ابن جَعْفر، والليث بنَ سَعْد، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: "حشفا" الحَشَفُ: اليابس الفاسدُ من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص. وفي بعض النسخ: "وقد علّق قِنْوَ حشف" موضع " منّا حشفا"؛ والقنْوُ- بكسر القاف وسكون النون- العذْقَ بما فيه من الرطيب، وجمعه: أقناء.
قوله: " لو شاء ربّ هذه الصدقة" أي: صاحبُها. ويُستفادُ من الحديث: أن التمر الرديء لا يؤخذ في الصدقة، وأنه ينبغي للرجل أن يتصدق لله تعالى بأحسنِ شيء عنده حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لله مَا يَكْرَهُون﴾ (٢) وأن المتصدق يجازى يوم القيامة بنظير ما تصدق. والحَديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه.
١٦- بَابُ: زَكَاة الفطرِ
أي: هذا باب في بيان صدقة الفِطْر.
١٧٢٨- ص- نا محمود بن خالد الدمشقي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قالا: نا مروان- قال عبد الله: نا أبو يزيد الخولاني كان شيخ صدق وكان ابن وهب يروى عنه-: نا سيار بن عبد الرحمن- قال محمود: الصدفي-، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فَرضَ/ رسولُ الله ﵇: " زَكَاةَ الفطرِ طُهرَةً للصِيام من اللغو والرفَثِ، وطُعْمَةً للمَسَاكينِ، مَنْ أداهَا قبلَ الصَلاةِ فهي زَكاة مقْبولة له، (٣) ، ومن أداهَا بَعد الصلاة فهي صَدقة من الصدقاتِ" (٤) .
стр. 2837
ش- عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد، أبو محمد السمرقندي الدارمي التميمي، من بني دارم بن مالك بن حنظلة ابن زيد مناف بن تميم، روى عن: محمد بن يوسف الفريابي، وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الرحمن- دُحَيْم-، والفضلَ بن دكين وغيرهم، روى عنه: أبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو داود، والترمذي، والحسن بن الصباح وغيرهم، قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين (١) .
ومروان: ابن محمد الطاطري، وعبد الله: هو ابن عبد الرحمن
السمرقندي.
وأبو يزيد الخولاني: روى عن: سيار بن عبد الرحمن، روى عنه: عبد الله بن وهب. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٢) .
وسيار بن عبد الرحمن: الصَدَفي المصري، روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وبكير بن عبد الله بن الأشج وغيرهم، روى عنه: أبو يزيد الخولاني، والليث بن سَعْد، ونافع بن يزيد وغيرهم، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٣) .
ومحمود: هو ابن خالد الدمشقي.
قوله: " فرض رسولُ الله زكاة الفطر " أي: صدقة الفطر، تُطلقُ الزكاة على الصدقة كما تطلق الصدقةُ على الزكاة. وفيه؛ بيان أن صدقة الفطر واجبة، وبه استدل الجمهورُ على وجوب صدقة الفطر، وقد قال بعضهم: إن "فرض " بمعنى قدر، فلا يجبُ، وقيل: صدقة الفطر منسوخة بالزكاة ة وتعلقوا بخبر يروى عن قيس بن سَعْد أنه قال: أمرنا بها رسول الله- عمليه السلام- قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا بها ولم يَنهنا فنحن نَفْعلُه.
стр. 2838
قال الخطابي (١) : وهذا لا يدل على زوال وجوبها؛ وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا تُوجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات: الأموال، ومحل زكاة الفطر: الرقابُ، وقد عللت بأنها طهرة للصائم من الرفث واللغو، وكل من الصائمين يحتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب. انتهى.
قلتُ: غير أن الفقير يُسْتثنى منه لقوله- ﵇: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى " رواه أحمد، وفي رواية مسلم: " وخير الصدقة عن ظهر غنى " وهو حجة على الشافعي في قوله: تجب على مَنْ يملك زيادةَ على قوت يومه لنفسه وعياله. وقال بعضهم في قوله: "زكاة الفطر " أي: صدقة النفوس، والفطرة: اتصل الخلقة، وقيل: هو اسمها على لسان صاحب الشرع أضافها للتعريف، وقيل: إلى سبب وجوبها، وقيل: إلى وقت وجوبها، ويقال فيها: زكاة رمضان، ويصح أن يقال: زكاة الصوم؛ فإنها شهرة له.
قوله: "طهرةً للصائم " انتصابها على التعليل أي: لأجل تطهير الصائم من اللغْو، وهو القول الباطل أو الكلام المطرح. والرفث: الفحش من القول.
قوله: "وطعمةً" عطف على قوله "طُهرةَ". والطعْمةُ- بضم الطاء وسكون العين- المَأكُلَةُ.
قوله: "من أداها" أي: من أدى زكاة الفطر قبل الصلاة- أي: صلاة العيد. واختلف العلماء في وقت وجوبها ووقت إخراجها؛ فعند أبي حنيفة وأصحابه: يتعلق بطلوع الفجر يوم الفطر، وقال الشافعي: بغروب الشمس في اليوم الأخير من رمضان حتى أن من أسلم أو ولد ليلة الفطر تجب فطرته عندنا، وعنده: لا تجب، وعلى عكسه: من مات فيها من مماليكه أو ولد له.
стр. 2839
وأما وقت إخراجها: فالمستحب إخراجها قبل الخروج إلى المصلى؛
وهو قول عامة أهل العلم، وقد رخص ابن سيرين والنخعي في إخراجها
بعد يوم الفطر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن لا يكون بذلك بأس.
وقال أصحابنا: فإن قدمها على يوم الفطر جاز، ولا تفضيل بين مدة
ومدة؛ وهو الصحيح. وعن خلف بن أيوب: يجوز تعجيلها بعد دخول
/ رمضان لا قبله. وقيل: يجور تعجيلها في النصف الأخير من رمضان. وقيل في العشر الأخير. وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها أصلا كالأضحية وتسقط بمضي يوم الفطر، والصحيح من المذهب: إنها لا
تسقط بالتأخير لأن وجه القربة فيها معقول فلا يتعذر وقت الأداء فيها بخلاف الأضحية.
قوله: "ومن أداهما بعد الصلاة" أي: بعد صلاة العيد. وليس فيها ما
يدل على أنه إذا أداها بعد الصلاة أنها لا تقبل؛ بل الذي يدل أن إخراجها
قبل الصلاة أفضل، لئلا يتشاغل الفقير بالمسألة عن الصلاة، والحديث:
أخرجه ابن ماجه. ورواه الدارقطني وقال: ليس في رواته مجروح.
ورواه الحاكم فيه المستدرك، (١) وقال: على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الشيخ في "الإمام": لم يخرج الشيخان لأبي يزيد ولا لسيارٍ، والله أعلم.
١٧- بَابُ: مَتَى تُؤَدى ؟
أي: هذا باب في بيان وقت أداء صدقة الفطرِ.
١٧٢٩- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير: نا موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر قال: أمَرنا رسولُ اللهِ- ﵇ بزكاةِ الفطرِ أن
стр. 2840
تؤدى قبل خُرُوج الناس إلى الصلاةِ. قال: وكان (١) ابنُ عُمرَ يُؤَديها قبلَ ذلك باليوم واليومينِ (٢) .
ش- زهير: ابن معاوية.
قوله: " أمرنا رسول الله- ﵇ " هذا الأمر للاستحباب لينتفع بها المسلمون، ويغنوا عن الطواف في ذلك اليوم- كما ذكرنا- فيجوز التقديم ولا تسقط بالتأخير. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وليس في حديثهم فعل ابن عمر ﵄. ورواه الدارقطني، وفيه: وإن عبد الله كان يخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" والدارقطني في "سننه " عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس قال: من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، ولا تخرج حتى يطعم.
١٨- بَاب: كَمْ يُؤدى في صَدقة الفطر ؟
أي: هذا ثالث في بيان كمية صدقة الفطر.
١٧٣٠- ص- نا عبد الله بن مسلمة: نا مالك، وقرأه مالك عليَّ- أيضاً- عن نافع، عن ابن عمر أن رسولَ الله- ﵇ فَرضَ زكَاةَ الفِطرِ - قال فيه فيما قَرَأه على مالك- زَكَاةَ اَلفطرِ من رَمضانَ صاعا (٣) من تَمر، أو صاعا (٣) من شَعِيرٍ على كل حُرٍ أو عبدٍ، ذكرٍ أم (٤) أنثى من المُسلمين. (٥)
стр. 2841
ش- انتصابُ " صاعا" على أنه بدل من قوله: "زكاة الفطر" المنصوب على المفعولية. وفي بعض النسخ: أن رسول الله- ﵇ فرض زكاة الفطر "قال فيه فيما قرأه على مالك زكاةُ الفطر من رمضانَ صاغ من تمرٍ أو صاع من شعيرٍ " إلى آخره بارتفاع صاع على أنه خبر لقوله: "زكاة الفطر" المرفوع بالابتداء. أما التمر والشعير فليس فيهما خلاف أنه يؤدي منهما صاعاً والخلاف في الحُرّ، والزبيب، فعند أبي حنيفة وصاحبَيه: يؤدى من البر نصف صاع. وهو قول جماعة من الصحابة. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا يجزئه أقل من صاع. وأما الزبيبُ: فكذا نصف صاع عند أبي حنيفة في رواية، وعند أبي يوسف، ومحمد: الزبيب بمنزلة الشعير؛ وهو رواية عن أبي حنيفة، وسيأتي دلائل كل واحد منهم إن شاء الله تعالى.
