فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يُعرف له مال فالقول قوله في عدم المال.
وقال الخطابي (١) : وليس هذا من باب الشهادة، لكن من باب التبين والتعرف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه ومن ذوي الخبرة بشأنه أنه صادق فيما يدعيه،
أعطي الصدقة.
قلت: الصواب ما قاله الخطابي لأنه أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق انتشار الخبر واشتهاره، وأن المقصد بالثلاثة هنا الجماعة التي أقلها أقل الجمع، لا نفس العدد، فافهم.
قوله: " من قومه " إنما قال هذا لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه.
قوله: " سحت" مرفوع على أنه خبر لقوله: "وما سواهن ".
وقوله: " يا قبيصة " جملة نهائية معترضة. وفي رواية مسلم: "سحتا" بالنصب وناصبه محذوف تقديره: وما سواهن من المسألة أعتقده سحتاً أو يؤكل حال كونه سحتاً والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي.
ويستفاد منه فوائد كثيرة يستخرجها من له يد من العلوم، وذكر الخطابي (٢) منها فائدتين إحداهما: جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر، فهم ذلك من قوله: "أقم حتى تأتينا صدقة".
والثانية: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش، وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته، مشى فيه حد معلوم، ويحمل عليه الناس/ كلهم مع اختلاف أحوالهم.
١٧٦٠- ص- نا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، [عن الأخضر
стр. 2907
ابن عجلان، عن أبي بكر الحنفي] (١) ، عن أنس بن مالكٍ أن رَجُلاً من الأنصارِ أَتَى النبيَّ- ﵇ يَسْألُهُ فقال له (٢) :َ أمَا فِيِ بَيْتِكَ شيءٌ؟ قال: بَلَى، حلسٌ نَلبس بَعضَه ونَبْتَسطُ (٣) بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ تشربُ فيه من الماء. قال: ائتَني بهما، فأتَاه (٤) بهما، فأخَذهَما رسولُ اللهِ بِيَده وقال: من يَشْتري هذينَ؟ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهم. قال: مَن يزيد على درهم مرتينِ أو ثلاثاً فقال (٥) رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمينِ، فأعطاهُمَا إياهُ وأخَذَ الدرهمينِ فأعطاهُمَا (٦) الأنصاريَّ، وقال: اشْتَرِي (٧) بأحدهمَا طَعاما فانْبِذْهُ إلى أهلكَ، واشتري (٧) بالآخر قَدوما فَأتِنِي بها (٨) ، فأتاهَ بها (٨) ، فَشَد فيهِ رسوَلُ الله عُودا بيَده ثم قال (٩) : اذهبْ فاحْتَطبْ وَبِعْ ولا أرَينَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوما، فَذهب اَلرجلُ يَحْتَطبُ ويبيعُ فجاء وقد أصابَ عَشْرَةَ درَاهمَ، فاشْتَرَى ببعضِهَا ثوبا وببعضِهَا طَعاما. فقال رسولُ الله: هذا خَيرٌ لكَ من أَن (٥) تَجِيءَ المسألةُ نُكتةٌ في وَجهِكَ يومَ القيامة، إنه المسألةَ لا تصْلُحُ إلا لثلاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أو لِذِي غُرْم مُفْظِع، أو لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ " (١١) .
ش- الأخضر بن عجلان الشيباني البصري أخو شريط. روى عن: أبي بكر الحنفي. روى عنه: معتمر بن سليمان، وهاشم بن القاسم،
стр. 2908
وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وعن يحيى بن معين: يكتب حديثه. وعنه لا بأس به. وعن النسائي: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وأبو بكر الحنفي اسمه: عبد الله، وهو أبو بكر الحنفي الكبير. روى له: الأربعة، وقد مرّ ذكره.
قوله: " حلس" الحلس- بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، وفي آخره سين مهَملة- كسَاء رقيق يكون تحت البردعة، وحكى أبو عبيد: حِلْسٌ وحَلَس مثل شِبْه وشَبَه، ومِثل ومَثَل. وأحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب.
قوله: " ونبتسط " نفتعل بمعنى: نبسط، وفي بعض النسخ: " نبسط". قوله: "وقعبٌ " القعب: قدح من خشب مُقعر.
قوله: " مرتين أو ثلاثاً" أي: قال قوله ذلك مرتين أو ثلاثاً
قوله: " فانبذه إلى أهلك " أي: من قولهم: نبذت الشيء أنبذه نبذاً فهو منبوذ إذا رميته وأبعدته، والنبذ يكون بالفعل والقول في الأجسام والمعاني. والمعنى: ادفعه إلى أهلك.
قوله: " قدوما" القدوم- بفتح القاف وضم الدال المخففة-: آلة النجارة، ومنع ابن السكيت التشديد في الدال. وقال غيره: يقال بالتخفيف والتشديد.
قوله:" نكتة " النكتة: هي الأثر في الشيء. وقال الجوهري: النكتة: النقطة.
قوله: " مدقع " من أدقع من الدقع، وهو الفقر الشديد، وأصله من الدقعاء وهي التراب، ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب لا يكون عنده ما يقيه من التراب. وقال ابن الأعرابي: الدقع: سوء احتمال الفقر.
стр. 2909
قوله: " أو لذي غرم مفظع" الغُرْمُ: هو الدينُ، وهو بضم الغين وسكون الراء، ومفظع من أفظع يقال: أفظعني الأمر اشتد عَلَيَّ، والأمر الفظيع هو الشديد الشنيع الذي جاوز المقدار.
وقال الخطابي (١) : والغُرم المفظع هو أن تلزمه الديون الفظيعة القادحة حتى تتفرع به، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين.
قوله: " أو لذي دم موجع" بكسر الجيم، والدم الموجع هو أن يتحمل حمالة في حقن الدماء، وإصلاح ذات البين، حتى يؤديها، فإن لم يؤدها قتل فيوجعه قتله.
ويستفاد منه فوائد، الأولى: أن بيع المزايدة جائز، والنهي عن البيع على بيع أخيه إنما هو بعد الركون.
الثانية: إثبات الكسب والأمر به.
الثالثة: أن السؤال حرام إذا قدر على الكسب.
الرابعة: فيه أن مُقْتَدَى القوم يرشد قومه إلى طريق فيه نجاتهم، ويُوضح لهم كيفية الأعمال في كل شيء.
الخامسة: أن السؤال وإن كان عن حاجة فإنه يُؤثر في القصد، لما فيه من التعلق بغير الله، فيكون أثراً كالنكتة، ويظهر تأثيره بإسقاط جزء من الجواب.
والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان.
٢٤- باب: كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة
أي: هذا باب في بيان كمية ما يعطى الرجل الواحد من الزكاة، وفي بعض النسخ لفظ هذا الباب على رأس حديث سمرة بن جندل،
стр. 2910
وليس هاهنا باب، وإنما الحديث الذي يأتي متصل بالحديث الذي مرّ ذكره.
١٧٦١- ص- نا الحسن بن محمد بن الصباح، نا أبو نعيم، حدَّثني سعيد بن عُبيد الطائي، عن بشير بن يسار، زعم أن رجلاً من الأنصار يُقال له سهلِ بن أبي حَثمةَ، أخبره أن النبيَّ ﷺ ودَاهُ مائةً (١) من إِبِلِ الصدقةِ، يَعني: ديةَ الأنصاريَ الذي قُتِلَ بخَيْبَر (٢) .
ش- الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، أبو عليّ البغدادي. سمع: سفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، ووكيعا، وغيرهم. وروى عن الشافعي كتابه القديم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبغوي، وابن صاعد. قال النسائي: هو ثقة. مات سنة ستين ومائتين في رمضان. والزعفراني نسبة إلى دَرْب الزعفران ببغداد، ويُقال إلى قرية يقال لها الزعفرانية. قال الحسن بن محمد بن الصباح: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها: الزعفرانية. قال: أنت سيد هذه القرية (٣) .
وأبو نعيم الفضل بن دكين.
وسعيد بن عُبيد أبو الهذيل الطائي الكوفي. روى عن: بشير بن يسار، وعليّ بن ربيعة الطائي. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، والفضل بن دكين، ووكيع، وغيرهم. قال يحيى القطان: ليس به بأس. وقال أحمد وابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (٤) .
