١٣٢- باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن عبد
الرحمن بن مهران عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي هريرة، قال رسول الله
ﷺ : " الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا " (١) . هذا حديث خرجه أيضا
عبد الله من حديث يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب ثم قال: صحيح، رواته
مدنيون ويحيى هو الإمام في انتقاد الرجال، ولم يخرجاه إذ لم يرضاه بغير هذا
الإسناد، ورواه أحمدَ في مسنده، وشرطه معروف، وفي البخاري تعليقاً، وقال
أبو هريرة: " إن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قيل: يا أبا هريرة، لِمَ؟ قال:
لأجل كثرة الخطا ". حدثنا أحمد بن عبيدة، ثنا عباد بن عباد المهلي، ثنا
عاصم الاً حول عن أبي عثمان النهدي عن أبى بن كعب قال: " كان رجل
من الاً نصار بيته أقصى بيت في المدينة وكان لا تحطهً الصلاة مع رسول الله
ﷺ قال: فتوجعت له فقلت: يا فلان لو أنك/اشتريت حماراً تتقيك
الرمضاء، ويرفعك في الوقع، ويقبل هوام الاً رض فقال: والله ما أحب أن بيتي
يطنب بيت محمد ﷺ ، قال فحملت به حملًا حتى أتيت النبي ﷺ
فذكرت ذلك له، فدعاه فسأله، فذكر له مثل ذلك، وذكر أنه يرجو في أبرد
فقال النبي ﷺ : " إن لك ما احتسبت " (٢) ، هذا حديث خرجه مسلم
بلفظ: إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى
أهلي فقال- ﵇: " قد جمع الله لك ذلك كله أجمع " (٣) . حدثنا
стр. 1297
أبو موسى محمد المثنى، ثنا خالد بن الحرث، ثنا حميد عن أنس بن مالك
قال: أرادت بنو سلمة أن تتحول من ديارهم إلى قرب المسجد، فكره رسول
الله ﷺ أن يعدوا المدينة فقال: " يابني سلمة ألا تحتسبون آثاركم قط؟
فأقاموا " (١) . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه، وفي لفظ عند
الرازي: " يعدوا المسجد "، وضعفه، وقال: الصواب المدينة. حدثنا علي بن
محمد، ثنا وكيع وإسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال:
" كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت:
(نكتب ما قدّموا وآثارهم) قال:. فثبتوا " (٢) ، هذا حديث مسند في
الاصطلاح الحديثي، وسنده صحيح، وزاد عبد بن حميد في تفسيره: " فقالوا:
بل نثبت مكاننا "، وقد رواه أيضًا أبو سعيد الخدري بلفظ: " شكت بنو
سلمة إلى النبي ﷺ بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: (ونكتب ما
قدموا) " فقال النبي ﷺ : " منازلكم فإنّما تكتب آثاركم " (٣) ، أخيرنا/به
المسند الفقيه فتح الدين الحوري- ﵀ عن أبي الحسن بن أبي عبد
الله بن أبي الحسن- ﵀ قال: أنبأنا أبو الفضل المنهي عن أبي الحسن
علي بن أحمد المفسر أنبأ الشريف إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين
الطبري أنبأ جدي أنبأ عبد الله بن محمد بن الشرقي، ثنا عبد الرحمن بن
بشر، ثنا عبد الرزاق أنبأ الثوري عن طريق ابن شهاب عن أبي نضرة عنه،
وقال أبو عيسى: ورواه عن محمد بن وريس عن إسحاق الأزرق عن الثوري،
стр. 1298
وهذا حديث حسن غريب، ورواه الكشي في تفسيره فقال: عانين فيه ضعف
طريق وإن لم يضبط. ثنا قبيصة عن سفيان عن طريف عن أبيِ نضرة عن أبي
سعيد (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدّموا وآثارهم) قال: الخطا
وآثارهم. فلو كان أبو سعيد رواه عن النبي لما وسعه خلافه، والله أعلم. ولفظ
البزار: فقال لهم النبي " احسبه " قال: " منازلكم منها تكتب آثاركم " (١) .
رواه عن ابن وزير الترمذي، وفي البخاري عن أبي موسى قال- عليه
السلام-: " أعظم الناس أجراَ في الصلاة أبعدهم ممشا " (٢) ، وفي الأوسط
عن ابن عمر: " قيل للنبي ﷺ : إن ميسرة المسجد قد عُطِّلت فقال: " من
عمر ميسرة المسجد كان له كفلاة من الأجرة " (٣) ، وقال: لم يروه عن نافع
إلا ليث بن أبي سليم، ولا عن ليث إلا عبيد الله بن عمرو. تفرد به عمرو بن
عثمان. وفي كتاب الثواب لآدم عن الحسن قال: أرادت بنو سلمة أن يعلمهم
النبي ﷺ .. الحديث مرسل، رواه ابن المبارك بن فضالة عنه، وثنا المسعودي
عن عون بن عبد الله قال- ﵇: " قد كنت هممت أن أحول
رجالا ممن يلي المسجد/ممن لا يشهد الصلاة، ثم نظرت في ذلك إلى ديار
قوم أبعد منهم ممن لا يشهد الصلاة، فرأيت الأبعد فالأبعد أعظمهم أجرأ
فتركتهم " (٤) ، وفي صحيح مسلم أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول
الله ﷺ فقال: " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب
آثاركم " (٥) ، وفي لفظ: قال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن
стр. 1299
نبيع بيوتنا فتقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ وقال: " إنّ لكم بكل
خطوة درجة غريبة الوقع " (١) ، قال الهروي: هو أن تصيب الحجارة القدم
فتوهنها، يقال: دفعت أوقع وقعًا، وفي المثل: كل الحيدي الجبدى الحافي
الواقع، وفي المحكم: وقع الرجل والفرس وقعًا فهو وقع حين من الحجارة أو
الشوك، وقد وقعه الحجر، وحافر وقع وقعة الحجارة فقصت منه، وقدم موقعة
غليظة شديدة، وطريق موقع فذلك، ورجل موقع قد أصابه البلايا، وفي
الصحاح: الوقع بالتسكين: المكان المرتفع من الجبل. عن أبي عمرو، والوقع
بالتحريك: الحجارة واحدتها وقعة، والوقع أيضَا الهبط، وفي الجامع: حفي من
مشيه على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفا، والطنب حبل
الخيار، والجمع الطناب يقال حبل مطنب، ورواق مطب أي مشدّد بالأطناب،
قال أبو نصر في المحكم: هو حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض
والطرائق، وقيل: هو الوتد (٢) ، والجمع طنبة، قال القواريري: أحب أن يكون
شيء مشدودَا قريبا من بيته قال: والطنب طنب الخيار غيره، وهو الحبل يُشدّ/
إلي وتد، وسلمه واحدة السلم وهى شجر العضاة، قال أبو حنيفة: هو سلب
العبدان طولا يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال
خيار إذا أصاب رجل الإِنسان وله برمة أي زهرة صفراء، وكلّ شيء منها مر
وورقها مرّة يدبغ بها، وفي السلم قرب هذا المثل: " لأعضينكم عضب
السلمة "، وليس في العضاة أصلب عيدانا منها ومنه يقتطعون العصي، والغبط،
والأوتاد، والمبارم، وهو معزل ضخم، وقال غير أبي زياد: السلمة أطيب
العضاة ريحَا، وقال أعرابي: ليس شجرة أدرى من سلمة قال: ولم يوجد في
دبري سلمة مرد قط، ويجمع أيضًا أسلامَا، قال دوية كأنما حين أطلقا من
ذات إسلام عصيا سقفا، وقال بعض الرواة: أرض مسلمو: ما إذا كانت كبيرة
السلم، وفي كتاب اقتباس الأنوار: سلمة من السلام وهي الحجارة، وفي
стр. 1300
كتاب الصحاح، وسلمة بكسر اللام رجل بنى سلمة: بطن من الأنصار،
وليس في العرب سلمة غيرهم. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره ابن حبيب
في كتابه: " المؤتلف والمختلف "، والوزير أبو القاسم المغربي، وابن ماكولا سلمة
في الأنصار، وسلمة بن عمرو بن ذهل بن مرداس جعفي، وسلمة بن نصر بن
غطفان بن قيس بن جهينة، كل سلماتهم بالكسر، وفي كتاب النوادر لأبي
علي هارون بن زكريا الهجري من فضائل عميرة بن غطفان بن امرؤِ القيس بن
بهيشة بن سليم سلمة بكسر اللام مثل الذي في الأنصار، ولا يزيدون على
أربعة وعشرين رجلا، وسلمة في محلة من كهلان. ذكره أبو عبد الله الأزدي
في كتاب الترقيص عن الكلبي بكسر اللام، وسلمة في كيدة وهو ابن
الحارث، قال الأزدي: ذكر الباهلي: أنّه سمع أبا عبيدة يقول في هذا: سلمة
بكسر/اللام قال القرطبي: وهذه الأحاديث تدل على أن البعد من المسجد
أفضل، فلو كان بجوار المسجد هل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختلف فيه، فذكر
عن الحسن: أنه كرهه قال: وهو مذهبنا، وفي يخطىء مسجده إلى المسجد
الأعظم قولان، وقال أبو عبد الله بن ليانة: لا يدع مسجده، وإنّما فضله
الجامع في صلاة الجمعة فقط، وذكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن
بطل موضعه، وروى عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى القديمة،
وفعله مجاهد، وأبو وائل، ويرد هذا ما ذكر٥ أبو القاسم من حديث عبادة ابن
زياد الأسدي، ثنا زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
قال- ﵇: " ليصل أحدكم في مسجده ولا يتبع المساجد " (١) .
وقال: لم يروه عن زهير إلا عبادة، وذكره أبو أحمد من حديث مجاشع بن
عمرو عن عبيد الله، وقال: كذا رواه كثير بن عبيد، وابن مصفي عن بقية
عن مجاشع عن عبيد الله، وغيرهما جعل ابن مجاشع، وعبيد الله منصور بن
أبيِ الأسود، ومجاشع صالح الحديث.
