموالِهِم، تُؤخذُ مِنْ أغنيائِهِمْ، وتُردُ في فقرائِهِم، فإن هم أطَاعُوا لذلكَ فإياكَ وكَرَائِمَ أموالِهِم، واتَقِ دَعوةَ المظلوم، فإنها ليس بينها وبن اللهِ حجاب" (١) .
стр. 2797
ش- يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، ويقال: ابن محمد بن
عبد الله بن صيفي القرشي المخزومي المكي، روى عن أبي سعيد مولى ابن
عباس، وأبي سلمة بن سفيان وعكرمة بن عبد الرحمن. روى عنه
إسماعيل بن أبي أمية، وابن أبي نجيح، وزكريا بن إسحاق، وابن
جريج. روى له الجماعة.
وأبو معبد اسمه نافذ- بالنون، والفاء، والذال المعجمة- وقد
ذكرناه.
قوله: " أهل كتاب" منصوب على أنه بدل من "قوما" أو بيان عنه.
قوله: " لذلك" أي: للإتيان بالشهادتين.
قوله: " وكرائم أموالهم" الكرائم جمع كريمة، وهي النفيسة من المال،
وقيل: ما يختص صاحبه لنفسه منها ويؤثره.
قال صاحب " المطالع ": هي جامعة الكمال الممكن في حقها من
غزارة اللبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف.
وقال الشيخ محيي الدين: وهكذا الرواية " فإياك وكرائم " بالواو في
"وكرائم ". قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم بحذفها.
قلت: معنى "إياك" هنا: " اتق"، وهو الذي يقال له التحذير،
وهو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز عنه، واصطلاحا: هو
معمول بتقدير اتق تحذيراً مما بعده، والمحذر منه إذا ولي المحذر فإن كان
اسمه صريحا يستعمل بمن، أو الواو، ولايح (١) عنهما، وإلا لا يفهم
منه أنه محذر منه وإن كان فعلاً يجب أن يكون مع " أن " ليكون في تأويل
الاسم، فيستعمل بالواو عطفا نحو/ إياك وأن تحذف، فإن تقديره: إياك والحذف، أو"بمن" نحو: إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك
الأسد بدون الواو، وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد بحذف الواو،
ولكنه شاذ يكون من الضرورة.
стр. 2798
قوله: " فإنها" أي: فإن القصة والشأن "ليس بينها"، أي: بين دعوة المظلوم وبين الله "حجاب"، والمعنى: أنها مسموعة مستجابة لا ترد. ويستفاد من الحديث فوائد: قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وأن السنة أن الكفار يُدْعَوْنَ إلى التوحيد قبل القتال، وأنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة، وأن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة، وأن الظلم حرام أشد الحرمة، وأن الإمام ينبغي أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته، وأن يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في الزكاة، وأنه يأخذ الوسط، وأنه يحرم على رب المال إخراج شر المال، وأنه لا يدفع الزكاة إلى كافر، ولا يدفع إلى غني.
وتمسك به بعض الشافعية على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله- ﵇ "فترد في فقرائهم " قلت: هذا الاستدلال ليس بصحيح، لأن الضمير في "فقرائهم " يرجع إلى فقراء المسلمين، وهو أعم من أن يكون في فقراء أهل تلك البلدة أو غيرهم.
وقال الخطابي: فيه مستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشريعة الدين، وإنما خوطبوا بالشهادة، فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات، لأنه- ﵇ قد أوجبها مرتبة، وقدم فيها الشهادتين، ثم تلاها بالصلاة والزكاة.
وقال الشيخ محيي الدين: وهذا الاستدلال ضعيف، فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة.
ثم قال: ثم اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور والمنهي عنه، هذا قول المحققة والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين. وقيل: يخاطبون بالمنهي دون المأمور.
стр. 2799
قلت: قال شمس الأئمة في " كتابه " في "فصل بيان موجب الأمر في حق الكفار": لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، لأن النبي- ﵇ بُعثَ علىِ الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان، قال تعالى: ﴿قُل نا أيُّها النَّاسُ إِنِّي رسُولُ الله إليكُمْ جَميعا﴾ (١) ولا خلاف أنهم يخاطبون بالمشروع من العقوبات، فَلاَ خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضاً ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، مذهب العراقين من أصحابنا أن الخطاب متناول لهم أيضاً والأداء واجب عليهم، فإنهم لا يعاقبون على ترك الأداء إذا لم يكن الأداء واجبا عليهم، ومشايخ ديارنا يقولون: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات.