قوله: " على كل حر أو عبد " ظاهرُه: إلزام العبد نفسَه؛ إلا أنه لا ملك له فيلزم سيده إخراجه عنه. وقال داود: هو لازم للعبد، وعلى سيده أن يمكنه من الكسب، فيكتسب فيؤدي من كسبه.
وقال الخطابي (١) : وفيه دليل على وجوبها على الصغير منهم والكبير، والحاضر والغائب، وكذلك السبق منهم والمرهون والمغْصوب، وفيه دليل على أنه يُزكي عن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للخدمة، وعلى أنه لا يزيد عن عبيده الكفار لقوله: "من المسلمين" فَقيدَه بشرط الإسلام، فدلّ أن عبده الذمي لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. وروي ذلك عن الحسن البصري، وقال الثوري، وأصحاب الرأي: يؤدي عن العبد الذمي؛ وهو قول عطاء والنخعي.
قلت: قال أصحابنا: لا يجب عن عبده الآبِق؛ لأنه ليْس في محنته.
" (٢) وقد روى الدارقطني (٣) ثم البيهقي (٤) من حديث القاسم بن
стр. 2842
عبد الله بن عامر بن زرارة: نا عمير بن عمار الهمداني:/ نا الأبيض ابن الأغر: حدثني للضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر قال: " أمر رسول الله- ﵇ بصدقة الفِطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن يتمولون " قال الدارقطني: رفعه القاسم هذا؛ وهو ليس بالقوي؛ والصواب موقوف. وقال صاحب "التنقيح": القاسم وعمير لا يُعرفان بجرح ولا تعديل، وكلاهما من أولاد المحدثين؛ فإن والد القاسم مشهور بالحديث، وجد عمير هو أبو الغريف الهمداني الكوفي مشهور، والأبيض بن الأغر له مناكير (١) .
وقال أصحابنا: لا يزيد زكاة الفطر عن عبده للتجارة؛ لأنه يؤدي عنه الزكاة، فإذا أوجبنا عليه زكاة الفطر- أيضا- يُؤدي إلى الثني، ولا ثَني في الصدقة. وقال أصحابنا- أيضا-: يؤدي صدقة الفطر عن عَبْده الكافر؛ لما روى الدارقطني عن سلام الطَويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵇: " أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير، ذكر أو أنثى، يهودي أو نصراني، حر أو مملوك، نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو شعير"، وقال: لم يُسنده غير سلام الطويل؛ وهو متروك. ورواه ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال: زيادة اليهودي والنصراني فيه مَوضوعة، انفرد بها: سلام الطويل وكأنه تعمّدها وأغْلظ فيه القولَ عن النسائي، وابن معين، وابن حبان. قلت: جازف ابن الجوزي في مقالته من غير دليل، فكان ينبغي أن يذكره مثل الدارقطني، وكيف وقد أخرج الطحاوي في " المشكل " ما يؤيده، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان يُخرج زكاة الفطر عن كل إنسان
стр. 2843
يَعُول من صغيرٍ وكبير، حر أو عبد ولو كان نصرانيا مُدَيْن من قمح، أو صاعا من تمرٍ. وحديث ابن لهيعة يَصلح للمتابعة؛ سيما من رواية ابن المبارك عنه.
وأخرج عبد الرزاق في "مُصنفه "، عن ابن عباس قال: يخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مملوك له وإن كان يهوديا أو نصرانيا.
وأخرج الدارقطني، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يخرج صدقة الفطر عن كل حر وعبد صغير وكبيرٍ، ذكر وأنثى، كافر ومسلم، حتى إن كان ليخرج عن مكاتبته من غلمانه. قال الدارقطني: وعثمان هذا هو الوقاصي؛ وهو متروك.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز قال: سمعته يقول: يؤدي الرجل المسلم عن مملوكه النصراني صدقة الفطر.
حدثنا عبد الله بن داود، عن الأوزاعي قال: بلغني عن ابن عمر أنه كان يُعطي عن مملوكه النصراني صدقة الفطر.
نا وكيع، عن ثور، عن سليمان بن موسى قال: كتب إلى عطاء يسأله عن عبيد يهود ونصارى أطعم عنهم زكاة الفطر؟ قال: نعم.
نا ابن عياش، عن عبيدة، عن إبراهيم قال مثل قول عمر (١) بن عبد العزيز.
نا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: قال عطاء: إذا كان لك عبيد نصارى لا يُدارُون- يعني: للتجارة- فَزَك عنهم يوم الفطر.
وحديث ابن عمر: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ".
"وقال (٢) الشيخ في " الإمام": وقد اشتهرت هذه اللفظة- أعني
стр. 2844
قوله: " من المسلمين " من رواية مالك حتى قيل: إنه تفرد بها، قال أبو قلابة عبد الملك بن محمد: ليس أحد يقول فيه: " من المسلمين" غير مالك. وقال الترمذي بعد تخريجه له: زادَ فيه مالك: "من المسلمين" وقد رواه غير واحد عن نافع فلم يقولوا فيه: "من المسلمين". انتهى. قال: فمنهم الليث بن سعد؛ وحديثه عند مسلم، وعبيد الله (١) بن عمر؛ وحديثه- أيضا- عند مسلم، وأيوب السختياني وحديثه عند البخاري ومسلم- كلهم- رووه عن نافع، عن ابن عمر فلم يقولوا فيه: " من المسلمين" قال: وتبعهما على هذه المقالة جماعة، قال الشيخ: وليس بصحيح فقد تابع مالكا على هذه اللفظة من الثقات سبعة: وهم عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، والمعلى بن إسماعيل، وعُبيد الله ابن عمر، وكثير بن فرقد، وعبد الله بن عمر العمري، ويونس بن يزيد. فحديث عمر بن نافع: رواه البخاري في "صحيحه " عنه، عن أبيه:
/ نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله- ﵇ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعيرِ على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل الصلاة.
وحديث للضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم، عنه، عن نافع، عن
ابن عمر قال: فرض رسول الله- ﵇ زكاة الفطر من رمضان على كل نفسِ من المسلمين: حر أو عبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير، صاعا من تمر، أو صاعا من شعيرِ (٢) .
وحديث المعلى بن إسماعيل: أخرجه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الرابع والعشرين من القسم الأول، عنه، عن نافع، عن ابن عمر قال: أمر رسول الله زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل مسلم صغيرِ وكبير، حر أو عبدِ، قال ابن عمر: ثم إن الناس جعلوا عدل ذلك مدين من قمح.
стр. 2845
وحديث عبيد الله بن عمر: أخرجه الحاكم في "المستدرك " عنه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله- ﵇ فرض زكاة الفطر صاعا من تمرِ، أو صاعا من بر، على كل حرِّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، وصحّحه، ورواه الدارقطني في " سننه " والطحاوي في "مشكله" (١) .
وحديث كثير بن فرقد: أخرجه الحاكم في "المستدرك" عنه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله- ﵇ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من بر على كل حرِّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، وصحّحه، ورواه الدارقطني في "سننَه " والطحاوي في "مشكله " (٢) .
وحديث عبد الله (٣) بن عمر العمري: أخرجه الدارقطني، عنه، عن ابن عمر بنحوه سواء (٤) .
وحديث يونس بن يزيد: أخرجه الطحاوي في " مشكله " عنه أن نافعا أخبره قال: قال عبد الله بن عمر: فرض رسول الله- ﵇ على الناس زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل إنسان: ذكر أو أنثى، حر أو عبدِ من المسلمين (٥) .
قلت: التحقيق في هذا المقام: أن في صدقة الفطر نصان أحدهما: جعَل الرأس المطلق سببا وهو الرواية التي ليس فيها "من المسلمين "، والنص الآخر: جعَل رأس المسلم سبباً ولا تنافي في الأسباب إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة شرعا وحسا على سبيل البدل؛
стр. 2846
كالملك يثبت بالشراء والهبة والصدقة والوصية والإرث فإذا انتفت المزاحمة وجب الجمع لإجراء كل واحد من المطلق والمقيد على سننه من غير حمل أحدهما على الآخر، فيجب أداء صدقة الفطر عن العبد الكافر بالنص المطلق، وعن المسلم بالمقيّد.
