وعبد الله بن بدر بن عميرة بن الحارث بن سمرة الحنفي اليمامي، جد
ملازم بن عمرو. سمع: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن علي بن
شيبان، وقيس بن طلق الحنفي. روى عنه: ملازم بن عمرو، وجهضم
ابن عبد الله، ومحمد بن جابر اليمانيون. قال أبو زرعة وابن معين:
ثقة. روى له (١) : أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢) .
وقيس بن طلق بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي. روى عن أبيه،
روى عنه: عبد الله بن بدر، ومحمد بن جابر اليمامي، وعبد الله بن
النعمان السُحيمي، وعجيبة بن عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن
قيس، وغيرهم. قال ابن معين، وأحمد بن عبد الله: ثقة. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٣) .
وطلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن
عبد العزى الحنفي، أبو علي اليمامي، أحد الوافدين الذين قدموا على
رسول الله، وعمل معه في بناء المسجد. روى عنه: ابنه قيس،
وعبد الله بن النعمان، وعبد الرحمن/بن عليّ بن شيبان، وعبد الله بن
بدر. روى له: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه (٤) .
قوله: " قدمنا على النبيّ- ﵇ " وذلك حين قدم مع وفد بني
حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب لعنه الله، وكانوا بضعة عشر رجلاً، وفيهم
طلق بن علي، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وكان ذلك في السنة
الأولى من الهجرة.
قوله: " هل هو [إلا] مضغة منه " " المُضغة " - بضم الميم-: القطعة
من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها " مُضغ "، و " البضعة " - بفتح الباء
стр. 422
وكسرها-: القطعة من اللحم، والمعنى: أنه جزء منه كما في الحديث:
" فاطمة بضعة مني " (١) أي: جزء مني كما أن القطعة من اللحم.
وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وفي لفظ النسائي في الصلاة،
وهو رواية لأبي داود كما نذكره الآن.
واعلم أن هذا الحديث " (٢) له أربع طرق: أحدها عند أصحاب السنن
إلا ابن ماجه عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن
طلق بن علي، عن أبيه، عن النبي- ﵇: " أنه سئل عن
الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: " هل هو إلا بضعة منك ". ورواه
ابن حبان في " صحيحه "، وقال الترمذي: وهذا الحديث أحسن شيء
رُوي في هذا الباب.
الثاني: أخرجه ابن ماجه عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق به.
ومحمد بن جابر ضعيف، قال الفلاس: متروك، وقال ابن معين: ليس
بشيء.
الثالث: عن عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد العجلي،
عن قيس بن طلق به. وهو عند ابن العدي (٣) . وعبد الحميد: ضعفه
الثوري. والعجلي: ضعفه ابن معين.
الرابع: عن أيوب بن عتبة اليمامي، عن قيس بن طلق، عن أبيه،
وهو عند أحمد. أيوب بن عتبة وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال
النسائي: مضطرب الحديث. وبالطريق الأول رواه الطحاوي في " شرح
الآثار ". وقال: هذا حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده
ولا متنه. ثم أسند عن علي بن المديني أنه قال: حديث ملازم بن عمرو
стр. 423
أحسن من حديث بُسرة. وأخرج الطحاوي عن عليّ بن أبي طالب أنه
قال: " ما أبالي مسست أنفي أو ذكري ". وأخرج عن ابن مسعود نحو
ذلك، وأخرج عن عمار بن ياسر أنه قال: " إنما هو بضعة منك، وأنّى
لكفك موضعاً غيره؟ " ثم أخرج عن حذيفة وعمران بن حصين: " كانا
لا يريان في مس الذكر وضوءاً ". وقال: وما رووا عن ابن عباس أنه
قال: " فيه الوضوء ". فقد رُوي عنه خلافه. ثم أخرج عنه أنه قال: " ما
أبالي إياه مسستُ أو أنفي ". وأسند إلى الزبير بن عدي، عن مصعب
ابن سعد مثله. وقال فيه: " قم فاغسل يدك ". وكذلك أخرج أبو بكر
ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن ابن مسعود: " إن علمت أن منك بضعة
نجسة فاقطعها "، وكذا عن سعد بنحوه. وعن حذيفة: " ما أبالي إن
مسست ذكري أو أذني ". وعن عبد الله: " ما أبالي مسست ذكري أو
أُذني، أو إبهامي أو أنفي ". وعن عمار بن ياسر: " ما هو إلا بضعة
منك " كما أخرج الطحاوي. وعن عمران بن حصين: " ما أبالي إياه
مسستُ أو بطن فخذي " يعني: ذكره. وعن عليّ: " سئل عن الرجل
يمس ذكره؟ قال: لا بأس ". وعن طاوس، وسعيد بن جبير: " من
مس ذكره وهو لا يريد، فليس عليه وضوء ". وعن أبي أمامة: " أن
النبي- ﵇ سُئل عن مس الذكر فقال: هل هو إلا حذوة
منك؟ ". والحُذوة بضم الحاء المهملة، وقيل بكسرها وسكون الذال
المعجمة: قطعة من اللحم، وكذلك الحذية، وحكى صاحب " التنقيح ":
اجتمع سفيان وابن جريج فتذاكرا مس الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ
منه. وقال سفيان: لا يتوضأ منه. أرأيت لو أمسك بيده منيا كان عليه؟
قال ابن جريج: يغسل يده. قال: فأيهما أكبر، المني أو مس الذكر؟
فقال: ما ألقاها عليك إلا الشيطان.
فإن قيل: حديث طلق بن عليّ منسوخ، فإن قدومه كان في أول سنة
من سنيّ الهجرة، ثم رجع إلى بلده، ثم لا يعلم له رجوع إلى المدينة.
стр. 424
وحديث أبي هريرة ناسخه؛ لأن إسلام أبي هريرة في سنة سبع من
الهجرة، فكان خبره بعد خبر طلق بسبع ستين. قلت: قد مضى أن في
رواية أبي هريرة يزيد بن عبد الملك، وهو واهٍ، منكر الحديث/وأما عدم
العلم برجوع طلق إلى المدينة لا يُوجب عدم رجوعه إليها بعد إسلام
أبي هريرة، فافهم.
فإن قيل: قد ذكر البيهقي عن ابن معين أنه قال: قد أكثر الناس في
قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه. قلت: ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد
ابن الحسن النقاش المفسر، وهو من المتهمين بالكذب. وقال البرقاني:
كل حديثه مناكير. وليس في تفسيره حديث صحيح. وروى ابن النقاش
كلام ابن معين هذا عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، وعبد الله
هذا قال فيه ابن عدي: كان متهماً في روايته عن قوم أنه لم يلحقهم.
وقد روى عن ابن معين أنه وثق قيساً بخلاف ما ذكر عنه في هذا السند
الساقط. وصحح حديثه هذا ابن حبان وابن حزم. وأخرجه الترمذي،
وقال: هذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب كما ذكرنا.
فإن قيل: فقد قال الشافعي: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما
يكون لنا فيه قبول خبره. وقد حكى الدارقطني أيضاً في " سننه " عن ابن
أبي حاتم، أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: قيس بن طلق
ليس ممن تقوم به حجة، ووهناهُ ولم يثبتاه. قلت: هو معروف، روى
عنه تسعة أنفس، ذكرهم صاحب الكمال، وذكرنا أكثرهم في ترجمته،
وذكره ابن حبان في " الثقات ". وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في
" صحيحيهما "، والحاكم في " المستدرك ". وروى له أصحاب السنن
الأربعة.
فن قيل: قد روى حديث بسرة جماعة من الصحابة، وكثرة الرواة
مؤثرة في الترجيح. وحديث طلق بن علي لا يحفظ من طريق يوازي هذه
стр. 425
الطرق، وهو حديث فرد في الباب. قلت. كما وجد اختلاف الرواة في
حديثها، فكذلك وجد في حديث طلق نحو ذلك، ثم إذا وجد للحديث
طريق واحد صحيح، سالم من شوائب الطعن، تعين المصير إليه ولا
غيره باختلاف الباقين، وقد يقال: إن كثرة الرواة لا أثر لها في باب
الترجيحات؛ لان طريق كل واحد منهما غلبه الظن، فصار كشهادة
شاهدين مع شهادة أربعة. وقد يقال: إن بُسرة غير مشهورة لاختلاف
الرواة في نسبها؛ لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي
أسدية. ولو سلم عدم جهالتها فليست توازي طلقاً في شهرته، وكثرة
روايته، وطول صحبته، وبالجملة فحديث النساء إلى الضعف لا يوازي
حديث الرجال " (١) .
