← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8540

شرح سنن أبي داود للعيني

بدر الدين العيني

Полный текст (2 976 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

٢٠- باب: في تعجيل الزكاة أي: هذا باب في بيان حكم تعجيل الزكاة. ١٧٤٣- ص- نا الحسن بن الصباحِ، نا شبابة، عن ورقاء، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: " بعَثَ رسولُ الله- ﵇ عمر ابن الخطاب على الصَدَقَة فمنعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بَني الوليد، والعباسُ، فقال رسولُ الله- ﵇: ما يَنقَمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فَقيراً فأغناهُ اللهُ! وأما خاَلدُ بنُ الوليد فإنكم تَظلَمُونَ خَالَداً، فقد احْتبَسً أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَه (١) في سَبيلِ الله، وَأما العباسُ (٢) فهي عَلَيَّ، ومِثْلها، ثم قال: أَمَا شَعُرْتَ أن عَمَ الرجالِ صَنْوُ الأبِ، أو صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (٣) . ش- شبابة بن سوار الفزاري المدائني أبو عمرو، وورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، وأبو الزياد عبد الله بن ذكوان المدني، وعبد الرحمن الأعرج. وابن جميل- بفتح الجيم، وكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، ولام- روى عنه: أبو هريرة، لا يعرف اسمه. وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مهزوم بن نبطة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي، سيف الله، يكنى: أبا سليمان، وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي- ﵇ أسلم قبل يوم الفتح بعد الحديبية، وشهد مؤتة [و] يومئذ سماه رسول الله سيف الله، وشهد خيبر،

стр. 2872

والفتح، وحنيناً روي له عن رسول الله- ﵇: ثمانية عشر حديثاً اتفقا على حديث، وللبخاري حديث موقوف. روى عنه: قيس بن أبي حازم، وشقيق بن سلمة. مات بحمص، ودفن على ميل منها، وقيل بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) . قوله:" ما ينقم ابن جميل " يقال: نقم ينقم من باب علم يعلم، ونقم ينقم من باب ضرب يضرب، ويقال: نقم فيه الإحسان إذا جعل الإحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: أداءه غناه إلى كفر نعمة الله تعالى، فما ينقم شيئا في منع الزكاة، أي: ما ينكر ويكره إلا أن يكمل النعمة. قوله: "احتبس" بمعنى: حبس "أدراعه": الأدرع جمع درع، بكسر الدال، وهي: الزردية. قوله: "وأعتاده" المعتاد- بفتح الهمزة- جمع عَتاد- بفتح العين- ويجمع على أعتاد وأعتد، وهي: آلات الحرب من السلاح، والدواب، وغيرها، وفي رواية: "احتبس أدراعه وأعتده". وقال الشيخ زكي الدين: وأعتده- بالتاء ثالث الحروف- جمع "عتد"- بفتح العين، وفتح التاء- وهو: الفرس الصلب، وقيل: المعد للركوب، وقيل: السريع الوثب، وصحَّحه بعضهم ورجحه، وقال: يعني خيله، ويكون فيه دليل على جواز تحبيس الخيل، وقيل: العتاد: كل ما أعده الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، ويكون فيه جواز تحبيس الدروع، والسيوف، والحجر، والخيل، والإبل، وقد جاء في بعض الروايات: "احتبس رقيقه ودوابه "، وروي: "وعتاده"، وأنكر بعضهم رواية: " أعتاده "، ولا يصح هذا الإنكار ة لأنه روي في " صحيح مسلم ":

стр. 2873

"واْعتاده "، يروي: "وأعبده " بالباء الموحدة جمع قلة للعبد، وروي: " وعقاره " بالقاف، والعقار: الأرض، والضياع، وا لنخل، ومتاع البيت. ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده / [وأخرج الترمذي (١) ، عن سالم بن نوح، (٢) ] عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي- ﵇ بعث مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، صغير، أو كبير مدين من قمح أو صاع مما سواه من الطعام " [لأنه حبسها] (٣) ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافا لداود، وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قال جمهور العلماء، إلا رواية عن أبي حنيفة، وقال بعضهم: هذه الصدقة التي منعها ابن جميل، وخالد، والعباس، لم تكن زكاة إنما كانت صدقة، حكاه القاضي عياض، قال: ويؤيده أن عبد الرزاق روى هذا الحديث، وذكر في روايته: " أن النبي ﵇ ندب الناس إلى الصدقة "، وذكر تمام الحديث. قال ابن القصار من المالكية: وهذا التأويل أليق، فلا يظن بالصحابة منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه، وقال في العباس: " هي عليه، ومثلها معها (٤) " أي: إنه لا يمتنع إذا طلبت منه، هذا كلام ابن القصار. قال

стр. 2874

القاضي: لكن ظاهر الأحاديث في " الصحيحين" أنها في الزكاة، لقوله: " بعث رسول الله عمر على الصدقة"، وإنما كان يبعث في الفريضة. وقال الشيخ محيي الدين: الصحيح المشهور: أن هذا كان في الزكاة، لا في صدقة التطوع، وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم " (١) . قوله- ﵇: "هي عليه، ومثلها معها (٢) " معناه: أني تسلفت منه زكاة عامين، وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة: معناه: أنا أؤديها عنه. وقال أبو عبيد، وغيره: معناه: أن النبي- ﵇ أخّرها عن العباس إلى وقت يساره، من أجل حاجته إليها، والصواب: أن معناه تعجلها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: " إنا تعجلنا منه صدقة عامين". وقال الخطابي (٣) : وقوله في صدقة العباس: "هي عليه، ومثلها" فإنه يتأول على وجهين أحدهما: أنه كان قد تسلف منه صدقة سنتين، فصار دينا عليه، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها، وقد اختلف العلماء في ذلك، فأجازه (٤) كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها ذهب إليه: الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وكان مالك لا يرى تعجيلها عن وقتها، وروي عن الحسن البصري أنه قال: " للصلاة وقت، وللزكاة وقت، فمن صلى قبل الوقت أعاد، ومن زكى قبل الوقت أعاد" قال: قول الحسن ظاهر، والمعنى بخلافه لأن الأجل إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان فإن له أن يسوغ من حقه، ويترك الارتفاع به، كمن عجل حقا مسجلاً لأدمي، والوجه الأخر هو: أن يكون قبض منه- ﵇ صدقة ذلك العام التي شكاه فيها العامل، وتعجل صدقة عام ثان، فقال: " هي عليه، ومثلها" أي: الصدقة التي قد حلت، وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام لم يحل، وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجزها أكثر من صدقة عام واحد،

стр. 2875

وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون ﷺ قد تحمل بالصدقة، وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال:" إن عم الرجل صنو أبيه "، يريد: إن حقه في الوجوب كحق أبيه، إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد، فأنا أنزهه عن منع الصدقة، والمطل بها، وأؤديها عنه، والأول أصوب لأن الضمان فيما لا يجب على العباس ضمان مجهول، وضمان المجهول غير جائز، وقد روي: " أنه استأذن رسول الله- ﵇ أن يأذن له في تعجيل صدقته، فرخص له في ذلك"- لما يجيء الآن-. قوله: "صنو أبيه " معناه: أن العم شقيق الأب، وأصل ذلك في النخلتين يخرجان من أصل واحد، يقال: صنو، وصنوان، وقنا، وقنوان، وقَل ما جاء من الجمع على هذا البناء، ويقال: أراد أن أصله، وأصل أبيه واحد، وقيل: الصنو: المثل، أراد أنه مثل أبيه، وفيه تعظيم له للعم. وقال الجوهري: إذا خرج نخلتان/ [أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحد منهن صُنو، والاثنتان صنوانِ، والجمع صنوانُ برفع النون" (١) . والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، ولفظ البخاري والنسائي:" فهي عليه صدقة، ومثلها معها"، قال البيهقي: يبعد أن يكون محفوظا لأن العباس كان من جملة بني هاشم، تحرم عليه الصدقة، وقال غيره: إلا أن يقال: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي ﵇ ورأى ﷺ إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وحكى البخاري، عن أبي إسحاق:" هي عليه، ومثلها معها" قيل: يحتمل أن يكون- ﵇ أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخير ذلك إذا أداءه اجتهاده إليه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ عام الزيادة (٢) إلى أن جبى الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين، ورواه موسى بن عقبة، فقال فيه: " فهي له، ومثلها