فإن قيل: إذا لم يحمل المطلق على المقيّد أذى إلى إلغاء المقيّد ة فإن حكمه يفهم من المطلق فإن حكم العبد المسلم يُستفاد من إطلاق اسم العَبْد، فلم يبق لذكر المقيّد فائدة.
قلت: ليس كذلك؛ بل فيه فوائد، وهي أن يكون المقيد دليلاً على الاستحباب والفضل أو على أنه عزيمة والمطلق رخصة أو على أنه أهم وأشرف، حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق كتخصيص الصلاة الوسطى، وجبريل وميكائيل بعد دخولها في مطلق الصلوات ودخولهما في مطلق اسم الملائكة، ومتى أمكن العمل بهما، واحتمال الفائدة قائم، لا يجوز إبطال صفة الإطلاق.
١٧٣١- ص- نا يحيى بن محمدين الَسكن: نا محمد بن جهضَم: نا إسماعيل بن جعفر، عن عُمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: فَرَضَ رسولُ الله زَكَاةَ الفِطر صَاعا. فذكر معنى مالك، زاد: والصغيرِ والكبيرِ، وَأمرَ بهَا أن تُؤَدى (اَ) قبلَ خُروج الناسِ إلى الصًلاةِ (٢) .
ش- يحيى بن محمد بن السكن: ابن حبيب القرشي، أبو عبيد الله، ويُقال: أبو عُبَيد البصري البزار، سكن بغداد، روى عن: معاذ بن هشام، وروح بن عبادة، ومحمد بن جَهضم وغيرهم، روى عنه:
стр. 2847
البخاري، وأبو داود، والنسائي وجماعة آخرون، قال النسائي: ليس به بأس (١) .
وإسماعيل بن جعفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني.
وعمر بن نافع القرشي العدوي مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب،
أخو عبد الله وأبي بكر، روى عن: أبيه، والقاسم بن محمد، روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري،/ وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم، قال أحمد: هو من أوثق وَلَد
نافع، وقال ابن معين وأبو حاتم: لا بأس به. روى له: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٢) .
قوله: " فذكر معنى مالك " أي: معنى حديث مالك المذكور، وزاد في
روايته: "والصغير والكبيرَ" إلى آخره. وأخرجه البخاري، والنسائي
وقد ذكرناه الآن بلفظ البخاري.
ص- قال أبو داود: رَواه عبدُ الله العُمَري، عن نافعِ (٣) قال: على كلِّ مُسلمِ. َ
ش- أي: روى الحديث المذكور عبد الله بن عُمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب القرشي العُمري، عن نافع مولى ابن عُمر، عن
ابن عمر قال: على كل مسلم. ورواه الدارقطني (٤) من طريقه؛ ولفظه:
" زكاة الفطر فرض على كل مسلم: حُر وعبدِ، ذكر وأنثى من المسلمين،
صاع من تمر، أو صاع من شعير".
ص- ورواهُ سعيد الجُمحي، عن عبيد الله، عن نافعِ قال فيه: من
المسلمين، والمشهورُ عن عبيدِ اللهِ ليس فيه "مَن المسلمين".
ش- أي: روى الحديث المذكور سَعيد بن الحكم بن محمد بن
стр. 2848
أبي مريم الجُمحي أبو محمد المصرفي (١) ، عن عبيد الله بن عمر بن حفص أخو عبد الله بن عمر بن حفص المذكور، عن نافع، عن ابن عمر أن رسولَ الله- ﵇ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من بر على كل حر أو عبدٍ ذكر أو أنثى من المسلمين. ورواه الحاكم، والدارقطني، والطحاوي، وقد ذكرناه الآن.
قوله: " والمشهور عن عبيد الله" أي: الذي اشتهر من رواية عبيد الله المذكور أن رسول الله- ﵇ فرض زكاة الفطر، الحديث وليس فيه " من المسلمين " كما أشار إليه الترمذي، وقد ذكرناه.
١٧٣٢- ص- نا مسلّم أن يحيى بن سَعيد، وبشر بن المفضل حدثتهم عن عُبيد الله ح أنا مُوسى بن إسماعيل: نا أبان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله، عن رسولِ الله- ﵇ أنه فَرضَ صَدقةَ الفطرِ صَاعا من شَعير، أو تَمرٍ على الصَغيرِ والكبيرِ، والحرّ والمملوكِ. زَادَ مُوَسى: والذكرِ والأنثًى (٢) .
ش- أي: زاد موسى بن إسماعيل في روايته: والذكر والأنثى. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، ورواه أبو داود من طريقين، اْحدهما: من طريق مُسدد، عن يحيى بن سَعيد الأنصاري، والآخر: عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار- كما ترى.
ص- قال أبو داودَ: قال فيه أيوبُ وعبدُ الله في حديثهم (٣) : عن نافع: ذكرٍ أو أنثى- أيضاً.
стр. 2849
ش- أي: قال في الحديث أيوب السختياني، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري إلى آخره.
١٧٣٣- ص- نا الهيثم بن خالد الجُهني: نا حُسَين بن علي الجعفي، عن زائدة: نا عَبْد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كان الناسُ يُخْرِجُون صَدقةَ الفِطرِ على عهد رسول الله- ﵇ صاعا من شَعير أو تمر أو سلت أو زبيب. قال: قال عبَدُ اللهِ: فلما كانَ عُمرُ وكَثُرَت الحِنطة، جَعل عُمرُ نصْفَ صاع حِنطة مَكانَ صاع من تلك الأشْياء (١) .
ش- زائدة: ابن قدامه الكوفي.
قوله: " أو سلت "السلت- بضم السين المهملة، وسكون اللام، وبعدها تاء ثالث الحرَوف- ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنْطة، وقيل: هو نوع من الحنطة، والأول اْصح. والحديث: أخرجه النسائي - أيضا- وأعله ابن الجوزية بعبد العزيز، قال: قال ابن حبان: كان يُحدث على التوهم، فسقط الاحتجاج به. وقال زكي الدين في "مختصره": وفي إسناده: عبد العزيز وهو ضعيف. وقال صاحب "التنقيح": وعبد العزيز هذا وإن كان ابن حبان تكلم فيه فقد وثقه يحيى ابن سعيد القطان وابن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم، والمُوثقون له أعرف عن المُضعفين، وقد أخرج له البخاري استشهاده.
١٧٣٤- ص- نا مسدد، وسليمان بن داود العتبي قالا: نا حماد، عن أيوب، عن نافع قال: قال عبد الله: فَعدلَ الناسُ بَعدُ نصْفَ صاع من بحر. قال: وكان عبدُ الله يُعْطي التمرَ فأعوزَ أهلُ المدينةِ التمرَ عاما فأعطى الشعِير (٢) .
стр. 2850
ش- حماد بن سلمة، وأيوب السختياني، وعبد الله (١) بن عمر.
قوله: " بعدُ" أي: بعد أن كانوا يخرجون صاعا من شعير أو تمرٍ أو زبيبٍ. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي/ والنسائي مختصرا ومُطولا.
١٧٣٥- ص- نا عبد الله بن مسلمة: نا داود- يعني: ابن فيس-، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نُخرج إِذْ كان فينا رسولُ الله- ﵇ زَكاةَ الفطرِ عن كل صغيرٍ وكبيرٍ، حر أو مملوكٍ: صاعا منْ طعامٍ، صاعا من أقط (٢) ، أو صاعا من شَعيرٍ، أو صاعًا من تمر، أو صاعا من زَبيب، فلم نَزَل نُخْرِجُه حتى قَدِمَ معاوية حاجا أو مُعتمرا، فكلَّمَ الناسَ على المنْبر، فكان فيما كَلَّمَ به الناسَ أن قال: إني أرى مُدَّيْنِ (٣) من سَمْرَاء الشاب تعدلُ (٤) صاعا من تمر، فأخذ بذلك الناسُ، فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزالُ أَخْرجُه أبدا ما عشْت (٥) .
ش- داود بن قيس الفراء أبوه اليمن الدباغ المدني، وعياض بن عبد الله
ابن سَعد بن أبي سَرْح القرشي.
قوله: " إذ كان " أي: حين كان فينا رسول الله- ﵇.
