انتهائه وهو المنصوص، وقيل: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال
اليدين، وقيل: يرفع بلا تكبير ثم يكبّر ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وهذا
مصحح عند البغوي، وقيل: يبتدئ بهما معًا، وينتهى التكبير مع انتهاء
الإرسال، وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء،
وهذا مصحح عند الرافعي.
وزعم ابن بطال: رفعهما، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل. حكمته أن
يرى الأصم دخوله في الصلاة، والتكبير أن يسمعه الأعمى/فيعلم بالدخول في
الصلاة، وقيل: الفساد، وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى
الصلاة، ويكبّر من واحدة، وقالت الرافضة: ثلاًثا، واختلف في المكان الذي
يصلى فيه يرفع يديه، فذكر ابن عبد البر اختلف عق النبي- صلّى الله عليه
وآله وسلم- وعن أصحابه في كيفية الرفع، فروى عنه الرفع مدًا فوق الأذنين
مع الرأس، وروى أنه كان يرفع يديه حذاء أذنيه، وروى أنه كان يرفعهما
حذو منكبيه، وروى أنله كان يرفعهما إلى صدره، وكلها آثار محفوظة
مشهورة، وفي هذا دلالة على التوسعة.
وقال صاحب المحيط: حذاء أذنيه حتى يحاذى بإمهاميه شحمتيها،
وبرؤوس أصابعه فروع أذنيه، وقال الشافعي والإمام أحمد، ومالك، وإسحاق:
حذو منكبيه، وقال النووي: يريد يحاذى راحتاه منكبيه، وهكذا قاله المنوفي
والبغوي وغيرهما، وأمّا قول الغزالي قْيه: ثلاثة أقوال: فلا يعرف لغيره، ونقل
إمام الحرمين قولن آخرين:
الأول: يرفع يديه حذو المنكبين.
والثاني: حذو الأذنين وفيه غرابة، وقال ابق قدامة: هو يخيّر في رفعهما
إلى فروع أذلْيه أو حذو منكبيه، وفي كتاب أبي داود بسند ضعيف عن
طاوس: كان يرفع يديه حتى يجاورْ بهما رأسه، وقال. رأيت ابن عباس يصنعه
ولا أعلم أنّه قال: كان ﵇ يصنعه. قوله: ولا يقنع أي: ولا يرفع
رأسه حتى تكون أعلا من ظهره، وقد أقنعه يقنعه إقناعًا، وفيه قوله تعالى:
стр. 1367
(مقنعي رءوسهم) (١) ، أي: رافعي رؤوسهم، وقال نفطويه: يقال: أقنع
برأسه إذا نصبه لا يلتفت يمينا ولا شمالًا، وجعل طرفه مواريا لما بين/يديه،
وقوله: أقنخ بالخاء المعجمة أي: ينصبها، ولعمر موضع المفاصل منها وبيتها إلى
باطن الرجل فيوجهها نحو القبلة.
وقال الأصمعي: أصل الفتح اللين، ومنه قيل للعقاب: فخا؛ لأنها إذا
انحطت كسرت جناحيها، وقال أبو العباس: فتح أصابعه أي ثنّاها، وقوله:
هصر ظهره، أي: ثنّاه وعطفه للركوع، وأصل الهصر أن يأخذ برأس العود
فيثنيه لليد ويعطفه، وقوله صالح نحوه أي: غير مبرز صفحه حدّه ولا مائل
في أحد الشقين.
стр. 1368
١٣٨ - باب الاستعاذة في الصلاة
حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة
عن عاصم العنزي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه قال: " رأيت رسول الله-
﵌ حين دخل في الصلاة قال: " اللَّه أكبر كبيرًا
ثلاثا، الحمد للَّه كثيرًا، سبحان اللَّه بكرة وأصيلًا ثلاث مرات: اللهم إنّى أعوذ
بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ". قال عمرو: همزه الموتة
ونفخه الكبر ونفثه الشعر " (١)،
هذا حديث أخرجه أبو داود عن ابن جبير بلفظ قال عمر: ولا أدرى أي
صلاة هي، وفي رواية مسعد عن رجل عن نافع بن جبير عن أبيه، قال:
سمعت النبي- ﵌ يقول في التطوع نحوه، كذا هو
في رواية اللؤلؤي وابن داسة وابن العبد، وذكره ابن عساكر في كتاب
الإشراف في ترجمة محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، وليس الحديث عند
غير من ذكرناه إنما هو عند أبي داود وابن ماجة/، وليس فيهما إلّا ما ذكر
آنفا، وكذا ذكره أحمد في مسنده كذا رواه عن يحيى بن سعيد عن مسعر،
حدثنى عمرو عن رجل عن نافع عن أبيه وعن وكيع ثنا مسعر عن عمرو عن
стр. 1369
رجل من غيره عن نافع بن جبير فذكره، ولما ذكره البزار في كتاب السن
تأليفه عن ابن مثنى وعمرو بن علي، ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو
عن عاصم العنزي عن ابن جبير، وثنا علي بن المنذر ثنا محمد بن فضيل ثنا
حصين عن عمرو عن عباد بن عاصم العنزي عن ابن جبير بن مطعم، قال:
وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي- ﵌ إلّا
جبير بن مطعم،. ولا نعلم له طريق إلّا هذا الطريق.
وقد اختلفوا في اسم العنزي الذي رواه عن نافع فقال شعبة: عن عمرو
عن عباد بن عاصم، وقال زائدة: عن حصين عن عمرو عن عمار بن عاصم،
والرجل ليس بمعروف، وإنما ذكرناه؛ لأنه لا يروى هذا الكلام غيره عن نافع
ابن جبير عن أبيه ولا عن غيره يروى أيضًا عن النبي، ﵇، وقال
البغوي: ثنا يزيد أنبأ شعبة عن عمرو عن عاصم عن نافع بن جبير به، وثنا
يعقوب عن إبرا هيم ثنا حصين بن عبد الرحمن عن عمار بن عاصم عن نافع
عن أبيه، قال: سمعت النبي- ﵌ حين افتتح صلاة
الصبح قال: الحديث، وكذا ذكره البيهقي وأبو القاسم الطبراني وغيرهم، ولو
قدرنا أن واحدَا من الأئمة ذكره في ترجمة محمد لما كان مخلصًا له؛ لأنه لا
يذكر شيئًا من خارج إلّا أن يكون مستدركًا فنبيّنه، والله أعلم.
وذكره أبو محمد في كتابه المخلي/مصححًا من حديث نافع عن أبيه،
وذكره أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه عن عمر بن محمد الهمداني،
ثنا ابن بشار بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو عن عاصم العنزي عن ابن جبير،
وفرق في كتاب الثقات عن عاصم بن عمير العنزي الراوي عن أنس، والراوي
عنه محمد بن أبي إسماعيل وعمرو بن مرّة، وبن عاصم العنزي المذكور في
الطبقة الثانية الراوي عن نافع بن جبير، فقال ابن مطعم عن أبيه: " كان
النبي- ﵌ إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر " (١) .
قال شعبة: عن عمر وعاصم العنزي، وقال مسعد: عن عمرو عن رجل من
بني عنزة، وقال ابن إدريس: عن حصين عن عمرو عن عباد عن عاصم عن
стр. 1370
نافع، وقال عماد بن العوام: عن حصين عن عمرو عن عامر بن عاصم عن
نافع، وهو عند ابن عياش: عن عبد الله بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب
عن عبد الرحمن بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه بطوله، وفي نسخة: وهو
عندي عياش: عن عبد العزيز بن عبيد اللُّه بن حمزة بن صهيبة، وخرجه ابن
الجارود في منتقاه، وقال ابن خزيمة: وقد روى عن جبير أن النبي- صلّى الله
عليه وآله وسلّم-: " كان إذا افتتح الصلاة … " الحديث.
إلا أنهم قد اختلفوا في إسناد خبر جبير، وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم
مجهولان لا يدرى من هما، ولا نعلم الصحيح ما روى حصين أو شعبة،
وقال الحاكم: وذكره من حديث وهب عن نافع حديث الإسناد، ولم
يخرجاه، حدّثنا علي بن المنذر، ثنا بن فضيل ثنا عطاء بن السائب عن أبي
عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود عن النبي- صلّى الله/عليه وآله وسلّم-
قال: " اللهم إنّى أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ونفثه " (١) .
قال: " همزه الموتة، ونفئه الشعر، ونفخه الكبر "، هذا حديث خرجه ابن
خزيمة في صحيحه عن يوسف بن عيسى المروزي ثنا ابن فضيل، ولما رواه
البيهقي قال: قال عطاء: فهمزه: الموتة … إلى آخره، ولما رواه الحاكم عن عبد
اللَّه بن محمد بن موسى، ثنا محمد بن أيوب أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن
فضيل قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فقد استشهد البخاري بعطاء وكذا
قاله في المدخل: روى هشيم عنه عن سعيد بن جبير في أول ذكر الحوض،
والذي يقوله الكلاباذي أنّ البخاري ذكره مقرونا، وقال ابن سرور: روى له
محمد ومسلم في المتابعات، وفي كتاب أبي داود من حديث حميد الأعرج:
عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وذكرت حديث الإفك قالت: " فجلس
النبي- صلّى اللَّه عليه واله وسلّم-ولفّ وجهه وقال: أعوذ بالله السمع
العليم من الشيطان الرحيم (إن الذين جاؤوا بالإفك … ) الآية " (٢) .