стр. 2911
وتُشير- بضم الباء-: ابن يسار الحارثي الأنصاري، مولاهم المدني. روى عن: جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، ورافع بن خديج، وسويد بن النعمان، وسهل بن أبي حكمة. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعقبة بن أبي عبيد، ومحمد بن إسحاق بن يسار. قال ابن معين: هو ثقة، وليس بأخي سليمان بن يسار. وقال ابن سعد: كان شيخا كبيراً فقيها، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله- ﵇، وكان قليل الحديث. روى له الجماعة (١) .
وسهل بن أبي حثمة- بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة- واسم أبي حثمة: عبد الله، وقيل: عبيد الله، وقيل: عامر، وقد مر ذكرهما مستوفى.
قوله: " وداه" أي: أعطى ديته، يقال: وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته، واتديتُ أي: أخذت ديته. وأصل دية وديٌ حذفت الواو وعوض منها الهاء فصار دية، كعدة ومقة أصلهما وعد وومق.
وقال الخطابي (٢) : يشبه أن يكون النبي- ﵇ إنما أعطاه ذلك من سهم الغارمين على معنى الحمالة في إصلاح ذات البين، إذ كان قد شجر بين الأنصار وبن أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد بها منهم، فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات.
وقال أيضا (٣) : وقد اختلف الناس في قدر ما يُعطاه الفقير من الصدقة، فكره أصحاب الرأي أن يبلغ به مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال، وكان الثوري يقول: لا يدفع إلى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً وكذلك قال أحمد بن حنبل، وعلى مذهب الشافعي يجوز أن يعطى على قدر حاجته من غير تحديد فيه، فإذا زال اسم الفقر عنه لم يُعط.
стр. 2912
قلت: وفيه دليل لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن يقتصر الرجل في زكاته على صنف واحد من الأصناف المذكورة في الآية.
والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراً ومطولا في القصة المشهورة.
٢٥- باب: كراهة (١) المسألة
أي: هذا باب في بيان كراهة السؤال.
١٧٦٢- ص- نا هشام بن عمار، نا الوليد، نا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة- يعني ابن يزيد- عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني قال: حدَّثني الحبيبُ الأمينُ، أمّا هو إليُّ فحبيب، وأمَّا هول عندي فأمين: عوفُ بنُ مالك. قال: كُنَّا عندَ رسول اللهِ- ﵇ سبعَةً أو ثمانيةً أو تسعةً فقال: ألا تُبَايعُونَ رسولَ الله؟ /- وكنا حديثُ عهد ببيعة- قلنا: قَدْ بَايَعْنَاكَ [حتى قالَهًا ثلاثاً، فَبَسَطَنَا أيديَنَا فبايَعْنَاهُ، فقالت قائل: يا رسولَ الله] ، (٢) إنَّا قَد بَايَعْنَاكَ فَعَلامَا نُبَايعُكَ؟ َ قال: أن تَعبُدُوا اللهَ [ولا تشركُوا به شيَئا، وتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخمسة، (٢) ، وتسمَعُوا وتُطيعُوا وأسر كلمةً خَفِيَّةً قال: وَلا تَسْألُوا الناسَ شيئاً قال: فلقد كان بعضُ أولئك النفر يَسقطُ سَوْطُهُ فما يَسْألُ أحَداً أَن يُنَاوِلَهُ إياه (٣) .
ش- الوليد بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي، فقيه أهل الشام، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وأبو إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني، وأبو مسلم الخولاني اسمه: عبد الله بن ثُوَب- بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، ويقال: ثواب، ويقال ابن أثوب، ويقال: ابن
стр. 2913
عبد الله، ويُقال: ابن عوف، ويقال: ابن مسلم، ويقال: اسمه: يعقوب بن عوف اليماني، أبو مسلم الخولاني الزاهد، سكن الشام بداريا بالقرب من دمشق، رحل يطلب النبي- ﵇ فمات النبي ﵇ وهو في الطريق، ولقي أبا بكر الصِّديِّق، وروى عن: عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسمع: عوف أبن، مالك الأشجعي، وعبادة بن الصامت، وأبا ذر الغفاري. روى عنه: أبو العالية الرياحي، وأبو إدريس الخولاني، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، وجماعة آخرون. قال ابن معين، وأحمد العجلي، وابن سعد: هو ثقة. زاد العجلي: من كبار التابعين وعُبادهم. ورُوي أن الأسود العنسي أمر بنار عظيمة ثم ألقاه فيها فلم تضره. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال الشيخ محيي الدين (١) : وأما قول السمعاني في " الأنساب " أنه أسلم في زمن معاوية فغلط باتفاق أهل العلم من المحدثين، وأصحاب التواريخ، والمغازي، والسير، وغيرهم (٢) .
قوله: " وأسر كلمة خفية " يشبه أن يكون ﷺ أسر النهي عن السؤال، ليخص به بعضهم دون بعضه ولا يعمهم بذلك لأنه لا يمكن العموم، إذ لا بد من السؤال، ولا بد من التعفف، ولا بد من الغنى، ولا بد من الفقر، وقد قضى الله ﵎ بذلك كله، فلا بد أن ينقسم الخلق إلى الوجهين.
قوله: " فما يسأل أحدا أن يناوله إياه" أي: سوطه، كراهة الذل لأن في السؤال ذلا، ولهذا قال أبو حنيفة: المسافر لا يسأل من رفيقه ماء، ولو تيمم قبل الطلب أجزأت، لأن السؤال فيه ذل، وربما لا يعطيه. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 2914
ص- قال أبو داودَ: حديثُ هشامٍ لم يَرْوِيه (١) إلا سعيدٌ.
ش- أي: حديث هشام بن عمار لم يرويه إلا سعيد بن عبد العزيز الدمشقي.
١٧٦٣- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، لا شعبة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ثوبان قال: وكان ثوبان مولى رسول الله- ﵇ قال: قال رسول الله- ﵇: "مَنْ تَكَفلَ لي أن لا يَسْألَ الناسَ شيئاً، وأتَكَفَّلُ له بالجَنَّةِ؟ فقال ثوبانُ: أنا، فكان لا يَسْألُ أحداً شيئا " (٢) .
ش- أبوه: معاذ بن معاذ بن حسان، وعاصم بن سليمان الأحول التميمي، وأبو العالية الرياحي اسمه: رفيع.
قوله: "وأتكفل"، بالواو، وفي بعض النسخ بالفاء.
قوله: " فكان لا يسأل" أي: فكان ثوبان لا يسأل أحدا شيئاً وفي بعض النسخ: "فكفل ثوبان لا يسأل".
٢٦- باب: في الاستعفاف
أي: هذا باب في بيان الاستعفاف، وهو طلب العفة، من عف عن الحرام يعف عفا وعفةً وعفافه وشفافة، أي: كف، فهو عف وعفيف، والمرأة عفة وعفيفة، وأعفه الله واستعف عن المسألة، أي: عف.
١٧٦٤- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سَألُوا رسولَ اللهِ- ﵇ فَأعطاهُم، ثم سَألُوهُ فَأعطاهُم حتى (٣) نَفِدَ ما
стр. 2915
عندَهُ قَالَ: ما يكونُ عندي من خَير فلن أدَّخرَهُ عنكُم، ومن يَستعفف يُعفهُ اللهُ، ومن يَسْتَغْنِي (١) يُغنه اللهُ، ومن يَتَصَبَّر يصبِّرْهُ اللهُ، وما أعْطِيَ أَحد (٢) مِن عطاء أوْسَعَ من الصَّبْرَ (٣) .
ش- "نفد" بفتح النون، وكسر الفاء، وفتح الدال المهملة أي: فرغ/ [....] (٤) ، وفيه الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر والتوكل، وانتظار رزق الله [....] (٥) ، وأن الصبر أفضل ما أعطِي المؤمن، ولذلك كان الجزاء عليه غير مقدر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفى الصَّابرُونَ أجْرَهُم بغَيْرِ حسَابٍ﴾ (٦) . والحديث أخرجه: البخاري، ومسلَم، والترمذيَ، وا لنسائي.