قوله: " صاعا من طعام" استدلت به الشافعية أن صدقة الفطر من الحنطة صاع، وقالوا: المراد من الطعام: البر في العُرف، ولا سيما وقع في رواية للحاكم: "صاعا من حنْطةٍ " أخرجها في "المستدرك " (٦) من طريق
стр. 2851
أحمد بن حنبل، عن ابن علية، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكر عنده صدقة الفطر فقال: لا أخرج إلا ما كنتُ أخْرجُه في عهد رسول الله- ﵇ صاعا من تمرِ، أو صاعا من حنطة، أو صاعا من شعيرِ، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح، فَقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقْبلها ولا أعملُ بها. انتهى. وصححه، ورواه الدارقطني في "سننه" (١) من حديث يعقوب الدورقي، عن ابن علية، به سندا ومتنا. ومن الشافعيّة من جعل هذا الحديث حجة لنا من جهة أن معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التمر والزبيب. وقال الشيخ محيي الدين: هذا الحديث معتمد أبي حنيفة، ثم أجاب عنه بأنه فعل صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي- ﵇، وقد أخبر معاوية بأنه رأيي رآه لا قول سمِعَه من النبي- ﵇.
قلنا: أما قولهم: إن الطعام في العُرْف: هو البر، فممنوع؛ بل الطعام يُطلقُ على كل مأكول، وهنا أريد به أشياء ليست الحنطة منها، والدليل على ذلك: أن قوله: "صاعا من أقط" بدل من قوله: "صاعا من طعام" أو بيان عنه وما بعده عطف عليه، ولو كان المراد من قوله: "صاعا" من طعامه هو البر لقالَ: "أو صاعا من أقطِ" بحَرف (أو) الفاصلة بين الشيئين.
فإن قيل: قد روى غير. أبي داود بحَرْف " أو" من أوله إلى آخره: "صاعا من طعام، أو صاعا من أقط" إلى آخره. قلت: كفى لنا حجة رواية أبي داود مع صحة الحديث بلا خلاف، ومما يؤيد ما ذكرنا: ما جاء فيه عند البخاري، عن أبي سعيد قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام. قال أبو سعيد: وكان طعامنا: الشعير
стр. 2852
والزبيب والأقط والتمرُ، وأما ما رواه الحاكم فيه: " أو صاعا من حنطةٍ " فقد أشار أبو داود إلى هذه الرواية على ما يجيء الآن، وقال: وليس بمحفوظ. وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا ادْري ممن الوهم؟، وقول الرجل له: "أو مدين من قمح " دالّ على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم إذ لو كان صحيحا لم يكن لقوله: "أو مدين من قمح " معنى، وقد عرف تساهُل الحاكم في تصحيح الأحاديث المداولة.
وأما قول الشيخ محيي الدين: إنه فعل أصحابنا. قلنا: قد وافقه غيره من الصحابة الجمّ الغفيرة بدليل قوله في الحديث: "فأخذ الناس بذلك" ولفظة: " الناس " للعموم فكان إجماعاً وكذلك ما أخرجه البخاري ومسلم، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: " فرض رسول الله- ﵇ صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعا من تمر، أو صاعا من شعيرٍ، فعدل الناس به مدين من حنطة " (١) / ولا تضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله: أما أنا فلا أزال أخرجه؛ لأنه لا يَقْدح في الإجماع سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة، أو نقول: أفاد الزيادة على قدر الواجب تطوعاً
قوله: "من سَمْراء الشام " السمْراء- بفتح السين لمهملة، وسكون الميم، وبعدها راء مهملة ممدودة-: هو البر الشافي، ويَطلق على كل بر. والحديث: أخرجه الجماعة.
ص- قال أبو داود: رواه ابنُ عُلَيّةَ وعَبْدةُ وغيرُهما، عق ابن إسحاق، عق عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حِزَام، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري بمعناه، وذكر رجل واحد فيه عق ابن عُفَيةَ: أو صاعٍ حنطةٍ (٢) وليس بمحفوظ.
ش- أي: روى الحديث المذكور إسماعيل ابن علية، وعَبْدة السلْماني،
стр. 2853
عن محمد بن إسحاق، عن عَبْد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ القرشي الأسدي، عن عياض بن عَبْد الله بن سَعْد، عن أبي سعيد الخدري بمعنى الحديث المذكور، ورواه الحاكم، والدارقطني- كما ذكرناه آنفا.
قوله: " وليس بمحفوظ" أي: ليس ذكر " أو صاع حنطة" في الحديث بمحفوظ، وأشار به إلى تضاعيف هذه الرواية وقد ذكرناه الآن.
١٧٣٦- ص- نا مسدد: أنا إسماعيل ليس فيه ذكر الحنْطة (١) .
ش- أشار بهذه الرواية- أيضاً إلى تضعيف تلك الرواية التي فيها ذكر "أوْ صاع حنطة"، وذلك أن إسماعيل ابن عليّة أخبر مسدد بن مسرهد بهذا الحديث، وليس فيه ذكر الحِنطة.
ص- قال أبو داود: وقد ذكر معاوية بن هشام في هذا الحديث، عن الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري: نصفَ صاعٍ من بُر؛ وهو وهام من معاوية بنِ هشامٍ أو ممن روى عنه (٢) .
ش- أشار بهذا التعليق إلى أن الرواية التي فيها: " نصف صاع من بُرّ" وهم إما من معاوية بن هشام القصار الكوفي أو ممن روى عنه.
١٧٣٧- ص- نا حامد بن يحيى: أنا سفيان ح، ونا مسددّ: نا يحرص، عن ابن عجلان سمع عياضاً قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: لا أخرجُ أبدا إلا صاعا؛ إنا كُنا نُخرجُ على عهْد النبيَّ- ﵇ صاعَ تمر أو شعيرٍ أو أقط أو زبيبٍ (٣) .َ
стр. 2854
ش- سفيان: ابن عُيينة، ويحيى: القطان، ومحمد: ابن عجلان، وعياض: ابن عبد الله.
قوله: "أو أقل " الأقط- بفتح الهمزة وكسور القاف وفي آخره طاء مهملة-: وهو لبن مجفف يابسة مُستحجر يُطبخُ به. وقال الجوهري: الأقل معروف، وربما سكن في الشعر، وتنقل حركة القاف إلى قبلها، قال الشاعر:
رُويدَك حتى يَنْبُتُ البَقْلُ وَالغَضَا ... فيكْثُرُ أقْط عِنْدهم وحلِيبُ
وائتقطتُ: اتخذتُ الأقط، وهو افتعلتُ، وأقَطَ طعامَه يأقطُه أقْطا عملَه بالأقِطِ فهو مأقوط،َ وهو بالفارسية: مَاسْتينَه. وبه استدَل مالك على أنه يخرج من الأقل صاعاً وبما مضى من الرواية- أيضاً واعتبر أصحابنا فيه القيمة.
" (١) قال القاضي: واختلف في النوع المخرج فأجمعوا أنه يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافا في البر لمن لا يعتد بخلافه، وخلافا في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع مردود قوله به. وأما الأقِط: فأجازه مالك، والجمهور ومنعه الحسنُ، واختلف فيه قول الشافعي، وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاسَ مالك على هذه الخمسة كل ما هو عيش أهل بلد من القطاني وغيرها، وعن مالك قول آخرُ: أنه لا يجزئ غير المنصوص عليه في الحديث وما في معناه، ولم يجز عامة العلماء إخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة. وقال الشيخ محيي الدين: قال أصحابنا: جنْس الفطرة: كل حب يجبُ فيه العشر، ويجزئ الأقل على المذهب، والأصح أنه يتعين عليه غالب قوت. البلدة، الثاني: يتعلق قوت نفسه، والثالث: يتخير بينهما، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه أجزأت، وأن عدل إلى دونه لم يُجزِئه،.
قلت: قال أصحابنا: دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها، سواء كان
стр. 2855
أيام الشدة أو لم يكن، ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة، ودقيق الشعير
وسويقه كالشعير، وإن أراد أن يعطي من الحبوب من جنس آخر يعطي
بالقيمة لأنه ليس بمنصوص عليه.
ص- هذا حديث يحيى. زاد سفيان فيه/: أو صاع من دقيق. قال حامد فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة. "
ش- أي: المذكور حديث يحيى بن سعيد القطان.
قوله: " زاد سفيان فيه" أي: زاد سفيان بن عيينة في الحديث: " أو صاع من دقيق ".
قوله: "قال حامد" يعني: حامد بن يحيى أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " فهذه الزيادة" أعني: قوله: "أو صاع من دقيق" وهم من
سفيان بن عيينة. وقال البيهقي: رواه جماعة، عن ابن عجلان منهم:
حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه: أخرجه مسلم في "الصحيح "
ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد بن مسعدة، وغيرهم ة فلم ينكر
أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكروا عليه فتركه، وروي عن ابن
سيرين، عن ابن عباس مُرْسلاً موقوفا على طريق التوهم وليس بثابتٍ،
ورُوي من أوجه ضعيفة لا يُسْوى ذكرها.
قلت: ولذلك قال أصحابنا: الأولى أن يُراعَى في الدقيق القدر والقيمة
وكذا في السويق احتياطا.