стр. 1371
ثم قال: هذا حديث منكر، وقد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة لم
يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة منه كلام
الحميد، وفي كتاب البيهقي من حديث ابن أبي يحيى: " أنّ أبا هريرة أمّ
الناس، فرفع صوته " ربنا إنّا نعوذ بك من الشيطان الرجيم " في المكتوبة إذا
فرغ من أمّ القرآن "، قال الشافعي في روايتنا عن أبي سعيد: وكان ابن عمر
يتعوّذ في نفسه، وأيهما فعل أجزأه، وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أمّ
القرآن، وبذلك أقول. وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان / الرجيم، وأي
كلام استعاذ به أجزأه، قال: ويقول في أول ركعة. وقد قيل: إن قاله حين
يفتتح كل ركعة قبل أمّ القرآن فحسن، ولا أمر به في شيء من الصلاة أمرني
به في أوّل ركعة.
قال البيهقي: وروينا عن الحسن وعطاء وإبراهيم بقوله: في أؤل ركعة.
وعن ابن سيرين أنه كان يستعيذ في كل ركعة. زاد ابن حزم: لا نعلم لهؤلاء
التابعين مخالفًا، وأبو حنيفة يستحبها في أوّل ركعة فقط، وقال ههنا: عن
أحمد ثنا هشيم عن ابن أبي ليلى عن الشعبي قال: ليس من خلف الإمام
استعاذة، فقال أحمد: لا نعرف هذا إلّا على الشعبي، ولم يسمعه هشيم من
أبي ليلى، وأما المونه- بلا همز- فزعم ثعلب: أنها ضرب من الجنون، وفي
الكتاب الراعي: هي بنى بأخذ الإنسان شبه السيئات وليس يحيق صاحبه،
وقال العيزار: الموته والموانه الجنون، وقال اللحياني في نوادره: هي الغشي، زاد
ابن سيده: لأنه يحدث منه سكوت كالموت. وقال أبو النصر: ضرب من
الجنون والصرع يعترى الإنسان، فإذا أفاق عاد له كمال عقله كالنائم
والسكران، واللَّه أعلم.
ولما ذكر البزار حديث ابن عباس بمثل حديث جبير من طريق رشدين، قال
أبو حمزة: فالذي ويسوسه في الصلاة، وأمّا نفثه فالشعر، وأمّا نفخه فالذي
يلقيه من الشبه يعني في الصلاة ليقطع عليه صلاته أو على الإنسان صلاته،
قال عبد اللطيف بن يوسف: معنى أعوذ بالله: التجاء إلى اللَّه والتزام بالله.
стр. 1372
وأصل عاذ: لزم والتجأ، ومنه قيل للحم الذي يلزم بالعظم ويلزمه: عوذ، وهو
جمع عائذ مثل صائم وصوم، وقيل:/معناه: طلبت الإعادة. ذكره في كتابه
تفسير الفاتحة.
стр. 1373
١٣٩- باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن
قبيصة بن هلب عن أبيه قال: " كان النبي- ﵌
يؤمّنا فيأخذ شماله يمينه " (١) .
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم،
ورأى بعضهم وضعها فوق السرة، ورأى بعضهم وضعها تحت السرة، وكل
ذلك واسع عندهم. وفي كتاب أبي علي الطوسي: " رأيت النبي- صلّى الله
عليه وآله وسلّم- ينصرف عن سنته عن يمينه وعن يساره، ويضع يده اليمنى
على اليسرى ".
قال: ويقال: حديث هلب حسن صحيح، وذكر ابن حبان في صحيحه
عن أبي خليفة: ثنا الوليد ثنا شعبة ثنا همان، فذكر قصة الانصراف فقط
المذكورة عند ابن ماجة بعد هذا: وقال البغوي في شرح السنة: حديث
حسن. وقال الحافظ الصيرفي: وهو حديث صحيح. وقال ابن عبد البر:
وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فيها آثار ثابتة عن النبي- ﵇
منها: حديث هلب، وفي موضع أخر: هو حديث صحيح. وخالف ذلك ابن
المديني؛ فزعم أنّ قبيصة تفرد عنه بالرواية وهو مجهول، وهلب لم يرو عنه إلّا
ابنه، وهو لعمري كما قاله، لكن العجلي قال في كتابه: هو تابعي ثقة،
وذكره ابن حبان في الثقات مع تقدّم من صحح حديثه، فزالت عنه الجهالة-
واللَّه أعلم-. وفي مسند الإمام أحمد: " ورأيته يضع هذه على صدره " (٢) /.
ووصف يحيى بن سعيد: اليمني على اليسرى فوق المفصل. وفي كتاب
العسكري: يضع إحدى يديه على الأخرى- يعني: في الصلاة- وفي رواية
стр. 1374
عن قبيصة: " أنّ النبي- ﵇ كان يقبض بيمينه على يساره في
الصلاة وينصرف مرة عن يمينه ومرة عن شماله " (١) ، وهذه اللفظة عند
الطبراني مرفوعة، وفي رواية: " فرأيته حين وضع إحدى يديه على الأخرى
اليمنى على الشمال ". وعند البغوي: " يأخذ إحدى يديه بالأخرى في
الصلاة ". قال أبو حاتم الرازي: ومن قال في هذا الحديث يسلم عن يمينه
وعن يساره فغير صواب؛ إنّما هو يتقبل.
حدثنا علي بن محمد ثنا عبد الله بن إدريس ثنا بشر بن معاذ الضرير ثنا
بشر بن المفضل قالا: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال:
" رأيت النبي- ﵌ يصلى فيأخذ شماله بيمينه " (٢) .
هذا حديث خرجه مسلم (٣) في صحيحه بلفظ: " رأى النبي- صلّى اللَّه
عليه وآله وسلّم- رفع يديه حين دخل في الصلاة ضعهما حيال أذنيه، ثم
التحف ثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه
من الثوب ثم رفعهما، ثم كبّر فرفع فلما قال: سمع الله لمن حمده؛ رفع
يديه، فلما سجد سجدتين … ".
وعند أبي داود (٤) : " إذا أراد أن برفع رأسه من الركوع رفع يديه ". وقال:
هذا الحديث رواه همام عن ابن حجارة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود،
وعنده: " ثم وضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم
جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب يحرِّك
أيديهم تحت الثياب وسيأتي/الكلام مع أبي داود، إن شاء اللَّه تعالى.
وفي صحيح ابن خزيمة (٥) : " ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها "، وفي
стр. 1375
رواية: " ووضع يده اليمنى على اليسرى على صدره "، وفي رواية: " ثم وضع
يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد ".
وعند البيهقي (١) : " والرسغ في الساعد "، وفي رواية: " قبض بيمينه على
شماله "، ووثق رواية، وعند البزار: " ثم وضع يمينه على يساره عند صدره "
من حديث محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل عن أمه، ومحمد ضعيف،
وأمه مجهولة فيما ذكره ابن القطان، وعند البيهقي: وروينا في بعض طرق
حديث عاصم عن أبيه عن وائل عن النبي- ﵌ " ثم
وضعهما على صدره ". وهذه متابعة لمحمد صحيحة، واللَّه أعلم.
حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد اللَّه بن حاتم أنبأ هشيم أنبأ
الحجاج بن أبي زينب السلمي، عن أبي عثمان النهدي عن عبد اللَّه بن
مسعود قال: " مرّ بي النبي- ﵌ وأنا واضع يدي
اليسرى على اليمنى فأخذ بيدي اليمنى فوضعها على اليسرى " (٢) .
هذا حديث قال أبو عمر في الاستذكار: هو حديث ثابت. وذكره الأثرم
محتجا به. ولما خرجه النسائي (٣) قال: غبر هشيم أرسل هذا الحديث. وقال
مهنأ سألت أحمد عن الحجاج بن أبي زينب؟ فقال: منكر الحديث، يحدّث
عن أبي عثمان أن النبي- ﵌ مر بابن مسعود
فذكره، قلت: وهذا منكر؟! قال: نعم. ولما ذكره العقيلي قال: لا يتابع
على هذا، وقال الساجي: وذكره في كتاب الضعفاء، وحدّث عن أبي عثمان
النهدي حديثا لا يتابع عليه، كذا ذكره عنه ابن حزم، والذي ثابت/في كتابه
عن أحمد أخشى أن يكون ضعيف الحديث، وذكر هذا الحديث، ثم قال:
روى عنه الثوري. وفي العلل لابن عدي: وقد روى محمد بن الواسطي عنه
стр. 1376
عن أبي سفيان عن جابر: " مر رسول الله- ﵌
برجل قد وضع شماله على يمينه … مثله " (١) . وكلام الفسوي يفهم وليس
جيدا؛ لاُن أبا الحسن رواه عن ابن صاعد، ثنا عثمان بن خالد ثنا محمد بن
يزيد الواسطي عن الحجاج عن أبي محمد تضعيفه إيَّاه بأنَّ الحجاج ممن خرج
له مسلم معتمدا الرواية، وقال أبو أحمد بعد تصفح رواياته: أرجو أنّه لا بأس
به، وأمّا قول أبي محمد فيه: فليس بقوى فهو كلام النسائي في ذلك أنه ليس
أن يكون ضعيف الحديث، وهذا أيضا ليس به تضعيف، وأما قول العقيلي
فيعني به أن الحديث مرسل، أمّا حديث جابر، فلم يقل أبو محمد إثره شيئا
يعتمد فيه حين ذكره، ومحمد بن الحسن الواسطي أحد الثقات، روى هذا
الحديث عنه ابن معين، قال أبو أحمد ابن صاعد: ثنا الفضل بن شهاب ثنا
ابن معين فذكره، وقال الدارقطني: ثنا أحمد بن محمد ثنا ابن معين به،
فالحديث إذن صحيح أو حسن من الطريقين جميعًا، أعني طريق أبي عثمان
عن ابن مسعود، وطريق أبي سفيان عن جابر فاعلم. انتهى كلامه.