١٧٦٥- ص- نا مسدد، نا عبد الله بن داود ح، ونا عبد الملك بن حبيب أبو مروان، نا ابن المبارك- وهذا حديثه- عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة، عن طارق، عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله- ﵇: "مَنْ أصَابتهُ فاقةٌ فَأنزلَهَا بالناسِ لم تُسَدَّ فَاقَتُهُ، ومَنْ أنزَلَهَاَ باللهِ جَلَّ وعز أوْشَكَ اللهُ له بالغِنَى، إِما بموتٍ عَاجلٍ أو غِنًى عَاجلٍ " (٧) .
ش- عبد الله بن داود الخريبي البصري.
وعبد الملك بن حَبيب- بفتح الحاء المهملة- أبو مروان. روى عن: عبد الله بن المبارك، وأبي إسحاق الفزاري. روى عنه: أبو داود، والحسين بن منصور المصيري.
стр. 2916
وبشير- بفتح الباء- ابن سلمان، قال في الكمال: بشير بن سُلَيمان (١) أبو إسماعيل النهدي الكوفي، والد الحكم. سمع: عكرمة، وأبا حازم كلمة بن دينار، ومجاهد بن جبر، وسياراً أبا الحكم. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، ومحمد بن فضيل، ومروان بن ومعاوية، وابن عيينة، ومحمد بن يوسف الفريابي. قال أحمد بن عبد الله: بشير بن إسماعيل أبو إسماعيل الكوفي ثقة، كذا قال ابن إسماعيل والمعروف ابن سلمان. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) . وسَيار على وزن فعال بالتشديد أبو حمزة، قال في الكمال: سيار بن وردان، وهو ابن أبي سيار أبو الحكم الواسطي، وقال: سيار بن دينار، ويُقال: ابن ورد، وهو أخو محاور الوراق لأمه. روى عن: أبي إسرائيل، والشعبي، وعبد الله بن يسار، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، وبشير بن سلمان، وغيرهم. قال أحمد. صدوق ثقة ثبت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة اثنين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
قلت: قال أبو داود: بشير كان يهم في سيار يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ إنما هو سيار أبو حمزة، وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل قال: الذي يروي عنه بشير هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم سيار أبو الحكم بشيء، أبو الحكم ماله ولطارق بن شهاب؟ وذهب البخاري في "تاريخه" إلى أنه سيار أبو الحكم وخُطّئَ في ذلك، وكان عبد الغني ذهب إلى قول البخاري، فلذلك قال: سيار أبو الحكم، والصواب ما قاله أبو داود وأحمد فافهم.
وطارق بن شهاب الصحابي قد ذكرناه.
стр. 2917
قوله: " فاقة " أي: فقر وحاجة.
قوله: " فأنزلها بالناس" يعني: عرفها لهم، وطلب سدادها منهم، وسألهم في ذلك، لم تسد حاجته، لكونه سأل عاجزين مثله.
قوله: " أوشك الله" بفتح الهمزة، وفتح الشين المعجمة: يُوشك
إيشاكا، ومعناه عند الخليل: أسرع، وأنكر بعضهم أوشك، وإنما يأتي عندهم مستقبلاً.
قلت: الحديث ينكر قول المنكرين.
واعلم أن أوشك من أفعال المقاربة، وهي ما وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولا أو أخذا فيه، وفي الحقيقة من النواقص لأنها لتقرير الفاعل على صفة على سبيل المقاربة، ولا تستعمل أفعال المقاربة بمعنى المقاربة إلا بلفظ
الماضي إلا كاد وأوشك، فإنه قد جاء مضارعهما بهذا المعنى، وشذ مجيء اسم الفاعل من أوشك كما جاء في الشعر. والحديث أخرجه: الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
١٧٦٦- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله- ﵇: " أسْألُ يا رسولَ الله؟ فقال النبي ﵇: لا، وإن كُنتَ لا بُد سَائِلاً فسَلِ (١) الصالِحِين" (٢) .
ش- جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، وبكر بن سوادة ابن ثمامة المصري، ومسلم بن مَخْشِيَّ بفتح الميم، وسكون الخاء، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء: المدلجي أبو معاوية المصري. روى عن:
ابن الفراسي. روى عنه/: بكر بن سعادة. روى له: أبو داود، والنسائي [.....] (٣) في "الكمال" روى عن النبي- ﵇
стр. 2918
حديثا واحداً. روى عنه: ابنه. روى له: أبو داود، والنسائي. وقال في "مختصر الحق": ويُقال فيه عن الفراسي، ومنهم من يقول عن ابن الفراسي، عن أبيه كما ذكره أبو داود، وهو من بني فراس بن مالك من كنانة، حديثه عند أهل مصر، وله حديث آخر في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، كلاهما يرويه الليث بن سعد.
قوله: " لا" أي: لا تسأل، وإنما نهى عن السؤال عن غير الصالحين لأن الخير قَلَّ أن يحصل من غير الصالحين. ومن شيم الصالحين أن لا يردوا السائلين خائبين، وإن كانوا هم أحوج إلى ما يعطون من غيرهم. والحديث أخرجه النسائي.
١٧٦٧- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي قال: اسْتَعْمَلَنِي عمرُ- ﵁ على الصدقة، فلما فَرغتُ منها وَأَدَّيْتُهَا إليه أمَرَ لي بعُمَالَة، فقلتُ: إنما عَمِلتُ لله وأجرِي عَلى الله. قال: خُذْ ما أعطيت، فإني قَد عَمًلتُ على عَهد رسول ﷺ فَعَملَني، َ فقلتُ مثلَ قولكَ، َ فقال لي رسولُ الله- ﵇: إذا أعْطِيتَ شيَئا من غير أن تَسْألَهُ فكلْ وتَصدَّقْ (١) .
ش- أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وبكسر- بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة-.
وابن (٢) الساعدي صوابه: ابن السعدي، وهو عبد الله بن عمرو بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي المعروف بابن السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد، يكنى:
стр. 2919
أبا محمد، وقيل: اسم السعدي: قدامة بن وقدان، سكن الأردن (١) من أرض الشام، رُوي له عن رسول الله- ﵇ ثلاثة أحاديث، رويا له جميعا عن عمر بن الخطاب حديث العمالة. روى عنه: السائب بن يزيد. قال الواقدي: توفي سنة سبع وخمسين. روى له: النسائي عن النبي- ﵇، وروى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن عمر بن الخطاب- ﵁. قلت: هذا ما ذكره صاحب الكمال.
وقال الشيخ محيي الدين (٢) : وقد وقع في مسلم من رواية قريبة قال: عن ابن الساعدي المالكي، فقوله: المالكي صحيح منسوب إلى مالك بن حسن بن عامر. وإنما قوله: الساعدي فأنكروه، قالوا: وصوابه: السعدي، كما رواه الجمهور منسوب إلى سعد بن بكر.
وقال زكي الدين في "المختصر": ولم يكن سعديا، وإنما قيل لأبيه السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، وأما الساعدي فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار من الخزرج لا وجه له هاهنا، إلا أن يكون له نزول أو حلف، أو خؤولة، أو غير ذلك.
وقال أيضاً ورواه الزهري عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر- ﵃ فاجتمع في إسناده أربعة من الصحابة، وهو أحد الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع في حديث الليث بن سعد: ابن الساعدي كما قدمناه. قلت: أشار به إلى رواية أبي داود لأن في روايته ابن الساعدي، والصواب: ابن السعدي كما قررناه، وهذا الحديث رُوي من طرق مختلفة، والصحيح ما اتفق عليه الجماعة- يعني: عن الزهري، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعدي، عن عمر- ﵃. والسائب: ابن يزيد.
стр. 2920
وحويطب- بضم الحاء المهملة- أبو محمد، ويُقال: أبو الأصبع حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أسلم يوم فتح مكة، ولا تحفظ له رواية عن النبي- ﵇ إلا شيء ذكره الواقدي، والله أعلم.
قوله: " أمر لي بعُمالة" العُمالة- بضم العين- المال الذي أعطاه العامل على عمله.
قوله: " فعملني" بتشديد الميم أي: أعطاني أجرة عملي؟ وفيه جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين سواء كانت لدين أو لدنيا كالقضاء والحسبة وغيرها.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب حكاها/ [أبو جعفر محمد بن جريج الطبري وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، أنه يستحب في غير عطية] (٢) السلطان، وأما عطية السلطان فحرمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح: أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطي ما لا يستحق، لان لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. انتهى. وقيل: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه: " فتموله "، وقال: الفقير لا ينبغي له ذلك أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالا [سواء] كان عن مسألة أو عن غير مسألة.