стр. 1301
١٣٣- باب فضل الصلاة في الجماعة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته
في بيته، وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة " (١) . ومن حديث ابن
المسيب عنه أخرجه أيضا: " تفضل الصلاة في الجمع على صلاة أحدكم
وحده خمسا وعشرين جزءًا " (٢) ، هذا حديث قال فيه أبو عيسى إذ رواه عن
مسدّد عن/ابن معاوية: حسن صحيح، ولفظ الشيخين (٣) : " صلاة الرجل
في جماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفاً،
وذلك أف إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلّا
الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه ما خطيئة، فإذا
صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه مادام في صلاه ما لم يحدث: اللهم صل
عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة ". وفي لفظ للسراج
" بخمس وعشرين درجة " (٤) ، وفي لفظ: " تعدل خمسة وعشرين صلاة
الفرد " (٥) ، وفي لفظ: " تزيد على صلاة الفذ خمسًا وعشرين درجة " (٥) ،
وفي لفظ: " بضعة وعشرين جزءا " (٦) ، وفي لفظ: " خير من صلاة الفذ
بخمس وعشرين درجة "، وفي لفظ: " صلاة مع الإمام أفضل من خمس
стр. 1302
وعشرين يصليها وحده " (١) وفي كتاب ابن حزم روى عن عمر وأبو هريرة
وكلاهما عن رسول الله ﷺ " أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد
سبعا وعشرين درجة " (٢) ، وهما صحيحان. قال الدارقطني: ورواه يزيد بن
ذريع وعبد الأعلى وأشعث ويزيد بن هارون عن داود عن سعيد موقوفا. وقال
الربيع: عن حماد عن داود عن سعيد، والشعبي، ويحيى بن أبي زائدة،
وشعيب، وداود بن الزبرقان: عن داود بن أبي هند عن سعيد عن أبي هريرة
مرفوعا، وقال حماد بن زيد: وكذا قاله خالد الواسطي، ورواه بشر بن
المفضل عن داود عن الشعبي عن أبي هريرة موقوفا، وقال حماد بن زيد: عن
داود عن سعيد والشعبي موقوفا، وقال أبو الربيع: عن حماد بن زيد عن
سعيد، والشعبي أو أحدهما موقوفا: وقال سليمان/بن حرب: عن حماد عن
داود عن سعيد موقوفا، وروى ابن سمية من رواية الثوري مثل قول سليمان بن
حرب، وقال حجاج بن منهال: عن حماد عن داود عن سعيد عن النبي
مرسلا. والصحيح قول يزيد بن ذريع، ومن تابعه. وفي كتاب الكني: ثنا
حجاج، ثنا حماد عن محمد عن أبي سلمة عنه بلفظ: " صلاة الجماعة
أفضل على صلاة الفذ " (٣) ، ولفظ أبي مرة في سننه: " صلاة مع الإمام
أفضل من خمسين وعشرين صلاة يصليها وحده " (٤) . حدثنا أبو كريب، ثنا أبو
معاوية عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري فال:
قال رسول الله ﷺ : " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته
стр. 1303
خمسَا وعشرين درجة " (١) ، هذا حديث خرجه البخاري من حديث يزيد بن
الهاد عن عبد الله بن حباب عنه بلفظ: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة
الفذ بخمس وعشرين درجة " (٢) ، وخرجه الحافظ أبو حاتم في صحيحه عن
أبي يعلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ثنا هلال بلفظ: " يزيد
على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة فإن صلَّاها بأرض فيء فأتمَّ
وضوءها وركوعها وسجودها يكتب صلاته بخمسين درجة " (٣) ، ولفظ أبي
داود: " الصلاة في جماعة تعدل خمسَا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة
فأتمَ ركوعها، وسجودها بلغت خمسين صلاة " (٤) ، وقال: قال عبد الواحد بن
زياد في هذا الحديث: " صلاة الرجل في الفلاة مضاعف على صلاته في
الجماعة … " الحديث. انتهى كلامه وفيه نظر؛ من حيث إن حديث عبد
الواحد لم أر/أحدَا ذكره في طرق حديث أبي سعيد فيما علمت، إنما رأيته
مذكورَا عند البخاري: ثنا موسى ثنا عبد الواحد الأعمش سمعت أبا صالح
عن أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ : " صلاة الرجل في جماعة تزيد … " (٥)
стр. 1304
الحديث، ورواه البزار عن أبي كرسا وعمرو بن علي: ثنا أبو معاوية، ثنا
هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد، وقال: لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إّلا
بهذا الإسناد، وهلال بن ميمون فلسطيني روى عنه مروان، وأبو معاوية، وفيه
نظر؛ لمَا قدّمناه قبل من عند البخاري، وخرجه البخاري من عند أبي بكر
الفقيه، ثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو معاوية بلفظ أبي
داود، وقال: صحيح على شرط الشيخين فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال
بن أبي هلال، ويقال ابن أبي ميمون، ويقال: ابن أسامة وكلّه واحد. انتهى
كلامه. وفيه نظر؛ من حيث أنّ هلال بن أبي ميمون ليس هو المذكور في متن
هذا الحديث، إنّما هو ابن ميمون كما في نفس المتن، وعند أبي داود، وكنية
أبو المغيرة الرملي الفلسطيني. قال ابن أبي حاتم: روى عن ابن المسيب،
وعطاء بن يزيد الليثي، ويعلى بن شدّاد بن أوس، روى عنه مروان بن معاوية،
وأبو معاوية، ووكيع، سمعت أبي يقول ذلك، وفرق بينه وبين ابن أبي ميمونة
المدني قال: ويقال ابن علي ويقال ابن أسامة، روى عن عطاء بن يسار، وأبي
ميمونة روى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد ومالك وأسامة بن زيد
ومحمد بن حمران، سمعت أبي يقول ذلك. وقال البخاري في تاريخه
الكبير: ابن أبي ميمونة، وهو ابن علي، وقال مالك ابن أنس: هو أبو أسامة
إنّما/سمع عطاء بن يسار النسائي، ولما ذكر ابن ميمونة كناه أبا المغيرة ونسبه
جهميا، رمليا، وقال: روى عن عطاء بن يزيد، روى عنه مروان، وفي كتاب
الثقات لأبي حاتم البستي في الطبقة الثالثة هلال بن ميمون أبو المغيرة الجهني،
وقد قيل: كنيته أبو علي من أهل الرملة، يروى عن عطاء بن يزيد، وابن
المسيب، ويعلى روى عنه مروان وأبو معاوية، وقال: في الطبقة الثانية هلال بن
أبي ميمونة، واسم أبي ميمونة أسامة الفهري، وهو الذي يقال له ابن علي
العامري، يروى عن أنس بن مالك، وكان راوياً لعطاء بن يسار، روى عنه
يحيى بن أبي كثير، وفليح مات في آخر ولاية هشام بن عبد الملك، وكذا
نقله ابن سرور، والصيرفي ومن بعدهما، وزعموا أن أبا ميمونة حديثه عند
الجماعة، وابن ميمون عند أبي داود وابن ماجة فتبين لك هذا أن المذكور في
المتن ليس كما قاله الحاكم، وأنّ ابن أبي ميمونة غير ابن ميمون، وأن ابن
стр. 1305
ميمون الذي روى عن عطاء بن يزيد المذكور في نفس الحديث غير ابن أبي
ميمونة الراوي عن عطاء بن يسار، ويؤيّد ما قلناه ما ذكره أبو محمد
الإشبيلي إثر تخريجه له من عند أبي داود: هلال بن ميمون ضعفه أبو حاتم،
ووثقه ابن معين، ولما ذكره الحافظ ضياء الدين في أحكامه قال: قال ابن
عدي: هلال بن ميمون، عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه، فقال الحافظ
المنذري إثره في إسناده هلال بن ميمون الجهني الرملي كنيته أبو المغيرة، قال
ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بقوى يكتب حديثه، فإذا كان كذلك
فقد تداخل على الحاكم يرحمه/في أخرى؛ فلقائل أن يقول: فإذا ثبتت التفرقة
فما حال الحديث؟ قلنا: صحيح كما أسلفناه من عند أبي حاتم، ولأن ابن
ميمون لم يتكلّم فيه بقادح يرد به رواية؛ بل بكلام موكل مع ما تقدّم من
الثناء عليه. حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : " صلاة الرجل في جماعة
تفضل على صلاة الرجل وحده سبع وعشرين درجة " (١) . هذا حديث خرجاه
في الصحيح بلفظ: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين
درجة " (٢) ، وقال أبو عيسى: هكذا روى نافع عن مولاه: " بسبع وعشرين
درجة "، وعامة من روى عن النبي- ﵇ إما قالوا: " خمسا
وعشرين ". انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما أسلفناه من حديث أبي هريرة من عند
ابن حزم: " سبعا وعشرين درجة "؛ ولما جاء في حديث ابن مسعود ولما
ذكره أبو نعيم: ثنا سعيد بن عبد الرحمن، ثنا محمد بن سيرين أنّ زيد بن
ثابت صلى وحده فقال: قد صليت وحدي وقد علمت أن الجماعة تفضل
على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة "، وقد وجدنا نافعا رواه عن
стр. 1306
مولاه. كدْا رواه الجماعة، لكنه شك. قال أبو نعيم، ثنا العبدي عن دْل فع
ولفظه: " بسبعهْ وعشرين، أو خمسة وعشرين "، ووجدنا له أيضًا متابعا عند
أبي القاسم؛ رواه عن محمد بن أحمد بن روح: ثنا أحمد بن عبد الصمد
الأنصاري ثنا أبو سعد الأشهيلي ثنا محمد بن عجلان عن نعيم المجرى عن
ابن عمر برفعه: " فضل الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " (١) .