ص- قال أبو داود: رواه هشام بن حسان، والثوري، وشعبة، وابن
عيينة، وجرير الرازي، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، [عن أبيه
بإسناده ومعناه. قال: " في الصلاة "] (٢) .
ش - هشام بن حسان أبو عبد الله البصري القُردُوسي، والقراديس:
هو قردوس بن الحارث بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عُدثان،
والقراديس والحراميز والعفاة، ولقيط وعرقان إخوة بني الحارث بن مالك
ابن فهم، والقسامل من ولد عمرو بن مالك بن فهم، والأشاقر من ولد
مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، ويقال: إنه من العتيك كان نازلاً في
القراديس، ويقال: مولاهم. سمع: الحسن، وابن سيرين، وعطاء
ابن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه: معمر، وابن جريج، والثوري،
وشعبة، والحمادان، وجماعة آخرون. وقال أحمد بن عبد الله: هو
بصري ثقة، حسن الحديث ٠ توفي سنة سبع وأربعين ومائة. روى له
الجماعة (٣)
стр. 426
والثوري سفيان، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وجرير بن
عبد الحميد الرازي، ذكروا.
ومحمد بن جابر اليمامي السُّحيمي أصله كوفي، يكنى أبا عبد الله.
روى عن: قيس بن طلق، وحماد بن أبي سليمان، وعُمير بن سعيد
النخعي، وعبد العزيز بن رفيع، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن
عوف، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة،
ووكيع، وغيرهم. وعن ابن معين: محمد بن جابر كان أعمى، واختلط
حديثه، وهو ضعيف. وقال عمرو بن علي: صدوق كثير الوهم، متروك
الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وعن إسحاق بن [أبى] إسرائيل مع ما
تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. روى له أبو داود (١) .
قوله: " رواه " أي: روى هذا الحديث وهو حديث طلق، وفي هذه
الرواية قال: " في الصلاة "، وهي رواية النسائي أيضاً.
/١٧٠- ص- حدثنا مسدد، نا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق
بإسناده ومعناه قال: " في الصلاة " (٢) .
ش- أشار بهذا إلى طريق آخر، فإنه رواية مسدد بن مسرهد، عن
محمد بن جابر، عن قيس. وفي هذه الرواية أيضاً قال: " وفي الصلاة "
ورواية الزيادة أبلغ؛ لأن المس إذا لم يكن ناقضاً في الصلاة ففي خارجها
أولى.
***
٦٤- باب: الوضوء من لحوم الإبل
أي: هذا باب في بيان الوضوء من لحوم الإبل.
стр. 427
١٧١- ص- حدّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو معاوية قال: أنا
الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن البراء بن عازب قال: " سُئل رسولُ الله- ﵇ عن الوضوء من
لُحوم الإبل قال (١) : توضؤوا منها، وسُئل عن لُحوم الغنم فقال: لا
توضؤوا منها. وسُئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تُصلُوا في مبارك
الإبل، فإنها من الشياطين. وسُئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال.
صلوا فيها فإنها بركة " (٢) .
ش- عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي رقي، أصله كوفي. روى
عن: جابر بن سمرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير.
روى عنه: الأعمش، وفطر بن خليفة، وحجاج بن أرطأة، وغيرهم.
وعن الأعمش: كان ثقة لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣) .
" (٤) واختلف العلماء في أكل لحم الجزُور، فمذهب الأكثرين إلى أنه
لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي
ابن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة،
وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي،
وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة،
واختاره البيهقي، وحكي عن أصحاب الحديث مطلقاً. وحكي عن
جماعة من الصحابة، واحتج هؤلاء بأحاديث الباب " (٥) .
стр. 428
والجواب عن هذا: أن الوضوء متأول على الوضوء الذي هو النظافة
ونقاء الزهومة (١) ، كما رُو: " توضؤوا من اللبن فإن له دسماً "،
ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم
الغنم، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد، لوجود
سببه دون الوضوء، الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه. كذا قال
الخطابي (٢) .
فيا ليت شعْري! لماذا لم يأولوا هكذا الوضوء الذي في مس
الذكر، فهل كان هناك حدث حتى يرفعه الوضوء؟ وقال الشيخ
محيي الدين (٣) : " ومذهب أحمد أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على
خلافه، وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر- رضي الله
عنه-: " كان آخر الأمرين من رسول الله: ترك الوضوء مما مست النار "،
ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص،
والخاص مقدم على العام ".
قوله: " في مبارك الإبل " المبارك: جمع مبرك، وهو الموضع الذي
تبرك فيه الإبل. وقال الخطابي (٤) : " إنما نهى عن الصلاة في مبارك
الإبل؛ لأن فيها نفاراً وشراداً، لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى
بحضرتها، أو تُفسد عليه صلاته، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها
من السكون، وقلة النفار ".
قلت: قد علل النبي- ﵇ في نهيه عن الصلاة في مبارك
الإبل بقوله: " فإنها من الشياطين "، والتأويل في مقابلة التعليل غير
مفيد. ثم معنى قوله: " فإنها من الشياطين ": من مأوى الشياطين،
والضمير يرجع إلى المبارك لا إلى الإبل؛ لأن الإبل ليست من الشياطين.
стр. 429
وإنما قلنا هكذا لأن الشياطين تأوي إلى المزابل، والمواضع التي فيها القذر،
وللشياطين مآوي ومنازل، ومن جملتها مبارك الإبل، وكلمة " من " تدل
على التبعيض.
فن قلت: مرابض الغنم أيضاً فيها الزبل؟ قلت: قد عللها صاحب
الشرع بقوله: " فإنها بركة " والضمير هاهنا يرجع إلى الغنم؛ لأن عين
الغنم بركة، وقد سقط هاهنا رعاية ذاك المعنى، لكون الغنم بركة، وكل
موضع فيه بركة لا تأوي إليه الشياطين، وكيف وقد ورد " ما من نبي إلا
وقد رعى الغنم ".
فإن قلت: ما حكم لحم البقر في ذلك؟ قلت: قد روى أبو بكر بن
أبي شيبة في " مصنفه ": حدّثنا وكيع، عن (١) /سفيان، عن منصور،
عن إبراهيم قال: " ليس في لحوم الإبل والبقر والغنم وضوء ".
قوله: " في مرابض الغنم " المرابض: جمع مربض- بفتح الميم- من
ربض في المكان يربض إذا لصق بها وأقام ملازماً لها، وفي " الصحاح ":
وربوض الغنم والبقر والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير.
يقال: ربضت الغنم مربض بالكسر، ربوضاً وأربضتها أنا.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه مختصراً، وكان أحمد بن
حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقولان: قد صح في هذا الباب
حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة. وحديث جابر بن
سمرة أخرجه مسلم في " صحيحه "، ولفظه: " أن رجلاً سأل رسول
الله ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا
تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم
стр. 430
الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في
مبارك الإبل؟ قال: لا " (١) .
***
٦٥- باب: الوضوء من مس اللحم النّيء وغسله
أي: هذا باب في بيان الوضوء عند لمس الرجل اللحم النّيء، النّيءُ:
هو الذي لم يطبخ أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج. يقال: ناء اللحم ينيء
نيئاً بوزن ناع ينيع نيعاً، فهو نيءٌ كنيع بالكسر هذا هو الأصل، وقد تترك
الهمزة وتُقلب ياء فيقال: " نيّ " مشدداً.
١٧٢- ص- حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرّقي وعمرو بن
عثمان الحمصي، المعنى، قالوا: حدثنا مروان بن معاوية قال: أخبرنا هلال
ابن ميمون الجُهني، عن عطاء بن يزيد الليثي- قال هلال: لا أعلمه إلا عن
أبي سعيد- وقال أيوب وعمرو: أراه عن أبي سعيد الخدري: " أن النبي
﵇ مر بغلام يسلخُ (٢) شاة، فقال له رسولُ الله: تنح حتى
اريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارتْ إلى الإبط، ثم
مضى فصلى للناس ولم يتوضأ " (٣) .