стр. 2876

معها "، قيل: له بمعنى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللعْنَةُ﴾ (١) ، وقال ﵎: ﴿وَإِنْ أسَأتُمْ فَلَهَا﴾ (٢) ، وقال بعضهم: والأشبه عندي احتمال النبي- ﵇ لها، على ما تقدم، وإخراجها عنه برأيه، ويعضده رواية: "فهي له، وصدقة عليه " لا على أنه أحل له الصدقة، لكنه تركها له، وأخرج الصدقة عنه من مال نفسه، والله أعلم. ١٧٤٤- ص- نا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن زكرياء، عن الحجاج ابن دينار، عن الحكم، عن حُجَيَّةَ، عن. عليّ: " أن العباسَ سألَ النبيَّ- ﵇ في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قبلَ أن تَحِل، فَرَخَّصَ له في ذلك (٣) " (٤) . ش- الحجاج بن دينار الواسطي، مولى أشجع، وقيل: السلمي. روى عن: معاوية بن قرة، ومنصور بن المعتمر، وأبي غالب حزور، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وإسماعيل بن زكرياء، ومحمد بن بشر العبدي. قال عبد الله بن المبارك: ثقة. وقال ابن معين: صدوق، ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث. وقال أبو حاتمي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٥) . والحكم بن عتيبة. وحجية بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، وتشديد الياء آخر الحروف، وفتحها، وبعدها تاء تأنيث: ابن عدي الكندي الكوفي. روى عن: علي بن أبي طالب. روى عنه: الحكم بن عتيبة، مسلمة بن سهيل. وقال علي بن المديني: ولا أعلم أحدا روى عن حجية إلا سلمة

стр. 2877

ابن سهيل، روى عنه أحاديث. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . ويستفاد من الحديث: جواز تعجيل الزكاة خلافا لمن منعه، وقد مر بيانه. والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه. ص- قال أبو داود: هذا الحديثُ رواه (٢) هُشيم، عن منصورِ بن زَاذانَ، عن الحَكَم، عن الحسنِ بنِ مسلم، عن النبي- ﵇ وحديث هُشيم أصح. ش- هذا معضل، وأشار أبو داود أنه أصح من الطريق المسند المذكور، وذكر البيهقي أن هذا الحديث مختلف فيه، وأن المرسل فيه أصح. وهشيم: ابن بشير. ومنصور بن زاذان أبو المغيرة الواسطي الثقفي، مولى عبد الله بن أبي عقيل. سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وعطاء. وروى عن: أنس بن مالك مرسلاً. روى عنه: شعبة، والضحاك بن حمزة، وهشيم، وأبو عوانة. قال أحمد: شيخ ثقة. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتاً مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وا لنسائي (٣) . والحكم بن عتيبة، والحسن بن مسلم بن عناق المكي.

стр. 2878

٢١- باب (١) : الزكاة تحمل من بلد إلى بلد أي: هذا باب في بيان الزكاة ينقلها صاحبها من بلده إلى بلد آخر. ١٧٤٥- ص- نا نصر بن علي، أخبرني أبي، أخبرنا إبراهيم بن عطاء، مولى عمران بن حصين، عن أبيه: "أن زيادا أو بعضَ الأمراء بَعَثَ عمرانَ ابنَ حُصين على الصدقَةِ، فلما رَجَعَ قال لَعمْرَانَ: أينَ المالُ؟ قَال: ولَلمال أرسلتَني؟ " أخذْنَاهَا من حيثُ كنا نأخذها على عهدِ رسول الله- ﵍ وَوَضَعْنَاهَا حيثُ كنا نَضَعُهَا على عهد رسولَ اللهَ- ﵇ " (٢) . ش- أبوه: علي بن نصر بن عليه الكوفي الكبير. وإبراهيم بن عطاء/ [بن أبي ميمونة البصري، روى عن أبيه] (٣) عطاء بن أبي ميمونة. روى عنه: أبو عتاب الدلال، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال ابن معين: هو صالح. روى له: أبو داود، وابن ماجه (٤) .. وعطاء بن أبي ميمونة البصري، مولى أنس بن مالك، ويقال: مولى عمران بن حصين، وقد ذكر مرة، وزياد هذا كان والي العراقين، ولاه معاوية بعد استلحاقه، وكان يقال له: زياد بن أبيه، وليست له صحبة، ولا رؤية، وقد ذكرناه مستوفى. وبالحديث قال العلماء من أصحابنا، وغيرهم: إن نقل الزكاة من بلد إلى بلد مكروه، وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم، إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده، لما فيه من الصلة، أو

стр. 2879

زيادة دفع الحاجة، ولو نقل إلى غيرهم أجزأت وإن كان مكروها لأن المصرف مطلق الفقراء بالنص، والحديث أخرجه: ابن ماجه. ٢٢- باب: مَن يُعطى من الصدقة وحدّ الغِنَى أي: هذا باب في بيان من يجوز له إعطاء الصدقة، وبيان حد الغنى الشرعي. ١٧٤٦- ص- نا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم ابن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَألَ وله ما يُغنيه جاءت يومَ القيامة خمُوشٌ، أو كُدُوح، أو خُدوشٌ (١) في وجهِه، فقيلَ (٢) : يا رسوله اللهِ، وما الغِنَى؟ قال: خمسونَ درهما، أو قِيمَتُهَا منذ الذهبِ " (٣) . ش- سفيان الثوري. وحكيم بن جبير الأسدي الكوفي، قيل: مولى آل الحكم بن أبي العاص. روى عن: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن عبد الرحمن النخعي، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال عبد الرحمن: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: في رأيه شيء، قلت: ما محله؟ قال: الصدق- إن شاء الله- وسألت أبي عنه؟ فقال: ما أقربه من يونس بن خباب في الضعف والرأي، وهو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود- نسأل الله السلامة- قلت لأبي: هو أحب إليك أو ثُوير، قال: ما فيهما إلا ضعيف غالٍ

стр. 2880

في التشيع، وهما متقاربان. وقال أحمد بن سنان: قلت لعبد الرحمن ابن مهدي: لم تركت حديث حكيم بن جبير؟ قال: أخاف النار. وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حكيم بن جبير؟ فقال: كم روى؟ إنما روى شيئا يسيراً قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديثه في الصدقة، يعني حديث ابن مسعود: ما من سأل وله ما يغنيه لما، وكان يحدث عمن دونه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك. وقال الذهبي في "الميزان": وقال الجوزجاني: حكيم بن جبير كذاب. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي. سمع: أباه، وعمه الأسود بن يزيد، وروى عن عائشة مرسلاً. روى عنه: حكيم بن جبير، مسلمة بن سهيل، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: كان رفيع القدر، من الجِلَةِ. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢) . وأبوه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، وعبد الله بن مسعود. قوله: " وله ما يغنيه" الواو فيه للحال، وكلمة "ما" بمعنى: شيء، أي: والحال أن له شيئا يغنيه عن السؤال. قوله: " جاءت يوم القيامة " الضمير في " جاءت " يرجع إلى المسألة التي يدل عليها قوله:"سأل". وقوله: " خموش" مرفوع على ابنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهي خموش، أي: المسألة خموش في وجهه، وتكون الجملة حالاً ويؤيد ما ذكرناه رواية الترمذي: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة

стр. 2881

ومسألته في وجهه خموش، اهو خدوش، اهو كدوح"، وفي بعض نسخ "الحق ": "خموشا" بالنصب، وكذلك "كدوحا"، و" خدوشا " فوجهه- إن صح- أن يكون ما، من الضمير الذي في "جاءت" الذي هو عبارة عن المسألة، وهنا وجه آخر، وهو أن يكون " جاءت " مسندة إلى قوله: "خموش"، ويكون ارتفاع "خموش" على الفاعلية، ويكون/ التأنيث باعتبار المسألة لأن المسألة هي التي تكون (خموشا يوم القيامة [....] (١) وهو الظاهر، يقال: خمشت المرأة وجهها تخدشه خمشا وخموشا إذا خدشته بظفر أو حديد، وأما إذا كان الخموش جمع " خمش"، فحينئذ يكون تأنيث الفعل لتأنيث الفاعل، و "الكدُوح" بضم الكاف: الخدوش، وكل أثر من خدش، أو عض فهو كدح، ويجوز أن تكون " الكدوح " مصدرا سمي به الأثر، وأن تكون جمع كدح، فافهم. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهما لم تحل له الصدقة، قال: ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير، ووسعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهماً أو كثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي، وغيره من أهل الفقه والعلم. قلت: مذهب أبي حنيفة: أن دفع الزكاة لا يجوز على من يملك قدر نصاب فاضل عن مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثياب بدنه، وما يتأثث (٢) به، وكتب العلم إن كان من أهله، وما ذكره صاحب "المنظومة" من أن من ملك خمسين درهما يحرم عليه أخذ الزكاة عند الشافعي، فليس بمعتمد مذهبه. ص- قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حِفظِي أن شُعبةَ لا