وقال: لم يروه/عن ابن عجلان إلا أبو سعد محمد بن سعد حدّثنا محمد بن
معمر ثنا أبو بكر الحنفي ثنا يونس عن أبي إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن
أبي نصير عن أبيه عن أبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه- صلى اللَّه عليه
وآله وسلم-: " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعة
وعشرون، أو خمسة وعشرون درجة " (٢) . هذا حديث أخرجه ابن حبان من
حديث شعبة عن أبي إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بصير عن أبي بلفظ: صلى
بنا رسول الله- ﵌ يوما الصبح. فقال: " أشاهد
فلان " قالوا: لا. قال: " أشاهد فلان كنفر من المنافقين " قالوا: لا. قال:
" إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما
لأتيتموهما ولو حبوا على الركب- يعني صلاة العشاء والصبح- وإنّ الصف
الأوّل على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضله لابتدرتموه، فإن صلاة
الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من
صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين وما كثر
فهو أحبّ إلى اللَّه، " (٣) . وكذا خرجه الحاكم في مستدركه، وقال:
هكذا رواه الطبقة الأولى من أصحاب شعبة؛ يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد
стр. 1307
وابن مهدي ومحمد ابن جعفر وسعيد بن عامر ومحمد بن كثير وعبد الله بن
رجاء وأقوالهم، وكذا رواه سفيان بن سعيد، وكذا رواه زهير بن معاوية
وغيرهم عن أبي إسحاق. زاد ابن عساكر في كتابه الأطراف: وأبو بكر ابن
عياش وجرير بن حازم. قال الحاكم: ورواه ابن المبارك عن شعبة عن أبي
إسحاق-/عن أبي بصير عن أبي، وكذا قال إسرائيل، وأبو حمزة السكري،
وعبد الرحمن المسعود، وجرير بن حازم عن أبي إسحاق عن أبي بصير عن
أبي، وقيل: عن الثوري عن أبي إسحاق عن العيزاري ابن حريث عن أبي
بصير، قال أبي: وكذا قاله أبو الأحوص عن أبي إسحاق، واختلفوا في هذا
على أبي إسحاق من أربعة أوجه، والرواية فيها عن أبي بصير، وابنه عبد اللَّه
كلها صحيحة، والدليل على دون روا ية خالد بن الحرث، ومعاذ بن معاذ
العنبري، ويحيى بن سعيد عن شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي
بصير عن أبيه قال: سمعته، قال أبو إسحاق: وقد سمعته منه وعن أبيه عن
أبي بن كعب، وقد حكم أئمة الحديث: يحيى بن معين، وابن المديني،
ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم لهذا الحديث بالصحة سمعت أبا العباس
محمد بن يعقوب يقول: سمعت ابن معين يقول: حديث أبي إسحاق عن أبي
بصير عن أبي هكذا يقوله زهير وشعبة يقول: عن أبي إسحاق عن عبد اللَّه بن
أبي بصير عن أبيه عن أبي، ورواه أبو إسحاق عن شيخ لم يسمع منه غير
هذا، وهو عبد اللَّه، وقال شعبة عن أبي إسحاق: إنّه سمع من أبيه، وفيه قال
أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن العنبري: وما أرى الحديث إلا صحيحًا،
سمعت أبا بكر الفقيه، سمعت المزني سمعت ابن المديني يقول: قد سمع أبو
إسحاق من ابن أبي نصير وأبيه، ثنا أبو بكر بن إسحاق سمعت عبد اللَّه بن
محمد المديني سمعت محمد بن يحيى يقول: رواية يحيى بن سعيد، وخالد
بن الحرث عن شعبة، وقول أبي الأحوص عن العيزاري كلّها محفوظة، فقد
ظهر بأقاويل أئمة الحديث صحته، وأما الشيخان/فلم يخرجاه لهذا الخلاف.
انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأن البيهقي ذكر عن محمد بن يحيى هذه الروايات
كلّها محفوظة خلا حديث أبي الأحوص، لا أدرى كيف هو، ولفظ الطبراني
في الأوسط: " والصف المقدم ". وقال: لم يروه عن أيوب السختياني عن
стр. 1308
شعبة إلّا وهيب ابن خالد، ولا عن وهيب بن خالد إلّا سعيد بن واصل. تفرد
به محمد بن سفيان عن الرزاد الآملي، ورواه في موضع آخر من حديث ابن
جريج عن قيس عن أبي إسحاق، أخبرني عبد اللَّه بن أبي سفيان، عن أبي
سفيان كذا ذكره، وقال: لم يروه عن ابن جريج إّلا أبو قرة، وقليس هو ابن
الربيع، وفي موضع آخر:/يروه عن خالد بن ميمون إلّا سعيد بن أبي عروبةْ
تفرد به عبد الأعلى وابن سؤدب عن سعيد، وفي علل أبي بكر أحمد بن
محمد بن هارون الخلال: أنبأ الدوري سمعت يحيى يقول: القول قول شعبة:
عن أثبت عن زهير، قال أبو بكر: ورواه عثمان بن أبي شيبة، ووكيع عن
الثوري عن أبي إسحاق عن ابن أبي بصير عن أبيه، ورواه أبو إسحاق الفزاري
عن الثوري عن أبي إسحاق عن العيزار، ورواه معمر الرقي عن حجاج عن أبي
إسحاق عن عاصم عن أبي ضمرة عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه، وقال
الحافظ أبو بكر البيهقي: أقام إسناده شعبة، والثوري، وإسرائيل في آخرين،
وذكره الحافظ بن عبد الواحد في الأحاديث المختارة، وذكره الحافظ أبو محمد
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده الصحيح من حديث شعبة،
وزهير، وخالد بن ميمون بن أبي إسحاق، وقال: قال ابن أبي بصير: حدثني
أبي عن أبّي، وسمعه من أبي بن كعب، وخالف ذلك/أبو عمر بن عبد البر
فقال: هذا حديث ليس بالقوي، ولا يحتج بمثله، وفي موضع آخر: وقد
رويت أثارًا محفوظة مرفوعة منها حديث أبي، وغيره: أنّ صلاة الرجل مع
الرجلين أفضل من صلاته وحده، وهي آثار كلّها ليست في القوة والثبوت
والصحة كآثار هذا الباب يعني " حديث صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ،
ولفظ أبي قرّة: " ولو تنحيا عليكم بالصفّ الأوّل، ولما ذكره أبو محمد عبد
الحق في أحكامه الكبرى من عند أبي داود قال: عبد الله بن أبي بصير: لا
أعلم روى عنه إّلا أبو إسحاق، وهذا منه- رحمه الله تعالى- الضعيف
للحديث على قاعدته؛ لأن الإِنسان إذا لم يوثق ولم يرو غير واحد عنه فهو
مجهول العين والحال، ولو رأى ما أسلفناه من توثيقه عن أبي حاتم البستي،
وقول العجلي فيه وذكره ابن خليفة، وفي الباب مع إخراج حديثه في
الصحيح لما اتجه له ذكر هذا التخريج مع ما تقدّم من رواية أبي ضمرة عنه من
стр. 1309
عند الخلال، ورواية العيزاري مع أن حكاية التفرد ليس هو بأبي العيزار، قد
سبق إلى ذلك غير واحد من الأعلام فذهبت عنه الجهالة والسلام. وفي الباب
أحاديث منها حديث ابن مسعود أن نبي الله ﷺ قال: " صلاة الجمع تفضل
على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفا؛ كلها مثل صلاته " (١) ،
خرجه أحمد في مسنده بسند جيّد، وخرجه ابن أبي شيبة في مسنده عن
محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عنه بلفظ: " تفضل
صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده بضع وعشرون درجة " (٢) ، ورواه
السراج في مسنده من/حديث همام ثنا قتادة عن مورق عن أبي الأحوص
بلفظ: " تفضل على صلاة الرجل وحده بخصر وعشرين صلاة " (٣) ، وفي
لفظ: " تزيد خمسًا وعشرين " (٤) ، وخرجه في الأوسط من حديث أبي
الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه بلفظ: " خمسة وعشرين "
أو سبعة وعشرين "، ولفظ أبي القاسم في الأوسط: " بضع وعشرين "،
وقال: لم يروه عن أبي حصين- يعني- عن أبي الأحوص- إلّا قيس بن
الربيع، ولا عن قيس إّلا محمد بن الصلت. تفرد به أحمد بن الحجاج بن
الصلت. وقال الرازي: رواه القطان عن شعبة عن قتادة عن عقبة بن وساج
عن أبي الأحوص، ورواه سعيد بن بشير، وغيره عن قتادة عن مورق عن أبي
الأحوص، وشعبة أحفظ، قال: ورواه أبان بن قتادة عن مورق عن أبي
الأحوص، وحديث غياث بن قاسم أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة رجلين
يؤم أحدهما صاحبة أزكى عند الله من أربعة سترى، وصلاة أربعة يؤمهم
стр. 1310
أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية سترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم
أزكى عند الله من صلاة مائة سترى " (١) رواه البخاري في التاريخ، فقال: قال
عبد الله بن يوسف:، حدثني الوليد بن مسلم أخبرني ثور عن يونس بن سيف
عن عبد الرحمن بن زياد عنه، وحديث أنس قال- ﵇: " الاثنان
جماعة والثلاثة جماعة " (٢) الحديث، ذكره أبو أحمد من حديث سعيد بن
رزقي وهو ضعيف، ورواه السراج عن جعفر الصانع، ثنا عبيد الله بن
محمد بن حفص، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أنس موقوف: " تفضل
صلاة الجميع على صلاة/الرجل بضعا وعشرين صلاة " (٣) ، ورواه الكشني
عن حجاج عن حماد عن عاصم عن أنس مرفوعا: " تفضل صلاة الجميع "،
وثنا حجاج، وثنا حماد عن أبان عنه مرفوعا: " تفضل صلاة الجمع على
صلاة الرجل وحده بأربع وعشرين صلاة، وهى الخامسة " (٤) ، وحديث عائشة
قال النبي ﷺ : " صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمسة وعشرين " (٥) ،
رواه النسائي بسند صحيح، ولفظ السراج: " تفضل على صلاته وحده
خمسا وعشرين درجة " رويا من حديث يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن
عمار عن القاسم عنهما، وفي لفظ: " صلاة الرجل في الجميع " (٦) ،
وحديث زيد بن ثابت: قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث عن حجاج
стр. 1311
عن ثابت بن عبيد قال: دخلنا على زيد وهو يصلي على حصير ليسجد عليه
فقال: قال ﵇: " فضل صلاة الجماعة على صلاة الوحدة خمس
وعشرين درجة " (١) . قال: وأما أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن
عكرمة عن ابن عباس نحوه. قال: فان كانوا أكثر فصلى عدد من في
المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة الآلف قال: نعم، وإن كانوا أربعين ألفا.
وحديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: " فضل صلاة الجميع على
صلاة الرجل وحده خصر وعشرين " (٢) . رواه أبو القاسم في المعجم الكبير
عن محمد بن عبدوس السراج، ثنا محمد بن بكار ثنا عبد الحكيم بن منصور
عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. وحديث عبد
الله بن زيد مرفوعًا: " ما بين الفذ والجماعة خمس وعشرين درجة " (٣) . رواه
أيضا من حديث مؤمن بن عبيدة عن أبي بكر بن حزم عن عباد بن تميم/عنه،
وقال: لا يروى هذا الحديث عن ابن زيد إلا هذا الإسناد. تفرد به محمد بن
الزبير، فإنه يعني عن موسى. وحديث أنس بن مالك قال ﵇: " صلاة
الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمر وعشرين صلاة،
وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة " (٤) . الحديث رواه ابن
زنجويه من حديث أبي الخطاب الدمشقي عن زريق أبي عبد الله الألهاني عنه،
قال ابن الأثير: إنما قال درجة ولم يقل خيرًا ولا نصيبان ولا خطًا ولا شيئًا من
стр. 1312
أمثال ذلك؛ لأنّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وإن تكن فوق هذه
بكذا أو كذا درجة ة لأن الدرجات إلى جهة فوق، وقد اختلف العلماء في
الجمع بين سبع وعشرين درجة، وبين قوله خمس وعشرين درجة، أو جزعَا أو
ضعفَا فقيل: إن الدرجة أصغر من الجزإ فكان الخمسة والعشرين إذا جزئت
درجات كان سبع وعشرين درجة، وردَّ هذا بما أسلفناه في الصحيح سبعَا
وعشرين درجة. وقيل: السبع متأخرة عن الخمس فكأنّ الله تعالى أخبره
بخمس، ثم زاد بعد ورود هذا بتعذّر التاريخ، وردّ هذا القول الأخر بأن
الفضائل لا تنسخ، وهذه فضيلة لمحمد- صلى الله عليه واله وسلم- فلا
يطرأ عليها النسخ. وقيل: إن صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ
في المسجد بخمس وعشرين درجة، وصلاة الجماعة في المسجد أفضل من
صلاة الفذ في بيته بسبع وعشرين درجة، وردّ بقوله: " وصلاة الرجل في
جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفَا " (١)
وقيل: إن الصلاة التي لم تكن فيها فضيلة الخطا إلى/الصلاة ولا فضيلة
انتظارها نفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع، وقيل: إن ذلك
يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فمن كملها وحافظ عليها فوق من أخذ
بشيء من ذلك. وقيل: إنّ الزيادة لصلاتي العشاء والصبح لاجتماع ملائكة
النهار والليل فيهما، يؤيّده حديث أبي هريرة المتقدّم: " تفضل صلاة الجماعة
صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل وملائكة
النهار في صلاة الفجر "، فذكر اجتماع الملائكة لواو فاصل وبين الكلام
وقطعه من الجملة المتقدّمة. وقال بعضهم: لا منافاة بين الحديثين؛ لأنه ذكر
القليل ولأنّ الكثير مفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين، واستدل بعض
المالكية بهذه الأحاديث على أن صلاة الجماعة لا تفضل بعضها على بعض
بكثرة الجماعة؛ لأنه لم يذكر جماعة كثيرة دون جماعة قليلة، ورد بما تقدّم
في حديث فتات وغيره من أن الكثرة مطلوبة فرغب فيها كما ذهب إليه
الشافعي وابن حبيب من المالكية. وأنبأنا غير واحد من شيوخنا عن الإِمام
العلامة أبو بكر بن أحمد بن القسطلاني- ﵀ أنه قال: يحتمل أن
стр. 1313
تكون الدرجة في الجنة، والجزاء في الدنيا، واستدلّ بن الحصار لمذهبه ولأبي
حنيفة بأنه لا يجوز أن يصلّى تنفّل بمعترض، قال: لأنّ النبي ﷺ أعلمنا أن
للجماعة أن تنجمع على صلاة واحدة، فيجب لها التضعيف لذلك فلا يخلو
أن يكون التضعيف للإِمام أو المأموم، فإن كانت المضاعفة صلاة المأمومين فلا
يصح؛ لأنهم لا إمام لهم/فيها، فهم كالمنفردين، وإن كانت المضاعفة له فلا
يصح، لأن عشر حكمه حكم المنفرد، وإنّما يقع لجماعتهم إذا كانوا في صلاة
واحدة، وهو معنى قوله: صلاة الجماعة، فذكر صلاة واحدة مضافة إليهم
جميعا، ولم يقل صلاة الجميع، ورد بما أسلفناه من عند السراج وغيره: صلاة
الجميع، وأمّا تخصيص العود فقد استخرجه شيخنا قاضى القضاة بدر الدين بن
جماعة فيما أذن له أن نرويه عنه، وإن كان العلامة أبو الفرح بن الجوزي ذكر
أنّ جماعة تكلّفت تعليل ذلك، وما جاءوا بطائل فقال: الأوّل: قصد إقامة
الصلاة في جماعة، الثاني: إجابة الداعي، الثالث: ظهور السقاية، إلى الرابع:
متابعة السنة بحضورها، الخامس: إحياء السنة بدوام إقامة السنن، السادس:
زيارة بيت الله تعالى، السابع: عمارة المساجد، الثامن: نشاط المتكاسل على
الجماعة، التاسع: السلام على الإخوان، العاشر: التعاون على الطاعة، الحمادي
عشر: إظهار تالف القلوب، الثاني عشر: الاجتماع بأهل الخير من الملائكة
وغيرهم، الثالث عشر: الاعتكاف، إلى الرابع عشر: الاجتماع على الذكر،
الخامس عشر: فراغ القلب للذكر، السادس عشر: الاهتمام بإيقاع الصلاة
أوّل الوقت، السابع عشر: المسير إلى الجماعة بالمسجد، الثامن عشر: إيقاع
العبادة في ذلك المكان، التاسع عشر: التحرز بالصلاة في جماعة من مطرد
سهو وتسلط شيطان، العشرون: إقامة الصفوف وتسويتها في الصلاة، الحادي
والعشرون: متابعة الإمام في أفعاله، الثاني والعشرون: التحرز من إساءة الظن
به بترك الصلاة، الثالث والعشرون: الدعاء عند الدخول إلى المسجد وعند
الخروج، الرابع والعشرون، والخامس/والعشرون: سماع قراءة الإِمام والتأمين
إذا جهر، السادس والعشرون: مصاحبة الملائكة- ﵈ وموافقتهم
في الصلاة والتأمين، السابع والعشرون: انتظار الصلاة قبل إقامتها وذلك
عبادة، قال: فيجوز أدْ تكون الدرجات بسبب هذه القربات، وقد ذكر ابن
стр. 1314
المثنى وابن بطال مناسبات هذه أجمع- والله أعلم- وإذا قوله: أشاهد فلان؟
فيريد ابن أبي المنافق وأشياعه.
***
стр. 1315
١٣٤- باب التغليظ في التخلّف من الجماعة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر
رجلًا فيصلى بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا
يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " (١) . هذا حديث خرجه في
الصحيح. زاد البخاري: " والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا
سمينًا أو مرقًا بين حسنتين ليشهد العشاء "، وفي لفظ: " إنّ أثقل الصلاة
على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو
حبوا " (٢) ، وفي لفظ للإمام أحمد بن حنبل: " لولا ما في البيوت من
النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت
بالنار " (٣) . وعند أبي داود: " ثم آتى قوما ما يصلون في بيوتهم ليست بهم
علّة وأحرقتها عليهم ". قال يزيد بن جابر: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عون
الجمعة عيناً أو غيرها فقال: فسمعت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة ما
ذكر جمعة ولا غيرها، وفي مسند السراج/ " أمر أنس إذا سمعوا الإقامة، من
تخلف أن يحرقوا عليهم إنكم لو تعلمون ما فيهما لأتيموهما ولو حبوا " وفي
لفظ آخر: " صلى النبي ﷺ صلاة العشاء حتى تحققوا الليل، وذهب ثلثه-
стр. 1316
أو نحوه- ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس عشرون، وإذا هم قليل، فغضب
غضبا شديدًا لا أعلم أنِّي رأيته غضب غضبا أشدّ منه، ثم قال: لقد هممت
أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أتتبع هذه الدور التي تخلَّف أهلوها عن هذه
الصلاة؛ فأحرقها عليهم بالنيران " (١) ، ولفظ الطوسي: " ثم آتى قوما ما
يتخلفون عن هذه الصلاة، فأحرق عليهم، يعمْي صلاة العشاء " وصححه.
وفي كتاب ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن عجلان عنه: " لينتهين رجال
من حول المسجد لا يشهدون العشاء، ولأحرقنَّ بيوتهم " (٢) . وفي كتاب
زنجويه: " آمر رجالا في أيديهم حزم حطب لا يأتوا رجلًا في بيته سمع
الإقامة، لم يشهد الصلاة، إلَّا أضرم عليه بيته ". وفي كتاب أبي القاسم
الأَوسط (٣) : " آمر رجالا إذا أقيمت الصلاة أن يتخلَّفوا دون من لا يشهد،
فيضرم عليهم بيوتهم ". قال: " ولو أنَّ رجلًا أذَّن النَّاس إلى طعام لإثرة،
والصلاة ينادى ما فلا يأتوها " (٤) . وقال: لم يروه عن الأعمش عن عاصم بن
أبي النجود عن أبي صالح ألا سليم بن أبي داود، وتفرد به محمد بن
سليمان بن أبي داود، ورواه من حديث عاصم عن أبي رزين عن أبي هريرة
وقال: لم يروه عن عاصم عن أبي رزين ألا عمرو بن قيس. تفرد به الحكم بن
بشير ورواه الناس عن عاصم عن أبي صالح، وروى عن عاصم عن زر عن
عبيد الله، وفي الصغير: " ثم أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرق عليه بيته ".