ش- أيوب بن محمد بن زياد الوزان أبو سليمان الرقي، مولى ابن
عباس، كان يزنُ القطن. في الوادي. وروى عن: يعلى بن الأشدق.
وسمع: مروان بن معاوية الفزاري، ومُعمر بن سليمان، وعيسى بن
يونس، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. وقال يعقوب بن سفيان: شيخ لا بأس
به. توفي في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين (٤) .
стр. 431
وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أبو حفص القرشي الحمصي
سمع: أباه، ومروان بن معاوية، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد،
وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة خمسين
ومائتين بحمص (١) .
ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينة، أبو عبد الله
الفزاري الكوفي، سكن مكة، ثم صار إلى دمشق، ومات بها سنة
ثلاث وتسعين ومائة قبل التروية بيوم فجأة. سمع: سليمان التيمي،
وحميدا (٢) الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصماً الأحول،
والأعمش، وجماعة آخرين كثيرة. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأحمد
ابن حنبل، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، وجماعة آخرون كثيرة.
قال ابن معين: ثقة. قال أحمد: ثبت حافظ. وقال أبو حاتم: صدوق
صدوق (٣) ، لا يُدفعُ عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين.
وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين، وضعفه فيما روى عن
المجهولين. روى له الجماعة (٤) .
وهلال بن ميمون أبو علي، ويقال: أبو المغيرة الجُهني الرملي.
سمع: سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد، ويعلى بن شداد، وغيرهم.
روى عنه: مروان بن معاوية، وأبو معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. روى
له أبو داود، وابن ماجه (٥) .
قوله: " أراه عن أبي سعيد " أي: أظنه.
قوله: " تنح حنى أريك " معناه: حتى أعلمك، ومنه قوله تعالى:
(وأرنا مناسكنا) (٦) .
стр. 432
قوله: " فدحس بها " أي: دس يده بين الجلد واللحم كما يفعل
السلاخ، والدحس: إدخال اليد بين جلد الشاة ولحمها، والدحس
والدسّ/متقاربان.
قوله: " حتى توارت " أي: حتى غابت " إلى الإبط ".
قوله: " ولم يتوضأ " قال الشيخ زكي الدين: " معنى الوضوء في هذا
الحديث: غسل اليد " ٠ قلت: الظاهر أن المراد: لم يتوضأ الوضوء
الشرعي، والتبويب يدل على هذا.
ص- قال أبو داود: زاد عمرو في حديثه: " يعني: لم يمس ماءً ". وقال:
عن هلال بن ميمون الرملي.
قال أبو داود: رواه عبد الواحد بن زياد، وأبو معاوية عن هلال، عن
عطاء، عن النبي- ﵇ مرسلاً لم يذكرا (١) أبا سعيد- رضي الله
عنه-.
ش- عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري، قد ذكر. وأبو معاوية
الضرير، وعطاء بن يزيد.
قوله: " زاد عمرو (٢) " إشارة إلى رواية أخرى فيها زيادة.
قوله: " لم يمس ماءً "، وقوله: " رواه عبد الواحد " إشارة إلى رواية
أخرى، وفيها إرسال، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً.
***
٦٦- باب: ترك الوضوء من مس الميتة
أي: هذا باب في بيان ترك الوضوء من مس الميتة، وهي التي تموت
بلا ذبح.
١٧٣- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا سليمان- يعني: ابن بلال
стр. 433
- عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: " أن النبي- ﵇ مرّ بالسوق
داخلا من بعض العالية والناس كنفتيْه، فمر بجدْي أسك ميت، فتناولهُ
فاخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له؟ " (١) وساق الحديث.
ش- سليمان بن بلال أبو محمد، أو أبو أيوب القرشي التيمي المدني،
مولى عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
سمع: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، ويحيى الأنصاري، وعبد الله بن
دينار، وجعفر بن محمد، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وابن
وهب، وأبو عامر العقدي، وعبد الله بن مسلمة، وغيرهم. وقال ابن
معين: ثقة، صالحُ الحديث. وقال أحمد: لا بأس به. توفي بالمدينة
سنة اثنتين وسبعين ومائة (٢) .
وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي
الهاشمي، أبو عبد الله المدني الصادق. روى عن: أبيه، ومحمد بن
المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، والقاسم بن محمد،
ومسلم بن أبي مريم المدني، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: يحيى بن
سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة،
ويحيى بن سعيد القطان، وسليمان بن بلال، وجماعة آخرون كثيرة.
قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسألُ عن مثله. روى
له الجماعة إلا البخاري (٣) .
ومحمد بن علي والد جعفر المعروف بالباقر أبو جعفر المدني. روى
عن: أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله
ابن جعفر بن أبي طالب، ومحمد ابن الحنفية، وعبيد (٤) الله بن
أبي رافع. روى عنه: أبو إسحاق الهمْداني، وعمرو بن دينار،
стр. 434
والزهري، وعطاء بن أبي رباح، والأعرج، وهو أسنُ، وابنه جعفر بن
محمد، وابن جريج، والأوزاعي، وآخرون. روى له الجماعة (١) .
قوله: " في بعض العالية " العالية واحدة العوالي، وهي أماكن بأعلى
أراضي المدينة، أدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد
ثمانية، والنسب إليها عُلوي على غير قياس.
قوله: " والناس كنفتيه " جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في " مر "،
وكذا قوله: " داخلاً " حال منه، ومعنى " كنفتيه " ناحيتيه، وفي لفظ
" كنفيه " أي: جانبيه، والمعنى: محيطون به من جانبيه.
قوله: " فمر بجدي أسك " الجدي بفتح الجيم وسكون الدال: من ولد
المعز، و " الأسك " بفتحتين وتشديد الكاف: الصغير الأذن، وقيل:
صغير الأذنين. ملتصقهما وقيل: الذي لا أذنان له، والذي قطعت أذناه،
وهو أيضاً: الأصم الذي لا يسمع. وقال ابن الجوزي في " جامع
المسانيد ": " وفي لفظ: أصك بالصاد ".
قوله: " وساق الحديث " وتمامه في " صحيح مسلم "، ولفظه: " مر
رسول الله داخلاً في بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت،
فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما
نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله
لو كان حيا كان عيباً فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله
للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم ".
وفي " مسند أحمد ": ثنا عفان قال: ثنا وهيب قال: ثنا جعفر، عن
أبيه، عن جابر: " أن رسول الله ﷺ أتى العالية فمر بالسوق، فمر
بجدي أسك ميت، فتناوله فرفعه، فقال: بكم تحبون أن هذا لكم؟
قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: بكم تحبون أنه لكم؟
قالوا: والله لو كان حيا لكان عيباً فيه [أنه] (٢) أسك، فكيف وهو
стр. 435
ميت؟ قال: فوالله الدنيا (١) أهون/على الله من هذا
عليكم " (٢) . وقد ذكره مسلم في " صحيحه " في كتاب الزهد، وإنما ذكره
أبو داود هاهنا بياناً: أن من مس الميتة لا يحب عليه الوضوء، فإنه- عليه
السلام- لما تناول الجدي الميت بأذنه لم يتوضأ بعد ذلك، ولذلك بوب
بقوله: باب ترك الوضوء من مس الميتة.
***
٦٧- باب: ترك الوضوء مما مسته (٣) النار
أي: هذا باب في بيان ترك الوضوء في حق من تناول ما مسته النار.
١٧٤- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا مالك، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: " أن رسول الله- ﵇ كل
كتْف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ " (٤) .
ش- الكتْف والكتف مثل الكذْب والكذب، وهذا الحديث وأمثاله
ناسخة للأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، وذهب جماهير
العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار،
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور،
وغيرهم. وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكل
ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري،
والزهري، وأبي قلابة، واحتجوا بحديث: " توضؤوا مما مست النار "،
واحتج الجمهور بهذا الحديث وأمثاله. وهذا الحديث أخرجه البخاري
ومسلم.