стр. 2882

يَرْوي عن حَكِيم بن جُبير، فقال سفيان: فقدْ حَدثناهُ زُبيدٌ، عن محمدِ بنِ عَبدَ الرحمنِ بنِ يزيد. ش- أي: قال يحيى بن آدم: فقال عبد الله بن عثمان بن خثيم القاريّ- من القارة حليف بني زهرة- لسفيان الثوري: حفظي أن شعبة ابن الحجاج لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه، أي: الحديث، زبيد بن الحارث الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي الكوفي. وقال الخطابي (١) : وضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا: أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده، وإنما قال: فقد حدثناه عبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، حسب. وحكى الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم: أن الثوري قال يوماً قال أبو بسطام: يحدث- يعني شعبة- هذا الحديث عن حكيم ابن جبير، قيل له: قال: حدَثني عبيد، عن محمد بن عبد الرحمن، ولم يزد عليه، قال أحمد: كأنه أرسله، أو كره أن يحدث به، أما يعرف الرجل كلاما نحو ذا؟ وحكى الترمذي: أن سفيان صرح بإسناده، فقال: سمعت زبيدا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، وحكاه ابن عدي أيضا، وحكى أيضاً أن الثوري قال: فأخبرنا به عبيد، وهذا يدل على أن الثوري حيث به مرتين، مرة لا يصرح فيه بالإسناد، ومرة يسنده فتجمع الروايات، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: لا نعلم أحدا قال في هذا الحديث: زايد، غير يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم؟ فقال: أخاف النار، وقد كان روى عنه قديماً وسئل يحيى بن معين: يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد، ولا أعلم أحدا يرويه إلا يحيى بن

стр. 2883

آدم، وهذا وهم، لو كان كذا حدث الناس به جميعا عن سفيان، ولكنه حديث منكر، هذا الكلام قاله يحيى، أو نحوه. ١٧٤٧- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، أنه قال: " نزلتُ أنا، وأهلي ببقِيع الغَرقَد، فقال لي أهلِي: اذهبْ إلى رسولِ اللهِ- ﵇ فَسَلهُ لنا شيئا نأكُلُهَُ، فجَعَلُوا يذكرونَ من حاجَتِهِم، فذهبتُ إلى رسول اللهِ- ﵇ فوجدتُ عندَه رجلا يسألُهُ، ورسولُ الله- ﵇ يقول: لا أَجدُ ما أعْطيكَ، فتولَّى الرجلُ عنه وهو مُغْضَب، وهو يقولُ: لَعَمْرِي إِنكَ لَتعطي مَن شَئتَ، فقالَ رسولُ الله- ﵇ بغضب (١) عَلَيَّ أن لا أجد ما أعطيه: مَن سألَ منكم ولهه أوقِيَّة، أو عدْلُهَا فقد سًألَ إِلحاف، قال الأَسَدِيُّ: فَقلَتُ: لقحة (٢) لنا خير من أوقية، وَالوَقيةُ (٣) : أربعونَ درهماً قال: فرجعتُ، ولهم أسأله، فَقدمَ على رسولَ الله- ﵇ بعدَ ذلك شعير (٤) ، وزبيب، قَسَمَ (٥) لنا منه/ [أو كما قال: حتى أغنانا الله ] (٦) ، (٧) . ش- " بقيع الغرقد": بالباء الموحدة: مدفن أهل المدينة، و "البقيع ": المكان المتسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعة إلا إذا كان فيه شجر، أو أصول شجر من ضروب شتى، و" الغرقد" بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح القاف، وفي آخره دال مهملة من شجر الغضاة، والغضاة: شجر له شوك، وقيل: الطلح، والسدر، وكان فيه غرقا فذهب وبقي اسمه.

стр. 2884

قوله: " وهو مغضب " جملة حالية، و" مغضب " بفتح الضاد مفعول من الإغضاب، وكذلك قوله: "وهو يقول " جملة حالية. قوله: " لعمري " " العمر" بالفتح: العمر، ولا يقال. في القسم إلا بالفتح، ومعنى قوله: " لعمري ": وحق بقائي وحياتي، وكذا معنى قوله: " لعمر الله "، الحلف ببقاء الله، واللام فيه للتأكيد. قوله: " أو عدلها" بفتح العين، يريد قيمتها، يقال: هذا عدل الشيء أي: ما يساويه في القيمة، وهذا عدله- بكسر العين- أي: نظيره، ومثله في الصورة والهيئة. قوله (١) : " لقحة لنا " اللقحة: الناقة المرية، وهي التي تمراً أي: تحلب، وجمعها لقاح، وفي بعض النسخ: "للقحة " بلام التأكيد، وارتفاعها بالابتداء، وتخصص بالصفة، وخبره قوله: " خير ". قوله: " والوقية" بفتح الواو، وهي لغة في " أوقية "، وقد مر تحقيق الكلام فيه، وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغنى إلى هذا الحديث، وزعم ابن من وجد أربعة درهما حرمت عليهم الصدقة. والحديث أخرجه النسائي. ص- قال أبو داود: هكذا رَواهُ الثوريُ، كما قال مالك. ش- أي: هكذا روى الحديثَ المذكور سفيان الثوريُ كما قال مالك ابن أنس- ﵁. ١٧٤٨- ص- لا عتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار، قالا: نا عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبِي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله- ﵇: "منْ سَأل وله قيمةُ أوقية فقد ألحَفَ، فقلتُ: نَاقَتِي الياقُوتةُ هي خيرٌ من أوقية" قال هشامٌ: " خيًرٌ من أربعين درهماً، فرجعتُ ولم أسأله " (٢) زاد هشامٌ

стр. 2885

في حديثه: " وكانتْ الوَقيةُ على عهد النبيِّ- ﵇ أربعينَ درهماً " (١) . ش- اسم أبي الرجال: محمد بن عبد الرحمن، وقد مر بيانه، واسم أبي سعيد: سعد بن مالك الأنصاري، وقد مر مرة. قوله: "فقد ألحف" يقال: اللحف في المسألة إذا بالغ فيها، وألح، يقال: ألح، وألحف، وقيل: اللحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف. قوله: " ناقتي الياقوتة" مبتدأ، وقوله: " هي ما مبتداه ثان، وخبره قوله: "خير "، والجملة خبر المبتدأ الأول، و "الياقوتة" اسم تلك الناقة، وفيه جواز تسمية البهائم، وقد كان خيل رسول الله- ﵇ وغيرها من دوابه لها أسماء، والحديث أخرجه النسائي. ١٧٤٩- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا مسكين، نا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، نا سهل ابن الحنظلية، قال: "قَدمَ عَلَى رسولِ الله- ﵇ عُيَيْنَةُ بنُ حصْينٍ، والأقرعُ بنُ حابس، فَسألاهُ، فأمَرَ لهمَا بما سَألاهُ، فَأمَرَ (٢) مُعاويَةَ، فكَتَبَ لهما بما سألاه (٣) ، فأمَا الأقرعُ فأخذَ كتَابَهُ فَلَفهُ في عمامَته وانطلقَ، وأما عيينةُ فأخذ كتَابَهُ، وأتَى النبي- ﵇ مكانه فقال: يَا محمدُ، أتُرَانِي حامِلاً إلى قًومِي كتَابا لا أدرِي ما فيه كَصحيفة المُتَلَمسِ؟ فأخبرَ معاوية بقولِهِ رسولَ اللهِ ﵇ فقال رسولُ الله- ﵇: مَنْ سَألَ، وعندَه ما يُغنِيهِ فإنما يَسْتَكْثِرُ من النارِ"، وقال اَلنفيلي في موضعٍ آخر: " مِن جَمْرِ جَهنمَ، فقالوا: يا رسولَ الله، وما يُغْنيه؟ " وقال النفيلي في موضعٍ آخر: "وما الغنَى الذي لا يَنبغِي (٤) معه المَسَألَةُ؟ قال: قَدْرَ ما يُغَدِّيهِ، وبُعَشيهِ "، وقال النفَيلي في موضعٍ آخر: " أن يكونَ له شِبَعُ يومٍ وليلةٍ، أو ليلةٍ وبومٍ (٥) .