وفيه نظر لما أسلفناه من عند أحمد في الحجاج، وقال ابن عدي فيما حكاه
ابن الجوزي: ضعيف، وقال ابن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف، ورواه
غير أبي عثمان عن ابن لم مسعود، قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد ثنا علي بن
مسلم ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، حدثني بندار عن ابن أبي ليلى عن القاسم
ابن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود: " أن النبي- صلّى اللَّه عليه وآله
وسلّم- كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة " (٢) . وأما قول أبي القاسم في
الأوسط، وأنكر حديث جابر ولم يروه عن أبي سفيان إلا الحجاج ولا عن
الحجاج إلا محمد بن الحسن. تفرد به وهب بن بعته، ورواه هشيم عن
الحجاج عن أبي عثمان عن أبي هريرة، فيشبه أن يكون وهمًا لمتابعين معينين،
وهما كما تقدّم، وفي الباب حديث الحرث بن غضيف- أو عصيف- بن
стр. 1377
الحارث وله صحبة، قال: " ما نسيت من الأشياء فلم أنس أنني رأيت رسول
اللَّه- ﵌ واضعا يمينه على شماله في الصلاة " (١) .
ذكره الحافظ أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي في كتاب الصحابة
الذين نزلوا حمص الشام، وقال الخلال في علله عن عصمة: ثنا حنبل ثنا أبو
عبد الله، ثنا عبد الرحمن، ثنا معاوية- يعنى: ابن صالح- عن يوسف بن
سيف عنه قال: وقال أبو عبد الله: هذا إسناد شامي، وقال الدارقطني: يعني
أحمد بهذا أنه لم يرض إسناده؛ لاًن الحرث لا يعرف إلّا بهذا الحديث، ولا
نعلم يوسف بن سيف سمع منه أو لا، وفي تاريخ البخاري ما يدل على أنّه
ليس بصحابي فاٍنه قال: غضيف بن الحرث أبو أسماء السكوتي. قال عيسى
بن يونس عن أبي بكر بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد عن غضيف الثمالي،
يقال: نعته الثمالي، وقال ابن صالح عن أزهر بن سعد: سأل عبد الملك
عطيفا، وقال إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن سلم: أنه سأل عبد الملك بن
غضيف/ابن الحرث الثمالي، وقال معن عن معاوية عن يوسف بن سيف عن
غضيف أبو الحرث بن غضيف السكوني، وقال عبد الوارث: عن برد بن
سنان عن عبادة بن نسى عن غضيف بن الحرث سمع عمر وعائشة، وقال
الثوري: معتمر عن برد عن عبادة عن غضيف سمع عمر وعائشة، وقال بشار:
عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غضيف عن أبي عبيدة، وقال
الزبيدي: عن سليمان بن عامر عمن سمع غضيف بن الحرث عن أبي عبيدة،
وفرق أبو عمر في الاستيعاب بين غضيف بن الحرث، وعن عطيف الكندي
وبين غضيف بن الحرث الثمالي، وزعم أن الاضطراب في الأول، والذي بعده
كبير جدا، ومع ذلك فقد زعم في الاستذكار أن حديثه ثابت، ويشبه أن
يكون مسنده قول أبي حاتم وأبي زرعة فإنهما ذكرا أنّ له صحبة، وأبي ذلك
غيرهما، فإن ابن سعد لما ذكره في التابعين وصفه بالثقة، وقال العجلي: هو
تابعي ثقة، وقال عبد الرحمن بن حراس: لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة
من أهل الشام، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال أبو إسحاق
стр. 1378
الصيرفي: أدرك زمان النبي- ﵌ ويختلف في
صحبته، وروى عن عمر وبلال وأبي ذر وأبي الدرداء وعائشة وأبي حميصة
المزني، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعبادة ومكحول وابن سيف، وحديث
عبد اللَّه ابن عمر: أنه مر برجل في صلاة قد وضع يده اليسرى في الصلاة
على يمينه فقال له: إن رسول اللَّه- ﵌ قال: " لا
تفعل فعل قوم قد عذبوا " (١) .
رواه أبو القاسم في معجمه، وقال: لم يروه عن ابن عجلان- يعني: عن
نافع- إلّا إبراهيم بن إسماعيل تفرد به/فضالة بن يعقوب. وفي موضع آخر
مرفوعًا: " إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور،
ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة " (٢) .
رواه من حديث يحيى بن سعيد بن سالم القداح، ثنا عبد المجيد بن عبد
العزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع عنه، وقال: لا يروى عن ابن عمر إلّا
من هذا الوجه، وقال في الصغير: لم يروه عن نافع إلّا ابن أبي داود، ولا عنه
إلّا ابنه. تفرد به الفلاح. وحديث أبي إسحاق عن شدّاد بن شرحبيل، وسمَّاه
في موضع أخرى القيل كأنه لقيه قال: " رأيت النبي- صلّى اللَّه عليه وآله
وسلّم- ضرب بيده على شماله في الصلاة " (٣) .
وقال أبو القاسم: لم يروه عن أبي إسحاق إلا يوسف بن أبي إسحاق، ولا
عن يوسف إلا إبراهيم بن يوسف- تفرد به شريح بن سلمة- وحديث عائشة
стр. 1379
قالت: " ثلاثة من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى
على اليسرى في الصلاة " (١) .
رواه الدارقطني من حديث شجاع بن مخلد هيثم عن منصور أنبأ محمد
بن أبان الأنصاري عنهما. وحديث أبي هريرة قال ﵇: " أمرنا معاشر
الأنبياء أن نعجِّل الإفطار، ونؤخر السحور، ونضرب بأيماننا على شمائلنا في
الصلاة " (٢) .
رواه من حديث أبي وائل عن عطاء عنه، ومن حديث عبد الرحمن بن
إسحاق عن يسار بن الحكم عنه بلفظ: " وضع الكف على الكف في الصلاة
من السنة ". ومن هذه الطريق ذكره أبو داود في رواية ابن العبد، وقال: روى
حديث علي عن سعيد بن جبير فوق السرة. وقال أبو مجلز: تحت السرة،
وروى عن أبي هريرة وليس بالقوي. وحديث ابن عباس يرفعه: " إنَّا معاشر
الأنبياء أمرنا/أن نؤخر السحور، ونعجل الإفطار، وأن نمسك بأيماننا على
شمائلنا " (٣) .
رواه عن ابن السكن، ثنا عبد الحميد بن محمد ثنا مخلد بن يزيد ثنا
طلحة عن عطاء عنه، ورواه البيهقي من طريق عبد المجيد، وإنّما يعرف بطلحة
ابن عمرو، وليس بالقوى عن عطاء عن ابن عباس، ومرة عن أبي هريرة، ورواه
الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أحمد بن طاهر بن حرملة، ثنا حرملة
ابن وهم أخبرني عمرو بن الحارث سمعت عطاء به، وقال: لم يروه عن
عمرو إلّا ابن وهب، تفرد به حرملة، ورواه في الكبير: من حديث ابن عيينة
عن عمرو عن فارس عنه. وحديث أبي حميد الساعدي عن ابن حزم ووصف
стр. 1380
صلاة النبي- ﵌ فرفع يديه إلى وجهه، ووضع يمينه
على شماله. وحديث علي قال: " إن من السنة في الصلاة وضع اليمين على
الشمال تحت السرة " (١) ، ورواه الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن
إسحاق، حدثنى زياد بن زيد السوائي عن أبي جحيفة عنه، ومن حديث عبد
الرحمن أيضًا عن النعمان بن سعد عنه. زاد بن القطان: وزياد، وحاله مجهولة
وليس بالأعم، وقال البيهقي: لم يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن
الواسطي، وهو متروك. ورواه أبو داود من رواية ابن العبد عنه بلفظ: " السنة
وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة " (٢) .
وفي كتاب ثواب القرآن لأبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن يزيد بن
زياد بن أبي الجعد عن عاصم الجحدي عن عقبة بن ظهير عن علي:
" (فصلّ لربك وانحر) (٣) . قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة ".
زاد الدارقطني/عن عمر بن زرارة ثنا عبد العزيز بن حازم عن أبيه عن سهل:
" انه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة " (٤) . قال ابن حزم:
وروينا فعل ذلك عن ابن مجلز والنخعي وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون
وابن سيرين وأيوب السختياني وحماد بن سلمة، وهو قول أبي حنيفة،
والشافعي، وأصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأبي عبيد، والطبري،
وداود. وقال ابن الجوزي: هو مستحب عندنا، ولمالك روايتان:
إحداهما: كقولنا. والثانية: أنه غير مستحب إنما هو مباح، وفي المدونة:
يكره فعله في الفرض، ولا بأس به في النافلة إذا طال القيام، وقال أبو عمر:
رواية ابن القاسم عنه إرسال اليدين، وهو قول الليث، قال ابن بطال: ورأى
стр. 1381
ذلك ابن الزبير وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير.
قال أبو عمرو: وروى ابن نافع وعبد الملك ومطرف عن مالك، بوضع اليمنى
على اليسرى في الفريضة. قال أبو عمرو: هو قول المدنين، وأشهب، وابن
وهب، وابن عبد الحكم، وقال الأوزاعي: من شاء فعله، ومن شاء تركه،
وهو قول عطاء. وقال ابن القصار: وجه الكراهة أنّه عمل في الصلاة وربما
شغل صاحبه، وقد علم النبي- ﵇ الأعرابي فلم يأمره بذلك.
وقيل: خشية اًن يظهر بجوارحه من الخشوع ما لم يضمن، قال ابن بطال:
وربما دخله ضرب من الرياء.