وأشار إلى أن علي بن بكار/تفرَد به عن أبي إسحاق الرازي عن سعيد بن
شريح عن ابن أبي ليلى عنه، وثنا زياد بن أيوب ثنا محمد بن عبيد ثنْا
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد سئل محمد الحديث،
стр. 1317
وفي كتاب الترغيب لأبي موسى المديني: " تهور الليل، فذهب ثلثه- أو
قرابه- ثم قال: لو أن رجلًا نادى الناس إلى عرق، أو مرماتين أتوا لذلك،
وهم يتخلفون عن هذه الصلاة … " (١) الحديث، وفي مسنده: " لو كان
عرقًا (٢) سمينًا، أو معرفتين يشهدوهما ". وفي مصنف عبد الرزاق بسند
صحيح: أنبأ معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد الأصم عن أبي هريرة أن
النبي- ﵌ قال: " لقد هممت أن آمر فتياني أن
يجمعوا إلى حزمًا من حطب؛ ثم انطلق وأحرق على قوم بيوتهم، يشهدون
الجمعة " (٣) . ولما رواه البيهقي في الكبير عن أبي محمد عبد الله بن يحيى بن
عبد الجبار: أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار أنبأ أحمد بن منصور الرماد ثنا عبد
الرزاق قال: كذا قال الجمعة، وكذلك روى عن أبي الأحوص عن ابن
مسعود، والذي يدلّ عليه سائر الروايات أنه عم بالجمعة على الجماعة. انتهى
كلامه. ويزيده وضوحًا ما ذكره أبو القاسم في معجمه الأوسط: ثنا أحمد بن
محمد بن صدقة ثنا مفتر بن محمد ثنا عمى القاسم عن أبي حمزة عن
إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود يرفعه: " لقد هممت أن آمر بلالًا فيقيم
الصلاة، ثم أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا، فأحرق عليهم
بيوتهم " (٤) . وقال: لم يروه عن أبي ضمرة إلا القاسم. تفرد به مقدم، وفي
стр. 1318
كتاب السراج: ما يروه وهو ما رواه عن أبي يحيى وغيره عن الأشدّ ثنا زهير
ثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عنه أن النبي ﷺ /قال لقوم يتخلفون عن
الجمعة: " لقد هممت أن آمر رجلًا يصلى بالناس، ثم أحرق على رجال
يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم " (١) ، ولما رواه في مستدركه من حديث عمرو بن
خالد الحراني: ثنا زهير عن أبي إسحاق قال: هكذا رواه أبو داود الطيالسي
عن زهير، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، هكذا خرجاه بذكر
القيمة، وسائر الصلوات. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة عن زائدة
عن عاصم عن رزين عن ابن أم مكتوم، قال: قلت للنبي ﷺ : " إنّى كبير
ضرير شاسع الدار؟ وليس لي قائد بلازمني، فهل تجد لي من رخصة أن أصلِّي
في بيتي. قال: تسمع النداء؟ قلت: نعم. قال: مالك رخصة " (٢) . هذا
حديث إسناده صحيح على رسم مسلم، وخرجه أبو عبد الله شاهدًا، ولم
يحكم عليه - يعني لحديث سفيان - عن عبد الرحمن عن ابن عباس عن ابن
أم مكتوم قال رسول الله ﷺ : " إن المدينة كثيرة الهوام، والسباع، قال:
تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم. قال: فهي فحي هلا " (٣)
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد إن كان ابن عباس سمع من ابن أم مكتوم،
وله شاهد بإسناد صحيح فذكر حديث أبي جعفر الرازي عن حصين بن عبد
الرحمن عن عبد الله بن شدّاد عنه أن النبي ﷺ استقبل الناس في صلاة
العشاء فقال: " لقد همت أن آتى هؤلاء الذين يتخلفون عن هذه الصلاة؛
فأحرَّق عليهم ". قال: فقلت: يا رسول الله، لقد علمت ما في الحديث (٤) .
стр. 1319
وخرجه البيهقي في الكبير من حديث سليمان بن حرب ثنا حماد/بن زيد
عن عاصم بن أبي رزين أن ابن أم مكتوم سأل النبي ﷺ ، قال: ورواه ابن
سنان عن عمرو بن مرّة عن أبي رزين عن أبي هريرة، وفي كتاب المغازي من
حديث سعيد بن سليمان: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن أبي سنان عن
عمرو بن مرّة آخر ابن أبي رزين عن ابن أم مكتوم فذكره، ولفظ الإمام
أحمد في مسنده عنه: أنّ النبي- ﵌ أتى المسجد،
فوجد في القوم رقّة فقال: " إنِّي لأهم أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج، فلا
أقدر على إنسان يتخلّف عن الصلاة في بيته إلا أحرقه عليه ". فقال ابن أم
مكتوم: يا رسول الله إنّ بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد
كل ساعة، أيسعني أن أصلى في بيتي؟ قال: أتسمع الإِقامة؟ قال: نعم. قال:
" فأتها " (١) . وعاب ابن القطان سكوت أبي محمد عنه، إذ أورده عنه من
حديث أبي رزين وابن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم، وابن أم مكتوم، قال:
وكلتا الروايتين مشكوك في إيصالهما؛ لأنّ أبا رزين أهلًا له الرواية عن علي
ويقال: إنّه حضر معه صفين، وابن أم مكتوم قتل بالقادسية أيّام عمر، وانقطاع
ما بينهما إن لم يكن معلومًا، قالا: نعرف سنه فإن اتصال ما بينهما ليس
معلومًا أيضًا، فهو مشكوك فيه، وأمّا ابن أبي ليلى قوله: ولست بقين من خلافة
عمر فسنهْ لا يقتضى له السماع. انتهى كلامه. وفيه نظر في مواضع: الأول:
قوله أمّا سنه فإنّا لا نعرفه فليس بشيء، لأنّ ابن حبان وغيرها يصف على أنّه
كان أكبر من أبي وائل شقيق، وشقيق ممن قيل له: أدرك النبي ﷺ فعلى هذا
لا تنكر روايته عن ابن أم مكتوم، الثاني:/قوله: وأعلى ماله الرواية عن على
مردود بقول ابن سعد: روى عن ابن مسعود، الثالث: قوله: أن ابن أم مكتوم
قتل بالقادسية مردود، ويقول ابن حبان وغيره: شهد القادسية ثم رجع إلى
المدينة فمات بها في خلافة عمر، ولفظ ابن سعد: شهد القادسية ثم رجع
إلى المدينة ولم يسمع له بذكر بعد عمر، الرابع: قوله. إن سنّ ابن أبي ليلى لا
стр. 1320
يقتضى له السماع من عمر مردود بقول أبي حاتم الرازي، وسأله أنه هل
سمع منه؟ فقال بلال: خرج إلى الشَّام قديمًا في خلافة عمر فإن كان رآه
صغير. فهذا أبو حاتم لم ينكر سماعه من بلال المتوفى سنة عشرين، ويقال:
سبع عشرة أو ثمان عشرة، ويقال: سنة إحدى وعشرون بل جوَّزه، وفي
كتاب البيهقي من حديث ابن شهاب الحناط عن العلاء بن المسيب عن ابن أم
مكتوم قلت: يا رسول الله إن لي قائدًا لا يلازمني في هاتين الصلاتين. فقال
النبي ﷺ : " لو يعلم القاعدون عنهما ما فْيهما، لأتوهما ولو حبوا " (١) ،
ولفظ أبي القاسم في الأوسط عن ماهان عن البراء بن عازب أن ابن أم مكتوم
أتى النبي- ﵇ يشتكي إليه رسالة أن يرخص له في العشاء والفجر،
وقال: إن بيني وبينك أسيب، فقال ﵇: " هل تسمع الأذان؟ قال:
نعم- مرة أو مرتين- فلم يرخص له في ذلك " (٢) . وقال: لم يروه عن
ماهان- وهو أبو صالح- إلا زهير الأعزب بن الأعمر الذي روى عنه عمرو بن
مرة، ولا رواه عن زهير إلا عزب بن الحرث. تفرد به العوام بق حوشب، وفيه
أيضا من حديث عدي بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن
عجرة قال: جاء رجل ضرير إلى النبي- ﵇ فقال: إني أسمع
النداء، فلعلي لا أجد قائدا أو يشق علي،/أفأتخذ مسجدا في بيتي؟ فقال
﵇: " أيبلغك النداء "؟ قال: نعم. قال: " فإذا سمعت،
فأجب " (٣) . وقال: لم يروه عن عدي إلا زيد بن أبي أنيسة، وقال الرازي:
هذا حديث منكر، وقال- البيهقي: خالفه أبو عبد الرحمن فرواه عن ابن أبي
أنيسة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن مغفل، وفي صحيح مسلم عن أبي
стр. 1321
هريرة، قال: " أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي
قائد يقودني إلى المسجد، فسأل النبي ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته،
فرخص له، فلما ولى دعاها فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم.