стр. 2886

ش- مسكين بن بكير الحراني الحذاء. ومحمد بن المهاجر بن دينار بن أبي مسلم الأنصاري الأشهلي الشامي مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية. روى عن: أبيه، وأخيه، وكيسان مولى معاوية، وربيعة بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: الربيع بن نافع الحلبي، والوليد بن مسلم، ومسكين، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: هو ثقة، مات سنة سبعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . وربيعة بن يزيد/ الدمشقي، وأبو كبشة السلولي، مذكور في الكنى، وقد مر ذكره، وسهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري الأوسي، والحنبلية أمه، وعيينة بن حصن بن بدر الفزاري، كنيته: أبو مالك، من المؤلفة قلوبهم، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبل الفتح، وقيل: إن الأقرع، وعيينة شهدا مع رسول الله- ﵇ فتح مكة، وحنيناً والطائف، والأقرع لقب، واسمه: فراس بن حابس، تميمي مجاشعي، قدم على رسول الله- ﵇ في أشراف بني تميم بعد فتح مكة، وكان هو أيضا أحد المؤلفة قلوبهم. قوله: " أتراني حاملاً " بفتح الهمزة، وضم التاء. قوله: "كصحيفة المتلمس " المتلمس هو: جريج بن عبد المسيح الضبعي، الشاعر المشهور الجاهلي، وسمي المتلمس ببيت قاله هجاء هو وطرفةُ عمرَو بن هند ملك الحيرة، فكتب إلى عامله له ولطرفة بن العبد كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز، وكتب فيه يأمره بقتلهما، والقصة مشهورة عند العرب، وأن المتلمس لما علم بما فيها رمى بها وهرب، فضربت العرب المثل بصحيفته بعد، ولما وافى طرفة بصحيفته قتل. قوله: "ما يغديه ويعشيه " اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاء، لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث.

стр. 2887

قلت: قال أصحابنا: ومن له قوت يوم فسؤاله حرام، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث، والغداء والعشاء يُحَرمُ سؤال اليوم، والأوقية تحرم مقدار ما يسد من المناقر للسائل. ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسين درهما أن يسأل ما يحتاج إليه من الزيادة على ذلك، وقيل: إنما أعطاهما رسول الله- ﵇ من سهم المؤلفة، فإن الظاهر أنهما ليسا فقيرين، وهما رئيسا قبائلهما، وسيدا قومهما. ص- وكان حدثنا به مختصرا على هذه الألفاظ التي ذكرت. ش- هذا من كلام أبي داود، أي: كان النفيلي حدثنا به. قوله: " التي ذكرت"، وفي بعض النسخ: "التي ذكرها" أي. ذكرها النفيلي. ١٧٥٠- ص- أنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله- يعني: ابن عمر بن غانم- عن عبد الرحمن بن زياد، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي، أنه سمِع زياد بن الحارث الصدائي، قال: " أتيتُ رسولَ الله- ﵇ فَبَايعْتُه"، فذكر حديثا طويلاً (١) : " فأتاه رجل، فقال: أعَطِني من الصدقة فقال له رسولُ اللهِ- ﵇: إن اللهَ لم يرضَ بحكْم نَبي ولا غيرِه في الصدقات، حتى حَكَمَ فيها هو، فَجَزأهَا ثمانيةَ أجزَاء، فإن كنتَ من تَلك الأجزاء أعَطيتُكَ حَقَكَ " (٢) . ش- عبد الرحمن بن زياد الإفريقي فيه مقال، وقد مر غير مرة، وزياد ابن نعيم الحضرمي البصري، ذكره ابن حبان في " الثقات ". قوله: " فجزأها" أي: الصدقات، " ثمانية أجزاء، أي: ثمانية

стр. 2888

أقسام، وذلك في قوله تعالى: ﴿إنما الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاء وَالمسَاكينِ﴾ (١) الآية. وقال الخطابي (٢) في قوله: " فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك، دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان: بحصصهم، ولو كان في الآية بيان الحمل (٣) دون بيان الحصص، لم يكن للتجريد معنى، ويدل على صحة ذلك قوله: " أعطيتك حقك،، فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقا، وإلى هذا ذهب: عكرمة، وهو قول الشافعي. وقال إبراهيم النخعي: إذا كان المال كثيرا يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف، وإذا كان قليلا جاز أن يضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل: تفريقه أولى، ويجزئه أن يجعله في صنف واحد. وقال أبو ثور: إن قسمه الإمام قسمه على الأصناف الثمانية، وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في صنف واحد رجوت أن يسعه. وقال مالك بن أنس: يجتهد، ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الفاقة والخلة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام كثر قَدَّمهم، وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر حولها إليهم. وقال أصحاب الرأي: هو خبير/ يضعه في أي [الأصناف شاء، وكذلك قال سفيان الثوري] (٤) ، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح،. قلت: " (٥) روى الطبري (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء﴾ الآية، أخبرنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية، قال: في أي صنف وضعته أجزأه، وقال ابن

стр. 2889

أبي شيبة في "مصنفه ": أخبرنا جرير، عن ليث، عن عطاء، عن عمر ابن الخطاب، أنه قال: ﴿إنما الصدفات للفقراء﴾ الآية، قال: أيما صنف أعطيته من هذا أجزأه. حدثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن عمر: " أنه كان يأخذ الفرض في الصدقة، فيجعله في صنف واحد ". وروي أيضاً عن الحجاج بن أرطأة، عن المنهال بن عمرو، عن زر ابن حبيش، عن حذيفة، أنه قال: " إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك" وأخرج نحو ذلك عن: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وأبي العالية، وميمون بن مهران، بأسانيد حسنة، واستدل ابن الجوزي في "التحقيق" على ذلك بحديث معاذ: "فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم "، قال: والفقراء صنف واحد، ولم يذكر سواهم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال ": "ومما يدل على صحة ذلك أن النبي- ﵇ أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد سوى صنف الفقراء، وهم: المؤلفة قلوبهم: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة ابن علاثة، وزيد الخيل قسم فيهم الذهبة التي بعث بها إليه علي من اليمن، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر، وهم: الغارمون، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة: "يا قبيصة، أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: " أنه أمر له بصدقة قومه"، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد"، وبهذا سقط قول الخطابي: لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، ولا تمسك للشافعي بالآية أيضا؛ لأن المراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم دون غيرهم، وكذا المراد بآية الغنيمة فافهم " (١) .

стр. 2890

وقال الخطابي أيضا (١) : وفي قوله: " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها" دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين، أحدهما: ما تولى الله بيانه في الكتاب العزيز وأحكم فرضه فيه، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي- ﵇ وبيان شهادة الأصول، والوجه الآخر: ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً ووكل بيانه إلى النبي- ﵇ فهو تفسيره قولا وفعلاً أو يتركه على إجماله ليبينه فقهاء الأمة، ويستدركوه: استنباطه، واعتباراً بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى، وعن رسوله- ﵇ ولم يختلفوا في [أن] السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها، وإنما اختلفوا في سهم المؤلفة، فقالت طائفة من أهل العلم: سهمهم ثابت، يجب أن يعطوه، هكذا قال الحسن البصري، وقال أحمد بن حنبل: يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك، وقالت طائفة: انقطعت المؤلفة بعد رسول الله- ﵇ روي ذلك عن الشعبي، وكذلك قال أصحاب الرأي، وقال مالك: سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية، وقال الشافعي: لا يُعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام، وأما العاملون وهم: السعاة، وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجر مثلهم، فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى إخراج الصدقة وقسمها بين أهلها فليس فيها للعامين حق ". ١٧٥١- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسَ المسكينُ الذي تَرُده التمرةُ والتمرتان، والأكْلَةُ والأكْلَتَانِ، ولكن المسكينَ اَلذي لا يَسْألُ الناسَ شيئاً ولا يَفْطِنُوَنَ به فَيُعْطُونَهُ" (٢) .