١٩- بَابُ: مَنْ رَوَى نِصْفَ صَاعٍ مِن قَمْحٍ
أي: هذا باب في بيان روايات من روى نصف صاع من قمح في صدقة الفطر وفي بعض النسخ: "باب من رأى نصف صاع " من الرؤية. ١٧٣٨- ص- نا مسدد، وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حداد بن
стр. 2856
زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري. قال مُسدد: عن ثعلبة بن أبي صغَيْر، عن أبيه قال (١) : قال رسولُ اللهِ- ﵇: " صَاع من بر أو قَمح على كل اثنَيْنِ صغيرٍ أو كبيرٍ، حُر أو عبد، ذَكَر أو أنثى، أما غنِيكُم فيُزكيهِ اللهُ، وأما فَقِيرُكُم فيردُ اللهُ عليه أكثرَ مما أعطاهُ " (٢) .
ش- النعمان بن راشد: الجزري الرَّقي. روى عن: الزهري، وميمون بن مهران، وزيد بن أبي أنيسة. روى عنه: جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وضعفه يحيى بن سعيد جدا. وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناظير. وقال ابن مَعين: ضعيف. قال البخاري: وهِم في حديثه كثيراً وهو في الأصل صدوق. أخرج له الجماعة (٣) .
وثعلبة بن أبي صُعَيْر: ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير العذري، حليف بني زهرة. وقال ابن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك جميعا قد رأيا النبي- ﵇. وقال في "الكمال ": روى عن: النبي- ﵇ في زكاة الفطر. روى عنه: ابنه: عبد الله، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. روى له: أبو داود (٤) .
وذكر ترجمة ابنه: عبد الله فقال: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير بن عمرو بن زيد بن سنان بن المهتجر بن سلامان بن عَدي بن صُعَيْر بن حران بن كاهل بن عدي الشاعر العُذري حليف بني زهرة، وعُذرة هو ابن سَعْد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسلم بن إلحاف ابن قضاعة، يكنى: أبا محمد، مسَح رسول الله رأسه زمن الفتح ودعى
стр. 2857
له، وحفظ عنه. روى له البخاري حديثاً وروى عن: أبيه، وعمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالرابية. وروى عن: جابر بن عبد الله، وعن سعد بن أبي وقاص أنه شهد بدراً، وأنه كان يوتر بواحدة، ولم يُرو له عن النبي- ﵇. روي عنه: سعد بن إبراهيم، والزهري، وعبد الله بن مسلم أخو الزهري، وغيرهم. وقيل: إنه ولد قبل الهجرة بأربع سنين، وتوفي سنة سبع وثمانين وهو ابن ثلاث وتسعين، وقيل: إنه توفي وهو ابن ثلاث وثمانين، وقيل: إنه ولد بعد الهجرة، وأن رسول الله توفي وهو ابن أربع سنين. وروى له: أبو داود، والنسائي. وقال المزني: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير العذْري، أبو محمد المدني الشاعر، ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير، وأمه من بني زهرة، مسح رسولُ الله وجهه ورأسه زمن الفتح ودعي له. روى عن النبي- ﵇، وعن أبيه: ثعلبة بن صعير، وجابر بن عبد الله، وسَعْد بن أبي وقاص، وعليه بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبي هريرة. روى عنه: سعد بن إبراهيم، وعبد الله بن مسلم أخو الزهري، وعبد الحميد بن جَعْفر- ولم يُدركه-، ومحمد بن مسلم الزهري. قال سَعْد بن إبراهيم: نا عبد الله بن ثعلبة بن الأصْغر ابن أخت لنا. انتهى (١) . وصُعَيْر- بضم الصاد وفتح العَيْن المهملتين، / وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء.
قوله: "صاع " مرفوع بالابتداء وتخضع بالصفة، وهي قولُه:"من بر" وخبره: قوله: "على كل اثنَيْن ".
قوله: "أما غنيكم فيزكيه الله " أي: يُطهره الله من وسخ الآثام، أو معناه: يَزيدُه الله تعالى بركةً في ماله لأن معنى الزكاة: النماء وهي الزيادة، يُقال: زكى الزرع إذا نمشى.
стр. 2858
قال الخطابي (١) : في هذا حجة لمنْ ذَهب إلى أن صدقة الفطر من البر نصْف صاع، وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل كوجوبها على البالغ، وفيه بيان ابن الفقير تلزمه صدقة الفطر إذا وجد ما يؤديه، ألا تراهُ يقولُ: "وأما فقيركم فيردّ اللهُ عليه أكثر مما أعطاه"، فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيْره. وفي قوله: " ذكر أو أنثى" دليلٌ لمنْ أسقط صدقة الزوجة عن الزَّوْج لأنه في الظاهر: إيجاب على المرأة، فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل، وهو مذهب أصحاب الراوي، والثوري. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يُخرج عن زوجته لأنه يمونها.
قلت: قوله: " فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه " غير مُسلم. لأن اللفظ ليْس فيه ما يَدلُّ على أنها تجب على الفقير بل مَعْناه: أن الفقيرَ إذا تبرع بها ابتغاء لمرضاة الله تعالى، فالله تعالى يُجازِيه في الدنيا بأن يرد عليه كثر مما أعطاه، وفي الآخرة بالثواب الجزيل.
" (٢) واعلم أن هذا الحديث الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة
له وجوه، اْحدها: رواية بكر بن وائل رواه أبو داود على ما نذكره عن قريب.
الثاني: رواية النعمان بن راشد، وهي التي ذكرناها الآن، وأخرجه الدارقطني (٣) ، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن حماد بن زيد، به مرفوعاً " أدوا صدقة الفطر صاعا من تمرٍ، أو صاعا من شعير، أو نصْف صاع من بُر" إلى آخره، ثم أخرجه عن يزيد بن هارون (٣) ، عن حماد بن زيد، به قال: " أدوا عن كل إنسان صاعا من بر عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والغني والفقير" إلى آخره، ثم أخرجه (٤) ، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به، عن ثعلبة بن أبي صغير به،
стр. 2859
عن أبيه بنحو رواية يزيد، ثم أخرجه (١) عن خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، وقال: بهذا الإسناد نحوه.
الوجه الثالث: رواية ابن جرْجة عن الزهري أخرجها الدارقطني عن يحيى بن جرجة، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر أن رسول الله خطب فقال: " إن صدقة الفطر مدين من برّ عن كل إنسان، أو صاع مما سواه من الطعام" (٢) ، ويحيى بن جرْجة: روى عنه: ابن جريج، وقزعة بن سويد. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو شيخ. وقال الدارقطني: ليس بقوي.
الوجه الرابع: رواية ابن جريج، عن الزهري؟ رواه عبد الرزاق في "مُصنفه ": أخبرنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة قال: خطب رسول الله- ﵇ الناسَ قبل الفطر بيوم الو يومين فقال: (أدّوا صاعا من بر أو قمح بين اثنَيْن أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير وكبير". انتهى.
ومن طريق عبد الرزاق: رواه الدارقطني في "سننه " (٣) ، والطبراني في "معجمه"، وهذا سند صحيح قوي.
الوجه الخامس: رواية بحر بن كنيز (٤) السقا، عن الزهري أخرجه الحاكم في " المستدرك " في كتاب "اَلفضائل " (٥) عن بحر بن كنيز (٤) : نا الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن أبيه، عن النبي- ﵇ أنه فرض صدقة الفطر عن الصغير والكبير صاعا من تمر أو مدين من قمح. انتهى وسكت عنه ثم قال: وقد رواه أكثر أصحاب الزهري، عنه، عن عبد الله بن ثعلبة، عن النبي لم يذكروا أباه. انتهى.
وقال الدارقطني في " علله": هذا حديث اختلف في إسناده ومَتْنه
стр. 2860
أما سندُه: فرواه الزهري، واختلف عليه فيه فرواه النعمان بن راشد، عنه، عن ثعلبة بن أبي صُعَير، وقيل: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن أبي هريرة، وقيل: عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وقيل: عن عقيل، ويونس، عن الزهري، عن سعيد مرسلاً، ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وأما اختلاف متنه: ففي حديث سفيان بن حسين، عن الزهري: "صاع من قمح "، وكذلك في حديث النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صفير، عن أبيه: " صاع من/ قمح عن كل إنسان"، وفي حديث الباقين (١) : "نصف صاع من قمح" قال: وأصحها عن الزهري، عن سعيد بن المسبب مرسل. انتهى.