١٧٥- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري،
المعنى، قالا: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن
стр. 436
المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: " ضفْتُ النبي- ﵇
ذات ليلة، فأمر بجنب فشُوي، وأخذ الشفْرة فجعل يحُز لي بها منه قال:
فجاء بلالٌ فآذنه بالصلاة قال: فألقى الشفْرة، وقال: ما له تربتْ يداه؟ وقام
يُصلّي ". زاد الأنباري: " وكان شاربي وفى، فقصهُ [لي] (١) على سواك "
أو قال: " أقُصُه لك على سواك؟ (٢) .
ش- مسعر بن كدام.
وجامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، ويقال: أبو صخر الكوفي.
روى عن: طارق بن عبد الله المحاربي، وصفوان بن مُحرز، والأسود
ابن هلال، وحُمران بن أبان، وغيرهم. روى عنه: الأعمش،
ومسعر، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي
سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
والمغيرة بن عبد الله اليشكري، سمع: المغيرة بن شعبة، وأباه،
والمعرور بن سُويد، وعبد الله بن الحارث. روى عنه: جامع بن
الشداد، وواصل الأحدب، وعلقمة بن مرثد. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي (٤) .
قوله: " ضفتُ النبي " من ضافه يضيفه، يقال: ضفت الرجل إذا نزلت
به في ضيافته، وأضفته إذا أنزلته، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا
أنزلني.
قوله: " ذات ليلة " أي: ضفت النبي- ﵇ مدة، التي هي
ليلة. وقد ذكرنا الكلام في " ذات يوم "، و " ذات ليلة " ونحوهما في
أوائل الكتاب.
قوله: " فأمر بجنب فشُوي " الجنب جنب الشاة، وهي القطعة العظيمة
منها، والجنب: القطعة من الشيء يكون معظمه أو شيئاً كبيراً منه.
стр. 437
قوله: " وأخذ الشفرة " الشفرة- بسكون الفاء-: السكن العريضة ٠
قوله: " فجعل يحُزُّ " اعلم أن " جعل " جارٍ مجرى أفعال القلوب في
مجرد الدخول على المبتدأ والخبر، لا في غيره من الأحكام وهي تسعة
منها " جعل "، و " يحز " من حز- بالحاء المهملة- إذا قطع، ويقال:
الحزّ: القطع في الشيء من غير إبانة. يقال: حززت العود أحزه حزا،
والضمير في " بها " يرجع إلى " الشفرة "، وفي " منه لما إلى " الجنب ".
قوله: " فآذنه " بالمد أي: أعلمه من أذن إيذاناً.
قوله: " تربت يداه " كلمة تقولها العرب عند اللوم والتأنيب. ومعناه:
الدعاء عليه بالعقر والعدم، وقد يطلقونها في كلامهم، وهم لا يريدون
وقوع الأمر كما قالوا: " عقرى حلقى "، فإن هذا الباب لما كثر في
كلامهم، ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو
كقولهم: " لا والله "، و " بلى والله "، وذلك من لغو اليمين الذي لا
اعتبار به، ولا كفارة فيه؟ ويقال: ترب الرجل إذ افتقر، وأترب إذا
استغنى، ومثل هذا قوله- ﵇: " فعليك بذات الدين تربت
يداك ".
وقال ابن الأثير (١) : " إن هذا دعاء له، وترغيب في استعماله فما
تقدمت الوصية به، وكثيراً ترد للعرب ألفاظ/ظاهرها الذم، وإنما يريدون
بها المدح كقولهم: لا أب لك ولا أم لك، وهوتْ أمه، ولا أرض لك
ونحو ذلك، ومنه حديث أنس- ﵁: " لم يكن رسول الله
سباباً، ولا فحاشاً، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ترب جبينُه ".
وقيل: أراد به الدعاء له بكثرة السجود، فأما قوله لبعض أصحابه: " ترب
نحرُك "، فقتل الرجل شهيداً، فإنه محمول على ظاهره " (٢) .
стр. 438
قوله: " وقام يُصلي " المعنى: قام يشرع في الصلاة؛ لأن حالة القيام لا
يكون مصليا، وإنما يكون شارعاً.
فإن قيل: هذا مخالف لقوله: " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاةُ،
فابدؤا بالعشاء: قلنا: ليس كذلك، " (١) لأن هذا للصائم الذي قد
أصابه الجوع، وتاقت نفسه إلى الطعام، فأمر أن يصيب من الطعام قدر
ما يُسكن شهوته، لتطمئن نفسه في الصلاة، ولا تنازعه شهوة الطعام،
وهذا فيمن (٢) أحضره الطعام أو أن العادة غداء وعشاء يكون متماسكاً في
نفسه يزعجه الجوع، ولا تعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها ".
قوله: " وكان شاربي وفى " أي: كثيراً وافراً من وفي الشيء بالتشديد،
ووفى بالتخفيف أيضاً إذا تم ذلك.
قوله: " فقصه " أي: قطعه من القص، ويستفاد من الحديث فوائد،
الأولى: استحباب إكرام الضيف وإطعامه من خيار الطعام.
والثانية: ترك استخدامه.
والثالثة: المبادرة إلى الطاعة.
والرابعة: جواز الدعاء لرجل بكلمة ظاهرها الذم.
والخامسة: فيه دلالة على [أن] الأمر بالوضوء مما غيرت النار أمر
استحباب لا أمر إيجاب.
السادسة: جواز قطع اللحم بالسكين، فإن قيل: جاء النهي. فيه في
بعض الحديث: " وأمرنا بالنهش " قلنا: المراد من ذلك كراهة زي العجم،
واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفه
عن مس الأصابع الشفتين والفم، وأما إذا كان اللحم طابقاً أو عضواً كبيراً
كالجنب ونحوه، لا يكره قطعه بالسكن، وإصلاحه به والحزُ
стр. 439
منه، وإذا كان عُراقاً أو نحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح
الكبر.
السابعة (١) : استحباب قطع الشارب إذا طال وتجاوز عن حده،
والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه (٢) .
١٧٦- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا أبو الأحوص قال: ثنا سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: " كل رسولُ الله ﷺ كتفاً ثم مسح يده بمسْح
كان تحته، ثم قام فصلى " (٣) .
ش- مسدد بن مسرهد، وأبو الأحوص: عوف بن مالك، وسماك
ابن حرب، وعكرمة مولى ابن عباس.
قوله: " كتفاً " الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من
الناس والدواب، وهو بكسر الكاف، وسكون التاء، وفتح الكاف،
وكسر التاء، مثل كذْب وكذب.
قوله: " بمسْح " المسح بكسر الميم وسكون السين: البلاسُ (٤) ،
والجمع " مسوح " و " أمساح ".
قوله: " كان تحته " صفة للمسح.
وفيه فوائد، الأولى: جواز مسح اليد بالمسح وبأي شيء كان.
والثانية: جواز استفراش المسح.
والثالثة: الاكتفاء بالمسح عقيب الطعام بدون الغسل. وأخرج هذا
الحديث ابن ماجه أيضاً.
١٧٧- ص- حدثنا حفص بن عمر النمري قال: ثنا همام، عن قتادة،
стр. 440
عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس: " أن النبي- ﵇ انْتهس من
كتف، ثم صلى ولم يتوضأ " (١) .
ش- حفص بن عمرو بن الحارث بن سخبرة، وهمام بن يحيى بن
دينار، وقتادة بن دعامة.
ويحيى بن يعمر أبو سليمان، أو أبو سعيد، أو أبو عدي البصري
المروزي قاضيها أيام فتنة ابن مسلم. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري،
وأبا الأسود الديلي. وروى عن: أبي موسى، والنعمان بن بشير،
وعائشة أم المؤمنين. وروى عنه: عبد الله بن بريدة، إسحاق بن سويد،
ويحيى بن عقيل، وعطاء الخراساني. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.
روى له الجماعة (٢) .
قوله: " انتهس " النهس- بالسين المهملة-: أخذ اللحم بأطراف
الأسنان، والنهش- بالمعجمة-: الأخذ بجميعها. وقال الأصمعي:
كلاهما واحد. وقيل: هو بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقيل: النهس:
سرعة الأكل. وقيل: نهس الرجل والسبُع نهساً/: قبض عليه ثم نثره.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه: " أن رسول الله
آكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ ".
١٧٨- ص- حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثْعمي قال: نا حجاج قال ابن
جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:
" قربتُ للنبي- ﵇ خُبزاً ولحماً، فأكل ثم (٣) دعا، فدعا بوضوء
فتوضأ (٣) ، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل ثم قام إلى الصلاة
ولم يتوضأ " (٤) .