стр. 2891

ش- جرير بن عبد الحميد، وسليمان الأعمش، وأبو صالح ذكوان الزيات. قوله: "ليس المسكين" هو مفعيل/ وهو من صيغ المبالغة " كمنطيق"، واشتقاقه من السكون، [ويستوي في هذا المذكر والمؤنث] (١) ، يقال: رجل مسكين، وامرأة مسكين، ويقال: مسكينة أيضا، وجمعه: مساكين ومسكينون، وقال الجوهري: والمسكين الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتمسكن، كما قالوا: تمدرع، وتمندل، من المدرعة، والمنديل على تمفعل وهو شاذ، وقياسه تسكن وتدرع وتندل، مثل: تشجع وتحلم، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالا من الفقير، قال: وقلت لأعرابي: الفقير اثنت؟ فقال: لا والله، بل مسكين. وقال الخطابي (٢) : وقد اختلف الناس في المسكين والفقير، والفرق بينهما، فروي عن ابن عباس، أنه قال: "المساكين هم: الطوافون، والفقراء: فقراء المسلمين"، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: " إن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل "، وعن قتادة: " إن الفقير هو الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج "، وقال الشافعي: "الفقير من لا مال له ولا حرفة، تقع منه موقعاً زَمنا كان، أو غير زَمِنٍ، والمسكين من له مال أو حرفة، ولا يقع منه موقعا، ولا تغنيه، سائلاً كان، أو غير سائل". وقال بعض أهل اللغة: " المسكين الذي لا شيء له، والفقير من له البلدة من العيش، واحتج بقول الراعي: أما الفقير الذي كانت حَلوبته ... وَفقَ العيال فلم يترك له سَبد قال: فجعل للفقير حلوبة، وقال غيره من أهل اللغة: إنما اشترط له الحلوبة قبل الفقر، فلما انتزعت منه، ولم يترك له عبد صار فقيراً لا شيء له، قال: والمسكين أحسن حالا من الفقير، واحتج بقول الله تعالى:

стр. 2892

( ﴿أما السفينَةُ فَكَانَتْ لمَسَاكينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ (١) ، فأثبت لهم مع المسكنة ملكَا وكسبا وهَما: َ السفينة، والعمل بها في البحر، وقال بعض من ينصر القول الأول: إنما سماهم مساكين مجازاً على سبيل الترحم والشفقة عليهم، إذ كانوا مظلومين. قلت: قال صاحب "الهداية": "والفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له، وهذا مروي عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس، وقالت الشراح: وهو قول الشافعي، ولكل وجه، والأول أصح، ووجهه قوله تعالى: ﴿أوْ مسكينا ذا مَتْرَبَة﴾ (٢) أي: لاصقة بالتراب من الجوع والعُري، ووجه الثانوي أن الفقير مًشتق من انكسار فقار الظهر، فيكون أسوأ حالا من المسكن، وقال الخطابي (٣) : وقيل: إن الفقير مشبه بمن أصيب فقاره فالنصف ظهره، من قولهم: "فقرت الرجل" إذا أصبت فقاره، كما تقول:" بطنته" إذا أصبت بطنه، و "رأسته " إذا أصبت رأسه، إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب. فإن قيل: فائدة هذا الخلاف تظهر في ماذا؟ قلت: يظهر ذلك في الوصايا والأوقاف، وأما في الزكاة فلا يظهر الخلاف فيها عندنا، فافهم. ثم اعلم أنه- ﵇ نفى المسكنة عن الذي ترده التمرة، أو التمرتان، الذي هو السائل الطواف لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه زيادة عليها، فيسقط عنه اسم المسكنة، والحديث حجة قوية لما قال أبو حنيفة من أن المسكين من لاشيء له. قوله: " وأكلة" الأكلة بضم الهمزة: اللقمة، والأكلتان: اللقمتان، والأكلة بفتح الهمزة هي الواحدة، والمرة من الأكل. قوله:" ولا يفطنون به " أي: لا يعلمون بحاله، من فطن يفطن، من باب ضرب يضرب. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، من حديث عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.

стр. 2893

١٧٥٢- ص- نا مسدد، وعبيد الله بن عمر، وأبو كامل- المعنى- قالوا: نا عبد الواحد بن زياد، نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله- ﵇ مثلَه (١) : " ولكن المسكينَ المُتَعَففَ " زاد مسدد في حديثه: " ليس له ما يَستغنِي به، الذي لا يَسْألُ، ولا يُعْلَمُ بحاجَته فيُتَصَدَقُ عليه، فذاكَ المَحْرُومُ "، ولم يذكر مسدد: " المتعفف الذي لا يَسأَلُ " (٢) . ش- أبو كامل: فضيل الجحدري، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن. قوله: " بمثله" أي: مثل الحديث المذكور. قوله: " فيتصدق" [......] (٣) . / قوله: "فذاك المحروم " المحروم: الذي حُرِمَ، أي: مُنِع من العطاء، يقال: حرمه الشيء، يحرمه حرماً مثل: سرقه سرقة بكسر الراء، وحرمة وحريمة وحريما، وأخرجه النسائي بمثله، وليس فيه: "فذاك المحروم ". ص- قال أبو داود: روى هذا (٤) محمد بن ثور، وعبد الرزاق، عن معمر، جعلا المحروم من كلام الزهري (٥) . ش- أي: روى هذا الحديث محمد بن ثور، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، وجعلا لفظ: "فذاك المحروم " من كلام ابن شهاب الزهري، ولم يجعلاه من متن الحديث. ومحمد بن ثور الصنعاني، روى عن: معمر، وابن جريج. روى

стр. 2894

عنه: فضيل بن عياش، ومحمد بن عبيد بن حِساب، ونعيم بن حماد، وجماعة آخرون. قال يحيى بن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (١) . ١٧٥٣- ص- نا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلانِ: " أَنهما أتَيا النبيَّ ﵇ في حَجَّةِ الوَدَاع، وهو يَقْسمُ الصدقةَ، فَسَألاهُ منها، فَرَفَعَ فينا البصرَ وخفَضَهُ، فَرآنَا جَلدين، فقال: أنَ شئتُمَا أعطَيْتُكُمَا، وَلا حظ فيها لِغَنِيّ، ولا لِقَوِيّ مكتَسِبِ " (٢) . ش- عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أدرك النبي- ﵇ وكان من فقهاء قريش، وروى عن: عمر بن الخطاب- ﵁ وسمع: عثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وكعب الأحبار. روى عنه: عروة، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يزيد، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣) . قوله: " جلدين " بفتح الجيم، وسكون اللام تقنية "جَلْد"، وهو الرجل القوي من الجَلَد بفتح اللام، وهو القوة والصبر، تقول منه: جَلُدَ الرجل- بالضمة- فهو جَلْد وجَلِيد بَينُ الجَلَد، والجَلادة، والجُلُودة. وقال الخطابي (٤) : هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد، دون أن يضم (٥) إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع

стр. 2895

إلى قوة الكسب، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد، لا يعمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة بدلالة الحديث، وقد استظهر- ﵇ مع هذا في أمرهما بالأنداد، وقلدهما الأمانة فيما يظن من أمرهما ". والحديث أخرجه: النسائي. ١٧٥٤- ص- نا عباد بن موسى الختُلي الأبناوي (١) ، نا إبراهيم- يعني: ابن سعد- أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: " لا تَحِل الصدقةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرةٍ سَوِي ". ش- قد مر غير مرة أن الخُتُّلِي- بضم الخاء المعجمة، وتشديد التاء المثناة من فوق المضمومة- نسبة إلى ختلان، وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ، والأبناوي نسبة إلى الأبناء، ويقال لأولاد فارس: الأبناء، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة، فنصروه، وملكوا اليمن، وتديَّرُوها، وتزوجوا من العرب، فقيل لأولادهم: الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من عصير جنس آبائهم، والأبناء في الأصل جمع ابن. وريحان بن يزيد العامري، روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه: سعد بن إبراهيم. قال حجاج: نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم سمع: ريحان- وكان أعرابي صدق- وقال أبو حاتم: هو شيخ مجهول. وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: ما حاله؟ قال: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي (٣) . قوله: "ولا لذي مرة سوي " " المرة"- بكسر الميم-: القوة والشدة،