وأمّا كيفية الوضع، فذكر الوتري الحنفي: يضع كفه اليمنى على كفه
اليسرى، وقيل: ذراعه الأيسر، والأصح: وضعها على المفصل. وفي
الاستصحاب قال أبو يوسف: يبيض بيده اليمنى رسغ اليسرى، وقال محمد
كذلك ويكون الرسغ وسط الكف، وقال ابن قدامة: يضعها كوعه وما
يقاربه./وقال القفال: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها
وساعدها، وهو مخيّر بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها
في صوبة الساعد، وأما متى يضعها، ففي المحيط: كما فرغ من التكبير، وعند
محمد: بعد الثناء، وقال أبو القاسم: الصغار يرسل إلى أن يفرغ من الثناء
والتسبيح، واختار الطحاوي: ويضعها كما يفرغ من التكبير، وفر، صلاة
الجنازة والقنوت قال: يضعهما تحت سرته، وبه قال أحمد، وعنه: فوق السرة
وعنه: هو مخير، وفي الحاوي للماوردي: والوسط تحت الصدر، قال النووي:
فوق السرة هذا هو الصحيح المنصوص، وعن أبي إسحاق: تحت السرة
والمذهب الأول، وفي كتابي أبي عيسى والطوسي، وقبلهما البخاري، وابن
دريد في كتاب الاشتقاق الكبير، والشيرازي في الألقاب، وأبو عبيد الله
المرزباني، وابن حبان في كتاب الصحابة، وخليفة في كتاب الطبقات، واسم
هلب: يزيد بن قتادة الطائي. كذا قالوه.
وقال العسكري وابن عبد البرّ في أحد قوليه، وابن عساكر وابن حزم في
الجمريزة، والطبري في المزيل بريد ابن عدي بن فتانة بن عدي بن عبد شمس
بن عدي بن حزم وابن يزيد، ذكر الكلبي: أن أبيه سلامة بن يزيد هو الهلب
стр. 1382
وهو الذي وفد على النبي- ﵌ ومسح برأسه، الأوّل
أصح، وكان وفد وهو أقرع فمسح النبي- ﵌ رأسه
فنبت شعره فسمّى الهلب، كذا رواه الرواة، وزعم أهل اللغة: أنه الهلب، قال
الكلبي في الجامع لأنساب العرب: وفيه قال الشاعر:
كأن زماني رأسه تارة … فأصبح الأقرع وأتى التكبير (١) .
/وفيه يقول عويج بن ضريس النبهاني:
أنا عويج ومعى سيف الهلب … أنا الذي أشجع من معد يكرب
وكما سمّاه الكلبي سمّاه ابن سعد لم يذكره غيره، والوزير أبو القاسم في
كتاب أدب الخواص، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم، زاد الوزير:
والتشديد فيه واقع على الباء.
***
стр. 1383
١٤٠- باب افتتاح القراءة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون عن حسين المعلم عن بريد
ابن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: " كان رسول الله- صلّى اللَّه
عليه وآله وسلّم- يفتتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين " (١) .
هذا حديث خرجه مسلم: " يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب
العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك " (٢) ، فذكر حديثًا
مطولًا. وقال أبو عمر في كتاب الإنصاف: هو حديث انفرد به بديل عن أبي الجوزاء،
أليس له إسناد غيره، وهما ثقتان لا يختلف فيهما إلا أنهم يقولون أن أبا الجوزاء لا يعرف
له سماع من عائشة، وجدنه عنها إرسال، وكذا قاله في التمهيد. انتهي. سماعه منها
لكن جائز لكونهما كانا في عصر واحد، وقد روى البخاري في تاريخه عن مسدد عن
جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك اليشكري عن أبي الجوزاء قال: " أقمت مع ابن
عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهما عنها قال البخاري:
في إسناده نظر. وفي كتاب الصلاة لأبي بكر الفرياني: ثنا مزاحم بن سعيد أنبأ ابن
المبارك، ثنا ابن طمهان، ثنا بديل عن أبي الجوزاء/قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة
أسأنها عن صلاة النبي- ﵌ فقالت: " كان يفتتح … "
الحديث، وفي هذا ما يبدء لمن يقول بالمعاصرة ولمن يقول بالنقطاع، ورواه أبو القاسم في
الأوسط من حديث عبد الرحمن بن بديل عن أبيه وقال: لم يروه عن عبد الرحمن إلّا
أبو داود الطيالسي.
стр. 1384
حدثنا محمد بن الصباح، أنبأ سفيان عن أيوب عن قتادة وثنا حبارة بن
أبي المفلس، ثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس: " كان رسول اللَّه- صلّى الله
عليه واله وسلّم- وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد للَّه رب
العالمين " (١) ، هذا حديث خرجه الأئمة الستة، وفي لفظ عند الشيخين:
" صليت خلف النبي- ﵌ وأبي بكر وعمر وعثمان
وعلي فلم أستمع أحدا منهم يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا
في آخرها ". ولفظ البخاري: " كانوا يفتتحون الصلاة " قال الإسماعيلي: إنما
هو القراءة، والقراءة تسمى صلاة، قال: يقال: (ولا تجهر بصلاتك) (٢) .
ولفظ ابن حبان: " أنَّ النبي- ﵌ وأبا بكر وعمر لم
يكونوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وكانوا يجهرون بالحمد لله رب
العالمين " (٣) .
وعند النسائي من حديث مسعود بن زادان عن أنس: " فلم يسمعنا قراءة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وصلى، بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما، وفي
لفظ من حديث شعبة عن ثابت عن أنس فإن كان ابن عبد البر قال: لا
يصح بشعبة عن ثابت، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا خطأ أخطأ فيه
الأعمش، إنما هو شعبة عن قتادة عن أنس، كذا هو المعروف.
وقال أبو عيسى في كتاب العلل الكبير: هذا وهم، والأصح/شعبة عن
قتادة عن أنس، وفي لفظ: " فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن
الرحيم، فافتتحوا بالحمد للَّه رب العالمين ". وعند النسائي (٤) من حديث مسعود
بن زادان عن أنس: " فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى ثنا
стр. 1385
أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما ". وفي لفظ من حديث شعبة وشيبان عن
قتادة وهي عند ابن خزيمة وعن شعبة عن ثابت عن أنس، وإن كان ابن عبد
البر قال: لا يصح لشعبة عن ثابت، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا خطأ
فيه الأعمش إنَّما هو شعبة عن قتادة عن أنس كذا هو المعروف، وقال أبو
عيسى في كتاب العلل الكبير: هذا وهم، والأصح شعبة عن قتادة عن أنس،
وفي لفظ: " فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم " (١) .
وفي لفظ: " فافتتحوا بالحمد "، وعند البيهقي: " لا يقرؤون " يعني: لا
يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال: كذا قال، وقوله: كانوا يستفتحون
القراءة بالحمد أولى. فقد رواه أصحاب قتادة عنه بهذا منهم حميد الطويل،
وأيوب الدستوائي، وابن أبي عروبة، وأبان العطار، وحماد بن سلمة. قال
الدارقطني: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره، عن أنس، وكذا قاله الخطيب في
كتاب الجهر بها، ووضح بأنّ ما عداه من ذكره التسمية غير ثابت. وعند
الطبراني: ثنا عبد اللَّه بن زهير الغزي، ثنا محمد بن أبي اليسرى، ثنا معتمر
عن أبيه عن الحسن وهو عند ابن خزيمة من حديث عمران القصير عن أنس:
" أنّ النبي- ﵌ كان يسر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم
وأبو بكر وعمر، رضى اللَّه عنهما " (٢) .
وقال الحافظ ضياء الدين: رواه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن/قال
الراوي عنه: الثقة المأمون عن عبد الله بن وهب بإسناده مثله. وفي سنن أبي
قرة عن سفيان عن أبان بن أبي عياش عنه: " كان النبي- صلّى اللَّه عليه وآله
ومسلّم- وأبو بكر وعمر يستفتحون بالحمد " (٣) . قلت لأنس: بسم الله
الرحمن الرحيم قال: خلفها. وفي كتاب الصلاة لأبي الحسين أحمد بن
محمد بن أحمد بن عمر الخفاف النيسابوري الحافظ بسند صحيح عن يعقوب
стр. 1386
ابن إبراهيم ثنا وكيع، ثنا شعبة عن قتادة بلفظ: " فلم يكونوا يفتتحون القراءة
ببسم اللَّه الرحمن الرحيم " (١) ، وفي لفظ: " يفتتحون القراءة في الصلاة
بالحمد للَّه "، وفي الأوسط للطبراني من حديث إبراهيم التيمي عن أنس:
" صليت خلف النبي- ﵌ حتى قضى وخلف أبي
بكر وعمر حتى قضيا فما سمعت أحدَا منهم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم
في الصلاة، وكانوا يفتتحون بالحمد " (٢) ، وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا
العوام بن حوشا. تفرد به عبد اللَّه بن حراش، وفي قول البيهقي وسعيد بن
أبي عروبة نظر؛ لما رواه ابن خزيمة من حديث ابن إدريس: سمعت ابن أبي
عروبة عن قتادة: " أن النبي- ﵌ لم يجهر ببسم اللًه
الرحمن الرحيم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان " (٣) .
وفي الأوسط من حديث مالك بن دينار عن أنس: " وكانوا يفتتحون
القراءة بالحمد، وكانوا يقرءون: مالك يوم الدين " (٤) ، وقال: لم يروه عن
مالك إلا أبو إسحاق الخميسي حازم، ومن حديث عابد بن شريح عنه: " فلم
يجهروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ". قال أبو عمرو: سئل عن ذلك فقال:
كبرت ونسيت. وعن الدارقطني بإسناد صححه عن أبي مسلمة سعيد بن/
يزيد قال: " سألت أنسَاس ن النبي- ﵌ يفتتح
القراءة في الصلاة ببسم الله وبالحمد للُّه فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني
عنه أحد " (٥) . قال أبو عمر: الذي عندي: أنه من حفظه حجة على من سأله
في حال نسيانه- واللَّه الموفق- قال الخطيب: هذا حديث صحيح الإسناد،
ثبت الرجال، لا علة فيه، ولا مطعن عليه.