وقال الشيخ في " الإمام ": وحاصل ما تُعمل به هذا الحديث أمران، أحدهما: الاختلاف في اسم أبي صُعَيْر فقد تبلغ من جهة أبي داود، عن مسعد: ثعلبة بن أبي صُعَيْر، ومن جهته- أيضاً عن سليمان بن داود: عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وكذلك- أيضاً عند أبي داود في رواية بكْر بن وائل: ثعلبة بن عبد الله، أو قال: عبد الله بن ثعلبة- على الشك-، وعنده- أيضا- من رواية محمد بن يحيى وفيه الجزْم بعبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، وكذلك رواية ابن جريج، وعند الدارقطني من رواية مسدد، عن ابن أبي صعير، عن أبيه لم يُسَمه، ثم أخرجه الدارقطني، عن همام، عن بكر أن الزهري حدّثه، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه قال: نحوه- يعني: "نحو حديث مسدّد " فإنه ذكره عقابه، وهذا يحتاج إلى نظر فإنه ذكره من رواية مسدّد، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن أبي صُعَيْر، عن أبيه مرفوعاً "صدقة الفطر صاع من
стр. 2861
بر أو قمح عن كل رأسِ " كذا في النسخة العتيقة الصحيحة. ورواية أبي داود، عن مسدد فيها: " أدوا صاعا من بر أو قمح عن كل اثنين "، وهذا مخالف للأول، والله العلم. وفي رواية سليمان بن حرب، عن حماد الجزمُ بثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه عند الدارقطني، والجزْمُ بعبْد الله بن ثعلبة في رواية بحر بن كنيز (١) - كما تقدم عند الحاكم- والشك في رواية يزيد بن هارون، عن حماد فيها عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير أو عن ثعلبة، عن أبيه عند الدارقطني- أيضاً-
العلة الثانية: الاختلاف في اللفظ ففي حديث سليمان بن حرْب عند الدارقطني، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه مرفوعاً "أدوا صاعا من قمح " الحديث، ثم أتبعه الدارقطني برواية خالد بن خدام، عن حماد بن زيد، وقال: بهذا الإسناد مثله. وقد تقدم من رواية أبي داود، عن مسدد: "صاع من بر أو قمح على كل اثنين ". وأخرجه الدارقطني، عن أحمد ابن داود المكي، عن مسدد: ثنا حماد بن زيد، به، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه مرفوعاً "أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو قمح عن كل رأس " الحديث. وفي رواية بكر بن وائل قيل: "عن كل رأس " وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في كتاب "العلل": إنما هو عبد الله بن ثعلبة، وإنما هو "على كل رأس أو كل إنسان" هكذا رواية بكر بن وائل لم يقم الحديث غيره قد أصاب الإسناد والمتْنْ. قال الشيخ: ويمكن أن تحرف " رأس " إلى " اثنين"، ولكن يبعد هذا بعض الروايات، كالرواية التي فيها "صاع بر أو قمح بين كل اثنين" انتهى. وقال صاحب "تنقيح التحقيق " بعد ذكره هذا الاختلاف: وقد رُوي
على الشك في الاثنين. قال أحمد بن حنبل (٢) : حدثنا عفان قال: سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر؟ فحدَثني عن نعمان بن راشد،
стр. 2862
عن الزهري، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه أن رسول الله- عليه
السلام- قال: "أدوا صاعا من قمح، أو صاعا من بر- وشك حداد-
عن كل اثنين صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غني أو فقير،
أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيردّ عليه كثر مما يُعطي ". انتهى.
ثم قال: قال مهنأ: ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر: "نصف صاع من بُرّ "، فقال: ليس بصحيح إنما هو مُرْسل
يَرْويه معمر، وابن جريج، عن الزهري مرسلاً قلت: مِن قبَلِ مَنْ
هذا؟ قال: من قبَلِ النعمان بن راشد وليس بالقوي في الحدَيث،
وضعّف حديث ابنَ أبي صعير، وسألته عن ابن أبي صعير: أهو مَعْروف؟
فقال: ومن يَعْرف ابن أبي صعير؟ ليس هو بمعروف. وذكر أحمد،
وابن المديني: ابن أبي صعير فضَعَفاه جميعاً وقال ابن عبد البر: ليس
دون الزهري من تقوم به الحجة، والنعمان بن راشد: قال معاوية، عن
ابن معين: ضعيف. وقال عباس عنه: ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد/ بن حنبل، عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال البخاري: في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق. انتهى.
قلت: قد مر ما ذكر عبد الغني في "الكمال "، وأبو الحجاج المزي
في "تهذيبه " في ترجمة عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، وأما النعمان بن
راشد فإن البخاري قد أخرج له، وقال: صدوق. وقال ابن عدي:
النعمان بن راشد قد احتمله الناس، روى عنه الثقات، مثل: حماد بن
زيد، وجرير بن حازم، ووهيب بن خالد، وغيرهم من الثقات، وله
نسخة عن الزهري، لا بأس به، والله أعلم " (١) .
ص- زاد سليمان في حديثه:" غني، أو فقير ".
ش- أي: زاد سليمان بن داود العتبي- أحد شيوخ أبي داود في روايته
الحديث: يغني، أو فقيرة.
стр. 2863
١٧٣٩- ص- نا علي بن الحسن الدَرَابجِرْدي، نا عبد الله بن يزيد، نا همام، نا بكر هو ابن وائل، عن الزهري، َ عن ثَعلبة بن عبد الله، أو قال: عبد الله بن ثعلبة، عن النبي- ﵇ (١) .
ش- هذا مرسل.
وعليّ بن الحسن بن موسى بن ميسرة الهلالي أبو الحسن بن أبي عيسى النيسابوري الدَرَابِجِرْدِي. سمع: أبا جابر (٢) محمد بن عبد الملك، ومحمد بن جهضم، وأزهر بن القاسم المكي، وعبد الله بن يزيد، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرون. قال أبو حامد الشرقي: هو ثقة مأمون. وقال مسلم بن الحجاج: ذلك الطيب ابن الطيب، والدرابجردي نسبة إلى دارا بجرد، بفتح الدال المهملة، وسكون الألفية بينهما راء، ثم باء موحدة، وجيم مكسورة، وراء ساكنة، وفي آخرها دال مهملة. قال ابن حوقل: معناه: عمل دارا، وهي مدينة لها سور وخندق تتولد المياه فيه، وفيه حشيش يلتف على السابح فيه حتى لا يكاد يسلم من الغرق، وفي وسط المدينة جبل حجارة كالقبة، وليس له اتصال بالجبال، وبناحية دارا بجرد جبال من الملح: الأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، وينحت من هذا الملح موائد، ويحمل إلى البلاد، وقال في " المشترك ": وعَمَلُ دارا بجرد من أجَل كور فارس، وقال في "العزيزي ": وبأعمال دارابجرد معدن الموميا، وبها معدن زئبق. وقال صاحب " الكمال" في ترجمة علي بن الحسن هذا: ودارابجرد محلة متصلة بالصحراء في أعلى نيسابور وله بها مسجد مذكور، يتبرك بالصلاة فيه (٣) .
قلت: وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب
стр. 2864
"الأنساب ": الدرابجردي، والدرابجردي، الأول منسوب إلى دارابجرد فارس، وهو المشهور، الثاني منسوب إلى دارابجرد نيسابور، محلة من محالها بالصحراء من أعلى البلد، منها علي بن الحسن-ش موسى بن ميسرة الهلالي.
وعبد الله بن يزيد القرشي العدوي المقرئ، وهمام بن يحيى العوذي، وقد ذكرنا الاختلاف في ثعلبة بن عبد الله الآن.
١٧٤٠- ص- نا ابن يحيى النيسابوري، نا موسى بن إسماعيل، نا همام، عن بكر الكوفي، قال ابن يحيى: هو بكر بن وائل بن داود، أن الزهري حدثهم، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه، قال: " قَامَ رَسُوِلُ اللهِ ﵇ خَطيبا، فَأمَرَ بِصَدَقَة الفطر: صَاع بمر، أو صَاع شعير، على (١) كُل رَأس "، زاد عليه في حديَثه:" أَو صَاع بر، أو قَمح بين اثنَينً، ثم اتفقا عن الصغير، والكبيرِ، والحرّ، والعبدِ" (٢) .
ش- محمد بن يحيى النيسابوري أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " صاع تمر" بالجر على أنه بدل من قوله: " بصدقة الفطر"، ويجوز رفعه على تقدير: هو صاع تمر.
قوله: "زاد عليه" وهو عليه بن الحسن الدرابجردي المذكور آنفاً.
قوله: "ثم اتفقا " يعني: عليا، ومحمد بن يحيى.
والحديث أخرجه الدارقطني (٣) : عن عمرو بن عاصم، عن همام،
عن بكر بن وائل، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه بلفظ: " إن رسول الله قام خطيباً فأمر بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل واحد، أو صاع قمح ".