стр. 2896

و" السوي": الصحيح الأعضاء، وبه تمسك الشافعي أن من يجد قوة يقدر بها على الكسب لا تحل له الصدقة، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحابنا: يجوز له ذلك ما لم يملك مائتي درهم فصاعدا لأن المراد من الغنى هو: الغنى الشرعي، وهو أن يملك نصاباً وما فوقه، وأجابوا عن قوله: " ولا لذي مرة سوي" أن المراد به: أن يسأل مع، قدرته على اكتساب القوت، وأما إذا/ أعطي من غير سؤال، فلا يحرم له أخذه لدخوله في الفقراء، [.....] (١) . والحديث أخرجه: الترمذي، عن سفيان، عن سعد به، وقال: حديث حسن، وقد رواه شعبة، عن سعد فلم يرفعه. ص- قال أبو داود: رواه سفيان، عن سعد بن إبراهيمَ، كما قال إبراهيمُ، ورواه شعبةُ، عن سعدٍ، قال: " لِذِي مِرَّةٍ سوِي". ش- أي: روى هذا الحديث سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، كما قال إبراهيم بن سعد، وهو: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". " (٢) وكذا رواه: النسائي، وابن ماجه، عن أبي حصين، عن سالم ابن أبي الجعد، عن أبي هريرة بنحوه، ورواه ابن حبان في "صحيحه " في النوع السابع والسبعين من القسم الثاني، قال صاحب " التنقيح": رواته ثقات إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة. وطريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك " (٣) ، عن ابن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وطريق آخر أخرجه البزار في "مسنده"، عن إسرائيل، عن منصور،

стр. 2897

عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة، وقال البزار: وهذا الحديث رواه ابن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، والصواب حديث إسرائيل، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين، فرواه عن سالم، عن أبي هريرة، ثم أخرجه كذلك، وهذا مخالف لكلام الحاكم. وروى الترمذي (١) : "علي بن سعيد الكندي، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن مجاهد، عن الشعبي، عن حُبشي (٢) بن جنادة السلولي، قال: سمعت رسول الله- ﵇ وهو واقف بعرفة في حجة الوداع، وقد أتاه أعرابي فسأله رداءه، فأعطاه إياه، قال:" إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوي "، وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) : حدثنا عبد الرحيم به، ومن طريقه الطبراني في " معجمه " (٤) . قوله: " ورواه شعبة، عن سعد " أي: روى الحديث المذكور شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: "لذي مرة قوي "، قي (٥) وأخرج الطبراني (٦) في "سننه "، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال:" جاءت رسول الله صدقة، فركبه الناس، فقال: إنها لا تصلح لغني، ولا لصحيح سعود، ولا لعامل قوي ". انتهى. والوازع بن نافع قال ابن حبان في كتاب، الضعفاء ": يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته، ويشبه أنه لم يتعمدها، بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه، فبطل الاحتجاج به. انتهى كلامه.

стр. 2898

ورواه أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في "تاريخ جرجان" من حديث محمد بن الفضيل (١) بن حاتم: حدثنا إسماعيل بن بهرام الكوفي، حدثني محمد بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن جابر مرفوعاً "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ". ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده": من حديث إسماعيل بن يعلى ابن أمية الثقفي، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، عن طلحة بن عبيد الله، عن النبي- ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي،. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٢) ، وقال: لا أعلم أحداً رواه بهذا الإسناد غير أبي أمية بن يعلى، وضعفه عن: ابن معين، والنسائي، ولينه عن البخاري، ووثقه عن شعبة، ثم قال: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم" (٣) . ص- قال: والأحاديثُ الأخَرُى، عن النبي- علبهِ السلام- بعضُها: "لذي مِرَّةٍ قَوِي"، وبعضُها: "لِذي مِرَّةٍ سَوِي" ش- أي: قال أبو داود- ﵀، وقد ذكرنا اختلاف الطرق فيه. ص- قال عطاء بن زهير: أنه لقط محمد الله بن عَمرو، فقال:" أن الصدقة لا لمحل لقوي، ولا لذي مرة سوي ". ش- أشار بهذا التعليق إلى أن هذا الحديث موقوف عند البعض، وعطاء بن زهير ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: عطاء بن زهير بن الأصبع العامري. روى عن: ابن عمر [و] . روى عنه: الأخضر بن عجلان، وهو الذي يقال له ابن الأصبع.

стр. 2899

٢٣- باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني أي: هذا باب في بيان حكم من يجور له أخذ الصدقة، والحال أنه غني. ١٧٥٥- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بني أسلم،/ عن عطاء بن يسار، أن رسولَ الله- ﵇ قال: " لا تَحِل الصدقةُ لغَنِيّ إلا لخمسة: لغازي (١) في سَبيلِ الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لَرجلٍ اشتراهَا بماله، أول رَجلٍ (٢) كان له جار مسكين فتصدقَ على المسكينِ فأهْداهَا المِسكنُ للَغًنِي " (٣) . ش- هذا مرسل، به استدل الشافعي أن الزكاة يجوز دفعها إلى الغازي - وأن كان غنيا- وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز ذلك لإطلاق، لقوله- ﵇: " لا تحل الصدقة لغني "، والمراد من قوله: " لغازي في سبيل الله" هو الغازي الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي، بدليل حديث معاذ: "وردها في فقرائهم ". قوله:" أو لعامل عليها" أي: على الزكاة، وقال أصحابنا: العامل يدفع إليه الإمام إن عمل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه وأعوانه لأن استحقاقه بطريق الكفاية، ولهذا يأخذ- وإن كان غنيا- ويستثنى منه العامل الهاشمي تنزيهاً لقرابة الرسول عن شبهة الوسخ. وقال الخطابي (٤) : وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله، فسواء كان غنيا أو فقيراً، فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً" ونقل صاحب "الهداية" عن الشافعي أن الذي يعطى للعامل مقدر بالثمن.

стр. 2900

قوله:" أو لغارم " الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصابا فاضلاً عن دينه، كذا فسره صاحب "الهداية"، ثم قال: وقال الشافعي: من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين، وإطفاء النائرة بين القبيلين. وقال الخطابي (١) : وأما الغارم الغني فهو: الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف، وإصلاح ذات البين، وله مال إن يقع فيها افتقر فيُوَفَرُ عليه ماله، ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه، وأما الغارم الذي يدان لنفسه وهو معسر، فلا يدخل في هذا المعنى لأنه من جملة الفقراء. انتهى. فإن قيل: ما فسره صاحب "الهداية " لا يطلق إلا على الفقير، وهو ليس له دخل في هذا الباب لأن الكلام في الغارم الغني، كما دل عليه عبارة الحديث، وكما بينه الخطابي. قلت: ليس الأمر كما ذكرتم لأن الغارم الذي فسره صاحب " الهداية " إنما هو فقير بالنظر إلى نفس الأمر، أعني عند مقابلة موجودة وما يملكه بسائر ديونه، وأما بالنظر إلى الظاهر فيطلق عليه أنه غني غارم في (٢) يصح الاستثناء، ويكون المعنى: تحمل الصدقة للغارم الغني في الصورة، وإن كان فقيرا في نفس الأمر بالمعنى الذي ذكرناه- كما قلنا-: إن المراد بالغازي الغني: الغني بالقوة والقدرة على الكسب، فافهم. قوله ": " أو لرجل اشتراها" أي: اشترى الصدقة بماله، والمعنى: إن المتصدق إذا تصدق بالشيء، ثم اشتراه من المدفوع إليه، فإن أبيع جائز، وقد كرهه كثر العلماء مع تجويزهم أبيع في ذلك. وقال مالك: إن اشتراه فالبيع مفسوخ، وقد مر الكلام فيه مرة مستوفى. قوله: " أو رجل كان له جار مسكين " برفع " مسكين" على أنه صفة للجار، الذي ارتفع بأنه اسم كان، وإنما جاز في هذه الصورة لأن المهدي له الصدقة إذا ملكها، فقد خرجت أن تكون صدقة،