стр. 2921
واختلف العلماء فيما أمر به النبي- ﵇ عُمر من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد. فقيل: هو أمر ندب من النبي- ﵇ لكل من أعطي عطية كانت من سلطان أو عامي، صالحا كان أو فاسقاً بعد أن يكون ممن يجوز عينه، حكى ذلك غير واحد، وقيل ذلك من النبي- ﵇ ندب إلى قبول عطية غير السلطان، فبعضهم منعها وبعضهم كرهها. وقال آخرون: ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجح بعضهم الأول لأن النبي- ﵇ يخصص وجها من الوجوه. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي بنحوه.
١٧٦٨- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، أن رسولَ الله ﷺ قال وهو على المنبرِ، وهو يذكرُ الصدقةَ والتعففَ منها والمسألةَ: َ" اليدُ العُليا خير من اليدِ السُفلَى، واليدُ العُليا المنفِقَةُ، والسفْلَى السائِلَةُ" (١) .
ش- هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم من قوله: "واليد العليا المنفقة" من الإنفاق، وكذا هي رواية أبي داود عن أكثر الرواة، وفيه دليل للجمهور أن اليد العليا هي المنفقة.
وقال الخطابي (٢) : المتعففة لما نذكره الآن. وقال غيره: العليا الأخذة، والسفلى المانعة، حكاه القاضي. والمراد بالعلو: علو الفضل والمجد ونيل الجواب.
قلت: هو قول المتصوفة، ذهبوا إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها نائبة عن يد الله تعالى. وما جاء في الحديث الصحف من التفسير مع فهم
стр. 2922
المقصد من الحث على الصدقة أوْلى، فعلى التأويل الأول هي العليا بالصورة. وعلى الثاني عليا بالمعنى. وفي الحديث ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور، وترك دنيها، وفيه أيضا حض على الصدقة. والحديث أخرجه: النسائي أيضا بنحوه.
ص- قال أبو داود: اخْتُلفَ على أيوبَ، عن نافع في هذا الحديث،
فقال (١) عبدُ الوارث: اليدُ الَعُليا المتعففةُ. وقال كثرُهمً عن حماد بن زياد، عن أيوبَ: اليدُ العُليا المنفقةُ. وقال واحد (٢) : المتعففةُ. ً
ش- أشار بهذا إلى أن كثر الرواة رووا: " اليد العُليا المنفقة" من الإنفاق، وأن رواية: "اليد العليا المتعففة" بالعين من العفة هي رواية واحد، وهي رواية عبد الوارث بن سعيد، عن حماد بن زيد، ورجح الخطابي (٣) رواية " المتعففة" وقال: هي أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله- ﵇ قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها، فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أوْلى، وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هي أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق، وليس عندي ذلك بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم، يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها، وأنشدني أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا ابن الأعرابي في معناه:
إذا كان باب الذل من جانب الغنى ... سموت إلى العلياء من جانب الفقر
يريد به التعزز بترك المسألة، والتنزه عنها.
وقال الشيخ محيي الدين (٤) : والصحيح: الرواية الأولى، ويحتمل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة خير من السائلة.
стр. 2923
١٧٦٩- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبيدة بن حميد التيمي، حدَّثني أبو الزعراء،/ عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضله قال: قال رسولُ الله ﷺ : [" الأيْدي ثلاثةٌ: فيدُ الله جل وعز العُليا] ، (١) ، ويدُ المُعْطِي التي تَلِيهَاَ، ويدُ السائلِ اَلسفْلَى، فأعْطِ الَفضلَ ولا تَعْجَزْ عنْ نَفْسِكَ " (٢) .
ش- أبو الزعراء: عبد الله بن هاني الكوفي الكندي. سمع: عبد الله بن مسعود. روى عنه: سلمة بن كهيل قال البخاري: ولا يتابع في حديثه. وقال النسائي وعلي بن المديني: لا نعلم أحداً روى عنه إلا سلمة بن سهيل. وقال ابن عدي: والذي قال النسائي كما قال، ويروي سلمة بن سهيل عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود إن كان قد سمع من عبد الله بن مسعود، ويروي عن أبي الأحوص عن أبيه، وغيرهم (٣) .
وأبو الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة الكوفي.
قوله: " فيد الله جل وعز العليا" المراد بها: قدرته الباسطة (٤) . وقد جعل في هذا الحديث اليد العليا أته تعالى، ثم للمعطي وهي يد المنفق.
ويؤيد هذا رواية الجمهور: "أن اليد العليا هي المنفقة ".
قوله: " فأعط الفضل" أي: الذي يفضل من كفايته، وهو الذي لا يحتاج إليه، وفيه حث على الصدقة عن فضل ماله، ووصيته لترك العجز والكسل في الصدقة.
стр. 2924
٢٧- باب: الصدقة على بني هاشم
أي: هذا باب في بيان الصدقة على بني هاشم. قال صاحب "الهداية":
وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، ومواليهم.
قلت: هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرة.
١٧٧٠- ص- نا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع، أن النبي- ﵇ بَعَثَ رجلاً على الصدقةِ من بنِي مخزوم فقال لأبي رَافع: اصْحَبْنِي فإنكَ تُصيبُ منها. قال: حتى آتي النبيَّ- ﵇ فَأسْألُهُ فَأتَاهُ، فَسَألَهُ فقالت: " مَوْلَى القوم من أنفُسِهِمْ، وإنا لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ" (١) .
ش- ابن أبي رافع اسمه: عُبيد الله، كاتب عليّ- ﵁، واسم أبي رافع: إبراهيم، أو أسلم، أو ثابت، أو هرمز، وقد ذكرناه وهو مولى النبي- ﵇.
قوله: " بعث رجلا على الصدقة " هذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي، بَيَّن ذلك النسائي والخطيب، كان من المهاجرين الأولي، وكنيته: أبو عبد الله، وهو الذي استخفى رسول الله- ﵇ في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلاً آخرهم عمر بن الخطاب- ﵁، وهي التي تعرف بالخيزران (٢) . وقال الخطابي (٣) : أما النبي- ﵇ فلا خلاف بين المسلمين
стр. 2925
أن الصدقة لا تحل له، وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: لا تحل الصدقة لبني المطلب لأن النبي- ﵇ أعطاهم من سهم ذي القربى، وأشركهم فيه مع بني هاشم، ولم يُعط أحدا من قبائل قريش غيرهم. وتلك العطية عوض عُوضوه بدلا عما حُرموا من الصدقة، فأما موالي بني هاشم فإنه لاحظ لهم في سهم ذي القربى، فلا يجوز أن يحرموا من الصدقة، ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيها له. وقال: "مولى القوم من أنفسهم" على سبيل التشبيه في الاستناد بهم، والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة، التي هي أوساخ الناس، ويشبه أن يكون ﵇ قد كان يكْفيه المؤنة، ويُزيحُ له العلةَ، إذ كان أبو رافع مولى له، وكان ينصرف له فَيَ الحاجة والخدمة فقالَ له على هذا المعنى: إذا كنت تستغني بما أعطيتك فلا تطلب أوساخ الناس، فإنك مولانا ومنا قال: وكان النبي- ﵇ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه، وكأن المعنى في ذلك أن الهدية إنما يُراد بها ثواب الدنيا، وقد كان ﵇ يقبلها، ويثيب عليها، فتزول المنة عنه. والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن تكون يد أعلى من يده في ذات الله تعالى وفي أمر الآخرة.
وقال الشيخ محيي الدين (١) : تحرم الزكاة على النبي- ﵇ وعلى آله وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب، هذا مذهب الشافعي ومرافقيه، أن آله- ﵇ هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. ْ قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة/ [أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله ﷺ وتحل لآله، والثاني: تحرم] (٢) عليه وعليهم. والثالث: تحل له ولهم، وأما لموالي بني هاشم
стр. 2926
وبني المطلب، فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: تحرم. والثاني: تحل، وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية، وبالإباحة قال مالك، وادعى ابن بلال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم. وأما موالي غيرهم فيباح لهم بالإجماع، وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب، ولا فرق بينهما.