стр. 2865
١٧٤١- ص- نا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، قال، وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة: قال ابن صالح: قال العَدَوي (١) - وإنما هو العُذري-: " خَطَبَ رسولُ اللهِ الناسَ قَبلَ الفِطرِ بيومين " (٢) بمعنى حديثِ المقرئ.
ش- ابن صالح أحمد بن صالح، قال العدوي: بفتح العين والدال المهملين، وكسر الواو، نسبة إلى عدي، والعُذري بضم العين المهملة، وسكون/ الذال المعجمة، وكسر الراء نسبة إلى عذرة، وقد ذكرناه. قوله: " بمعنى [.......] (٣) المقرئ المذكور آنفاً
١٧٤٢- ص- نا محمد بن المثنى، نا سهل بن يوسف، قال حميد: أخبرنا عن الحسن، قال: "خَطَبَ ابنُ عَباسٍ في آخِرِ رَمضانَ على منبرِ البَصرةِ، فقالَ: أخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمكُم، فكأن الناسَ لم يَعْلَمُوا، قال: َ مَن هاهنا من آلِ المدينة؟ قُومُوا إلى إَخوانِكُم فعلمُوهُم، فإنهم لا يَعْلَمُون فَرَضَ رسولُ الله هذهِ الصدقةَ صاعا من تمر، أو شَعيرٍ، أو نصفَ صاعٍ قَمح (٤) ، على كَل حُر، أو مَمْلُوك، ذَكَرٍ، أول أنثى، صغير، أو كَبير، فلما قَدمًَ عَلِي رَأى رُخْصَ السعْر، قالت: قَدْ أوْسَعَ اللهُ عليكما، فلو جًعَلتُمُوهُ صًاعا من كل شيء" قال حميد: وكانَ الحسنُ يرى صَدقةَ رمَضانَ على من صَامَ (٥) .
ش- سهل بن يوسف أبو عبد الرحمن الأنماري، ويقال: أبو عبد الله البصري. روى عن: حميد الطويل، وعبد الله بن عون، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد
стр. 2866
ابن المثنى، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة، قد سمعت منه. روى له الجماعة (١) .
والحسن البصري.
قوله: " فلما قدم علي" أي: عليّ بن أبي طالب- ﵁. قوله: " فلو جعلتموه" جواب " لو" محذوف، والتقدير: فلو جعلتم نصف صاع صاعا من كل شيء لكان خيراً أو لكان حسناً ونحو ذلك، " (٢) والحديث أخرجه: النسائي، وقال: الحسن لم يسمع من ابن عباس. وقال زكي الدين عبد العظيم: وهذا الذي قاله النسائي هو الذي قاله الإمام أحمد، وعليّ بن المديني، وغيرهما من الأئمة. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: " خطبنا ابن عباس" يعني: خطب أهل البصرة. وقال عليّ بن المديني في حديث الحسن: " خطبنا ابن عباس بالبصرة"، إنما هو كقول ثابت: "قدم علينا عمران بن حصين "، ومثل قول مجاهد: "خرج علينا علي "، وكقول الحسن بن سراقة بن مالك بن جعشم: حدثهم. وقال ابن المديني أيضاً الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط، كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة. انتهى.
قلت: قال صاحب " تنقيح التحقيق ": الحديث رواته ثقات مشهورون لكنْ فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل، وقد جاء في "مسند أبي يعلى الموصلي " في حديث عن الحسن، قال: أخبرني ابن عباس، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه. انتهى.
وقال البزار في "مسنده " بعد أن رواه: لا نعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس، وقوله: "خطبنا" أي: خطب أهل البصرة، ولم يكن الحسن شاهد الخطبة، ولا
стр. 2867
دخل البصرة بعد؛ لأن ابن عباس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صفين. انتهي.
طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك " (١) : عن يحيى بن عباد السعدي، أنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: " أن رسول الله ﵇ بعث صارخا بمكة صَاحَ: إن صدقة الفطر حق واجب، مدين من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر ". انتهى.
ورواه البزار بلفظ: " أو صاع مما سوى ذلك من الطعام"، وصححه الحاكم، ورواه البيهقي وقال: تفرد به يحيى بن عباد، عن ابن جريج. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وقد تكلم العقيلي في يحيى هذا، وضعفه، وكذلك ضعفه الدارقطني، وقال الأسدي: منكر الحديث جدا عن ابن جريج.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (٢) ، عن الواقدي: نا عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس:" أن النبي- ﵇ أمر بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، ابو مدين من قمح ". انتهى. وأعلّ بالواقدي.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (٣) : عن سلام الطويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله- ﵇ "-: " صدقة الفطر عن كل صغير، وكبير، ذكر وأنثى، نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير". انتهى. وهو معلول بسلام الطويل/ وأخرج الترمذي (٤) عن سالم بن نوح، (٥) ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن النبي
стр. 2868
- ﵇ بعث رجلاً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم: ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، صغير، أو كبير، مدين من قمح، أو صاع مما سواه من الطعام "، وقال: حسن غريب، وأعلن ابن الجوزي في "التحقيق " بسالم بن نوح، قال: قال ابن معين: ليس بشيء، وتعقبه صاحب " التنقيح" فقال: هو صدوق. روى له مسلم في " صحيحه ". وقال أبو زرعة: صدوق دقة، ووثقه ابن حبان. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: فيه شيء. وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، وأحاديثه متقاربة محتملة.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (١) ، عن علي بن صالح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن رسول الله ﵇ أمر صائحا فصاح: إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم: مدين من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر". قال ابن الجوزي: وعلي بن صالح ضعفوه. قال صاحب "التنقيح ": هذا خطأ منه، ولا نعلم أحدا ضعفه، لكنه غير مشهور الحال، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: مجهول، لا أعرفه، وذكر غير أبي حاتم أنه مكي معروف، وهو أحد العباد، وكنيته: أبو الحسن. وروى عن: عمرو بن دينار، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، ويحيى بن جُرجَة، والأوزاعي، وعبيد الله بن عمر، وجماعة. وروى عنه: سعيد بن سالم القداح، ومعتمر بن سليمان، وسفيان الثوري. وروى له: الترمذي في "جامعه"، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال: يعرف، وتوفي سنة إحدى وخمسة ومائة، ورواه البيهقي (٢) كذلك عن المعتمر بن سليمان، عن علي بن صالح به، قال: ورواه سالم بن نوح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً ثم
стр. 2869
قال: قال الترمذي (١) : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال ة ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب. انتهى كلامه.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب: "أن النبي- ﵇ أمر صارخا يصرخ " الحديث، ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في "سننه " (٢) هكذا معضلا.
وأخرجه الدارقطني (٣) أيضا عن عبد الوهاب- هو ابن عطاء-: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن شعيب: "بلغني أن النبي- ﵇ أمر صارخا يصرخ " الحديث.
حديث آخر رواه الإمام أحمد في "مسنده " (٣) من طريق ابن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: وكنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله- ﵇ مدين من قمح بالمد الذي تقتاتون به "، وضعَّفه ابن الجوزي بابن لهيعة. قال صاحب "التنقيح ": وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة، سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه. حديث آخر أخرجه الدارقطني (٤) : عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي- ﵇ أنه قال في صدقة الفطر: "نصف صاع من بر، أو صاع من تمر". انتهى. والحارث معروف. وقال الدارقطني: والصحيح موقوف، ثم أخرجه: عن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن أبي إسحاق به موقوفا (٤) .
حديث آخر أخرجه الدارقطني (٥) أيضاً عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: "خطبنا رسول الله- ﵇ فقال: من كان عنده شيء فليتصدق بنصف
стр. 2870
صاع من بر، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من دقيق، أو صاع من زبيب، أو صاع من سلت".قال الدارقطني: لم يرو بهذا الإسناد غير سليمان بن الرقم، وهو متروك الحديث.
حديث آخر رواه أبو داود في "مراسيله " (١) : حدَّثنا قتيبة، أنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: "فرض رسول الله زكاة الفطر مدين من حنطة". قال ابن الجوزي: وهذا مع إرساله يحتمل أن يكون قوله: " مدين من حنطة" تفسيرا من سعيد. قال صاحب " التنقيح": قد جاء ما يرد هذا، فرواه سعيد بن منصور: حدَّثنا هشيم، عن عبد الخالق الشيباني قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: " كانت الصدقة تدفع على عهد النبي- ﵇ وأبي بكر نصف صاع [من] بر [ورواه الطحاوي، وأبو عبيد في كتاب "الأموال ": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أنا عبد الخالق بن سلمه الشيباني به، قال: كانت، (٢) صدقة الفطر على عهد رسول الله- ﵇ صاع تمر، أو نصف صاع حنطة [على كل رأس " انتهى] (٢) .