وقال الشيخ محيي الدين: وفيه- أي في الحديث- أن الوتر ليس بواجب، لأن بعْثْ معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي- ﵇ بقليل بعد الأمر بالوتر، والعمَل به.
قلت: لا نسلم أن فيه دليلان على عدم وجوب الوتر، لأن الحديث ما أحاط جميع الواجبات والفرائض، ألا ترى أنه لم يذكر فيه الصوم وغيره من الفرائض؟ ولهذا قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا الذي وقع في حديث معاذ من ذِكْرِ بعضِ دعائم الإسلام دون بعض، هو من تقصير الراوي، في (٢) يجوز أن يكون الوتر مذكورا فيه، وتَركَ الراوي ذكره اقتصاراَ كما ترك غيره. والحديث أخرجه الجماعة.
١٧٠٤- ص نا عتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، أن رسولَ الله- ﵇ قال: "المعْتَدِي (٣) في الصدقةِ كَمَانِعِهَا" (٤) .
стр. 2800
ش- الليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب: سويد المصري.
وسعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد الكندي المصري. قال ابن عدي: الليث يروي عن يزيد بن أبي حبيب، فيقول: سعد بن سنان. وعمرو بن الحارث وابن لهيعة يرويان عن ابن أبي حبيب فيقولان: عن سنان بن سعد، روى عن أنس بن مالك، روى/ عنه يزيد بن أبي حبيب، ولم يرو عنه غيره. وقال أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سعد بن سنان، لأنهم اضطربوا فيها. وقال النسائي: سعد بن سنان منكر الحديث. وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: أحاديث سعد بن سنان واهية، لا تشبه أحاديث الناس عن أنس. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) .
قوله: " المعتدي في الصدقة " وفي رواية "المتعدي"، وهو أن يعطيها غير مستحقها. وقيل: أراد أن الساعي إذا اتخذ خيار المال، وربما منعه في السنة الأخرى، فيكون الساعي سبب ذلك، فهما في الإثم سواء. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان.
١٧٠٥- ص- (٢) نا مهدي بن حفص ومحمد بن عبيد- المعنى- قالا:
نا حماد، عن أيوب، عن رجلٍ يقال له دَيْسَمُ، وقال ابن عبيد: من بني سدوس، عن بشير ابن الخصاصية قال ابن عبيد في حديثه: وما كان اسمه بشيرا، ولكن سماه رسول الله بشيراً (٣) قال: قلنا: إن أهلَ الصدقة يعتدون علينا أفنكتُمُ من أَموالِناَ بقدرِ ما يَعْتَدُونَ علينا؟ فقال: لا (٤) .
стр. 2801
ش- في بعض النسخ على أول هذا الحديث " باب رضا المُصدَق ". وحماد بن سلمة، وأيوب السختياني، وديسم- بفتح الدال المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة، وفي آخره ميم- روى عن بشير، روى عنه السختياني. روى له أبو داود.
وبشير- بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء- ابن الخصاصية- بفتح الخاء المعجمة، وبعدها صاد مهملة مفتوحة، وبعد الألف صاد مهملة مكسورة، وياء آخر الحروف مفتوحة مخففة، وتاء تأنيث- وهو اسم أمه، وأبوه معبد بن شراحيل بن سبع بن ضبارى بن سدوس السنوسي. وقال في " الكمال " وهو ابن الخصاصية، وهي أم ضبارى، واسمها كبشة، ويقال مارية بنت عمرو بن الحارث بن الغطاريف (١) .