قال فأجب " (١) . وخرجه السراج في مسنده من حديث زيد بن أنيسة، عن
عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: أتى ابن أم مكتوم الأعمى النبي،
فقال … الحديث. حدثنا عبد الحميد بن بنان الواسطي ثنا هشام عن شعبة عن
عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " من
سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة إلا من عذر " (٢) . هذا حديث خرجه البستي
في صحيحه عن الحسن بن سفيان ثنا زكريا بن يحيى وعبد الحميد بن
السكري بلفظ: " يسمع النداء فلم يجب "، وخرجه أبو داود من حديث
أبي الحباب عن معمر عن عدي بلفظ: " قالوا: وما العذر؟ قال: حزن أو
مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى "، ورواه في الأوسط ثم قال: لم يروه
عن معمر إلا أبو حباب، ولا عن أبي حباب، إلّا حريز. تفرد به معمر، وفيه
نظر؛ لما نذكره بعد، ورواه أبو عبد الله من حديث عبد الرحمن بن غزوان
وهشيم بن شعبة ثم قل: هذا حديث قد أوقفه غندر/وأكثر أصحاب شعبة،
وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وفراد أبو نوح لغسان،
فإذا وصلا فالقول فيه قولهما، وله غير شاهد فذكر حديث سعيد بن عامر
وأبي سليمان داود بن الحكم عن شعبة مرفوعًا، قال: ولشعبة متابعان مفسران:
العبد عن عدي بلفظ: " قالوا: وما العذر قال: خوف أو مرض "، وأبو حباب
من حديث سليمان بن قرم بلفظ: قال النبي ﷺ : " من سمع النداء ينادي
صحيحًا فلم يأته من غير عذر لم يقبل الله صلاة غيرها. قيل: وما العذر؟
قال: المرض والخوف " (٣) . وفي كتاب العلل للخلال: ثنا محمد بن الحسين
стр. 1322
ثنا الفضل قال: قلت لأحمد: شعبهْ عن عدى فذكره قال: أخطأ فيه هشيم
مرّة فرفعه وهذا موقوف. قلت: كيف؟ قال: غْندر وغيره لا يرفعه، وقال أبو
الحسن الدارقطني: تابع هشيمّا على رفعه، فراد: ورواه جرير عن أبي حباب.
رفعه ووقفه يوسف القطّان عن جرير، ورواه ابن قرم عن أبي حباب عن معراء
عن عدي مرفوعا، وقال أبو أحمد: ورواه جرير. تفرد به عن أبي حباب عن
معراء، وقال ابن حزم: عن أبي حباب عن عدي وكأنه اختلط على الناسخ لا
على أبي أحمد، وقال الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود، وهذا يرد به
معراء العبدي، وقد روى عنه وأبو إسحاق، والصحيح: موقوف على ابن
عباس، وتبع ابن القطان عليه أمرين: الأول: إعلاله إيّاه بمعراء بن المخارق، قال:
وليس صواب؛ لأنه روى عن جماعة، وذكر أبو العرب عن الكوفي وليس في
كتابه أنه لا بأس به. الثاني: قوله على أنّ قاسما ذكره في كتابه عن إسماعيل:
ثنا سليمان بن حرب/ثنا شعبة عن حبيبْ بن أبي ثابت عن سعيد عن ابن
عباس، قال ﵇: " من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إّلا من
عذر " (١) . قال أبو محمد: وحسبك هذا الإسناد صحة، قال أبو الحسن لي
في كتاب قاسم: " إلّا من عذر " في الحديث المرفوع إنّما هو في الموقوف، فلم
يثبت أبو محمد فأورده هكذا، وإنّما نقله من كتاب بواسطة ابن حزم وغيره،
وهذا ما نقله من عند ابن حزم وهو جاء به مفسرا بزيادة: " إلّا من عذر " في
المرفوع؛ فتبين أنّ الصواب فيه بإيراد الواقع في كتاب قاسم بنصّه، قال قاسم:
ومن كتابه نقلت. حدّثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا جعفر بن عمرو سليمان
حرب وعمرو بن مرزوق عن عدي بن ثابت وسعيد بن جبير عن ابن عباس،
قال: " من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر " (٢) . قال
إسماعيل: وبهذا الإسناد روى الناس عن شعبة بإسناد آخر: ثنا سليمان ثنا
شعبة عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ : " من
سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له " (٣) . ثنا بهذا سليمان مرفوعَا، وثنا
стр. 1323
بالأول موقوفًا على ابن عباس، هذا نص ما عنده، فالمرفوع عنده إنما هو من
رواية شعبة عن حبيب لا عن عدي، وليس فيه زيادة إلّا من رواية شعبة عن
حبيب، لا عن عدي وليس فيه زيادة إلا من عذر "، وإنما تكون هذه الزيادة
في حديث عدي إلّا أنه عند قاسم موقوف فحمل المرفوع على الموقوف في
هذه الزيادة فيه، ونسب ذلك إلى أبي قاسم خطأ، نعم هي في الحديث
المرفوع من رواية عدي، لكن عند غير قاسم، رواه هشيم عن شعبة عند
معن بن مخلد وأبي القاسم/ابن بنت منيع وابن المنذر والدارقطني. انتهى
كلامه. وفيه نظر من حيث قال: إن أبا محمد أعلّه بمعراء، وأبو محمد لم يعله
به؛ إنما قال ما أسلفناه عنه وذلك لا يقتضى إعلالًا؛ بل ترجيحَا لكونه ذكر له
روايتين مخرجين له عن الجهالة، ولم يسبق له فيه كلام، أحال عليه. حدثنا
علي بن أحمد ثنا أبو أسامة عن هشام الدستوائي عن يحيى ابن أبي كثير عن
الحكم بن مينا، قال: أخبرني ابن عباس وابن عمر أنهما سمعا النبي ﷺ
يقول على أعواده: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن الله على
قلوبهم ليكونن من الغافلين " (١) . هذا حديث في سنده انقطاع فيما بين
يحيى والحكم، وإن كان قد سمع منه، فقد ورد هذا الحديث مبينا فيه عدم
سماعه منه بين ذلك أبو عبد الرحمن إذ رواه في سننه عن محمد بن معمر
عن حبان بن هلال عن أبان عن يحيى عن الحضرمي بن لاحق عن رزين بن
سلام عن أبي سلام عن الحكم بلفظ: " ودعهم الجماعات ". قال: وأنبا
إبراهيم بن يعقوب ثنا سعيد بن الربيع ثنا علي بن المبارك عن يحيى بن زيد
عن أبي سلام عن الحكم عن ابن عمر وابن عباس قال علي ثم كتبه به أبي
عن ابن عمر وأبي هريرة فذكره. وذكره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في
مجموع حديثه من حديث هشام بن عمار: ثنا الوليد ثنا معاوية بن سلام سمع
يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني الحكم بن مينا يقول: سمعت ابن عمر وأبي
стр. 1324
هريرة يقولان: سمعنا رسول الله ﷺ على منبره، وهو يقول: " لينتهين أقوام
عن تركهم الجماعات … " (١) الحديث/ومن حديث حماد بن زيد عن أيوب
عن يحيى يروه إلى ابن عمر وابن عباس ولفظه: " الجماعات "، ومن حديث
زياد بن أيوب: ثنا ابن علية عن أيوب عن يحيى عمن حدثه عنهما، وفي
كتاب الثواب لأدم بن أبي إياس: ثنا بكير بن حسين عن يحيى بن عبيد الله
عن أبيه عن أبي هريرة، قال: " نودي " (٢) أهل حضرة المسجد، وأهل العوالي
من الأنصار؛ فقال أهل حضرة المسجد: نحن أعظم أجرًا منكم، لقربنا من
النبي ﷺ لا يفوتنا معه صلاة، ونحن محدثوه، وقالت الأنصار من أهل
العوالي: نحن أعظم أجرًا منكم لبعدنا من المسجد، ولا يرغبنا إليه إلا حب
رسول الله ﷺ والصلاة معه ". وحديثه: " فأتيته في البحر والبر فبينما هم
يتدارون اطلع عليهم النبي ﷺ ، فسلم عليهم فقصوا عليه القصة، فقال:
الأبعد فالأبعد أعظم أجرأ، وذلك أن الرجل إذا توضأ في بيته وأحسن الوضوء
وأكمله ثم خرج إلى المسجد لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة،
ومحا عنه سيئة، وإذا دخل المسجد لم يزل في صلاة حتى يخرج أو
يحدث " (٣) . أنبأ به الشيخ المسند الفقيه أبو الثور بن عبد القوي قال: أنبأ أبو
الحسن علي بن المحمودي أنبأ الحافظ أبو طاهر البغوي قراءة عليه أنبأ أبو
مسعود محمد بن عبد الله السودرجاني أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
محمد الجبال أنبأ أبو محمد عبيد الله بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه أنبأ أبو
موسى عيسى بن إبراهيم أنبأ آدم، وحديث ابن عمر يرفعه: " لأنا على أمتي
في غير الخمر أخوف عليهم من الخمر، سكن البادية، وترك المساجد،
والذكر ". ذكره ابن يونس في تاريخه/عن عاصم بن رواح ثنا زكريا بن
стр. 1325
يحيى بن أبان ثنا مسكين بن عبد الرحمن وخالد بن حميد عن أبي مالك
يحيى عن واهب بن عبيد الله المعافري عنه، قال: ورواه محمد بن المغيرة عن
واهب موقوفًا على ابن عمر، ورواه مسلم في صحيحه عن الحلواني عن أبي
برمة ثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد سمع أبا سلام حدثنى الحكم بن مينا
أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدّثاه … فذكره بلفظ: " الجماعات ". قال
البيهقي: ورواه أبان عن يحيى عن زيد بن سلام عن الحضرمي عن الحكم
وخالفه الدستوائي فرواه عن يحيى أن أبا سلامة حدّثه عن الحكم أنه حدثه،
قال: ورواية معاوية عن أخيه زيد أولى أن تكون محفوظة. انتهى كلامه.
ويفهم منه أن أبان بن يزيد رواه بلفظ: " الجماعات " بالإسناد المذكور عنده،
وليس كذلك لا.