[وقال هشيم: اْخبرني] (٢) سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: "خطب رسول الله- ﵇، ثم ذكر صدقة الفطر، فحض عليها وقال: نصف صاع من بر، أو صاع تمر، أو شعير، عن كل حر، وعبد، ذكر، وأنثى ".
وقال الطحاوي: حدثنا المدني، هنا الشافعي، عن يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسبب: " أن رسول الله- ﵇ فرض زكاة الفطر مدين من حنطة". انتهى.
قال في " التنقيح": وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس، وكونه مرسلاً لا يضر، فإنه مرسل سعيد، ومراسيل سعيد حجة" (٣) .
стр. 2871
٢٠- باب: في تعجيل الزكاة
أي: هذا باب في بيان حكم تعجيل الزكاة.
١٧٤٣- ص- نا الحسن بن الصباحِ، نا شبابة، عن ورقاء، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: " بعَثَ رسولُ الله- ﵇ عمر ابن الخطاب على الصَدَقَة فمنعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بَني الوليد، والعباسُ، فقال رسولُ الله- ﵇: ما يَنقَمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فَقيراً فأغناهُ اللهُ! وأما خاَلدُ بنُ الوليد فإنكم تَظلَمُونَ خَالَداً، فقد احْتبَسً أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَه (١) في سَبيلِ الله، وَأما العباسُ (٢) فهي عَلَيَّ، ومِثْلها، ثم قال: أَمَا شَعُرْتَ أن عَمَ الرجالِ صَنْوُ الأبِ، أو صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (٣) .
ش- شبابة بن سوار الفزاري المدائني أبو عمرو، وورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، وأبو الزياد عبد الله بن ذكوان المدني، وعبد الرحمن الأعرج.
وابن جميل- بفتح الجيم، وكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، ولام- روى عنه: أبو هريرة، لا يعرف اسمه.
وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مهزوم بن نبطة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي، سيف الله، يكنى: أبا سليمان، وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي- ﵇ أسلم قبل يوم الفتح بعد الحديبية، وشهد مؤتة [و] يومئذ سماه رسول الله سيف الله، وشهد خيبر،
стр. 2872
والفتح، وحنيناً روي له عن رسول الله- ﵇: ثمانية عشر حديثاً اتفقا على حديث، وللبخاري حديث موقوف. روى عنه: قيس بن أبي حازم، وشقيق بن سلمة. مات بحمص، ودفن على ميل منها، وقيل بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله:" ما ينقم ابن جميل " يقال: نقم ينقم من باب علم يعلم، ونقم ينقم من باب ضرب يضرب، ويقال: نقم فيه الإحسان إذا جعل الإحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: أداءه غناه إلى كفر نعمة الله تعالى، فما ينقم شيئا في منع الزكاة، أي: ما ينكر ويكره إلا أن يكمل النعمة.
قوله: "احتبس" بمعنى: حبس "أدراعه": الأدرع جمع درع، بكسر
الدال، وهي: الزردية.
قوله: "وأعتاده" المعتاد- بفتح الهمزة- جمع عَتاد- بفتح العين- ويجمع على أعتاد وأعتد، وهي: آلات الحرب من السلاح، والدواب، وغيرها، وفي رواية: "احتبس أدراعه وأعتده". وقال الشيخ زكي الدين: وأعتده- بالتاء ثالث الحروف- جمع "عتد"- بفتح العين، وفتح التاء- وهو: الفرس الصلب، وقيل: المعد للركوب، وقيل: السريع الوثب، وصحَّحه بعضهم ورجحه، وقال: يعني خيله، ويكون فيه دليل على جواز تحبيس الخيل، وقيل: العتاد: كل ما أعده الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، ويكون فيه جواز تحبيس الدروع، والسيوف، والحجر، والخيل، والإبل، وقد جاء في بعض الروايات: "احتبس رقيقه ودوابه "، وروي: "وعتاده"، وأنكر بعضهم رواية: " أعتاده "، ولا يصح هذا الإنكار ة لأنه روي في " صحيح مسلم ":
стр. 2873
"واْعتاده "، يروي: "وأعبده " بالباء الموحدة جمع قلة للعبد، وروي: " وعقاره " بالقاف، والعقار: الأرض، والضياع، وا لنخل، ومتاع البيت. ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده / [وأخرج الترمذي (١) ، عن سالم بن نوح، (٢) ] عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي- ﵇ بعث مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، صغير، أو كبير مدين من قمح أو صاع مما سواه من الطعام " [لأنه حبسها] (٣) ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافا لداود، وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قال جمهور العلماء، إلا رواية عن أبي حنيفة، وقال بعضهم: هذه الصدقة التي منعها ابن جميل، وخالد، والعباس، لم تكن زكاة إنما كانت صدقة، حكاه القاضي عياض، قال: ويؤيده أن عبد الرزاق روى هذا الحديث، وذكر في روايته: " أن النبي ﵇ ندب الناس إلى الصدقة "، وذكر تمام الحديث. قال ابن القصار من المالكية: وهذا التأويل أليق، فلا يظن بالصحابة منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه، وقال في العباس: " هي عليه، ومثلها معها (٤) " أي: إنه لا يمتنع إذا طلبت منه، هذا كلام ابن القصار. قال
стр. 2874
القاضي: لكن ظاهر الأحاديث في " الصحيحين" أنها في الزكاة، لقوله: " بعث رسول الله عمر على الصدقة"، وإنما كان يبعث في الفريضة. وقال الشيخ محيي الدين: الصحيح المشهور: أن هذا كان في الزكاة،
لا في صدقة التطوع، وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم " (١) .
قوله- ﵇: "هي عليه، ومثلها معها (٢) " معناه: أني تسلفت منه زكاة عامين، وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة: معناه: أنا أؤديها عنه. وقال أبو عبيد، وغيره: معناه: أن النبي- ﵇ أخّرها عن العباس إلى وقت يساره، من أجل حاجته إليها، والصواب: أن معناه تعجلها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: " إنا تعجلنا منه صدقة عامين".
وقال الخطابي (٣) : وقوله في صدقة العباس: "هي عليه، ومثلها" فإنه يتأول على وجهين أحدهما: أنه كان قد تسلف منه صدقة سنتين، فصار دينا عليه، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها، وقد اختلف العلماء في ذلك، فأجازه (٤) كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها ذهب إليه: الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وكان مالك لا يرى تعجيلها عن وقتها، وروي عن الحسن البصري أنه قال: " للصلاة وقت، وللزكاة وقت، فمن صلى قبل الوقت أعاد، ومن زكى قبل الوقت أعاد" قال: قول الحسن ظاهر، والمعنى بخلافه لأن الأجل إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان فإن له أن يسوغ من حقه، ويترك الارتفاع به، كمن عجل حقا مسجلاً لأدمي، والوجه الأخر هو: أن يكون قبض منه- ﵇ صدقة ذلك العام التي شكاه فيها العامل، وتعجل صدقة عام ثان، فقال: " هي عليه، ومثلها" أي: الصدقة التي قد حلت، وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام لم يحل، وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجزها أكثر من صدقة عام واحد،
стр. 2875
وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون ﷺ قد تحمل بالصدقة، وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال:" إن عم الرجل صنو أبيه "، يريد: إن حقه في الوجوب كحق أبيه، إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد، فأنا أنزهه عن منع الصدقة، والمطل بها، وأؤديها عنه، والأول أصوب لأن الضمان فيما لا يجب على العباس ضمان مجهول، وضمان المجهول غير جائز، وقد روي: " أنه استأذن رسول الله- ﵇ أن يأذن له في تعجيل صدقته، فرخص له في ذلك"- لما يجيء الآن-.
قوله: "صنو أبيه " معناه: أن العم شقيق الأب، وأصل ذلك في النخلتين يخرجان من أصل واحد، يقال: صنو، وصنوان، وقنا، وقنوان، وقَل ما جاء من الجمع على هذا البناء، ويقال: أراد أن أصله، وأصل أبيه واحد، وقيل: الصنو: المثل، أراد أنه مثل أبيه، وفيه تعظيم له للعم.
وقال الجوهري: إذا خرج نخلتان/ [أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحد منهن صُنو، والاثنتان صنوانِ، والجمع صنوانُ برفع النون" (١) .
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، ولفظ البخاري والنسائي:" فهي عليه صدقة، ومثلها معها"، قال البيهقي: يبعد أن يكون محفوظا لأن العباس كان من جملة بني هاشم، تحرم عليه الصدقة،
وقال غيره: إلا أن يقال: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي
﵇ ورأى ﷺ إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وحكى البخاري، عن أبي إسحاق:" هي عليه، ومثلها معها" قيل: يحتمل أن يكون- ﵇ أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخير ذلك إذا أداءه اجتهاده إليه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ عام الزيادة (٢) إلى أن جبى الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين، ورواه موسى بن عقبة، فقال فيه: " فهي له، ومثلها