قوله: " قال ابن عبيد " أي: محمد بن عبيد في حديثه " وما كان اسمه بشيرا" كان اسمه زحمة- بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ميم- " فسماه رسول الله بشيراً " روى عنه جُرَي بن كليب، وبشير بن نهيك، وديسم السنوسي وغيرهم. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: " يعتدون علينا " أي: يظلموننا، والألف في "أفنكتم " للاستفهام، وإنما نهاهم- ﵇ عن ذلك من أْجل أن للمصدق أن يستحلف رب المال إذا اتهمه، فلو كتموه شيئا منها واتهمه المصدق لم يجز لهم ابن يحلفوا على ذلك، فقيل لهم احتملوا الضيم ولا تكذبوهم، ولا تكتموهم، وفيه التحريض على طاعة السلطان وإن ظلمهم.
١٧٠٦- ص- نا الحسن بن علي، ويحيى بن موسى، قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب بإسناده وبمعناه، إلا أنه قال (٢) : يا رسول اللهم إِن أصحاب الصدقةِ (٣)(٤) .
стр. 2802
ش- يحيى بن موسى بن عبد ربه السختياني البلخي، وعبد الرزاق بن همام، وأيوب السختياني.
ص- قال أبو داودَ: رفعَهُ عبدُ الرزاق، عن معمر.
ش- أي: يرفع الحديث عبد الرزاق، عن معمر بن راشد.
١٧٠٧- ص- نا عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى قالا: نا بشر بن عمر، عن أبي الغُصْن، عن صخر بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن جابر ابن عتيق، عن أبيه، أن رسولَ الله- ﵇ قالَ: " سَيأتِيكُم رُكَيبٌ مُبَغضُونَ، فإذا (١) جاءوكُم فَرَحبوَا بهم، وخَلوا بينهم وبن ما يَبْتَغُونَ، فإن عَدلوا فلأنفُسهم، وإن ظَلَمُوا فعليها، فَأرْضُوهم (٢) ، فإن تمامَ زكاتكم رِضَاهُم، وليَدعوا لكُم" (٣) .
ش- صخر بن إسحاق، روى عن عبد الرحمن بن جابر بن عتيق. روى عنه أبو الغصن. روى له أبو داود.
وجابر بن عتيق بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب بن غنم بن سلمة، روى عن النبي- ﵇. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وعتيق بن الحارث. قيل: إنه شهد بدرا ولم يثبت، وشهد ما بعدها. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: " رُكيب" تصغير ركب، والركب جمع راكب. كصاحب وصحب، والركب الصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، ثم اتسع فأطلق على كل من ركب دابة، وفي رواية جاء مكبراً، وإنما وصفهم بقوله/ "مبغضون " لما في نفوس أرباب الأموال من حبها، وكراهة فراقها، إلا من عصمه الله تعالى ممن أخلص النية، فاحتسب منه الأجر والمثوبة.
стр. 2803
قال الخطابي: وفيه من العلم أن السلطان الظالم لا يُغالَب بأيد، ولا ينازعَ بالسلام.
قوله: " فرحبوا بهم" أي: قولوا له: مرحباً ومعناه أتيت سعةً ورحباً فاستأنِس ولا تستوحش.
قوله: "وبين ما يبتغون " أي: يطلبون.
ص- قال أبو داودَ: أبو الغصن هو ثابت بن قيس بن غصن.
ش- ثابت بن قيس الغفاري مولاهم أبو الغصن المدني، راعى أبا سعيد الخدري، وروى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبي سعيد المقبري، وابنه سعيد، ونافع بن جبير بن مطعم، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وإسماعيل بن أنيس، وصخر بن إسحاق مولى بني عمار، وأبو عامر العقدي وجماعة آخرون. قال ابن معين: ليست به بأس، وفي رواية: ليس حديثه بذاك، وهو صالِح. وقال أحمد: ثقة. وقال ابن حبان: كان قليل الحديث، كثير الوَهم فيما يرويه لا يحتج بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره. مات سنة ثمان وستين ومائة، وهو ابن مائة سنة، روى له أبو داود والنسائي.
١٧٠٨- ص- نا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد ح ونا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان- وهذا حديث أبي كامل-، عن محمد بن أبي إسماعيل قالا (١) : نا عبد الرحمن بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس- يعني: من الأعراب- إلى رسول الله ﵇ فقالوا: إن نَاسا من المُصدقينَ يأتُونَا فَيظلموَنا؟ قال: فقاَل: أرضُوا مصدَقيكُم قالوا: يا رسولَ الله وإنْ ظَلَمُونَا؟ قال: أرْضُوا مُصَدَقيكُم زادَ عثمانُ: وأن ظُلمتُم. وقَال (٢) أبو كامل في حديثه: قال جرير. ما صَدرَ عني مُصدق بعد ما سمعتُ هذا من رسولِ الله- ﵇ إلا وهو عَني راضٍ (٣) .