стр. 2901

فصارت ملكه، فيجوز التصرف في ملكه، وفيه حديث بريرة- ﵂. ١٧٥٦- ص- نا الحسن بن عليّ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵇ بمعناه (١) . ش- أشار بهذه الطريق إلى أن الحديث مسند، وكذا أخرجه ابن ماجه مسندا، وقال أبو عمر النمري: قد وصل هذا الحديث جماعة من رواة زيد بن أسلم. ص- قال أبو داودَ: ورواه ابنُ عُيَينةَ، عن زيد- كما قال مالك- ورواه الثوريُّ، عن زيدٍ، قال: حدثني الثبتُ، عن النبيَ- ﵇. ش- أي: روى الحديث سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، كما قال مالك بن أنس، وأشار به إلى الرواية المرسلة. قلت: ورواه، أي: روى الحديث سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، وأشار به إلى الرواية المسندة. قوله: " الثبت " بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره تاء مثناة من فوق، وهو: الحجة والبينة، والمراد/ به الرجل الثبت، يقال: رجل ثبت، أي: ثقة حجة في كلامه. ١٧٥٧- ص-[نا محمد بن عوف الطائي، نا الفريابي] (٢) ، نا سفيان، عن عمران البارقي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله- ﵇: " لا تَحِل الصدقَةُ لغَنِيّ إلا في سَبيلِ الله، أو ابن السبيلِ، أو جار فَقِيرٍ يُتَصدَّقُ عليهِ، فيَهْدِي لكَ، أو يَدْعُوكَ " (٣) .َ ش- الفِريابي محمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله، وسفيان الثوري،

стр. 2902

وعمران البارقي. روى عن: الحسن، وعطية. وروى عنه: الثوري. روى له: أبو داود، وعطية هذا هو: ابن سعد أبو الحسن العوفي الكوفي، لا يحتج بحديثه. قوله: " إلا في سبيل الله " أي: إلا لغني في سبيل الله، وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف لأنه المتفاهم عند الإطلاق، وعند محمد منقطع الحاصل. قوله: " أو ابن السبيل" وهو: من له مال في وطنه، وهو في مكان لا شيء له فيه، وإنما سُمي ابن السبيل لأنه لزم السفر، ومن لزم شيئا نسب إليه، كما يقال: ابن الغني، وابن الفقير. ص- قال أبو داودَ: ورواه فِراس، وابنُ أبي لَيلَى، عن عَطيةَ (١) مثله. ش- أي: روى الحديث المذكور فراس بن يحيى الهمداني الكوفي المكتب، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، عن عطية بن سعد، مثل ما ذكر من الحديث. ١٧٥٨- ص- (٢) نا حرص بن عمر النمري، نا شعبة، عن عبد الملك ابن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة، عن النبي- ﵇ قال: " المَسائِلُ كدوح يَكْدح بها الرجلُ وَجْهَهُ، فمَنْ شَاء أبقى على وَجْهِهِ، ومَن شَأ تَرَكَ، إلا أن يَسْألَ الرجلُ ذَا سُلطان، أو في أمر لا يَجدُ منه بُدا" (٣) . ش- عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي الكوفي، وزيد بن عقبة

стр. 2903

الفزاري، ذكره ابن حبان في "الثقات "، وقال: روى عن سمرة بن جندب. روى عنه: سعيد بن خالد، وعبد الملك بن عمير، وابنه: سعيد بن زيد. قوله: " المسائل " مبتدأ، وخبره قوله: "كدوح" وهو جمع كدح، وهو كل أثر من خدش، وعض، وقد مر مرة عن قريب. قوله: " إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان " أي: ذا يد، وقوة، وذلك مثل: الخلفاء، والملوك، ومن يلي من جهتهم. وقال الخطابي (١) : هو أن يسأله حقه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أموال المسلمين. قلت: عموم اللفظ يدل على أن الرجل إذا سأل سلطاناً ومَن في معناه يباح له ذلك، سواء كان حقه من بيت المال، أو من غيره، وذلك بعد أن يعرف أن غالب أمواله من وجه حل، وكذلك يجوز قبول هدية السلاطين، والأمراء إذا كان غالب أموالهم حلالاً وأما إذا عرف أن غالب أموالهم حرام، أو كلها، لا يجوز سؤاله منهم شيئاً ولا قبول هديتهم. قوله: " أو في أمر" أي: أو أن يسأل الرجل أحداً في أمر لا يجد منه فراقه، وهو ضروري له، فحينئذ يباح له السؤال وإن كان غنيا، وصور هذا كثيرة، يستخرجها من له ذهن قوي مستقيم، أو فهم سليم، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح. ١٧٥٩- ص- نا مسدد، نا حماد بن زيد، عن هارون بن رِياب (٢) ، حدَّثني كنانة بن نُعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: "تَحَمَّلتُ حَمَالَةً، فأتيتُ النبيَّ- ﵇ فقالَ: أَقمْ يا قَبيصةُ حتى تَأتِينَا الصدقةُ، فنأمُرَ لكَ بها، ثم قالَ: يا قَبِيصَةُ، إِنَّ المًسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلا

стр. 2904

لإحْدَى (١) ثلاثة: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَفَتْ له المَسألةُ، فَسَالَ حتى يُصَيبَهَا، ثم يُمْسًكُ، ورجل أصَابَتْهُ جائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَه، فَحَفَتْ له المَسألَةُ، فسَألَ حتى يُصِيبَ قِوَاما من عَيْشٍ، أو قال: سدادا مِن عَيْشٍ، ورَجلٌ أصَابَتْهُ فَاقَة، حتى يَقُولَ ثَلاثَةٌ من ذوي الحِجَى من قًوْمهِ: قد أصَابَتْ فلاناً الفَاقَةُ (٢) ، فَحَلَّتْ له المَسْألَةُ، فسألَ حتى يُصيبَ قِوَاما مَن عَيْشٍ، أو سدَادا من عَيْش، ثم يُمْسكُ، وما سوَاهُن من المَسألة يا قبيصةُ سُحْتٌ يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتا " (٣) . ش- هارون بن رِياب- بكسر الراء، وبياء آخر الحروف، وبألف بعدها باء موحدة- التميمي الأسدي من بني كاهل من نمير، أبو الحسن البصري. روى عن: أنس/ بن مالك، [....] (٤) ، وشعبة، ومعمر، وابن عيينة، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٥) . وكنانة بن نعيم أبو بكر العدوي البصري. روى عن: أبي بردة الأسلمي، وقبيصة بن المخارق الهلالي. روى عنه: هارون بن رياب، وعدي بن ثابت، وثابت البناني. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (٦) . قوله: " تحملت حَمالة " الحمالة- بفتح الحاء وتخفيف الميم-: هي المال الذي يتحمله الإنسان، أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك. وقال الخطابي (٧) : صاحب الحمالة وهي الكفالة، والجميل الكفيل

стр. 2905

والضمين، وتفسير الحمالة: أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، وتحدث بسببها العداوة والشحناء، ويخاف منها الفتن العظيمة، فيتوسط الرجل منهم، ويسعى في إصلاح ذات البينِ، ويضمن ما لأصحاب الدم أو المال يترضاهم بذلك حتى تسكن النائرة، وتعود بينهم الألفة، فهذا رجل صنع معروفاً وابتغى بما أتاه صلاحا فليس من المعروف أن تُوَرك الغرامة عليه في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمله منه ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته، ويخرج من عهدة ما تضمنه. قوله: "جائحة " بالجيم أولا ثم بالحاء المهملة: وهي في غالب العرف ما ظهر أمره من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تحرقه، والبرد يُفسد زرعه وثماره، ونحو ذلك، فإذا أصاب الرجلَ شيء من ذلك وافتقر، حلت له المسألة، ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطلبونه بها علي ثبوت فقره، واستحقاقه إياها. قوله: " قواما " القِوام بكسر القاف: وهو ما يقوم بحاجته ويستغنى به، و" السِّداد "َ- بكسر السين المهملة- ما يسد به خلته، والسداد- بالكسر- كل شيء سددت به حالاً ومنه سداد الصغر، وسداد القارورة، والسداد - بالفتح-: إصابة المقصد. قوله: " أصابته فاقة" أي: فقر. قوله: " حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى " الحجى- بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم- مقصور، وهو العقل. وقال الشيخ محيي الدين (١) : وإنما شرط الحجى تنبيها على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث. وقالت الجمهور: يقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عُرف له مال