وقال ابن الطاهر المقدسي في كتابه تصحيح التعليل: هو إسناد صحيح
متصل، لكن هذه الزيادة في متنه منكرة موضوعة، وقد تتبع الدارقطني في
стр. 1387
تصحيحه غير واحد؛ وذلك أنّ أبا سلمة رواه عن أنس: " أكان النبي- صلّى
الله عليه وآله وسلّم- يصلي في نعله؟ فقال: نعم " (١) ، لم يجاوز هذا اللفظ.
كذا رواه غير واحد من الأئمة، فبذلك أنّ رواية العباس عن غسان كرواية
الأئمة والعباس لا يجوز قبوله؛ لأن الراوي إنّما تصل عد أهل الفيض من الثقة
المجمع عليه، وفي البخاري: سئل أنس عن قراءة النبي- صلّى اللَّه عليه وآله
وسلّم- فقال: " كانت مدَا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم بمد بسم وبمد
الرحمن وبمد الرحيم ".
وعند مسلم (٢) عنه: " بينما رسول اللَّه- ﵌ ذات
يوم بين أظهرنا إذا أغفي إغفاءة ثم رفع رأسه متبسِّمَا فقلنا: ما أضحكك يا
رسول اللَّه قال: " نزلت علي سورة آنفَا فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (إنا
أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر) " (٣) ،
ومن حديث شريك عند الحاكم به، وقال: رواته عن آخرهم ثقات عن
أنس: " سمعت رسول اللَّه- ﵌ يجهر ببسم اللَّه
الرحمن الرحيم " (٤)
ومن حديث محمد بن المتوكل بن أبي/السرى، وقال: رواته ثقات، قال:
صليت خلف المعتمر من الصلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب؛ فكان يجهر
ببسم اللَّه الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وعزا ذلك لأبيه، وأبوه
لأنس، وقال أنس: ثنا الودان المقتدى بصلاة النبي- ﷺ
من حديث عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الطائي ثنا إبراهيم التيمي، وهو
стр. 1388
منكر الحديث عن المعتمر بنحو: " إن النبي- ﵌ كان
يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم " (١) .
ومن حديث أبي جابر شعيب بن عمرو: ثنا محمد بن أبي السرى ثنا
إسماعيل بن أبي أويس ثنا مالك عن حميد عنه: " صليت خلف النبي-
﵌ وخلف أبي بكر وخلف عمرو وخلف عثمان
وخلف علي، فكانوا لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم " (٢) .
قال الحاكم: إنما ذكرت هذا الحديث شاهدَا، وفي هذه الأخبار التي
ذكرتها معارضة لحديث قتادة الذي ترويه أئمتنا عنه. وقد بقى في الباب عن
أميري المؤمنين- علي وعثمان- وطلحة بن عبيد اللَّه، وحازم بن عبد الله،
وعبد الله ابن عمرو الحكم الثماني، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب،
وبريدة الأسلمي، وعائشة كلها عندي لكني تركتها إشارة للتخفيف،
واختصرت منها ما يليق بهذا الباب، وكذلك قد ذكرت في الباب من جهر
بالبسملة من الصحابة والتابعين وأتباعهم- رضى اللَّه عنهم-، وفي كتاب
الخطيب من حديث إسماعيل المكي عن قتادة عن أنس: " سمعت النبي-
﵌ يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم " (٣) ،
وفي هذا ردّ لما قاله وإن كان المكي ضعيفَا فليس مطرحَا بالمهملة، قال
الخطيب:/ثبت أن أنسا لم يسمع من النبي، والتيمي لم يبقى على سماعه
ذلك فيه كما قاله المكي؛ بل المطلق، فيحتمل أن يكون قد سمعه أنس من
بعض الصحابة فرواه عنه رواية مرسلة، ومرسل الصحابة حجة.
حدثنا نصر بن علي الجهمي وبكر بن خلف وعقبة بن مكرم قالوا: حدثنا
стр. 1389
صفوان بن عيسى ثنا بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة- أن
النبي- ﵌: " كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب
العالمين " (١) .
هذا حديث قال فيه أبو عمر في كتاب الإنصاف: بشر بن رافع عندهم
منكر الحديث قد اتفقوا على إنكار حديثه، وطرح ما رواه وترك الاحتجاج
به، ولا يختلف علماء أهل الحديث في ذلك، والذين يروون عن بشر: حاتم
بن إسماعيل وعبد الرزاق وصفوان بن عيسى، ولو صح حديثه احتمل من
التأويل أنه كان يفتتح لها دون غيرها من السور ولم يقل دون البسملة؛ لأن
البسملة في أوّل كل سورة مثله في المصحف، ورواه عبد الواحد بن زيد-
يعني: من عند مسلم- وهو منقطع، فإنّ مسلم قال في أوّله حديث عن يحيى
بن حسان ويونس بن محمد المؤذن وغيرهما، قالوا: ثنا عبد الواحد به.
ووصله البزار فقال: ثنا محمد بن مسكين الثمالي عن يحيى بن حسان ثنا
عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة أن النبي-
﵌: " كان إذا نهض في الثانية استفتح القراءة
بالحمد، ولم يسكت " (٢) ، قال عمر: وهذه رواية، يغني ظاهرها عن الكلام
فيها. انتهى كلامه. وفيه نظر في مواضع:
الأوّل: قوله: ولا يختلف علماء أهل الحديث/في ذلك أحد؛ لأنه مما قال
فيه أبو زكريا يحيى بن معين فيما رواه عباس: لا بأس به، وقال أبو أحمد ابن
عدي: لا بأس بأخباره ولم أجد له حديثًا منكرًا، وقال أبو بكر البزار: ليّن
الحديث، وقد احتمل حديثه وخرج له الحاكم في الشواهد، وقال: ليس
بالمتروك وإن لم يخرّجاه.
стр. 1390
الثانى: روى عنه غير من ذكر؛ وهو عبد الوهاب بن همام أخو عبد
الرزاق ويحيى بن أبي كثير، وهو من شيوخه.
الثالث: وحدثنا بهذا الحديث طريقًا على رسم الشيخين، قال الطبراني:
ثنا محمد بن العباس الأخرم ثنا أبو حفص عمرو بن علي ثنا أبو داود
الطيالسي ثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن سمعت الأعرج يحدّث عن أبي
هريرة أنّ النبي- ﵌: " كان إذا افتتح الصلاة قال:
الحمد لله رب العالمين ثم يسكت هنيهة " (١) . ثم قال: لم يروه عن شعبة إلا
أبو داود رواه أبو الحسن عن ابن صاعد، ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو داود عن
شيبة عن محمد بن عبد الرحمن عن سعيد بن زرارة سمعت الأعرج به،
وقال: لم يرفعه غير أبي داود عن شعبة، ووقفه غيره من فعل أبي هريرة.
وحديث العلاء بن عبد الرحمن المذكور عن مسلم قال أبو عمر بن عبد
البر، وهو أصح حديث روي في سقوط البسملة منْ أوّل الفاتحة، رواه مالك
عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام. سمعت أبا هريرة سمعت النبي-
﵌ يقول: قال الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني
وبن عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: الحمد للَّه رب العالمين، قال الله: حمدني
عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي … " (٢) .
الحديث.
رواه ابن جريج عن العلاء كرواية/مالك سواء، رواه شعبة والثوري وابن
عيينة عن العلاء عن ابنه عن أبي هريرة، ولم يذكروا أبا السائب؛ فمن أهل
العلم بالحديث من جعل هذا اضطرابًا يوجب التوقف عن العمل بحديث
стр. 1391
العلاء، ومنهم من قال: ليس هذا باضطراب؛ لأن العلاء روى هذا الحديث
عن أبيه، وعن أبي السائب جمعيا كذا رواه أبو أويس عنه، والقول عندي في
ذلك أن مثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لأن أباه وأبا السائب من الثقات؛ فعن
أيهما كان فهو من أخبار العدول التي يجب الحكم ما، وفي حديث منصور
ابن أبي مزاحم- وهو من أهل الصدق عندهم- ثنا أبو أويس عن العلاء عن
أبيه عن أبي هريرة أن النبي- ﵌: " كان لا يجهر
ببسم الله الرحمن الرحيم " (١) ، قال أبو عمر: بعض هذه الرواية رواية مالك،
وغيره أقوالها في نفسك يا فارس. ورواه الدارقطني من حديث يوسف بن
يعقوب ابن البهلول حدثني جدي، ثنا أبي، ثنا ابن سمعان عن عبد الله بن
سمعان عن زياد بن سمعان، وهو متروك الحديث، عن العلاء عن أبيه عن أبي
هريرة عن النبي- ﵌ قال: قال اللَّه: لا قسمت
الصلاة بيني وبن عبدي نصفين؛ يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: بسم اللَّه
الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، فأقول
حمدني عبدي " (٢) الحديث. ثم قال: رواه جماعة من الثقات عن العلاء؛
منهم: مالك وابن جريج، وروى ابن القاسم وابن عيينة وابن عجلان والحسن
بن الحراء وأبو أويس وغيرهم على اختلاف منهم في الإسناد، واتفاق منهم
على المتن، فلم يذكر أحد منهم في حديثه بسم الله الرحمن الرحيم، / واتفاقهم
على خلاف ما رواه ابن سمعان ضعيف لا يقدح بما بصروا- والله أعلم-
وقال الملاحي الغافقي الحافظ: تفرد آدم بن أبي إياس عن ابن سمعان بذكر
البسملة، وآدم من شرط الشيخين ومذهبهما أن الزيادة عندهما من الثقة
مقبولة. انتهي كلامه. قد أسلفناه من غير حديث آدم، والله تعالى أعلم.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية عن الحريري عن قيس
ابن عباية، قال: حدثني به عبد الله عن أبيه قال: قلت: ما رأيت رجلَا أشد
عليه في الإسلام، حدثنا منه فسمعني وأنا في الصلاة أقرأ بسم الله الرحمن
стр. 1392
الرحيم فقال: أي: من أباك، والحديث: " فإنى صليت مع رسول الله-
﵌ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع
رجلَا منهم يقوله؛ فإذا قرأت فقل: " الحمد للَّه رب العالمين " (١) .