стр. 2804
ش- أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، وعبد الرحيم بن سليمان أبو علي الأشل الكناني الرازي، ومحمد بن أبي إسماعيل السلمي، واسم أبي إسماعيل راشد الكوفي، وعبد الرحمن بن هلال العبسي الكوفي، روى عن جريج بن عبد الله البجلي، روى عنه تميم بن سلمة، ومحمد بن أبي إسماعيل، وأبو الضحى مسلم بن صُبْيح وغيرهم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وجرير بن عبد الله البجلي. قوله: " يأتونا فيظلمونا" أصله يأتوننا ويظلموننا، وحذف النون منهما بلا ناصب ولا جازم، وهي لغة قوم، أو يقدر فيهما " أن" ويكون التقدير: أن يأتونا فيظلمونا.
قوله: " أرضوا" بفتح الهمزة لأنه أمر من أرضى يرضى إرضاء، وقيل معناه ببذل الواجب وملاطفتهم، وترك مشاقتهم، وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعي، إذ لو فسق لا نعزل، ولم يجب الدفع إليه، بل لا يجزئ. والظلم قد يكون بغير معصية، فإنه مجاوزة الحد، ويدخل في ذلك المكروهات؛ كذا قاله الشيخ محيي الدين.
قلت: نفس الظلم معصية، فكيف يكون الظلم بلا معصية، فيكون المعنى: تكون المعصية بلا معصية، والأولى أن يقال: هذا حض على الطاعة، وترك المخالفة، وحض على الألفة، وأمر بجمع الكلمة التي جعلها الله تعالى أصلا لإصلاح الكافة، وعمارة هذه الدار، ونظام أمر الدنيا والآخرة. والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
٦- باب: دُعاء المصدق لأهل الصدقة
أي: هذا باب في بيان دعاء المصدق- أي: الساعي- لأهل الصدقة.
١٧٠٩- ص- نا حفص بن عمر النمري وأبو الوليد الطيالسي- المعنى- قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي- ﵇ إذا أَتَاهُ قَوم بصدقَتِهم
стр. 2805
قال: اللهم صل على آل فُلان. قال: فأتاه أبي بصدقَته فقال: اللهم صَل
على آلِ أبي أوفى " (١)
ش- أبو الوليد هشام بن عبد الملك، وعبد الله بن [أبي] أوفى له
صحبة ولأبيه صحبة، واسم أبي أوفى علقمة، وكنية عبد الله أبو محمد،
ويقال: أبو إبراهيم، ويقال: أبو معاوية، وهو آخر من مات من
أصحاب رسول الله بالكوفة، وأخوه زيد بن أبي أوفى له صحبه أيضاً
وقد ذكرناه مرةً.
قوله: " من أصحاب الشجرة " وهم الذين بايعوا رسول الله/ بالحديبية تحت شجرة، وكانت ثمرة، وذلك سنة ست من الهجرة.
قوله: " اللهم صل على آل أبي أوفى " قيل المراد به أبو أوفى، والآل
تقع على ذات الشيء، ومنه قوله- ﵇: " مِن مزامير اَل
داود". قيل: أراد به داود. وقيل في آل محمد: إنهم أمته، وقيل
نفسه، وهو مذهب الحسن البصري، فإنه كان يقول في صلاته على النبي
﵇: "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل أحمد " يريد
نفسه. وقيل: اَل محمد أتباعه. وقيل: الأتباع والرهط والعشيرة.
وقيل: اَل الرجل ولده. وقيل: قومه. وقيل: أهله الذين حرمت
عليهم الصدقة. وقيل: كل تقي إلى يوم القيامة، فهو آله- ﵇.
وقد احتج بالحديث من جوز الصلاة على غير الأنبياء بالاستقلال، وقد
مر الكلام فيه في "كتاب الصلاة" مستوفى.
ثم مذهب الجمهور: أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبة وليس بواجب