стр. 441
ش- إبراهيم بن حسن بن الهيثم المقسمي الخثعمي (١) البصري. روى
عن: الحارث بن عطية، وحجاج بن محمد. روى عنه: أبو داود،
والنسائي، وموسى بن هارون. قال أبو حاتم: هو صدوق، وكتب
عنه (٢) .
وحجاج بن محمد الأعور، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز،
وقد ذكر.
ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدير بن عبد العزى بن عامر بن
الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، أو أبو عبد الله
القرشي التيمي. روى عن: أبي قتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن
عمر، وسفينة، وأبي رافع، وأسماء بنت أبي بكر. وسمع: عبد الله
ابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وأميمة،
وغيرهم. روى عنه: جعفر بن محمد الصادق، وعمرو بن دينار، وزيد
ابن أسلم، ومالك بن أنس، وابن جريج، وابنه المنكدر، وجماعة
آخرون. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " قرّبتُ " بتشديد الراء.
قوله: " ثم دعا " أي: ثم دعا عقيب الطعام.
وقوله: " فدعا بوضوء " يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: " ثم دعا "
والمعنى: لما فرغ من الطعام طلب الوضوء، ويجوز أن يكون " دعا "
الأول من الدعاء إلى الله تعالى بالشكر، والثناء، وبالدعاء لجابر حيث
قرّب له الطعام، ويكون " دعا " الثاني بمعنى: الطلب، والمعنى: لما
أكل ودعا طلب الوضوء، و " الفاء " في الأول الفاء التفسيرية. وفي
الثاني للعطف المفيد للترتيب، و " الوضوء " بفتح الواو: الماء الذي
стр. 442
يُتوضأ به. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز الجمع بين
الطعامين.
والثانية: جواز العود إلى فضلة الطعام.
والثالثة: جواز ترك الوضوء مما مست النار
١٧٩- ص- حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي قال: نا عليّ بن
عياش قال: نا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال:
" كان آخرُ الأمرين أن (١) رسول الله- ﵇ ترك الوُضوءُ مما غيرت
النارُ " (٢) .
قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول.
ش- موسى بن سهل بن قادم أبو عمران الرملي. سمع: علي بن
عياش الحمصي، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وعبد الملك بن حكم،
وجماعة آخرين. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابنه
عبد الرحمن، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق.
مات سنة إحدى وستين ومائتين (٣) .
وعلي بن عياش- بالشين المعجمة- ابن مسلم الحمصي الألهاني
أبو الحسن، يُعرف بالبكاء. روى عن: شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن
ابن ثابت، ومحمد بن مهاجر، ومعاوية بن يحيى، وغيرهم. روى
عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة
الدمشقي، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة. مات سنة ثمان
عشرة ومائتين، وهو ابن ست وسبعين سنة. روى له الجماعة (٤) .
وشعيب بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة: دينار القرشي الأموي،
стр. 443
مولاهم الحمصي. سمع: نافعاً، والزهري، ومحمد بن المنكدر،
ومحمد بن الوليد، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وأبو حيوة
شريح بن يزيد، وعليّ بن عياش، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة.
مات سنة ثنتين وسبعين ومائة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " كان آخر الأمرين " الأمران هما: الوضوء مما مسته النار،
وترك الوضوء منه، و " آخر " مرفوع على أنه اسم " كان "، وخبره قوله:
" أن رسول الله "، والمعنى: أن هذا الحديث ناسخ لحديث الوضوء مما
مست النار، وهو حديث صحيح. ورواه النسائي أيضاً وغيرهما من أهل
السنن. واحتج الجمهور بذلك على ترك الوضوء مما مسته النار.
١٨٠- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج قال: نا عبد الملك بن
أبي كريمة. قال ابنُ السرح: من (٢) خيار المسلمين، حدّثني/عبيد بن
ثمامة المرادي قال: قدم علينا مصر عبدُ الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من
أصحاب النبي- ﵇ فسمعته يحدث في مسجد مصر قال: " لقد
رأيتُني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل، فمر بلال
فناداه بالصلاة فخرجْنا، فمررنا برجل وبُرمتُهُ على النار، فقال له رسولُ الله:
" أطابتْ بُرْمتك؟ قال: نعم بأبي وأمي (٣) ، فتناول منها بضعة فلم يزل
يعْلُكُها حتى أحرم بالصلاة وأنا انظر إليه " (٤) .
ش- عبد الملك بن أبي كريمة البصري. روى عن: عُبيد بن ثمامة.
روى عنه: أبو الطاهر أحمد بن عمرو المذكور. روى له: أبو داود.
وعُبيد بن ثمامة المرادي. سمع عبد الله بن الحارث، روى عنه عبد الملك
المذكور، روى له أبو داود (٥) .
стр. 444
وعبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب الزُبيدي
أبو الحارث، شهد فتح مصر واختط بها وسكنها. روى عنه: عبد الملك
المذكور، ومسلم بن يزيد الصدفي، وعقبة بن مسلم التجيبي، ويزيد بن
أبي حبيب، وغيرهم من أهل مصر، وكان قد عمي، وهو آخر من مات
بمصر من أصحاب النبي- ﵇ سنة خمس أو سبع أو ثمان
وثمانين. وقال أحمد بن محمد بن سلامة: كانت وفاته بأسفل مصر
بالقرية المعروفة بسقط القدور. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه (١) .
قوله: " قال ابن السرح: من خيار المسلمين " أي: قال ابن السرح
المذكور: أن عبد الملك المذكور من خيار المسلمين.
قوله: " لقد رأيتُني " بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي.
قوله: " سابع سبعة " مفعول ثان لرأيت، ومعنى سابع سبعة: إما
واحد من السبعة أو مصير الستة سبعة، وهكذا القاعدة في المفرد في المتعدد
باعتبار تصييره. تقول الثاني والثالث والرابع إلى العاشر، فإنها أسماء
موضوعة لواحد من المعدود باعتبار ذلك العدد المشتق ذلك الاسم منه،
كالثالث مثلاً، فإنه مشتق من الثلاثة لواحد، إما باعتبار أنه أحد الثلاثة
أو باعتبار أنه مصير ما دونها عليها زائدة، وهكذا القياس في الباقي فافهم.
قوله: " أو سادس ستة " شك من الراوي.
قوله: " وبُرْمته على النار " جملة وقعت حالاً من الرجل، البُرمة- بضم
الباء، وسكون الراء-: القدر مطلقاً، وجمعها: " برام " بكسر الباء،
وهي في الأصل: المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن.
قوله: " أطابت بُرمتك " أي: أطاب ما في بُرمتك، ذكر المحل وأراد
به الحال، وطيب ما فيها كناية عن استوائها، والهمزة فيه للاستفهام.
стр. 445
قوله: " بأبي وأمي " الباء فيه متعلقة بمحذوف تقديره: فديتك بأبي وأمي
وحُذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، ويجوز
أن يكون " بأبي " في محل الرفع على الخبرية، والمبتدأ محذوف تقديره:
أنت مُفدى بأبي وأمي.
قوله: " بضعة " بفتح الباء، أي: قطعة
قوله: " فلم يزل يعلكها " أي: يلوكها في فمه، والعلك مضغ ما لا
يطاوع الأسنان، من باب نصر ينصر.
قوله: " حتى أحرم بالصلاة " أي: شرع فيها، ومنه تكبيرة الإحرام؟
لأنها تحرم كل شيء خلاف الصلاة.
قوله: " وأنما انظر إليه " جملة وقعت حالاً. ويستفاد منه ثلاث فوائد،
الأولى: أن الرجل يباح له أن يسأل من صاحبه الذي بينهما انبساط أن
يطعمه أو يسقيه.
والثانية: فيه جواز ترك غسل اليد مما مسته النار.
والثالثة: جواز ترك المضمضة أيضاً بعد الطعام.
١٨١- ص- (١) حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدّثني
أبو بكر بن حفص، عن الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله- عليه
السلام-: " الوُضوءُ مما أنضجت النارُ " (٢) .
ش- يحيى القطان، وأبو بكر هو: عبد الله بن حفص بن سعد بن
أبي وقاص، وقد ذكر.