هذا حديث قال فيه الترمذي والطوسي: حسن بلفظ: " فلا تقلها إذا أنت
صليت ". فقال: زاد أبو عيسى: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة
منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين؛ يقول
الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وفي مسند أحمد: " فكانوا لا
يستفتحون القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم " (٢) ، وفي لفظ: " كان أبونا إذا
سمع أحدنا يقول بسم اللَّه الرحمن الرحيم قال: إني صليت خلف النبي-
﵌ وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحلَا منهم يقول: بسم
الله الرحمن الرحيم " (٣) . وقال البيهقي: تفرد به أبو نعامة، واختلف عليه في
لفظه، وابن عبد اللَّه بن مغفل وأبو نعامة يحتج هما صاحبا الصحيح، وقد
قيل عن أبي عن أنس، وعاد فيه الشافعي/بحديث أنس عن معاوية- يعني:
الآتي بعد- وقال الخطيب: قد طعن بعض الفقهاء في مسنده، وقال قيس:
غير ثابت الرواية، قال: وقيس لا أعلم أحدَا بورعه في دينه ولا كثرة روايته،
ولكن ابن عبد الله مجهول، ولو صح حديثه لم يكن مؤثرَا في حديث أبي
هريرة؛ لصغره وكبر أبي هريرة، ولأنّ النبي- ﵌
كان يقول لأصحابه: " ليليني منكم أُولو الأحلام والنهى " (٤) ، وقال ابن خزيمة
في كتاب البسملة: مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول. وقال
الثوري: هش جماعة الترمذي في تحسينه إلى التساهل، وقالوا: هو حديث
(١) الحديث الأول من الباب ص ١٣٩٠.
(٢) رواه أحمد: (٣/١٧٩، ٢٧٥) .
(٣) الحديث الأوّل من الباب ص، ١٣٩.
(٤) صحيح. رواه مسلم في (الصلاة، باب " ٢٨ "، ح/١٢٢، ١٢٣) ، والمجمع (٢/
٤٩) ، والترمذي (٢٢٨) ،. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. والحميدي (٤٥٦) ،
وابن أبي شيبة (١/٣٥١) ، والطبراني (١٠/١/٢١٦/١٧٠٨، ٢١٧) ، والحاكم (١/
стр. 1393
ضعيف، وعلي تقدم الصحة فلا يلزم من عدم السماع عدم القراءة ما سواء،
وقال أبو عمر: وقد زعم قوم أن الحريري انفرد به، وليس هو عندي كذلك؛
لأنه قد رواه غيره عن قيس، والمفرد به قيس، وهو ثقة عند جميعهم، وأما ابن
عبد الله فلم يرد عنه إلا قيس في ما علمتم، ولم يروه عنه إلا واحدًا فهو
مجهول عندهم، والمجهول لا تقوم به حجة. ورواه معمر عن الحريري قال:
أخبرني من سمع ابن عبد اللَّه بن مغفل. ورواه إسماعيل بن مسعود عن
عثمان بن غياث عن أبي نعامة لم يذكر الحريري، فالحديث إنما يدور على ابن
عبد اللَّه، وقد تقدّم الخبر عنه، وفي لفظ لعثمان بن غياث: " كان إذا سمع
أحدا يقرأ (١) بسم اللَّه الرحمن الرحيم ". انتهى. وفيما تقدم من الكلام جميعه
نظر؛ لما يذكر بعد من أن الصواب قول من حسنه، وأنّ أبا نعامة لم ينفرد به،
وأنّ ابن عبد الله بن مغفل ليس مجهولا، وقال البيهقي: لم يحتجا به غير
مؤثر في عدالته؛ لأنهما لم يشترطا الإخراج عن كل ثقة ولا التزماه ولو
اشترطاه لم لما أطاقاه، وأما قول من زعم أن ابن مغفل صغير فغير صواب؛ لأنه
ممن بايع تحت الشجرة، ومن الكاتبين، ومن الفقهاء الذين أرسلهم عمر ليفقهوا
أهل البصرة، فعلى هذا يكون سنه من سنَّ أبي هريرة: [قد سمعت رسول
اللَّه ﷺ يقرأ بالطولي الطوالي " (٢) ، رواه البخاري، وزاد ابن حبان مالك يقرأ
في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنا أعطيناك الكوثر، فقال زيد فحلف باللَّه لقد
رأيت النبي- ﵌ الحديث، وسئل ابن أبي مليكة ما
طولى الطوليين؟ فقال: من قبل نفسه المائدة والأعراف وفي النسائي (٣) من
حديث أبي الأسود أنه سمع عروة يُحدّث عن زيد أنّه قال لمروان: أبا عبد
الملك أتقرأ في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنّا أعطيناك الكوثر؟ فقال: نعم،
قال محلوفه: " لقد رأيت النبي- ﵌ بقرأ فيها بأطول
الطوليين المص " (٣) ، وفي البيهقي: ورواه محاضر بن المورع عن هشام عن أبيه
стр. 1394
عن زيد عن النبي- ﵌ هذا المعنى، والصحيح الأول
يعني رواية البخاري، وفي العلل الكبير للترمذي: سألت محمدَا عن حديث
محمد بن عبد الرحمن الطناوي عن هشام عن أبيه عن أبي أيوب وزيد بن
ثابت قالا: " كان النبي- ﵌ يقرأ في الركعتين
الأولتين من المغرب الأعراف " (١) ، فقال: الصحيح: عن هشام عن أبيه عن
أبي أيوب أو زيد هشام بن عروة يشك في هذا الحديث. قال أبو عيسى:
وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت رواه ابن أبي مليكة عن عروة عن
مروان عن زيد. انتهى. ورواه وكيع في مصنفه عن هشام / على الشك،
وذكر هو المعنى عند البخاري- واللَّه أعلم- وفي مسند السراج: ثنا أبو همام،
ثنا محاصر، ثنا هشام عن أبيه عن زيد بن ثابت عن أبي أيوب: " أن النبي-
﵌ كان يقرأ في المغرب بسورة الأعراف في الركعتين
كلت] هما في المكتوبة " (٢) ، وفيه ردّ لما ذكره الحاكم، وهو حكمه على
حديث عروة عن زيد بالصحة على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال، ولم
يخرجاه هذا اللفظ إنّما اتفقا على حديث مروان عن زيد، وحديث محاضر
هذا معسر ملخص، وقد اتفقا على الاحتجاج به، وفي سنن البيهقي: قلت
لابن أبي مليكة: ما طولى الطوليين؟ قال: الأنعام والأعراف، وفي الأطراف
لابن عساكر: قيل: ما هما؟ قال: الأعراف ويونس، وفي كتاب أبي عبد
الرحمن النسائي عن عمرو بن عثمان: ثنا بقية وأبو حيوة عن ابن أبي حمزة،
ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: " أن رسول اللُّه- صلّى اللَّه عليه وآله
وسلّم- قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين " (٣) ، وهو
سند ظاهر الصحة، ولا ما ذكره ابن أبي حاتم سمعت أبي، وثنا عن هشام
بن عمار عن الدراوردي عن هشام عن أبيه عن عائشة به فقال: هذا خطأ؛
إنّما هو عن أبيه عن النبي- ﵌ مرسل، ولقائل أن
стр. 1395
يقول: شعيب بن أبي حمزة والدراوردي ثقتان تواردا على رفعه، والزيادة من
الثقة مقبولة، فالحديث على هذا صحيح- والله أعلم- وحديث عبد الله بن
عتبة بن مسعود: " أن رسول اللَّه- ﵌ قرأ في
المغرب بالدخان " (١) ، رواه أيضا بسند صحيح عن محمد بن عبد الله بن يزيد
ثنا أبى ثنا حيوة ورجل أخر قالا: ثنا جعفر بن ربيعة أن/عبد الرحمن بن
هرمز حدّثه أنَّ معاوية بن عبد اللَّه حدثه عنه، وحديث أبي عبد الله
الصالحي: " أنه صلى وراء أبي بكر المغرب فقرأ في الركعتين الأولتين بأم القرآن
وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوت منه حتى أن يتأتى
مكان تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن، وهذه الآية: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد
إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) " (٢) ، رواه مالك
في موطإه عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي عن
قيس بن الحرث عنه، وحديث جابر بن سمرة- رضى الله عنه- قال:
" كان- ﵊ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: قل يا أيها
الكافرون، وقل هو اللَّه أحد " (٣) . ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن
مردويه في كتاب أولاد المحدثين تأليفه بسند حسن من حديث أبي قلابة
الرقاشي عن أبيه أنبأ سعيد بن سماك عن أبيه عنهما، ولما ذكره ابن حبان
سعيدًا في الثقات قال: روى عن أبيه أنّه قال: لا أعلمه إلا عن جابر بن
سمرة: " كان النبي- ﵌ يقرأ في صلاة العشاء
الأخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين " (٤) ، ثنا به جماعة من شيوخنا عن
أبي قلابة ثنا أبي سعيد بن سماك، والمحفوظ: عن سماك أنّ النبي- صلّى اللَّه
عليه وآله وسلم- فذكره، وفيه نظر؛ لما ذكره بعد في صحيحه: أنبأ يعقوب
стр. 1396
بن يوسف بن عاصم ثنا أبو قلابة ثنا أبي سعيد بن سماك حدثنى أبي قال: لا
أعلمه إلّا عن جابر بن سمرة قال: " كان النبي- ﵌
يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بقل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحد،/
ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة بالمنافقين " (١) . وقد وقع لنا هذا الحديث
عاليا: أنبأ به أبو علي الحسن بن عمر بن خليل قراءة علينا من لفظه أنبأ أبو
الميحاء عبد الله بن عمر بن اللثق قراءة عليه وأنبأ أبو المعاني النحاس، أنبأ أبو
عبد اللَّه بن السراج أنبأ أبو علي بن شاذان، أنبأ أبو عمرو الدّقاق أنبأ أبو قلابة
يذكره مطولًا بذكر الصلاتين، وذكر الإمام أبو عبد الله مالك بن يحيى بن
أحمد الإشبيلي في كتابه اختصار التمهيد لأبي عمر: روى عن النبي- صلّى
اللَّه عليه وآله وسلّم-: " أنه قرأ في المغرب بالصافات وبالمعوذتين " (٢) ،
وحديث معاوية بن عبد اللَّه: " أن رسول الله- ﵌
قرأ في المغرب حم التي فيها الدخان " (٣) . ذكره المديني في كتاب المستفاد في
الصحابة من حديث جعفر ابن ربيعة عن الأعرج عنه، وهو سند صحيح،
وحديث أبي هريرة، وقد تقدَّم ذكره في باب ما يقرأ في الظهر والعصر،
وخرّج أبو داود في سننه في هذا الباب حديث أبي إسحاق عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جدّه أنه قال: " ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا
وقد سمعت رسول اللَّه- ﵌ يؤم الناس بها في
الصلاة مكتوبة " (٤) . قال صاحب تقريب المدارك: هذا حديث سنده صحيح
عند البخاري وغيره، وحديث هشام ابن عروة أن ابن أبان كان يقرأ في صلاة
المغرب بنحو مما يقرءون العاديات ونحوها من السور (٥) واتبعه في أثره، قال
أبو داود: هذا يدّل على أنّ ذاك منسوخ وحديث قرة عن الغزال عن عمار
عن أبي عثمان أنه. " صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ قل هو اللَّه
стр. 1397
أحد " (١) ورواهما أبو داود، وحديث بريدة: " كان النبي- صلّى الله عليه
وآله وسلم- يقرأ في المغرب / والعشاء: والليل إذا يغشى والضحى، وكان يقرأ
في الظهر والعصر بسبح اسم ربك الأعلى، وهل آتاك حديث الغاشية " (٢) .