стр. 2906

فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يُعرف له مال فالقول قوله في عدم المال. وقال الخطابي (١) : وليس هذا من باب الشهادة، لكن من باب التبين والتعرف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه ومن ذوي الخبرة بشأنه أنه صادق فيما يدعيه، أعطي الصدقة. قلت: الصواب ما قاله الخطابي لأنه أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق انتشار الخبر واشتهاره، وأن المقصد بالثلاثة هنا الجماعة التي أقلها أقل الجمع، لا نفس العدد، فافهم. قوله: " من قومه " إنما قال هذا لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه. قوله: " سحت" مرفوع على أنه خبر لقوله: "وما سواهن ". وقوله: " يا قبيصة " جملة نهائية معترضة. وفي رواية مسلم: "سحتا" بالنصب وناصبه محذوف تقديره: وما سواهن من المسألة أعتقده سحتاً أو يؤكل حال كونه سحتاً والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي. ويستفاد منه فوائد كثيرة يستخرجها من له يد من العلوم، وذكر الخطابي (٢) منها فائدتين إحداهما: جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر، فهم ذلك من قوله: "أقم حتى تأتينا صدقة". والثانية: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش، وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته، مشى فيه حد معلوم، ويحمل عليه الناس/ كلهم مع اختلاف أحوالهم. ١٧٦٠- ص- نا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، [عن الأخضر

стр. 2907

ابن عجلان، عن أبي بكر الحنفي] (١) ، عن أنس بن مالكٍ أن رَجُلاً من الأنصارِ أَتَى النبيَّ- ﵇ يَسْألُهُ فقال له (٢) :َ أمَا فِيِ بَيْتِكَ شيءٌ؟ قال: بَلَى، حلسٌ نَلبس بَعضَه ونَبْتَسطُ (٣) بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ تشربُ فيه من الماء. قال: ائتَني بهما، فأتَاه (٤) بهما، فأخَذهَما رسولُ اللهِ بِيَده وقال: من يَشْتري هذينَ؟ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهم. قال: مَن يزيد على درهم مرتينِ أو ثلاثاً فقال (٥) رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمينِ، فأعطاهُمَا إياهُ وأخَذَ الدرهمينِ فأعطاهُمَا (٦) الأنصاريَّ، وقال: اشْتَرِي (٧) بأحدهمَا طَعاما فانْبِذْهُ إلى أهلكَ، واشتري (٧) بالآخر قَدوما فَأتِنِي بها (٨) ، فأتاهَ بها (٨) ، فَشَد فيهِ رسوَلُ الله عُودا بيَده ثم قال (٩) : اذهبْ فاحْتَطبْ وَبِعْ ولا أرَينَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوما، فَذهب اَلرجلُ يَحْتَطبُ ويبيعُ فجاء وقد أصابَ عَشْرَةَ درَاهمَ، فاشْتَرَى ببعضِهَا ثوبا وببعضِهَا طَعاما. فقال رسولُ الله: هذا خَيرٌ لكَ من أَن (٥) تَجِيءَ المسألةُ نُكتةٌ في وَجهِكَ يومَ القيامة، إنه المسألةَ لا تصْلُحُ إلا لثلاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أو لِذِي غُرْم مُفْظِع، أو لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ " (١١) . ش- الأخضر بن عجلان الشيباني البصري أخو شريط. روى عن: أبي بكر الحنفي. روى عنه: معتمر بن سليمان، وهاشم بن القاسم،

стр. 2908

وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وعن يحيى بن معين: يكتب حديثه. وعنه لا بأس به. وعن النسائي: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . وأبو بكر الحنفي اسمه: عبد الله، وهو أبو بكر الحنفي الكبير. روى له: الأربعة، وقد مرّ ذكره. قوله: " حلس" الحلس- بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، وفي آخره سين مهَملة- كسَاء رقيق يكون تحت البردعة، وحكى أبو عبيد: حِلْسٌ وحَلَس مثل شِبْه وشَبَه، ومِثل ومَثَل. وأحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب. قوله: " ونبتسط " نفتعل بمعنى: نبسط، وفي بعض النسخ: " نبسط". قوله: "وقعبٌ " القعب: قدح من خشب مُقعر. قوله: " مرتين أو ثلاثاً" أي: قال قوله ذلك مرتين أو ثلاثاً قوله: " فانبذه إلى أهلك " أي: من قولهم: نبذت الشيء أنبذه نبذاً فهو منبوذ إذا رميته وأبعدته، والنبذ يكون بالفعل والقول في الأجسام والمعاني. والمعنى: ادفعه إلى أهلك. قوله: " قدوما" القدوم- بفتح القاف وضم الدال المخففة-: آلة النجارة، ومنع ابن السكيت التشديد في الدال. وقال غيره: يقال بالتخفيف والتشديد. قوله:" نكتة " النكتة: هي الأثر في الشيء. وقال الجوهري: النكتة: النقطة. قوله: " مدقع " من أدقع من الدقع، وهو الفقر الشديد، وأصله من الدقعاء وهي التراب، ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب لا يكون عنده ما يقيه من التراب. وقال ابن الأعرابي: الدقع: سوء احتمال الفقر.

стр. 2909

قوله: " أو لذي غرم مفظع" الغُرْمُ: هو الدينُ، وهو بضم الغين وسكون الراء، ومفظع من أفظع يقال: أفظعني الأمر اشتد عَلَيَّ، والأمر الفظيع هو الشديد الشنيع الذي جاوز المقدار. وقال الخطابي (١) : والغُرم المفظع هو أن تلزمه الديون الفظيعة القادحة حتى تتفرع به، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين. قوله: " أو لذي دم موجع" بكسر الجيم، والدم الموجع هو أن يتحمل حمالة في حقن الدماء، وإصلاح ذات البين، حتى يؤديها، فإن لم يؤدها قتل فيوجعه قتله. ويستفاد منه فوائد، الأولى: أن بيع المزايدة جائز، والنهي عن البيع على بيع أخيه إنما هو بعد الركون. الثانية: إثبات الكسب والأمر به. الثالثة: أن السؤال حرام إذا قدر على الكسب. الرابعة: فيه أن مُقْتَدَى القوم يرشد قومه إلى طريق فيه نجاتهم، ويُوضح لهم كيفية الأعمال في كل شيء. الخامسة: أن السؤال وإن كان عن حاجة فإنه يُؤثر في القصد، لما فيه من التعلق بغير الله، فيكون أثراً كالنكتة، ويظهر تأثيره بإسقاط جزء من الجواب. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان. ٢٤- باب: كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة أي: هذا باب في بيان كمية ما يعطى الرجل الواحد من الزكاة، وفي بعض النسخ لفظ هذا الباب على رأس حديث سمرة بن جندل،

стр. 2910

وليس هاهنا باب، وإنما الحديث الذي يأتي متصل بالحديث الذي مرّ ذكره. ١٧٦١- ص- نا الحسن بن محمد بن الصباح، نا أبو نعيم، حدَّثني سعيد بن عُبيد الطائي، عن بشير بن يسار، زعم أن رجلاً من الأنصار يُقال له سهلِ بن أبي حَثمةَ، أخبره أن النبيَّ ﷺ ودَاهُ مائةً (١) من إِبِلِ الصدقةِ، يَعني: ديةَ الأنصاريَ الذي قُتِلَ بخَيْبَر (٢) . ش- الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، أبو عليّ البغدادي. سمع: سفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، ووكيعا، وغيرهم. وروى عن الشافعي كتابه القديم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبغوي، وابن صاعد. قال النسائي: هو ثقة. مات سنة ستين ومائتين في رمضان. والزعفراني نسبة إلى دَرْب الزعفران ببغداد، ويُقال إلى قرية يقال لها الزعفرانية. قال الحسن بن محمد بن الصباح: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها: الزعفرانية. قال: أنت سيد هذه القرية (٣) . وأبو نعيم الفضل بن دكين. وسعيد بن عُبيد أبو الهذيل الطائي الكوفي. روى عن: بشير بن يسار، وعليّ بن ربيعة الطائي. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، والفضل بن دكين، ووكيع، وغيرهم. قال يحيى القطان: ليس به بأس. وقال أحمد وابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (٤) .
следующие страницы →