والأغر: أبو مسلم المدني، واسمه: سلمان. سمع أبا هريرة،
وأبا سعيد، وكانا اشتركا في عتقه فهو مولاهما. روى عنه:
стр. 446
أبو إسحاق، وأبو جعفر الفراء، وهلال بن يساف، وعطاء بن السائب،
وعليّ بن أقمر، والزهري، وشعبة، وغيرهم. روى له الجماعة إلا
البخاري (١) .
قوله: " الوضوء " مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: الوضوء واجب،
ويجب مما أنضجت النار، وقد بينا أن هذا الحديث وأمثاله منسوخة، أو
يحمل الوضوء على غسل اليدين والفم، وفي بعض النسخ على أول هذا
الحديث: " باب التشديد في ذلك ". وكان ينبغي لأبي داود/أن يذكر
الأحاديث المنسوخة أولاً، ثم يذكر النواسخ كما ذكرها مسلم هكذا،
وغالب المحدثين يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها
بالنواسخ.
١٨٢- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا أبان، عن يحيى- يعني:
ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه، أنه
دخل على أمّ حبيبة فسقتْهُ قدحاً من سويق، فدعا بماء فتمضمض. قالت: يا
ابن أخي، ألا تتوضأ (٢) ؟ إن رسول الله- ﵇ قال: " توضّؤُوا مما
غيرت النارُ، أو مست النارُ " (٣)(٤) .
ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وأبان بن يزيد العطار، ويحيى بن
أبي كثير: أبو نصر اليمامي، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن
القرشي.
وأبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي. روى
عن أم حبيبة أم المؤمنين، وهو ابن أخيها. روى عنه أبو سلمة بن
عبد الرحمن، حديثه في أهل الحجاز. روى له أبو داود والنسائي (٥) .
стр. 447
وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، أم المؤمنين
أم حبيبة الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة
فتوفي، فتزوجها رسول الله سنة ست، ويقال: سبع. رُوي لها عن
رسول الله خمسة وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلها.
روى عنها: أخواها معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن
أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو المليح عامر بن أسامة، وأبو صالح
السمان، وأبو سفيان بن سعيد المذكور، وغيرهم. توفيت سنة أربع
وأربعين. روى لها الجماعة (١) .
قوله: " قدحاً من سويق " القدح: الذي يؤكل فيه، والسويق معروف.
قوله: " أو مست النار " شك من الراوي، والمفعول في " غيرت "
و" مست " محذوف، والتقدير: غيرته ومسته. والحديث أخرجه النسائي
أيضاً وهو منسوخ كما ذكرنا.
***
٦٨- باب: الوضوء من اللبن
أي: هذا باب في بيان الوضوء من شرب اللبن.
١٨٣- ص- حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن عُقيل، عن
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: " أن النبيّ- عليه
السلام- شرب لبناً، فدعا بماء، فتمضْمض ثم قال: إن له دسماً " (٢) .
стр. 448
ش- الليث بن سعد.
وعقيل- بضم العين- بن خالد بن عقيل- بالفتح- الأيْلي (١)
أبو خالد الأموي، مولى عثمان بن عفان. روى عن: أبيه، وعكرمة
مولى ابن عباس، والزهري، وغيرهم. روى عنه: يونس بن يزيد
الأيلي (١) ، والليث بن سعد، ونافع بن يزيد، وجماعة آخرون. قال
أبو زرعة: صدوق، ثقة. توفي بمصر فجأة سنة أربع وأربعين ومائة
روى له الجماعة (٢)
والزهري: محمد بن مسنم.
وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور القرشي النوفلي مولاهم. سمع:
عبد الله بن عباس، وصفية بنت شيبة. روى عنه الزهري. روى له
الجماعة (٣) .
قوله: " دسماً " منصوب على أنه اسم " إن "، وهو الدهن، تقول
فيه: دسم الشيء بالكسر. وفيه استحباب المضمضة من شرب اللبن.
وقالت العلماء: وكذلك غيره من المأكول والمشروب ليتطهر فمه لقراءة
القرآن وغيرها، ولئلا يبقى منه بقايا يبتلعها في حال الصلاة.
وقال الشيخ محيي الدين: " (٤) واختلف العلماء في استحباب غسل
اليدين قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه أولاً إلا أن يتيقن نظافة اليد
من النجاسة والوسخ، واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر
الطعام بأن كان يابساً أو لم يمسه بها. وقال مالك: لا يستحب غسل اليد
للطعام إلا أن يكون على اليد أولا قذراً أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة " ٠
стр. 449
وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه.
١٨٤- ص- (١) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُباب، عن
مُطيع بن راشد، عن توبة العنبري، أنه سمع أنس بن مالك (٢) : " أن
رسول الله ﷺ شرب لبناً فلم يتمضمض، ولم يتوضأ وصلى " (٣) .
وقال زيد: دلّني شعبةُ على هذا الشيخ
ش- مطيع بن راشد. روى عن توبة، روى عنه زيد بن الحباب،
روى له أبو داود (٤) .
وتوبة بن أبي الأسد: كيسان العنبري أبو المُورعّ البصري، وقيل: توبة
ابن أبي المُورع، جد عباس بن عبد العظيم. سمع: أنس بن مالك،
والشعبي، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافعاً، وغيرهم./روى عنه:
الثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة.
مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٥) .
وفي هذا الحديث دليل على أن الرجل إذا شرب لبناً ونحوه ولم
يتمضمض لا بأس عليه، وفيه دليل على أن الحديث الذي فيه المضمضة من
اللبن منسوخ، وفي " المصنف ": حدثنا وكيع، عن مالك بن مغول،
عن طلحة قال: سالت أبا عبد الرحمن عن الوضوء من اللبن؟ قال:
من شراب سائغ للشاربين؟
стр. 450
وحدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: كان
أبو عبد الرحمن في المسجد فأتاه مُدرك بن عمارة بلبن فشربه، فقال
مُدرك: هذا ماء فمضمض. قال: من أي شيء؟ أمن السائغ الطيب؟
وفي بعض النسخ على رأس الحديث: " باب الرخصة في ذلك "، أي
في ترك المضمضة عن شرب اللبن.
٦٩- باب الوضوء من الدم
أي: هذا باب في بيان الوضوء من دم يخرج من الرجل.
١٨٥- ص- حدثنا أبو توبة الربيع بت نافع قال: نا ابن المبارك، عن
محمد بن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن
جابر قال: " خرجنا مع رسول الله- يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب
رجلٌ امرأة رجلٍ من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دماً في
أصحاب محمد، فخرج يتبعُ أثر النبيّ- ﵇ فنزل النبيُّ- عليه
السلام- منزلا وقال: منْ رجلٌ يكلؤُنا؟ فانتُدب رجلٌ من المهاجرين ورجل
من الأنصار قال: كونا بفم الشعب. قال. فلما خرج الرجلان إلى فم
الشّعب، اضْطجع المُهاجري، وقام الأنصاريُ يُصلي، واتى الرجلُ، فلما
رأى شخْصهُ عرف أنه ربيئةً للقوم فرماه بسهمٍ، فوضعهُ فيه ونزعهُ حتى
قضى ثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبُهُ، فلما عرف أنه قد
نذرُوا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله
ألا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنتُ في سورةٍ أقراها فلم أحب أن أقطعها " (١) .
ش- ابن المبارك هو عبد الله، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
وصدقة بن يسار الجزري المكي، سكن مكة روى عن: عبد الله بن
عمر، والقاسم بن محمد، وطاوس بن كيسان. روى عنه: ابن جريج،
стр. 451
ومالك، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال
أبو حاتم: صالح. توفي في أول خلافة بني العباس. روى له: مسلم،
وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١) .
وعقيل- بفتح العين- ابن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام
الأنصاري المدني، روى عن: أبيه، روى عنه: صدقة بن يسار، روى
له أبو داود (٢)
قوله: " في غزوة ذات الرقاع " كانت في سنة أربع من الهجرة. وذكر
البخاري أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر،
وسميت الغزوة باسم شجرة هناك، وقيل باسم جبل هناك فيه بياض وسواد
وحمرة، يُقال له الرقاع، فسميت به. وقيل: سميت بذلك لرقاع كانت
في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك لأن أقدامهم نُقبت فلفوا عليها الخرق،
وهذا هو الصحيح؛ لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهده، وقد أخبر به.