رواه البزار بسند صحيح عن ابن عبد اللَّه بن بشر بن آدم ثنا زيد بن حباب،
أنبأ الحسين بن واقد عن عبد اللَّه بن بريدة عنه، وعند الترمذي بهذا السند:
" كان- ﵊ يقرأ في العشاء الأخرة بالشمس وضحاها
ونحوها من السور "، وقال: حديث بريدة حديث حسن، وحديث البراء بن
عازب قال: " صليت مع النبي- ﵌ المغرب، فقرأ
بالتين والزيتون ". رواه السراج في مسنده بسند صحيح عن قتيبة، ثنا الليث
عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عنه، كذا في نسختي وهي أم كتبها
ابن النجار المؤرّخ، وضبطها وقرأها، وهي أصل جماعة من الحفاظ وعلى
المغرب بصحيح؛ لاًن المحفوظ عن البراء هذه القراءة كانت في العشاء،
وسيأتي ذكره- إن شاء الله تعالى- وحديث جابر: " أنّه كان رجل من
الأنصار يعمل على ناضحين له، فجاء مبادرًا إلى صلاة المغرب فصلى مع
معاذ، فقرأ سورة البقرة فصلى الرجل في ناحية المسجد ثم انصرف، فقال-
﵊: " أفتَّان يا معاذ … ثلاث مرات هلا قرأت: والشمس
وضحاها، وسبح اسم ربك، ونحوهما " (٣) . ذكره السكسكي في مسنده
بسند صحيح، فقال: ذكر سفيان عن محارب بن دثار عنه، كذا قال
المعرف، وسيأتي ذكره، ويؤيّده ما ذكره النسائي في الكبير: " ويرَخم القراءة
في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى ". أنبأ محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن،
ثنا سفيان عن محارب فذكر مثله، ويوضحه ما في صحيح البستي ذكر الخبر
стр. 1398
الدال على أن المغرب ليس لها/وقت واحد. أنبأ ابن الجنيد، ثنا قتيبة، ثنا
حماد بن زيد عن عمرو عن جابر: " أن معاذَا كان يصلى مع النبي- صلى
الله عليه وآله وسلم- المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم ". ولما ذكره أبو
القاسم في الأوسط قال: لم يروه عن محمد بن قيس- يعني: عن محارب-
إلّا وهيب بن إسماعيل الأسدي، وفي موضع آخر: " فلما أقيمت صلاة
المغرب أتى المسجد فوجد معاذَا افتتح سورة البقرة ". وقال: لم يروه عن
الشيباني عن محارب الأخلد بن عبد الله، وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى
الأخذ بحديث أم الفضل وجبير، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي
أن يقرأ في المغرب إلا بقصار المفصل، دليلهم ما رواه أبو الزبير عن جابر:
" أنهم كانوا يصلون المغرب ثم يرجعون " (١) ، وروى حماد عن ثابت عن
أنس: " كنا نصلي المغرب مع النبي- ﵌ ثم يرمي
أحدنا فيرى مواقع نبله " (٢) ، وقد أنكر على معاذ تطويل العشاء مع سبقه وقتها
فالمغرب أحرى بذلك، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي وجمهور العلماء،
قوله: والمرسلات عرفا، وقال: النواهي الملائكة ترسل العرف، وفي تفسير ابن
عباس: يعني: الرسل من الملائكة ومن الأنس؛ أرسلوا بكل معروف وخير
وبركة، وفي تفسير عبد بن حميد الليثي عن عبد الله بن مسعود وقتادة قالا:
هي الريح، وأما الطور؛ فعن ابن حبان أن رسول الله- صلى الله عليه وآله
وسلم- خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا، فأنزل الله تعالى
يقسم بستة أشياء أن العذاب ذلك بهم. والطور: الجبل الذي كلم عليه
موسى- علمِه السلام- لغة سريانية، وكذا ذكره لم يبين أي طور المقسم به
لكونهم سبعة جبال يقال: لكلّ واحد منها الطور الأول: وطور زيتَا جبل/
بقرب رأس عين، الثاني: طور زيتا جبل بالقدس، وبه مات سبعون ألف نبي
قتيبة الجوع، الثالث: علم بحبل مطل على ضبري، الرابع: جبل بنى مصر
وفاران، الخامس: طور سيناء، هذا هو المقسم به- والله أعلم- جبل بأيلهَ
стр. 1399
وقيل: الشام، السادس: طور عبدين متصل بالجودي، السابع: طور هارون-
﵇ جبل في صلى البيت المقدس، والله أعلم.
стр. 1400
١٤١- باب القراءة في صلاة العشاء
حدثنا محمد بن الصباح أنبأ سفيان ابن عيينة ح، وثنا عبد اللَّه بن عامر
بن زرارة، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة جميعًا عن يحيى بن سعيد عن
عدي بن ثابت عن البراء بن عازب: " أنه- ﵌
صلى العشاء الآخرة. قال: فسمعه يقرأ بالتين والزيتون " (١) ، وفي لفظ: " فما
سمعت إنسانًا أحسن صوتًا وقراءة منه " (٢) . هذا حديث خرجاه في
صحيحيهما، وعند البخاري: " أن النبي- ﵌ في
سفر … "، وقد تقدم ذكره قيل: وفي سن النسائي (٣) " فقرأ في الركعة الأولى
بالتين والزيتون ".
حدثنا محمد بن رمح أنبأ الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر: اًن
معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال النبي- صلى اللَّه
عليه وآله وسلم-: " اقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل
إذا يغشى، واقرأ باسم ربك " (٤) . هذا حديث خرجاه بلفظ: " كان معاذ
يصلى مع النبي- ﵌ يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع
النبي- ﵌ العشاء ثم أتى قومه فأمّهم/فافتتح بسورة
البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له: أنافقت يا
فلان؟! قال: لا والله، ولآتين رسول الله- ﵌
فلأخبره فأتى رسول الله- ﵌ فقال: يا رسول الله إنَّا
стр. 1401
أصحاب تواضع نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء ثم أتانا فافتتح
البقرة، فأقبل رسول الله- ﵌ على معاذ فقال: " يا
معاذ أفتان أنت؟! اقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم
ربك، والليل إذا يغشى " (١) ، وفي صحيح ابن حبان: " اقرأ بالسماء والطارق،
والسماء ذات البروج "، وفي كتاب النسائي (٢) : " وإذا السماء انفطرت "، وفي
سن البيهقي لم يقل أحد فسلم إلّا ابن عباد المكي عن سفيان، وفي كتاب
أبي قرّة: " والضحى وهذا النحو "، وفي كتاب أبي القاسم الأوسط: " وسبح
اسم ربك الأعلى "، وفي كتاب السراج: " والفجر "، وفي كتاب مسند أبي
وهب: " خفَّف على الناس ولا تشن عليهم " (٣) ، وفي كتاب أبي داود بسند
حسن عن حزم بن أبي بن كعب أنه أتى معاذًا وهو يصلى بقوم صلاة المغرب
في هذا الخبر قال: فقال ﵇: " يا معاذ لا تكن فتانًا، فإنه يصلى
وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة والمسافر " (٤) . رواه عن موسى بن إسماعيل
ثنا طالب بن حبيب قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر بحديث عنه، وفي
كتاب المستفاد بالنظر والكتابة من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر:
" أن معاذ صلى بالأنصار المغرب، وأن حازمًا الأنصاري لم يصبر لذلك فغضب
عليه معاذ … " الحديث، وفي مسند أحمد: ثنا عفان، ثنا وهيب عن عمرو بن
يحيى عن معاذ بن رفاعة أنّ رجلًا من بنى سلمة يقال له: سليم، أتى النبي-
صلّى اللَّه/عليه وآله وسلّم- فقال: يا رسول الله إن معاذًا يأتينا بعد ما ينام،
стр. 1402
ويكون في أعمالنا بالنهار فينادى بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا في
الصلاة. فقال- ﵇: " يا معاذ إمَّا أن تخفّف بقومك، وإمَّا أن
تجعل صلاتك معى " (١) . وقال ابن حزم: هذا منقطع؛ لأنّ هذا الثانى فْتل يوم
أحد، وكذا ذكره البزار.