قلت: ذكر في " شرح الآثار" للطحاوي، عن أبي حنيفة: لا بأس بالصدقة كلها على بني هاشم، والحرمة في عهد رسول الله للعوض وهو خمس الخمس، فلما سقط ذلك بموته حلت لهم الصدقة، وذكر في غيره: أن الصدقة المفروضة والتطوع محرمة على بني هاشم في قول أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة روايتان فيها قال الطحاوي: وبالجواز يأخذ.
والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في "مسنده "، والحاكم في "مستدركه " وقال: صحيح على شرط الشيخين.
١٧٧١- ص- نا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم- المعني- قالا: نا حماد، عن قتادةَ، عن أنس: إلى النبي- ﵇ كان يَمُر بالتمرة العَائِرَةِ فما يَمْنَعُهُ مِن أَخِذها إلاً مَخَافَةَ أن تَكُونَ صَدَقَةً (١) .
ش- "العائرةُ " الساقطة لا يعرف لها مالك، من عار الفرس يعير إذا انطلق من مربطه مارا على وجهه، وهذا أصل في الورع، وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان مباحا فإنه يُجتنب، وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة أن له أخذها وأكلها إن شاء، وليس لها حكم اللقطة.
١٧٧٢- ص- لا نصر بن علي، أنا أبي، عن خالد بن قيس، عن قتادةَ،
стр. 2927
عن أنسٍ: أن النبيَّ- ﵇ وَجَدَ تَمرةً فقال: " لَولا أني أخاف أن تكونَ صدقةً أكَلتُهَا" (١) .
ش- أبوه: عليه بن نصر بن عليه الكوفي الكبير، وخالد بن قيس الأزدي البصري أخو نوح.
قوله: " أن تكون صدقة " فيه دليل على تحريم الصدقة على النبي- ﵇ مطلقاً سواء كانت فرضا أو تطوعا لعموم اللفظ، وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال، لكن الورع تركها. والحديث أخرجه مسلم.
ص- قال أبو داودَ: رواه هِشام، عن قتادةَ هَكذا.
ش- أي: روى الحديث المذكور هشام بن أبي عبد الله الدَّستوائي عن قتادة بن دعامة "هكذا" أي: كما روى خالد بن قيس، عن قتادة.
١٧٧٣- ص- نا محمد بن عبيد المحاربي، نا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباسٍ قال: بَعَثَنِي أبي إلى النبي- ﵇ في إبِلٍ أعطاهَا إياهُ من الصدقة (٢) .
ش- الحديث أخرجه النسائي أيضاً
قال الخطابي (٣) : هذا لا أدري ما وجهه، والذي لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس، والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوي القربى من الفيء، ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة- إن ثبت الحديث- قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة، فقد رُوي أنه شكي إليه العباس في منع الصدقة فقال: " هي عليَّ ومثلها" (٤) ، كأنه كان قد تسلف منه صدقة عامين، فردها، أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته
стр. 2928
إبل الصدفة، فروى الحديث مَن رواه على الاختصار من غير ذكر السبب
فيه، والله أعلم.
١٧٧٤- ص- نا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: نا محمد - هو ابن أبي عبيدة- عن أبيه، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس نحوه زاد أبي:"يبذلُهَا (١) " (٢) .
ش- محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، واسم أبي عبيدة عبد الملك، وقد ذكرناه مرة.
قوله: " نحوه" أي: نحو الحديث المذكور: له وزاد فيه [.....] (٣)
٢٨- بابٌ: في فقير يَهدي إلى غنيٍّ من الصدقة
أي: هذا باب في بيان حكيم الهدية التي يهديها الفقير إلى الغني من
الصدقة.
١٧٧٥- ص- نا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي- ﵇/ أتِيَ بِلَحْمِ، قال: ما هذا؟ قالوا: شيءٌ تُصُدَقَ به [على بَرِيرة، فقال: " هو لها صدَقَه، ولنا هَدِيه] "، (٤) ، (٥)
[....] (٦) المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه. والحديث [أخرجه] (٧) :
البخا ري، ومسلم، وا لنسائي.
стр. 2929
٢٩- باب: من تصدق بصدقة ثم ورثها
أي: هذا باب في بيان من تصدق بشيء ثم ورث ذلك الشيء.
١٧٧٦- ص- نا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير، نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدةَ، أن امرأةً أتتْ رسولَ الله عن فقالتْ: كُنتُ تَصدقْتُ على أمي بِوَلِيدةَ، وإنها مَاتتْ وتركتْ تلك الوَلِيَدةَ. قال: " قد وَجَبَ أجْرُكِ، ورجعتْ إليكم في الميراثِ " (١) .
ش- زهير بن معاوية.
وعبد الله بن عطاء المكي، ويقال: الطائفي أبو عطاء المدني، ويقال: الواسطي مولى المطلب. روى عن: عبد الله بن بريدة، وأخيه سليمان، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ومحمد بن أبي ليلى، وشعبة، وزهير، وغيرهم. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
وعبد الله بن بريدة بن الخصيب الأسلمي قاضي مرة.
قوله: " بوليدة " الوليدة- بفتح الواو، وكسر اللام- الجارية الصغيرة، والوسائد (٣) الوصائف. وقيل: هي كناية عما ولد من الإماء في ملك الرجل. وقال الجوهري: والوليدة: الصبية والأمة. وقيل: الصدقة في الوليدة معناها التمليك، فإذا ملكتها في حياتها بالإقباض ثم ماتت كانت كسبيل سائر أملاكها، وذكر أبو بكر المعافري أن الناس اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها؟ قال: الصحيح جوار كلها للأثر والنظر [ثم] ذكر هذا الحديث. وقال: الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي،
стр. 2930
والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند كثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلّت له.
٣٠- باب: حقوق المال
أي: هذا باب في بيان الحقوق الواجبة في المال.
١٧٧٧- ص- نا عتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن عاصم بن أمي النجود، عن شقيق، عن عبد الله قال: كنا نَعُذُ الماعونَ على عهد رسول الله عاريةَ الدلو والقِدرِ (١) .
ش- أبو عوانة الوضاح، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن مسعود ﵁.
قوله: " نعد الماعون" كلمة نعد تتعدى إلى، مفعوله أحدهما قوله: " الماعون "، والآخر قوله: " عارية الدلو"، وهي كلام إضافي، و"الماعون " قد فسره في الحديث بأنه "عارية الدلو والقدر"، ونحو ذلك من آلات البيت كالفأس، والقدوم، والمنخل، والغربال، ونحو ذلك. وقيل: الماعون الماء والملح والنار، وقيل: المعونة بما يخف مؤنته، وقيل: هو الحق، وقيل: الزكاة، وقيل: المعروف، وقيل: المال، وقيل: الماء عند الحاجة، ومنه المعين، وقيل: القليل من الكثير، وقيل: الماعون في الجاهلية: العطاء والنفقة، وفي الإسلام: الزكاة والطاعة، وقد ذكره الجوهري في باب النون في فصل الميم، ويدل ذلك على أن الميم فيه أصلية، وقال: ومن الناس من يقول الماعون أصله: معونة، والألف عوض عن الهاء، والعارية فيها ثلاث لغات عارية بالتشديد، وعاريَة بالتخفيف وعارة، وهي مشتقة من التعاون، وهي من ذوات الواو، وقيل: هي من العار لأن طلبها عار وعيب. والقدر مؤنث وتصغيرها قدير
стр. 2931
بغير هاء على غير قياس، وحكى بعضهم قُدَيرة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه ": نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ قال:" هو ما تعاون الناس بينهم: الفأس، والقدر، والدلو، وأشباهه ".
وأخرج عن علي: الماعون: الزكاة المفروضة. وعن ابن عباس: عارية المتاع. وعن ابن عمر: هو المال الذي لا يُعطى حقه. وعن عليه: منع الفأس والقدر والدلو.