ذكره أبو بكر الإسماعيلي أنبأ الفرياني أنبأ عمران بن موسى ثنا عثمان بن
أبي شيبة ثنا عفان وأنبأ أبو يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا يحيى بن إسحاق البجلي ثنا
عمرو بن محمد ثنا عفان قال: أنبأ أبان بن يزيد العطار لفظ العرياني ثنا يحيى
عن زيد عن أبي سلام عن الحكم عنهما عن ابن عمر وابن عباس بلفظ:
" الجماعات "، قال الشيخ: لم يكن في حديث عمرو في الرفع عن أبي سلام
ولم تكن قوته صح، وقال أبو حاتم في علله: والحضرمي رجل من أهل المدينة
وليس لرواية أبي سلام عنه معنى، وإنما يشبه أن يكون يحيى لم يسمعه من
زيد فرواه عن الحضرمي عن زيد، فوهم الذي حدث به حدثنا عثمان بن
إسماعيل الهذلي الدمشقي ثنا أبو لبيد بن مسلم عن أبي ذئب عن/الزبرقان بن
عمرو الضمري عن أسامة بن زيد قال رسول الله ﷺ : " لينتهين رجال عن
ترك الجماعات، أولا حرقن بيوتهم " (١) . هذا حديث إسناده منقطع فيما بين
أسامة والزبرقان. قاله أبو القاسم بن عساكر والشيخ ضياء الدين في أحكامه،
стр. 1326
ويوضحه لي في تاريخ البخاري الكبير زبرقان بن عمرو بن أمية الضمري،
روى عنه ابن أبي ذئب، قال جعفر بن ربيعة: الزبرقان بن عبد الله بن
عمرو بن أمية عن أبيه، وقال لي إسحاق: أنبأ عبد الصمد ثنا شعبة عن عمرو
سمع الزبرقان سمع عروة عن زيد بن ثابت، وعن أبي داود عن ابن أبي ذئب
عن زبرقان عن زهرة كنّا عند زيد فقال: هي الظهر- يعني الصلاة الوسطى-
فأرسلوني إلى أسامة بن زيد فقال: حي الظهر. وقال هشيم: حدّثنا صدقة عن
ابن أبي ذئب عن الزبرقان بن عمرو بن أمية الضمري عن زيد بن ثابت
وأسامة نحوه، وقال آدم: ثنا ابن أبي ذئب ثنا زبرقان الضمري نحوه وروى
يحيى بن أبي بكير عن ابن أبي ذئب نحوه وفي الباب حديث أنس بن مالك
أنّ النبي ﷺ قال: " أن رجلًا لو دعى النّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه،
وهم يدعون هذه الصلاة في جماعة، فلا يأتوها، لقد هممت أن آمر رجلًا
يصلى بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارًا، فإنه لا يختلف عنها إلا
منافق " (١) . قال أبو القاسم في الأوسط: ورواه عن إبراهيم بن حاتم ثنا
جويرة بن أشرس ثنا حماد عن ثابت عنه ولم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا
حماد بن سلمة، وحديث أبي الدرداء من عند أبي داود مرفوعًا: " ما من
ثلاثة في قرية ولا بدو ولا تقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ/عليهم الشيطان،
فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " (٢) . وحديث ابن عمر
يرفعه: " الجماعة على من سمع الأذان " (٣) . ذكره ابن عدي من حديث
محمد بن سعيد المصلوب، وهو متروك، وفي كتاب البيهقي من حديث أبي
إسحاق عن الحرب عن علي: " من سمع النداء من جيران المسجد وهو
صحيح من غير عذر فلم يجب، فلا صلاة له " (٤) . قال البيهقي: وقد روى
стр. 1327
من وجه آخر مرفوعًا وهو ضعيف، وحديث أبي موسى قال- ﵇:
" من سمع النداء فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له " (١) . رواه أبو نعيم
عن يحيى بن عبد الحميد ثنا قيس عن أبي حصين عن أبي بردة عنه خرجه
الحاكم (٢) مصححًا له. وحديث عمر بن الخطاب وأبي بن كعب مرفوعا:
" إن الله تعالى يتعجب من الصلاة في الجميع " (٣) . ذكره ابن عدي، وضعفه
بحماد بن قيراط وغيره. وحديث حارثة بن النعمان من عند الكشي من
طريق مولى عفرة يرفعه: " يخرج الرجل في عتمة فلا يشهد الصلاة حتى
يطبع على قلبه " (٤) ، وذكر حديثَا طويلا. وحديث أبي زرارة الأنصاري أن
النبي ﷺ قال: " من سمع النداء ثلاثَا فلم يجب كتب من المنافقين " (٥) .
ذكره أبو يعلى عن أبي خيثمة ثنا يحيى بن إسحاق ثنا أبان عن يحيى بن أبي
ذئب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، وحديث أبي الزبير عن جابر
قال ﵇: " لولا شيء لأمر رجلَا يصلى بالنّاس لحرقت بيوتا على ما
فيها " (٦) . ذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح المشكل. وحديث أبي هريرة
يرفعه: " من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر " (٧) . ذكره
الحافظ أبو أحمد في كامله / من حديث سليمان بن داود قال: وليس بشيء
عن يحيى بن أبي كثير عن أبي مسلمة عنه، قال أبو سليمان الخطابي: قوله:
стр. 1328
" بلا ومنى " هكذا يروى في الحديث والصواب: " لا يلائمني " أي: لا
يوافقني ولا يساعدني على حضور الجماعة، قال أبو ذؤيب:
أبا الحسك لا يلائم مضجعا … إلا أقص عليك ذاك المضجع
فأمّا الملاومة فإنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه قال الله تعالى.
(فأقبل بعضهم ملى بعض يتلاومون) (١) . وقال أبو موسى: أصله الهمز لا
يلائمني، وقال السكري: يلائم يوافق وبلا رق يقال التأم الجرح، ويقال: التأم
أمر بنى فلان، قال الحطيئة:
وهم جبروني بعد فقر وغيره كما لأم العظم الكسير جبائر
وفي الصحاح: لا يقال: يلائمني. والرخصة والرخصة لغتان حكاهما ابن
سيده في معجمه، فال: رخّص له في الأمر أذن له فيه بعد النهي عنه، ولما
شرح كتاب الإصلاح لأبي يوسف بن السكيت حكى عن صاحب العين:
الرخصة: ترخيص الله للعباد أي: لتسهيله في أشياء خفَّقها عليهم يقول:
رخصت له في كذا، أي أذنت له فيه بعد تهيي إيّاه عنه، قال: والودع الترك،
وقد ودعه وادعة، وقال شمر: زعمت الغوية أنّ العرب أماتوا مصدر وماضيه،
قال الهروي: والنبي ﷺ أفصح، قال أبو محمد ابن حزم: ولا يجزئ صلاة
فرض أحدا من الرجال إذا كان بحيث يسمع الأذان أن يصليها إّلا في المسجد
مع الإمام، فإن لعمّد ترك ذلك بلا عذر بطلت صلواته، وإن كان بحيث لا
يسمع الأذان فعرض عليه أن يصلى في جماعة مع واحد فصاعد / ولابد فإن
لم يفعل فلا صلاة له، إّلا أن لا يجد أحدا يصليها معه فتجزئه حينئذ إّلا من
له عذر. وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم عن أبي موسى. " من سمع النداء
فلم يجب فارغا صحيحا فلا صلاة له) (٢) . وعن ابن مسعود أنه كان يقول:
جار المسجد إذا سمع وليس له علة، ثم لم يجب فلا صلاة له، وعن عائشة.
من سمع المنادي ثم لم يجبه، فلم يرد خيرا أو لم يرد به، وفي كتاب ابن
стр. 1329
زنجوية عن معاذ: لإِن أصلّي في جماعة أحبّ إلي من أن أصلّي الدّهر
وحدي، وذكر صاحب التحفة الحنفي عن محمد بن الحسن: الجماعة واجبة،
وقد سمّاها بعض أصحابنا سنة مؤكّدة؛ وهما سواء، وفي المقيد: هي واجبة،
وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة، وفي البدائع: يجب على الرجال البالغين،
العقلاء، الأحرار، القادرين عليها من غير حرج فإذا فاتته لا يجب عليه الطلب
في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا؛ لكن إن أتى مسجدًا يرجو أدراكها
فيه فحسن، وإن صلّى في مسجد حيّه فحسن، وذكر سرف الأئمة إن تركها
بغير عذر يوجب التعذير ويأثم الجيران بسكوتهم عنه، زاد شمس الأئمة
السرخسي ولا تقبل شهادته وإنّ اشتغل بتكرار اللغة، حتى فاتته لا بعذر
وبتكرار الفقه ومطالعة كتبه بعذر، ولا أكثر أنها سنة مؤكدة ولو تركها أهل
ناحية أثموا ووجب قتالهم بالسلاح وفي شرح خواهر زاده: هي سنة مؤكدة
غاية التأكيد، وقيل: فرض كفاية، وبه قال الطحاوي والكرخي وغيرهما،
وقال الإِمام أحمد: هي واجبة وليست بشرط، وفي كتاب الجواهر عن مالك:
هي سنة مؤكّدة وليست بواجبة إّلا في الجمعة، وحكى القاضيان أبو الوليد
وأبو بكر عن بعض شيوخهم أنّها فرض/كفاية، وحكى الإِمام الشافعي في
كتاب الأم أنها فرض كفاية، وحكى الرافعي أنها فرض عين ليست شرطًا
لصحّة الفرض، وبه قال ابن خزيمة وأبو بكر بن المنذر، قال النووي رحمه
الله: وقيل أنه قول الشّافعي، وهو الصحيح من قول أحمد، وقول الآخر: لا
تصح الصلاة بتركها فإن ذكر حديث: يفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ،
وصيغة " أفضل " تقتضى الاشتراك في الفضل وترجيح أحد الجانبين، ومالا
يصح فلا فضل فيه ولا يجوز أن يقال: قد يستعمل بمعنى الفاضل لما عرف في
كتب النحو أن ذلك على سبيل البذور عند الإطلاق لا عند التفاضل بزيادة
عدد، ويؤيّده ما في بعض طرقه: " يزيد أو يضاعف على صلاته وحده " فإنّ
ذلك محمول على صلاة المعذور الفذّ؛ لأنه ذكر الفذّ بالألف واللام المفيدة
للعموم، فيدخل تحته كل فذّ من معذور وغيرها يؤيّده قوله: " أو في سوقه "؛ إذ
العليل لا يكون في السوق غالبا، وعلى تقدير ذلك فصلاة المعذور أجرها