قوله: " حتى أهريق " أي: أريق، والهاء فيه زائدة.
قوله: " أثر النبي " بفتح الهمزة، والثاء، ويجوز بكسرها وسكون الثاء.
قوله: " من رجل " " من " هاهنا استفهامية، أي: أيُّ رجل يكلؤنا؟
أي: يحرسنا؟ من كلاً يكلاً كلاءةً من باب فتح يفتح، كلأته أكلؤه فأنا
كالىء وهو مكلوء، وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياء، فيقال كلاية.
قوله: " فانتدب " يقال: ندبه للأمر فانتدب له، أي: دُعي له
فأجاب، فالرجلان هما عمّار بن ياسر، وعباد بن بشر، ويقال:
الأنصاري هو عمارة بن حزم، والمشهور الأول.
قوله: " بفم الشعب " الشعب بكسر الشين: الطريق في الجبل،
وجمعه " شعاب ".
стр. 452
قوله: " وقلم الأنصاري ": وهو عباد بن بشر.
وقوله: " فصلى " جملة وقعت حالاً من " الأنصاري ".
قوله: " ربيئة " الربيئة- بفتح الراء وكسر الباء- هو العين والطليعة
الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف-
ينظر منه، من ربأ يربأ، من باب فتح يفتح، يقال:/يربأ أهله، أي:
يحفظهم من عدوهم، وارتبأت الجبل، أي: صعدته.
قوله: " فرماه " الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الرجل المشرك، والضمير
المنصوب يرجع إلى الأنصاري.
قوله: " حتى قضى ثلاثة أسهم " أي:- حتى كمل ثلاثة أسهم؛ لأن
القضاء في اللغة على وجوه، ومرجع الجمع إلى انقطاع الشيء وتمامه،
وكلما أحكم عمله فقد قضى، ومنه القضاء المقرون بالقدر.
قوله: " قد نذروا به " بفتح النون وكسر الذال المعجمة أي: علموا به،
وأحسوا بمكانه.
قوله: " ألا أنبهتني " يجوز " ألا " بفتح الهمزة والتخفيف، ويكون
بمعنى الإنكار عليه عدم إنباهه، ويجوز بالفتح والتشديد، ويكون بمعنى
" هلا " بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه.
قوله: " أول " نصب على الظرفية، أي: في أول ما رمى، و " ما "
مصدرية، والمعنى: في أول رميه إياه.
قوله: " كنت في سورة أقرأها " وكانت سورة الكهف- حكاه البيهقي.
وهذا الحديث صحيح رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخمسين من
القسم الرابع. ورواه الحاكم في " المستدرك " وصححه، وعلّقه البخاري
في " صحيحه " في كتاب الوضوء فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله:
" أن النبي- ﵇ كان في غزوة ذات الرقاع، فرُمي رجل بسهم
فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته ". ورواه الدارقطني في
" سننه "، والبيهقي في كتاب " دلائل النبوة "، واحتج الشافعي ومن معه
стр. 453
بهذا الحديث: أن خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء،
فإنه لو كان ناقضاً للطهارة لكانت صلاة الأنصاري تفسد بسيلان الدم أول
ما أصابته الرمية ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد، وهو
محدث.
واحتجت أصحابنا بأحاديث كثيرة، وأقواها وأصحها: ما روى البخاري
في " صحيحه " عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
" جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي- ﵇ فقالت: يا
رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: " إنما
ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا
أدبرت فاغسلي عنك ". قال هشام: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة
حتى يجيء ذلك الوقت (١) .
فإن قيل: قوله: " ثم توضئي لكل صلاة " من كلام عروة قلنا: بل
هو من كلام النبي- ﵇ ولكن الراوي علقه، إذ لو كان من
كلام عروة لقال: ثم تتوضأ لكل صلاة. فلما قال: توضئي شاكل ما
قبله في اللفظ، وأيضاً فقد رواه الترمذي فلم يجعله من كلام عروة ولفظه:
" وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك
الوقت " وصحّحه (٢) ، وأما احتجاج الشافعي بذاك الحديث مشكل جدا؛
لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده، وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة
شيء من ذلك وإن كان يسيرًا لا تصح الصلاة عنده، ولئن قالوا: إن الدم
كان يخرج من الجراحة على سبيل الذرق (٣) حتى لا يصيب شيئاً من ظاهر
بدنه. قلنا: إن كان كذلك فهو أمر عجب، وهو بعيد جدا.
وقوله: " في الدماء " يدل على أن الدم أصاب ثوبه أو بدنه أو كليهما،
стр. 454
ولم يُصب الأرض، والسهام كانت ثلاثة، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة
مواضع، وذلك يدل على كثرة الدم، فلما لم يدل مضيه على جواز
الصلاة مع النجاسة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء،
على أنا نقول: إن هذا فعل واحد من الصحابة، ولعله كان مذهباً له، أو
لم يعلم بحكمه، والله أعلم.
وهاهنا قاعدة وهي: أن تقليد الصحابي واجب أم لا؟ فالشافعي في
قوله الجديد لا يُقلد أحداً منهم أصلاً، سواء كان مما يدرك بالقياس أو لا
يدرك وجوباً ولا جوازا، وجوز بعض الشافعية التقليد من غير وجوب.
وقال أبو سعيد البرذعي من أصحابنا: تقليد الصحابي واجب، يُتركُ به
القياس. وقال الكرخي وجماعة من أصحابنا: يجب تقليده فيما لا يُدركُ
بالقياس، وفيما يدرك بالقياس لا يجب. وهذا كله إنما هو في كل ما
ثبت عنهم من غير خلاف بينهم، وأما إذا ثبت الخلاف بينهم فلا يجب
تقليده إجماعاً، وإذا كان كذلك فكيف يقلد الشافعيُّ الأنصاري في صلاته
بالدم الخارج منه، وقد خالفه في ذلك جماعة من الصحابة مثل عمر،
وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وثوبان،
وأبو (١) الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري رُوي عنهم أنهم
قالوا بمذهبنا، وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب
تقليدهم، وقد قيل: إنه مذهب العشرة/المبشرة، وقد روى مالك في
" الموطأ ": حدثنا نافع عن ابن عمر: " أنه كان إذا رعف رجع فتوضأ
ولم يتكلم، ثم رجع وبنى على ما قد صلى ".
وروى الشافعي في " مسنده ": حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج،
عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: " أنه كان يقول: من أصابه
رعاف، أو مذي أو قيء انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ". وقال النووي
في " الخلاصة ": ليس في نقض الوضوء وعدم نقضه بالدم والقيء
والضحك في الصلاة حديث صحيح.
стр. 455
٧٠- باب: الوضوء من النوم
أي: هذا باب في بيان الوضوء من النوم.
١٨٦- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا عبد الرزاق قال:
نا ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: نا عبد الله بن عمر: " أن رسول الله ﷺ
شُغل عنها ليلة فأخّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم
استيقظنا، ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظرُ الصلاة
غيركُم " (١) .
ش- عبد الرزاق بن همام، ونافع مولى- ابن عمر.
قوله: " شُغل عنها " أي: عن العشاء الآخرة.
قوله: " الصلاة " أي: صلاة العشاء، والألف واللام فيه للعهد.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن نوم الجالس ممكناً مقعده (٢)
لا ينقض الوضوء، ومحمل الحديث هذا وهو مذهب الأكثرين،
والصحيح من مذهب الشافعي.
" (٣) وقد اختلف العلماء في النوم، فمذهب البعض: أن النوم لا
ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري،
وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز، وحميد الأعرج، والشيعة. ومذهب
البعض أنه ينقض بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري، والمزني،
وأبي عبيد القاسم بن سلام،- وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب
للشافعي قال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد روي معناه عن ابن
عباس، وأبي هريرة. ومذهب البعض أن كثيره ينقض بكل حال وقليله لا
ينقض بكل حال، وهو مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك،
وأحمد في رواية. ومذهب البعض: أنه إذا نام على هيئة من هيئات
المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء كان في
стр. 456
الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهو
مذهب أبي حنيفة، وداود، وقول غريب للشافعي. ومذهب البعض أنه
لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد. ومذهب البعض:
أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، روي هذا عن أحمد أيضاً. ومذهب
البعض أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال،- وينقض خارج الصلاة،
وهو قول ضعيف للشافعي. ومذهب البعض: أنه إذا نام جالساً ممكناً
مقعدته من الأرض لم يُنقضْ وإلا انتقض سواء قل أو كثر، وسواء كان في
الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي " (١) .