١٧٧٨- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: " مَا مِن صَاحب كَنْز لا يُؤَدِّي/ [حَقَّهُ إلا جَعَلَهُ اللهُ يومَ القيامة يُحمد عليها في نار جهنم، فتُكوى بها] (١) جبهتُهُ وجنبُهُ وظهرُهُ، حتى يَقضي اللهُ بينَ [عباده في يومٍ كان مقدَارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ مما تعدون] (١) ، ثم يُرَى سَبيلَه إما إلى الجنة وإما إلاَ النارِ، وَمَا من صاحبِ غنمٍ لا يُؤَدِّي حَقَها إلا جاءتْ يومَ القيامة أوْفَرَ ما كَانتْ فَيبطَحُ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فَتَنْطَحُهُ بقُرونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأظلافِهَا، ليس فيها عَقْصَاء ولا جَلحاء كلما مضت أخْرَاهَاَ رُدَتْ عليه أولاهَا حتى يَحكُمَ اللهُ سبحانه بين عباده في يومٍ كان مقْدارُهُ خمسينَ ألفَ سَنة مما تعدونَ، ثم يُرى سَبيلُه إُمَّا إلى الجَنةِ وَإمَّا إلى النارِ، وما من صاحبِ إِبلٍ لا يؤَدي حَقَّهَا إِلا جاءت يومَ القيامة أوفرَ ما كانتْ، فَيبطَحُ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بأخْفَافِهَا كلما مَضَتْ أخراها (٢) رُدَتْ عليه أولاها حتى يَحكُمِ اللهُ سبحانه بين عباده في يومٍ كان مقْدارُهُ خمسينَ ألفَ سنة مما تعدونَ، ثم يُرى سَبيلَهُ إما إلى اَلجنَةَ وإما إلى النارَ " (٣) .ً
ش- حماد بن سلمة، وأبو صالح ذكوان الزيات.
стр. 2932
قوله: "ما من صاحب كنز" " (١) قال الطبري: الكنز: كل شيء مجموع بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض اسم على ظهرها. زاد صاحب "العين " وغيره: وكان مخزوناً قال القاضي: واختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرائن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يؤد، فأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة. وقيل: المراد بالآية: أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك. وقيل: كلما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أوديت زكاته، وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال، واتفق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح لقوله- ﵇: " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته"، وذكر عقابه. وفي الحديث الآخر: "من كان عنده مال لم يؤد زكاته يمثل له شجاع أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك".
قوله: " إلا جعله الله، الضمير المنصوب يرجع إلى صاحب الكنز، وكذلك الضمير المرفوع في قوله: " يُحمى "، والضمير الذي في "عليها" يرجع إلى الكنز، وتأنيثه باعتبار أن الكنز مشتمل على الأموال.
قوله: " فتكوى بها جبهته" إنما خص هؤلاء الأعضاء الثلاثة، أما الجبهة فلأنه زواها على الفقير، وأما الجنب فلأنه ازْوَر عنه، وأما الظهر فلأنه ولاه ظهره.
قوله: "مما تعدون" أي: من سِنين الدنيا.
قوله: " أوفر ما كانت " أي: أحسن ما كانت من السمن وصلاح الحال. قوله: " فيبطح له " أي: يلقى على وجهه، والبطح في اللغة: البسط والمد، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره.
قوله: " لها" أي: للغنم، أي لأجلها، والمعنى: يبطح لوطئها عليه.
стр. 2933
قوله: "بقاع" أي: في قاع، والقاع: المستوي من الأرض الواسع، وقد يجمع فيه الماء. وقيل: أرض فيها رملٌ.
قوله: "قرقر" بقافين ورائين مهملتين، والقرقر أيضاً المستوي من الأرض المتسع، ذُكِرَ للتأكيد، أو يكون القاع بمعنى البقعة من الأرض، والقرقر صفتها.
قوله: " بأظلافها": الأظلاف جمع ظلف، وهي للبقر والغنم والظباء، وكل حافر منشق منقسم فهو ظلف، والخف للبعير، والحافر للفرس والبغل والحمار، وما ليس بمنشق من الدواب، وقد استعير الظلف للأفراس.
قوله: " عقصاء" بفتح العين المهملة، وسكون القاف، وبالصاد المهملة، وهي الملتوية القرنين، و "الجلحاء" بفتح الجيم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة، التي لا قرن لها، واشترط ذلك ليكون أنكى لها وأدنى أن تمور في المنطوح. والحديث أخرجه: مسلم، وأخرجه البخاري، والنسائي مختصرا بنحوه من حديث الأعرج عن أبي هريرة.
١٧٧٩- ص- نا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ- ﵇ نحوه. قال في قصة الإبل بعد قوله: " لا يُؤَدِّي حَفهَا"، قال:
(ومِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يومَ/ وردها" (١)
ش- ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل [.....] (٢) .
"حلبها" بفتح الحاء واللام مصدر من حلبت الناقة وأيضا اللبن المحلوب. وروي "حلْبها" بإسكان اللام وكلاهما صحيح. وأشار ﷺ إلى ذلك لما يحضرها من المساكين، ومن لا لبن له فيعطى شيئاً
واختلف الناس في قوله: "ومن حقها " فذهبت طائفة إلى أن في المال
стр. 2934
حقا سوى الزكاة، وقالوا: حق المال أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويُفقرُ الظهرُ، وغير ذلك. قاله الحسن البصري وغيره، وكثر العلماء على أن ذلك كله من الزكاة المفروضة، ولا حق عندهم في المال سواها، وتأولوا قوله- ﵇: " من حقها" أن ذلك حق في كرم المواساة وشريف الأخلاق.
" (١) وقال المازري: يحتمل أن يكون هذا الحق في موضع تتعين فيه المواساة. وقال القاضي: ولعل هذا كان قبيل وجوب الزكاة، وقد اختلف السلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَفي أمْوَالهِمْ حَق معْلُوم للسائِلِ وَالمَحْرُوم﴾ (٢) ، فقال الجمهور: المراد به: الزكاة، وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أثنى عليهم بخصال كريمة،
فلا يقتضِي الوجوب كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَليلاً من الليْلِ مَا يَهْجَعُون﴾ (٣) ، وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، َ وإن كان لفظه لفظ خبر فمعناه أمر. قال: وذهب جماعة منهم: الشعبي، والحسن، وطاووس، وعطاء، ومسروق، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقا سوى الزكاة من فك الأسير، وإطعام المضطر، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، (٤) .
١٧٨٠- ص- نا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغداني، عن أبي هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله- ﵇ نحو هذه القصة- فقال له- يعني: لأبي هريرة-: فَما حَق الإبِلِ؟ قال: " نُعطِي الكًرِيمَة، وتمنح الغَزيرةَ، ونُفْقرُ الطهْرَ، وتُطرقُ الفَحلَ، ونُسقي اللبنَ " (٥) .
стр. 2935
ش- أبو عمر الغداني ذكره في "الكمال " في باب الكنز، فقال: روى عنه قتادة، حديثه في البصريين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (١) ٠ انتهى. والغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة: منسوب إلى غُدانة بطن من بني تميم.
قوله: " تُعطي الكريمة " أي: النفيسة، وكرائم المال: نفائسه. وقيل: ما يختص صاحبه لنفسه منها. والغزيرة: الكثيرة اللبن. ومعنى تمنح: تعطي، وهو بكسر النون وفتحها، والمنيحة والمنحة عند العرب على وجهن، أحدهما: العطية مثلاً كالهبة. والثاني: يختص بذوات الألبان، وأرض الزراعة ينتفع بها ثم يصرفها إليه.
قوله: "وتفقر الظهر" من الإفقار بتقديم الفاء على القاف، وإفقار الظهر: إعارته للركوب، يقال: أفقرت الرجل بعيري، إذا أعرته ظهره يركبه، ويبلغ عليه حاجته، مأخوذ من ركوب فقار الظهر، وهو خرزاته، الواحدة فقارة.
قوله: "وتُطرق الفحل " من الإطراق، وإطراق الفحل: إعارته الضراب، لا يمنعه إذا طلبه، ولا يأخذ عليه عسبا، أي: أجرا، ويقال: طرق الفحل الناقة فهي مطروقة، وهي طريقة الفحل إذا حان لها أن تطرق. والحديث أخرجه: النسائي.
١٧٨١- ص- نا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعتُ عُبيدَ بنَ عُمير يقولُ: قال رجل: يا رسولَ الله، ما حَقُّ الإِبِلِ؟ ذكر نحوَه زادَ: " وإِعَارَةُ دلوِهَا" (٢) .
ش- أبو عاصم: ضحاك بن مخلد النبيل، وعبد الملك بن جريج، وأبو الزبير: محمد بن مسلم بن قتادة المكي، وعُبيد: ابن عمير بن قتادة المكي، قيل: إنه رأى النبي- ﵇ وقد ذكرناه.