كصلاة الصحيح قال ﵇: " إذا كان العبد يعمل عملًا ثم مرض أمر
стр. 1330
اللًه ملائكته أن تكتب له أجر عمله " (١) في ذكر البخاري: أجيب بأن
المفاضلة لا تمنع أن تقع في الواجبات أنفسها؛ أي أنّ صلاة الجماعة في حق
من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في من سقط عنه وجوب صلاة
الجماعة لكان العذر بتلك الدرجات المذكورة، وهذا الجواب سبق ردّه ولله
الحمد، وزعم المهلب أن التحريق أريد به المنافقين، وإليهم يوجّه الوعيد محتجا
بقوله: " لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقًا، قال. وليس هذا من صفات المؤمن،
وبنحوه/قاله البيهقي عن الشافعي. رأى ذلك ابق حزم وابن بطال، واستدل
بعضهم به على أنّ الجماعة ليست فرض عين، ولو كانت فرضًا لما تركهم،
وزعم بعضهم أنّ هذا كان أوّل الإِسلام حيث كانت العقوبة في المال،
وأجمع العلماء على نفي عقوبة التحريق في غير المتخلف عن الصلاة والعمال
في العتيمة جواز، وبه أخد أهل الجرائم على أنّ فيه دليل على أنّ تارك
الصلاة متهاونًا، يقتل على قول من يقول: إنَّ الخطاب للمؤمن، وأمّا حديث
ابن أم مكتوم فزعم بعضهم أنه مؤذنا ومستخلفَا على غير ما عزوه، ولأنه
رخّص لغيره ولم يرخّص له؛ قلنا قد تأوّله أبو بكر بن خزيمة والحاكم والبيهقي
وأبو بكر بن إسحاق الفقيه وأبو سليمان- رحمهم الله تعالى- على أنه لا
رخصة لك إن طلبت فضل الجماعة وإنك لا تحوز أجرها مع التخلف عنها
بحال، وقال ابن المنذر: يحتمل أنه كان في الجمعة لا في الجماعة، وقيل:
كان ذلك أول الإسلام حين أتى غيب في الجماعة وسد الباب على المنافقين
في ترك حضورها، وقيل: لعلّه كان بمن يتصرف في أمر دنياه دون قائد
ككثير من العميان. انتهى. أمّا قوله في الجمعة فغير ذلك؛ لأن من قدر على
الجماعة (٢) بطريق الأولى، وأما قوله: لعله ممن كان يتصرف في أمر دنياه
فكذلك أيضًا؛ لأنّ من استطاع المجيء في الليل قبل الناس ليؤذِّن دليل على
كثرة تصرفه، والذي يظهر من هذا أنه رجل من المهاجرين الفقراء الذين لم
يألفوا المدينة ولا أملتها فيوهم أن ذلك يكون عذرًا له في التخلّف عن
стр. 1331
الجماعة، فلما استقر قراره وألِف أمكنتها صار متصرفا بنفسه ومؤذنَا لا/
يحتاج إلى تأيد ولا غيره، وأمّا ترخصيه لعتبان فظاهره أنّه بعد هذا وأنّ له
أعذار منها السمن المفرط والسيل والريح الذي قال بنحوه ابن أم مكتوم غير
ملتبس ما- والله تعالى أعلم- وفي المشكل للطحاوي: اختلف أهل العلم؛
فقالت طائفة منهم بوجوب حضور الجماعة على الضرير كوجوبها على
الصحيح، وجعلوه لمن لا يعرف الطريق فلم يعذر بجميل، وعذره آخرون،
وقد روى القولان جميعَا عن أبي حنيفة؛ غير أنّ الصحيح عندنا عنه هو
وجوب حضورها عليه وإلى ذلك كان يذهب محمد، ولا يحكى فيه خلافَا
بينه وبين أحد من أصحابه.
***
стр. 1332
١٣٥- باب صلاة العشاء والفجر في جماعة
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا الأوزاعي ثنا يحيى بن أبي
كثير حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " لو يعلم الناس ما في
صلاة العشاء، وصلاة الفجر، لأتوهما ولو حبواً " (١) . هذا حديث إسناده
صحيح على شرط الشيخين، وإن كان ابن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا
زرعة عن حديث رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم
عن عيسى بن طلحة عن عائشة عن النبي ﷺ : " لو يعلم المتخلفون … "
الحديث، قال أبي: ورواه أبان وشيبان عن يحيى عن محمد بن إبراهيم عن
عيسى عن عائشة عن النبي ﷺ ، وقال أبو زرعة: أشبه عندي عن نحيس،
وأخاف أنّ عيسى إنما صحّف فيه وأراد نحيس يكتب لأبي زرعة أنّ مسلم ابن
إبراهيم روى/عن أبان عن يحيى عن محمد عن عيسى قال: أخاف أن يكون
غلط مسلم ثنا أبو مسلمة عن أبان عن يحيى عن محمد عن نحيس وهذا
أصح من حديث مسلم. انتهى. إذا سلم لم يقوله فغير ضار؛ لأنّ نحيس بن
أبي موسى المدني الداخل بيتهما يخرج مسلم حديثه في صحيحه فلا ضرر في
دخوله وإبداله بعيسى لكونهما تعيين، فأمّا ما كان صحّ نفاه الحديث لكنّه
يتعرضه علّة أخرى؛ وهي ما ذكره أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن
الأوزاعي، قال: رفع أبو يحيى بن أبي كثير صحيفة وقال: أروها عني بنظر.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة قال رسول الله ﷺ : " إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء
وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا " (٢) . هذا حديث
стр. 1333
خرجاه في صحيحه. حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا إسماعيل بن عياش عن
عمارة بن غزية عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي- صلى الله
عليه وآله وسلم- أنه كان يقول: " من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة،
لا تفونه الركعة الأولى من صلاة العشاء، كتب الله له عتقًا من النّار " (١) . هذا
حديث في سنده ضعف؛ لمكان ابن عياش؛ ولأن شيخه هنا ليس ثابتَا، ومن
طريقه رواه سعيد بن منصور، وفي سننه قال أيضَا: غير أنّ النسخة التي عندنا
الظهر، وفي كتاب العلل لأبي الحسن: " من صلى في مسجدي جماعة
أربعين يومًا لا تفوته الركعة الأولى من صلاة الصبح " (٢) . قال أبو الحسن
وعمارة: لا يعلم له متابعًا من أنس، وتابع ابن عياش محمد بن إسحاق،
ورواه يحيى بن أيوب عن عمارة عن رجل عن/أنس، وفي الأوسط من
حديث الحكم بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي الرجال عن نبيط بن عمر
عن أنس بلفظ: " من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتب
له براءة من النار ونجاة من العذاب " (٣) . وقال: لم يروه عن أنس إلا نبيط.
تفرد به ابن أبي الرجال. انتهى كلامه. وفيه نظر إن أراد أصل الحديث؛ لما
ذكرناه ولما يأتي بعد، وإن أراد أصل الحديث اللفظ فقريب وفي كتاب
المروزي: ألقيت على أبي عبد الله يعلى عن سفيان عن عاصم عن أنس
стр. 1334
مرفوعا: " من صلى أربعين صلاة مكتوبة يدرك التكبيرة الأولى مع الإمام كتب
له براءة من الشرك وبراءة من النار " (١) ، فأنكره وقال هذا من قبل يعلى، ما
أكثر ما كان يغلظ على سفيان، ولما ذكره الحافظ أبو سعيد محمد بن علي
بن مهدي النّعاس في كتاب الموضوعات من حديث إسحاق بن يزيد القرشي
عن سفيان عن خالد بن عمير عن أنس بلفظ. " من لم تفته الركعة الأولى
من صلاة الغداة أربعين ليلة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة "، قال:
إسحاق بن يزيد مجهول لا أدري أهو رفعه أم غيره، وزعم الدارقطني أن أبا
العلاء خالد بن طهمان الكوفي رواه عن حبيب بن أبي عميرة الإسكافْي عن
أنس، واختلف عن أبي العلاء؛ فقيل: عنه عن حبيب بن أبي ثابت ومن قال
ذلك عنه فقد وهم. كذا قاله قيس بن الربيع وعطاء بن مسلم وهما في نسب
حبيب، وفي سؤالات عبد الله: سألت أبي عن حديث حدّثنا خلف بن هشام
البزار، ثنا عيسى بن ميمون عن عون بن أبي شدّاد عن أبي عثمان النهدي
عن سلمان الفارسي قال: سمعت النبي- ﵌ يقول:
" من غدا إلى صلاة/الصبح أعطى ربع الإيمان … " (٢) . الحديث، فقال: هذا
حديث منكر، وفي كتاب ابن زنجوية: ثنا الخضر بن محمد حدثني هشيم أنبأ
بشر حدثنى أبو عمير بن أنس قال: حدثنى عمومة لي من الأنصار من
أصحاب النبي- ﵌ أن رسول الله صلى اللَه عليه
وسلم- كان يقول: " ما شاهدهما منافق " يعني: العشاء والفجر، وقْي
صحيح مسلم عن جندب يرفعه: " من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه " (٣) .
فانظر يا ابن آدم لا يطالبنك اللَّه عن ذمة بشيء، وفي كتاب السنن للبيهقي
عن عبد الرحمن بن حرملة أن رسول اللَّه- ﵌ قال:
стр. 1335
" بيننا وبن المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونها " (١) ، وعن ابن
عمر قال: " كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والفجر أسأنا به الظن " (٢) ،
وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه- ﵌: " لو يعلم
الناس ما في شهود العتمة ليلة الأربعاء لأتوها ولو حبوا " (٣) . رواه في
الأوسط، وقال: لم يروه عن هشام إلا زكريا بن منظور. تفرد به عتيق بن
يعقوب الزبيري، وعن أبي الدرداء مرفوعًا: " من استطاع منكم ليشهد
الصلاتين العشاء والصبح ولو حبوا فليفعل " (٤) . رواه أبو القاسم في الكبير من
حديث رجل من النخع عنه.
***