الثانية: أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه
ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول لهم: لكم في هذا
مصلحة من جهة كذا وكذا، أو كان لي عذر أو نحو هذا.
الثالث: فيه استحباب تأخير العشاء.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم.
١٨٧- ص- حدثنا شاذ بن فياض قال: ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة،
عن أنس قال: " كان أصحابُ رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخْفق
رُؤُوسُهم، ثم يصلُون ولا يتوضؤون " (؟) .
ش- شاذ بن فياض أبو عُبيدة اليشكري واسمه: هلال، وشاذ لقب
غلب عليه. سمع: شعبة، وأبا حفص عمر بن إبراهيم العبدي. روى
عنه: عمرو بن علي الصيرفي، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومعاذ بن
المثنى، وغيرهم. روى له أبو داود (٣) .
стр. 457
وهشام بن أبي عبد الله الربعي الدستوائي البصري، وقد ذكر.
قوله: " حتى تخفق رؤوسهم " أي: تسقط أذقانهم على صدورهم،
وهذا لا يكون إلا عن نوم مثقل، وهذا يدل على أن عين النوم ليس
بحدث، ولو كان حدثاً لاستوت فيه الأحوال كسائر الأحداث، ويؤيد
ذلك قوله:/ " كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى
تخفق رؤوسهم " وذلك كثر عندهم حتى صار كالعادة لهم، ولم يكن
نادراً في بعض الأحوال، وفي وصف العشاء بالآخرة دليل على جواز
وصفها بها، وأنه لا كراهة فيه خلافاً لما يُحكى عن الأصمعي من كراهة ذلك.
وأخرجه مسلم من وجه آخر قال: " كان أصحاب رسول الله ينامون ثم
يصلون ولا يتوضؤون ".
ص- قال أبو داود: زاد قيه شعبة عن قتادة قال: " كُنا على (١) عهد
رسول الله ﷺ ". ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر.
ش- أي: زاد في هذا الحديث شعبة بن الحجاج، عن قتادة بن دعامة:
" كنا على عهد رسول الله "، والعهد بمعنى: الزمان والمدة. وقال في
" المطالع ": قولهم: " على عهد رسول الله " أي: على زمانه ومُدته.
قوله: " ورواه " أي: روى هذا الحديث أيضاً ابن أبي عروبة، واسمه:
سعيد، واسم أبي عروبة: مهران، وقد ذكرناه.
١٨٨- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: نا حماد
ابن سلمة، عن ثابت البناني، أن أنس بن مالك قال: " أقيمت صلاةُ العشاء
فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي حاجة، فقام يناجيه حتى نعس القومُ أو
بعضُ القوم، ثم صلى بهم ولم يذكروا (٢) وضوءا " (٣) .
ش- ثابت بن أسلم أبو محمد البناني العابد البصري، وبنانة هم
стр. 458
بنو سعد بن لؤي بن غالب. سمع: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن
الزبير، وأنس بن مالك، وأبا برزة الأسلمي، وعبد الله بن مغفل، ومن
التابعين: أبا رافع الصائغ، وأبا عثمان النهدي، ومطرف بن عبد الله بن
الشخير، وغيرهم. روى عنه: يونس بن عبيد، وحميد الطويل،
والثوري، والحمادان، وشعبة، وغيرهم. قال أحمد وابن معين
وأبو حاتم: إنه ثقة ولا خلاف فيه، وكان من زهده أنه رُؤي يُصلي في
قبره. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " فقام يناجيه " من المناجاة، وهي التحدث سرا.
قوله: " أو بعض القوم " شك من الراوي. ويستفاد من الحديث فوائد،
الأولى: جواز مناجاة الرجل الرجل بحضرة الجماعة، وإنما نُهي عن ذلك
بحضرة الواحد.
الثانية: جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في الأمور المهمة،
ولكنه مكروه في غير المهمة.
الثالثة: فيه دليل على تقديم الأهم فالأهم من الأمور عند ازدحامها،
فإنه- ﵇ إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مهم من أمور الدين،
مصلحته راجحة على تقديم الصلاة.
الرابعة: فيه دليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وهذه هي
المسألة المقصودة من الباب.
والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد العزيز بن صهيب،
عن أنس، وليس في رواية مسلم: " ولم يذكروا وضوءاً ".
١٨٩- ص- حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة
عن عبد السلام بن حرب- وهذا لفظ حديث يحيى- عن أبي خالد
الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ
стр. 459
كان يسجدُ وينامُ وينفخُ، ثم يقومُ فيصلّي ولا يتوضأ. فقلت له: صليت ولم
تتوضأ وقد نمت؟ وقال (١) : " إنما الوضوءُ على من نام مُضطجعاً " (٢) .
ش- عبد السلام بن حرب المُلائي أبو بكر الكوفي. سمع أيوب
السختياني، ويونس بن عبيد، وأبا خالد الدالاني، وهشام بن حسان.
روى عنه: عبد الرحمن بن محمد، وأبو نعيم، وأبو سعيد الأشج،
وغيرهم. قال ابن معين: صدوق. وقال أبو حاتم: ثقة. توفي سنة
ست أو سبع وثمانين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة أبو خالد الأزدي
الدالاني، كان ينزل في بني دالان، ودالان بطن من همدان، ولم يكن
منهم. سمع: قتادة، وأبا عبيدة بن حذيفة، وعون بن أبي جحيفة،
وغيرهم. روى عنه: شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٤) .
وبه استدل أصحابنا أن من نام قائماً أو قاعداً/أو راكعاً أو ساجداً لا
ينقض وضوؤه، وكذا لو نام خارج الصلاة قائماً أو قاعداً. وقال الشافعي:
ينقض في هذه الهيئات، وله قولان في القاعد، وبه قال أحمد في رواية،
وعن مالك: لو طال في الركوع والسجود ينقض. وعن أحمد مثله،
وعن أبي يوسف: إذا تعمد النوم في الصلاة ينقض.
والحديث بإطلاقه حجة عليهم؛ لأنه قصر انتقاض الوضوء على نوم
الاضطجاع بقوله: " إنما الوضوء على من نام مضطجعاً "، وهذا الحصر
في أجناس النوم؛ لأن الوضوء ينتقض بعين النوم أيضاً، والنوم متكئاً أو
стр. 460
مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط في معنى النوم مضطجعاً؛ لأن العلة
استرخاء المفاصل، فيوجد ذلك في هذه الهيئات دون غيرها.
وأخرج هذا الحديث الترمذي، وأحمد في " مسنده "، والطبراني في
" معجمه "، وابن أبي شيبة في " مصنفه "، والدارقطني في " سننه ".
ص- زاد عثمان وهناد: " فإنه إذا اضطجع- وقد نام (١) - استرختْ
مفاصلُهُ ".
قال أبو داود: قوله: " الوضوء على من نام مضطجعاً " هو حديث منكر،
لا يرويه (٢) إلا أبو خالد يزيد الدالاني، عن قتادة. وروى أوله جماعة عن
ابن عباس لم (٣) يذكروا شيئاً من هذا. قال: " كان النبيُ- ﵇
محفوظاً، وقالت عائشة- ﵂: قال النبي- ﵇:
" تنامُ عيناي ولا ينامُ قلبي ". وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة
أحاديث، حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث
" القضاةُ ثلاثة "، وحديث ابن عباس: " حدثني رجال مرضيون منهم عمر،
وأرضاهم عندي عمر ".
قال أبو داود: " وذكرتُ حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فقال: ما
ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة (٤) ؟.
ش- زاد عثمان بن أبي شيبة: وهناد بن السري في حديث ابن عباس:
" فإنه إذا اضطجع وقد نام استرخت مفاصله ". ورواه البيهقي في
" سننه " (٥) ولفظه فيه: " لا يحب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو
ساجداً حتى يضع جنبه، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ". وقال