стр. 2936
قوله: "ذكر نحوه" أفي: نحو الحديث المذكور (١) .
١٧٨٢- ص- نا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن عمه:. واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي- ﵇ أمَرَ من كل جاد عَشْرةَ أوْسق من التمرِ بقِنْوٍ يُعَلقُ في المسجدِ للمساكينِ " (٢) .
/ [....] (٣) ، ["حبَان "] بفتح الحاء والباء بواحدة.
قوله:" من كل جاد عشرة أوسق " الجاد بالجيم وتشديد الدال بمعنى الجدود، والمعنى: من كل نخل يُجد منه، أي: يقطع عشرة أوسق، وهو مضاف إلى العشرة، المضافة إلى الأوسق، وهي جمع وسق، وقد مر تفسيره مستوفى، وكلمة "من" في قوله: ومن التمر، للبيان. وقوله: " بقنو" متعلق بقوله: "أمر"، و" القنو" بكسر القاف، وسكون النون: هو العِذق- بكسر العين- بما عليه من الرطب والبسر يُعلق للمساكين يأكلونه، وهذا من المعروف دون الفرض، ومن الناس من ذهب إلى وجوب ذلك بظاهر الأمر، والجمهور أنه أمر ندب للمواساة، وإظهار الكرم والجود.
١٧٨٣- ص- نا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبو الأشهب عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحنُ معَ رسولِ الله- ﵇ في سَفَرٍ إذ جاء رجل على نَاقَة له فجَعَل يُصَرفها يمينا وشمالا، فقال رسولُ الله: ومَن كانَ عندَهُ فَضلُ ظَهرً فَليَعُدْ به على مَن لا ظَهْرً له، ومن كانَ عندَهُ فضَلُ زاد فَليَعُدْ به على من لان زَادَ له، حتى ظَنَنا أنه لا حَق لأحدٍ منا في الفَضْلِ " (٣) .
стр. 2937
ش- أبو الأشهب: جعفر بن حيان العطاردي البصري، وأبو نضرة: المنذر بن مالك العَوَقِي البصري [....] (١) .
١٧٨٤- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى المحاربي، نا أبي نا غيلان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿الَذينَ (٢) يَكْنِزُونَ الذهبَ وَالفضَّةَ﴾ (٣) ، قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين فقالَ عُمرُ: أنا أفَرج عنكُم، فانطًلَقُوا فقالوا (٤) : يا نَبِي الله، إنه كَبُرَ على أصحابكَ هذه الآيةُ فقال: " إنه ما فَرَضَ الزكاةَ (٥) إلا ليُطيبَ ما بقي من أموالكُمَ، وإنما فَرَضَ المواريثَ ليكون مِن بعدكُم"، قال: فَكَبر عمر ثم قال (٦) : " ألا أخْبرُكَ بخيرِ ما يَكْنِزُ المرءُ؟ المرأة الصالحةُ: إذا نَظَرَ إليها تَسُرهُ (٧) ، وإذا أمَرَهَا أَطَاعتهُ، وإذا غَابَ عنها حَفِظتهُ " (٨) .
ش- يحيى بن يعلى بن الحارث بن حرب بن جابر بن الحارث أبو زكرياء المحاربي الكوفي. روى عن: أبيه، وزائدة بن قدامه. روى عنه: أبو كريب، وأبو حاتم الرازي- وقال: ثقة- والبخاري، وأبو زرعة الرازي. روى له الجماعة (٩) .
وأبوه: يعلى بن الحارث قد ذكرناه.
وغيلان بن جامع بن أشعث المحاربي، أبو عبد الله الكوفي قاضيها. روى عن: الحكم بن عتيبة، وإياس بن سلمه بن الأكوع، وعلقمة بن مرثد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويعلى بن الحارث.
стр. 2938
قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي (١) .
وجعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية الواسطي.
قوله: " فانطلقوا فقالوا "، وفي نسخة صحيحة: "فانطلق فقال " أي: "فانطلق عمر فقال ".
قوله: " إنه" أي: إن الشأن.
قوله: " إنه ما فرض" أي: إن الله ما فرض الزكاة.
قوله: " المرأة الصالحة " مبتدأ وخبره قوله: "خير ما يكنز"، ولفظ: " خير " مضاف إلى" ما يكنز".
قوله: "تسره"، وفي بعض النسخ: "سرته ".
٣١- باب: حق السائلِ
أي: هذا باب في بيان حق السائل.
١٧٨٥- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا مصعب بن محمد بن شُرحبيل، حدثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين ابنِ علي قال: قال رسول الله- ﵇: "للسائلِ حَق وإن جاء على
فَرسٍ " (٢) .
ش- سفيان الثوري، ويعلى بن أبي يحيى قال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى له: أبو داود.
وفاطمة بنت حسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمية المدنية، روت عن جدتها فاطمة مرسلا، وعن أبيها وعمتها زينب بنت عليه، وأخيها علي بن الحسن، وعبد الله بن العباس،/ وعائشة أم المؤمنين، وأسماء
стр. 2939
بنت عميس، [روى عنها: أبناؤها: إبراهيم وحسن وعبد الله] (١) بنو الحسن بن الحسن، وابنها (٢) محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، [وشيبة بن نعامة] (٣) ، وعائشة بنت طلحة، وعمارة بن غزية، ويحيى ابن أبي يعلى، وجماعة آخرون. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٤) .
والحسن بن علي بن أبي طالب، القرشي، الهاشمي، سبط رسول الله ﵇ وريحانته، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، يكنى: أبا عبد الله. روى عن رسول الله- ﵇ ثمانية أحاديث، رويا له عن أبيه. روى عنه: عليه بن الحسن، وابنته فاطمة، وابن أخيه زيد بن الحسن، وشعيب بن خالد، وغيرهم. قتل يوم عاشورا سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وخمسين سنة بكربلاء من أرض العراق. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السكن: قد رُوي من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي رسولَ الله- ﵇ ولعبه بين يديه، وتقبيله إياه، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن علي عن رسول الله- ﵇ فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي نحوا من ذلك. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع النبي- ﵇ ورآه، ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر واحد (٥) .
وقال الخطابي (٦) : معنى هذا الكلام: الأمر بحسن الظن بالسائل إذا
стр. 2940
تعرض لك، وأن لا تشبهه بالتكذيب والرد مع إمكان الصدق في أمره، يقول: لا تخيب السائل إذا سألك وإن راقك منظره، فقد يكون له الفرس يركبه ووراء ذلك عيلة ودين يجوز له معها أخذ الصدقة، وقد يكون من أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغنى عنها، وقد يكون صاحب حمالة وغرامة لديون أدّانها في معروف بإصلاح ذات البين، ونحو ذلك، فلا يرد ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق.
وقال ابن الصلاح: بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: أربعة أحاديث تدور عن رسول الله- ﵇ في الأسواق ليس لها أصل: " من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة "، و " من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة"، و "نحركم يوم صومكم "، و "للسائل حق وإن جاء على فرس".
١٧٨٦- ص- نا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا زهير، عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده، عن فاطمةَ بنت حُسين، عن أبيها، عن عليّ، عن النبي- ﵇ مثله (١) .
ش- فيه مجهول وأيضا هو ليس برواية عن سفيان، وإنما هو إخبار عما كان وعنده عن فاطمة بنت حسين.
١٧٨٧- ص- نا قتيبة، نا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بُجيد- وكانت ممن بايع رسولَ الله ﷺ أنها قالتْ له: يا رسولَ الله (٢) ، إن المسكينَ ليقومُ على بَابِي فما أجدُ لًهُ شَيئا أعْطيه إياهُ، فقال لها (٣) رَسولُ الله-َ ﵇: " إن لم تَجِدي له شيئا تُعْطِيَهَِ إِياهُ إلا ظِلفا مُحْرَقا فادفعيه إليه في يَدِهِ " (٤) .
стр. 2941
ش- سعيد بن أبي سعيد المقبرة، وعبد الرحمن بن بُجيدَ بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة- روى له: أبو داود، والترمذي، وذكره في "الكمال " في الصحابة وقال: عبد الرحمن بن بجيد بن وهب بن قيظي بن قيس بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن مجدعة الأنصاري. وقال فيه أيضاً أم بُجيد بايعت النبي- ﵇. روى عنها: عبد الرحمن بن بُجيد، وفي إسناد حديثها اختلاف. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
قوله: "إلا ظلفا مُحرقا " استثناء من قوله: "شيئا" واختلفوا فيه تأويله فقيل: ضربه مثلاً للمبالغة كما جاء "من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة ".