وفي الأحكام لأبي الطوسي: ثنا المؤمل بن هشام، ثنا ابن علية عن عبد
العزيز بن صهيب عن أنس: " أنّ معاذا كان يؤم فدخل حرام المسجد ليصلي
مع القوم، فلما رآه تجوّز في صلاته، ولحق بنخله ليسقيه … " (٢) الحديث،
وقال: يقال: هذا حديث حسن. وفي مسند أحمد بسند صحيح عن بريدة:
أن معاذا صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: اقتربت الساعة، فقام رجل من قبل
أن يفرغ فصلى، وذهب فقال له معاذ قولا ثديدا، فأتى النبي- صلّى الله عليه
وآله وسلّم- فقال لمعاذ: " صل بالشَّمس وضحاها ونحوها من السور " (٣) .
وفي مسند الشافعي: " فقرأ سورة النساء والبقرة "، كذا رأيته بخط شيخنا أبي
محمد المسحي- رحمه اللَّه تعالى-، وفي سنن أبي الحسن بسند صحيح ما
تبين أن الصلاة التي صلاها مع النبي- ﵌ كانت
فرضا لا نافلة، خلا حديث معاذ بن رفاعة ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا إبراهيم
مرزوق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أخبرني جابر بن عبد
اللَّه أن معاذًا كان يصلي مع النبي- صلّى اللَّه. عليه وآله وسلّم- العشاء ثم
ينصرف إلى قومه فيصلى بهم، فهي له ولهم فريضة. ثنا أبو بكر، ثنا عبد
الرحمن بن بشر وأبو الأزهر ثنا عبد الرزاق/أنبأ ابن جريج أخبرني عمرو بن
دينار أخبرني جابر مثله، وفي مسند الشافعي أنبأ عبد المجيد عن ابن جريج قال
الربيع: قيل: هو عن ابن جريج، ولم يكن عندي ابن جريج عن عمرو عن
стр. 1403
جابر به، وقال البيهقي: وكذلك رواه حرملة عن الشافعي بغير شك، قال
الشافعي: وهو حديث ثابت لا أعلم حديثا يروى من طريق واحدة أثبت من
هذا ولا أوثق رجالًا، قال البيهقي: وكذلك رواه أبو عاصم وعبد الرزاق عن
ابن جريج هذه الزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد رويت هذه الزيادة من
وجه آخر عن جابر. قال الشافعي: أنبأ إبراهيم بن محمد عن ابن عجلان عن
عبيد الله ابن مقيم عن جابر به، ولفظه: " فيصلى لهم العشاء وهي له نافلة ".
قال البيهقي: ولأصل إلا ما كان موصول الحديث يكون منه، وخاصة إذا
روى من وجهين إلَّا أن يقوم دلالة على التمييز، والظاهر أنَّ هذه الزيادة من
قول جابر، وكان الصحابة أخشى للَّه من أن يقولوا مثل هذا، ولا يعلم من
زعم أنّ ذلك كان مع النبي- ﵇ يبطن النخل حين كان يفعل
الفرض مرتين في اليوم ثم نسخ فقرأ ووعى ما لا يعرف. وحديث عمرو بن
شعيب عن سليمان مولى ميمونة عن ابن عمر مرفوعًا: " لا تصلوا صلاة في
يوم مرتين " (١) ، لا يثبت ثبوت حديث معاذ للاختلاف في الاحتجاج برواية
عمرو وانفراده به، والاتفاق على الاحتجاج بروايات رواها معاذ، ثم ليس به
دلالة على كونه شرعًا ثابتًا ثم نسخ، فقد كان- ﵇ يرغبهم في
إعادة الصلاة بالجماعة، ويحتمل أن يكون قال ذلك في حين لم يسن إعادة
الصلاة بالجماعة لإدراك فضيلتها، وقد وقع/الإجماع على بعض الصلوات أنها
تعاد. قال أبو جعفر: قد روى ابن عيينة عن عمرو حديث جابر هذا ولم
يذكر هذه الزيادة، قال: ويجوز أن يكون ذلك من كلام ابن جريج، أو من
قول عمرو، ومن قول جابر ثنا على الظن والاجتهاد لا يجزم. انتهي كلامه.
وفيه نظر؛ لما ذكره الشيخ موفّق الدّين من أنّ الإمام أحمد بن حنبل سئل عن
هذه الزيادة، فقال: أخشى أن لا تكون محفوظة؛ لأن ابن عيينة يزيد فيها
كلامًا لا يقوله أحد، وقد روى هذا الحديث منصور وشعبة ولم يقولا ما قال
ابن عيينة، قال الموفق: يعني زيادة هي له تطوع ولهم فريضة، وفال ابن
стр. 1404
الجوزي: هذا لا يصح ولو صح ظنًّا من جابر، وفي المعارضة: ليس في
الحديث كيفية صلاة معاذ، وقول جابر: " هي له تطوع " إخبار عن أمر غائب،
ومن أين الجائز مما كان ثبوته معاذ، ومقاتل أن يقول هذه الزيادة ولم ينفرد بها
ابن عيينة، ولو تفرد يعد تفردًا صحيحًا؛ لأنه لم يقبل تفرده ولو صححه؛ بل
يؤكد ما خرجه الشيخان عن جابر: " أن النبي- ﵌
صلى بأصحابه بطائفة منهم ركعتين ثم تأخر وصلى بالأخرى ركعتين " (١) ،
قال البيهقي: وفي حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عنه: " أن
النبي- ﵌ صلى بأصحابه بطائفة منهم ركعتين ثم
سلَّم، ثم صلى بالأخرى ركعتين ثم سلم ". قال: وكذلك رواه يونس بن عبيد
عن الحسن عن جابر. وثبت معناه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن
جابر، ومن حديث الحسن عن أبي بكرة عند أبي داود: " أن النبي- صلّى الله
عليه وآله وسلّم- صلى هؤلاء ركعتين وبهؤلاء ركعتين / فكانت للنبي- صلّى
اللَّه عليه وآله وسلم- أربعَا، لكل ركعتان ركعتان ". قال الشافعي: ولا خبرة
من هاتين للنبي- ﵇ نافلة وللآخرين فريضة، وأنبأ مسلم عن ابن
جريج: أنَّ عطاء كان يفونه العتمة فيأتي الناس في القيام فيصلى معهم ركعتين
ثم بنى عليها ركعتين، وأنه رآه فعل ذلك ويعتد به العتمة، قال الشافعي:
وكان وهب بن منبه، والحسن، وأبو رجاء- يعني: يفعلون ذلك-، ويروى
عن عمر بن الخطاب وعن رجل أو اثنين من الأنصار مثل هذا المعنى، ويروى
عن أبي الدرداء، وابن عباس قريب منه وطاوس، والزنجي، وابن مهدي، ويحيى
بن سعيد، واحتج بقوله- ﵇: " من يتصدق على هذا فيصلى
معه؟! " (٢) . وهو حديث صحيح. قال في المعرفة: وروى عن ابن عائذ عن
نفر من الصحابة أنهم فعلوا ذلك. زاد بن بطال وابن المدر وسليمان بن حرب
وأبو ثور وداود، ورواية عن أحمد، وصنع من ذلك أبو حنيفة ومالك، ورواية
أبي الحرث عن أحمد.
стр. 1405
قال ابق قدامة: أجاز هذه الرواية أكثر أصحابنا وهو قول الحسن، وابق
المسيب، والنخعي، وأبي قلابة، وربيعة، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، ومجاهد مستدلين بقوله- ﵊: " فلا يختلفوا
عليه "، ولا اختلاف أعظم من اختلاف الثبات، وبقوله- ﵇:
" الإمام ضامن " (١) ، يعنى: يضمنها صحة وفسادا أو الفرض ليس مضمونَا في
النفل، وبقوله: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " (٢) ، مفهومه: أنه
لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المجزوم وقوع الخلاف على الأئمة،
وهو منتفي مع الاتفاق من الجمهور/على جواز صلاة المتنفل مع الفرض، ولو
تناوله النهي لما جاز مطلقَا؛ فعلم أن المراد: الانفراد عن الإمام بما يشوش عليه،
قال ابن العربي: وقوله: لا يظن معاذ تفويت صلاة الفرض خلفه- عليه
السلام- قلنا: سائر أئمة مساجد المدينة أليس كانت الفضيلة تفوتهم معه عليه
السلام أو امتثال أمره- ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، أو يحتمل
أن يكون معاذَا يصلي مع النبي- ﵌ صلاة النهار،
ومع قومه صلاة الليل إذ يحتمل على أنفَا حكاية حال لم تعلم كيفيتها فلا
يعمل بها. وزعم المهلب أنّ ذلك يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام وقت
عدم القراءة، ووقت لا عوض لهم عن معاذ فكانوا حاضرون فلا تجعل أصلا
يقاس عليه. انتهى. يؤيّد قوله: ما أسلفناه في حديث ابن رفاعة، وأنّ ذلك