وقيل: إن الظلف المحرق كان له قدر عندهم، فإنهم كانوا يسهكونه ويسنتونه. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.
٣٢- باب: الصدقة على أهل الذمة
أي: هذا باب في بيان حكم الصدقة على أهل الذمة.
١٧٨٨- ص- نا أحمد بن أبي شعيب الحراني/ [حدثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالتْ: قَدمَتْ عَلَي أمَّي وهِيَ] (١) رَاغبَة في عهد قريشِ، وهي رَاكِبة مُشركةَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إن أمي قَدمَتْ عًلي وهي راغمة مشركة، أفَأصِلُهَا؟ قال: نعم، فَصِلِي أمك " (٢) .
ش- أسماء بنت أبي بكر- ﵄.
стр. 2942
قوله: وأمي، قيل: هي أمها من الرضاعة، وقيل: بل هي أمها التي ولدتها، وهي قُتيلة- بضم القاف، وفتح التاء ثالث الحروف، واللام، وفي آخره تاء تأنيث- القرشية العامرية. وقيل: قَتْلَة- بفتح القاف، وسكون التاء-.
قوله: "راغبة" نصب على الحال من الأم، وهو بالباء بمعنى طالبة بري وصلتي.
قوله: " وهي راغمة" جملة حالية أيضا وهو- بالميم- أي: كارهة للسلام، ساخطة عَلَي، تريد أنها لم تقدم مهاجرة راغبة في الدين، كما كان يقدم المسلمون من مكة للهجرة، والإقامة بحضرة رسول الله ﵇، وقيل: هاربة.
ويستفاد منه: أن الصلة للمشرك جائزة للقرابة والحرمة والذمام، وأمرها ﵇ بصلتها لأجل الرحم، وأما الزكاة فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة عند الجمهور، وأما في هذه الصورة فلا يجوز صرفها أيضا إلى أمها وإن كانت مسلمة، لوجوب نفقتها عليها. وقال زفر: الإسلام ليس بشرط في مصرف الزكاة وغيرها؟ لأن الله تعالى حيث ذكر الفقراء في الصدقات لم يقيد بصفة الإسلام، فإثبات إسلام الفقير يكون زيادة، فتجري مجرى النسخ.
قلنا: قوله- ﵇:" خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم" يقتضي أن لا يصرف إلا إلى المسلمين.
فإن قيل: هذا زيادة على النص بخبر الواحد وذلك لا يجوز. قلنا: الأصل هذا (١) ، إلا أن النص عام قد خص منه الفقير الحربي، وكذلك الوالدان والولد والزوجة مخصوصون بالإجماع، فيخص الباقي بخبر الواحد. وقال القاضي الإمام أبو زيد في "الأسرار ": إن هذا الحديث مشهور مقبول بالإجماع، فزدنا هذا الوصف به كما زدنا صفة التتابع على صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود: ﴿فَصِيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ .
стр. 2943
١٧٩٣- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كُثا عندَ رسولِ الله- ﵇ إذ جاء (١) رَجل بمثلِ بَيْضَة من ذهب، فقالَ: يا رسولَ اَللهِ، أصَبْتُ هذه من مَعْدن فخُذها، فَهِيَ صَدَقًةٌ، ما أمْلًكُ غيرَهَا، فَأعرضَ عنه رسولُ الله، ثم أتاه من قِبَل رُكْنِهِ الأيمنِ فقالَ مثل ذلك، فأعرضَ عنه، ثم أتاهُ من رُكنه (٢) الأيسَرِ فَأعرضَ عنه رسولُ الله، ثم أتَاهُ من خَلفه فأخذها رسولُ الله- ﵇ فَخَذَفَهُ بها، فلو أصًابَتْهُ لأوْجَعَتْهُ أوْ لًعًقَرَتْهُ، فقالَ رسولُ الله- ﵇: لا يأتِي أحدُكُم بما يَمْلكُ فيقولُ: هذه صدقةٌ، ثم يَقْعُدُ يَستَكفُّ الناسَ؟ خَيرُ الصدقةِ ما كانَ عَن ظًهرِ غنىً " (٣)
ش- ركن الشيء: جانبه، أي: أتاه من قبل جانبه الأيمن، ثم من قبل جانبه الأيسر.
قوله: " فخذفه" الخذف بالخاء والذال المعجمين: الرمي بالحصى. والحذف بالحاء المهملة: الرمي بالعصا.
قوله: "لعقرته" أي: جرحته، والعقر: الجرح هاهنا، ويستعمل العقر أيضا في القتل والهلاك.
قوله: " يستكف الناس" أي: يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه. يقال: توقف الرجل واستخف إذا فعل ذلك، أو يأخذ كفا من الطعام أو ما يكف الجوعَ، ومنه: يتكففون الناس.
قوله: " خير الصدقة " مبتدأ وخبره قوله: "ما كان عن ظهر غنى "، ولفظ " ظهر" مضاف إلى "غنى"، أي: عن غنى يعضده، ويستظهر به على النوائب التي تنوبه، كقوله في حديث آخر: " خير الصدقة ما أبقت غنى" (٤) ، وقيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم
стр. 2944
٣٦- باب: عطية من سأل بالله
أي: هذا باب في بيان عطية من سأل بالله تعالى.
١٧٩٢- ص- نا عثمان بن أأبي، شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسولُ اللهِ- ﵇: " مَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأعِيذُوهُ، ومَنْ سَألَ بالله فَأعْطُوهُ، ومن دَعَاكُمْ فَأجيبُوهُ، ومَن صَنَعْ إليكُمَ مَعْرُوفا فَكَافِئُوهُ، فإن لمَ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ (١) فَادْعُوا له حتى تَرَوْا أَنْ (٢) قَدْ كَافَأتُمُوهُ " (٣) .
ش- أي: من لجأ إليكم مستعيذا بالله فألجئوه وأجيروه، ومن سأل شيئا لله تعالى فأعطوه، ومن طلبكم فأجيبوا دعوته، و" من صنع إليكم معروفا " يعني: خيراً وإحسانا، وقد ذكرنا غير مرة أن المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المُحسْنات والمقبحات.
قوله: " فكافئوه" من المكافأة يقال: كافأته ورجوت مكافأتك، أي: كفايتك، واْصله: من كفى يكفي من الناقص، وليس من مهموز اللام، وإنما ذكره من باب المفاضلة ليدل على الاشتراك لأن اْحدهما يصنع معروفا والآخر يقابله بمعروف مثله، واسمها في صورة الدعاء فأحدهما يصنع معروفا والآخر يقابله بالدعاء.
قوله: " أن قد كافأتموه " في تأويل المصدر، ومحله النصب على المفعولية، والتقدير: حتى تروا المكافأة. وهذا الحديث جامع لأنواع الخير من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب. وأخرجه النسائي أيضاً
٣٧- باب: الرجل يخرج من ماله
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يخرج من ماله.
стр. 2945
ويعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق النحوي الحضرمي، أبو محمد المقرئ البصري، أخو أحمد بن إسحاق. روى عن: جده زيد، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وهمام بن يحيى، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن علي، وعقبة بن مكرم، وأبو قدامة السرخسي، وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: كان صدوقاً روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وسليمان بن معاذ أبو داود الضبي، وقال في " الكمال": سليمان بن قرم بن معاذ، ومنهم من يقول: سليمان بن معاذ ينسبه إلى جده. روى عن: محمد بن المنكدر، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وأبو الأحوص، وأبو داود الطيالسي/ [.....] (٢) قال أبو زرعة: ليس بذاك [....] (٢) . روى له: [....] (٢) ، وأبو داود [....] (٢) ، (٣) .
قوله: " لا يسأل بوجه الله " المراد بالوجه: الذات وذاته عظمته (٤) ، ولا يسأل بذلك العظيم إلا الجنة، ولا يسأل به الحقير وهو الدنيا. وذكر أحمد بن عدي: هذا الحديث في ترجمة سليمان بن قرم قال: وهذا الحديث لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم، وعن سليمان يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعن يعقوب أحمد بن عمرو العُصفري.